النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ ٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (١٢) به إلى مكة، فلما رآه الناس وراءه على الراحلة قالوا: من هذا معك؟ فقال: عبدي، ثم جاؤوا فهنوا به وجعلوا يقولون له: عبد المطلب، لذلك فغلب عليه، ولكن اسمه الحقيقي: شيبة، كما ذكرنا، وساد في قريش سيادة عظيمة، وذهب بشرفهم وسيادتهم فكان جماع إبراهيم إليه، وكانت إليه السقاية والرفادة بعد عمه المطلب، وقال ابن الجوزي: صحف بعض المحدثين الجهلة بالنسب، فقال: ابن أخينا، يعني: بكسر الخاء وبعدها ياء آخر الحروف، وليس هو ابن أخيهم، إذ لا نسب بين قريش والأنصار. قال ابن الجوزي أيضاً: وإنما قالوا: ابن أختنا، لتكون المنة عليهم في إطلاقه، بخلاف ما لو قالوا: عمك، لكانت المنة عليه عَلِّ، وهذا من قوة الذكاء وحسن الأدب، والخطاب قوله: ((فقال: لا تدعون))، أي فقال عَ لَّهِ: ((لا تتركون منه))، أي: من الغداء: ((درهماً)) واختلف في علة منعه عَّ له إياهم من ذلك، فقيل: إنه كان مشركاً ولذلك عطف عليه رسول الله عَّلَّ لما أسلم وأعطاه ما جبر به صدعه، وقيل: منعهم خشية أن يقع في قلوب بعض المسلمين شيء، كما منع الأنصار أن يبارزوا عتبة وشيبة والوليد، وأمر قرناه علي وحمزة وعبيدة لئلا يبارزهم الأنصار فيصابوا، فيقع في نفس بعضهم شيء، وقيل: كان العباس أسر يوم بدر مع قريش، ففاداهم رسول الله عَّه، فأراد الأنصار أن يتركوا له فداءه إكراماً لرسول الله عَ لِّ، ثم لقرابتهم منه فلم يأذن لهم في ذلك، ولا أن يحابوه في ذلك، وكان العباس ذا مال فاستوفيت منه الفدية فصرفت مصرفها في حقوق الغانمين. ١٢ - بابُ عِثْقِ الْمُشرِكِ أي: هذا باب في بيان حكم عتق المشرك والمصدر مضاف إلى فاعله، والمفعول متروك، وقال بعضهم يحتمل أن يكون مضافاً إلى الفاعل أو إلى المفعول، وعلى الثاني جرى ابن بطال، فقال: لا خلاف في جواز عتق المشرك تطوعاً، وإنما اختلفوا في عتقه عن الكفارة. انتهى. قلت: الاحتمال الذي ذكره موجود، ولكن المراد الإضافة إلى الفاعل وإلاَّ لا تقع المطابقة بين الحديث والترجمة. وقول ابن بطال: لا خلاف في جواز عتق المشرك تطوعاً، لا يستلزم تعيين كون الإضافة إلى المفعول، ولو كان قصد هذا يرد لئلا تنخرم المطابقة. ٢٢ / ٢٥٣٨ - حدَّثْنَا عُبَيْدُ بنُ إسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا أبو أُسَامةَ عنْ هِشَامٍ قال أُخْبَرَني أبي أنَّ حكِيمَ بنَ حِزَامٍ رضي الله تعالى عنه أعْتَقَ في الجَاهِلِيَّةِ مائَةً رَقَبَةٍ وحَمَّلَ عَلى بَعِيرٍ فَلَمَّا أسْلَمَ حَمَلَ عَلى مَائَةٍ بَعِيرٍ وَأَعْتَقَ مائَةَ رَقَبَةٍ قال فَسَألْتُ رسولَ الله عَظُلَِّ فَقَلْتُ يا رسولَ الله أَرَأيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِها يَغْنِي أَبَّرُ بِها قال فقال رسولُ الله عَ ◌ّلِ أَسْلَمْتَ عَلَى ما سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيْرٍ. [انظر الحديث ١٤٣٦ وطرفيه]. مطابقته للترجمة ظاهرة كما نبهنا عليه الآن. وعبيد، بضم العين: ابن إسماعيل، واسمه في الأصل: عبد الله يعنى أبا محمد القرشي الكوفي وهو من أفراده. وأبو أسامة حماد بن أسامة. وهشام هو ابن عروة بن الزبير يروي عن أبيه عروة. وحكيم، بفتح الحاء المهملة ١٤٢ ٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (١٣) وكسر الكاف: ابن حزام، بكسر الحاء المهملة وبالزاي المخففة: ابن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي، وهو ابن أخي خديجة بنت خويلد، وابن عم الزبير بن العوام، ولد في بطن الكعبة لأن أمه صفية - وقيل: فاختة - بنت زهير بن الحارث دخلت الكعبة في نسوة من قريش وهي حامل، فأخذها الطلق فولدت حكيماً بها، وهو من مسلمة الفتح، وعاش مائة وعشرين سنة، ستون سنة في الإسلام وستون سنة في الجاهلية، ومات سنة أربع وخمسين في أيام معاوية، وقد مضى بعض هذا الحديث في كتاب الزكاة في: باب من تصدق في الشرك ثم أسلم، وقد ذكرنا هناك تعدد موضعه وأن مسلماً أخرجه. قوله: ((إن حكيم بن حزام))، ظاهره الإرسال، لأن عروة لم يدرك زمن ذلك، لكن. قوله: ((قال: فسألت)) يوضح الوصل، لأن فاعل: قال، هو: حكيم، فكأن عروة قال: قال حكيم، فيكون بمنزلة قوله عن حكيم، والدليل على ذلك رواية مسلم فإنه أخرجه من طريق أبي معاوية عن هشام، فقال عن أبيه عن حكيم بن حزام. قوله: ((حمل على مائة بعير))، أي: في الحج، لما روي: أنه حج في الإسلام ومعه مائة بدنة قد جللها بالحبرة، ووقف بمائة عبد، وفي أعناقهم أطواق الفضة فنحر وأعتق الجميع. قوله: ((أرأيت؟)) معناه: أخبرني. قوله: ((أتحنث))، بالحاء المهملة. قوله: ((يعني: أتبرَّر بها))، هذا تفسير الحنث، وهو بالباء الموحدة وبراءين: أولاهما ثقيلة أي: أطلب بها البر والإحسان إلى الناس، والتقرب إلى الله تعالى. والبر، بكسر الباء: الطاعة والعبادة، وهذا التفسير من هشام بن عروة دل عليه رواية مسلم حيث قال: عن حكيم بن حزام، قال: قلت: يا رسول الله! أشياء كنت أفعلها في الجاهلية، قال هشام: يعني: أتبرر بها، وهذا صريح أن الذي فسر بقوله، يعني: أتبرر بها، هو هشام بن عروة دون غيره من الرواة، ولا البخاري نفسه فافهم. ومما يستفاد منه: أن عتق المشرك على وجه التطوع جائز لهذا الحديث حيث جعل عتق المائة رقبة في الجاهلية من فعال الخير المجازى بها عند الله المتقرب بها إليه بعد الإسلام، وهو قوله: ((أسلمت على ما سلم لك من خير))، وليس المراد به صحة التقرب في حال الكفر، بل إذا أسلم ينتفع بذلك الخير الذي فعله في الكفر، ودل ذلك على أن مسلماً لو أعتق كافراً لكان مأجوراً على عتقه، لأن حكيماً لما جعل له الأجر على ما فعل في الجاهلية بالإسلام الذي صار إليه فلم يكن المسلم الذي فعل مثل فعله في الإسلام بدون حال حكيم، بل هو أولى بالأجر، واختلف في عتق المشرك في كفارة اليمين، والظهار، فعندنا يجوز، وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يجوز كما في قتل الخطأ، وعن أحمد كقولنا وعنه: يجوز مطلقاً، ولنا إطلاق النصوص وآية القتل مقيدة بالإيمان، والأصل في كل نص أن يعمل بمقتضاه إطلاقاً وتقييداً. ١٣ - بابُ مَنْ مَلَكَ مِنَ الْعَرَبِ رَقيقاً فوَهَبَ وباَعَ وجامعَ وفَدَى وسَبِى الذُّرِّيَّةَ أي: هذا باب في بيان حكم من ملك من العرب رقيقاً، والعرب الجيل المعروف من ١٤٣ ٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (١٣) الناس ولا واحد له من لفظه، وسواء أقام بالبادية أو المدن، والأعراب ساكنوا البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلون بها إلاَّ لحاجة، والنسب إليها أعرابي وعربي. واختلف في نسبتهم، والأصح: أنهم نسبوا إلى عربة، بفتحتين: وهي من تهامة، لأن أباهم إسماعيل، عليه الصلاة والسلام، نشأ بها. قوله: ((فوهب ... )) إلى آخره، تفصيل قوله: ملك، فذكر خمسة أشياء: الهبة والبيع والجماع والفدى والسبي، وذكر في الباب أربعة أحاديث وبين في كلِّ حديثٍ محُكْمَ كلِّ واحد منها غير البيع، وهو أيضاً مذكور في حديث أبي هريرة في بعض طرقه، كما سيجيء بيانه إن شاء الله تعالى، ومفعولات: وهب وباع وجامع وفدى محذوفة. قوله: ((وسبى))، عطف على قوله: ملك ((والذرية)) نسل الثقلين، يقال: ذرا الله الخلق، أي: خلقهم وأراد البخاري بعقد هذه الترجمة بيان الخلاف في استرقاق العرب، والجمهور على أن العربي إذا سبي جاز أن يسترق، وإذا تزوج أمة بشرطه كان ولدها رقيقاً تبعاً لها، وبه قال مالك والليث والشافعي، وحجتهم أحاديث الباب، وبه قال الكوفيون: وقال الثوري والأوزاعي وأبو ثور: يلزم سيد الأمة أن يقومه على أبيه ويلتزم أبوه بأداء القيمة، ولا يسترق، وهو قول سعيد بن المسيب، واحتجوا بما روي عن عمر، رضي الله تعالى عنه، أنه قال لابن عباس: لا يسترق ولد عربي من أبيه، وقال الليث: أما ما روي عن عمر، رضي الله تعالى عنه، من فداء ولد العرب من الولائد، إنما كان من أولاد الجاهلية، وفيما أقر به الرجل من نكاح الإماء فأما اليوم فمن تزوج أمة وهو يعلم أنها أمة، فولده عبد لسيدها عربياً كان أو قريشياً أو غيره. وقولِهِ تعالى: ﴿ضِرَبَ الله مَثَلاً عبداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ومَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْرَاً هَلْ يَسْتَؤُونَ الْحَمْدُ لله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا [النحل: ٧٥]. يَعْلِمُونَ ﴾ وقوله، بالجر عطف على قوله: ((من ملك))، لأنه في محل الجر بالإضافة، وفيه التقدير المذكور، وهو: باب في بيان من ملك العرب، وفي ذكر قول الله تعالى: ﴿ضرب الله مثلاً﴾ [النحل: ٧٥]. وفي بعض النسخ: وقول الله تعالى. قيل: وجه مناسبة الآية للترجمة من جهة أن الله تعالى أطلق العبد المملوك ولم يقيده بكونه عجمياً، فدل على أن لا فرق في ذلك بين العربي والعجمي. قوله: ﴿ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً﴾ [النحل: ٧٥]. لما نهى الله تعالى المشركين عن ضرب الأمثال بقوله: قبل هذه الآية: ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾ [النحل: ٧٤]. أي: الأشباه والأشكال، إن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، علمهم كيف يضرب الأمثال، فقال: مثلكم في إشراككم بالله الأوثان من سؤَّى بين عبد مملوك عاجز عن التصرف، وبين حر مالك قد يرزقه الله مالاً، ويتصرف فيه وينفق كيف يشاء. قوله: ١٤٤ ٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (١٣) ((عبداً مملوكاً) إنما ذكر المملوك ليمين بينه وبين الحر، لأن اسم العبد يقع عليهما إذ هما من عباد الله تعالى. قوله: ((لا يقدر على شيء)) أي: لا يملك ما بيده وإن كان باقياً معه، لأن للسيد انتزاعه منه ويخرج منه المكاتب والمأذون له، لأنهما يقدران على التصرف. فإن قلت: من، في ﴿ومن رزقناه﴾ [النحل: ٧٥]. ما هي؟ قلت: الظاهر أنها موصوفة كأنه قيل: وحراً رزقناه ليطابق عبداً، ولا يمتنع أن تكون موصولة، وإنما قال: هل يستوون، بالجمع، لأن المعنى: هل يستوي الأحرار والعبيد، فالمراد الشيوع في الجنس لا التخصيص، ثم قال: ﴿الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون﴾ [النحل: ٧٥]. أن الحمد لي وجميع النعم مني. ثم اعلم أن المفسرين اختلفوا في معنى هذه الآية، فقال مجاهد والضحاك: هذا المثل لله تعالى ومن عبد دونه، وقال قتادة: هذا المثل للمؤمن والكافر، فذهب إلى أن العبد المملوك هو الكافر، لأنه لا ينتفع في الآخرة بشيء من عمله. قوله: ﴿ومن رزقناه منَّا رزقاً حسناً﴾ [النحل: ٧٥]. هو المؤمن. ٢٥٣٩/٢٣ - ٢٥٤٠ - حدّثنا ابنُ أَبِي مَرَمَ قال أخبرني اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ قال ذكَرَ عُزْوَةُ أن مَرْوانَ والمِشْوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ قال أخبراهُ أنَّ النبيَّ عَ لِ قامَ حِينَ جاءَهُ وَفْدُ هَوازِنَ فَسألُوهُ أَنْ تَرْدَّ إِلَيْهِمْ أُمْوَالَهُمْ وسَبْيَهُمْ فقال إنَّ مَعِي مَنْ تَرَوْنَ وأحَبُّ الحَدِيثِ إليَّ أُصْدَقُهُ فاختاروا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إِمَّا المَالَ وإِمَّا السَّبْيَ وقدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ وكانَ النبيُّ عَّهِ انْتَظِرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةٌ حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لهمْ أنَّ النبيَّ عَ لَّه غيرُ رَادٌ إِلَيْهِمْ إِلاَّ إحدَى الطَّائِفَتَيْنِ قالوا إنَّا نَخْتارُ سَبْيَنا فقامَ النبيُّ عَُّلِّ فِي النَّاسِ فَأَثْنَى عَلَى الله بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قال أمَّا بَعْدُ فإنَّ إِخْوَانَكُمْ جاؤونا تائِبينَ وإنّي رأيتُ أنْ أَرُدَّ إلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذُلِكَ فَلْيَفْعَلْ ومِنْ أَحَبَّ أنْ يَكُونَ على حظِّهِ حتَّى نُعْطِيَّهُ إِيَّاهُ منْ أوَّلِ ما يفيءُ الله عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ فَقالَ النَّاسُ طَبَيْنَا ذُلِكَ قال إنَّا لاَ نَذْرِي مِنْ أُذِنَ مِنْكُمْ مِمَنْ لَمْ يَأْذَنْ فَارْجِعُوا حتَّى يَرْفِعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ ثُمَّ رَجَعُوا إلى النبيِّ عَّ ◌َِّ فأخبروهُ أَنَّهُمْ طَيُِّوا وأذِنُوا فهذا الَّذِي بَلَغَنا عَنْ سَبْي هَوازنَ. [انظر الحديثين ٢٣٠٧ و٢٣٠٨ وأطرافهما]. مطابقته للترجمة في قوله: ((من ملك رقيقاً من العرب فوهب)) وقد مر الحديث في كتاب الوكالة في: باب إذا وهب شيئاً لوكيل أو شفيع قومٍ جاز إلى قوله: قال النبي عَّله: نصيبي لكم. وأخرجه هناك عن سعيد بن عفير عن الليث عن عقيل ... إلى آخره، وهنا أخرجه: عن سعيد بن أبي مريم عن الليث ... إلى آخره. وقد مر الكلام فيه هناك. قوله: ((ذكر عروة))، هو ابن الزبير، وسيأتي في الشروط من طريق معمر عن الزهري: أخبرني عروة. قوله: ((أن مروان والمسور بن مخرمة)) مروان هو ابن الحكم، قال الكرماني: صح سماع مسور من النبي، عَّهِ، وأما مروان فقد قال الواقدي: رأى النبي، عَّةِ، ولكنه لم يحفظ عنه شيئاً، وقال ابن بطال: الحديث مرسل، لم يسمع المسور من رسول الله عَ ليه شيئاً، ومروان لم يره قط. قوله: ((استؤنيت))، بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الهمزة وفتح ١٤٥ ٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (١٣) النون وسكون الياء آخر الحروف: أي انتظرت. قوله: ((حين قفل))، أي: حين رحل. قوله: ((حتى يفيء الله))، بفتح الياء، أي: حتى يرجع الله إلينا من مال الكفار ويعطينا خراجاً أو غنيمة أو غير ذلك، وليس المراد الفيء الاصطلاحي مخصوصاً. قوله: ((عرفاؤكم)) جمع عريف، وهو النقيب وهو دون الرئيس. قوله: ((فهذا الذي بلغنا عن سبي هوازن))، هو قول ابن شهاب الزهري، وكانت هذه الواقعة في سنة ثمان. ٢٤ /٢٥٤١ - حدّثنا علِيُّ بنُ الحَسَنِ قال أخبرنا عبْدُ الله قال أخبرنا ابنُ عَوْنٍ قال كتَبْتُ إلى نافِعٍ فَكتَبَ إلَيَّ أنَّ النبيَّ عَلَِّ أغارَ على بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غارُونَ وَأَنْعَامُهُمْ تُشْقى على المَاءِ فقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وسبى ذَرَارِيَّهُمْ وأصابَ يَوْمَئِذٍ مجُوَيْرِيَةً قال حدَّثني بِهِ عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ وكانَ فِي ذُلِكَ الْجَيْشِ. مطابقته للترجمة في قوله: ((وسبى ذراريهم)) وفي الترجمة: وسبى الذرية. وعلي بن الحسن بن شقيق، بفتح الشين المعجمة وكسر القاف الأولى: المروزي، مات سنة خمس عشرة ومائتين، وعبد الله هو ابن المبارك المروزي، وابن عون، بفتح العين المهملة: هو عبد الله بن عون، مر في العلم. والحديث أخرجه مسلم في المغازي عن يحيى بن يحيى وعن محمد بن المثنى، وأخرجه أبو داود في الجهاد عن سعيد بن منصور عن إسماعيل بن علية. وأخرجه النسائي في السير عن محمد بن عبد الله بن بزیع. قوله: ((قال كتبت)) أي: قال ابن عون: كتبت إلى نافع في أمر بني المصطلق، فكتب .. إلى آخره، قد ذكرنا في: باب إذا اختلف الراهن والمرتهن أن الكتابة حكمها حكم الاتصال لا الانقطاع. قوله: ((أغار)) بالغين المعجمة، يقال: أغار على عدوه إذا هجم عليه ونهبه، ومصدره الإغارة، والغارة اسم من الإغارة. ومادته: غين وواو وراء. قوله: ((بني المصطلق))، بضم الميم وسكون الصاد المهملة وفتح الطاء المهملة وكسر اللام وبالقاف : . وهي بطن من خزاعة، والمصطلق هو ابن سعد بن عمرو بن ربيعة ابن حارثة بن عمرو بن عامر، ويقال: إن المصطلق لقب واسمه جذيمة، بفتح الجيم وكسر الذال المعجمة: ابن سعد ابن عمرو. وعمرو هو أبو خزاعة، وقال ابن دريد: سمي المصطلق لحسن صوته، مفتعل من الصلق، والصلق شدة الصوت وحدته، من قوله عز وجل: ﴿سلقوكم بألسنة حداد﴾ [الأحزاب: ١٩]. ويقال: صلق بنو فلان بني فلان، إذا وقعوا بهم وقتلوهم قتلاً ذريعاً، قوله: ((وهم غارون))، جملة إسمية حالية بالغين المعجمة وتشديد الراء، والغارون جمع غار، أي: غافل أي أخذهم على غرة وبغتة. قوله: ((وأنعامهم تسقى)) أيضاً جملة إسمية حالية، والأنعام، بفتح الهمزة جمع: نعم، قال الجوهري: النعم واحد الأنعام، وهي المال الراعية، وأكثر ما يقع هذا الإسم على الإبل، قال الفراء: هو ذكر لا يؤنث، يقولون: هذا نعم وارد ويجمع على نعمان، والأنعام تذكر وتؤنث قال الله تعالى في موضع: ﴿مما في بطونه﴾ [النحل: ٦٦]. عمدة