النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (٥)
بما يقتضيه ظاهره في حق الموسر، ليرد بذلك على من لم يقل له. قوله: ((ما يبلغ))، مفعوله
محذوف، وتقديره: ما يبلغ ثمنه. قوله: ((سبيل المعتق))، بفتح التاء أي: العتيق، ولم ينفرد
موسى بن عقبة عن نافع بهذا السياق، بل وافقه صخر بن جويرية. أخرجه الطحاوي، وقال:
حدثنا أبو بكرة، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا صخر بن جويرية عن نافع عن ابن
عمر، كان يفتي في العبد أو الأمة يكون أحدهما بين شركائه فيعتق أحدهم نصيبه منه، فإنه
يجب عتقه على الذي أعتقه، إذا كان له من المال ما يبلغ ثمنه يقوم في ماله قيمة عدل،
فيدفع إلى شركائه أنصباءهم ويخلي سبيل العبد، يخبر بذلك عبد الله بن عمر عن رسول الله
عَّلِ. وأخرجه أبو عوانة والدارقطني.
ورَواهُ اللَّيْثُ وابنُ ذِئْبٍ وابْنُ إسْحَاقَ وَجُوَيْرِيَةُ ويحيى بنُ سعِيدٍ وإِسْمَاعِيلُ بنُ أُمَيَّةَ
عنْ نافعٍ عنِ ابنِ عُمرَ رضي الله تعالى عنهُما عنِ النبيِّ عَّهِ مُخْتَصَراً
أي: روى الحديث المذكور الليث بن سعد، ووصل روايته النسائي، قال: أخبرنا قتيبة،
قال: حدثنا الليث عن نافع عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله عَّه، يقول: ((أيما مملوك
كان بين شركاء، وأعتق أحدهم نصيبه، فإنه يقام في مال الذي أعتق قيمة عدل، فيعتق إن بلغ
ذلك ماله)). قوله: ((وابن أبي ذئب))، هو محمد بن أبي ذئب، بلفظ الحيوان المشهور،
ووصل روايته أبو نعيم في (مستخرجه) ولفظه: ((من أعتق شركاً في مملوك، وكان للذي يعتق
ما يبلغ ثمنه، فقد عتق كله)) قوله: ((وابن إسحاق))، هو محمد بن إسحاق صاحب المغازي،
ووصل روايته أبو عوانة، ولفظه: من أعتق شركاً له في عبد مملوك، فعليه نفاذه منه. قوله:
((وجويرية))، مصغر الجارية: ابن أسماء، ووصلْ روايته الطحاوي، وقد مر عن قريب. قوله:
((ويحيى بن سعيد))، هو الأنصاري، ووصل روايته مسلم عن محمد بن المثنى عن عبد
الوهاب عن يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر عن النبي عَّ، مثل حديث مالك عن
نافع، وقد ذكر فيما مضى. قوله: ((وإسماعيل))، ابن أمية، ووصل روايته عبد الرزاق نحو رواية
ابن أبي ذئب. قوله: ((مختصراً)) يعني: لم يذكروا الجملة الأخيرة في حق المعسر، وهي
قوله: فقد عتق منه ما عتق.
٥ - بابٌ إِذَا أَعْتَقَ نَصِيباً له في عَبْدٍ وَلَيْسَ لَهُ مالٌ اسْتسعَى العَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ
عَلَيْهِ عَلَى نَحْوِ الْكِتَابَةِ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا أعتق شخص نصيباً له في عبد، والحال أنه ليس له مال -
استسعى العبد، هذا جواب: إذا، والاستسعاء أن يكلف العبد الاكتساب حتى يحصل قيمة
نصيب الشريك. قوله: ((غير مشقوق عليه))، حال من العبد، أي: لا يكلف ما يشق عليه.
قوله: ((على نحو الكتابة)) أي: يكون العبد في زمان الاستسعاء كالمكاتب، يؤدي أولاً
فأولاً، وهذه الترجمة تدل على أن البخاري يرى بصحة حديثي ابن عمر المذكور، وأبي

١٢٢
٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (٥)
هريرة الذي يذكره، وقد استبعد الإسماعيلي إمكان الجمع بين حديثيهما، ومنع الحكم
بصحتهما معاً، وجزم بأنهما متدافعان، وغيره قد جمع بينهما، وقد بسطنا الكلام فيه في:
باب تقويم الأشياء بين الشركاء، فليرجع إليه، فمن وقف عليه هناك فقد عرف ما علمنا فيه
من الفيض الإلهي، والنور الرباني.
٢٥٢٦/١٠ _ حدَّثنا أحْمَدُ بنُ أبِي رَجاءٍ قال حدَّثنا يَحْيَى بنُ آدَمَ قال حدَّثنا جَرِيرُ
بنُ حازِمٍ قال سَمِعْتُ قَتَادَةَ قال حدَّثني النَّصْرُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مالِكِ عنْ بَشِيرِ بنِ نَهيك عنْ أبِي
هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قال قال النبيُّ عَّهِ من أعْتَقَ شَقِيصاً مِنْ عَبْد ح. [انظر الحديث
٢٤٩٢ وطرفيه].
... / ٢٥٢٧ _ وحدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْع قال حدَّثنا سعِيدٌ عنْ قَتَادَةَ
عنِ النَّضْرِ بنِ أنَسٍ عنْ بَشِيرِ بنِ نَهيكٍ عِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ النبيَّ عَّه
قالَ منْ أعْتَقَ نِصيباً أو شَقِيصاً في مَمْلُوٍ فخَلاَصُهُ علَيْهِ في مالِهِ إنْ كانَ لَهُ مالٌ وإلاَّ
قُوَّمَ عَلَيْهِ فَاسْتَسْعَى بِهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ. [انظر الحديث ٢٤٩٢ وطرفيه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وأخرج هذا الحديث من طريق واحد في: باب تقويم الأشياء
بين الشركاء. وأخرجه هنا من طريقين. أحدهما: عن أحمد بن أبي رجاء، واسمه عبد الله بن
أيوب، يكنى بأبي الوليد الحنفي الهروي، وهو من أفراده عن يحيى بن آدم بن سليمان
القرشي الكوفي، صاحب الثوري عن جرير بن حازم بن زيد البصري عن قتادة عن النضر،
بفتح النون وسكون الضاد المعجمة: ابن أنس بن مالك عن بشير، بفتح الباء الموحدة وكسر
الشين المعجمة: ابن نهيك، بفتح النون وكسر الهاء، والطريق الآخر: عن مسدد عن يزيد بن
زريع عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ... إلى آخره، وقد مر الكلام فيه هناك، أعني: في
باب تقويم الأشياء.
قوله: ((شقيصاً))، بفتح الشين وكسر القاف أي: نصيباً. قوله في الطريق الثاني: ((أو
شقيصاً))، شك من الراوي. قوله: ((وإلاَّ) أي: وإن لم يكن له مال قوم، على صيغة
المجهول. قوله: ((غير مشقوق عليه)) حال أي على العبد.
تابَعَهُ حَجَّاجُ بنُ حَجَّاجٍ وأبانُ ومُوسى بنُ خَلَفٍ عنْ قَتَادَةَ اخْتَصَرَهُ شُعْبَةُ
أي: تابع سعيد بن أبي عروبة في روايته عن قتادة حجاج بن حجاج، على وزن فعال،
بالتشديد فيهما: الأسلمي الباهلي البصري الأحول، أراد البخاري بذكر متابعة هؤلاء الرد على
من زعم أن الاستسعاء في هذا الحديث غير محفوظ، وأن سعيد بن أبي عروبة تفرد به،
فاستظهر له بمتابعة هؤلاء المذكورين.
أما رواية حجاج بن حجاج فهي في نسخة رواها أحمد بن حفص أحد شيوخ البخاري
عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان عنه، وكذلك رواه حجاج بن أرطأة عن قتادة فقد أخرجها

١٢٣
٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (٦)
الطحاوي، وقال: حدثنا روح بن الفرج، قال: حدثنا يوسف بن عدي، قال: حدثنا عبد
الرحمن بن سليمان الرازي عن حجاج بن أرطأة عن قتادة، فذكر مثله، أي: مثل رواية سعيد
ابن أبي عروبة عن قتادة، وقد ذكر آنفاً.
وأما رواية أبان، فقد أخرجها أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا أبان، قال:
حدثنا قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة قال: قال النبي، عَ لِّ: ((من
أعتق شقيصاً في مملوكه فعليه أن يعتقه كله إن كان له مال، وإلّ استسعى العبد غير مشقوق
عليه)). ورواه النسائي أيضاً والطحاوي.
وأما رواية موسى بن خلف فقد أخرجها الخطيب في كتاب (الفصل للوصل) من
طريق أبي ظفر عبد السلام بن مطهر عنه عن قتادة عن النضر، ولفظه: ((من أعتق شقصاً له في
مملوك فعليه خلاصه إن كان له مال، فإن لم يكن له مال استسعى غير مشقوق عليه)).
وموسى بن خلف، بالخاء المعجمة واللام المفتوحتين: العمي، بفتح العين المهملة وتشديد
الميم: كان يعد البدلاء.
وأما من رواية شعبة فأخرجها مسلم والنسائي من طريق غندر عن قتادة بإسناده ولفظه
عن النبي، عَّةِ، في المملوك بين الرجلين فيعتق أحدهما نصيبه، قال: يضمن.
٦ - بابُ الخَطَلِ والتّسْيانِ في العَتَاقَةِ والطَّلاقِ ونَحْوِهِ
أي: هذا باب في بيان حكم الخطأ والنسيان في العتق والطلاق، والخطأ ضد العمد،
فقال الجوهري: الخطأ نقيض الصواب، وقد يمد، وقرىء بهما في قوله تعالى: ﴿ومن قتل
مؤمناً خطأ﴾ [النساء: ٩٢]. تقول: أخطأت وتخطأت، بمعنى واحد، ولا يقال: أخطيت، وقال
ابن الأثير: وأخطأ يخطىء: إذا سلك سبيل الخطأ عمداً أو سهواً، ويقال: خطىء بمعنى أخطأ
أيضاً، وقيل: خطىء إذا تعمد، وأخطأ إذا لم يتعمد، ويقال لمن أراد شيئاً ففعل غيره أو فعل
غير الصواب: أخطأ. والنسيان خلاف الذكر والحفظ، ورجل نسيان، بفتح النون: كثير
النسيان للشيء، وقد نسيت الشيء نسياناً، وعن أبي عبيدة: النسيان الترك، قال تعالى: ﴿نسوا
الله فنسيهم﴾ [التوبة: ٦٧]. وقد ذكرت في (شرح معاني الآثار) الذي ألفته: أن الخطأ في
الإصطلاح هو الفعل في غير قصد تام، والنسيان معنى يزول به العلم من الشيء مع كونه
ذاكراً لأمورٍ كثيرة، وإنما قيل ذلك احترازاً عن النوم والجنون والإغماء، وقيل: النسيان عبارة
عن الجهل الطارىء، ويقال؛ المأتى به إن كان على جهة ما ينبغي فهو الصواب، وإن كان لا
على ما ينبغي نظر، فإن كان مع قصد من الآتي به يسمى الغلط، وإن كان من غير قصد منه،
فإن كان يتنبه بأيسر تنبيه يسمى السهو، وإلاّ يسمى الخطأ. قوله: ((ونحوه))، أي: نحو ما
ذكر من العتاقة والطلاق من الأشياء التي يريد الرجل أن يتلفظ بشيء منها. فيسبق لسانه إلى
غيره، وقال بعضهم: ((ونحوه))، أي: من التعليقات. قلت: هذا التفسير ليس بظاهر ولا له
معنىّ يفيد صورة الخطأ في العتاق إن أراد التلفظ بشيء فسبق لسانه، فقال لعبده: أنت حر،

