النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
٤٨ - كتابُ الرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ / باب (٤)
نائلة بفود رأسه، فقال: اضربوا عدو الله، فضربوه فاختلفت عليه أسيافهم، فلم تغن شيئاً، قال
محمد بن مسلمة: فذكرت مغولاً لي في سيفي، والمغول السيف الصغير، فوضعته في ثنته
وتحاملت عليه حتى بلغ عانته، وصاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلاَّ وقد أوقد عليه
نار، ووقع عدو الله، وجئنا آخر الليل إلى رسول الله عَّةٍ، وهو قائم يصلي فأخبرناه بقتله
ففرح، ودعا لنا. وحكى الطبري عن الواقدي، قال: جاؤوا برأس كعب بن الأشرف إلى رسول
الله عَّهِ، وفي كتاب (شرف المصطفى): أن الذين قتلوا كعباً حملوا رأسه في المخلاة إلى
المدينة، فقيل: إنه أول رأس حمل في الإسلام، وقيل: بل رأس أبي عزو الجمحي الذي قال
له النبي عَّله: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، فقتل وحمل رأسه إلى المدينة في رمح، وأما
أول مسلم حمل رأسه في الإسلام فعمر بن الخمق، وله صحبة.
فإن قلت: كيف قتلوا كعباً على وجه الغرة والخداع؟ قلت: لما قدم مكة وحرض
الكفار على رسول الله عَ لّه وشبب بنساء المسلمين فقد نقض العهد، وإذا نقض العهد فقد
وجب قتله بأي طريق كان، وكذا من يجري مجراه كأبي رافع وغيره، وقال المهلب: لم
يكن في عهد من رسول الله عَ ليه، بل كان ممتنعاً بقومه في حصنه، وقال المازري: نقض
العهد وجاء مع أهل الحرب معيناً عليهم، ثم إن ابن مسلمة لم يؤمنه لكنه كلمه في البيع
والشراء فاستأنس به، فتمكن منه من غير عهد ولا أمان. وقد قال رجل في مجلس علي،
رضي الله تعالى عنه: إن قتله كان غدراً، فأمر بقتله فضربت عنقه، لأن الغدر إنما يتصور بعد
أمان صحيح، وقد كان كعب مناقضاً للعهد. قوله: ((وسقاً))، بفتح الواو وكسرها: وهو ستون
صاعاً. قوله: ((أو وسقين))، شك من الراوي. قوله: ((ارهنوني))، فيه لغتان رهن وأرهن،
فالفصيحة: رهن، والقليلة: أرهن. فقوله: ارهنوا على اللغة الفصيحة بكسر الهمزة، وعلى اللغة
القليلة بفتحها.
قوله: ((فيُسب)) على صيغة المجهول، وكذا قوله: رهن بوسق. قوله: ((اللأمة))،
مهموزة: الدرع وقد فسره سفيان الراوي بالسلاح، وقال ابن الأثير: اللأمة الدرع، وقيل:
السلاح، ولأمة الحرب أداته، وقد ترك الهمزة تخفيفاً، وقال ابن بطال: ليس في قولهم:
نرهنك اللأمة، دلالة على جواز رهن السلاح عند الحربي، وإنما كان ذلك من معاريض الكلام
المباحة في الحرب وغيره، وقال السهيلي: في قوله: من لكعب بن الأشرف، فإنه آذى الله
ورسوله؟ جواز قتل من سب النبي عَّه، وإن كان ذا عهد، خلافاً لأبي حنيفة فإنه لا يرى
بقتل الذمي في مثل هذا. قلت: من أين يفهم من الحديث جواز قتل الذمي بالسب؟ أقول:
هذا بحثاً، ولكن أنا معه في جواز قتل الساب مطلقاً.