القارى /ج ١٣ ١٣٦ /١٠٥ م. ١٤٦ ٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (١٣) وفي موضع ﴿مما في بطونها﴾ وجمع الجمع: أناعيم. قوله: ((تسقى))، على صيغة المجهول. قوله: ((فقتل مقاتلتهم)) أي: الطائفة البالغين الذين هم على صدد القتال. قوله: ((ذراريهم))، بتشديد الياء وتخفيفها وهو جمع ذرية. قوله: ((يومئذ))، أي: يوم الإغارة على بني المصطلق. قوله: ((جويرية))، مصغر جارية. ومن حديثها ما روي عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: لما قسم رسول الله عَّ له، سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن شماس أو لابن عم له، فكاتبته على نفسها وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلاَّ أخذت بنفسه، فأتت رسول الله عَّله تستعينه في كتابتها، قالت: فوالله ما هو إلاَّ أن رأيتها على باب حجرتي، فكرهتها وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت، فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله! أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلايا ما لم يخف عليك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن شماس أو لابن عم له، فكاتبته فجئتك استعينك على كتابتي. قال: فهل لك من خير في ذلك؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: أقضي كتابك وأتزوجك؟ قالت: نعم يا رسول الله! قد فعلت. قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله عَ له قد تزوج جويرية بنت الحارث، فقال الناس: أصهار رسول الله عَ ليه فأرسلوا ما بأيديهم. قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها. وروى موسى بن عقبة عن بعض بني المصطلق: أن أباها طلبها وافتداها ثم خطبها منه رسول الله، عَ لّه، فزوجه إياها. وقال الواقدي: ويقال: إن رسول الله عَّ ◌ُلِّ، جعل صداقها عتق كل أسير من بني المصطلق، ويقال: جعل صداقها عتق أربعين من بني المصطلق، وكانت جويرية تحت مسافع بن صفوان المصطلقي، وقيل: صفوان بن مالك، وكان اسمها: برة، فغيرها النبي، عَِّ، فسماها جويرية، وماتت في ربيع الأول سنة ست وخمسين ولها خمس وستون سنة. وأما غزوة بني المصطلق، فقال البخاري: وهي غزوة المريسيع، وقال ابن إسحاق: وذلك سنة ست. وقال موسى بن عقبة: سنة أربع. انتهى. وقال الصغاني: غزوة المريسيع من غزوات رسول الله، عَّهِ، في سنة خمس من مهاجره، قالوا: إن بني المصطلق من خزاعة يريدون محاربة رسول الله عَّ ةٍ، وكانوا ينزلون على بئرٍ لهم يقال لها: المريسيع، بينها وبين الفرغ مسيرة يوم، وقال الواقدي: كانت غزوة بني المصطلق لليلتين من شعبان سنة خمس في سبعمائة من أصحابه، وقال ابن هشام: استعمل على المدينة أبا ذر الغفاري، ويقال: نميلة ابن عبد الله الليثي، وذكر ابن سعد ندب رسول الله عَ ل الناس إليهم، فأسرعوا الخروج وقادوا الخيل، وهي ثلاثون فرساً في المهاجرين منها عشرة، وفي الأنصار عشرون، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة وكان معه فرسان لزار والظرب، ويقال: كان أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، حامل راية المهاجرين، وسعد بن عبادة حامل راية الأنصار، فقتلوا منهم ١٤٧ ٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (١٣) عشرة وأسروا سائرهم، وقال ابن إسحاق: بلغ رسول الله عَّه، أن بني المصطلق يجمعون له وقائدهم الحارث بن أبي ضرار، أبو جويرية بنت الحارث التي تزوجها رسول الله عَ ليه، فلما سمع بهم خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له: المريسيع، من ناحية قديد إلى الساحل، فتزاحف الناس فاقتتلوا، فهزم الله بني المصطلق وقتل من قتل، ونفل رسول الله عَّ بله أبناءهم ونساءهم وأموالهم، فأفاءهم عليه. وقال ابن سعد: وأمر رسول الله عَ لّمه بالأسارى فكتفوا، واستعمل عليهم بريدة بن الخصيب، وأمر بالغلام فجمعت واستعمل عليهم شقران مولاه، وجمع الذرية ناحية واستعمل على سهم الخمس وسهمان المسلمين محيمة بن جزء الزبيدي، وكانت الإبل ألفي بعير، والشياه خمسة آلاف، وكان السبي مائتي بنت، وغاب رسول الله عَّة، ثمانية وعشرين وقدم المدينة هلال رمضان، وقال ابن إسحاق: وأصيب من بني المصطلق ناس، وقتل علي، رضي الله تعالى عنه، منهم رجلين مالكاً وابنه، وكان شعار المسلمين يومئذ: يا منصور أمت أمت. ٢٥٤٢/٢٥ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالكٌ عنْ رَبِيعَةَ بنِ أبِي عَبْدِ الرّحمنِ عن مُحَمَّدِ بنِ يَخْلِى بنِ حَبَّنَ عنِ ابنِ مُحَيْرِيٍ قال رأيتُ أبا سعِيدٍ رضي الله تعالى عنهُ فَسألْتُهُ فقال خرَجْنَا مَعَ رسولِ اللهِ عَّهِ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَأَصَبْنَا سبْياً مِنْ سَبْي الْعَرَبِ فاشْتَهَيْنَا النِّساءَ فاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا العُزْبَةُ وَأَخْبَبْنَا العَزْلَ فسَألْنا رسولَ الله عَ لَّهِ فقال مَا عَلَيْكُمْ أنْ لاَ تَفْعَلُوا ما منْ نَسَمةٍ كائِنَةٍ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ إلا وهيَ كائِنَةٌ. [انظر الحديث ٢٢٢٩ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله فيها: وجامع، يعني: بعد أن ملك من العرب سبياً وربيعة، بفتح الراء: المشهور بربيعة الرأي شيخ مالك، ومحمد بن يحيى بن حبان، بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة وبالنون: مر في الوضوء، وابن محيريز هو عبد الله بن محيريز، بضم الميم وفتح الحاء المهملة وسكون التحتانية وكسر الراء وسكون التحتانية أيضاً وفي آخره زاي. ومر الحديث في كتاب البيوع في: باب بيع الرقيق، فإنه أخرجه هناك عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري عن أبي محيريز: أن أبا سعيد ... إلى آخره، وقد مر الكلام فيه هناك. قوله: ((العزل))، هو نزع الذكر من الفرج عند الإنزال. قوله: ((ما عليكم أن لا تفعلوا)) يعني: لا بأس عليكم إذا تركتم العزل. قوله: ((نسمة))، بفتح السين، وهي: الإنسان، أي: ما من نفس كائنة في علم الله إلاّ وهي كائنة في الخارج، لا بد من مجيئها من العدم إلى الوجود، أي: ما قدر الله أن يكون البتة. وفي الحديث دليل على أن الصحابة أطبقوا على وطء ما وقع في سهمانهم من السبي، وهذا لا يكون إلاّ بعد الاستبراء بإجماع العلماء، وهذا يدل أن السباء يقطع العصمة بين الزوجين الكافرين. واختلف السلف في حكم وطء الوثنيات والمجوسيات إذا سبين، فأجازه سعيد بن المسيب وعطاء وطاوس ومجاهد، وهذا قول شاذ لم يلتفت إليه أحد من العلماء، واتفق أئمة ١٤٨ ٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (١٣) الفتوى على أنه: لا يجوز وطء الوثنيات بقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ [البقرة: ٢٢١]. وإنما أباح الله تعالى وطء نساء أهل الكتاب خاصة. بقوله: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ [المائدة: ٥]. وإنما أطبق الصحابة على وطء سبايا العرب بعد إسلامهن، لأن سبي هوازن كان سنة ثمان، وسبي بني المصطلق سنة ست، وسورة البقرة من أول ما نزل بالمدينة، فقد علموا قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنٌ﴾ [البقرة: ٢٢١]. وتقرر عندهم أنه لا يجوز وطء الوثنيات البتة حتى يسلمن، وروى عبد الرزاق: حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا يونس بن عبيد أنه سمع الحسن يقول: كنا نغزو مع أصحاب رسول الله عَّله، فإذا أصاب أحدهم جارية من الفيء فأراد أن يصيبها أمرها فاغتسلت ثم علمها الإسلام وأمرها بالصلاة واستبرأها بحيضة، ثم أصابها. وعموم قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ [البقرة: ٢٢١]. يقتضي تحريم وطء المجوسيات بالتزويج وبملك اليمين، وعلى هذا أئمة الفتوى وعامة العلماء. وأما العزل فقد اختلف فيه قديماً وإباحته أظهر في الحديث عند الشافعي، سواء كانت حرة أو أمة مع الإذن وبدونه، وروى مالك عن سعيد بن أبي وقاص وأبي أيوب الأنصاري وزيد بن ثابت وابن عباس: أنهم كانوا يعزلون، وروي ذلك أيضاً عن ابن مسعود وجابر، وذكر مالك أيضاً عن ابن عمر أنه: كره العزل، وقيل: روي عن علي، رضي الله تعالى عنه، القولان جميعاً، واحتج من كره العزل بأنه: الوأد