١٢٤
٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (٦)
وكذلك في الطلاق، قال لامرأته: أنت طالق، بعد أن أراد التلفظ بشيء، وقال أصحابنا: طلاق
الخاطىء والناسي والهازل واللاعب والذي يكلم به من غير قصد واقع، وصورة الناسي فيما
إذا حلف ونسي، وقال الداودي: النسيان لا يكون في الطلاق ولا العتاق إلاَّ أن يريد أنه حلف
بهما على فعل شيء ثم نسي يمينه وفعله، فهذا إنما يوضع فيه النسيان إذا لم يذكر فيه يمينه،
كما توضع الصلاة عمن نسيها إذا لم يذكرها حتى يموت، وكذلك ديون الناس وغيرها لا
يأثم بتركها ناسياً. قال ابن التين: هذا من الداودي على مذهب مالك، رحمه الله تعالى. وفي
(التوضيح): وقد اختلف العلماء في الناسي في يمينه: هل يلزمه حنث أم لا؟ على قولين:
أحدهما: لا، وهو قول عطاء وأحد قولي الشافعي، وبه قال إسحاق، وإليه ذهب البخاري في
الباب. وثانيهما: وهو قول الشعبي وطاوس: من أخطأ في الطلاق فله نيته، وفيه قول ثالث:
يحنث في الطلاق خاصة، قاله أحمد، وذهب مالك والكوفيون إلى أنه يحنث في الخطأ
أيضاً، وادعى ابن بطال أنه الأشهر عن الشافعي، وروي ذلك عن أصحاب ابن مسعود.
واختلف ابن القاسم وأشهب فيما إذا دعا رجل عبداً يقال له ناصح، فأجابه عبد يقال له
مرزوق، فقال له: أنت حر، وهو يظن الأول، وشهد عليه بذلك، فقال ابن القاسم: يعتقان
جميعاً: مرزوق بمواجهته بالعتق، وناصح بما نواه، وأما فيما بينه وبين الله فلا يعتق إلاّ ناصح.
وقال ابن القاسم: إن لم يكن له عليه بينة لم يعتق إلاَّ الذي نوى، وقال أشهب: يعتق مرزوق
فيما بينه وبين الله تعالى، وفيما بينه وبين الله لا يعتق ناصح، لأنه دعاه ليعتقه فأعتق غيره
وهو يظنه مرزوقاً.
ولاَ عَتَاقَةَ إِلاَّ لِوَجْهِ الله تعالى
روى الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعاً: لا طلاق إلاَّ لعدة، ولا عتاق إلاَّ لوجه
الله، ومعنى: لا عتاقة إلاّ لوجه الله، أي: لذات الله أو لجهة رضاء الله، قيل: أراد البخاري
بإيراد هذا الرد على الحنفية في قولهم: إذا قال الرجل لعبده: أنت حر للشيطان أو للصنم،
فإنه يعتق لصدوره من أهله مضافاً إلى محله عن ولاية فنفذ، ولغت تسمية الجهة وكان عاصياً
بها. والجواب عنه من وجهين: أحدهما: تصحيح الحديث المذكور، والآخر: بعد التسليم
أن المراد به أن يكون نية المعتق الإخلاص فيها، لأن الأعمال بالنيات، فإذا لم يكن خالصاً
في نيته يكون عاصياً بذكر غير الله، كما ذكرنا، وترك هذا لا يمنع وقوع العتق لقضية: أنت
حر، والباقي لغو.
وقال النبيُّ عَّهِ لِكُلِّ امْرِىءٍ ما نَوَى
هذا قطعة من حديث عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، قد مر في أول الكتاب
بلفظ: ((وإنما لكل امرىء ما نوى)). وأورده في أواخر كتاب الإيمان: ((ولكل امرىء ما نوى».
فإن قلت: ما مراده من ذكر هذه القطعة ههنا؟ قلت: كأنه أراد به تأكيد ما سبق من عدم وقوع
العتاق إذا كان لغير وجه الله، لأن الأعمال بالنيات، ولكنه لا يفيد شيئاً، لأن النية أمر مبطن ووقوع

١٢٥
٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (٦)
الإعتاق غير متوقف عليه، بل الوقوع بمقتضى الكلام الصحيح، فلا يمنعه تسمية الجهة اللغو.
ولاَ نِيَّةَ لِلنَّاسِي وَالْمُخْطِىء
كأنه استنبط من قوله: ((لكل امرىء ما نوى))، عدم وقوع العتاق من الناسي والمخطىء
لأنه لا نية لهما، وفيه نظر، لأن الوقوع إنما هو بمقتضى كلام صحيح صادر من عاقل بالغ،
والمخطىء من: أخطأ من أراد الصواب فصار إلى غيره، ووقع في رواية القابسي: الخاطىء
من خطأ، وهو من تعمد لما لا ينبغي. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون أشار بالترجمة إلى ما
ورد في بعض الطرق، وهو الحديث الذي يذكره أهل الفقه والأصول كثيراً بلفظ: ((رفع الله
عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عباس، إلاَّ أنه
بلفظ: وضع، بدل: رفع. انتهى. قلت: كأنه أشار إلى هذا الحديث الذي أخبر بأن الخطأ
والنسيان رفعا عن أمته، فلا يترتب على الناسي والمخطىء حكم، وذلك لعدم النية فيهما،
والأعمال بالنيات، فإذا كان كذلك لا يقع العتاق من الناسي والمخطىء، وكذلك الطلاق،
وهو قول الشافعي، لأنه لا اختيار له فصار كالنائم والمغمى عليه، قلنا: الاختيار أمر باطن لا
يوقف عليه إلاّ بحرج فلا يصح تعليق الحكم عليه، أما هذا الحديث فإنه صحيح، فأخرجه
الطحاوي بإسناد رجاله رجال الصحيح غير شيخه، حيث قال: حدثنا ربيع المؤذن، قال:
حدثنا بشر بن بكر، قال: أخبرنا الأوزاعي عن عطاء عن عبيد بن عمير عن ابن عباس، رضي
الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله عَّه: تجاوز الله لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما
استكرهوا عليه، فهذا هو الصحيح، والذي أعله إنما أعل إسناد ابن ماجه الذي أخرجه عن
محمد بن المصفى الحمصي: حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي عن عطاء عن ابن
عباس عن النبي عَّله، أن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، فهذا كما
ترى أسقط: عبيد بن عمير، وأيضاً أعله بأنه من رواية الوليد عن الأوزاعي، والصحيح طريق
الطحاوي، وأخرج نحوه الدارقطني والطبراني والحاكم، ورواه ابن حزم من طريق الربيع
وصححه، وقال النووي في الأربعين: هو حديث حسن صحيحٍ. قوله: ((تجاوز الله)) أي: عنا
الله. قوله: ((لي))، أي: لأجلي، وذلك لأنه لم يتجاوز ذلك إلاَّ عن هذه الأمة لأجل سيدنا
محمد، عَّهِ. قوله: ((الخطأ والنسيان))، أي: حكمهما في حق الله لا في حقوق العباد، لأن
في حقه عذراً صالحاً لسقوطه، حتى قيل إن الخاطىء لا يأثم، فلا يؤاخذ بحد ولا قصاص.
وأما في حقوق العباد فلم يجعل عذراً حتى وجب ضمان العدوان على الخاطىء، لأنه ضمان
مال لا جزاء فعل، ووجب به الدية وصح طلاقه وعتاقه.
١٢/ ٢٥٢٨ - حدّثنا الحُمَيْدِيُّ قال حدَّثنا سُفْيانُ قال حدَّثنا مِسْعَرٌ عنْ قَتادَةَ عنْ
زُرَارَةَ بنِ أَوْفَى عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قالِ قال النبيُّ عَّهِ إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي
عنْ أَمَّتِي ما وسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُها ما لَمْ تَعْمَلْ أوْ تَكَلَّمْ. [الحديث ٢٥٢٨ - أطرافه في:
٦٦٦٤،٥٢٦٩].

