النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (٩) الليث. وأخرجه النسائي في القطع عن الحارث بن مسكين عن ابن وهب. وأما التعليق عن الليث فأخرجه أبو داود عن محمد بن يحيى بن فارس عن أبي صالح لكن بغير هذا اللفظ، وظهر أن هذا اللفظ لابن وهب. قوله: ((أن امرأة))، اسمها: فاطمة بنت الأسود. قوله: ((ثم أمر بها فقطعت))، فيه حذف يعني: بعدما ثبت عند النبي، عَّلّهِ: بشروطه أمر بقطع يدها. وفيه: أن المرأة كالرجل في حكم السرقة. وفيه: أن توبة السارق إذا حسنت لا ترد شهادته بعد ذلك. ٢٦٤٩/١٥ - حدَّثنا يَخْلِى بنُ بُكَيْرِ قال حدثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلِ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عبدِ الله عنْ زَيْدِ بنِ خالِدٍ رضي الله تعالى عنه عَنْ رسولَ الله عَّلَّهِ أَنَّهُ أَمَرَ فِيمَنْ زَنَى ولَمْ يُحْصِنْ بِجِلْدِ مائَةٍ وَتَغْرِيبٍ عامٍ. [انظر الحديث ٢٣١٤ وأطرافه]. مطابقته للترجمة من حيث إنه عَّه لم يشترط على الذي زنى وأقيم عليه الحد ذكر التوبة، وإنما قال في ماعز: حصلت التوبة بالحد، وكذا في هذا الزاني. ورجال هذا الحديث قد ذكروا غير مرة بهذا النسق، ومفرقين أيضاً، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وزيد بن خالد الجهني، رضي الله تعالى عنه. والحديث أخرجه مسلم في الحدود عن قتيبة ومحمد بن رمح وعن أبي الطاهر وحرملة. قوله: ((بجلد مائة))، الباء فيه متعلق بقوله أمر. وقوله: ((فيمن زنى)) في محل النصب على المفعولية بقوله: ((يجلد مائة))، لأن المصدر يعمل عمل فعله. قوله: ((ولم يحصن)، بفتح الصاد وكسرها والواو فيه للحال. والحديث احتج به الشافعي ومالك وأحمد على أن الزاني إذا لم يكن محصناً يجلد مائة جلدة ويغرب سنة. وقال أصحابنا: لا يجمع بين جلد ونفي، لأن النص جعل الجلد مائة والزيادة على مطلق النص نسخ، والحديث منسوخ، ولأن في التغريب تعريضاً للفساد، ولهذا قال علي، رضي الله تعالى عنه: كفى بالنفي فتنة، وعمر، رضي الله تعالى عنه، نفى شخصاً فارتد، ولحق بدار الحرب، فحلف أن لا ينفي بعده أبداً، وبهذا عرف أن نفيهم كان بطريق السياسة والتعزير لا بطريق الحد. لأن مثل عمر لا يحلف أن لا یقیم الحدود، والله أعلم. ٩ - بابٌ لا يَشْهَدُ على شِهَادَةِ جَوْر إذَا أُشْهِدَ أي: هذا باب يذكر فيه: لا يشهد الرجل على شهادة جور، وهو الظلم والحيف والميل عن الحق. قوله: ((إذا أشهد))، على صيغة المجهول. ١٦/ ٢٦٥٠ - حدَّثنا عبْدَانُ قال أخبرنا عَبْدُ الله قال أخبرنا أَبُو حَيَّنَ النَّيْمِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ عنِ النُّعْمَانِ بنِ بَشيرٍ رضي الله تعالى عنهُما قال سألَتْ أَمِّي أَبِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِي ٣٠٢ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (٩) مِنْ مالِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَوَهَبَهَا لِي فِقالَت لا أَرْضُى حتَّى تُشْهِدَ النبيُّ عَ لَّهِ فَأَخَذَ بِيَدِي وأنَا غُلامٌ فَأَتَى بِيَّ النبيَّ عَّلِ فقال إنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَواحَةَ سألَثْنِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِهذا قال أَلَّكَ وَلَدٌ سِواهُ قال نَعَمْ قال فأَرَاهُ قال لا تُشْهِذْني عَلَى جَوْر. وقال أَبُو حَرِيزِ عنِ الشَّعْبِيِّ لا أَشْهَدُ على جَوْر. [انظر الحديث ٢٥٨٦ وطرفه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: إذا أشهد، لأنه لا يشهد على جور إذا لم يستشهد بطريق الأولى، وعبدان هو عبد الله بن عثمان المروزي، وعبد الله هو ابن المبارك المروزي وأبو حيان، بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف وبالنون التيمي، بفتح التاء المثناة من فوق، واسمه: يحيى بن سعيد الكوفي، والشعبي هو عامر بن شراحيل. والحديث مضى في كتاب الهبة في: باب الهبة للولد وفي: باب الإشهاد في الهبة. قوله: ((الموهبة)) بمعنى: الهبة مصدر ميمي. قوله: ((ثم بدا له)) أي: ندم من المنع كأنه منع أولاً ثم ندم على ذلك. قوله: ((بنت رواحة)) بفتح الراء والواو المخففة، وبالحاء المهملة: وهي عمرة بنت رواحة، مرت هناك. قوله: ((على جور))، الجور هنا بمعنى الميل عن الاعتدال والمكروه جور أيضاً، وذلك لأن الجور بمعنى الظلم مشعر بالحرمة. قوله: ((وقال أبو حریز))، بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وبالزاي وهو عبد الله بن الحسين الأزدي قاضي سجستان، وقد ذكرنا في الهبة من وصله، وفي بعض النسخ وقع قوله: ((وقال أبو حريز ... )) إلى آخره قبل الحديث المذكور، وقال صاحب (التلويح): وقع في غير ما نسخه: قال أبو حريز ... إلى آخره، ثم ذكر الحديث. وفي نسخة ذكره بعد إيراده لحديث النعمان بن بشير، وكأنه أولى. ٢٦٥١/١٧ _ حدَّثنا آدَمُ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال حدَّثنا أَبُو جَمْرَةَ قال سَمِعْتُ زَهْدَمَ بِنَ مُضَرِّبٍ قالِ سَمِعْتُ عِمْرَانَ بِنَ محُصَيْن رضي الله تعالى عنهُما قال قال النبيُّ عَّ خِيْرُ كُمْ قَرْنِيَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ قَالَ عِمْرَانُ لا أَدْرِي أَذَكَرَ النبيُّ عَّهِ بَعْدُ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلاثَةً قال النبيُّ عَلَّلِ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْماً يَخُونُونَ وَلاَ يُؤْتَمَنُونَ ويَشْهَدُونَ وَلا يُسْتَشْهَدُونَ ويَنْذِرُونَ وَلاَ يَفُونَ ويَظْهَرُ فيهِمُ السَّمَنُ. مطابقته للترجمة في قوله: ((ويشهدون ولا يستشهدون))، لأن الشهادة قبل الاستشهاد فيها معنى الجور. وأبو جمرة، بالجيم والراء: نصر بن عمران الضبعي، وقد مر في أواخر كتاب الإيمان، و: زهدم، بفتح الزاي وسكون الهاء وفتح الدال المهملة: ابن مضرب، بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء: الجرمي البصري. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في فضل الصحابة عن إسحاق بن إبراهيم وفي الرقاق عن بندار عن غندر وفي النذور عن مسدد عن يحيى بن سعيد. وأخرجه مسلم في الفضائل عن أبي بكر وأبي موسى وبندار، ثلاثتهم عن غندر وعن محمد بن حاتم عن عبد الرحمن بن بشر. وأخرجه النسائي في النذور عن محمد بن عبد الأعلى، سبعتهم عن شعبة عن أبي جمرة. ٣٠٣ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (٩) ذكر معناه: قوله: ((قرني)) قال ابن الأنباري: المعنى: خير الناس أهل قرني، فحذف المضاف، وقد يسمى أهل العصر قرناً، لاقترانهم في الوجود، وقال القرطبي: هو بسكون الراء من الناس أهل زمان واحد، وقال ابن التين معنى قوله: ((قرني)) أي: أصحابي من رآه أو سمع كلامه، فدان به، والقران أهل عصر متقاربة أسنانهم، وقال الخطابي: واشتق لهم هذا الإسم من الاقتران في الأمر الذي يجمعهم، وقيل: إنه لا يكون قرناً حتى يكونوا في زمن نبي أو رئيس يجمعهم على ملة أو رأي أو مذهب. وقال ابن التين: سواء قلَّت المدة أو كثرت. وقيل: القرن ثمانون سنة. وقيل: أربعون، وقيل: مائة سنة. قال القزاز: واحتج لهذا بأن النبي، عَّه مسح بيده على رأس غلام، وقال له: ((عش قرناً)، فعاش مائة سنة. قال ابن عديس: قال ثعلب: هذا هو الاختيار، وقال ابن التين: وقيل: من عشرين إلى مائة وعشرين وقيل: ستون، وقال الجوهري: ثلاثون سنة، وقال ابن سيده: هو مقدار التوسط في أعمار أهل الزمان، فهو في كل قوم على مقدار أعمارهم. قال: وهو الأمة تأتي بعد الأمة. قيل: مدته عشر سنين، وفي (الموعب): وقيل عشرون سنة، وقيل: سبعون، وقال ابن الأعرابي: القرن الوقت من الزمان، وفي (التهذيب): لأنه يقرن أمة بأمة وعالماً بعالم. قوله: ((يلونهم))، مِنْ وَلِيهُ يليه، بالكسر فيهما، والولي: القرب والدنو. قوله: ((قال عمران)) هو موصول بالإسناد المذكور، وهو بقية حديث عمران. قوله: ((أذكر؟)) الهمزة فيه للاستفهام. قوله: ((بعدٌ)) مبني على الضم منوي الإضافة، وفي رواية: بعد قرنه. قوله: ((إن بعدكم قوماً))، كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية النسفي وابن شبويه: ((إن بعدكم قوم)) قال الكرماني: فلعله منصوب، لكنه كتب بدون الألف على اللغة الربيعية أو ضمير الشأن محذوف على ضعف. قوله: ((يخونون))، بالخاء المعجمة من الخيانة، أو في رواية ابن حزم: يحربون، بالحاء المهملة والراء والباء الموحدة، قال: فإن كان محفوظاً فهو من قولهم: حربه يحربه إذا أخذ ماله وتركه بلا شيء، ورجل محروب أي: مسلوب المال. قوله: ((ولا يؤتمنون)) أي: لا يثق الناس بهم ولا يعتقدونهم، أي: يكون لهم خيانة ظاهرة بحيث لا يبقى للناس اعتماد عليهم. قوله: ((ويشهدون))، يحتمل أن يراد: يتحملون الشهادة بدون التحميل، أو يؤدون الشهادة بدون طلب الأداء. وقال الكرماني: فإن قلت: بعض الشهادات تجب أو يستحب الأداء قبل الطلب. قلت: حذف المفعول به يدل على إرادة العموم، فالمذموم عدم التخصيص، وذلك البعض مثل ما فيه حق مؤكد لله تعالى المسمى بشهادة الحسبة غير مراد بدليل خارجي، وقال ابن الجوزي: إن قيل: كيف الجمع بين قوله: ((يشهدون ولا يستشهدون؟))