الخفي، كما روي عن عائشة، واتفق أئمة الفتوى على جواز العزل عن الحرة إذا أذنت فيه لزوجها. واختلفوا في الأمة المزوجة، فقال مالك وأبو حنيفة: الإذن في ذلك لمولاها، وقال أبو يوسف: الإذن إليها، وقال الشافعي: يعزل عنها بدون إذنها وبدون إذن مولاها. ٢٦/ ٢٥٤٣ - حدَّثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ قال حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ عُمَارَةَ بنِ الْقَعْقَاعِ عنْ أَبِي زُرْعَةَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال لا أزَالُ أَحِبُّ بني تميم ح وحدَّثني ابنُ سَلَامٍ قال أخبرنا جَرِيرُ بنُ عَبْدِ الحَمِيدِ عنِ الْمُغِيرَةِ عنِ الحَارِثِ عنْ أَبِي زُرْعَةَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةً وعنْ عُمَارَةَ عنْ أَبِي زُرْعَةَ عن أبِي هُرَيْرَةَ قال ما زِلْتُ أُحِبُّ بَنِي ◌َمِيمٍ مُنْذُ ثَلاَثٍ سَمِعْتُ مِنْ رسول الله عَ لَّه يَقُولُ فِيهِمْ سَمِعْتُهُ يَقولُ هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي على الدَّجَلِ قال وجاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ فقال رسولُ الله عَ لِّ هَذهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنا وكانَتْ سَبِيَّةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ عائِشَةَ فقال أعْتِقِيها فإنَّها مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ عليهِ السَّلامُ. [الحديث ٢٥٤٣ - طرفه في: ٤٣٦٦]. مطابقته للترجمة في قوله: وباع، ولكن في بعض طرقه عند الإسماعيلي من طريق معمر عن جرير: كانت على عائشة، رضي الله تعالى عنها، نسمة من بني إسماعيل، فقدم سبي خولان، فقالت عائشة: يا رسول الله! أبتاع منهم. قال: لا، فلما قدم سبي بني العنبر قال: ابتاعي منهم فإنهم ولد إسماعيل، عليه السلام. ووقع عند أبي عوانة من طريق الشعبي عن أبي هريرة فإن قلت : . وجىء بسبي بني العنبر. انتهى. وبنو العنبر بطن من بني تميم، وقال ١٤٩ ٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (١٣) الرشاطي: العنبري في تميم ينسب إلى العنبر بن عمرو بن تميم، وذكر ابن الكلبي: أن العنبر هذا هو ولد عامر بن عمرو، وفي تميم أيضاً: العنبر بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. وهذا الحديث أخرجه البخاري عن شيخين له أحدهما: عن زهير بن حرب عن جرير، بفتح الجيم وكسر الراء الأولى: ابن عبد الحميد عن عمارة، بضم العين المهملة وتخفيف الميم: ابن القعقاع عن أبي زرعة، بضم الزاي وسكون الراء وفتح العين المهملة: واسمه هرم، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: عمرو بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي عن أبي هريرة، والآخر: عن محمد بن سلام عن جرير عن المغيرة بن مقسم عن الحارث بن يزيد - من الزيادة - العكلي، بضم العين المهملة وسكون الكاف: التميمي الكوفي، وليس له في البخاري إلاَّ هذا الحديث، وذكر فيه عمارة مقروناً بالحارث. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن زهير بن حرب. وأخرجه مسلم في الفضائل عن زهير به. ذكر معناه: قوله: ((ما زلت أحب بني تميم))، هي قبيلة كبيرة في مضر تنسب إلى تميم بن مر بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر. قوله: ((منذ ثلاث))، أي: من حين سمعت الخصال الثلاث، وهي التي أولها: هو قوله: ((هم أشد أمتي على الدجال)). وثانيها: هو قوله: ((هذه صدقات قومنا)) وثالثها: أمره، عَّله، لعائشة بعتق السبية المذكورة. لكونها من ولد إسماعيل، عليه السلام، وزاد فيه أحمد من وجه آخر عن أبي زرعة عن أبي هريرة، وما كان قوم من الأحياء أبغض إلي منهم فأحببتهم. انتهى. وكان ذلك لما كان بينهم وبين قومه في الجاهلية من العداوة. قوله: ((يقول فيهم)) أي: في بني تميم. قوله: ((سمعته يقول))، أي: سمعت النبي، عَّهِ، يقول: ((هم أشد أمتي على الدجال))، وفي رواية مسلم من رواية الشعبي عن أبي هريرة: (هم أشد الناس قتالاً في الملاحم))، ورواية الشعبي أعم من رواية أبي زرعة، على ما لا يخفى. قوله: ((وجاءت صدقاتهم))، أي: صدقات بني تميم، فقال: ((هذه صدقات قومنا))، إنما نسبهم إليه لاجتماع نسبهم بنسبه، عَّله، في إلياس بن مضر، وروى الطبراني في (الأوسط) من طريق الشعبي: عن أبي هريرة في هذا الحديث: وأُتي النبي، عَّ له، بنعم من صدقة بني سعد، فلما راعه حسنها، قال: ((هذه صدقة قومي)). انتهى. وبنو سعد بطن كبير من تميم، ينتسبون إلى سعد بن زيد مناة بن تميم. قوله: ((سبية منهم))، أي: من بني تميم، وسبية على وزن: فعيلة، بفتح السين من السبي أو من السباء، فإن كان من الأول يكون بتشديد الياء آخر الحروف، وإن كان من الثاني يكون بالهمزة بعد الباء الموحدة، ولم يدر اسمها، ووقع عند الإسماعيلي من طريق هارون بن معروف عن جرير: نسمة، بفتح النون والسين المهملة: وهي الإنسان، وله من رواية أبي معمر: ((وكانت على عائشة نسمة من بني إسماعيل)) وفي رواية الشعبي عند أبي عوانة: ((وكان على عائشة محرر)) وبيَّن الطبراني في (الأوسط) في رواية الشعبي: أن المراد بالذي كان عليها أنه كان ((نذراً). ولفظه: نذرت عائشة أن تعتق محرراً من بني إسماعيل، وللطبراني في (الكبير) من حديث رديح، بضم الراء وفتح الدال وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره حاء مهملة: ابن ذؤيب ١٥٠ ٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (١٤) ابن شعثم، بضم الشين المعجمة وسكون العين المهملة وضم الثاء المثلثة وفي آخره ميم: العنبري: أن عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: يا نبي الله! إني نذرت عتيقاً من ولد إسماعيل. فقال لها النبي عَُّلَّهُ: إصبري حتى يجيء فيء بني العنبر غداً، فجاء فيء بني العنبر، فقال لها: خذي منهم أربعة، فأخذت رديحاً وزبيباً وزخيا وسمرة، فمسح النبي عَّه. رؤوسهم وبرك عليهم، ثم قال: يا عائشة! هؤلاء من بني إسماعيل قصداً، وقال بعضهم: والذي تعين لعتق عائشة من هؤلاء الأربعة، إما رديح وإما زخى. قلت: قال الذهبي في (تجريد الصحابة): رديح بن ذؤيب بن شعثم التميمي العنبري مولى عائشة روى عنه ابنه عبد الله وهذا يدل على أن الذي أعتقته هو رديح بلا ترديد، وزبيب، بضم الزاي وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره باء أيضاً، وضبطه العسكري: بنون في أوله، و: هو زنيب بن ثعلبة بن عمرو التميمي العنبري وروى عنه أبو داود في كتاب القضاء: حدثنا أحمد بن عبدة حدثنا عمار بن شعيب بن عبيد الله بن الزبيب العنبري، قال: حدثني أبي، قال: سمعت جدي الزبيب يقول: بعث رسول الله عَّم جيشاً إلى بني العنبر، فأخذوا بركبة من ناحية الطائف واستاقوهم إلى نبي الله عَ ليه، فركبت فسبقتهم إلى النبي عَّه، فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته! أتانا جندك فأخذونا، وقد كنا أسلمنا ... الحديث بطوله. قوله: ((بركبة)) بضم الراء وسكون الكاف وفتح الباء الموحدة: وهو اسم موضع معروف، وهي غير ركبة التي بين مكة والمدينة. وأما زخي، فبضم الزاي وفتح الخاء المعجمة وتشديد الياء، ومصغر، وضبطه ابن عون بالراء، وذكره الذهبي في حرف الزاي، وقال: زخي العنبري، وغلط من قال: رخي بالراء. وسمرة: هو ابن عمرو بن قرط، بضم القاف وسكون الراء. وقال الذهبيّ سمرة بن عمرو العنبري، أجاز النبي عَّلِ شهادة له لزبيب العنبري ثم قال سمرة - من بلعنبر - أعتقته عائشة رضي الله تعالى عنها، قلت: قضية الشهادة في حديث أبي داود الذي ذكرنا منه بعضه. ذكر ما يستفاد منه: فيه: دليل على جواز استرقاق العرب، وتملكهم كسائر فرق العجم إلاَّ أن عتقهم أفضل. قال ابن بطال: وتميم كانوا يختارون ما يخرجون في الصدقات من أفضل ما عندهم، فأعجبه معَّ له، فلذلك قال: هذا القول على معنى المبالغة في نصحهم لله ولرسوله في جودة الاختيار للصدقة. وفيه: فضيلة ظاهرة لبني تميم، وكان فيهم في الجاهلية وصدر الإسلام جماعة من الأشراف والرؤساء. وفيه: الإخبار عما سيأتي من الأحوال الكائنة في آخر الزمان. ١٤ - بابُ فَضْلٍ مَنْ أُذَّبَ جارِيَتَهُ وعَلَّمَهَا أي: هذا باب في بيان فضل من أدب جاريته، وليس في رواية أبي ذر والنسفي لفظ: فضل، بل هو: باب من أدَّب جاريته، وفي رواية النسفي: وأعتقها أيضاً. ٢٧ / ٢٥٤٤ - حدّثنا إِسْحاقُ بنُ إبراهِيمَ قال سَمِعَ مُحَمَّدَ بنَ فَضَيْلٍ عنْ مُطَرِّفِ عنِ ١٥١ ٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (١٥) الشُّغبِيِّ عنْ أبِي بُرْدَةَ عنْ أبِي مُوسَى رضي الله تعالى عنهُ قال قال رسولُ اللهِ عَّهِ مِنْ كانَتْ لَّهُ جارِيَةٌ فعلَّمَهَا فأحسَنَ إِلَيْهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَها كانَ لَهُ أُجْرَانٍ. [انظر الحديث ٩٧ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((كان له أجران))، وهما: أجر التعليم وأجر العتق. ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: إسحاف بن إبراهيم المعروف بابن راهويه. الثاني: محمد بن فضيل بن غزوان. الثالث: مطرف بن طريف الحارثي، ويقال الحارفي. الرابع: عامر الشعبي. الخامس: أبو بردة، بضم الباء الموحدة، واسمه الحارث بن أبي موسى، ويقال: عامر، ويقال إسمه كنيته. السادس: أبو موسى الأشعري واسمه عبد الله بن قيس. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع. وفيه: السماع. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: أن شيخه مروزي سكن نيسابور والبقية كوفيون. وفيه: رواية الابن عن الأب. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً بأتم منه في كتاب العلم في: باب تعليم الرجل أمته وأهله عن محمد بن سلام عن المحاربي عن صالح بن حيان عن عامر الشعبي ... الحديث. وأخرجه مسلم في النكاح عن يحيى بن يحيى. وأخرجه أبو داود والنسائي جميعاً فيه عن هناد بن السري. وقد مر الكلام فيه هناك. قوله: ((فعلمها)) في رواية أبي ذر عن المستملي والسرخسي، فعالها، أي: أنفق عليها، من: عال الرجل عياله يعولهم: إذا أقام بما يحتاجون إليه من قوت وكسوة وغيرهما. وقال الكسائي: يقال: عال الرجل يعول إذا كثر عياله، واللغة الجيدة: أعال يعيل. قال المهلب فيه: أن الله تعالى قد ضاعف له أجره بالنكاح والتعليم، فجعله كمثل أجر العتق. وفيه: الحض على نكاح العتيقة وعلى ترك العلو في الدنيا، وأن من تواضع لله في منكحه، وهو يقدر على نكاح أهل الشرف، فإن ذلك مما يرجى عليه جزيل الثواب. فإن قلت: روى البزار في (مسنده) عن ابن عمر: لما نزل قوله تعالى: ﴿لن تنالوا البر﴾ [آل عمران: ٩٢]. ذكرت ما أعطاني الله فلم أجد شيئاً أحب إلي من جارية رومية، فأعتقتها، فلو أني أعود في شيء جعلته لله لنكحتها. قلت: هذا محمول على من لا يرغب نكاحها، لأن عادة العرب الرغبة عن تزويج المعتقة، والمعتق إذا رغب يكون لغيره فلا يكره له النكاح حينئذ، وأيضاً النكاح ليس براجع في عتقه، لأنه لا يملك الآن إلاَّ منفعة الوطء. قال صاحب (التوضيح): وقد أجاز مالك وأكثر أصحابنا الرجوع في المنافع إذا تصدق بها وشرى بها، والحجة لهم حديث العرايا، فكيف إذا تصدق بالرقبة؟ فإنه يجوز شراء منفعتها، بل هو أولى من الصدقة بالمنفعة، والذي منع من الرجوع في المنافع إذا تصدق بها ابن الماجشون. ١٥ - بابُ قَوْلِ النبيِّ عَلَّهِ الْعَبِيدُ إخْوانُكُمْ فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ أي: هذا باب في ذكر قوله، عَّلٍ: العبيد ... إلى آخره، ولفظ هذه الترجمة معنى ١٥٢ ٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (١٥) حديث أبي ذر، رواه ابن منده بلفظ: إنهم إخوانكم فمن لاءمكم منهم فأطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون. وأخرجه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن عمرو الرازي، قال: حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن مورق عن أبي ذر، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: من لاءمكم من مملوكيكم فأطعموه مما تأكلون واكسوه مما تكسون، ومن لا يلائمكم منهم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله، عز وجل. وأخرج مسلم في آخر (صحيحه) حديثاً طويلاً عن أبي اليسر كعب بن عمرو في: باب سترة النبي، عَّه، وفيه: وهو يقول، أي: النبي، عَّله: أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون. وقَوْلِهِ تعَالَى: ﴿واعْبُدُوا الله ولاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وبالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي القُرْبَى واليَتَامَى والْمَسَاكِين والجارِ وذِي القُرْبى والجارِ الْجُنُبِ والصَّاحِبِ بالجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ وما مَلَكَتْ أَمَانُكُمْ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتَالاً فَخُورا﴾ [النساء: ٣٦]. وقوله، بالجر عطف على: قول، في قوله: باب قول النبي عَّله، هذه الآية في سورة النساء، كذا هي إلى آخرها في رواية كريمة، وفي رواية أبي ذر: وقول الله: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين﴾ إلى قوله: ﴿مختالاً فخوراً﴾ [النساء: ٣٦]. ففيها يأمر الله تعالى بعبادته وحده لا شريك له، فإنه الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الأحوال، ثم أوصى بالإحسان إلى الوالدين بقوله: ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ [النساء: ٣٦]. لأنه تعالى جعلهما سبباً لخروجك من العدم إلى الوجود، ثم عطف على الإحسان إلى الوالدين الإحسان إلى القرابات من الرجال والنساء، كما جاء في الحديث: الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم صدقة، وصله. ثم قال: واليتامى، لأنهم فقدوا من يقوم بمصالحهم، ومن ينفق عليهم؟ ثم قال: والمساكين: وهم المحاويج من ذوي الحاجات الذين لا يجدون ما يقوم بكفايتهم، فأمر الله تعالى بمساعدتهم بما تتم به كفايتهم: وتزول به ضرارتهم، ثم قال: ﴿والجار ذي القربى والجار الجنب﴾ [النساء: ٣٦]. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والجار ذي القربي، يعني: الذي بينك وبينه قرابة، والجار الجنب: الذي ليس بينك وبينه قرابة، وكذا روي عن عكرمة ومجاهد وميمون بن مهران والضحاك وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان وقتادة، وقال أبو إسحاق عن نوف البكالي ﴿والجار ذي القربى﴾ [النساء: ٣٦]. يعني: المسلم. ﴿والجار الجنب﴾ [النساء: ٣٦]. يعني: اليهودي والنصاري، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. وقال جابر الجعفي عن الشعبي عن علي وابن مسعود: ﴿الجار ذي القربى﴾ [النساء: ٣٦]. المرأة، وقال مجاهد: ﴿والجار الجنب﴾ [النساء: ٣٦]. يعني: الرفيق في السفر. ثم قال: والصاحب بالجنب، قال الثوري عن جابر الجعفي عن الشعبي عن علي وابن مسعود، قالا: هي المرأة، قال ابن أبي حاتم: كذا روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى وإبراهيم النخعي والحسن وسعيد بن جبير في إحدى الروايات. وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة ١٥٣ ٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (١٥) وقتادة: هو الرفيق في السفر، وقال سعيد بن جبير: هو الرفيق الصالح، وقال زيد بن أسلم: هو جليسك في الحضر ورفيقك في السفر، ثم قال: ﴿وابن السبيل﴾ [النساء: ٣٦]. وعن ابن عباس وجماعة: هو الضيف، وقال مجاهد وأبو جعفر الباقر والحسن والضحاك: هو الذي يمر عليك مجتازاً في السفر. ثم قال: ﴿وما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٣٦]. هذا وصية بالأرقاء، لأن الرقيق ضعيف الجثة أسير في أيدي الناس، ولهذا ثبت أن رسول الله عَّه، جعل يوصي أمته في مرض الموت يقول: الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم، فجعل يرددها حتى ما يفيض بها لسانه، وهذا كان مراد البخاري بذكره هذه الآية الكريمة، وروى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو أنه قال لقهرمان له: هل أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال: لا. قال: فانطلق فأعطهم، إن رسول الله عَّه، قال: كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوتهم. قوله: ﴿إن الله لا يحب من كان مختالاً﴾ [النساء: ٣٦]. أي: في نفسه معجباً متكبراً ﴿فخوراً﴾ [النساء: ٣٦]. على الناس، يرى أنه خير منهم، فهو في نفسه كبير، وهو عند الله حقير وعند الناس بغيض. قال أبو عَبْدِ الله: ذِي الْقُرْبى القَرِيبُ، والْجُنُبُ الغَريبُ الجارُ الْجُنُبُ يَعْنِي الصَّاحِبَ في السَّفَرِ أبو عبد الله: هو البخاري نفسه، هذا الذي فسره هو تفسير أبي عبيدة في كتاب (المجاز). ٢٨ / ٢٥٤٥ _ حدّثنا آدَمُ بنُ أبي إياسٍ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال حدثنا واصِلٌ الأحْدَبُ قال سَمِعْتُ المَعْرورَ بنَ سُوَيْدٍ قال رأيْتُ أَبَا ذَرّ الغِفَّاريَّ رضي الله تعالى عنهُ وعلَيْهِ محُلَّةٌ وعلى غُلاَمِهِ محُلَّةٌ فَسَأَلْنَاهُ عنْ ذُلِكَ فقالٍ إِنِّي سابَيْتُ رَجُلاً فَشكانِي إلى النبيِّ عَّله فقال ليَ النبيُّ عَ لَّهِ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ ثمّ قال إنَّ إْوَانَكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ الله تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كانَ أخوهُ تحتَ يَدهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ ولْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ ولا تُكَلِّفُوهمْ ما يَغْلِيُهم فإنْ كلَّفْتُمُوهُمْ ما يَعْلِبُهُم فَأَعِينُوهُمْ. [انظر الحديث ٣٠ طرفه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وواصل هو ابن حيان، بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف: الكوفي، والمعرور، بفتح الميم وسكون العين المهملة وضم الراء الأولى: وهو من كبار التابعين، يقال: عاش مائة وعشرين سنة، وقد مر الحديث في كتاب الإيمان في: باب المعاصي من أمر الجاهلية، فإنه أخرجه هناك: عن سليمان بن حرب عن شعبة عن واصل ... إلى آخره وفيه زيادة، وهي قوله: إنك امرؤ فيك جاهلية. وقد مر الكلام فيه هناك مستوفى، ولنذكر بعض شيء. قوله: ((حلة))، هي واحدة الحلل، وهي برود اليمن، ولا تسمى حلة إلاَّ أن تكون ثوبين من جنس واحد. قوله: ((ساببت رجلاً) قيل: هو بلال، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((أعيرته؟)) ١٥٤ ٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (١٥) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الإنكار. قوله: ((إن إخوانكم)، المراد إخوة الإسلام والنسب، لأن الناس كلهم بنو آدم، عليه السلام. قوله: ((خولكم))، أي: حشمكم وخدمكم، وواحد الخول: خائل، وقد يكون واحداً، ويقع على العبد والأمة وهو مأخوذ من التخويل، وهو التمليك، وقيل: من الرعاية. قوله: ((تحت يده))، أي: ملكه، وإن كان العبد محترفاً فلا وجوب على السيد. قوله: ((فليطعمه))، أمر ندب، وكذلك ((وليلبسه)) وقيل: لمالك، رحمه الله: أيأكل من طعام لا يأكل منه عياله ورقيقه، ويلبس ثياباً لا يلبسون؟ قال: أراه من ذلك في سعة. قيل له: فحديث أبي ذر؟ قال: كانوا يومئذ ليس لهم هذا القوت. قوله: ((ولا تكلفوهم ما يغلبهم))، أي: لا تكلفوهم على عمل يغلبهم عن إقامته، وهذا واجب، وكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، يأتي الحوائط، فمن رآه من العبيد كلف ما لا يطيق وضع عنه، ومن أقل رزقه زاده فيه. قال مالك: وكذلك يفعل فيمن يفعل من الأجراء ولا يطيقه، وروي أنه عَّ له قال: أوصيكم بالضعيفين: المرأة والمملوك، وأمر عَّه موالي أبي طيبة أن يخففوا عنه من خراجه. وفي (التوضيح): التسوية في المطعم والملبس استحباب، وهو ما عليه العلماء، فلو كان سيده يأكل الفائق ويلبس العالي فلا يجب عليه أن يساوي مملوكه فيه، وما أحسن تعليل مالك، وهو ما ذكرناه الآن من قوله: ليس لهم هذا القوت، وإنما كان الغالب من قوتهم التمر والشعير، وقد صح أن سيدنا رسول الله عَ ليه، قال: للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق، فإن زاد على ما فرض عليه من قوته وكسوته بالمعروف كان متفضلاً متطوعاً. وقال ربيعة بن عبد الرحمن: لو أن رجلاً عمل لنفسه خبيصاً فأكله دون خادمه، ما كان بذلك بأس، وكان يفتي أنه: إذا أطعم خادمه من الخبز الذي يأكل منه فقد أطعمه مما يأكل منه، لأن: من، عند العرب للتبعيض. ولو قال: أطعموهم من كل ما تأكلون، لعم الخبيص وغيره، وكذا في اللباس. قوله: ((فإن كلفتموهم)) فإن قلت: إذا نهى عن التكليف فكيف عقبه بقوله: فإن كلفتموهم؟ قلت: النهي للتنزيه قاله الكرماني، وفيه نظر، لأن الله تعالى قال: ﴿لا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ولما لم يكلف الله فوق طاقتنا، ونحن عبيده، وجب علينا أن نمتثل لحكمه وطريقته في عبيدنا، وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، مرفوعاً: لا تستخدموا رقيقكم بالليل، فإن النهار لكم والليل لهم. وروى معمر عن أيوب عن أبي قلابة يرفعه إلى سلمان: أن رجلا أتاه وهو يعجن، فقال: أين الخادم؟ قال: أرسلته لحاجة، فلم نكن لنجمع عليه شيئين: أن نرسله ولا نكفيه عمله، ووقف علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، على تاجر لا يعرفه، فاشترى منه قميصين بعشرة دراهم، فقال لعبده: إختر أيهما شئت. وفيه من الفوائد: النهي عن سب الرقيق وتعييرهم بمن ولدهم. وفيه: الحث على الإحسان إليهم والرفق بهم، ويلحق بالرقيق من كان في معناه من أجير ومستخدم في أمر ونحوهما، وفيه عدم الترفع على المسلم والاحتقار. وفيه: المحافظة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفيه: إطلاق الأخ على الرقيق. ١٥٥ ٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (١٦) ١٦ - بابُ العَبْدِ إِذَا أُحْسنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ ونَصَحَ سَيِّدَهُ أي: هذا باب في بيان فضل العبد - أو في بيان ثوابه - إذا أحسن عبادة ربه، بأن أقامها بشروطها. قوله: ((ونصح))، من النصيحة، وهي كلمة جامعة معناها: حيازة الحظ للمنصوح له، وهو إرادة صلاح حاله وتخليصه من الخلل وتصفيته من الغش. ٢٩/ ٢٥٤٦ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكِ عنْ نَافِعِ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُما أنَّ رسولَ الله عَّلِ قال العَبْدُ إِذَا نصَحَ سَيِّدَهُ وأحسَنَ عِبادَةَ رَبِّهِ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ. [الحديث ٢٥٤٦ - طرفه في: ٢٥٥٠]. مطابقته للترجمة ظاهرة. والحديث أخرجه مسلم في الإيمان عن يحيى بن يحيى. وأخرجه أبو داود في الأدب عن القعنبي وهو عبد الله بن مسلمة شيخ البخاري. وفيه: حض المملوك على نصح سيده، لأنه راع في ماله، وهو مسؤول عما استرعى. قوله: ((كان له أجره مرتين))، مرة لنصح سيده ومرة لإحسان عبادة ربه. ٣٠ / ٢٥٤٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثيرٍ قال أخبرنا سفيانُ عنْ صالِحِ عنِ الشَّعْبِيِّ عنْ أَبِي بُرْدَةَ عنْ أبي موسى الأُشْعَرِيِّ رضي الله تعالى عنهُ قالَ قالَ النبيِّ عَلَّهِ أَيْمَا رَجلٍ كانَتْ لَهُ جارِيَةٌ فَأَذَّبَهَا فأحسَنَ تَأْدِيبَهَا وأعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أُجْرَانٍ وأيّما عَبْدٍ أدَّى حَقّ الله وحقَّ مَوالِيهِ فَلَهُ أجْرَانٍ. [انظر الحديث ٩٧ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((وأيما عبد ... )) إلى آخره لأن أداء حق الله هو معنى: أحسن عبادة ربه، وأداء حق مواليه هو معنى نصح سيده. وسفيان هو الثوري، وصالح هو ابن صالح أبو حي الهمداني الكوفي، والشعبي هو عامر، وأبو بردة اسمه الحارث أو عامر، وأبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس. والنصف الأول من الحديث - وهو الذي فيه الجارية - قد مر عن قريب في: باب فضل من أدب جاريته، والنصف الثاني - وهو الذي فيه أمر العبد - قد مر في كتاب العلم في: باب تعليم الرجل أمته وأهله، فإنه أخرجه هناك: عن محمد بن سلام عن المحاربي عن صالح بن حيان عن الشعبي، وقد مر الكلام فيه هناك، وصالح بن حيان هذا هو صالح بن صالح أبو حي المذكور، غير أن البخاري ذكره هناك بنسبته إلى جده، فإنه صالح بن صالح بن مسلم بن حيان، وليس بصالح بن حيان القرشي الكوفي الذي يروي عن أبي وائل، وقد مضى الكلام فيه هناك مستقصى. ٢٥٤٨/٣١ - حدّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ قال أخبرنا عَبْدُ الله قال أخبرنا يونسُ عنٍ الزُّهْرِيِّ قال سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ الْمُسَيِّبِ يَقولُ قال