١٢٦
٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (٦)
قيل: لا مطابقة بين الحديث والترجمة، لأنه ليس فيه شيء يطابق الترجمة، لأن
حديث أبي هريرة في وسوسة الصدور، ولو ذكر حديث ابن عباس المذكور الآن لكان
أنسب، وأجاب الكرماني بشيء يقرب منه أخذ وجه المطابقة حيث قال: أولا: ما وجه تعلق
الحديث بالوسوسة؟ ثم قال: قلت: القياس على الوسوسة، فكما أنها لا اعتبار لها عند عدم
التوطين، فكذلك الناسي والمخطىء، لا توطين لهما.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: الحميدي، بضم الحاء نسبة إلى حميد، أحد أجداد
الراوي، وهو عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله بن أسامة بن عبد الله بن الزبير بن
حميد أبو بكر. الثاني: سفيان بن عيينة. الثالث: مسعر، بكسر الميم وسكون السين وفتح
العين المهملة: ابن كدام. الرابع: قتادة. الخامس: زرارة، بضم الزاي وتخفيف الراء: ابن أبي
أوفى - بلفظ: أفعل التفضيل - العامري، مات فجاءة سنة ثلاث وتسعين، وقيل: كان يصلي
صلاة الصبح فقرأ ﴿يا أيها المدثر﴾ [المدثر: ١]. إلى أن بلغ ﴿فإذا نقر في الناقور﴾ [المدثر:
٨]. خر ميتاً. السادس: أبو هريرة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
ثلاثة مواضع. وفيه: أن شيخه وشيخ شيخه مكيان، والحميدي قد مر في أول (الصحيح).
وفيه: حدثنا الحميدي، ويروى: حدثني بصيغة الإفراد. وفيه: أن مسعراً وقتادة كوفيان، وأن
زرارة بصري قاضي البصرة» وليس له في البخاري إلاَّ أحاديث يسيرة. وفيه: عن زرارة، وفي
الأيمان والنذور: حدثنا زرارة.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الطلاق عن مسلم بن
إبراهيم وفي النذور عن خلاد بن يحيى. وأخرجه مسلم في الإيمان عن قتيبة وسعيد بن منصور
ومحمد بن عبيد وعن عمرو الناقد وزهير بن حرب وعن ابن المثنى وابن بشار وعن أبي بكر
ابن أبي شيبة وعن زهير بن حرب عن وكيع وعن إسحاق بن منصور. وأخرجه أبو داود في
الطلاق عن مسلم بن إبراهيم به. وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة به. وأخرجه النسائي في
الطلاق عن عبيد الله بن سعيد وعن موسى بن عبد الرحمن وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي
بكر بن أبي شيبة به وعن حميد بن مسعدة وعن هشام بن عمار.
ذكر معناه: قوله: ((إن الله تجاوز لي عن أمتي)) وفي رواية الترمذي: ((تجاوز الله
لأمتي)). قوله: ((لي)) أي: لأجلي. قوله: ((ما وسوست به صدورها))، جملة في محل النصب
على المفعولية، وكلمة: ما، موصولة، و: وسوست، صلتها و: به، عائد و: صدورها، بالرفع
فاعل وسوست، وفي رواية الأصيلي بالنصب على أن: وسوست، تضمن معنى: حدثت،
ويأتي في الطلاق بلفظ: ما حدثت به أنفسها. وفي رواية الترمذي: عما حدثت به أنفسها.
وفي رواية للنسائي: ((إن الله تجاوز لأمتي ما وسوست به وحدثت به أنفسها)). وقال
الطحاوي: وأهل اللغة يقولون: أنفسها، بالضم يريدون بغير اختيارها، كما قال الله تعالى:
﴿ونعلم ما توسوس به نفسه﴾ [ق: ١٦]. واعترض عليه بأن قوله: بالضم، ليس بجيد، بل

١٢٧
٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (٦)
الصواب: بالرفع، لأنها حركة إعراب. قلت: ليس هذا موضع المناقشة بالرد عليه لأن الرفع
هو الضم في الأصل، غاية ما في الباب أن النحاة يستعملون في الإعراب الرفع، وفي البناء
الضم، بل يستعمل كل منهما موضع الآخر، خصوصاً عند الفقهاء الوسوسة: حديث النفس
والأفكار، وقد وسوست إليه نفسه وسوسة ووسواساً بالكسر، وهو بالفتح الاسم، ووسوس إذا
تكلم بكلام لم يبينه، حاصله أن الوسوسة تردد الشيء في النفس من غير أن تطمئن إليه
وتستقر عنده. قوله: ((ما لم تعمل)) أي: في العمليات ((أو تكلم)) في القوليات. وأما قول ابن
العربي: إن المراد بقوله: ما لم تكلم، الكلام النفسي، إذ هو الكلام الأصلي وأن القول
الحقيقي هو الوجود بالقلب للعلم، فهو مردود عليه، وإنما قاله تعصباً لما حكى عن مذهبه من
وقوع الطلاق بالعزم، وإن لم يتلفظ. وحكاه عن رواية أشهب عن مالك في الطلاق والعتق
والنذر أنه يكفي فيه عزمه وقوله وجزمه في قلبه بكلامه النفسي الحقيقي، ونصر ذلك بأن
اللسان معبر عما في القلب، فما كان يملكه الواحد كالنذر والطلاق والعتاق كفى فيه عزمه،
وما كان من التصرفات بين اثنين لم يكن بد من ظهور القول، وهذا في غاية البعد، وقد
نقضه الخطابي على قائله بالظهار وغيره، فإنهم أجمعوا على أنه: لو عزم على الظهار لم يلزمه
حتى يلفظ به، قال: وهو في معنى الطلاق، وكذلك لو حدث نفسه بالقذف لم يكن قذفاً،
ولو حدث نفسه في الصلاة لم يكن عليه إعادة، وقد حرم الله تعالى الكلام في الصلاة، فلو
كان حديث النفس في معنى الكلام لكانت صلاته تبطل، وقال عمر، رضي الله تعالى عنه:
إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة وممن قال بأن: طلاق النفس لا يؤثر، عطاء بن أبي رباح
وابن سيرين والحسن وسعيد بن جبير والشعبي وجابر بن زيد وقتادة والثوري وأبو حنيفة
وأصحابه والشافعي وأحمد وإسحاق.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: أن هذه المجاوزة من خصائص هذه الأمة، وأن الأمم
المتقدمة يؤاخذون بذلك، وقد اختلف: هل كان ذلك يؤاخذ به في أول الإسلام؟ ثم نسخ
وخفف ذلك عنهم، أو تخصيص وليس بنسخ، وذلك قوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم
أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ [البقرة: ٢٨٤]. فقد قال غير واحد من الصحابة، منهم أبو هريرة
وابن عباس: إنها منسوخة، بقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦].
فإن قيل: قالوا: من عزم على المعصية بقلبه، وإن لم يعملها، يؤاخذ عليه. وأجيب: بأنه لا
شك أن العزم على المعصية وسائر الأعمال القلبية كالحسد ومحبة إشاعة الفاحشة يؤاخذ
عليه، لكن إذا وطّن نفسه عليه، والذي في الحديث هو: ما لم يوطن عليه نفسه وإنما أمر
ذلك بفكره من غير استقرار، ويسمى هذا هماً، ويفرق بين الهم والعزم. فإن قيل: المفهوم من
لفظ: ما لم تعمل، مشعر بأن ما في الصدور موطناً وغير موطن لا يؤاخذ عليه. وأجيب: بأنه
يجب الحمل على غير الموطن جمعاً بينه وبين ما يدل على المؤاخذة، كقوله تعالى: ﴿إِن
الذين يحبون أن تشيع الفاحشة﴾ [النور: ١٩]. وأيضاً: لفظ الوسوسة لا يستعمل إلاَّ عند
التردد والتزلزل. وقال عياض: الهمّ ما يمر في الفكر من غير استقرار ولا توطن، فإن استمر

١٢٨
٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (٧)
وتوطن عليه عزماً يؤاخذ به أو يثاب عليه. وقال القرطبي: الذي ذهب إليه هو الذي عليه عامة
السلف وأهل العلم والفقهاء والمحدثين والمتكلمين، ولا يلتفت إلى من خالفهم في ذلك.
فزعم أن ما يهم به الإنسان - وإن وطن به ــ لا يؤاخذ به متمسكاً في ذلك بقوله تعالى:
﴿ولقد همت به وهم بها﴾ [يوسف: ٢٤]. وبقوله عَّ له: ((ما لم تعمل أو تكلم، ومن لم
يعمل بما عزم عليه ولا نطق به، فلا. الجواب عن و: الآية أن من الهمّ ما يؤاخذ به الإنسان،
وهو ما استقر واستوطن، ومنه ما يكون أحاديث لا تستقر، فلا يؤاخذ بها كما شهد به
الحديث، والذي يرفع الإشكال ويبين المراد حديث أبي كبشة عمرو بن سعد: سمع سيدنا
رسول الله عَ لّهِ ... فذكر حديثاً فيه: قالت الملائكة: ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر
به. وزعم الطبري أن فيه دلالة على أن الحفظة يكتبون أعمال القلوب خلافاً لمن قال: لا
يكتبونها ولا يكتبون إلاَّ الأعمال الظاهرة، وبه استدل بعضهم على أنه إذا كتب بالطلاق وقع
من قوله ما لم يعمل، والكتابة عمل، وهو قول محمد بن الحسن وأحمد بن حنبل، وشرط
مالك فيه الإشهاد على الكتابة، وجعله الشافعي كناية إن نوى به الطلاق وقع، وإلاَّ فلا،
وفرض بعضهم بين أن يكتبه في بياض كالرق والورق واللوح، وبين أن يكتبه على الأرض
فأوقعه في الأول دون الثاني، وفيه نظر.
٢٥٢٩/١٣ _ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كثيرٍ عنْ سُفْيانَ قال حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعيدٍ عن
مُحَمَّدٍ بِنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْكِيِّ عنْ عَلْقَمَةَ بنِ وَقَّاصِ اللَّيْنِي قال سَمِعْتُ عُمَرَ بِنَ الخَطَّابِ رضي
الله تعالى عنهُ عنِ النِيٌّ عَُّلَهُ قال الأعْمَالُ بالنِّيَّةِ ولاِمْرِىءٍ ما نَوَى فَمَنْ كانتُ هِجْرَتُهُ إلى
الله ورسولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى الله ورسولِهِ ومَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا
فَهِجْرَتُه إلى ما هاجَرَ إِلَيْهِ. [انظر الحديث ١ وأطرافه].
قد مر هذا الحديث في أول الكتاب فإنه أخرجه هناك: عن الحميدي عن سفيان ...
إلى آخره، وهنا: عن محمد بن كثير - ضد قليل - عن سفيان هو الثوري.
قوله: ((الأعمال بالنية ولامریء ما نوی))، كذا أخرجه محمد بن کثیر بخلاف: إنما،
في الموضعين. وقد أخرجه أبو داود عن محمد بن كثير شيخ البخاري فيه، فقال: ((إنما
الأعمال بالنية وإنما لامرىء ما نوى)). قوله: ((إلى دنيا)) في رواية الكشميهني: للدنيا، وهي
رواية أبي داود أيضاً، ووجه إعادة هذا الحديث وذكره هنا لأجل ذكر قطعة منه، وهو قوله:
قال النبي عَّ له: لكل امرىء ما نوى، وقد ذكرنا وجه ذكر القطعة، وللإشارة أيضاً إلى أنه
أخرج هذا الحديث من شيخين والله أعلم بالصواب.
٧ - بابٌ إذَا قال رَجُلٌ لِعَبْدِهِ هُوَ لله ونَوَى الْعِثْقَ، والإِشْهَادُ في العِثْقِ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا قال رجل لعبده هو الله، هذا هكذا روى الأصيلي وكريمة،
وفي رواية غيرهما: باب إذا قال لعبده، الفاعل مضمر، وهو رجل أو شخص. قوله: ((ونوى
العتق))، أي: والحال أنه نوى عتق العبد بهذا اللفظ، وجواب إذا محذوف تقديره: صح أو