٤ - بابّ الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ ومَخْلُوبٌ
أي: هذا باب يذكر فيه الرهن مركوب، يعني: إذا كان ظهراً يركب، وإذا كان من
ذوات الدر يحلب، وهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه الحاكم من طريق الأعمش عن أبي

١٠٢
٤٨ - كتابُ الرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ / باب (٤)
صالح عن أبي هريرة: أن رسول الله عَّ له، قال: الرهن مركوب ومحلوب، وقال: إسناده على
شرط الشيخين. وأخرجه ابن عدي في (الكامل) والدارقطني والبيهقي في (سننيهما) من رواية
إبراهيم بن محشر، قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال:
قال رسول الله عَّ له: ((الرهن محلوب ومركوب))، قال ابن عدي: لا أعلم رفعه عن أبي
معاوية غير إبراهيم بن محشر هذا، وله منكرات من جهة الإسناد غير محفوظة.
وقال مُغِيرَةُ عنْ إِبْرَاهِيمَ: تُرْكَبُ الضَّالَّةُ بِقَدْرٍ عَلَفِهَا وَتُخْلَبُ بِقَدْرٍ عَلَفِهَا والرَّهْنُ مِثْلُهُ
مغيرة بضم الميم وكسرها بلام التعريف وبدونها: هو ابن مقسم، بكسر الميم وسكون
القاف، مر في الصوم، وإبراهيم هو النخعي، والضالة ما ضل من البهيمة ذكراً كان أو أنثى.
قوله: (بقدر علفها))، ووقع في رواية الكشميهني: بقدر عملها، والأول أوجه، وهذا التعليق
وصله سعيد بن منصور عن هشيم عن مغيرة به. قوله: ((والرهن)»، أي: المرهون مثله في
الحكم المذكور، يعني: يركب ويحلب بقدر العلف، وهذا أيضاً وصله سعيد بن منصور
بالإسناد المذكور، ولفظه: الدابة إذا كانت مرهونة تركب بقدر علفها، وإذا كان لها لبن
يشرب منه بقدر علفها.
٤ /٢٥١١ _ حدَّثنا أَبُو نُعَيْم قال حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ عنْ عامِرٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله
تعالى عنهُ عنِ النَّبِيِّ عَّهِ أَنَّهُ كانَّ يَقُولُ الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ وَيُشْرَبُ لَبَنُ الدَّرِّ إذَا كانَ
مَرْهُوناً. [الحديث ٢٥١١ - طرفه في: ٢٥١٢].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وزكرياء هو ابن أبي زائدة، وعامر
هو الشعبي وليس للشعبي عن أبي هريرة في البخاري إلاَّ هذا الحديث، وآخر في تفسير
الزمر، وعلق له ثالثاً في النكاح.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً عن محمد بن مقاتل في الرهن. وأخرجه أبو داود في
البيوع عن هناد. وأخرجه الترمذي فيه عن أبي كريب ويوسف ابن عيسى. وأخرجه ابن ماجه
في الأحكام عن أبي بكر بن أبي شيبة.
ذكر طرق هذا الحديث: ولما رواه الترمذي قال: وقد روى غير واحد هذا الحديث
عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة موقوفاً، ورواه كذلك: سفيان بن عيينة وشعبة
ووكيع. فأما حديث ابن عيينة فرواه الشافعي عنه، ومن طريق البيهقي. وأما حديث شعبة
فرواه البيهقي من رواية مسلم بن إبراهيم عنه. وأما حديث وكيع فرواه البيهقي أيضاً من رواية
إبراهيم بن عبد الله العبسي عنه، وورد مرفوعاً من طرق أخرى. منها: ما رواه ابن عدي في
(الكامل)، وقد ذكرناه عن قريب. ومنها: ما رواه الدارقطني من رواية يحيى بن حماد
والبيهقي من رواية شيبان بن فروخ، كلاهما عن أبي عوانة عن الأعمش عن أبي صالح عن
أبي هريرة مرفوعاً، ورجاله كلهم ثقات. ومنها: ما رواه ابن عدي في (الكامل) من رواية يزيد
ابن عطاء عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً ويزيد ضعيف. ومنها: ما رواه ابن

١٠٣
٤٨ - كتابُ الرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ / باب (٤)
عدي أيضاً من رواية الحسن بن عثمان بن زياد التستري عن خليفة بن خياط وحفص بن
عمر الرازي عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة
مرفوعاً، وقال: هذا عن الثوري عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مسنداً منكر جداً.
والبلاء من الحسن بن عثمان فإنه كذاب. ومنها: ما رواه ابن عدي أيضاً من رواية أبي
الحارث الوراق عن شعبة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً، وقال: أبو
الحارث هذا بصري، وقال ابن طاهر: روي عن أبي عوانة وعيسى بن يونس وأبي معاوية
وشعبة والثوري مرفوعاً وموقوفاً، والأصح الموقوف. وقال الدارقطني: رفعه أبو الحارث نصر
ابن حماد الوراق عن شعبة عن الأعمش، وروى عن وهب بن جرير أيضاً مرفوعاً، وغيرهما
يرويه عن شعبة موقوفاً، وهو الصواب. قال: ورفعه أيضاً لوين عن عيسى بن يونس عن
الأعمش، والمحفوظ عن الأعمش وقفه على أبي هريرة، وهو أصح، ورواه خلاد الصفار عن
منصور عن أبي صالح مرفوعاً، وغيره يقفه، وهو أصح، وعند ابن حزم من حديث زكرياء عن
الشعبي عنه مرفوعاً: إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها ولبن الدر يشرب، وعلى
الذي يشرب نفقته ويركب. وقال: هذه الزيادة إنما هي من طريق إسماعيل بن الصائغ مولى
بني هاشم عن هشيم، فالتخليط من قبله لا من قبل هشيم، قلت: إسماعيل هذا احتج به
مسلم، وتابعه زياد بن أيوب عند الدارقطني، ويعقوب الدوري عند البيهقي.
ذكر معناه: قوله: ((الرهن يركب))، أي: المرهون يركب، وهو على صيغة المجهول،
والمراد الظهر، وبيَّنه في الطريق الثاني حيث قال: الظهر يركب. قوله: ((بنفقته))، أي: بمقابلة
نفقته، يعني يركب وينفق عليه. قوله: ((ويشرب))، على صيغة المجهول أيضاً. قوله: ((لبن
الدر))، بفتح الدال المهملة وتشديد الراء، وهو مصدر بمعنى: الدارة، أي: ذات الضرع، وقال
بعضهم: وقوله: لبن الدر، من إضافة الشيء إلى نفسه، وهو كقوله تعالى: ﴿حب الحصيد﴾
[ق: ٩]. قلت: إضافة الشيء إلى نفسه لا تصح إلاّ إذا وقع في الظاهر فيؤول، وقد ذكرنا أن
المراد بالدر: الدارة، فلا يكون إضافة الشيء إلى نفسه، لأن اللبن غير الدارة، وكذلك يؤول
في ﴿حب الحصيد﴾ [ق: ٩].