، وبين قوله في حديث زيد بن خالد: ((ألا أخبركم بخير الشهداء: الذين يأتون بالشهادة قبل أن يُسْألُوها)). فالجواب أن الترمذي ذكر عن بعض أهل العلم أن المراد بالذي يشهد ولا يستشهد شاهد الزور. واحتج بحديث عمر عن النبي، عَّ له، أنه قال: ((ثم يفشوا الكذب حتى يشهد الرجل ولا يستشهد))، والمراد بحديث زيد بن خالد الشاهد على الشيء فيؤدي شهادته ولا يمتنع من إقامتها. وقال الخطابي: ويحتمل أن يريد الشهادة على المغيب ٣٠٤ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (٩) من أمر الخلق فيشهد على قوم أنهم من أهل النار، ولآخرين بغير ذلك على مذهب أهل الأهواء، وقيل: إنما هذا فى الرجل تكون عنده الشهادة وقد نسيها صاحب الحق، ويترك أطفالاً ولهم على الناس حقوق، ولا علم للموصي بها، فيجيء مَن عِندَه الشهادة فيبذل شهادته لهم بذلك، فيحيى حقهم، فحمل بذلك الشهادة قبل المسألة على مثل هذا. وقال ابن بطال: والشهادة المذمومة لم يرد بها الشهادة على الحقوق، إنما أريد بها الشهادة في الأيمان، يدل عليه قول النخعي رواية في آخر الحديث، وكانوا يضربوننا على الشهادة، فدل هذا من قول إبراهيم: أن الشهادة المذموم عليها صاحبها هي قول الرجل: أشهد بالله ما كان كذا على كذا، على معنى الحلف، فكره ذلك، وهذه الأقوال أقوال الذين جمعوا بين حديث النعمان وزید. وأما ابن عبد البر فإنه رجح حديث زيد بن خالد لكونه من رواية أهل المدينة، فقدمه على رواية أهل العراق، وبالغ فيه حتى زعم أن حديث النعمان لا أصل له، ومنهم من رجح حديث عمران، لاتفاق صاحبي (الصحيح) عليه، وانفراد مسلم بإخراج حديث زيد بن خالد، قوله: ((وينذرون))، بفتح أوله وبكسر الذال المعجمة وبضمها. قوله: ((ولا يفون)) من الوفاء، يقال: وفى يفي وأصله، يوفي، حذفت الواو لوقوعها بين الياء والكسرة، وأصل: يفون، يوفيون، فلما حذفت الواو ولما ذكرنا استثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى ما قبلها بعد سلب حركة ما قبلها. قوله: ((ويظهر فيهم السمن))، بكسر السين المهملة وفتح الميم بعدها نون، معناه: أنهم يحبون التوسع في المآكل والمشارب، وهي أسباب السمن. وقال ابن التين: المراد ذم محبته وتعاطيه لا مَن يخلق كذلك. وقيل: المراد، يظهر فيهم كثرة المال، وقيل: المراد أنهم يتسمنون أي: يتكثرون بما ليس فيهم، ويدعون ما ليس لهم من الشرف، ويحتمل أن يكون جميع ذلك مراداً، وقد رواه الترمذي من طريق هلال بن يساف عن عمران بن حصين بلفظ: ثم يجيء قوم فيتسمنون ويحبون السمن. ١٨ /٢٦٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ قال أخبرنا سُفْيَانُ عنْ مَنْصُور عنْ إِبْرَاهِيمَ عنْ عُبَيْدَةَ عنْ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَّهِ قَال ◌َخَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ أقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَمِينُه شَهَادَتَهُ قال إبْرَاهِيمُ وكانُوا يَضْرِبُونَنَا على الشَّهَادَةِ والعَهْدِ. [الحديث ٢٦٥٢ - أطرافه في: ٣٦٥١، ٦٤٢٩، ٦٦٥٨]. مطابقته للترجمة في قوله: ((تسبق شهادةُ أحدهم يمينه ويمينُه شهادَتَه)) لأن فيه معنى الجور، لأن معناه أنهم لا يتورعون في أقوالهم، ويستهينون بالشهادة واليمين، ومنصور هو ابن المعتمر وإبراهيم هو النخعي وعبيدة بفتح العين المهملة وكسر الباء الموحدة: هو السلماني، وعبد الله هو ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه. ورجال هذا الإسناد كلهم كوفيون. وفيه: ثلاثة من التابعين على نسق واحد. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الفضائل عن محمد بن كثير عن سفيان، وفي ٣٠٥ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١٠) النذور عن سعد بن حفص وفي الرقائق عن عبدان، وأخرجه مسلم في الفضائل عن قتيبة وهناد وعن عثمان وإسحاق وعن ابن المثنى وعن محمد بن بشار. وأخرجه الترمذي في المناقب عن هناد. وأخرجه النسائي في الشروط عن قتيبة به، وفي القضاء عن إسحاق بن إبراهيم به، وعن أحمد بن عثمان النوفلي وعن ابن المثنى وابن بشار، وعن بشر بن خالد وعن عمرو بن علي. وأخرجه ابن ماجه في الأحكام عن عثمان بن أبي شيبة وعمرو بن نافع. ذكر معناه: قوله: ((ثم تجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته))، يعني في حالين لا في حالة واحدة، قال الكرماني: تقدم الشهادة على اليمين وبالعكس دور فلا يمكن وقوعه فما وجهه؟ قلت: هم الذين يحرصون على الشهادة مشغوفون بترويجها، يحلفون على ما يشهدون به، فتارة يحلفون قبل أن يأتوا بالشهادة، وتارة يعكسون، ويحتمل أن يكون مثلاً في سرعة الشهادة واليمين، وحرص الرجل عليهما حتى لا يدري بأيتهما يبتدىء، فكأنه يسبق أحدهما الآخر من قلة مبالاته بالدين. قوله: ((قال إبراهيم ... ) إلى آخره، موصول بالإسناد المذكور، وقيل: معلق، وقال بعضهم: ووهم من زعم أنه معلق. قلت: لم يقم الدليل على أنه وهم، بل كلام بالاحتمال. قوله: ((وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد)) وفي رواية البخاري في الفضائل بهذا الإسناد: ((ونحن صغار)). وكذلك أخرجه مسلم بلفظ: كانوا ينهوننا ونحن غلمان عن العهد والشهادات. وقال أبو عمر: معناه عندهم: النهي عن مبادرة الرجل بقوله: أشهد بالله، وعلى عهد الله لقد كان كذا ونحو ذلك، وإنما كانوا يضربونهم على ذلك حتى لا يصير لهم به عادة فيحلفون في كل ما يصلح وما لا يصلح، وقيل: يحتمل أن يكون المراد بالعهد المنهي الدخول في الوصية لما يترتب على ذلك من المفاسد، والوصية تسمى العهد، قال الله تعالى: ﴿لن ينال عهدي الظالمين﴾ [البقرة: ١٢٤] .. ١٠ - بابُ ما قيلَ في شَهادَةِ الزُّورِ أي: هذا باب في بيان ما قيل في شهادة الزور من التغليظ والوعيد، والزور وصف الشيء بخلاف صفته، فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق، والمراد به هنا: الكذب. لِقَوْلِ الله عزَّ وجَلَّ ﴿والَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]. ذكره هذه القطعة من الآية في معرض التعليل لما قيل في شهادة الزور من الوعيد والتهديد لا وجه له، لأن الآية سيقت في مدح الذين لا يشهدون الزور، وما قبلها أيضاً في مدح التائبين العاملين الأعمال الصالحة، وتمام الآية أيضاً مدح في الذين إذا سمعوا اللغو مروا كراماً، وما بعدها أيضاً من الآيات كذلك، وقال بعضهم: أشار إلى أن الآية سيقت في ذمٍ متعاطي شهادة الزور، وهو اختيار لأحد ما قيل في تفسيرها. انتهى. قلت: ما سيقت الآية، إلاّ في مدح تاركي شهادة الزور، كما قلنا. وقوله: وهو اختيار لأحد ما قيل في تفسيرها، لم يقل به أحد من المفسرين، وإنما اختلفوا في تفسير الزور، فقال أكثرهم: الزور والشرك، وقيل: شهادة الزور، قاله ابن طلحة وقيل: المشركون، وقيل: الصنم، وقيل: مجالس الخناء، وقيل: ٣٠٦ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١٠) مجلس كان يشتم فيه، عَّهِ، وقيل: العهود على المعاصي. وكِئْمَانِ الشِّهادِ وكتمان، بالجر عطف على قوله: في شهادة الزور، أي: وما قيل في كتمان الشهادة بالحق من الوعيد والتهديد. لقوله تعالى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ومَنْ يَكْتُمْها فإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ والله ◌ِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. هذا التعليل في محله، أي: ولا تخفوا الشهادة، إذا دعيتم إلى إقامتها، ومن كتمانها ترك التحمل عند الحاجة إليه. قوله: ﴿فإنه آثم قلبه﴾ [البقرة: ٢٨٣]. أي: فاجر قلبه، وخصه بالقلب لأن الكتمان يتعلق به، لأنه يضمره فيه فأسند إليه ﴿والله بما تعملون عليم﴾ [البقرة: ٢٨٣]. أي: يجازي على أداء الشهادة وكتمانها. تَلْوُوا أَلْسِنَتَكُمْ بِالشَّهَادَةِ أشار بقوله: تلووا إلى ما في قوله تعالى: ﴿وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً﴾ [النساء: ١٣٥]. أي: وإن تلووا ألسنتكم بالشهادة، وروى الطبري عن العوفي في هذه الآية، قال: وتلوي لسانك بغير الحق، وهي اللجلجة، فلا تقيم الشهادة على وجهها. وتلووا من اللي، وأصله اللوي. قال الجوهري: لوى الرجل رأسه وألوى برأسه، أقال وأعرض. وقوله تعالى: ﴿وإن تلووا أو تعرضوا﴾ [النساء: ١٣٥]. بواوين، قال ابن عباس: هو القاضي يكون ليه وإعراضه لأحد الخصمين على الآخر، وقد قرىء بواو واحدة مضمومة اللام من: وليت، وقال مجاهد: أي إن تلووا الشهادة فتقيموها أو تعرضوا عنها فتتركوها، فإن الله يجازيكم عليه، قال الكرماني: ولو فصل البخاري بين لفظ: تلووا، ولفظ: ألسنتكم، بمثل: أي، أو: يعني، ليتميز القرآن عن كلامه لكان أولى قلت: بل كان التمييز بين القرآن وكلامه واجباً، لأن من لا يحفظ القرآن أو لا يحسن القراءة يظن أن قوله: ((ألسنتكم)) من القرآن، وكان الذي ينبغي أن يقول، وقوله تعالى: ﴿وإن تلووا﴾ [النساء: ١٣٥]. يعني ألسنتكم. و: إتيان، كلمة مفردة من القرآن في معرض الاحتجاج لا يفيد، ولا هو بطائل أيضاً. ٢٦٥٣/١٩ - حدّثنا عبدُ الله بنُ مُنيرٍ قال سَمِعَ وهْبَ بنَ جَرِير وعبْدَ المَلِكِ بنَ إِبْرَاهِيمَ قالاَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ أبِي بَكْرِ بنِ أَنَسٍ عنْ أنَسٍ رضي الله تعالى عنهُ قال سُئلَ النبيُّ عَِّ عنِ الكَبَائِرِ قال الإِشْرَاكُ بالله وعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وشَهَادَةُ الزُّورِ. [الحديث ٢٦٥٣ - طرفاه في: ٥٩٧٧، ٦٨٧١]. مطابقته للترجمة في قوله: ((وشهادة الزور)). ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: عبد الله بن منير، بضم الميم وكسر النون: أبو عبد ٣٠٧ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١٠) الرحمن الزاهد، مر في الوضوء. الثاني: وهب بن جرير بن حازم الأزدي أبو العباس. الثالث: عبد الملك بن إبراهيم أبو عبد الله، مولى بني عبد الدار القرشي. الرابع: شعبة بن الحجاج. الخامس: عبيد الله، بتصغير العبد، ابن أبي بكر بن أنس بن مالك. السادس: أنس بن مالك. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: السماع في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: أن شيخه مروزي وهو من أفراده، وأن وهب بن جرير بصري وأن عبد الملك بن إبراهيم مكي جدي، بضم الجيم وتشديد الدال المهملة، وهو من أفراده، وأن شعبة واسطي سكن البصرة، وأن عبيد الله بصري. قوله: عن عبد الله بن أبي بكر، وفي رواية محمد بن جعفر التي تأتي في الأدب عن محمد بن جعفر عن شعبة حدثني عبيد الله بن أبي بكر سمعت أنس بن مالك. وفيه: رواية الراوي عن جده. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الأدب عن محمد بن الوليد، وفي الديات عن إسحاق بن منصور، وأخرجه مسلم في الإيمان عن يحيى بن حبيب وعن محمد بن الوليد. وأخرجه الترمذي في البيوع وفي التفسير عن محمد بن عبد الأعلى. وأخرجه النسائي في القضاء وفي القصاص وفي التفسير عن إسحاق بن إبراهيم وعن محمد ابن عبد الأعلى. ذكر معناه: قوله: ((سئل النبي عَّله))، ويروى: سئل رسول الله، عَّهِ، وفي رواية بهز عن شعبة عند أحمد أو ذكرها، وفي رواية محمد بن جعفر: ذكر الكبائر أو سئل عنها، قوله: ((عن الكبائر))، جمع كبيرة وهي الفعلة القبيحة من الذنوب المنهي عنها شرعاً. العظيم أمرها: كالقتل والزنا والفرار من الزحف وغير ذلك، وهي من الصفات الغالبة، يعني صار إسماً لهذه الفعلة القبيحة، وفي الأصل هي صفة، والتقدير: الفعلة القبيحة أو الخصلة القبيحة، قيل: الكبيرة كل معصية، وقيل: كل ذنب قرن بنار أو لعنة أو غضب أو عذاب. قلت: الكبيرة أمر نسبي، فكل ذنب فوقه ذنب فهو بالنسبة إليه كبيرة، وبالنسبة إلى ما تحته صغيرة. واختلفوا في الكبائر، وههنا ذكر أربعة، وليس فيه أنها أربع فقط، لأنه ليس فيه شيء مما يدل على الحصر. وقيل: هي سبع، وهي في حديث أبي هريرة: ((اجتنبوا السبع الموبقات وهي: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلاَّ بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)). وقيل: الكبائر تسع، رواه الحاكم في حديث طويل فذكر السبعة المذكورة، وزاد عليها: ((عقوق الوالدين المسلمين، واستحلال الحرام)). وذكر شيخنا عن أبي طالب المكي أنه قال: الكبائر سبع عشرة، قال: جمعتها من جملة الأخبار وجملة ما اجتمع من قول ابن مسعود وابن عباس وابن عمر، رضي الله تعالى عنهم، وغيرهم: الشرك بالله، والإصرار على معصيته، والقنوط من رحمته، والأمن من مكره، وشهادة الزور، وقذف المحصن، واليمين الغموس، والسحر، وشرب الخمر، والمسكر، وأكل مال اليتيم ظلماً وأكل الربا، والزنا، واللواطة، والقتل، والسرقة، والفرار من الزحف، وعقوق الوالدين. انتهى. وقال رجل لابن عباس: الكبائر سبع؟ فقال: هي إلى سبعمائة. ٣٠٨ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١٠) قوله: ((الإشراك بالله)، مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف التقدير: الكبائر الإشراك بالله وما بعده عطف عليه، ووجه تخصيص هذه الأربعة بالذكر لأنها أكبر الكبائر والشرك أعظمها. قوله: ((وعقوق الوالدين))، العقوق من العق، وهو: القطع، وذكر الأزهري أنه يقال: عق والده يعقه، بضم العين: عقاً وعقوقاً إذا قطعه، والعاق اسم فاعل، ويجمع على عققة، بفتح الحروف كلها، و: عقق، بضم العين والقاف. وقال صاحب (المحكم): رجل عقق وعقوق وعق وعاق، بمعنى واحد. والعاق هو الذي شق عصا الطاعة لوالديه. وقال النووي: هذا قول أهل اللغة. وأما حقيقة العقوق المحرم شرعاً فقلّ من ضبطه، وقد قال الشيخ الإمام أبو محمد بن عبد السلام: لم أقف في عقوق الوالدين وفيما يختصان به من العقوق على ضابط أعتمد عليه، فإنه لا يجب طاعتهما في كل ما يأمران به ولا ينهيان عنه باتفاق العلماء، وقد حرم على الولد الجهاد بغير إذنهما لما يشق عليهما من توقع قتله أو قطع عضو من أعضائه ولشدة تفجعهما على ذلك،، وقد ألحق بذلك كل سفر يخافان فيه على نفسه أو عضو من أعضائه. وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في (فتاويه): العقوق المحرم كل فعل يتأذى به الوالدان تأذياً ليس بالهين مع كونه ليس من الأفعال الواجبة، قال: وربما قيل: طاعة الوالدين واجبة في كل ما ليس بمعصية، ومخالفة أمرهما في ذلك عقوق، وقد أوجب كثير من العلماء طاعتهما في الشبهات، وليس قول من قال من علمائنا: يجوز له السفر في طلب العلم وفي التجارة بغير إذنهما مخالفاً لما ذكرته، فإن هذا كلام مطلق، وفيما ذكرته بيان لتقييد ذلك المطلق. قوله: ((وقتل النفس))، يعني: بغير الحق ويكفي فيه وعيداً قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها﴾ [النساء: ٩٣]. الآية. قوله: ((وشهادة الزور))، وقد مر تفسير الزور في أول الباب. وقد روي عن ابن مسعود أنه قال: عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله، وقرأ عبد الله ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور﴾ [الحج: ٣٠]. واختلف في شاهد الزور، إذا تاب، فقال مالك: تقبل توبته وشهادته كشارب الخمر، وعن عبد الملك: لا تقبل كالزنديق. وقال أشهب: إن أقر بذلك لم تقبل توبته أبداً، وعند أبي حنيفة: إذا ظهرت توبته يجب قبول شهادته إذا أتى ذلك مرة أخرى، يظهر في مثلها توبته، وهو قول الشافعي وأبي ثور، وقال ابن المنذر: وقول أبي حنيفة ومن تبعه أصح. وقال ابن القاسم: بلغني عن مالك أنه: لا تقبل شهادته أبداً وإن تاب وحسنت توبته. واختلف هل يؤدب إذا أقر، فعن شريح أنه: كان يبعث بشاهد الزور إلى قومه أو إلى سوقه إن كان مولى، إنا قد زيفنا شهادة هذا، ويكتب اسمه عنده ويضربه خفقات، وينزع عمامته عن رأسه، وعن الجعد بن ذكوان: أن شريحاً ضرب شاهد زور عشرين سوطاً. وعن عمر بن عبد العزيز: أنه اتهم قوماً على هلال رمضان فضربهم سبعين سوطاً وأبطل شهادتهم، وعن الزهري: شاهد الزور يعزر. وقال الحسن: يضرب شيئاً. ويقال للناس: إن هذا شاهد زور، وقال الشعبي: يضرب ما دون الأربعين خمسة وثلاثين سبعة وثلاثين سوطاً. وفي (كتاب القضاء) لأبي عبيد بن سلام: عن معمر: أن رسول الله، عَّهُ رد شهادة رجل في كذبة