١٢٩
٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (٧)
عتق العبد. قوله: ((والإشهاد)) بالرفع، وفيه حذف تقديره: وباب يذكر فيه الإشهاد في العتق،
فيكون ارتفاعه بالفعل المقدر، وتكون هذه الجملة - أعني: قولنا: وباب يذكر فيه الإشهاد
على العتق - معطوفة على: باب إذا قال أي باب يذكر فيه، إذا قال، ولفظ: باب، منون في
الظاهر، وفي المقدر، وهذا هو الوجه، ومن جر الإشهاد فقد جر ما لا يطيق حمله.
٢٥٣٠/١٤ _ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله بنٍ ثُمَيْرٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ بِشْرٍ عنْ إسْمَاعِيلَ
عنْ قَيْسٍ عِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّهُ لَمَّا أَقْبَلَ يُرِيدُ الإِسْلامَ وَمَعَهُ غُلامُهُ ضَلَّ كُلُّ
وَاحِدٍ مِنْهُما مِنْ صاحِبِهِ فَأقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ وأَبُوٍ هُرَيْرَةَ جَالِسْ مَعَ النَّبِيِّ عَ لِّ فَقال النبي عَّ له يا
أَبَا هُرَيْرَةَ هَذَا غُلاَمُكَ قَدْ أَتَاكَ فقال أما أَنِّي أَشْهِدُكَ أَنَّهُ حُرٍّ فَهْوَ حِينَ يَقُولُ:
يا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وعَنائِها
علَى أنها مِنْ دَارَةِ الكُفْرِ نَجَّتِ
مطابقته للترجمة في قوله: ((أما أني أشهدك أنه حر))، وهذا الحديث من أفراده.
وإسماعيل هو ابن أبي خالد الأحمسي البجلي، واسم أبي خالد سعد، وقيس هو ابن
أبي حازم، بالحاء المهملة والزاي: واسمه عوف، قدم المدينة بعدما قبض النبي، عَ لّهِ،
وهؤلاء كلهم کوفیون.
قوله: ((يريد الإسلام)) جملة حالية، وكذلك قوله: ((ومعه غلامه))، جملة حالية إسمية
أي: ومع أبي هريرة. قوله: ((ضل))، أي: تاه كل واحد منهما ذهب إلى ناحية وفسره الكرماني
بقوله: ضاع، وتبعه بعضهم على ذلك وليس معناه إلاَّ ما ذكرناه. قوله: ((أما))، بفتح الهمزة
وتخفيف الميم وتستعمل هذه الكلمة على وجهين: أحدهما: أن تكون حرف استفتاح بمنزلة
أَلا. والثاني: أن تكون بمعنى حقاً. وأما، هنا على هذا المعنى. قوله: ((أني))، بفتح الهمزة
كما تفتح الهمزة بعد قولهم: حقاً، لأنها بمعناه. قوله: ((فهو حين يقول))، أي: الوقت الذي
وصل فيه إلى المدينة. قوله: ((يا ليلة))، هذا من بحر الطويل، وقد دخله الخرم، بالخاء
المعجمة المفتوحة وسكون الراء، وهو حذف الحرف من أول الجزء، وللطويل ثمانية أجزاء
وقد حذف الحرف من أول جزئه وهو: يا ليلة، لأن تقديره: فيا ليلة، لأن وزنه فيالي: فعولن،
لة من طو: مفاعيلن، لها و: فعول، عنائها: مفاعلن. وفيه القبض، وقول الكرماني: ولا بد من
زيادة واو أوفاء في أول البيت ليكون موزوناً، كلام من يقف على علم العروض، لأن ما جاز
حذفه كيف يقال فيه لا بد من إثباته؟ قوله: ((عنائها))، بفتح العين المهملة وبتخفيف النون
وبالمد: أي تعبها ومشقتها. قوله: ((دارة الكفر))، هي دار الحرب، والدارة أخص من الدار،
ويروى: ((داره))، بالإضافة إلى الضمير، وحينئذ يكون الكفر بدلاً منه بدل الكل من الكل،
وكثيراً ما تستعمل الدارة في أشعار العرب، كما قال امرؤ القيس:
ولا سيما يوم بدارة جلجل
ودارات كثيرة، وقال أبو حاتم عن الأصمعي: الدارة جوفة تحف الجبال، وقال عنه في
موضع آخر: الدارة رمل مستدير قدر ميلين تحفه الجبال. وقال الهجري: الدارة النبكة السهلة
عمدة القاري /ج ١٣ /م٩

١٣٠
٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (٧)
حفتها جبال، ومقدار الدارة خمسة أميال في مثلها. قلت: النبكة، بفتح النون والباء الموحدة
والكاف: وهي أكمة محددة الرأس، ويجمع على: نبك، بالتحريك. فإن قلت: الشعر لمن؟
قلت: ظاهره أنه لأبي هريرة، ولكنه غير مشهور بالشعر. وحكى ابن التين: أنه لغلامه، وحكى
الفاكهي في (كتاب مكة): عن مقدم بن حجاج السوائي أن البيت المذكور لأبي مرئد
الغنوي في قصة له، فإذا كان كذلك يكون أبو هريرة قد تمثل به. والله أعلم.
وقال المهلب: لا خلاف بين العلماء فيما علمت إذا قال رجل لعبده: هو حر، أو: هو
لله، ونوى العتق أنه يلزمه العتق. وكل ما يفهم به عن المتكلم أنه أراد به العتق لزمه ونفذ
عليه، وروى ابن أبي شيبة عن هشيم عن مغيرة: أن رجلاً قال لغلامه: أنت لله. فسئل الشعبي
والمسيب بن رافع وحماد بن أبي سليمان، فقالوا: هو حر. وعن إبراهيم كذلك، وقال
إبراهيم: وإن قال: إنك لحر النفس، فهو حر، وعن الحسن: إذا قال: ما أنت إلاَّ حر، نيته.
وعن الشعبي مثله.
وقال ابن بطال: فيه: العتق عند بلوغ الأمل والنجاة مما يخاف، كما فعل أبو هريرة
حين أنجاه الله من دار الكفر ومن ضلاله في الليل عن الطريق، وكان إسلام أبي هريرة في
سنة ست من الهجرة.
٢٥٣١/١٥ - حدّثنا عُبَيْدُ الله بنُ سَعِيدٍ قال حدَّثنا أبو أُسامَةَ قال حدَّثنا إسْمَاعِيلُ عنْ
قَيْسٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ عَِّ قُلْتُ فِي الطَّريقِ:
يا لَيْلَةً مِنْ طُولِها وعَنَائِهَا
علَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الكُفْرِ نَجَّتِ
قال وأبَقَ مِنِّي غُلامٌ لِي في الطّريقِ قال فَلَمَّا قَدِمْتُ علَى النبيِّ عَ لَِّ بَايَعْتُهُ فِبَيْنَا أَنَا
عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ الغُلامُ فقال لي رسولُ الله عَ لَّهِ يا أبا هُرَيْرَةَ هذَا غُلامُكَ فَقُلْتُ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ
الله فأعْتَقْتُهُ. [انظر الحديث ٢٥٣٠ وطرفيه].
هذا طريق آخر أخرجه عن عبيد الله - بتصغير العبد - ابن سعيد السرخسي اليشكري،
يكنى أبا قدامة، مات سنة أربع وعشرين ومائتين، وهذا هو المشهور في الروايات كلها. وأبو
أسامة حماد بن أسامة. وإسماعيل وقيس ذكرا في الحديث السابق.
قوله: ((وأبق))، بفتح الباء، وحكى ابن القطاع كسرها، ومعناه: هرب. قوله: ((فبينا))، قد
مر غير مرة أنه للمفاجأة، وأضيف إلى الجملة الإسمية، وجوابه قوله: إذ. قوله: ((هذا غلامك))
إما أن يكون وصفه له أو رآه مقبلاً إليه أو أخبره الملك. قوله: ((فأعتقته))، يعني: أعتقه. قوله:
((هو حر لوجه الله)، وليس معناه أنه أعتقه بعد هذا بلفظ آخر، فعلى هذا تكون الفاء فيه
تفسيرية، والأولى أن تكون فاء الفصيحة.
وفيه: جواز قول الشعر وترجيحه من طول ليلته وحمد عاقبته إذ نجاه الله من دار الكفر
وساقه إلى دار الإسلام. ويؤخذ منه جواز إنشاد الشعر يكون فيه شكراً لله تعالى والثناء عليه،

