النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ ٥١ - كتابُ الهِيَّةِ وفَضْلِها والتَّحْرِيضِ عَلَيْها / باب (٢٨) مكة، وهي الآن خراب. قوله: ((وكتب له ببحرهم))، أي: ببلدهم وحكومة أرضهم وديارهم له، وهذا هو الظاهر، لا البحر الذي هو ضد البر، كما توهمه بعضهم. ٤٨ / ٢٦١٥ _ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا يُونُسُ بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا شَيْبَانُ عنْ قَتَادَةَ قال حدَّثنا أنَسٌ رضي الله تعالى عنه قال أَهْدِيَ لِلنَّبِيِّعَ لَّه جبَّةَ سُنْدُسٍ وكانَ يَنْهَى عنِ الحَرِيرِ فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا فقال عَِّ وَالَّذِي نَفْس مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَمَنادِيلُ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ فِي الجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا. [الحديث ٢٦١٥ - طرفاه في: ٢٦١٦، ٣٢٤٨]. مطابقته للترجمة ظاهرة، لأن فيه قبول الهدية من المشرك، لأن الذي أهداها هو أكيدر دومة، على ما يجيء عن قريب. وعبد الله بن محمد بن عبد الله أبو جعفر البخاري المعروف بالمسندي، وهو من أفراده، ويونس بن محمد أبو محمد المؤدب أيضاً في صفة الجنة عن عبد الله بن محمد أيضاً. وأخرجه مسلم في الفضائل عن زهير بن حرب عن يونس بن محمد عنه به. قوله: ((أهدي))، على صيغة المجهول، والمهدي هو أكيدر، كما ذكرناه الآن. قوله: ((سندس))، قال ابن الأثير: السندس ما رق من الديباج ورفع، وقال الداودي: السندس رقيق الديباج، والاستبرق غليظه، وقال ابن التين: الاستبرق أفضل من السندس لأنه غليظ الديباج، وكل ما غلظ من الحرير كان أفضل من رقيقه، قوله: ((وكان ينهى عن الحرير))، جملة حالية. قوله: ((لمناديل سعد))، جمع منديل، وهو الذي يحمل في اليد، مشتق من الندل، وهو: النقل، لأنه ينقل من يد إلى يد، وقيل: الندل الوسخ، وفيه إشارة إلى منزلة سعد في الجنة، وأن أدنى ثيابه فيها خير من هذه الجبة، لأن المناديل في الثياب أدناها، لأنه معد للوسخ والامتهان، فغيره أفضل منه، وقيل: في قوله: ((لمناديل سعد)) ضرب المثال بالمناديل التي يمسح بها الأيدي وينفض بها الغبار ويتخذ لفافة لجيّد الثياب، فكانت كالخادم، والثياب كالمخدوم، فإذا كانت المناديل أفضل من هذه الثياب أعني: جبة السندس - دل على عطايا الرب، جل جلاله، قال: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ [السجدة: ١٧]. فإن قلت: ما وجه تخصيص سعد به؟ قلت: لعل منديله كان من جنس ذلك الثوب لوناً ونحوه، أو كان الوقت يقتضي استمالة سعد، أو كان اللامسون المتعجبون من الأنصار، فقال: منديل سيدكم خير منها، أو كان سعد يحب ذلك الجنس من الثياب، وقال صاحب (الاستيعاب) روي أن جبريل، عليه الصلاة والسلام، نزل في جنازته معتجراً، بعمامة من استبرق. ٢٦١٦ - وقال سَعِيدٌ عنْ قَتَادَة عنْ أنَسٍ أنَّ أُكَيْدَرَ دُومَةَ أهْدَى إلى النَّبِيِّ عَلَّهِ. [انظر الحديث ٢٦١٥ وأطرافه]. سعيد هو ابن أبي عروبة، روى عن قتادة ... إلى آخره، وهذا تعليق وصله أحمد عن روح عن سعيد بن أبي عروبة به، وقال فيه: ((جبة سندس أو ديباج)) شك سعيد، وأكيدر بضم الهمزة تصغير أكدر، وهو ابن عبد الملك بن عبد الجن، بالجيم والنون ابن أعبا بن الحارث عمدة القاري /ج١٣ /م١٦ ٢٤٢ ٥١ - كتابُ الهِيَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (٢٨) ابن معاوية، ينسب إلى كندة، وكان النبي، عَّه أرسل إليه خالد بن الوليد، رضي الله تعالى عنه، في سرية فأسره، وقتل أخاه حسان، وقدم به إلى المدينة فصالحه النبي، عَ لَّه، على الجزية وأطلقه. وقال الكرماني: واختلفوا في إسلامه، قال في (الجامع): ذكر البلاذري: أنه لما قدم على رسول الله، عَّةِ، أسلم وعاد إلى قومه، فلما توفي رسول الله، عَّم، ارتد فلما سار خالد من العراق إلى الشام قتله، وكان أكيدر ملك دومة، بضم الدال عند اللغوي، وفتحها عند الحديثي، و: الواو، ساكنة، وهي مدينة بقرب تبوك بها نخل وزرع، ولها حصن عادي على عشر مراحل من المدينة وثمان من دمشق، ويسمى: دومة الجندل، والجندل: الحجارة، والدومة: مستدار الشيء ومجتمعه، كأنها سميت به لأن مكانها مجتمع الأحجار ومستدارها. وروى أبو يعلى بإسناد قوي من حديث قيس بن النعمان، أنه: لما قدم أخرج قباء من ديباج منسوجاً بالذهب، فرده النبي، عَّه، ثم إنه وجد في نفسه من رد هديته، فرجع به، فقال له النبي، عَّ ◌ُله: ((إدفعه إلى عمر، رضي الله تعالى عنه ... )) عند مسلم: ((أن أكيدر دومة أهدى للنبي، عَّلَّه، ثوب حرير، فأعطاه علياً، فقال: شققه خمرا بين الفواطم)). وقد ذكرنا الفواطم في الباب الذي قبل هذا الباب. ٤٩ / ٢٦١٧ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ عْدِ الوهَّابِ قال حدَّثنا خالِدُ بنُ الحارِثِ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ هِشامٍ بنِ زَيْدٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكِ رضي الله تعالى عنه أَنَّ يَهُودِيَّةَ أَتَتِ النَّبِيَّ عَّلِ بِشَاةٍ مَسْمُومَةً فَأَكَلَ مِنْهَا فَجِيءَ بِها فَقيلَ ألاَ نَقْتُلُهَا فما زِلْتُ أعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رسولِ الله . مطابقته للترجمة من حيث إنه معَّ لِ قبل هدية تلك اليهودية، وأكله منها يدل على قبوله إياها، وعبد الله بن عبد الوهاب أبو محمد الحجبي البصري مات في سنة ثمان وعشرين ومائتين وهو من أفراده، وخالد بن الحارث بن سليم الهجيمي البصري وهشام بن زيد بن أنس بن مالك. والحديث أخرجه مسلم في الطب عن يحيى بن حبيب، وعن هارون الجمال، وأخرجه أبو داود في الديات عن يحيى بن حبيب. قوله: ((يهودية))، اسمها زينب، واختلف في إسلامها. قوله: ((في لهوات))، جمع: لهات، بفتح اللام، قال الجوهري: اللهاة الهنة المطبقة في أقصى سقف الحلق، والجمع اللها، واللهوات واللهياة، وقال عياض: هي اللحمة التي بأعلى الحنجرة من أقصى الفم، وقال الداودي: لهواته، ما يبدو من فيه عند التبسم، وفي (المغرب) اللهاة: لحمة مشرفة على الحلق. وفي الحديث دلالة على أكل طعام من يحل أكل طعامه، دون أن يسأل عن أصله. وفيه: حمل الأمور على السلامة حتى يقوم دليل على غيرها، وكذلك حكم ما بيع في سوق المسلمين، وهو محمول على السلامة حتى يتبين خلافها. ٢٤٣ ٥١ - كتابُ الهِبَةِ وَفَضْلِها والتَّخرِيضِ عَلَيْها / باب (٢٨) ٢٦١٨/٥٠ - حدّثنا أبو النُّغمانِ قال حدَّثنا الْمُعْتَمِرُ بنُّ سُلَيْمَانَ عنْ أَبِيهِ عنْ أبِي عُثْمَان عن عبد الرَّحْمنِ بنِ أبِي بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهُما قال كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ عَلَّهِ ثَلاثِينَ ومائَةً فقال النبيُّ عََّلَّهِ هَلْ مَعَ أحَدٍ مِنْكُمْ طعامٌ فَإِذَا مَعَ رَجُلٍ صاعْ مِنْ طَعَامِ أَوْ نَحْوُهُ فَعُجِنَ ثُمَّ جاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعَانُ طَوِيلٌ بِغَنَمِ يَسُوقُها فقال النبيُّ عََّّهِ بَيْعَاً أَمْ عَطِيَّةً أَوْ قَالَ هِبَةً قال لاَ بَلْ بَيْعٌ فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً فَصُنِعَتْ وَأَمَرَ النبيُّ عَّلَّهِ البَطْنَ أَنْ يُشْوَى وائِمُ اللهِ ما في الثَّلاثِينَ والمِائَةِ إِلاَّ وقَدْ حَزَّ النبيُّ عَُّلَِّ لَهُ حُزَّةٌ مِنْ سَوادٍ بَطْنِهَا إنْ كانَ شاهِداً أَعْطَاهَا إِيَّهُ وإنْ كانَ غائِباً خَبَّا لَهُ فَجَعَلَ مِنْهَا قَضْعَتَيْنِ فَأَكَلُوا أَجْمَعُونَ وشَبِعْنَا فَفُضِلَتِ الْقَصْعَتَانِ فَحَمَلْناهُ على الْبَعِيرِ أوْ كَما قال. [انظر الحديث ٢٢١٦ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله أم عطية، والعطية تطلق على الهدية وعلى الهبة، ولهذا قال: أم هبة. وفيه: دلالة على جواز قبول هدية المشرك، لأنه لو لم يجز لما قال عَ له: أم عطية وأبو النعمان، محمد بن الفضل السدوسي البصري، والمعتمر بن سليمان بن طرخان التيمي البصري، يروي عن أبيه، وأبو عثمان هو عبد الرحمن بن مل النهدي - بالنون - الكوفي، سكن البصرة، أدرك الجاهلية وأسلم على عهد النبي، عَّه وصدق به ولم يره، مات سنة إحدى وثمانين بالبصرة، وهو ابن أربعين ومائة سنة. والحديث مضى في كتاب البيوع في: باب الشراء والبيع مع المشركين. قوله: ((فإذا مع رجل))، كلمة إذا، للمفاجأة، قوله: ((أو نحوه))، بالرفع عطف على الصاع والضمير فيه يرجع إلى الصاع. قوله: ((مشعان))، بضم الميم وسكون الشين المعجمة. وبالعين المهملة، وفي آخره نون مشددة. وقال الكرماني: ويروى، بكسر الميم. وقال: هو ثائر الرأس أشعث وقال القزاز هو الحافي الثائر الرأس وفي بعض الرواية وقع بعد قوله مشعان طويل جداً فوق الطول وهو تفسير البخاري وقع في رواية المستملي. قوله: ((بيعاً أم عطية)) منصوبان بفعل مقدر تقديره: تبيع بيعاً أو تعطي عطية. قوله: ((أو قال))، شك من الراوي في أنه قال: عطية أم هبة. قوله: ((فاشترى منه))، أي: من الرجل، وفي رواية الكشميهني: فاشترى منها، أي: من الغنم. قوله: ((فصنعت))، أي: ذبحت. قوله: ((بسواد البطن))، هو الكبد، قاله النووي. وقال الكرماني: اللفظ أعم منه، يعني: يتناول كل ما في البطن من كبد وغيره. قلت: الذي قاله النووي أقوى في المعجزة. قوله: ((وأيم الله))، قسم، يعني: من ألفاظ القسم، نحو: لعمر الله، وعهد الله، وفيه لغات كثيرة، وتفتح همزتها وتكسر، وهي همزة وصل، وقد تقطع وأهل الكوفة من النحاة يزعمون أنه جمع يمين، وغيرهم يقولون: هي اسم موضوع للقسم. قوله: ((حز))، بالحاء المهملة والزاي، معناه: قطع. قوله: ((حزة))، بضم الحاء المهملة: وهي القطعة من اللحم وغيره، وقال الكرماني: ويروى - بفتح الجيم - قوله: ((أعطاها إياه)) أي: أعطى الحزة إياه، أي: الشاهد، أي: الحاضر. وقال بعضهم: هو من القلب، وأصله: أعطاه إياها. قلت: لا حاجة إلى دعوى القلب فيه، بل العبارتان سواء في الاستعمال. قوله: ((أجمعون))، بالرفع تأكيد للضمير الذي في أكلوا، ثم إنه يحتمل الوجهين: أحدهما: أنهم ٢٤٤ ٥١ - كتابُ الهِيَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (٢٩) اجتمعوا كلهم على القصعتين فأكلوا مجتمعين، وفيه معجزة أخرى: وهي اتساع القصعتين حتى تمكنت منها أيادي القوم كلهم، والوجه الآخر: أنهم أكلوا كلهم من القصعتين على أي وجه كان. قوله: ((فحملناه))، أي: الطعام، ولو أريد القصعتان لقيل: حملناهما، وفي الأطعمة. وفضل في القصعتين، وكذا في رواية مسلم، فالضمير حينئذ يرجع إلى القدر الذي فضل. قوله: «أو كما قال)، شك من الراوي. قال الكرماني: قالوا: فيه معجزتان: إحداهما: تكثير سواد البطن حتى وسع هذا العدد، والأخرى: تكثير الصاع ولحم الشاة حتى أشبعهم أجمعين. ففضلت فضلة حملوها لعدم الحاجة إليها. قلت: فيه أربع معجزات: الأولى تكثير الصاع، والثانية: تكثير سواد البطن. والثالثة: اتساع القصعتين لتمكن أيادي هؤلاء العدد. والرابعة: الفضلة التي فضلت بعد شبعهم واكتفائهم. وفيه: المواساة بالطعام عند المسبغة وتساوي الناس في ذلك. وفيه: ظهور البركة عند الاجتماع على الطعام، وفيه: تأكيد الخبرة بالقسم وإن كان المخبر صادقاً، وقال بعضهم: وفيه: فساد قول من حمل رد الهدية على الوثني دون الكتابي، لأن هذا الأعرابي كان وثنياً. قلت: ليس فيه شيء يدل على أنه كان وثنياً، فإن قال: علم ذلك من الخارج، فعليه البيان. ٢٩ - بابُ الهَدِيَّةِ لِلْمُشْرِكِينَ أي: هذا باب في بيان حكم الهدية الواقعة للمشركين، وحكمها أنها: تجوز للرحم منهم، كما سنذكره، إن شاء الله تعالى. وقَوْلِ الله تعالَى: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ الله عنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِ جُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ الله يُحِبُّ المُفْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]. وقول الله، بالجر عطف على قوله: الهدية، أي: وفي بيان قول الله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله ... ﴾ [الممتحنة: ٨]. إلى آخر الآية في رواية أبي ذر وأبي الوقت، وفي رواية الباقين ذكر إلى قوله: ﴿وتقسطوا إليهم﴾ [الممتحنة: ٨]. والمراد من ذكر الآية بيان من تجوز له الهدية من المشركين، ومن لا تجوز، وليس حكم الهدية إليهم على الإطلاق. ثم الآية الكريمة نزلت في قتيلة امرأة أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، وكان قد طلقها في الجاهلية، فقدمت على ابنتها أسماء بنت أبي بكر، فأهدت لها قرظاً، وأشياء، فكرهت قبولها حتى ذكرته لرسول الله، عَِّ، فنزلت الآية المذكورة، كذا قاله الطبري، وقيل: نزلت في مشركي مكة من لم يقاتل المؤمنين ولم يخرجوهم من ديارهم، وقال مجاهد: هو خطاب للمؤمنين الذين بقوا بمكة ولم يهاجروا، والذين قاتلهم كفار أهل مكة، وقال السدي: كان هذا قبل أن يؤمروا بقتال المشركين كافة، فاستشار المسلمون رسول الله، عَّ له في قراباتهم من المشركين أن يبروهم ويصلوهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال قتادة وابن زيد: ثم نسخ ذلك، ولا يجوز الإهداء ٢٤٥ ٥١ - كتابُ الهِيَّةِ وفَضْلِها والتَّخرِيضِ عَلَيْها / باب (٢٩) للمشركين إلاَّ للأبوين خاصة، لأن الهدية فيها تأنيس للمهدى إليه، وإلطاف له، وتثبيت لمودته، وقد نهى الله تعالى عن التودد للمشركين بقوله: ﴿لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادَّ الله ورسوله﴾ [المجادلة: ٢٢]. الآية، وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة﴾ [الممتحنة: ١]. قوله: ((أن تبروهم وتقسطوا إليهم))، أي: أن تحسنوا إليهم وتعاملوهم فيما بينكم بالعدل وتقسطوا، بضم التاء من الإقساط، وهو العدل، يقال: أقسط يقسط فهو مقسط إذا عدل، وقسط يقسط فهو قاسط إذا جار، فكأن الهمزة في أقسط للسلب، كما يقال: شكا إليه فأشكاه أي: أزال شكواه. ٢٦١٩/٥١ - حدّثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ قال حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ بِلاَلٍ قال حدَّثني عبْدُ الله بنُ دِينارٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُما قال رَأى عُمَرُ حُلَّةً عِلَى رَجُلٍ تُباعُ فقال لِلنَّبِيَّ عَ لَّهِ ابْتَعْ هَذِهِ الحُلَّةَ تَلْبَسْها يَوْمَ الجُمْعَةِ وإِذَا جاءَكَ الوَقْدُ فقال إنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لاَ خَلاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ فَأتِي رسولُ اللهِ، عَلَّهِ مِنْهَا بِحُلَلٍ فَأَرْسَلَ إلى عُمَرَ مِنْهَا بِحُلَّةٍ فقال عُمَرَ كَيْفَ ألْبَسُها وقَدْ قُلْتَ ما قُلْتَ قال إنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا تَبِيعُها أوْ تَكْسُوهَا فَأَرْسَلَ بِها عُمَرُ إلى أخٍ لَهُ مِنْ أهْلِ مَكَّةَ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ. [انظر الحديث ٨٨٦ وأطرافه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من معناه، وهو أن عمر، رضي الله تعالى عنه، أرسل تلك الحلة التي أرسلها إليه رسول الله، عَّهِ إلى أخ له بمكة، وهو مشرك، فدل ذلك على جواز الإهداء للرحم من المشركين، وهذا أوضح الحكم في إطلاق الترجمة، وأنها ليست على إطلاقها، وقد مضى الحديث في كتاب الجمعة في: باب يلبس أحسن ما يجد، فإنه أخرجه هناك: عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن نافع عن ابن عمر، ومضى أيضاً عن قريب في: باب هدية ما يكره لبسها، عن عبيد الله بن مسلمة عن مالك عن نافع عن ابن عمر، وهنا أخرجه: عن خالد بن مخلد، بفتح الميم واللام: البجلي الكوفي، وقد مر الكلام فيه مستقصىٍّ. ٥٢ /٢٦٢٠ - حدّثنا مُبَيْدُ بنُ إسْماعِيلَ قال حَدَّثنا أبُو أُسَامَةَ عنْ هِشَامٍ عنْ أَبِيهِ عنْ أسْماءَ بِنْتِ أبي بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهما قالَتْ قَدِمَتْ علَيَّ أُمِّي وهْيَ مُشْرِّكَةٌ فِيِ عِهْدِ رَسُولِ اللهِ فاسْتَفْتَيْتُ رسولَ الله عَِّ قُلْتُ وهْيَ رَاغِبَةٌ أَفَأْصِلُ أُمِّي قالَ نَعَمْ صِلي أُمَّكِ. [الحديث ٢٦٢٠ - أطرافه في: ٣١٨٣، ٥٩٧٨، ٥٩٧٩]. مطابقته للترجمة ظاهرة. وعبيد، بضم العين - مصغر عبد - ابن إسماعيل، واسمه في الأصل: عبد الله، يكنى أبا محمد الهباري القرشي الكوفي، وهو من أفراده، وأبو أسامة حماد ابن أسامة الليثي، وهشام بن عروة يروي عن أبيه عروة بن الزبير. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الجزية عن قتيبة، وفي الأدب عن الحميدي: وأخرجه مسلم في الزكاة عن أبي كريب وعن ابن أبي شيبة، وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد ابن أبي شعيب. ذكر معناه: قوله: ((عن هشام عن أبيه))، وفي رواية ابن عيينة الآتية في الأدب: ٢٤٦ ٥١ - كتابُ الهِبَةِ وفَضْلِها والتَّخرِيضِ عَلَيْها / باب (٢٩) أخبرني أبي. قوله: ((عن أسماء)»، وفي رواية ابن عيينة: أخبرتني أسماء، كذا قال أكثر أصحاب ابن هشام، وقال بعض أصحاب ابن عيينة: عنه عن هشام عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء، قال الدارقطني، وهو خطأ، وحكى أبو نعيم أن عمر بن علي المقدم ويعقوب القاري روياه عن هشام كذلك، وإذا كان كذلك يحتمل أن يكونا محفوظين، ورواه أبو معاوية وعبد الحميد بن جعفر عن هشام، فقالا: عن عروة عن عائشة، وكذا أخرجه ابن حبان من طريق الثوري عن هشام، قال البرقاني: الأول أثبت وأشهر. قوله: ((قدمت عليَّ أمي))، وفي رواية الليث عن هشام كما يأتي في الأدب: قدمت أمي مع ابنها، وذكر الزبير: أن اسم ابنها الحارث بن مدرك بن عبيد بن عمر بن مخزوم. ثم اختلف في هذه الأم؟ فقيل: كانت ظئراً لها، وقيل: كانت أمها من الرضاعة، وقيل: كانت أمها من النسب، وهو الأصح، والدليل عليه ما رواه ابن سعد وأبو داود الطيالسي والحاكم من حديث عبد الله بن الزبير، قال: قدمت قتيلة على ابنتها أسماء بنت أبي بكر في المدينة - وكان أبو بكر طلقها في الجاهلية - بهدايا زبيب وسمن وقرظ، فأبت أسماء أن تقبل هديتها أو تدخلها بيتها، فأرسلت إلى عائشة: سلي رسول الله، عَ لّه، فقال: لتدخلها ... الحديث، وقد ذكرناه فى: باب قبول الهدية من المشركين، واختلفوا في اسمها، فقال الأكثرون: إنها قتيلةٌ، بضم القاف وفتح التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف: وقال الزبير بن بكار اسمها قتلة، بفتح القاف وسكون التاء المثناة من فوق، وقال الداودي: اسمها أم بكر، وقال ابن التين: لعله كنيتها، والصحيح: قتيلة، بضم القاف على صيغة التصغير، بنت عبد العزى بن أسعد بن جابر بن نصر بن مالك بن حسل، بكسر الحاء وسكون السين المهملتين: ابن عامر بن لؤي، وذكرها المستغفري في جملة الصحابة. وقال تأخر إسلامها،. وقال أبو موسى المديني: ليس في شيء من الحديث ذكر إسلامها. قوله: ((وهي مشركة)) جملة حالية. قوله: ((في عهد رسول الله، عَّ))، أي: في زمنه وأيامه، وفي رواية حاتم: في عهد قريش، إذ عاقدوا رسول الله، عَّه، وأراد بذلك ما بين الحديبية والفتح. قوله: ((وهي راغبة))، قال بعضهم: أي: في الإسلام، وقال بعضهم: أي: في الصلة. وفيه نظر لأنها جاءت أسماء ومعها هدايا من زبيب وسمن وغير ذلك. قلت: وفي النظر نظر لأنها ربما كانت تأمل أن تأخذ أكثر مما أهدت. وقال بعضهم: راغبة، أي: عن ديني، أي كارهة له، وعند أبي داود راغمة، بالميم أي كارهة للإسلام وساخطة علي، وقال بعضهم: هاربة من الإسلام، وعند مسلم أو راهبة، وكان أبو عمرو بن العلاء يفسر قوله: مراغماً بالخروج عن العدو على رغم أنفه، وقال ابن قرقول: راغبة، رويناه نصباً على الحال، ويجوز رفعه على أنه خبر مبتدأ. وقال ابن بطال: لو أرادت به المضي لقالت مراغمة، وهو بالباء أظهر ووقع في كتاب ابن التين: داعية، ثم فسرها بقوله: طالبة، ويروي معترضة له. ومما يستفاد منه: جواز صلة الرحم الكافرة كالرحم المسلمة. وفيه: مستدل لمن رأى وجوب، النفقة للأب الكافر، والأم الكافرة على الولد المسلم. وفيه: موادعة أهل الحرب ٢٤٧ ٥١ - كتابُ الهِبَةِ وفَضْلِها والتَّخرِيضِ عَلَيْها / باب (٣٠) ومعاملتهم في زمن الهدنة. وفيه: السفر في زيارة القريب. وفيه: فضيلة أسماء حيث تحرت في أمر دينها، وكيف لا وهي بنت الصديق وزوج الزبير بن العوام، رضي الله تعالى عنهم. ٣٠ - بابٌ لا يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ وصَدَقَتِهِ أي: هذا باب يذكر فيه: لا يحل إلى آخره، فإن قلت: ليس لفظ: لا يحل، ولا لفظ يدل عليه في أحاديث الباب، وكيف يترجم بهذه الترجمة؟ قلت: قيل: إنه ترجم بهذه الترجمة لقوة الدليل عنده فيها، ولكن يعكر عليه بشيئين. الأول: أنه يرى للوالد الرجوع فيما وهبه لولده، فكيف يقول هنا: لا يحل لأحد أن يرجع في هبته، والنكرة في سياق النفي تقتضي العموم، وانتهض بعضهم مساعدة له، فقال: يمكن أن يرى صحة الرجوع له، وإن كان حراماً بغير عذر. قلت: سبحان الله ما أبعد هذا عن منهج الصواب، لأنه: كيف يرى صحة شيء مع كونه في نفس الأمر حراماً؟ وبين كون الشيء صحيحاً، وبين كونه حراماً، منافاة؟ فالصحيح لا يقال له حرام، ولا الحرام يقال له صحيح. والثاني: أنه قيل في ترجمته بهذه الترجمة لقول الدليل عنده، فإن كانت هذه القوة لدليله بحديث ابن عباس، فذا لا يدل على عدم الحل لأنا قد ذكرنا في أوائل: باب هبة الرجل لأمرأته أن جعله عَّ لِ العائد في هبته كالعائد في قيئه، من باب التشبيه من حيث إنه ظاهر القبح مروءة لا شرعاً، فلا يثبت بذلك عدم الحل في الرجوع حتى يقال: لا يحل لأحد أن يرجع في هبته، وأيضاً كيف تثبت القولة الدليله مع ورود قوله عَ لٍ: الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها، رواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة، وأخرجه الدارقطني في (سننه) وابن أبي شيبة في مصنفه، وروى ((عن ابن عباس أيضاً قال: قال رسول الله عَ لَّه: من وهب هبة فهو أحق بهبته، ما لم يثب منها)). رواه الطبراني، فإن قال المساعد له: هذان الحديثان لا يقاومان حديثه الذي رواه في هذا الباب. قلت: ولئن سلمنا ذلك، فما يقول في حديث ابن عمر، أخرجه الحاكم في (المستدرك) عنه أن النبي، عَّلَّه قال: من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب منها، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ورواه الدارقطني أيضاً في سننه، فإن قال: مساهلة الحاكم في التصحيح مشهورة، يقال: له حديث ابن عمر صحيح مرفوعاً، ورواته ثقات، كذا قال عبد الحق في الأحكام، وصححه ابن حزم أيضاً، ففيه الكفاية لمن يهتدي إلى مدارك الأشياء ومسالك الدلائل. ٥٣ /٢٦٢١ - حدّثنا مُسْلِمُ بنُ إِبْرَاهِيمَ قال حدَّثنا هِشامٌ وشُعْبَةُ قالا حدَّثنا قَتَادةُ عنْ سَعِيدِ بنِ الْمُسَيِّبِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال قال النبيُّ عَّلِ العائِدُ فِي هِبَتِهِ كالعائِدِ في قَيِهِ. [انظر الحديث ٢٥٨٩ وطرفيه]. ليس فيه لفظ يدل على لفظ الترجمة ولا يتم به استدلاله على نفي حل الرجوع عن هبته، وهشام هو الدستوائي، والحديث مر عن قريب، وقال ابن بطال: جعل رسول الله، عَّه. الرجوع في الهبة كالرجوع في القيء وهو حرام، فكذا الرجوع في الهبة. قلنا: الراجع في ٢٤٨ ٥١ - كتابُ الهِيَةِ وفَضْلِها والتَّحْرِيضِ عَلَيْها / باب (٣٠) القيء هو الكلب لا الرجل، والكلب غير متعبد بتحليل وتحريم، فلا يثبت منع الواهب من الرجوع فهو يدل على تنزيه أمنه من أمثال الكلب لا أنه أبطل أن يكون لهم الرجوع في هباتهم. فإن قلت: روي: لا يحل لواهب أن يرجع في هبته؟ قلت: قال الطحاوي: قوله: لا يحل، لا يستلزم التحريم، وهو كقوله: لا تحل الصدقة لغني، وإنما معناه: لا تحل له من حيث تحل لغيره من دون الحاجة، وأراد بذلك التغليظ في الكراهة. قال: وقوله: كالعائد في قيئه، وإن اقتضى التحريم لكون القيء حراماً، لكن الزيادة في الرواية الأخرى: وهي قوله: كالكلب، يدل على عدم التحريم، لأن الكلب غير متعبد فالقيء ليس حراماً عليه، والمراد التنزيه عن فعل يشبه فعل الكلب. واعترض عليه بعضهم بقوله: ما تأوله مستبعد وينافي سياق الأحاديث، وأن عرف الشرع في مثل هذه الأشياء يريد به المبالغة في الزجر، كقوله: من لعب بالنرد شير فكأنما غمس يده في لحم خنزير. انتهى. قلت: لا يستبعد إلاّ ما قاله هذا المعترض حيث لم يبين وجه الاستبعاد، ولا بين وجه منافرة سياق الأحاديث، ونحن ما ننفي المبالغة فيه، بل نقول: المبالغة في التغليظ في الكراهة وقبح هذا الفعل وكل ذلك لا يقتضي منع الرجوع فافهم. ٥٤/ ٢٦٢٢ - حدّثنا عبْدُ الرَّحمنِ بنُ الْمُبَارَكِ قال حدَّثنا عبدُ الوَارِثِ قال حدَّثنا أَيُّوبُ عِنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما قال قال النبيُّ عَ لَّه لَيْسَ لَنا مَثَلُ الشّوْءِ الَّذِي يَعودُ في هِبَيْهِ كالْكَلْبِ يَرْجِعُ في قَيِهِ. [انظر الحديث ٢٥٨٩ وطرفيه]. : هذا طريق آخر في حديث ابن عباس أخرجه عن عبد الله بن المبارك العيشي، بالياء آخر الحروف وبالشين المعجمة يعني: أبا بكر، وليس هذا بأخي عبد الله بن المبارك المروزي، والرواة كلهم بصريون إلاَّ عكرمة وابن عباس فإنهما سكنا فيها مدة، وفي بعض النسخ: وحدثني عبد الرحمن بصيغة الإفراد. وواو العطف. قوله: ((ليس لنا مثل السوء)) يعني: لا ينبغي لنا - يريد به نفسه والمؤمنين - أن نتصف بصفة ذميمة تشابهنا فيها أخس الحيوانات في أخس أحوالها، وقد يطلق المثل على الصفة الغريبة العجيبة الشأن، سواء كان في صفة مدح أو ذم، قال الله تعالى: ﴿والذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى﴾ [النحل: ٦٠]. قالوا: هذا المثل ظاهر في تحريم الرجوع في الهبة والصدقة بعد إقباضها. قلنا: هذا المثل يدل على التنزيه وكراهة الرجوع، لا على التحريم، ويستدل بحديث عمر، رضي الله تعالى عنه، حين أراد شراء فرس حمل عليه في سبيل الله، فسأل عن ذلك رسول الله، عَّ له، فقال: لا تبتعه، وإن أعطاكه بدرهم ... الحديث يأتي الآن، فلما لم يكن من هذا القول موجباً حرمه ابتياع ما تصدق به، فكذلك هذا الحديث لم يكن موجباً حرمة الرجوع في الهبة. ٢٦٢٣/٥٥ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ قال حدَّثنا مالِكٌ عن زيْدِ بنِ أسْلَمَ عنْ أَبِيهِ قال سَمِعْتُ عُمَرَ بنَ الخطَّابِ رضي الله تعالى عنهُ يَقولُ حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ في سَبِيلِ الله ٢٤٩ ٥١ - كتابُ الهِيَّةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (٣١) فأضاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ فَأرَدْتُ أنْ أَشْتَرِيَّهُ مِنْهُ وظَنَنْتُ أَنَّهُ بائِعُهُ بِرُخْصٍ فَسألْتُ عنْ ذَلِكَ النبيَّ عَ لِّ فقال لا تَشْتَرِهِ وإنْ أعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ واحِدٍ فإنَّ العَائِدَ في صَدَقَتِهِ كالْكَلْبِ يَعودُ في قَيْئِهِ. [انظر الحديث ١٤٩٠ وأطرافه]. مطابقته للترجمة تتعين أن يقال في قوله: ((فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه))، والذي يفهم من صنيع البخاري أنه لا يفرق بين الهبة والصدقة، وليس كذلك، فإن الهبة يجوز الرجوع فيها على ما فيه من الخلاف والتفصيل، بخلاف الصدقة فإنه لا يجوز الرجوع فيها مطلقاً، والحديث مضى في كتاب الزكاة في: باب هل يشتري صدقته؟ فإنه أخرجه هناك: عن عبد الله بن يوسف عن مالك ... إلى آخره، وأخرجه هنا عن يحيى بن قرعة، بفتح القاف والزاي والعين المهملة: المكي، وهو من أفراده عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه، أسلم أبي خالد، مولى عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، وقد مر الكلام فيه هناك. قوله: ((عن زيد بن أسلم)) سيأتي في آخر حديث في الهبة عن الحميدي: حدثنا سفيان سمعت مالكاً يسأل زيد بن أسلم، قال: سمعت أبي ... فذكره مختصراً، ولمالك فيه إسناد آخر سيأتي في الجهاد: عن نافع عن ابن عمر ... وله فيه إسناد ثالث: عن عمرو بن دينار عن ثابت الأحنف عن ابن عمر ... أخرجه أبو عمر. قوله: ((سمعت عمر بن الخطاب)) زاد ابن المديني عن سفيان: على المنبر، وهي للموطآت للدار قطني. قوله: ((حملت على فرس)) أي: تصدقت به ووهبته بأن يقاتَلَ عليه في سبيل الله، وفي رواية القعنبي في (الموطأ): على فرس عتيق، والعتيق الكريم الفائق من كل شيء، وهذا الفرس هو الذي أهداه تميم الداري لرسول الله، عَّله، يقال له: الورد، فأعطاه عمر، رضي الله تعالى عنه، فحمل عليه عمر في سبيل الله فوجده يباع، وهذا رواه الواقدي عن سهل بن سعد في تسمية خيل النبي عَ ليه. فإن قلت: كيف كيفية الحمل عليه؟ قلت: ظاهره يقتضي حمل تمليك ليجاهد به، ولو كان حمل تحبيس لم يجز بيعه. قوله: ((فأضاعه الذي كان عنده)) أي: لم يحسن القيام عليه، وقصر في مؤونته وخدمته. وقيل: أي لم يعرف مقداره فأراد بيعه بدون قيمته، وقيل: استعمله في غير ما جعل له. قوله: ((لا تشتره))، نهي للتنزيه لا للتحريم، قاله الكرماني: قلت: هكذا هو عند الجمهور وحمله قوم على التحريم وليس بظاهر، والله أعلم، ثم إن هذا النهي مخصوص بالصورة المذكورة وما أشبهها، لا فيما إذا رده إليه الميراث، مثلاً. ٣١ - بابٌ إن قدر شيء معه يكون معرباً وإلاَّ فلا، لأن الإعراب لا يكون إلاَّ بالعقد والتركيب، وهو كالفصل، لأن الكتاب يجمع الأبواب، والأبواب تجمع الفصول. ٢٦٢٤/٥٦ - حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قال أخبرنا هِشامُ بنُ يوسُفَ أنَّ ابنَ جُرَيْجِ أَخْبَرَهُمْ قال أخبرني عبْدُ اللهِ بنُ عُبَيْدِ الله بنِ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّ بَنِي صُهَيْبٍ مَوْلَى ابنٍ جَدْعَانٌ ٢٥٠ ٥١ - كتابُ الهِيَّةِ وفَضْلِها والتَّحْرِيضِ عَلَيْها / باب (٣١) ادَّعُوا بَيْتَيْنِ وحُجْرَةً أَنَّ رسولَ الله عَ لَّهِ أَعْطَى ذَلِكَ صُهَيْباً فقال مَزْوَانُ مِنْ يَشْهَدُ لَكُمَا عَلَى ذُلِكَ قالوا ابْنُ عُمَرَ فَدَعَاهُ فَشَهِدَ لِأُعْطَى رسولُ اللهِ عَ لَّهِ صُهَيْبَاً بَيْتَيْنِ وحُجْرَةً فَقَضَى مزْوَانُ بِشَهَادَتِهِ لَهُمْ. قال ابن بطال: ذكر هذا الحديث في كتاب الهبة، لأن فيه: أن النبي، عَّه وهب صهيباً ذلك، وقال ابن التين: أتى البخاري بهذه القصة هنا لأن العطايا نافذة، وقال بعضهم: ومناسبته لها أن الصحابة بعد ثبوت عطية النبي، عَّ له، ذلك لصهيب لم يستفصلوا: هل رجع أو لا؟ فدل على أن لا أثر للرجوع في الهبة. انتهى. قلت: أما ما ذكره ابن بطال وابن التين فله وجه ما، وأما القول الثالث فلا وجه له أصلاً، لأن الموهوب له إذا مات لا رجوع فيه أصلاً عند جميع العلماء. وأما عند الحنفية فلأن الرجوع امتنع بالموت، وأما عند غيرهم فلا رجوع من الأول أصلاً، إلاّ في موضع مخصوص واستفصال الصحابة وعدم استفصالهم في الرجوع وعدمه بعد موت الواهب لا دخل له هنا، فلا فائدة في قوله، فدل على أن لا أثر في الرجوع في الهبة، لأن الرجوع لم يبق أصلاً، فالرجوع وعدمه غير مبنيين على الاستفصال، وعدمه حتى يكون عدم استفصالهم دالاً على عدم الرجوع وعدم الرجوع هنا متحقق بدون ذلك أقول: لذكر هذا الحديث هنا وجه حسن، وهو أنه أشار به إلى أن حكم الهبة عند وقوع الدعوى بين المتواهبين أو بين ورثتهم كحكم سائر الدعاوى في أبواب الفقه فيما يحتاج إليه من الحاكم وإقامة الشهود واليمين وغير ذلك، فافهم. ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: إبراهيم بن موسى بن يزيد الفراء أبو إسحاق المروزي، يعرف بالصغير. الثاني: هشام بن يوسف أبو عبد الرحمن الصنعاني اليماني قاضيها. الثالث: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي. الرابع: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة المكي قاضي ابن الزبير، والحديث تفرد به البخاري. ذكر معناه: قوله: ((أن بني صهيب))، بضم الصاد: ابن سنان بن خالد الموصلي ثم الرومي ثم المكي ثم المدني، كان من السابقين الأولين والمعذبين في الله، أبو يحيى، وقيل: أبو غسان، سبته الروم من نينوى وأمه سلمى من بني مازن بن عمرو بن تميم، كان أبوه أو عمه عاملاً لكسرى على الأبلة، وكانت منازلهم بأرض الموصل، فأغارت الروم على تلك الناحية فسبت صهيباً وهو غلام صغير، فنشأ بالروم فصار ألكن، فابتاعه كلب منهم، فقدموا به مكة فاشتراه عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة، فأعتقه فأقام معه بمكة إلى أن هلك ابن جدعان، ثم هاجر إلى المدينة في النصف من ربيع الأول، وأدرك رسول الله، عَّ له، بقباء قبل أن يدخل المدينة، وشهد بدراً، ومات بالمدينة في شوال سنة ثمان وثلاثين وهو ابن سبعين سنة، وصلى عليه سعد بن أبي وقاص، رضي الله تعالى عنه. وأما بنو صهيب فهم: حمزة وسعد وصالح وصيفي وعباد وعثمان وحبيب ومحمد، وكلهم رووا عنه. قوله: ((فقال مروان))، هو ابن الحكم بن أبي العاص بن أمية الأموي وكان يومئذ أمير المدينة لمعاوية بن أبي سفيان. قوله: ((بيتين وحجرة)) بيتين تثنية: بيت. قال صاحب ٢٥١ ٥١ - كتابُ الهِبَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (٣٢) (المغرب): البيت اسم لمسقف واحد وأصله من: بيت الشعر أو الصوف، سمي به لأنه بيات فيه، وقال ابن الأثير: بيت الرجل داره وقصره. قلت: الدار لا تسمى بيتاً، لأنها مشتملة على بيوت، والحجرة، بضم الحاء المهملة وسكون الجيم: هو الموضع المنفرد في الدار، وذكر عمر بن شبة في (أخبار المدينة) أن بيت صهيب كان لأم سلمة فوهبته لصهيب، فلعلها أعطته بإذن النبي، عَّله، والظاهر أن الذي وقع عليه الدعوى غير ذلك. قوله: ((من شهد لكما؟)) قال الكرماني: فإن قلت: لفظ بني صهيب جمع وهذا مثنى. قلت: أقل الجمع اثنان عند بعضهم. انتهى. قلت: لا يحتاج إلى هذا التعسف، بل الجواب أن الذي ادعى كان اثنين منهم فخاطبهما مروان: من يشهد لكم؟ فهذه الرواية لا إشكال فيها. قوله: ((قالوا: ابن عمر)) أي: يشهد بذلك عبد الله بن عمر. قوله: ((فدعاه)) أي: فدعا مروان عبد الله بن عمر فشهد بذلك، وقال؛ لأعطى رسول الله، عَّه، واللام فيه مفتوحة لأنها لام القسم، والتقدير: والله لأعطى رسول الله، عَّهِ. قوله: ((فقضى مروان بشهادته لهم))، أي: حكم مروان بشهادة ابن عمر لبني صهيب بالبيتين والحجرة. وقال ابن بطال: كيف قضى مروان بشهادة ابن عمر وحده؟ ثم قال: فالجواب: أن مروان إنما حكم بشهادته مع يمين الطالب، على ما جاء في السنة من القضاء باليمين مع الشاهد، قيل: فيه نظر، لأنه لم يذكر في الحديث. قلت: ليس كذلك لأن القاعدة المستمرة تنفي الحكم بشاهد واحد. فلا بد من شاهدين أو من شاهد ويمين عند من يراه بذلك. فإن قلت: قد استدل بعضهم بقول بعض السلف، كشريح القاضي، أنه قال: الشاهد الواحد إذا انضمت إليه قرينة تدل على صدقه ألا ترى أن أبا داود ترجم في (سننه) باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم! وساق قصة خزيمة بن ثابت، وسبب تسميته: ذا الشهادتين؟ قلت: الجمهور على أن ذلك لا يصح، وأن قصة خزيمة مخصوصة به، وقال ابن التين: قضاء مروان بشهادة ابن عمر يحتمل وجهين: أحدهما: أنه يجوز له أن يعطي من مال الله من يستحق العطاء، فينفذ ما قيل له: إن سيدنا رسول الله، عَّله، أعطاه، فإن لم يكن كذلك كان قد أمضاه، وإن كان غير ذلك كان هو المعطي عطاء صحيحاً. وقد يكون هذا خاصاً في الفيء، لأن النبي، عَّلَه، أعطى أبا قتادة بدعواه وشهادة من كان السلب عنده. الوجه الثاني: أنه ربما حكم الإمام بشهادة المبرز في العدالة وحده، وقد قال بعض فقهاء الكوفة: حكم شريح بشهادتي وحدي في شيء. قال: وأخطأ شريح، قال: والوجه الأول الصحيح. بسم الله الرحمن الرحيم ٣٢ - بابُ ما قِيلَ في العُمْرِى والرُّقْبِى ثبتت البسملة في رواية الأصيلي وكريمة قبل لفظ: باب. قوله: ((باب ما قيل)) أي: هذا باب في بيان ما قيل في أحكام العمرى والرقبى، العمرى، بضم العين المهملة وسكون الميم مقصوراً، وحكي بضم العين والميم جميعاً، وبفتح العين وسكون الميم. وقال ابن سيده: ٢٥٢ ٥١ - كتابُ الهِيَّةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (٣٢) العمرى، مصدر كالرجعى، وأصل العمرى مأخوذ من العمر، والرقبى بوزن العمرى كلاهما على وزن فعلى، وأصل الرقبى من المراقبة. فإن قلت: ذكر في الترجمة العمرى والرقبى، ولم يذكر في الباب إلاّ حديثين في العمرى، ولم يذكر شيئاً في الرقبى؟ قلت: قيل: إنهما متحدان في المعنى، فلذلك اقتصر على العمرى، على أن النسائي روى بإسناد صحيح عن ابن عباس موقوفاً: العمرى والرقبى سواء؟ قلت: هذا الجواب غير مقنع، لأنا لا نسلم الاتحاد بينهما في المعنى فالعمرى من العمر والرقبى من المراقبة. وبينهما فرق في التعريف، على ما يجيء بيانه، ومعنى قول ابن عباس: هما سواء يعني: في الحكم، وهو الجواز، لا أنهما سواء في المعنى. أعْمَرْتُهُ الدَّارَ فَهْيَ عُمْرِى جَعَلْتُها لَهُ أشار بهذا إلى تفسير العمرى، وهو أن يقول الرجل لغيره: أعمرته داري، أي: جعلتها له مدة عمري. وقال أبو عبيد: العمرى أن يقول الرجل للرجل: داري لك عمرك، أو يقول: داري هذه لك عمري، فإذا قال ذلك وسلمها إليها كانت للمعمر ولم ترجع إليه إن مات، وكذا إذا قال: أعمرتك هذه الدار، أو: جعلتها لك حياتك، أو: ما بقيت، أو: ما عشت، أو: ما حييت، وما يفيد هذا المعنى. وقال شيخنا، رحمه الله: العمرى على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يقول: أعمرتك هذه الدار، فإذا مت فهى لعقبك أو ورثتك، فهذه صحيحة عند عامة العلماء. وذكر النووي أنه لا خلاف في صحتها، وإنما الخلاف: هل يملك الرقبة أو المنفعة فقط؟ وسنذكره إن شاء الله تعالى. القسم الثاني: أن لا يذكر ورثته ولا عقبه، بل يقول: أعمرتك هذه الدار، أو: جعلتها لك، أو نحو هذا، ويطلق ... ففيها أربعة أقوال. أصحها: الصحة كالمسألة الأولى، ويكون له ولورثته من بعده، وهو قول الشافعي في الجديد، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وسفيان الثوري وأبو عبيد وآخرون. القول الثاني: أنها لا تصح لأنه تمليك مؤقت، فأشبه ما لو وهبه أو باعه إلى وقت معين، وهو قول الشافعي في القديم. الثالث: أنها تصح ويكون للمعمّر في حياته فقط، فإذا مات رجعت إلى المعمِرِ أو إلى ورثته إن كان قد مات، وحكي هذا أيضاً عن القديم. الرابع: أنها عارية يستردها المعمِر متى شاء، فإذا مات عادت إلى ورثته. القسم الثالث: أن لا يذكر العقب ولا الورثة، ولا يقتصر على الإطلاق، بل يقول: فإذا مت رجعت إلى، أو: إلى ورثتي إن كنت مت. فإن قلنا: بالبطلان في حالة الإطلاق فههنا أولى، وكذلك في الإطلاق بالصحة، وعودها بعد موت المعمَر إلى المعمِر، وإن قلنا: إنها تصح في حالة الإطلاق، ويتأبد الملك ففيه وجهان لأصحاب الشافعي أحدهما: عدم الصحة. قال الرافعي: وهو أسبق إلى الفهم، ورجحه القاضي ابن كج، وصاحب التتمة، وبه جزم الماوردي. والثاني: يصح، ويلغو الشرط، وعزاه الرافعي للأكثرين. ٢٥٣ ٥١ - كتابُ الهِيَّةِ وَفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (٣٢) ثم اختلف العلماء فيما ينتقل إلى المعمر: هل ينتقل إليه ملك الرقبة حتى يجوز له البيع والشراء والهبة وغير ذلك من التصرفات، أو إنما تنتقل إليه المنفعة فقط. كالوقف؟ فذهب الجمهور إلى أن ذلك تمليك للرقبة، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد، وذهب مالك إلى أنه إنما يملك المنفعة فقط، فعلى هذا فإنها ترجع إلى المعمر إذا مات المعمّر عن غير وارث، أو انقرضت ورثته، ولا يرجع إلى بيت المال. ثم ههنا مسائل متعلقة بهذا الباب. الأولى: العمرى المذكورة في أحاديث هذا الباب وفي غيره، هل هي عامة في كل ما يصح تمليكه من العقار والحيوان والأثاث وغيرها، أو يختص ذلك بالعقار؟ الجواب: أن أكثر ورود الأحاديث في الدور والأراضي، فإما أن يكون خرج مخرج الغالب فلا يكون له مفهوم، ويعم الحكم كل ما يصح تمليكه. أو يقال: هذا الحكم ورد على خلاف الأصل، فيقتصر على مورد النص، فلا يتعدى به إلى غيره، قال شيخنا: لم أرَ من تعرض لذلك، إلاَّ أن الرافعي مثل في أمثلة العمرى بغير العقار، فقال: ولو قال: داري لك عمرك فإذا مت فهي لزيد، أو: عبدي لك عمرك فإذا مت فهو حر، تصح العمرى على قولنا الجديد، ولغى المذكور بعدها، فعلم من هذا جريان الحكم في العبيد وغيرهم. الثانية: هل يستوي في العمرى تقييد ذلك بعمر الواهب كما لو قيده بعمر الموهوب؟ فعن أبي عبيد التسوية بينهما، لأنه فسر العمرى بأن يقول للرجل: هذه الدار لك عمرك أو عمري، ولكن عند أصحاب الشافعي عدم الصحة في هذه الصورة. قال الرافعي: ولو قال: جعلت لك هذه الدار عمري أو حياتي. الثالثة: إذا قيد الواهب العمرى بعمر أجنبي، بأن قال: جعلت هذه الدار لك عمر زيد، فهل يصح؟ قال الرافعي: أجرى فيه الخلاف فيما إذا قال: عمري أو حياتي فعلى هذا فالأصح عدم الصحة لخروجه عن اللفظ الوارد فيه. الرابعة: إذا لم يشترط الواهب الرجوع بعد موت المعمر لنفسه بل شرطه لغيره، فقال: فإذا مت فهي لزيد، قال الرافعي: يصح ويلغو الشرط، وكذا لو قال: أعمرتك عبدي فإذا مت فهو حر يصح، ويلغو الشرط على الجديد. الخامسة: إذا لم يذكر العمر في العقد بل أورده بصيغة الهبة، كما إذا قال: وهبتك هذه الدار، فإذا مت رجعت إليَّ فهذا لا يصح، قال الرافعي: ظاهر المذهب فساد الهبة والوقف بالشروط التي يفسد بها البيع، بخلاف العمرى لما فيها من الإخبار. السادسة: إذا أتى بما يقتضي العمرى، ولكن بصيغة البيع، فقال: ملكتك هذه الدار بعشرة عمرك، فنقل الرافعي عن ابن كج أنه قال: لا ينعقد عندي جوازه تفريعاً على الجديد. وقال أبو علي الطبري: لا يجوز، قال شيخنا: ما قاله أبو علي هو الصحيح نقلاً وتوجيهاً، فقد جزم به ابن شريح وأبو إسحاق المروزي والماوردي، وما نقله عن ابن كج احتمال، وقال به ٢٥٤ ٥١ - كتابُ الهِيَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (٣٢) ابن خيران فيما حكاه صاحب التحرير. السابعة: هل تجوز الوصية بالعمرى بأن يقول: إذا مت فهذه الدار لزيد عمره، كما يجوز تنجيزها؟ فقال به الرافعي، ولكنها تعتبر من الثلث. الثامنة: لا يجوز تعليق العمرى بغير موت المعمِر، كقوله إذا مات فلان فقد أعمرتك هذه الدار. وأما الرقبى فهو أن يقول الرجل للرجل: أرقبتك داري إن متُّ قبلك فهي لك وإن متَّ قبلي فهي لي، وهو مشتق من الرقوب، فكان كل واحد منهما يترقب موت صاحبه. وقال الترمذي: ذهب بعض أهل العلم من أهل الكوفة وغيرهم بين العمرى والرقبى، فأجازوا العمرى ولم يجيزوا الرقبى، وقال صاحب (الهداية): العمرى جائزة للمعمَر له في حال حياته ولورثته من بعده. قلت: وهذا قول جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر وعلي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنهم. وروي عن شريح ومجاهد وطاوس والثوري، وقال صاحب (الهداية) أيضاً: والرقبى باطلة عند أبي حنيفة ومحمد ومالك، وقال أبو يوسف: جائزة، وبه قال الشافعي وأحمد. اسْتَعْمَرَكُمْ فيها جعَلَكُمْ عُمَّاراً أشار بهذا إلى أن من العمرى أن يكون استعمر بمعنى أعمر، كاستهلك بمعنى أهلك، أي: أعمركم فيها دياركم ثم هو يرثها منكم بعد انقضاء أعماركم، وفي (التهذيب) الأزهري: أي: أذن لكم في عمارتها واستخراج قوتكم منها. وقيل: استعمركم من العمر نحو: استبقاكم من البقاء، وقيل: استعمركم أي: عمركم بالعمارة. قوله: ((عمَّاراً)) بضم العين وتشديد الميم. ١/ ٢٦٢٥ _ حدَّثنا أَبُو نُعَيْم قال حدَّثنا شَيْبَانُ عنْ يَحْيى عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ جابرٍ رضي الله تعالى عنهُ قال قضَى النبيُّ عَِّ بالعُمْرِىُّ أنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ. مطابقته للترجمة في قوله ما قيل في العمرى، وهذا الذي رواه جابر هو الذي قيل فيها، وأبو نعيم، بضم النون: الفضل بن دكين، وشيبان بن عبد الرحمن النحوي، ويحيى هو ابن أبي كثير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. والحديث أخرجه بقية الستة: مسلم في الفرائض عن القواريري عن جماعة غيره، وأبو داود في البيوع عن موسى بن إسماعيل وغيره. والترمذي في الأحكام عن إسحاق بن موسى الأنصاري، والنسائي في العمرى عن عبد الأعلى وغيره، وابن ماجه في الأحكام عن محمد ابن رمح به، ومعنى حديثهم واحد. قوله: ((قضى النبي، عَّه))، أي: حكم ((بالعمرى)) أي بصحتها. قوله: ((أنها))، أي: بأنها، أي: بأن الهبة ((لمن وهبت له))، ووهبت على صيغة المجهول. ٢٥٥ ٥١ - كتابُ الهِيَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (٣٢) وروى مسلم حديث جابر بألفاظ مختلفة وأسانيد متباينة، أخرج عن أبي سلمة ولفظه: العمرى لمن وهبت له. وعن أبي سلمة أيضاً عنه أن رسول الله، عَّ له، قال: ((أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه فإنها للذي أعطيها لا ترجع إلى الذي أعطاها))، لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث. وعن أبي سلمة عنه أيضاً. ولفظه، قال، عَ لَّه: ((أيما رجل أعمر رجلاً عمرى له ولعقبه، فقال: قد أعطيتكها وعقبك ما بقي منكم أحد فإنها لمن أعطيها، وإنها لا ترجع إلى صاحبها من أجل أنه أعطاها عطاء وقعت فيه المواريث)). وعن أبي سلمة أيضاً عن جابر قال: إنما العمرى التي أجاز رسول الله، عَّهِ أن تقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها. قال معمر: وكان الزهري يفتي به. وعن أبي سلمة أيضاً عنه: أن رسول الله، عَّه، قضى فيمن أعمر عمرى له ولعقبه فهي له بتلة لا يجوز للمعطي فيها شرط ولا ثنيا، قال أبو سلمة لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث. فقطعت المواريث شرطه. وأخرج مسلم أيضاً من رواية أبي الزبير عن جابر يرفعه إلى النبي، عَّهِ، قال: (أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حياً أو ميتاً ولعقبه)). وعن أبي الزبير أيضاً عنه، قال: أعمرت امرأة بالمدينة حائطاً لها ابناً لها، ثم توفي وتوفيت بعده، وترك ولداً بعده، وله إخوة بنون للمعمرة، فقال ولد المعمرة: رجع الحائط إلينا، فقال بنو المعمّر: بل كان لأبينا حياته وموته، فاختصموا إلى طارق مولى عثمان فدعا جابراً فشهد على رسول الله، عَّه بالعمرى لصاحبها فقضى بذلك طارق، ثم كتب إلى عبد الملك فأخبره بذلك، وأخبره بشهادة جابر، فقال عبد الملك: صدق جابر، فأمضى ذلك طارق بأن ذلك الحائط لبني المعمَر حتى اليوم. وأخرج مسلم أيضاً من حديث عطاء عن جابر عن النبي، عَّم قال: ((العمرى جائزة)). وأخرج أيضاً عن عطاء عنه عن النبي، عَ لِّ أنه قال: ((العمرى ميراث لأهلها)) وقد مر الكلام فيه مفصلاً في أول الباب، وبهذه الأحاديث احتج أبو حنيفة والثوري والشافعي والحسن بن صالح وأبو عبيد، على: أن العمرى له يملكها ملكاً تاماً يتصرف فيها تصرف الملاك، واشترطوا فيها القبض على أصولهم في الهبات. وذهب القاسم بن محمد ويزيد بن قسيط ويحيى بن سعيد الأنصاري والليث بن سعد ومالك إلى أن العمرى جائزة ولكنها ترجع إلى الذي أعمرها، واحتجوا في ذلك بقوله عَ له: ((المسلمون عند شروطهم)). أخرجه الطحاوي وأبو داود من حديث أبي هريرة. وأجاب عنه الطحاوي بأن هذا على الشروط التي قد أباح الكتاب اشتراطها، وجاءت بها السنة، وأجمع عليها المسلمون، وما نهى عنه الكتاب ونهت عنه السنة فهو غير داخل في ذلك. ألاَ تَرى أن رسول الله، عَّهِ، قال في حديث بريرة: ((كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل، وإن كان مائة شرط)»؟. ٢٦٢٦/٢ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قال حدَّثنا هَمَّامٌ قال حدَّثنا قَتَادَةُ قال حدَّثني