أبو هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال رسولُ الله عَِّ لِلعَبْدِ الْمَمْلُوكِ الصَّالِحِ أَجْرَانِ وِالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلاَ الجِهَادُ في سَبِيلِ الله والحَجُّ وبِرُّ أُمِّي لأخبَبْتُ أنْ أموتَّ وأنَا مَمْلُوٌ. مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث، ووقع في كتاب ابن بطال عزو حديث أبي ١٥٦ ٤٩ - كتابُ المِثْقِ / باب (١٦) هريرة هذا لأبي موسى الأشعري، وهو غلط، فإنه أسقط حديث أبي موسى وركبه على حديث أبي هريرة، وبشر، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة: ابن محمد السجستاني المروزي، وهو من أفراده، وعبد الله هو ابن المبارك المروزي، ويونس هو ابن يزيد والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب. والحديث أخرجه مسلم في الأيمان والنذور عن أبي الطاهر بن السرح وحرملة بن یحیی وفي الأيمان عن زهير بن حرب. قوله: ((للعبد المملوك)) إنما وصف العبد بالمملوك، لأن العبد أعم من أن يكون مملوكاً وغير مملوك، فإن الناس كلهم عبيد الله. قوله: ((الصالح))، أي: في عبادة الرب ونصح السيد. قوله: ((أجران))، قال ابن بطال: لما كان للعبد في عبادة ربه أجر، كذلك له في نصح السيد أجر، ولا يقال: الأجران متساويان، لأن طاعة الله تعالى أوجب من طاعته. قوله: ((والذي نفسي بيده))، قال ابن بطال: لفظ: ((والذي نفسي بيده .. )) إلى آخره هو من قول أبي هريرة، وكذا قاله الداودي وغيره، وقالوا: يدل على أنه مدرج - يعني: الحديث - لأنه قال فيه: ((وبرّ أمي))، ولم يكن للنبي، عَ لّه، حينئذ أم يبرها، وجنح الكرماني إلى أنه من كلام الرسول، عَّهِ. ثم قال: فإن قلت: ماتت أم الرسول، عَّه، وهو طفل، فما معنى بره أمه؟ قلت: لتعليم الأمة، أو على سبيل فرض الحياة، أو المراد به أمه التي أرضعته، وهي حليمة السعدية. انتهى. قلت: لو اطلع الكرماني على ما اطلع عليه من يدعي الإدراج لما تكلف هذا التأويل المتعسف، وقد صرح بالإدراج الإسماعيلي من طريق آخر عن عبد الله بن المبارك بلفظ: والذي نفس أبي هريرة بيده ... إلى آخره، وكذلك أخرجه الحسين بن الحسن المروزي في كتاب (البر والصلة) عن ابن المبارك، وصرح مسلم أيضاً بذلك، فقال: حدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحيى، قالا: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا يونس عن ابن شهاب، سمعت سعيد بن المسيب يقول: قال أبو هريرة: قال رسول الله عَ له: ((للعبد المملوك الصالح أجران، والذي نفس أبي هريرة بيده، لولا الجهاد في سبيل الله، والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك)). قال: وبلغنا أن أبا هريرة لم يكن يحج حتى ماتت أمه لصحبتها، قال أبو الطاهر: في حديثه ((للعبد المصلح)) ولم يذكر المملوك. انتهى. واسم أم أبي هريرة: أميمة، بالتصغير، وقيل: ميمونة، وهي صحابية ثبت ذكر إسلامها في (صحيح مسلم) وبين أبو موسى اسمها في ذيل (المعرفة)، وإنما استثنى أبو هريرة هذه الأشياء المذكورة لأن الجهاد والحج يشترط فيهما إذن السيد، وكذلك بر الأم، قد يحتاج إلى إذن السيد في بعض وجوهه، بخلاف بقية العبادات البدنية، ولم يتعرض للعبادات المالية إما لكونه كان إذ ذاك لم يكن له مال يزيد على قدر حاجته فيمكنه صرفه في القربات بدون إذن السيد، وإما لأنه كان يرى أن للعبد أن يتصرف في ماله بغير إذنه. فإن قيل: في قوله: أجران، يلزم كون أجر المماليك ضعف أجر السادات؟ قلت: أجاب الكرماني: بأن لا محذور في ذلك، أو يكون أجر المماليك مضاعفاً من هذه الجهة، وقد يكون للسادات جهات أخرى يستحق بها أجر العبد، ١٥٧ ٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (١٧) أو يكون المراد ترجيح العبد المؤدي للحقين على العبد المؤدي لأحدهما. والله أعلم. قوله: (لأحببت أن أموت وأنا مملوك))، الواو، فيه للحال. قال الخطابي: ولهذا المعنى امتحن الله، عز وجل، أنبياءه، عليهم السلام، ابتلى يوسف، عليه السلام، بالرق ودانيال حين سباه بختنصر، وكذا ما روي عن خضر، عليه السلام، حين سئل لوجه الله فلم يكن عنده ما يعطيه، فقال لا أملك إلاّ نفسي، فبعني واستنفق ثمني، ونحو ذلك. ٢٥٤٩/٣٢ - حدّثنا إسحاقُ بنُ نَصْر قال حدَّثنا أبو أُسامَةَ عنِ الأعْمَشِ قال حدَّثنا أبُو صالِحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال قال النبيُّ عَّ ◌ُلِّ نَعِمَّا ما لِأَحَدِكُمْ يُخْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ ويَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ. مطابقته للترجمة تؤخذ من معناه لأن معناه: نعمًا للمملوك يحسن عبادة ربه، على ما نبينه عن قريب. وإسحاق بن نصر هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر فذكره بنسبته إلى جده السعدي البخاري، كان ينزل بالمدينة بباب بني سعد وهو من أفراده وأبو أسامة حماد بن أسامة، والأعمش سليمان، وأبو صالح ذكوان الزيات السمان. قوله: ((نعمًا ما لأحدهم))، بفتح النون وكسر العين وإدغام الميم في الأخرى، ويجوز كسر النون وفتحها أيضاً مع إسكان العين وتحريك الميم، فالجملة أربع لغات. قال الزجاج: ما، بمعنى الشيء، فالتقدير: نعم الشيء، وقال ابن التين: وقع في نسخة الشيخ أبي الحسن القابسي: نعم ما، بتشديد الميم الأولى وفتحها، ولا وجه له، والصواب إدغامها في: ما، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله نعمًّا يعظكم به﴾ [النساء: ٥٨]. والمخصوص بالمدح محذوف. قوله: ((يحسن)) مبين له تقديره: نعمًا لمملوك لأحدهم يحسن عبادة ربه وينصح لسيده. ١٧ - بابُ كَرَاهِيَّةِ التَّطَاوُلِ عَلَى الرَّقِيقِ وَقَوْلِهِ عَبْدِي أَوْ أَمَتِي أي: هذا باب في بيان التطاول أي الترفع والتجاوز عن الحد فيه. قيل: المراد بالكراهة كراهة التنزيه، وذلك لأن الكل عبيد الله،، والله لطيف بعباده رفيق بهم، فينبغي للسادة امتثال ذلك في عبيدهم، ومن ملكهم الله إياهم، ويجب عليهم حسن الملك ولين الجانب، كما يجب على العبيد حسن الطاعة والنصح لسادتهم والانقياد لهم وترك مخالفتهم. قوله: ((وقوله))، بالجر، عطف على: كراهية التطاول، والتقدير: وكراهية قول الشخص لمن يملكه من العبيد: عبدي، ولمن يملك من الجواري: أمتي، والكراهة فيه أيضاً للتنزيه من غير تحريم. وجه الكراهة: أن هذا الاسم من باب المضاف ومقتضاه إثبات العبودية له، وصاحبه الذي هو المالك عبد لله تعالى متعبد بأمره ونهيه، فإدخال مملوك الله تعالى تحت هذا الاسم يوجب الشرك، ومعنى المضاهاة، فلذلك استحب له أن يقول: فتاي وفتاتي، والمعنى في ذلك كله يرجع إلى البراءة من الكبر، والأليق بالشخص الذي هو عبد الله ومملوك له أن لا يقول: عبدي، وإن كان قد ملك قياده في الاستخدام ابتلاء فيه من الله بخلقه، قال الله ١٥٨ ٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (١٧) تعالى: ﴿وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون﴾ [الفرقان: ٢٠]. وقال الداودي: إن قال عبدي أو أمتي ولم يرد التكبر فأرجو أن لا إثم عليه. وقالَ الله تعالى ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عَبَادِكُمْ وإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]. وقال: ﴿عَبْداً [يوسف: ٢٥]. وقال ﴿مِنْ مَمْلُوكاً﴾ [النحل: ٧٥]. ﴿وَأَلْفَيا سَيِّدَهَا لَدَى الْبابِ﴾ فَقَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِناتِ﴾ [النساء: ٢٥]. وقال النبيُّ عَّ قومُوا إلى سَيِّدِكُمْ ﴿وَاذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢ ]. أَيْ سَيَّدِكَ ومَنْ سَيّدِكُمْ ذكر هذا كله دليلاً لجواز أن يقول: عبدي وأمتي، وأن النهي الذي ورد في الحديث عن قول الرجل: عبدي وأمتي. وعن قوله: إسق ربَّكَ، ونحوه للتنزيه لا للتحريم. قوله: ﴿والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ هو في سورة النور، وأوله: ﴿وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم﴾ [النور: ٣٢]. ولما أمر الله تعالى قبل هذه الآية بغض الأبصار وحفظ الفروج، بقوله: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم﴾ [النساء: ٢٥]. الآية، بين بعده أن الذي أمر به إنما هو فيما لا