١٣١
٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (٨)
إو لدفع ملل أو لإشغال نفسه عند توحده، أو شعر فيه مدح سيدنا رسول الله عَ ليه أو غيره
بشرط ترك الغلو والإغراق، ولا يجوز إنشاد شعر فيه هجو أحد من المسلمين أو فيه ذكر
أجنبية ووصفها، ونحو ذلك.
قال أبو عَبْدِ الله لَمْ يَقُلْ أَبُو كُرَيْبٍ عنْ أَبِي أُسامَةً حِّ
أبو عبد الله هو البخاري نفسه، يعني: لم يقل أبو كريب محمد بن العلاء أحد
مشايخه في رواية عن أبي أسامة لفظ: حر، بل قال: هو لوجه الله، فأعتقه وقد وصله في
أواخر المغازي. فقال: ((حدثنا محمد بن العلاء، وهو أبو كريب، حدثنا أبو أسامة))، وساق
الحديث، وقال في آخره: هو لوجه الله، فأعتقه. وكذا أخرجه أحمد ومحمد بن سعد عن أبي
أسامة، وما وقع في بعض النسخ من البخاري: هو حر لوجه الله، فهو خطأ لأنه صرح بنفيه
عن شيخه بعينه.
١٦/ ٢٥٣٢ - حدّثنا شِهَابُ بنُ عَبَّادِ قال حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ محُمَيْدٍ عنْ إسْمَاعِيلَ عنْ
قَيْسٍ قال لَمَّا أَقْبَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ ومَعَهُ غُلاَمَهُ وهْوَ يَطْلُبُ الإسْلامَ فَضَلَّ
أَحَدُهُمَا صاحِبَهُ بِهِذَا وقال أما أَنِّي أَشْهِدُكَ أَنَّهُ لله. [انظر الحديث ٢٥٣٠ وطرفيه].
هذا طريق آخر عن شهاب بن عباد، بفتح العين وتشديد الباء: العبدي الكوفي أبو عمرو
عن إبراهيم بن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي من قيس غيلان الكوفي ... إلى آخره. قوله:
((وهو يطلب الإسلام)) جملة حالية، ويحتمل أن يكون حقيقة، وإن لم يسلم وأسلم بعد،
ويحتمل أن يكون المراد يظهر الإسلام. قوله: ((فضل))، أصله التعدية بالحرف لأنه قال في
الطريق الأول. فضل كل واحد منهما عن صاحبه، ويكون نصب ((صاحبَه)) هنا بنزع الخافض،
كما في قوله تعالى: ﴿واختار موسى قومَه سبعين﴾ [الأعراف: ١٥٥]. أي: من قومه، والتقدير
هنا: فضل أحدهما عن صاحبه. وقال الكرماني: وقد جاء متعدياً بنفسه في الأشياء الثابتة،
كما يقال: ضللت المسجد والدار، إذا لم يعرف موضعهما قلت: هذا من باب التوسع، كما
يقال: دخلت المسجد، حتى قيل: إن الصواب: فأضل أحدهما صاحبه.
٨ - بابُ أُمُ الوَلَدِ
أي: هذا باب في بيان حكم أم الولد، ولم يذكر الحكم ما هو، فكأنه تركه للخلاف
فيه. قال أبو عمر: اختلف السلف والخلف من العلماء في عتق أم الولد وفي جواز بيعها،
فالثابت عن عمر، رضي الله تعالى عنه، عدم جواز بيعها، وروي مثل ذلك عن عثمان وعمر
ابن عبد العزيز، وهو قول أكثر التابعين منهم: الحسن وعطاء ومجاهد وسالم وابن شهاب
وإبراهيم، وإلى ذلك ذهب مالك والثوري والأوزاعي والليث وأبو حنيفة والشافعي، في أكثر
كتبه، وقد أجاز بيعها في بعض كتبه، وقال المزني: قطع في أربعة عشر موضعاً من كتبه بأن
لا تباع، وهو الصحيح من مذهبه، وعليه جمهور أصحابه، وهو قول أبي يوسف ومحمد وزفر

١٣٢
٤٩ - کتابُ المِثْقِ / باب (٨)
والحسن بن صالح وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور، وكان أبو بكر الصديق وعلي بن
أبي طالب وابن عباس وابن الزبير وجابر وأبو سعيد الخدري، رضي الله تعالى عنهم، يجيزون
بيع أم الولد، وبه قال داود، وقال جابر وأبو سعيد: ((كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول
الله عٍَّ))، وذكر عبد الرزاق: أنبأنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير سمع جابراً، يقول: ((كنا نبيع
أمهات الأولاد ورسول الله عَّ، فينا لا يرى بذلك بأساً)). وأنبأنا ابن جريج أنبأنا عبد الرحمن
ابن الوليد أن أبا إسحاق الهمداني أخبره أن أبا بكر الصديق «كان يبيع أمهات الأولاد في
إمارته وعمر في نصف إمارته)). وقال ابن مسعود: ((تعتق في نصيب ولدها»، وقد روي ذلك
عن ابن عباس وابن الزبير. قال: وقد روي عن النبي، عَّ، في مارية سريته: لما ولدت
إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، قال: ((أعتقها ولدها))، من وجه ليس بالقوي ولا يثبته أهل
الحديث، وكذا حديث ابن عباس عن النبي، عَّ له، أنه قال: ((أيما أمة ولدت من سيدها فإنها
حرة إذا مات سيدها))، فقيل له: عمن هذا؟ قال: ((عن القرآن هذا))، قال الله تعالى: ﴿يا أيها
الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء: ٥٩]. وكان عمر، رضي
الله تعالى عنه، من أولي الأمر، وقد قال: أعتقها ولدها وإن كان سِقطاً.
قال أبُو هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ عَِّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تَلِدَ الأَمَةِ رَبَّها
هذا التعليق مر موصولاً مطولاً في كتاب الإيمان في: باب سؤال جبريل النبي، عَِّ،
عن الإيمان، وتقدم الكلام فيه هناك. وجه إيراد هذا هنا هو أن منهم من استدل على جواز بيع
أمهات الأولاد، ومنهم من منع ذلك فكان البخاري أراد بذكره هذا الإشارة إلى ذلك، والذي
عليه الجمهور أنه لا يدل على الجواز ولا المنع. وقال النووي في (شرح مسلم) وقد استدل
إمامان من كبار العلماء على ذلك، استدل أحدهما على الإباحة، والآخر على النمنع، وذلك
عجيب منهما، وقد أنكر عليهما فإنه ليس كل ما أخبر، عَّلَّهِ، بكونه من علامات الساعة
يكون محرماً أو مذموماً كتطاول الرعاء في البنيان وفشو المال وكون خمسين امرأة لهن قيم
واحد ليس بحرام بلا شك، وإنما هذه علامات، والعلامة لا يشترط فيها شيء من ذلك، بل
تكون بالخير والشر والمباح والمحرم والواجب وغيره. انتهى. قلت: وجه استدلال المجيز أن
ظاهر قوله: ((ربها))، أن المراد به سيدها لأن ولدها من سيدها يتنزل منزلة سيدها لمصير مآل
الإنسان إلى ولده غالباً، ووجه استدلال المانع أن هذا إخبار عن غلبة الجهل في آخر الزمان
حتى تباع أمهات الأولاد، فيكثر تردد الأمة في الأيدي حتى يشتريها ولدها وهو لا يدري،
فيكون فيه إشارة إلى تحريم بيع أمهات الأولاد، ولا يخفى تعسف الوجهين.
١٧/ ٢٥٣٣ - حدّثنا أبو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال حدَّثني عُرْوَةَ بنُ
الزُّبَيْرِ أنَّ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ إِنَّ عُتْبَةَ بنَ أَبِي وقَّاصٍ عَهِدَ إلى أَخِيهِ سَعْدِ بنِ
أبِي وقَّاصٍ أنْ يَقْبِضَ إِلَيْهِ ابنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ قال عُثْبَةُ إِنَّهُ ابْنِي فَلَمَّا قَدِمَ رسولُ اللهِ عَلَّهِ زَمَنَ
الْفَتْحِ أَخَذَ سَعْدٌ ابنُ ولِيدَةِ زَمْعَةَ فَأُقْبَلَ بِهِ إِلَى رسولِ اللهِ عَ لَّهِ وَأَقْبَلَ معَهُ بِعَبْدٍ بِنِ زَمْعَةً فقالَ