كذبها. وذكره أبو سعيد النقاش بإسناده إلى عكرمة عن ٣٠٩ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١٠) ابن عباس، بلفظ: كذبة واحدة كذبها. وفي (الأشراف): كان سوار يأمر به، يلبب بثوبه، ويقول لبعض أعوانه: إذهبوا به إلى مسجد الجامع فدوروا به على الخلق وهو ينادي: من رآني فلا يشهد بزور. وكان النعمان يرى أن يبعث به إلى سوقه إن كان سوقياً أو إلى مسجد قومه، ويقول: القاضي يقرؤكم السلام، ويقول: إنا وجدنا هذا شاهد زور، فاحذروه وحذروه الناسَ، ولا يرى عليه تعزيراً. وعن مالك: أرى أن يفضح ويعلن به ويوقف، وأرى أن يضرب ويسار به، وقال أحمد وإسحاق: يقام للناس، ويعذر ويؤدب. وقال أبو ثور: يعاقب. وقال الشافعي: يعزر ولا يبلغ بالتعزير أربعين سوطاً ويشهر بأمره، وعن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه: أنه حبسه يوماً وخلى عنه، وعن ابن أبي ليلى: يضرب خمسة وسبعين سوطاً ولا يبعث به. وعن الأوزاعي: إذا كانا اثنين وشهدا على طلاق ففرق بينهما ثم أكذبا نفسهما، أنهما يضربان مائة مائة ويغرمان للزوج الصداق. وعن القاسم وسالم: شاهد الزور يحبس ويخفق سبع خفقات بعد العصر، وينادى عليه. وعن عبد الملك بن يعلى قاضي البصرة: أنه أمر بحلق أنصاف رؤوسهم وتسخم وجوههم ويطاف بهم في الأسواق. قلت: عند أبي حنيفة: شاهد الزور يبعث به إلى محلته أو سوقه، فيقال لهم: إنا وجدنا هذا شاهد زور فاحذروه، فلا يضرب ولا يحبس. وعند أبي يوسف ومحمد، يضرب ويحبس إن لم يحدث توبة، لأنه ارتكب محظوراً فيعزر. تابَعَهُ غُنْدَرٌ وَأَبُو عامِرٍ وبَهْزٌ وعَبْدُ الصَّمَدِ عِنْ شُعْبَةً أي: تابع وهب بن جرير في روايته عن شعبة غندر، وهو محمد بن جعفر، وأبو عامر عبد الملك العقدي، وبهز، بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء وفي آخره زاي: ابن أسد العمي، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وهؤلاء بصريون، فمتابعة العقدي وصلها أبو سعيد النقاش في (كتاب الشهود) وابن منده في (كتاب الإيمان) من طريقه عن شعبه بلفظ: ((أكبر الكبائر الإشراك بالله)). ومتابعة بهز وصلها أحمد عنه ومتابعة عبد الصمد وصلها البخاري في الديات. ٢٠ / ٢٦٥٤ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا بِشْرُ بنُ الْمُفَضَّلِ قال حدَّثنا الجُرَيْرِيُّ عنْ عَبْدٍ الرَّحْمنِ بنِ أَبِي بَكْرَةَ عنْ أَبِيهِ رضي الله تعالى عنهُ قال قال النبيُّ عَِّ أَلاَ أَنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرٍ الكَبَائِرِ ثَلاثًاً قالوا بلى يا رسولَ الله قال الإِشْرَاكُ بالله وعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ وجَلسَ وكانَ مُتَّكِئَاً فقالَ أَلَاَ وقَوْلِ الزُّورِ قال فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ. [الحديث ٢٦٥٤ - أطرافه في: ٥٩٧٦، ٦٢٧٣، ٦٢٧٤، ٦٩١٩]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وبشر، بكسر الباء الموحدة، وسكون الشين المعجمة، والجريري، بضم الجيم وفتح الراء الأولى: سعيد بن إياس الأزدي، وسماه في رواية خالد الحذاء عنه في أوائل الأدب، وقد أخرج البخاري للعباس بن فروخ والجريري لكنه إذا أخرج عنه سماه، وعبد الرحمن بن أبي بكرة يروي عن أبيه أبي بكرة واسمه: نفيع، بضم النون: الثقفي. ٣١٠ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١٠) والحديث أخرجه البخاري أيضاً في استتابة المرتدين عن مسدد أيضاً وفي الاستئذان عن علي بن عبد الله ومسدد، وفي الأدب عن إسحاق بن شاهين، وفي استتابة المرتدين أيضاً عن قيس بن حفص، وأخرجه مسلم في الإيمان عن عمرو الناقد، وأخرجه الترمذي في البر وفي الشهادات، وفي التفسير عن حميد بن مسعدة. ذكر معناه: قوله: ((ألا أنبئكم)) أي: ألا أخبركم، وألاَ، بفتح الهمزة وتخفيف اللام، للتنبيه هنا ليدل على تحقق ما بعدها. قوله: ((ثلاثاً) أي: قال لهم: ((ألا أنبئكم)) ثلاث مرات، وإنما كرره تأكيداً ليتنبه السامع على إحضار فهمه، وكانت عادته عَ لَّه إعادة حديثه ثلاثاً ليفهم عنه. قوله: ((الإشراك بالله))، مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: أكبر الكبائر الإشراك بالله، لأنه لا ذنب أعظم من الإشراك بالله. قوله: ((وعقوق الوالدين))، إنما ذكر هذا ((وقول الزور)) مع الإشراك بالله، مع أن الشرك أكبر الكبائر بلا شك لأنهما يشابهانه من حيث إن الأب سبب وجوده ظاهراً وهو يريبه، ومن حيث إن المزور يثبت الحق لغير مستحقه، فلهذا ذكرهما الله تعالى حيث قال: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور﴾ [الحج: ٣٠]. قوله: ((وجلس)) أي: للاهتمام بهذا الأمر، وهو يفيدنا تأكيد تحريمه وعظم قبحه. قوله: ((وكان متكئاً))، جملة حالية. وسبب الاهتمام بذلك كون قول الزور أو شهادة الزور أسهل وقوعاً على الناس، والتهاون بها أكثر، لأن الحوامل عليه كثيرة: كالعداوة والحقد والحسد ... وغير ذلك، فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيمه، والشرك مفسدته قاصرة، ومفسدة الزور متعدية. قوله: ((ألاَ وقول الزور))، وفي رواية خالد عن الجريري: ((ألا وقول الزور، وشهادة الزور)). وفي رواية ابن علية: ((شهادة الزور أو قول الزور)). وقول الزور أعم من أن يكون شهادة زور أو غير شهادة، كالكذب، فلأجل ذلك بوب عليه الترمذي بقوله: باب ما جاء في التغليظ في الكذب والزور، ونحوه. ثم روى حديث أنس المذكور قبل هذا، فالكذب في المعاملات داخل في مسمى قول الزور، لكن حديث خريم بن فاتك الذي رواه أبو داود وابن ماجه من رواية حبيب بن النعمان الأسدي عن خريم بن فاتك. قال: صلى رسول الله، عَ لّه صلاة الصبح، فلما انصرف قام قائماً فقال: ((عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله، ثلاث مرات)). ثم قرأ: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء الله غير مشركين به﴾ [الحج: ٣٠]. يدل على أن المراد بقول الزور في آية الحج: شهادة الزور، لأنه قال: ((عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله)) ثم قرأ: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور﴾ [الحج: ٣٠]. فجعل في الحديث قول الزور المعادل للإشراك هو شهادة الزور، لا مطلق قول الزور، وإذا عرف أن قول الزور هو الكذب. فلا شك أن درجات الكذب تتفاوت بحسب المكذوب عليه، وبحسب المترتب على الكذب من المفاسد .. وقد قسم ابن العربي الكذب على أربعة أقسام: أحدها: وهو أشدها: الكذب على الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿فمن أظلم ممن كذب على الله﴾ [الزمر: ٣٩]. والثاني: الكذب ٣١١ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١١) على رسول الله، عَ لّه، قال: وهو هو، أو نحوه. الثالث: الكذب على الناس، وهي شهادة الزور في إثبات ما ليس بثابت على أحد، أو إسقاط ما هو ثابت. الرابع: الكذب للناس، قال ومن أشده الكذب في المعاملات، وهو أحد أركان الفساد الثلاثة فيها، وهي: الكذب والعيب والغش، والكذب، وإن كان محرماً، سواء قلنا كبيرة أو صغيرة، فقد يباح عند الحاجة إليه، ويجب في مواضع ذكرها العلماء. قوله: ((حتى قلنا ليته سكت)) إنما قالوا ذلك شفقة على رسول الله، عَّهِ، وكراهة لما يزعجه. فإن قلت: الحديث لا يتعلق بكتمان الشهادة، وهو مذكور في الترجمة؟ قلت: علم منه حكمه قياساً عليه، لأن تحريم شهادة الزور لإبطال الحق والكتمان أيضاً فيه إبطال له، والله أعلم. وقال إِسْمَاعِيلُ بنُ إِبْرَاهِيمَ قال حدَّثنا الجُرَيْرِيُّ قال حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمنِ إسماعيل بن إبراهيم هو المشهور بابن علية، وعلية: بضم العين وفتح اللام وتشديد الياء آخر الحروف: وهو اسم أمه، مولاة لبني أسد، والجريري مضى عن قريب، وعبد الرحمن هو ابن أبي بكرة المذكور. وهذا التعليق وصله البخاري في استتابة المرتدين، على ما يجيء بيانه، إن شاء الله تعالى. ١١ - بابُ شَهَادَةِ الأعْمِى وأمرِهٍ ونِكَاحِهِ وإِنْكَاحِهِ ومُبَايَعَتِهِ وقَبُولِهِ في التَّأْذِينِ وغيْرِهِ وما يُغْرَفُ بالأضْوَاتِ أي: هذا باب في بيان حكم شهادة الأعمى. قوله: ((وأمره))، أي: وفي بيان أمره أي حاله في تصرفاته. قوله: ((ونكاحه))، أي: وتزوجه بامرأة. قوله: ((وإنكاحه))، أي: وتزويجه غيره. قوله: ((ومبايعته))، يعني بيعه وشراءه. قوله: ((وقبوله))، أي: قبول الأعمى في تأذينه. ((وغيره)) نحو إقامته للصلاة وإمامته أيضاً أي: إذا توقى النجاسة. قوله: ((وما يعرف بالأصوات))، أي: وفي بيان ما يعرف بالأصوات. قال ابن القصار: الصوت في الشرع قد أقيم مقام الشهادة، ألا ترى أنه إذا سمع الأعمى صوت امرأته فإنه يجوز له أن يطأها، والإقدام على استباحة الفرج أعظم من الشهادة في الحقوق، والإقرارات مفتقرة إلى السماع، ولا تفتقر إلى المعاينة بخلاف الأفعال التي تفتقر إلى المعاينة، وكأن البخاري أشار بهذه الترجمة إلى أنه یجیز شهادة الأعمى. وفيه خلاف نذكره عن قريب. وأجَازَ شَهَادَتَهُ قاسِمٌ والحَسنُ وابنُ سِيرِينَ والزُّهْرِيُّ وعَطاءٌ أي: أجاز شهادة الأعمى قاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق والحسن البصري ومحمد بن سيرين ومحمد بن مسلم الزهري وعطاء بن أبي رباح. وتعليق القاسم وصله سعيد ابن منصور عن هشيم عن يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: سمعت الحكم بن عتيبة يسأل القاسم بن محمد عن شهادة الأعمى، فقال: جائزة، وتعليق الحسن وابن سيرين وصله ابن أبي شيبة من طريق أشعث عن الحسن وابن سيرين قالا: شهادة الأعمى جائزة وتعليق الزهري ٣١٢ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١١) وصله ابن أبي شيبة: حدثنا ابن مهدي عن سفيان عن ابن أبي ذئب عن الزهري أنه كان يجيز شهادة الأعمى، وتعليق عطاء وصله الأثرم من طريق ابن جريج عنه، قال: تجوز شهادة الأعمى، وقال ابن حزم، صح عن عطاء أنه أجاز شهادة الأعمى. وقال الشَّعْبِيُّ: تَجُوزُ شَهادَتُهُ إِذَا كانَ عاقِلاً أي: قال عامر الشعبي، ووصله ابن أبي شيبة عن وكيع عن الحسن بن صالح وإسرائيل عن عيسى بن أبي عزة عن الشعبي أنه أجاز شهادة الأعمى، ومعنى قوله: ((إذا كان عاقلاً))، إذا كان كيّساً فطناً للقرائن درّاكاً للأمور الدقيقة. وليس هو بقيد احترازاً عن الجنون، لأن العقل لا بد منه في جميع الشهادات. وقال الحَكَمُ رُبَّ شَيءٍ تُجَوَّزُ فِيهِ أي: قال الحكم بن عتيبة، ووصله ابن أبي شيبة عن ابن مهدي عن شعبة قال: سألت الحكم عن شهادة الأعمى فقال: رب شيء تجوز فيه. قوله: ((تجوز))، على صيغة المجهول، أي: خفف فيه، وغرضه أنه قد يسامح للأعمى شهادته في بعض الأشياء التي تليق بالمسامحة والتخفيف. وقالَ الزُّهْرِيُّ: أَرَأيْتَ ابنَ عِبَّاسٍ لَوْ شَهِدَ عَلَى شَهَادَةٍ أَكُنْتَ تَرُدُّهُ؟ أي: قال محمد بن مسلم الزهري ... إلى آخره، وتعليقه وصله الكرابيسي في (أدب القضاء) من طريق ابن أبي ذئب عنه، وهذا يؤيد ما قاله الشعبي في الأعمى إذا كان عاقلاً. وقلنا: إن معناه كان فطناً كيّساً. وهذا ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، كان أفطن الناس وأذكاهم وأدركهم بدقائق الأمور في حال بصره وفي حال عماه، فلذلك استبعد رد شهادته بعد عماه. وكانَ ابنُ عَّاسِ يَبِعثُ رَجُلاً إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ أَفْطَرَ ويَسألُ عنِ الفَجْرِ فِإِذَا قِيلَ لَهُ طَلَعَ صلَّى رَكْعَتَيْنِ أي: كان عبد الله بن عباس يبعث رجلاً يمفحص عن غيبوبة الشمس للإفطار، فإذا أخبره بالغيبوبة أفطر. ووجه تعلقته بالترجمة كون ابن عباس قبل قول الغير في غروب الشمس أو طلوعها وهو أعمى، ولا يرى شخص المخبر، وإنما يسمع صوته قيل: لعل البخاري يشير بأثر ابن عباس إلى جواز شهادة الأعمى على التعريف، يعني: إذا عرف أنه فلان، فإذا عرف شهد وشهادة التعريف مختلف فيها عند مالك. وكذلك البصير إذا لم يعرف نسب الشخص فعرفه نسبه من يثق به فهل يشهد على فلان ابن فلان بنسبه أو لا؟ مختلف فيه أيضاً. ٣١٣ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١١) وقالَ سُلَيْمَانُ بنُ يَسارِ: إِسْتَأْذَنْتُ على عائِشَةَ فَعَرَفَتْ صَوْتِي قالتْ سُلَيْمَانُ ادْخُلْ فَإِنَّكَ مَمْلُوكٌ ما بَقِيَ عَلَيْكَ شَيءٌ سليمان بن يسار - ضد اليمين - أبو أيوب أخو عطاء، وعبد الله وعبد الملك مولى ميمونة بنت الحارث الهلالي. قوله: ((قالت سليمان)) يعني: يا سليمان، وهو منادى حذف منه حرف النداء. قوله: ((ما بقي عليك شيء)) أي: من مال الكتابة، ولا بد في هذا من تأويل، لأن سليمان مكاتب لميمونة لا لعائشة ووجهه أن يقال: إن، على، في قول عائشة تكون بمعنى: من، أي: استأذنت من عائشة في الدخول على ميمونة، فقالت: أدخل عليها، أو لعل مذهبها أن النظر حلال إلى العبد سواء كان ملكها أو لا، وأنها لا ترى الاحتجاب من العبد مطلقاً، واستبعده بعضهم بغير دليل فلا يلتفت إليه، وقيل: يحتمل أنه كان مكاتباً لعائشة، وهو غير صحيح، لأن الأخبار الصحيحة بأنه مولى ميمونة ترده. وأجازَ سَمُرَةُ بنُ جُنْدُبٍ شَهَادَةَ امْرَأَةٍ مُنْتَقِيَّةٍ متنقبة، بتشديد القاف في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره، منتقبة، بسكون النون وتقديمها على التاء المثناة من فوق، من الانتقاب، والأول من التنقب. وهي التي كان على وجهها نقاب. وفي (التلويح): هذا التعليق يخدش فيه ما رواه أبو عبد الله بن منده في (كتاب الصحابة): أن النبي، عَّه، كلمته امرأة وهي متنقبة، فقال: أسفري، فإن الإسفار من الإيمان. ٢١/ ٢٦٥٥ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدِ بنِ مَيْمُونٍ قال أخْبَرَنا عيسى بنُ يُونُسٍَ عن هِشَامٍ عنْ أبِيه عن عائشةَ رضي الله تعالى عنها قالتْ سَمِعَ النبيُّ، عَُّلّه رجلاً يَقْراً في الْمَسْجِدِ فقال رَحِمَهُ الله لَقَدْ أَذْكَرَنِي كِذَا وكذَا آيَةٌ أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةٍ كَذا وكذا. [الحديث ٢٦٥٥ - أطرافه في: ٥٠٣٧، ٥٠٣٨، ٦٣٣٥،٥٠٤٢]. مطابقته للترجمة من حيث إنه عَّلِ اعتمد على صوت ذلك الرجل الذي قرأ في المسجد من غير أن يرى شخصه، ومحمد بن عبيد مصغر عبد بن ميمون، مر في الصلاة، وهو من أفراده، وعيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي أبو عمرو، وهشام هو ابن عروة يروي عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في فضائل القرآن عن محمد بن عبيد المذكور أيضاً. قوله: ((أسقطتهن)) أي: نسيتهن. وزَادَ عَبَّادُ بنُ عَبْدِ الله عنْ عائِشَةَ تَهَجَّدَ النَّبيُّ عَّهِ فِي بَيْتِي فَسَمِعَ صَوْتَ عَبَّادٍ يُصَلِّي في الْمسْجِدِ فقال يا عائِشَةُ لَصوْتُ عَبَّادٍ لهذَا قُلْتُ: نَعِمْ قال: اللَّهُمَّ ازحَمْ عَاداً عباد بفتح العين وتشديد الباء الموحدة: ابن عبد الله بن الزبير بن العوام التابعي، مر في ٣١٤ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١١) الزكاة، وهذه الزيادة التي هي التعليق وصلها أبو يعلى من طريق محمد بن إسحاق عن يحيى ابن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة، رضي الله تعالى عنها: تهجد النبي، عَّ في بيتي وتهجد عباد بن بشر في المسجد، فسمع رسول الله، عَّ ◌ٍ صوته، فقال: يا عائشة ((هذا عباد بن بشر؟)) فقلت: نعم قال ((اللهم ارحم عباداً)). قوله: ((تهجد النبي عَّله))، من الهجود وهو من الأضداد يقال: تهجد بالليل إذا صلى، وتهجد إذا نام، وقال ابن الأثير: يقال: تهجدت إذا سهرت وإذا نمت، فهو من الأضداد. قوله: ((فسمع صوت عباد))، وهو عباد بن بشر الأنصاري الأشهلي، شهد بدراً وأضاءت له عصاه لما خرج من عند النبي، عٍَّ، وقال الزهري: استشهد يوم اليمامة وهو ابن خمس وأربعين سنة، ولا يظن أن عباداً الذي في قوله: فسمع صوت عباد، هو عباد بن عبد الله بن الزبير، وقد ميز بينهما في رواية أبي يعلى، فعباد بن بشر صحابي جليل، وعباد بن عبد الله تابعي من وسط التابعين، قال الكرماني: وفي بعض النسخ: فسمع صوت عباد بن تميم، وهو سهو. قوله: ((لصوت عباد هذا؟))