يحل، فبين بعد ذلك طريق الحل، فقال: ﴿وأنكحوا الأيامى﴾ [النور: ٣٢]. أصلها: أيائم، فقلب، والأيم للرجل والمرأة، فالأيامى: هم الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء، يقال: رجل أيم وامرأة إيم وأيمة. وآم الرجل وآمت المرأة بأيم أيمة، وأيوماً إذا لم يتزوجا بكرين كانا أو ثيبين، وقال ابن بطال: جاز أن يقول الرجل: عبدي وأمتي، لقوله تعالى: ﴿والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ [النور: ٣٢]. وإنما نهى عنه على سبيل الغلظة لا على سبيل التحريم، وكره ذلك لاشتراط اللفظ، إذ يقال: عبد الله وأمة الله. قوله: ((وقال ﴿عبداً مملوكاً﴾ [النحل: ٧٥]) هو في سورة النحل، وأوله: ﴿وضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ... ﴾ [النحل: ٧٥]. الآية، وقد مر الكلام فيه في أول: باب من ملك العرب رقيقاً. قوله: ﴿وألفيا سيدها لدى الباب﴾ [يوسف: ٢٥] هو في سورة يوسف، وقبله: ﴿واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب﴾ [يوسف: ٢٥]. الآية، والقصة مشهورة، والمعنى: تسابقا إلى الباب - يعني: يوسف وزليخا - فنفر يوسف عنها فأسرع يريد الباب ليخرج، وأسرعت زليخا وراءه لتمنعه من الخروج، وقدت قميصه من دُبُرٍ لأنها جبذته من خلفه فشقت قميصه، وألفيا سيدها أي: صادفا ولَقِيا بعلها، وهو قطفير، وإنما قال: سيدها، ولم يقل: سيدهما، لأن ملك يوسف لم يصح، فلم يكن سيداً له على الحقيقة. قوله: ((وقال: ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾ [النساء: ٢٥])) هو في سورة النساء، وأوله: ﴿ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ... ﴾ [النساء: ٢٥]. الآية، يعني: من لم يجد منكم طولاً - أي: سعة وقدرة - أن ينكح المحصنات المؤمنات من الحرائر العفائف والمؤمنات، فتزوجوا من الإماء المؤمنات اللاتي يملكهن المؤمنون، والفتيات جمع فتاة وهي: الأمة. ١٥٩ ٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (١٧) قوله: ((وقال النبي، عَّهِ: قوموا إلى سيدكم))، هو قطعة من حديث أبي سعيد الخدري أخرجه البخاري في المغازي على ما يأتي، فقال: حدثني محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن سعد، قال: سمعت أبا أمامة، قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، رضي الله تعالى عنه، فأرسل النبي عَ لّ إلى سعد، فأتى على حمار، فلما دنا من المسجد قال للأنصار: ((قوموا إلى سيدكم ... )) الحديث، وخاطب الأنصار بقوله: ((قوموا إلى سيدكم)) يريد به سعد بن معاذ، فمن هذا أخذ أن لا يمنع العبد أن يقول: سيدي ومولاي، لأن مرجع السيادة إلى معنى الرياسة على من تحت يده والسياسة له وحسن التدبير، ولذلك سمى الزوج سيداً، كما في قوله تعالى: ﴿وألفيا سيدها لدى الباب﴾ [يوسف: ٢٥]. وقد قيل لمالك: هل كره أحد بالمدينة قوله لسيده: يا سيدي؟ قال: لا. واحتج بهذه الآية، وقوله تعالى: ﴿وسيدا وحصوراً﴾ [آل عمران: ٣٩]. قيل له: يقولون: السيد هو الله؟ قال: أين هو في كتاب الله تعالى؟ وإنما في القرآن: ﴿ربِّ اغفر لي ولوالدي﴾ [نوح: ٢٨]. قيل: أنكر أن يدعو يا سيدي. قال: ما في القرآن أحب إلي، ودعاء الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، وقد قال بعض أهل اللغة: إنما سمي السيد لأنه يملك السواد الأعظم، وقد قال عَّه في الحسن: إن ابني هذا سيد. قوله: ((﴿واذكرني عند ربك﴾ [يوسف: ٤٢]» هو في سورة يوسف وأوله: ﴿وقال للذي ظن أنه ناج منهما: أذكرني عند ربك ... ﴾ [يوسف: ٤٢] الآية، وقصته مشهورة، معناه: صفني عند الملّك بصفتي، وقص عليه بقصتي لعله يرحمني ويخرجني من السجن، فلما وكل أمره إلى غير الله أمكثه في السجن سبع سنين. وقال الخطابي: لا يقال أطعم ربك، لأن الإنسان مربوب مأمور بإخلاص التوحيد وترك الإشراك معه، فكره له المضاهاة بالإسم. وأما غيره من سائر الحيوان والجماد فلا بأس بإطلاق هذا الإسم عليه عند الإضافة، كقولهم: رب الدار، ورب الدابة، وقال الكرماني: قد ورد في القرآن مثل قوله: ﴿إنه ربي أحسن مثواي﴾ [يوسف: ٢٣]. ﴿واذكرني عند ربك﴾ [يوسف: ٤٢]. قلت: ذاك شرعٍ من قبلنا. فإن قلت: كما أنه لا رب حقيقة غير الله، كذا لا سيد ولا مولى حقيقة أيضاً إلاّ الله تعالى، فَلِمَ جاز هذا وامتنع هذا؟ قلت: التربية الحقيقية مختصة بالله تعالى، بخلاف السيادة فإنها ظاهرة، بعض الناس سادات على الآخرين، وأما المولى فقد جاء بمعاني بعضها لا يصح إلاّ على المخلوق. قوله: ((ومن سيدكم؟)) هذه اللفظة سقطت من رواية النسفي وأبي ذر وأبي الوقت، وثبتت في رواية الباقين، وهي قطعة من حديث أخرجه البخاري في (الأدب المفرد) من طريق حجاج الصواف عن أبي الزبير، قال: حدثنا جابر، قال: قال رسول الله عَ له: ((من سيد کم یا بني سلمة؟)) قلنا: الجد بن قيس على أنا نبخله. قال وأي داء أدوى من البخل؟ بل سيدكم عمرو بن الجموح، وكان عمرو على أصنامهم في الجاهلية، وكان يُولِمُ عن رسول الله عَّ إذا تزوج. وأخرجه الحاكم من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة نحوه. ١٦٠ ٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (١٧) والجد، بفتح الجيم وتشديد الدال: هو ابن قيس بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم، بسكون النون: ابن كعب بن سلمة، بكسر اللام، يكنى أبا عبد الله، وقال أبو عمر: كان يرمى بالنفاق، ويقال: إنه تاب وحسنت توبته وعاش إلى أن مات في خلافة عثمان، رضي الله تعالى عنه. وأما عمرو بن الجموح، بفتح الجيم وضم الميم المخففة وفي آخره حاء مهملة: فهو ابن زيد بن حرام، بمهملتين: ابن كعب بن غنم بن سلمة، قال ابن إسحاق: كان ما سادات بني سلمة، وقال الذهبي: عقبي، وفي قول: بدري، استشهد يوم أحد، هو وابنه خلاد. فإن قلت: ذكر ابن منده من حديث كعب بن مالك أن النبي عَ لّم قال: ((من سيدكم يا بني سلمة؟» قالوا: جد بن قيس، فذكر الحديث، فقال: سيدكم بشر بن البراء بن معرور)، بسكون العين المهملة: ابن صخر، يجتمع مع عمرو بن الجموح في صخر؟ قلت: اختلف في وصله وإرساله على الزهري، على أنه يمكن التوفيق بأن تحمل قصة بشر على أنها كانت بعد قتل عمرو بن الجموح، ومات بشر المذكور بعد خيبر، أكل مع النبي عٍَّ من الشاة المسمومة، وكان قد شهد العقبة وبدراً، ذكره إبن إسحاق. ٢٥٥٠/٣٣ _ حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال أخبرنا يَحْتَى عنْ عُبَيْدِ الله قال حدَّثني نافعٌ عنْ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَّله قال إِذَا نَصَحَ الْعَبْدُ سَيِّدَهُ وأحسنَ عِبادَةَ رَبِّهِ كَانَ لَهُ أجْرُهُ مَرَّتَيْنِ. [انظر الحديث ٢٥٤٦]. مطابقته للترجمة من حيث إن العبد إذا نصح سيده وأحسن عبادة ربه، يكره تطاول مولاه عليه، وهذا الحديث مضى في أول: باب العبد إذا أحسن عبادة ربه، ويحيى هو القطان، وعبيد الله هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، وأخرجه مسلم في العتق وفي النذور عن زهير بن حرب ومحمد بن المثنى. ٢٥٥١/٣٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلاَءِ قال حدَّثنا أبو أُسَامَةً عِنْ تُرَيْدٍ عنْ أَبِي بُرْدَةً عن أبي موسى رضي الله تعالى عنهُ عنِ النَّبِيِّ عَِّ قال الْمَمْلُوكُ الَّذِي يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ ويُؤَدِّي إِلَى سَيِّدِهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ مِنَ الَحَقِّ وَالنَّصِيحَةِ والطَّاعَةِ لَهُ أَجْرَانٍ. [انظر الحديث ٩٧ وأطرافه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((ويؤدي إلى سيده ... )) إلى آخره، لأنه إذا قام بما ذكر فيه يكره التطاول عليه. والحديث مضى في كتاب العلم في: باب تعليم الرجل أمته، وعن قريب في: باب العبد إذا أحسن عبادة ربه، مع زيادة ونقصان، يظهر ذلك عند النظر بالتأمل. وأبو أسامة حماد بن أسامة، وبريد، بضم الباء الموحدة: ابن عبد الله بن أبي بردة، واسمه الحارث أو عامر بن أبي موسى الأشعري، واسمه عبد الله بن قيس. قوله: ((المملوك)) مبتدأ وخبره الجملة، وهي قوله: ((له أجران))، ويروى: للمملوك، فإن صحت هذه الرواية يكون قوله: أجران مبتدأ، وقوله: للمملوك، مقدماً خبره. ولا يكون في هذه الرواية لفظة: له.