١٣٣
٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (٨)
سَعْدٌ يا رسُولَ اللهِ هَذَا ابْنُ أَخِي عَهِدَ إِلَيَّ أنَّهُ ابْتُهُ فقال عبدُ بنُ زَمْعَةَ يا رسولَ الله هَذَا أَخِي
ابنُّ ولِيدَةِ زَمعَة وُلدَ عَلى فِراشِهِ فَتَظَرَ رسولُ الله عَ لِ إلى ابنُ وليدَةِ زَمْعَةَ فَإِذَا هُوَ أَشْبَهُ النَّاسِ
بهِ فقال رسولُ اللهِ عَِّ هُوَ لَكَ يا عَبْدُ بنَ زَمْعَةَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أبيه وقال
رسولُ اللهِ عَلَّلِ اخْتَجِبِي مِنْهُ يا سَوْدَةُ بنْتَ زَمْعَةَ مِئَّا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ وكانتْ سَوْدَةُ زَوْجَ
النبيِّ عَ لّهِ. [انظر الحديث ٢٠٥٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((هذا أخي، ولد على فراش أبي)) وحكمه، عَّله، بأنه
أخوه، فإن فيه ثبوت أميّة الولد. فإن قلت: ليس فيه تعرض لحريتها ولا لرقبتها. قلت:
الترجمة في باب أم الولد مطلقاً من غير تعرض للحكم، كما ذكرنا فتحصل المطابقة من
هذه الحيثية، وقيل: فيه: إشارة إلى حرية أم الولد لأنه جعلها فراشاً، فسوى بينها وبين الزوجة
في ذلك. وقال الكرماني: زاد في بعض النسخ بعد تمام الحديث، قال أبو عبد الله: سمى
النبي، عَّ له، أمة زمعة أمة ووليدة، فدل على أنها لم تكن عتيقة بهذا الحديث. قلت: هذا
يدل على أن ميله إلى عدم عتق أم الولد بموت السيد، ثم قال الكرماني: وقد يقال غرض
البخاري فيه بيان أن بعض الحنفية لا يقولون بأن الولد للفراش في الأمة إذ لا يلحقون الولد
بالسيد إلاَّ بإقراره، بل يخصصونه بفراش الحرة، فإذا أرادوا تأويل ما في هذا الحديث في
بعض الروايات من أن الولد للفراش يقولون: إن أم الولد المتنازع فيها كانت حرة لا أمة، ثم
إن هذا الحديث مضى في أوائل كتاب البيوع في: باب تفسير الشبهات، ومضى الكلام فيه
هناك، ولكن نذكر هنا بعض شيء لزيادة الفائدة.
وقال ابن بطال: القضية مشكلة من جهة أن عبداً ادعى على أمة ولداً بقوله: أخي، ولم
يأت ببينة تشهد على إقرار أبيه، فكيف قبل دعواه؟ فذهب مالك والشافعي إلى: أن الأمة إذا
وطئها مولاها فقد لزمه كل ولد تجيء به بعد ذلك، ادعاه أم لا. وقال الكوفيون: لا يلزم
مولاها إلاَّ أن يقرّ به، وقال: إن رسول الله عَّ له، قال: ((هو لك))، ولم يقل: هو أخوك، فيجوز
أن يريد به: هو مملوك لك بحق ما لك عليه من اليد، ولهذا أمر سودة بالاحتجاب منه، فلو
جعله، عَّلِ، ابن زمعة لما حجب منه أخته. وقالت طائفة: معناه: هو أخوك كما ادعيت، قضاء
منه في ذلك بعمله، لأن زمعة كان صهره فألحق ولده به لما علمه من فراسته، لا أنه قضى
بذلك لاستلحاق عبد له. وقال الطحاوي: ((هو لك))، أي: بيدك عليه لا إنك تملكه، ولكن
يمنع منه كل من سواك، كما قال في اللقطة: هي لك تدفع غيره عنها حتى يجيء صاحبها،
ولما كان لعبد شريك وهو أخته سودة، ولم يعلم منها تصديق في ذلك، ألزم رسول الله
◌َّ للهِ، عبداً ما أقرّ به على نفسه، ولم يجعل ذلك حجة على أخته، فأمرها بالاحتجاب. وقال
الشافعي: رؤية ابن زمعة لسودة مباحة، لكنه كرهه للشبهة، وأمرها بالتنزه عنه اختياراً. وقال
الطبري: هو كل ملك، يعني عبداً لأنه بان وليدة أبيك، وكل أمة تلد من غير سيدها فولدها
عبد، ولم ينقل في الحديث اعتراف سيدها بوطئها، ولا شهد بذلك عليه، فلم يبق إلاَّ القضاء
بأنه عبد تبيع لأمه، لا أنه قضى له ببينة.

١٣٤
٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (٨)
وأجاب ابن القصار بجوابين: أحدهما: أنه كان يدعى: عبد بن زمعة، أنه حر وأنه أخوه
ولد على فراش أبيه، فكيف يقضي له بالملك؟ ولو كان مملوكاً لعتق بهذا القول. والآخر:
أنه لو قضى له بالملك لم يقل الولد للفراش، لأن المملوك لا يلحق بالفراش، ولكان يقول:
هو ملك لك. وقال المزني: يحتمل أن يكون أجاب فيه على المسألة. فأعلمهم بالحكم أن
هذا يكون إذا ادعى صاحب فراش وصاحب زنا، لا أنه قَبِلَ قول سعد على أخيه عتبة، ولا
على زمعة قول ابنه عبد بن زمعة أنه أخوه، لأن كل أحد منهما أخبر عن غيره، وقد قام
الإجماع على أنه لا يقبل إقرار أحد على غيره، فحكم بذلك ليعرفهم الحكم في مثله إذا
نزل. قوله: ((أخذ سعد ابن وليدة زمعة)) أي: أخذ سعد بن أبي وقاص، وهو مرفوع منون.
وقوله: ((ابن وليدة))، منصوب على أنه مفعول، وينبغي أن يكتب: ابن، بالألف. قوله: ((هو
لك يا عبد بن زمعة))، برفع عبدٍ، ويجوز نصبه، وكذا: ابن، وكذا قوله: يا سودة بنت زمعة.
قلت: أما وجه الرفع والنصب فهو أن توابع المبني المفردة من التأكيد والصفة وعطف البيان
ترفع على لفظه، وتنصب على محله بيانه: أن لفظ عبد في: يا عبد، منادى مبني على الضم،
فإذا أكد أو اتصف أو عطف عليه يجوز فيه الوجهان، كما عرف في موضعه. قوله:
((احتجبي منه يا سودة))، أشكل معناه قديماً على العلماء. فذهب أكثر القائلين بأن الحرامٍ لا
يحرم الحلال، وأن الزنا لا تأثير له في التحريم، وهو قول عبد الملك بن الماجشون، إلاَّ أن
قوله: كان ذلك منه على وجه الاحتياط والتنزه، وأن للرجل أن يمنع امرأته من رؤية أخيها، هذا
قول الشافعي. وقالت طائفة: كان ذلك منه لقطع الذريعة بعد حكمه بالظاهر، فكأنه حكم
بحكمين: حكم ظاهر وهو: الولد للفراش، وحكم باطن، وهو: الاحتجاب من أجل الشبه.
كأنه قال: ليس بأخ لك يا سودة إلاَّ في حكم الله تعالى، فأمرها بالاحتجاب منه. قلت: ومن
هذا أخذ أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد: أن وطء الزنا محرم، وموجب للحكم وأنه
يجري مجرى الوطء الحلال في التحريم منه، وحملوا أمره، عَّهِ، لسودة بالاحتجاب على
الوجوب، وهو أحد قولي مالك. وفي قوله الآخر: الأمر ههنا للاستحباب، وهو قول الشافعي
وأبي ثور، وذلك لأنهم يقولون: إن وطء الزنا لا يحرم شيئاً ولا يوجب حكماً، والحديث
حجة عليهم.
وذكر في حكم أم الولد سبعة أقوال: الأول: يجوز عتقها على مال صرح به ابن
القصار في (فتاويه) الثاني: يجوز بيعها مطلقاً، وقد ذكرنا الخلاف فيه. الثالث: يجوز
لسيدها بيعها في حياته، فإذا مات عتقت، وحكي ذلك عن الشافعي. الرابع: أنها تباع في
الدين، وفيه حديث سلامة بن معقل في (سنن أبي داود). الخامس: أنها تباع، ولكن إن كان
ولدها موجوداً عند موت أبيه سيدها حسب من نصيبه إن كان ثم مشارك له في التركة، وهو
مذهب ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير، رضي الله تعالى عنهم. السادس: أنه يجوز بيعها
بشرط العتق، ولا يجوز بغيره. السابع: أنها إن عَقَّت وأَبِقَتْ لم يجز بيعها، وإن فجرت أو
كفرت جاز بيعها. حكي عن عمر، رضي الله تعالى عنه، وحكى المزني عن الشافعي

١٣٥
٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (٩ و١٠)
التوقف.
٩ - بابُ بَيْعِ المُدَبِّرِ
أي: هذا باب في بيان حكم بيع المدبر: هل يجوز أم لا؟ وقد ذكر هذه الترجمة
بعينها في كتاب البيوع.
١٨/ ٢٥٣٤ _ حدَّثنا آدَمُ بنُ أبي إياسٍ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال حدَّثنا عَمْرُ بنُ دِينارٍ قال
سَمِعْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهُما قال أعْتَقَ رَجُلٌ مِنَّا عَبْدَاً لَهُ عنْ دُبُرٍ فدعا
النبيُّ عَ لّه بِهِ فَبَاعَهُ قال جابِرٌ ماتَ الغُلامُ عامَ أوَّلَ. [انظر الحديث ٢١٤١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، والحديث يوضح حكم الترجمة أيضاً أنه أطلقها، فدل أن
مذهبه جواز بيع المدبر، وقد مر الكلام فيه في كتاب البيوع مستوفىّ.
قوله: ((عن دبر)) بضم الباء الموحدة وسكونها، واسم العبد: يعقوب، والمعتق: أبو
مذكور، والمشتري: نعيم النحام. والثمن ثمانمائة درهم. قوله: ((عام أول))، بالصرف وعدم
الصرف، لأنه إما: أفعل أو فوعل، ويجوز بناؤه على الضم، وهذه الإضافة من إضافة
الموصوف إلى صفته، وأصله عاماً أول، وقد ذكرنا هناك اختلاف العلماء فيه، فلنذكر هنا
أيضاً بعض شيء. فقال قوم: يجوز بيع المدبر ويرجع فيه متى شاء، وهو قول مجاهد
وطاوس، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، واحتجوا بهذا الحديث، قالوا: وهو
مذهب عائشة، رضي الله تعالى عنها، وروي عنها أنها باعت مدبرة لها سحرتها. وقال
آخرون: لا يجوز، روى ذلك عن زيد بن ثابت، وابن عمر، وهو قول الشعبي وسعيد بن
المسيب وابن أبي ليلى والنخعي، وبه قال مالك والثوري والليث والأوزاعي والكوفيون: لا
يباع في دين ولا في غيره إلاّ في دين قبل التدبير، ويباع بعد الموت إذا أغرقه الدين، وكان
التدبير قبل الدين أو بعده، وعن أبي حنيفة: لا يباع في الدين، ولكن يستسعى للغرماء، فإذا
أدى ما لهم عتق، وقال ابن التين: ولم يختلف قول مالك وأصحابه: أن من دبر عبده ولا دين
عليه أنه لا يجوز بيعه ولا هبته ولا نقض تدبيره ما دام حياً، خلافاً للشافعي. وفي (التوضيح)
يخرج المدبر بعد موت سيده من ثلثه. وقال داود: يخرج من جميع المال، فإن لم يحمله
الثلث رق ما لم يحمله الثلث منه. وقال أبو حنيفة: يسعى في فكاك رقبته، فإن مات سيده
وعليه دين سعى للغرماء، ويخرج حياً.
١٠ - بابُ بَيْعِ الوَلاءِ وَهِبَتِهِ
أي: هذا باب في بيان حكم بيع الولاء وهبته: هل يجوز أم لا؟ وحديث الباب يدل
على أنه لا يجوز، والولاء بفتح الواو، وبالمد هو حق إرث المعتق من العتيق، وهذا يسمى:
ولاء العتاقة، وسببه العتق لا الإعتاق، لأنه إذا ورث قريبه يعتق عليه، ويكون ولاؤه له ولو كان
سببه الإعتاق لما ثبت له الولاء، لأنه لم يوجد الإعتاق.