، فقوله: هذا، مبتدأ و: لصوت عباد، مقدماً خبره، واللام فيه للتأكيد. وفيه: جواز رفع الصوت في المسجد بالقراءة في الليل. وفيه: الدعاء لمن أصاب الإنسان من جهته خيراً وإن لم يقصده ذلك الإنسان. وفيه: جواز النسيان على النبي، عَ ليه فيما قد بلغه إلى الأمة. ٢٦٥٦/٢٢ _ حدَّثنا مالِكُ بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ أبي سلَمَةَ قال أخبرنا ابنُ شِهابٍ عن سالِمٍ بنِ عبدِ الله عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَر رضي الله تعالى عنهما قال قال النبيُّ عَ لَّه إنَّ بِلالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يُؤْذِّنَ أَوْ قَالَ حتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابنِ أُمِّ مكْتُومٍ وكانَ ابنُ أُمَّ مَكْثُومٍ رَجُلاً أعمى لا يُؤَذِّنُ حتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاسُ أَصْبَحْتَ. [انظر الحديث ٦١٧ وأطرافه]. مطابقته للترجمة من حيث إنهم كانوا يعتمدون على صوت الأعمى. والحديث قد مضى في: باب أذان الأعمى. وفي باب الأذان بعد الفجر، وفي: باب الأذان قبل الفجر، وقد مضى الكلام فيه هناك. ٢٣ / ٢٦٥٧ - حدَّثنا زيادُ بنُ يَحْبى قال حدَّثنا حاتمُ بنُ وَرْدَانَ قال حدَّثنا أيُّوبُ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي مُلَيْكَةَ عنِ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ رضي الله تعالى عنهما قالَ قَدِمْتُ على النبيِّ عَّهِ أَقْبِيَةٌ فقال لي أبي مخْرَمَةُ انْطَلِقْ بِنا إليْهِ عسَى أَنْ يُعْطِينَا منها شَيْئاً فقام أبي على التَّابِ فتَكَلَّمَ فَعَرَفَ النبيُّ عَّهِ صَوْتَهُ فَخَرَجَ النبيُّ عَ لَّهِ وَمَعَهُ قَبَاءٍ وَهُوَ يُرِيهِ مَحاسِنَهُ وَهْوَ يَقُولُ حَبأَتُ هُذَا لَكَ خَبَأَتُ هُذَا لَكَ. [انظر الحديث ٢٥٩٩ وأطرافه]. مطابقته للترجمة من حيث إن النبي، عَِّ اعتمد على صوت مخرمة قبل أن يرى شخصه، وزياد، بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف: ابن يحيى بن زياد أبو الخطاب البصري، مات سنة أربع وخمسين ومائتين، وحاتم بن وردان - على وزن فعلان - من الورود - ٣١٥ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١٢) أبو صالح البصري، مات سنة أربع وثمانين ومائة. والحديث مضى في كتاب الهبة في: باب كيف يقبض العبد والمتاع، ومقصود البخاري من هذه الترجمة ومن الأحاديث التي أوردها فيها بيان جواز شهادة الأعمى. وقال الإسماعيلي: ليس في جميع ما ذكره دلالة على قبول شهادة الأعمى فيما يحتاج إلى إثبات الأعيان، أما نكاح الأعمى فإنه في نفسه، لأنه في زوجته وأمته لا لغيره فيه. وأما ما رواه في التأذين فقد أخبر أنه كان لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت، وكفى بخبر سيدنا رسول الله، عَّلِ شاهداً له، فإنه لا يؤذن حتى يصبح، والاعتماد على الجمع الذي يخبرونه بالوقت. وأما ما قاله عن الزهري في ابن عباس فهو تأويل لا احتجاج. وأما ما ذكر من سماع النبي، عَِّ قراءة رجل بيان أن كل صائت، وإن لم ير مصوته، يعرف بصوته. وأما ما ذكره من قصة مخرمة فإنما يريه محاسن الثوب مساً لا إبصاراً له بالعين. قال صاحب (التلويح): وفيه نظر من حيث إن الجماعة الذين ذكرهم البخاري أجازوا شهادة الأعمى، فهو دليل البخاري. انتهى. وقال ابن حزم: شهادة الأعمى مقبولة كالصحيح، روي ذلك عن ابن عباس، وصح عن الزهري وعطاء والقاسم والشعبي وشريح وابن سيرين والحكم بن عتيبة وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصاري وابن جريج وأحد قولي الحسن وأحد قولي إياس بن معاوية وأحد قولي ابن أبي ليلى وهو قول مالك والليث وأحمد وإسحاق وأبي سليمان وأصحابنا. وقالت طائفة: تجوز شهادته فيما عرف قبل العمى ولا تجوز فيما عرف بعد العمى، وهو أحد قولي الحسن وأحد قولي ابن أبي ليلى. وهو قول أبي يوسف والشافعي وأصحابه. وقالت طائفة: تجوز في الشيء اليسير، روي ذلك عن النخعي. وقالت طائفة: لا تقبل في شيء أصلاً إلاَّ في الأنساب وهو قول زفر، وعند أبي حنيفة لا تقبل في شيء أصلاً. وفي (التوضيح): فحصلنا فيه على ستة مذاهب: المنع المطلق، والجواز المطلق، والجواز فيما طريقه الصوت دون البصر، والفرق بين ما علمه قبل وبين ما علمه بعد، والجواز اليسير، والجواز في الأنساب خاصة. ١٢ - بابُ شَهَادَةِ النِّسَاءِ أي: هذا باب في بيان جواز شهادة النساء. وقَوْلِ الله تعالَى ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأْتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ذكر هذه القطعة من الآية لأنها تدل على جواز شهادة النساء مع الرجال، وقال ابن بطال: أجمع أكثر العلماء على أن شهادتهن لا تجوز في الحدود والقصاص. وهو قول ابن المسيب والنخعي والحسن والزهري وربيعة ومالك والليث والكوفيين والشافعي وأحمد وأبي ثور. واختلفوا في النكاح والطلاق والعتق والنسب والولاء، فذهب ربيعة ومالك والشافعي وأبو ٣١٦ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١٣) ثور إلى: أنه لا تجوز في شيء من ذلك كله مع الرجال، وأجاز شهادتهن في ذلك كله مع الرجال الكوفيون، واتفقوا أنه: تجوز شهادتهن منفردات في الحيض والولادة والاستهلال وعيوب النساء، وما لا يطلع عليه الرجال من عوراتهن للضرورة. واختلفوا في الرضاع، فمنهم من أجاز شهاداتهن منفردات، ومنهم من أجازها مع الرجال، وقال أصحابنا: يثبت الرضاع بما ثبت به المال، وهو شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، ولا تقبل شهادة النساء المنفردات، وعند الشافعي: يثبت بشهادة أربع نسوة وعند مالك: بامرأتين. وعند أحمد: بمرضعة فقط. وفي (الكافي): أنه لا فرق بين أن يشهد قبل النكاح أو بعده. انتهى. واختلفوا في عدد من يجب قبول شهادته من النساء على ما لا يطلع عليه الرجال. فقالت طائفة: لا تقبل أقل من أربع، وهذا قول أهل البيت والنخعي وعطاء بن أبي رباح وهو رأي الشافعي وأبي ثور. وقالت طائفة: تجوز شهادة امرأتين على ما لا يطلع عليه الرجال، وبه : قال مالك وابن شبرمة وابن أبي ليلى، وعن مالك: إذا كانت مع القابلة امرأة أخرى فشهادتها جائزة، وروي عن الشعبي أنه أجاز شهادة المرأة الواحدة فيما لا يطلع عليه الرجال، وعن مالك: أرى أن تجوز شهادة المرأتين في الدين مع يمين صاحبه، وعن الشافعي: يستحلف المدعى عليه ولا يحلف المدعي مع شهادة المرأتين. وقالت طائفة لا تجوز شهادة النساء إلاّ في موضعين في: المال، وحيث لا يرى الرجال من عورات النساء. ٢٤/ ٢٦٥٨ - حدّثنا ابنُ أبيَ مَرْيَمَ قال أخبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قال أُخْبَرَنِي زَيْدٌ عنْ عِياضٍ بنِ عبدِ الله عن أبي سعيد الخُذْرِيِّ رضي الله تعالى عنهِ عنِ النّبِيِّ عَ لَّ أنَّهُ قال أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ قُلْنَا بَلَى قال فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا. [انظر الحديث ٣٥٤ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وابن أبي مريم هو سعيد بن محمد بن أبي مريم الجمحي المصري، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير وزيد هو ابن أسلم، وأبو سعيد الخدري اسمه: سعد بن مالك، والحديث مضى بأتم منه في كتاب الحيض في: باب ترك الحائض الصوم، ومر الكلام فيه هناك. ١٣ - بابُ شَهَادَةِ الإِمَاءِ والعَبيدِ أي: هذا باب في بيان حكم شهادة الإماء وهو جمع: أمة، والعبيد جمع: عبد، وحكمه أن شهادتهم لا تقبل مطلقاً عند الجمهور، وعند أحمد وإسحاق وأبي ثور: تقبل في الشيء اليسير، وهو قول شريح والنخعي والحسن. وقالَ أَنَسْ شهادَةُ العَبْدِ جَائِزَةٌ إِذَا كَانَ عَدْلاً هذا التعليق وصله ابن أبي شيبة عن حفص بن غياث عن المختار بن فلفل، قال: سألت أنساً عن شهادة العبيد؟ فقال: جائزة وفي الأشراف: وما علمت أحداً رد شهادة العبد. ٣١٧ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١٣) وأجَازَهُ شُرَيْحٌ وِزُرَارَةُ بنُ أوفى أي: أجاز حكم شهادة العبد شريح هو القاضي، وزرارة، بضم الزاي وتخفيف الراء: ابن أوفى - بوزن أفعل التفضيل أو أفعل من الماضي الثلاثي المزيد فيه - العامري قاضي البصرة، وتعليق شريح أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن أبي زائدة عن أشعث عن عامر: أن شريحاً أجاز شهادة العبد. وأما التعليق عن زرارة فذكره ابن حزم محتجاً به، ولا يحتج إلاَّ بصحيح. وقال ابنُ سِيرينَ: شَهادَتُهُ جائزَةٌ إِلاَّ العَبْدَ لِسَيِّدِهِ أي: قال محمد بن سيرين: شهادة العبد جائزة، ووصله عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثنا أبي حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن عتيق عنه بلفظ: إنه كان لا يرى بشهادة المملوك بأساً إذا كان عدلاً. وأجَازَهُ الحَسَنُ وإِبْرَاهِيمُ في الشِّيْءِ التَّافِهِ أي: أجاز حكم شهادة العبد الحسن البصري وإبراهيم النخعي في الشيء التافه أي الحقير، وهو بالتاء المثناة من فوق وبالفاء المكسورة والهاء. وتعليق الحسن وصله ابن أبي شيبة، عن معاذ بن معاذ عن أشعث الحمراني عنه من غير ذكر التافه، وتعليق إبراهيم، رضي الله تعالى