النَّضْرُ بنُ أنس عنْ بَشيرِ بنِ نَهيكٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَ لّه قال العُمْرِى جائِزَةٌ. ٢٥٦ ٥١ - كتابُ الهِيَّةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (٣٢) هذا حديث أبي هريرة مثل حديث جابر، لكن حديث جابر روى عن فعله، وهذا عن قوله، وهمام هو ابن يحيى الشيباني البصري، والنضر، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة: ابن أنس بن مالك البخاري الأنصاري، وبشير، بفتح الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة: ابن نهيك، بفتح النون وكسر الهاء: السلوسي، ويقال: السدوسي، يعد في البصريين. وفيه: ثلاثة من التابعين على نسق واحد وهم قتادة والنضر وبشير. والحديث أخرجه مسلم في الفرائض عن محمد بن المثنى ومحمد بن بشار وعن يحيى بن حبيب. وأخرجه أبو داود في البيوع عن أبي الوليد، وأخرجه النسائي في العمرى عن محمد بن المثنى. قوله: ((العمرى جائزة))، قال الطحاوي: أي جائزة للمعمّر لا حق فيها للمعمِر بعد ذلك أبداً. وفي رواية الترمذي من حديث الحسن عن سمرة: أن النبي، عَّ له، قال: ((العمرى جائزة لأهلها، أو ميراث لأهلها))، وفي رواية الطبراني من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير، قال: قال رسول الله، عَّةٍ: ((العمرى جائزة لمن أعمرها، والرقبى لمن راقبها، سبيلها سبيل الميراث)). فإن قلت: روى النسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة: أن رسول الله، عَ لّه قال: ((لا عمرى، فمن أعمر شيئاً فهو له)). وهذا يعارض هذا الحديث؟ قلت: لا معارضة، لأن معنى الحديث قوله: لا عمرى بالشروط الفاسدة على ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من الرجوع، أي: فليس لهم العمرى المعروفة عندهم المقتضية للرجوع. فإن قلت: في حديث ابن عمر عند النسائي: ((لا عمرى ولا رقبى))، وعند أبي داود والنسائي في حديث جابر: ((لا ترقبوا ولا تعمروا))، وفي رواية لمسلم: أمسكوا عليكم أموالكم لا تفسدوها ... الحديث، وقد مضى عن قريب؟ قلت: أحاديث النهي محمولة على الإرشاد، يعني: إن كان لك غرض في عود أموالكم إليكم فلا تعمروها فإنكم إذا أعمرتموها لم ترجع إليكم، فلذلك قال: لا تفسدوها، أي: لا تفسدوا ماليتكم فإنها لن تعود إليكم، وفي بعض طرق حديث جابر عند مسلم: جعلت الأنصار يعمرون المهاجرين، فقال رسول الله، عَ له: ((أمسكوا عليكم أموالكم)). انتهى. وكأنه، عَّمِ علم حاجة المالك إلى ملكه، وأنه لا يصبر، فنهاهم عَ ◌ّه عن التبرع بأموالهم وأمرهم بإمساكهم. فافهم. وقال عَطاءٌ حدَّثني جابرٌ عنِ النبيِّ عَّهِ نَخْوَهُ عطاء هو ابن أبي رباح. قوله: ((نحوه))، وفي رواية أبي ذر: مثله، وهذا صورته صورة تعليق ولكنه ليس بمعلق، لأنه موصول بالإسناد المذكور عن قتادة، وقائل قوله. وقال عطاء: هو قتادة يعني، قال: قتادة قال عطاء: حدثني جابر عن النبي، عَُّلِّ نحوه، أي: نحو حديث أبي هريرة، يعني: العمرى جائزة، وقال صاحب (التلويح) ورواه أبو نعيم عن أبي إسحاق بن حمزة حدثنا أبو خليفة حدثنا أبو الوليد حدثنا همام عن قتادة عن عطاء عن جابر مثله، لا ٢٥٧ ٥١ - كتابُ الهِبَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيض عَلَيْها / باب (٣٣) نحوه بلفظ: العمرى جائزة، ورواه مسلم عن خالد بن الحارث عن شعبة عن قتادة عن عطاء بلفظ: العمرى ميراث لأهلها، وكأنه الذي أراد البخاري بقوله: نحوه، لأن: نحوه، ليس: مثله. وكأنه لم ير المثل، فلهذا لم يذكره. قلت: قد ذكرنا أنه في رواية أبي ذر: مثله، وفي رواية غيره: نحوه، فهذا يشعر بعدم الفرق بينهما. ٣٣ - بابُ منِ اسْتَعَارَ مِنَ النَّاسِ الفَرَسَ أي: هذا باب في بيان من استعار الفرس، وهذا شروع في بيان أحكام العارية، وفي رواية أبي ذر: الفرس والدابة، وفي رواية الكشميهني وغيرها، وفي رواية ابن شبويه، مثله لكن قال: وغيرهما، بالتثنية. وفي كتاب صاحب (التوضيح) بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب العارية، وغالب النسخ هذا ليس بموجود فيه، وهذه النسخة أولى لأن العادة أن تتوج الأبواب بالكتاب، والعارية، بتشديد الياء وتخفيفها، وتجمع على عواري، وفيها لغة ثالثة: عارة، حكاها الجوهري وابن سيده، وحكاها المنذري فقال: عاراة، بالألف. وقال الأزهري: عارة، بتخفيف الراء بغير ياء، مأخوذة من عار إذا ذهب وجاء، ومنه سمي: العيَّار، لكثرة مجيئه وذهابه. وقال البطليموسي: هي مشتقة من التعاور، وهو: التناوب، وقال الجوهري: كأنها منسوبة إلى العار، لأن طلبها عار وعيب، ورد عليه بوقوعها من الشارع ولا عار في فعله، وفي الشرع: العارية تمليك المنفعة بلا عوض، وهو اختيار أبي بكر الرازي. وقال الكرخي والشافعي: وهي إباحة المنافع حتى يملك المتعير إجارة ما استعاره، ولو ملك المنافع لملك إجارتها، والأول أصح، لأن المستعير له أن يعير، ولو كانت إباحة لما ملك ذلك، وإنما لم يجز الإجارة لأنها أقوى وألزم من الإعارة، والشيء لا يستتبع مثله، فبالأحرى أن لا يستتبع الأقوى. ٣/ ٢٦٢٧ - حدّثنا آدَمُ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ قال سَمِعْتُ أنساً يقولُ كانَ بالمَدِينَةِ فَزَعٌ فَاسْتَعَارَ النبيُّ عَلِ فِرَساً منْ أَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لهُ المَنْدُوبُ فَرَكِبَ فَلَمَّا رَجَعَ قال ما رأينا مِنْ شَيْءٍ وإنْ وجذْنَاهُ لَبَخراً. [الحديث ٢٦٢٧ - أطرافه في: ٢٨٢٠، ٢٨٥٧، ٢٨٦٢، ٢٨٦٦، ٢٨٦٧، ٢٩٠٨، ٢٩٦٨، ٢٩٦٩، ٣٠٤٠، ٦٠٣٣، ٦٢١٢]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وآدم هو ابن أبي إياس، والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الجهاد عن بندار عن غندر عن أحمد بن محمد، وفي الجهاد وفي الأدب عن مسدد عن يحيى. وأخرجه مسلم في فضائل النبي، عَّهِ، عن أبي موسى وبندار وعن يحيى بن حبيب عن أبي بكر عن وكيع. وأخرجه أبو داود في الأدب عن عمرو بن مرزوق. وأخرجه الترمذي في الجهاد عن محمود بن غيلان وعن بندار وابن أبي عدي وأبي داود، وأخرجه النسائي في السير عن إسحاق بن إبراهيم. قوله: ((فزع))، أي: خوف من عدو. قوله: ((من أبي طلحة))، هو زيد بن سهل زوج أم أنس. قوله: ((المندوب))، مرادف: المسنون، وهو اسم فرس أبي طلحة. قال ابن الأثير: هو عمدة القاري /ج١٣ /م١٧ ٢٥٨ ٥١ - كتابُ الهِبَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (٣٣) من الندب، وهو الرهب الذي يجعل في السباق، وقيل: سمي به لندب كان في جسمه. وهو أثر الجرح. قوله: ((من شيء))، أي: من العدو وسائر موجبات الفزع. قوله: ((وإن وجدناه لبحراً)، وفي رواية المستملي: إن وجدنا، بحذف الضمير، قال الخطابي: إن، هي النافية، واللام في: لبحراً، بمعنى: إلاَّ، أي: ما وجدناه إلاَّ بحراً. والعرب تقول: إن زيداً لعاقل، أي: ما زيد إلاّ عاقل، وعلى هذا قراءة من قرأ: ﴿إِن هذان لساحران﴾ [طه: ٦٣]. بتخفيف، والمعنى: إن ما هذان إلاّ ساحران. وقال ابن التين: هذا مذهب الكوفيين، ومذهب البصريين، أن: إن، هى مخففة من الثقيلة، واللام زائدة، والبحر هو الفرس الواسع الجري. وزعم نفطويه: أن البحر من أسماء الخيل وهو الكثير الجري الذي لا يفنى جريه، كما لا يفنى ماء البحر، ويؤيده ما في رواية سعيد عن قتادة، فكان بعد ذلك لا يجارى. وقال عياض: إن في خيل سيدنا رسول الله، عَّاللّه، فرساً يسمى: البحر، اشتراه من تجار قدموا من اليمن فسبق عليه مرات، ثم قال بعد ذلك: يحتمل أنه تصير إليه بعد أبي طلحة. قيل: هذا نقض للأول، لكن لو قال: إنهما فرسان اتفقا في الاسم لكان أقرب. قلت: كان للنبي، عَّله، أربعة وعشرون فرساً منها سبعة متفق عليها وهي: السكب: اشتراه من أعرابي من بني فزارة، وهو أول فرس ملكه وأول فرس غزا عليه وكان كميتا. والمرتجز: اشتراه من أعرابي من بني مرة وكان أبيض. ولزاز: أهداه له المقوقس، واللحيف: أهداه له ربيعة بن أبي البراء. والظرب: أهداه