١٣٦
٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (١٠)
١٩/ ٢٥٣٥ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال أخبرني عَبْدُ الله بنُ دِينارٍ قال
سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُما يَقول نَهى رسولُ الله عَّلِ عِنْ بَيْعِ الوَلاءِ وعنْ هِبَيْهِ.
[الحديث ٢٥٣٥ - طرفه في: ٦٧٥٦].
مطابقته للترجمة من حيث إنه بيين الإبهام الذي فيها. وأبو الوليد هشام بن عبد الملك
الطيالسي. والحديث أخرجه مسلم في العتق عن محمد بن المثنى. وأخرجه أبو داود في
الفرائض عن حفص بن عمر. وأخرجه النسائي عن محمد بن عبد الملك قوله: ((نهى رسول
الله عَّهِ))، إلى آخره يعني ولاء العتق وهو ما إذا مات المعتق ورثه معتقه أو ورثة معتقه.
وكانت العرب تبيعه وتهبه، فنهى عنه الشارع لأن الولاء كالنسب، فلا يزول بالإزالة. وفقهاء
الحجاز والعراق مجمعون على أنه: لا يجوز بيع الولاء ولا هبته، وقال ابن المنذر. وفيه قول
ثان: روي أن ميمونة بنت الحارث وهبت ولاء مواليها من العباس، وأن عروة ابتاع ولاء
طهمان لورثة مصعب بن الزبير، وذكر عبد الرزاق عن عطاء أنه: يجوز للسيد أن يأذن لعبده
أن يوالي من شاء، وهذا هو هبة الولاء، وصح من حديث ابن عمر مرفوعاً: الولاء لحمة
كلحمة النسب لا يباع ولا يورث، صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وقال: صحيح
الإسناد، وخالفه البيهقي فأعله، وذكره ابن بطال من حديث إسماعيل بن أمية عن نافع عن
ابن عمر مرفوعاً: الولاء لحمة كالنسب، وأورده ابن التين بزيادة، بلفظ: لا يحل بيعه ولا
هبته، ثم قال: وعليه جماهير أهل العلم، وقام الإجماع على أنه: لا يجوز تحويل النسب، وقد
نسخ الله تعالى المواريث بالتبني بقوله: ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ إلى قوله: ﴿ومواليكم﴾
[الأحزاب: ٥]. ولعن رسول الله عَ ليه، من انتسب إلى غير أبيه، فكان حكم الولاء كحكم
النسب في ذلك، فكما لا يجوز بيع النسب ولا هبته، كذلك الولاء، ولا نقله ولا تحويله،
وإنه للمعتق كما قال عَّه.
٢٥٣٦/٢٠ - حدّثنا عُثْمانُ بنُ أَبِي شَيْبَةً قال حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إِبْرَاهِيمَ
عنِ الأُسْوَدِ عنْ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنهَا قالَتِ اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ فاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلَاءَ فَذَكَرْتُ
ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ عَ لَّهِ فقال أغْتِقِيها فإنَّ الوَلاءَ لِمَنْ أَغْطَى الوَرِقَ فَأَعْتَقْتُها فَدَعاها النبيُّ عَ له
فَخَيَّرَها منْ زَوْجِها فقالَتْ لَوْ أعْطَانِي كَذَا وكذَا ما ثَبَتُّ عِنْدَهُ فاختارَتْ نَفْسَها. [انظر الحديث
٤٥٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله عَ لَّهِ: (فإن الولاء لمن أعطى الورق)) فهذا يدل على
أن الولاء لا ينقل، فإذا لم يجز نقله لا يجوز بيعه ولا هبته.
والحديث مضى في كتاب البيوع في: باب البيع والشراء مع النساء أخرجه من رواية
الزهري عن عروة عن عائشة ومن رواية نافع عن ابن عمر: أن عائشة ساومت، وفي: باب، إذا
اشترط شروطاً في البيع لا يحل، من رواية مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.
وأخرجه هنا عن عثمان عن جرير بن عبد الحميد عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي

١٣٧
٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (١١)
عن الأسود بن يزيد عن عائشة، وأخرجه أيضاً في الفرائض عن محمد بن جرير وفيه أيضاً عن:
موسى بن إسماعيل عن أبي عوانة. وأخرجه الترمذي في البيوع وفي الولاء عن محمد بن
بشار. وأخرجه النسائي في البيوع وفي الطلاق وفي الفرائض عن قتيبة عن جرير به، وذكر
قصة التخيير في البيوع وفي الطلاق دون الفرائض.
قوله: ((بريرة))، بفتح الباء الموحدة وكسر الراء الأولى، وكانت وليدة لبني هلال، كذا
في رواية عبد الرزاق عن ابن جريج عن أبي الزبير عن عروة، قوله: (لمن أعطى الورق))، بفتح
الواو وكسر الراء، وهي الدراهم المضروبة، وفي رواية الترمذي: وإنما الولاء لمن أعطى الثمن
أو لمن معه النعمة. قوله: ((فخيرها من زوجها)) لأن زوجها كان عبداً على الأصح، وإذا كان
زوج الأمة حراً خيرت عندنا أيضاً. وقال مالك والشافعي: لا تخير، وروى مسلم عن عائشة
أن زوجها كان عبداً فخيرها النبي عَّه، وروى البخاري ومسلم أيضاً عنها أن زوج بريرة كان
حراً حين أعتقت، والعمل بهذا أولى لثبوت الحرية لاتفاقهم أنه كان قتل عبداً. ونقول بموجب
الحديثين جمعاً بين الدليلين، ولا فرق في هذا بين القنة وأم الولد والمدبرة والمكاتبة، وزفر
يخالفنا في الكتابة.
١١ - بابٌ إِذَا أُسِرَ أخُو الرَّجُلِ أوْ عَمُّهُ هَلْ يُفادَى إذَا كانَ مُشْرِكاً
أي: هذا باب يذكر فيه إذا أسر أخو الرجل أو عمه هل يفادى؟ من فاداه يفاديه مفاداة:
إذا أعطى فداءه، وأنقذه. وقيل: المفاداة أن يفتكَّ الأسير بأسير مثله، وفي (المغرب): فداه من
الأسر فداءً: استنقذه منه بمال، والفدية اسم ذلك المال، والمفاداة بين اثنين. وقال المبرد:
المفاداة أن تدفع رجلاً وتأخذ رجلاً والفداء أن تشتريه. وقيل: هما بمعنى قلت: يفادى هنا
بمعنى: أن يعطي مالاً ويستنقذ الأسير. قوله: ((إذا كان))، أي: أخوه أو عمه مشركاً من أهل
دار الحرب، وإنما قال البخاري: هل يفادى؟ بالاستفهام على سبيل الاستخبار، ولم يبين حكم
المسألة. واقتصر على ذكر أخي الرجل وعمه من بين سائر ذوي رحمه، وذلك لأنه ترك بيان
حكم المسألة لأجل الخلاف فيه على ما نبينه، وأما اقتصاره على الأخ والعم فلأنه استنبط
من حديث الباب أن الأخ والعم لا يعتقان على من ملكهما، وكذلك ابن العم، لأن النبي
عَِّ قد ملك من عمه العباس ومن ابن عمه عقيل بالغنيمة التي له فيها نصيب، وكذلك
علي، رضي الله تعالى عنه، قد ملك من أخيه عقيل وعمه العباس ولم يعتقا عليه.
وأما بيان الاختلاف فيمن يعتق على الرجل إذا ملكه، فذهب مالك إلى أنه لا يعتق
عليه إلاَّ أهل الفرائض في كتاب الله تعالى، وهم: الولد ذكراً كان أو أنثى، وولد الولد، وإن
سفلوا، وأبوه وأجداده وجداته من قبل الأب والأم وإن بعدوا، وإخوته لأبوين أو لأب أو لأم،
وبه قال الشافعي إلاَّ في الأخوة: فإنهم لا يعتقون، وحجته فيه: أن عقيلاً كان أخا علي،
رضي الله تعالى عنه، فلم يعتق عليه بما ملك من نفسه من الغنيمة منه. وعند الحنفية: كل من
ملك ذا رحم محرم منه عتق عليه، وذو الرحم المحرم كل شخصين يدليان إلى أصل واحد