عنه، أخرجه أيضاً عن وكيع عن سفيان عن منصور عن إبراهيم بلفظ: كانوا يجيزونها في الشيء الطفيف. وقال شرَيْحٌ كُلُّكُمْ بَنُو عبيدٍ وَإِمَاءٍ كذا هو في رواية الأكثرين، وفي رواية ابن السكن: كلكم عبيد وإماء، ووصله ابن أبي شيبة من طريق عمار الذهبي: سمعت شريحاً شهد عنده عبد فأجاز شهادته، فقيل: إنه عبد. فقال كلنا عبيد وأمنا حواء عليها السلام. وللعلماء في شهادة العبد ثلاثة أقوال: أحدها: جوازها كالحر، وروي عن علي، رضي الله تعالى عنه، كقول أنس وشريح، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور. وثانيها: جوازها في الشيء التافه، روي عن الشعبي كقول الحسن والنخعي. وثالثها: لا يجوز في شيء أصلا، روي عن عمر وابن عباس، وهو قول عطاء ومكحول، وإليه ذهب الثوري والأوزاعي ومالك وأبو حنيفة والشافعي: فإن قلت: كل من جاز قبول خبره جاز قبول شهادته كالحر. قلت: لا نسلم، فإن الخبر قد سومح فيه ما لم يسامح في الشهادة، لأن الخبر يقبل من الأمة منفردة ومن العبد منفرداً ولا تقبل شهادتهما منفردين، والعبد ناقص عن رتبة الحر في أحكام، فكذلك في الشهادة، ومذهب ابن حزم الجواز، فإن شهادة العبد والأمة مقبولة في كل شيء لسيده أو لغيره كشهادة الحر والحرة، ولا فرق. ٢٦٥٩/٢٥ _ حدَّثنا أبو عاصِمٍ عنِ ابنِ جُرَيْجِ عنِ ابنِ مُلَيْكَةَ عنْ عُقْبَةَ بنِ الحارِثِ ٣١٨ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١٤ و١٥) ح وحدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثنا يَخْتَى بنُ سَعِيدٍ عِنِ ابنِ جُرَيْج قال سَمِعْتُ ابنَ أبِي مُلَيْكَةً قال حدَّثني ◌ُقْبَةُ بنُ الحَارِثِ أوْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ أَمَّ يَحْيَى بِنْتٌ أبِي إِهَابٍ قال فَجاءَتْ أمَّةٌ سَوْدَاءُ فقالَتْ قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا فَذَكَرْتُ ذُلِكَ لِلنَّبِيِّ عَ لَّهِ فَأَعْرَضَ عَنِّي قال فَتَتَخَّيْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ قال وكَيْفَ وقَدْ زَعَمَتْ أنْ قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا فَنهاهُ عنها. [انظر الحديث ٨٨ وأطرافه]. مطابقته للترجمة من حيث إن الأمة المذكورة لو لم تكن شهادتها مقبولة ما عمل بها، ولذلك أمر النبي، عَّهِ، عقبة بفراق امرأته بقول الأمة المذكورة، ثم إنه أخرج الحديث المذكور من طريقين: الأول: عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج عن عبد الله بن أبي مليكة عن عقبة بن الحارث. والثاني: عن علي بن عبد الله المعروف بابن المديني عن يحيى بن سعيد القطان عن ابن جريج ... إلى آخره، وقد مضى الحديث في كتاب العلم في: باب الرحلة في المسألة النازلة، وقد مر الكلام فيه هناك وأجاب الإسماعيلي عن حديث الباب، فقال: قد جاء في بعض طرقه: فجاءت مولاة لأهل مكة، قال: وهذا اللفظ يطلق على الحرة التي عليها الولاء، فلا دلالة فيه على أنها كانت رقيقة، ورد عليه بأن رواية حديث الباب فيه التصريح بأنها أمة، فتعين أنها ليست بحرة. ١٤ - بابُ شَهَادَةِ الْمُرْضِعَةِ أي: هذا باب في بيّن حكم شهادة المرضعة. ٢٦٦٠/٢٦ - حدَّثنا أبو عاصِمٍ عنْ عُمَرَ بنِ سَعِيدٍ عنِ ابنِ مُلَيْكَةَ عنْ عُقْبَةَ بنِ الحَارِثِ قال تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ فَقالَتْ إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا فَأَتَيْتُ النبيَّ عَِّ فقال وكَيْفَ وقَدْ قِيلَ دَغْهَا عَنْكَ أَوْ نَحْوَهُ. [انظر الحديث ٨٨ وأطرافه]. هذا الطريق عن أبي عاصم عن عمر بن سعيد بن حسين النوفلي القرشي المكي، وفي الباب الذي قبله: أبو عاصم عن ابن جريج، كلاهما عن ابن أبي مليكة، فكان لأبي عاصم فيه شيخان، وفي (سنن الدارقطني): له شيخان آخران فيه، رواه عن محمد بن يحيى عن أبي عاصم عن أبي عامر الخزاز ومحمد بن سليم، كلاهما عن ابن أبي مليكة أيضاً، فصار لأبي عاصم أربعة من الشيوخ كلهم يروون عن ابن أبي مليكة، وأبو عاصم يروي عنهم. قوله: ((دعها)) أي: اتركها بعيدة متجاوزة عنك. ١٥ - بابُ تَعْدِيلِ النِّسَاءِ بَعْضِهِنَّ بَعْضَاً أي: هذا باب في بيان حكم تعديل النساء بعضهن بعضاً في أمر قضية، وهذه الترجمة هكذا من غير رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر زاد قبل الباب حديث الإفك، ثم قال: باب الإفك، بكسر الهمزة: الكذب. ٢٦٦١/٢٧ _ حدَّثنا أَبُو الرَّبِيعِ سلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ فأفْهَمَنِي بَعْضَهُ أحمدُ قال حدَّثنا فُلَيْحُ بِنُ سُلَيْمان عنِ ابنِ شِهَابِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُزْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ وسَعِيدِ بنِ الْمُسَيَّبِ وعَلْقَمَةَ بنِ ٣١٩ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١٥) وَقَّاصِ اللَّيْثِي وعُبَيْدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُثْبَةَ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها زَوْجِ النبيِّ عَّهِ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ ما قالُوا فَبَرَأْهَا الله مِنْهُ قال الزُّهْرِيُّ وكُلُّهُمْ حدَّثَنِي طائِفَةٌ مِنْ حَدِيثِهَا وَبَعْضُهُمْ أَوْلغى مِنْ بَعْضٍ وأثْبَتُ لَهُ اقْتِصَاصاً وَقَدْ وعَيْثُ عنْ كُلِّ واحِدٍ مِنْهُمُ الحَدِيثَ الَّذِي حدَّثني عن عائِشَةَ وبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضاً زَعَمُوا أَنَّ عائِشَةَ قالَتْ كانَ رسُولُ اللهِ عَّهِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرَاْ أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ فَأَيْتَهُنَّ خَرَجَ سَهمُهَا خَرَجَ بِها معَهُ فَأَقْرَعَ بَيْنِنا فِي غَزاةٍ غَزَاهَا فَخْرَجَ سَهْمِي فَخَرَجْتُ معَهُ بَعْدَ ما أُنْزِلَ الحِجَابُ فأنا أحْمَلُ في مَوْدَجٍ وأَنْزَلُ فِيه فَسِرْنَا حتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ عَلِ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وقَفَلَ ودَنَوْنَا مِنَ المَدِيْنَةِ آذَنَ لَيْلَةٌ بالرَّحِيلِ فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حتَّى جاوَزْتُ الجَيْشَ فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إلى الرَّحْلِ فَلَمَسْتُ صَدْرِي فإذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْع أظْفارٍ قدِ انْقَطَعَ فرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي فِحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ فَأَقْبَلَ الَّذِينَ يَرْحَلُونَ لِي فَاخْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلى بَعيري الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ وهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ وكانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفافاً لَمْ يَتْقُلْنَ ولَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّخْمُ وأََّا يَأْكُلْنَ العُلْفَةَ مِنَ الطَّعامِ فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ القَوْمُ حِينَ رَفَعُوهُ ثقلَ الهَوْدَج فاحْتَمَلُوهُ وكُنْتُ جاريةٌ حديثَةَ السّنِّ فبَعَثُوا الجَمَلَ وسارُوا فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَمَا اسْتَمَرَّ الجَيْشُ فَجِئْتُ مَنْزِلَهُم وَلَيْسَ فيِهِ أَحَدٌ فأمَمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُوني فَيَرْجِعُونَ إليَّ فَبِيْنَا أنا جالِسَةٌ فَنِعْتُ وكانَ صَفْوانُ بنُ المُعَطَّلِ السُّلَميُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الجَيْشِ فَأصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فَرأى سَوادَ إنْسَانٍ نائِمٍ فأتانِي وكانَ يَرانِي قَبْلَ الحِجَابِ فاسْتَيْقَظْتُ باسْتِرْجَاعِهِ حِينَ أناخَ رَاحِلَتَهُ فَوَطِىءَ يَدَها فَرَكِبْتُهَا فانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حتَّى أَتَيْنَا الجَيْشَ بِعْدَ ما نَزَلُوا مُعَرِّسِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ فَهَلَكَ مَنْ هَلكَ وكانَ الَّذِي تَوَلَّى الإِفْكَ عَبْدُ اللهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَولَ فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ فاشْتَكَيْتُ بِهَا شَهْراً والنَّاسُ يُفيضُونَ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِ الإِفْكِ ويَرِيبُنِي في وَجَعِي أَنِّي لا أرى مِنَ النبيِّ عَ لَّه اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرِى مِنْهُ حِينَ أمْرَضُ إِنَّمَا يَدْخُلُ فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ كَيْفَ تِيكُمْ لا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذُلِكَ حتَّى نقَهْتُ فَخَرَجْتُ أنا وأُّ مِسْطَحٍ قِيلَ المناصِعِ مُتَبَرَُّنا لا نَخْرُجُ إِلَّ لَيْلاً إلى لَيْلٍ وذُلِكَ قَبْلَ أنْ نَتَّخِذَ الكُنُفَ قَرِيباً مِنْ بُيُوتِنَاً وَأَمْرُنا أَمْرُ العَرَبِ الأَوَلِ في البَرِيَّةِ أو فِي السَّنُّهِ فَأقْبَلْتُ أنا وأُمُّ مِسْطَحِ بِنْتَ أَبِي رُهْمِ نَخْشِي فَعَثَرَتْ في مِرْطها فقالَتْ تَعِسَ مِسْطَحْ فقُلْتُ لها بِئْسَ ما قُلْتِ أَتَسُبِّينَ رَجُلاً شَهِدَ بَذَّراً فقالَتْ يا هنْتَاهُ أَلَمْ تَسْمَعِي ما قالوا فأخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ فازْدَدْتُ مَرَضاً إِلى مَرَضِي فَلَمَّا رَجَعْتُ إلى بَيْتِي دَخَلَ عَلَيَّ رسوُلُ اللهِ عَلِ فَسَلَّمَ فَقَال كَيْفَ تِيكُمْ فَقُلْتُ إِنْذِنْ لِي إلى أبَوَيَّ قَالَتْ وأنَا حِينَئِذٍ أريدُ أنْ أَسْتَيْقِنَ الخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِما فَأذِنَ لِي رسولُ اللهِ عَه فأتيْتُ أَبَوَيَّ فقُلْتُ لَأَمِّي ما يتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ فقالَتْ يَا بُنَّةَ هَوِّنِي عَلَى نَفْسِكِ الشَّأْنَ فَوَالله لِقَلَّمَا كانَتِ امْرَأَةٌ قَطُ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلِ يُحِبُّهَا وَلَهَا ضَرَائِرُ إِلاَّ أَكْثَوْنَ عَلَيْهَا فَقُلْتُ سُبْحَانَ الله وَلَقَدْ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بهذا قالتْ فَبِتُّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حتَّى أصْبَحْتُ لاَ يَزْقَأُ لِي دَمْعٌ ولا أكْتَحِلُ ◌ِنَوْمِ ثُمَّ أَصْبَحْتُ فَدَعَا رسولُ الله عَلَّهِ عليَّ بِنَ أبِي طَالِبٍ وأُسَامَةَ بنَ زَيْدِ حِينَ اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقٍ أَهْلِهِ فأمَّا أَسَامَةُ فأشارَ عَلَيْهِ بِالَّذِي يَعْلمُ في نفْسِهِ مِنَ الوُدِّ لَهُمْ فقال أُسَامَةُ ٣٢٠ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١٥) أهْلُكَ يا رسولَ الله عَّ الله ولا نَعْلَمُ والله إلاَّ خَيْراً وأمَّا عِلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ فقال يا رسولَ الله لَمْ يُضَيِّقِ الله عَلَيْكَ والنِّسَاءُ سِواهَا كَثِيرٌ وسَلِ الجارِيةَ تَصْدُقْكَ فَدَعَا رسولُ اللهِ عَُّلِّ بَرِيرَةَ فقال يا بَرِيرَةَ هَلْ رَأَيْتِ شَيْئاً يَرِيئِكِ فقالتْ بَرِيرَةُ لا والَّذِي بَعثَكَ بالحَقِّ إنْ رَأيْتُ مِنهَا أَمْراً أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا أكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جارِيةٌ حَدِيثَةُ السّنِّ تِنامُ عنِ العَجِينِ فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ فقامَ رسولُ الله عَّلِ مِنْ يَوْمِهِ فاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أُبَيّ بنِ سَلُولَ فقال رسولُ اللهِ عَ لَّهِ مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجلٍ بِلَغَنِي أَذَاهُ في أهْلِي فوالله ما عَلِمْتُ على أهْلِيٍ إِلاَّ خَيْراً وقدْ ذَكَرُوا رجلاً ما علمَتُ عَيْهِ إِلاَّ خَيْراً وما كانَ يَدْخُلُ على أهْلِي إِلَّ مَعِي فقامَ سعدُ بنُ مُعَاذٍ قال يا رسولَ الله أنا والله أعْذِرُكَ منْهُ إِنْ كانَ مِنَ الأَوْسِ ضربنا عُثُقَهُ وإنْ كانَ مِنْ أَخْوَانِنا مِنَ الخَزْرَج أمْتَنا ففَعَلْنَا فيِهِ أَمْرَكَ فقامَ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ وَهْوَ سيِّدُ الخَزْرِجِ وكانَ قَبْلَ ذُلِكَ رجلاً صالحاً ولكِنْ اخْتَمَلَتْهُ الحَميَّةُ فقال كذبْتَ لَعَمْرُ الله لا تَقْتُلُهُ ولا تقْدِرُ على ذُلِكَ فَقَامَ أُسَيْدُ بنُ الحُضَيْرِ فقال كَذَبْتَ لَعَمْرُ الله واللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ فإنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عنِ المُنَافِقِينَ فَثَارَ الحِيَّانِ الأُوْسُ والخَزْرَجُ حتَّى هَمُّوا ورسولُ اللهِ عَ ◌ِّ على المِنْبَرِ فَتَزَلَ فَخَفَّضَهُمْ حتَّى سَكَتُوا وسَكَتَ وَبَكَيْتُ يَوْمِي لا يَرْقَاُ لِي دَمْعٌ ولا أَكْتَحِلُ بِنَوْمِ فأصْبَحَ عِنْدِي أَبُوايَ قَدْ بَكَيْتُ لِيْلَتَيْنِ ويؤْماً حتَّى أَظُنُّ أنَّ البُكَاءَ فالِقٌّ كَبِدِي قالتْ فَبِيْنَمَا هُمَا جالِسانِ عِنْدِي وأنا أَبْكِي إِذِ اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فأذِنْتُ لَهَا فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِيَ فبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ فجلَسَ ولَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مِنْ يَوْمٍ قِيلَ فِيَّ ما قيلَ قَبْلَهَا وقَدْ مَكَثَ شَهْراً لاَ يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي شَيْءٍ قَالَتْ فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قالَ ياَ عَائِشَةُ فَإِنَّهُ بلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا فإنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبِرَّتُكِ الله وإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ فاسْتَغْفِرِي الله وتُوبِي إِلَيْهِ فإنَّ العَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تابَ تابَ الله عَلَيْهِ فلَمَّا قَضَى رسولُ اللهِ عَلِّ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِيَ حتَّى ما أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً وَقُلْتُ لأبِي أجِبْ عَنِّ رسولَ الله مَِّ قال والله ما أدري ما أقولُ لِرَسُولِ اللهِ عَ لَّه فَقُلْتُ لِأَمِّي أَجِيبي عَنِّي رسولَ الله عَلَِّ فيما قال قالَتْ والله ما أدْرِي ما أقولُ لِرَسولِ اللهِ عَِّ قالَتْ وأنا جارِيَةٌ حديثَةُ السّنِّ لا أقْرَأُ كَثيراً مِنَ القُرْآنِ فقُلْتُ إِنِّي والله لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ سَمِعْتُمْ ما يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ وَوَقَرَ في أَنْفُسِكُمْ وصَدَّقْتُمْ بِهِ ولَئِنْ قُلْتُ إِنِّي بَرِيئَةٌ والله يَعْلَمُ إِنِّي لبَرِيئَةٌ لاَ تُصَدِّقُونِيٍ بِذْلِكَ ولَعَنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأُمْرٍ والله يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُنِي والله ما أجِدُ لي ولَكُمْ مثَلاً إلاَّ أبا يُوسُفَ إِذْ قَالَ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ والله المُسْتَعَانُ على مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]. ثُمَّ تَحَوَّلْتُ عَلَى فِراشِي وأنَا أَرْجُو أن يُرَّثَنِي الله ولَكِنْ والله ما ظَنَنْتُ أَنْ يُنْزِلَ فِي شَأْنِي وَحْياً ولأنا أحْقَرُ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ في أمْرِي ولَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رسولُ اللهِ عَِّ فِي النَّوْمِ رُؤْيا بُرِّثُنِي الله فَوَالله ما رَامَ مَجْلِسَهُ ولاَ خَرَجَ أحَدٌ مِنْ أهْلِ البَيْتِ حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ فأخَذَهُ ما كانَ يأخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ حتَّى أَنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الجُمَّانِ مِنَ العَرَقِ فِي يَوْمٍ شاتٍ فَلَمَّا سُرِّيَ عنْ رسولِ الله ◌َِّ وهوَ يَضْحَكُ فَكَانَ أوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِها أنْ قالٍ لِي ياً عَائِشَةُ اخْمَدِي الله فَقَدْ بَرَّأَكِ الله فقالَتْ لِي أُمِّي قُومِي إلى رسولِ الله عَ لَّهِ فَقُلْتُ لاَ والله لا أَقُومُ إِلَيْهِ ولاَ أَحْمَدُ إلَّ الله فأنْزَلَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤُوا بالإِفْكِ عُصْبَةً مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١] الآياتِ فلَمَّا أَنْزَلَ اللّه هَذَا في