له فروة بن عمرو عامل البلقاء لقيصر الروم. والورد: أهداه له تميم الداري، فأعطاه عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، فحمل عليه في سبيل الله، ثم وجده يباع برخص، فقال له، عَ لّهِ: ((لا تشتره))، وسبحه: والبقية مختلف فيها، وذكر فيها: البحر والمندوب. أما البحر: فقد ذكر عياض أنه اشتراه من تجار قدموا من اليمن. وأما المندوب: فهو الذي ركبه أبو طلحة، من: ندبه فانتدب أي: دعاه فأجاب: فقوله عَ لَّهِ: ((إن وجدناه لبحراً)) معناه: وجدنا الفرس الذي يسمى مندوباً بحراً. فقوله: ((بحراً)، صفته وليس المراد منه ذاك الفرس الذي اشتراه من التجار المسمى بالبحر. وأما ذكر المندوب في خيل النبي عَ ◌ّ فالظاهر أن أبا طلحة وهبه له، فمن حسن جريه شبهه النبي عٍَّ ببحر، فدل ذلك على أن البحر اسم للفرس الذي اشتراه من التجار، والبحر الآخر صفة للمندوب، وهذا تحرير الكلام، وقد جمع بعضهم أفراس النبي، عَّله، في بيت وهي الأفراس المتفق عليها، فقال: لزاز مرتجز ورد لها أسرار والخيل: سكب لحيف سبحة ظرب وآخر جمع أسیافه: جاءت بأسمائها السبع أخبار إن شئت أسماء سياف النبي فقد غضب رسوب وقلعي وبتار قل: محذم ثم حتف ذو الفقار وقل قلت: سيوفه عشرة، هذه سبعة والثلاثة الأخرى: رسوب ومأثور ورثه من أبيه، قدم به المدينة وهو أول سيف ملكه. وصمصامة، سيف عمرو معدي كرب، وهبه لخالد بن سعيد، ٢٥٩ ٥١ - كتابُ الهِيَّةِ وَفَضْلِها والتَّخرِيضِ عَلَيْها / باب (٣٣) ويقال: وله سيف آخر يدعى القضيب، وهو أول سيف تقلد به، قاله النيسابوري في كتاب (شرف المصطفى). وقال ابن بطال: اختلف العلماء في عارية الحيوان والعقار مما لا يغاب عنه، فروى ابن القاسم عن مالك: أن من استعار حيواناً وغيره مما لا يغاب عنه فتلف عنده فهو مصدق في تلفه، ولا يضمنه إلاَّ بالتعدي، وهو قول الكوفيين، والأوزاعي. وقال عطاء: العارية مضمونة على كل حال، كانت مما لا يغاب عنه أم لا تعدى فيها أو لا، وبه قال الشافعي وأحمد. وقالت الشافعية: إلاّ إذا تلف من الوجه المأذون فيه فلا ضمان عندنا. وقال أصحابنا الحنفية: العارية أمانة إن هلكت من غير تعد لم تضمن، وهو قول علي وابن مسعود والحسن والنخعي والشعبي والثوري وعمر بن عبد العزيز وشريح والأوزاعي وابن شبرمة وإبراهيم، وقضى شريح بذلك ثمانين سنة بالكوفة، وقال الشافعي: تضمن، وبه قال أحمد، وهو قول ابن عباس وأبيٍ هريرة وعطاء وإسحاق. وقال قتادة وعبد الله بن الحسين العنبري: إن شرط ضمانها ضمن وإلا فلا، وقال ربيعة: كل العواري مضمونة. وفي (الروضة): إذا تلفت العين في يد المستعير ضمنها، سواء تلفت بآفة سماوية أم بفعلة بتقصير أم بلا تقصير، هذا هو المشهور، وحكي قول آخر أنها لا تضمن إلاّ بالتعدي، وهو قول ضعيف، ولو أعار بشرط أن يكون أمانة لغى الشرط وكانت مضمونة، وفي حاوي الحنابلة: إن شرط نفي ضمانها سقط الضمان، وإن تلف جزؤها باستعماله كحمل منشفة لم يضمن في أصح الوجهين. انتهى. قلت: ولو شرط الضمان في العارية هل يصح؟ فالمشايخ فيه مختلفون، كذا في التحفة، وقال في خلاصة الفتاوي: رجل قال لآخر: أعرني ثوبك، فإن ضاع فأنا له ضامن، قال: لا يضمن. ونقله عن المنتقى. واحتج الشافعي ومن معه بأحاديث. منها: حديث أبي أمامة، أخرجه أبو داود عنه أنه سمع النبي، عَّه في حجة الوداع يقول: ((العارية مؤداة والزعيم غارم)). وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان. ومنها: حديث أمية بن صفوان بن أمية عن أبيه أن رسول الله، عَ له استعار منه أدرعاً يوم حنين، فقال: أغصباً يا محمد؟ قال: ((لا بل عارية مضمونة)) رواه أبو داود والنسائي. ومنها: حديث يعلى بن أمية رواه أبو داود والنسائي عنه. قال: قال لي رسول الله عَّةٍ: ((إذا أتتك رسلي فادفع إليهم ثلاثين درعاً، فقلت: يا رسول الله إعارة مضمونة أم عارية مؤداة؟)). ومنها: حديث سمرة، رواه الأربعة عنه، قال: قال رسول الله، عَ له: ((على اليد ما أخذت حتى تؤديه))، وحسنه الترمذي، وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري. وحجة الذين ينفون الضمان إلاّ بالتعدي ما رواه الدارقطني، ثم البيهقي في (سننيهما) عن عمرو بن عبد الجبار عن عبيدة بن حسان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي عد له: ((ليس على المستودع غير المغل ضمان، ولا على المستعير غير المغل ضمان)). وروى ابن ماجه في (سننه): عن المثنى بن صباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي عَ ليه قال: ((من أودع وديعة فلا ضمان عليه)). ٢٦٠ ٥١ - كتابُ الهِيَّةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (٣٤) فإن قلت: قال الدارقطني: عمرو بن عبد الجبار وعبيدة ضعيفان، وإنما يروى هذا من قول شريح، غير مرفوع. قلت: قيل: الجرح المبهم لا يقبل ما لم يتبين سببه، ورواية من وقفه لا تقدح في رواية من رفعه، وقيل: عبيدة هذا لم يضعفه أحد من أهل هذا الشأن، وذكره البخاري في (تاريخه) ولم يذكر فيه جرحاً، وكذا عمرو بن عبد الجبار لم يضعفه أحد غير أن ابن عدي - لما ذكره - لم يزد على قوله: له مناكير، وقد اعترض بعضهم على القائل المذكور: بأن عبيدة قال فيه أبو حاتم الرازي: إنه منكر الحديث، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات، ورد عليهما بأنهما لم يبينا سبب الجرح، والجرح المجرد لا يقبل، على أن البخاري لما ذكره في (تاريخه) لم يتعرض إليه بشيء. والجواب عن حديث أبي أمامة أنه ليس فيه دلالة على التضمين، لأن الله تعالى قال: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ [النساء: ٥٨]. فإذا تلفت الأمانة لم يلزمه ردها .. وأما حديث صفوان بن أمية فهو مضطرب سنداً ومتناً، وجميع وجوهه لا يخلو عن نظر، ولهذا قال صاحب (التمهيد): الاضطراب فيه كثير ولا حجة فيه عندي في تضمين العارية. انتهى. ثم على تقدير صحته، قوله: ((مضمونة)) أي: مضمونة الرد عليك، بدليل قوله: حتى يؤديها إليك، ويحتمل أن يريد اشتراط الضمان، والعارية بشرط الضمان مضمونة في رواية للحنفية، وروى عبد الرزاق في (مصنفِهِ) عن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، قال: العارية بمنزلة الوديعة ولا ضمان فيها إلاَّ أن يتعدى، وأخرج عن علي، رضي الله تعالى عنه، ليس على صاحب العارية ضمان. وأخرج ابنٍ أبي شيبة عن علي، رضي الله تعالى عنه، العارية ليست بيعاً ولا مضمونة، إنما هو معروف إلاّ أن يخالف فيضمن. وأما حديث سمرة فإن الأداء فيه فرض، ولا يلزم منه الضمان، ولو لزم من اللفظ الضمان للزم الخصم أن يضمن المرهون والودائع لأنها مما قبضته اليد. ٣٤ - بابُ الاسْتِعَارَةِ لِلْعَرُوسِ عِنْدَ البِناءِ هذا باب في بيان حكم الاستعارة لأجل العروس، والعروس نعت يستوي فيه الرجل والمرأة ما داما في إعراسهما، ويقال: اسم لهما عند دخول أحدهما بالآخر، وفي غير هذه الحالة الرجل يسمى عريساً والمرأة عروساً. قوله: ((عند البناء)) أي: الزفاف، يقال: بنى على أهله إذا زفها، وقال ابن الأثير: الابتناء والبناء: الدخول بالزوجة، والأصل فيه أن الرجل كان إذا تزوج امرأة بنى عليها قبة ليدخل بها فيها، فيقال: بنى الرجل على أهله. وقال الجوهري: ولا يقال بنى بأهله، ورد عليه بأنه قد جاء في غير موضع، وهو أيضاً استعمله في كتابه. ٤ /٢٦٢٨ - حدّثنا أبو نُعَيْم قال حدَّثنا عبْدُ الوَاحِدِ بنُ أَيْمَنَ قال حدَّثني أبِي قال دَخَلْتُ على عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها وعَلَيْهَا دِرْعُ قِطْرٍ ثَمنُ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ فَقَالَتْ ارْفَعْ بَصَرَّكَ إلى جَارِيَتِي انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّها تُزْهِى أَن تَلْبَسَهُ فِي البَيْتِ وقَدْ كَانَ لِي مِنْهُنَّ دِرْعٌ على عَهْدِ رسولِ الله عَّه فَما كانَتِ امْرَأَةٌ تُقِيَّنُ بِالْمَدِينَةِ إِلاَّ أَرْسَلَتْ إليَّ تَسْتَعِيرُهُ.