١٣٨
٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (١١)
بغير واسطة: كالأخوين، أو أحدهما بواسطة، والآخر بواسطتين، كالعم وابن العم، ولا
يعتق ذو رحم غير محرم كبني الأعمام والأخوال وبني العمات والخالات، ولا محرم
غير ذي رحم كالمحرمات بالصهرية، أو الرضاع إجماعاً، ويقول الحنفية قال أحمد
وعنه كقول الشافعي. وفي (حاوي) الحنابلة: ومن ملك ذا رحم محرم عتق عليه،
وعنه: لا يعتق إلاَّ عمود النسب.
وحجة الحنفية في هذا ما رواه الأئمة الأربعة من حديث سمرة بن جندب، قال أبو
داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل قالا: حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن
الحسن عن سمرة بن جندب عن النبي عَّه، وقال موسى في موضع آخر: عن سمرة بن
جندب فیما یحسب حماد، قال: قال رسول الله عليه: «من ملك ذا رحم محرم فهو حر)،
وقال الترمذي: حدثنا عبد الله بن معاوية الجمحي البصري حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة
عن الحسن عن سمرة: أن رسول الله عَّم قال: ((من ملك ذا رحم محرم فهو حر. وقال
النسائي: أخبرنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا حجاج وأبو داود، قالا: حدثنا حماد عن قتادة
عن الحسن عن سمرة: أن النبي عَّه قال: ((من ملك ذا محرم فهو حر))، وقال ابن ماجه:
حدثنا عقبة بن مكرم وإسحاق بن منصور، قالا: حدثنا محمد بن بكر البرساني عن حماد بن
سلمة عن قتادة وعاصم عن الحسن عن سمرة بن جندب عن النبي عَّه قال: ((من ملك ذا
رحم محرم فهو حر))، وقال بعضهم: أشار البخاري بترجمة هذا الباب إلى تضعيف حديث
سمرة هذا، واستنكره ابن المديني، ورجح الترمذي إرساله، وقال البخاري: لا يصح. وقال أبو
داود: وتفرد به حماد، وكان يشك في وصله، وغيره يرويه عن قتادة عن الحسن. قوله: وعن
قتادة عن عمر قوله: منقطعاً، أخرج ذلك النسائي.
قلت: ما وجه دلالة هذه الترجمة على ضعف هذا الحديث؟ فما هذه الدلالة؟ هل هي
لفظية أو عقلية؟ والحديث أخرجه الحاكم في (المستدرك) من طريق أحمد بن حنبل عن
حماد بن سلمة عن عاصم الأحول وقتادة عن الحسن عن سمرة مرفوعاً، وسكت عنه، ثم
أخرجه عن ضمرة بن ربيعة عن سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر مرفوعاً: ((من ملك
ذا رحم فهو حر)). وقال: هذا حديث حسن صحيح على شرط الشيخين، والمحفوط: عن
سمرة بن جندب، وصححه أيضاً ابن حزم وابن القطان، وقال ابن حزم: هذا خبر صحيح تقوم
به الحجة كل من رواته ثقات. انتهى. ولئن سلمنا ما قالوا، فما يقولون في حديث ضمرة بن
ربيعة عن سفيان الثوري وهذا فيه الكفاية فى الاحتجاج؟ فإن قلت: قالوا: تفرد به ضمرة.
قلت: ليس انفراده به دليلاً على أنه غير محفوظ ولا يوجب ذلك علة فيه، لأنه من الثقات
المأمونين لم يكن بالشام رجل يشبهه، كذا قال أحمد بن حنبل. وقال ابن سعد: كان ثقة
مأموناً لم يكن هناك أفضل منه، وقال ابن يونس: كان فقيه أهل فلسطين في زمانه. والحديث
إذا انفرد به مثل هذا كان صحيحاً، ولا يضره تفرده.

١٣٩
٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (١١)
وقالَ أنَسّ قال العَبَّاسُ لِلْنَّبِيِّ عَ لّهِ: فَأَدَّيْتُ نَفْسِي وفاديْتُ عَقيلاً
هذا التعليق جزء من حديث مضى في كتاب الصلاة في: باب القسمة، وتعليق القنو
في المسجد. أخرجه هناك فقال: قال إبراهيم بن طهمان عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس،
قال: أتي النبي، عَّ ◌ُله، بمال من البحرين ... الحديث، وفيه: جاءه العباس فقال: يا رسول الله!
أعطني، فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلاً ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي موصولاً، فقال:
أخبرني أبو الطيب محمد بن محمد بن عبد الله، حدثنا محمد بن عصام حدثنا حفص بن
عبد الله حدثنا إبراهيم بن طهمان ... إلى آخره وعباس عم النبي، معَّهِ، لما أسر في وقعة بدر
فادى نفسه بمائة أوقية من ذهب، قاله ابن إسحاق، وقال ابن كثير في (تفسيره): وهذه المائة
عن نفسه وعن بني أخيه عقيل ونوفل، وروى هشام بن الكلبي عن أبيه عن ابن عباس، قال:
فدى العباس نفسه بأربعة آلاف درهم، وكانوا يأخذون من كل واحد من الأسرى أربعين
أوقية، فقال رسول الله عَّله: أضعفوها على العباس، فقال: تركتني فقيراً ما عشت أسأل الله.
قال رسول الله عَّ له: ((فأين المال الذي تركته عند أم الفضل))، وذكره فقال: يا ابن أخي من
أعلمك؟ فوالله ما كان عندنا ثالث. فقال: ((أخبرني الله))، فقال أشهد أنك لصادق وما علمت
أنك رسول الله قبل اليوم، وأسلم وأمر إبني أخيه، فأسلما. قال ابن عباس: وفيه نزل: ﴿يا أيها
النبي قل لمن في أيديكم من الأسارى أن يعلم الله في قلوبكم﴾ [الأنفال: ٧٠]. الآية، وقال
ابن إسحاق: عن يزيد بن رومان عن عروة عن الزهري عن جماعة، سماهم. قالوا: بعثت
قريش إلى رسول الله عَّهِ في فداء أسرائهم، فقدى كل قوم أسيرهم بما رضوا، وقال العباس:
يا رسول الله قد كنت مسلماً. فقال رسول الله عَ ليه: ((الله أعلم بإسلامك، فإن يكن كما
تقول فالله يجزيك، وأما ظاهرك فقد كان علينا فافتدِ نفسك وابني أخيك نوفل بن الحارث
ابن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب، وحليفك عتبة بن عمرو أخي بني
الحارث بن فهر)) قال: ما ذاك عندي يا رسول الله! قال: ((فأين المال الذي دفنته أنت وأم
الفضل؟ قال: فقلت لها: إن أصبت في سفري هذا فهذا المال الذي دفنته لبني الفضل وعبد
الله وقثم)) قال: والله إني لأعلم أنك رسول الله إن هذا شيء ما علمه أحد غيري وغير أم
الفضل، فاحسب لي يا رسول الله ما أصبتم مني عشرين أوقية من مال كان معي. فقال رسول .
الله عٍَّ: لا، ذاك شيء أعطانا الله منك، فقدى نفسه وابني أخويه وحليفه، فأنزل الله عز
وجل فيه: ﴿يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسارى ... ﴾ [الأنفال: ٧٠]. الآية قال
العباس: فأعطاني الله مكان العشرين أوقية في الإسلام عشرين عبداً، كلهم في يده مال
يضرب به مع ما أرجو من مغفرة الله، عز وجل.
واختلفوا في الذي أسر العباس، فقيل: ملك من الملائكة، وقيل: أسره أبو اليسر كعب
ابن عمرو وأخو بني سلمة الأنصاري وكان العباس جسيماً وأبو اليسر مجموعاً، فقال له النبي
مَّ الِ: ((كيف أسرت العباس؟» فقال: أعانني عليه رجل ما رأيته قط، فقال رسول الله عَ لَه:
((أعانك عليه ملك كريم)). وقيل أسره عبيد الله بن أوس الأنصاري من بني ظفر وسمي:
بمقرن، قال الواقدي: وإنما سمي به لأنه قرن بين العباس ونوفل وعقيل بجبل، فلما رآهم رسول

١٤٠
٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (١١)
الله عَ بله قال: ((لقد أعانك عليهم ملك كريم))، وقال إبن إسحاق ولما أسر العباس بات رسول
الله عَ لَّهِ ساهراً تلك الليلة، فقيل له: ما لك لا تنام؟ فقال: ((يمنعني أمر العباس))، وكان موثقاً
بالقيد، فأطلقوه فنام رسول الله عَێٍ.
وكانَ عَلِيٌّ لَهُ نَصِيبٌ في تِلْكَ الْغَنِيمَةِ الَّتِي أصابَ مِنْ أَخِيهِ عَقِيلٍ ومِنْ عَمِّهِ
عَبَّاسِ
هذا من كلام البخاري ذكره في معرض الاستدلال على أنه لا يعتق الأخ ولا العم
بمجرد الملك، إذ لو عتقا لعتق العباس وعقيل على علي، رضي الله تعالى عنه، في حصته من
الغنيمة، وأجيب: بأن الكافر لا يملك بالغنيمة ابتداءً، بل يتخير فيه بين القتل والاسترقاق
والفداء، فلا يلزم العتق بمجرد الغنيمة.
٢١/ ٢٥٣٧ _ حدَّثنا إِسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ إبرَاهِيمَ بنِ عُقْبَةَ
عنْ مُوسى عنِ ابنِ شِهابٍ قال حدَّثني أنس رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رِجَالاً مِنْ الأنْصَارِ
اسْتَأْذَنُوا رسولَ اللهِ عَ لّ فَقالُوا ايْذَنْ لَنَا فَلْنَتْوْ لاِبْنِ أُخْتِنَا عَّاسٍ فِدَاءَهُ فقال لا تَدَعُونَ مِنْهُ
درهماً. [الحديث ٢٥٣٧ - طرفاه في: ٣٠٤٨، ٤٠١٨].
مطابقته للترجمة من حيث إنه مشتمل على حكم من أحكام الفداء، وهو أنه لا فرق
فيه بين القرابة من ذوي الأرحام، وبين القرابة من العصبات، وإسماعيل بن عبد الله هو ابن
أبي أويس.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً عن إسماعيل بن عبد الله في الجهاد، وفي المغازي
عن إبراهيم بن المنذر.
قوله: ((إيذن)) أمر من: أذن يأذن، وأصله: إئذن، بهمزتين فقلبت الهمزة الثانية ياء
لسكونها وانكسار ما قبلها. قوله: ((لابن أختنا))، بالتاء المثناة من فوق، والمراد أنهم أخوال
أبيه عبد المطلب، فإن أم العباس هي: فتيلة، بضم الفاء وفتح التاء المثناة من فوق وسكون
الياء آخر الحروف بنت جناب بفتح الجيم والنون، وهي ليست من الأنصار، وإنما أرادوا
بذلك أن أم عبد المطلب منهم، لأنها سلمى بنت عمرو بن أحيحة بحائين مهملتين مصغر،
وهو من بني النجار وأصل هذا أن هاشماً أبا عبد المطلب لما مر بالمدينة في تجارته إلى
الشام نزل على عمرو بن زيد بن لبيد بن حرام بن خداش بن خندف بن عدي بن النجار
الخزرجي النجاري، وكان سيد قومه، فأعجبته ابنته سلمى فخطيها إلى أبيها فزوجها منه،
واشترط عليه مقامها عنده، وقيل: بل اشترط عليه أن لا تلد إلاَّ عنده بالمدينة، فلما رجع من
الشام بنى بها وأخذها معه إلى مكة. ولما خرج في تجارة أخذها معه وهي حبلى، فتركها
بالمدينة ودخل الشام، فمات بغزة، ووضعت سلمى ولداً فسمته: شيبة، فأقام عند أخواله بني
عدي بن النجار سبع سنين، ثم جاء عمه المطلب بن عبد مناف فأخذه خفية من أمه، فذهب