ذكر ما يستفاد منه: احتج بهذا الحديث إبراهيم النخعي والشافعي وجماعة الظاهرية
على: أن الراهن يركب المرهون بحق نفقته عليه. ويشرب لبنه، كذلك، وروي ذلك أيضاً عن
أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، وقال ابن حزم في (المحلى): ومنافع الرهن كلها لا تحاشى
منها شيئاً لصاحب الرهن له كما كانت قبل الرهن، ولا فرق حاشى ركوب الدابة المرهونة
وحاشى لبن الحيوان المرهون. فإنه لصاحب الرهن إلاَّ أن يضيعهما فلا ينفق عليهما وينفق
على كل ذلك المرتهن، فيكون له حينئذ الركوب واللبن بما أنفق لا يحاسب به من دينه، كثر
ذلك أو قل، وذلك لأن ملك الراهن باقٍ في الرهن لم يخرج عن ملكه، لكن الركوب
والاحتلاب خاصة لمن أنفق على المركوب والمحلوب، لحديث أبي هريرة انتهى. وقال
الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ومالك وأحمد في رواية: ليس للراهن ذلك لأنه ينافي

١٠٤
٤٨ - كتابُ الرَّهْنِ في الْحَضَرِ / باب (٤)
حكم الرهن، وهو الحبس الدائم، فلا يملكه، فإذا كان كذلك فليس له أن ينتفع بالمرهون
استخداماً وركوباً ولبناً وسكنى وغير ذلك، وليس له أن يبيعه من غير المرتهن بغير إذنه، ولو
باعه توقف على إجازته، فإن أجازه ويكون الثمن رهناً، سواء شرط المرتهن عند الإجازة أن
يكون مرهوناً عنده أو لا. وعن أبي يوسف: لا يكون رهناً إلاَّ بشرط، وكذا: ليس للمرتهن أن
ينتفع بالمرهون حتى لو كان عبداً لا يستخدمه أو دابة لا يركبها أو ثوباً لا يلبسه أو داراً لا
يسكنها أو مصحفاً ليس له أن يقرأ فيه وليس له أن يبيعه إلاَّ بإذن الراهن. وقال الطحاوي في
الاحتجاج لأصحابنا: أجمع العلماء على أن نفقة الرهن على الراهن لا على المرتهن، وأنه
ليس على المرتهن استعمال الرهن. قال: والحديث - يعني: الحديث الذي احتج به الشافعي
ومن معه - مجمل فيه لم يبين فيه الذي يركب ويشرب، فمن أين جاز للمخالف أن يجعله
للراهن دون المرتهن؟ ولا يجوز حمله على أحدهما إلاَّ بدليل، قال: وقد روى هشيم عن
زكرياء عن الشعبي عن أبي هريرة، ذكر أن النبي، عَّ له قال: ((إذا كانت الدابة مرهونة فعلى
المرتهن علفها ولبن الدر يشرب وعلى الذي يشرب نفقتها ويركب))، فدل هذا الحديث أن
المعنى بالركوب وشرب اللبن في الحديث الأول هو المرتهن لا الراهن، فجعل ذلك له
وجعلت النفقة عليه بدلاً مما يتعوض منه، وكان هذا عندنا - والله أعلم - في وقت ما كان
الربا مباحاً، ولم ينه حينئذ عن القرض الذي يجر منفعة، ولا عن أخذ الشيء لشيء وإن كانا
غير متساويين، ثم حرم الربا بعد ذلك وحرم كل قرض جر منفعة.
وأجمع أهل العلم أن نفقة الرهن على الراهن لا على المرتهن، وأنه ليس للمرتهن
استعمال الرهن، قال: ويقال لمن صرف ذلك إلى الراهن فجعل له استعمال الرهن: أيجوز
للراهن أن يرهن رجلاً دابةً هو راكبها؟ فلا يجد بدّاً من أن يقول: لا، فيقال له: فإذا كان
الرهن لا يجوز إلاَّ أن يكون مخلى بينه وبين المرتهن فيقبضه ويصير في يده دون يد الراهن،
كما وصف الله تعالى بقوله: ﴿فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣]. فيقول: نعم، فيقال له: فلما
لم يجز أن يستقبل الرهن على ما الراهن راكبه لم يجز ثبوته في يده بعد ذلك رهناً بحقه إلاَّ
كذلك أيضاً، لأن دوام القبض لا بد منه في الرهن إذا كان الرهن إنما هو إحباس المرتهن
للشيء المرهون بالدين، وفي ذلك أيضاً ما يمنع استخدام الأمة الرهن لأنها ترجع بذلك إلى
حال لا يجوز عليها استقبال الرهن.
وحجة أخرى: أنهم قد أجمعوا أن الأمة الرهن ليس للراهن أن يطأها، وللمرتهن منعه
من ذلك، فلما كان المرتهن يمنع الراهن من وطئها، كان له أيضاً أن يمنعه بحق الرهن من
استخدامها. انتهى. قلت: الطحاوي أطلق قوله: قد أجمعوا ... إلى آخره، وقد قال بعض
أصحاب الشافعي: للراهن أن يطأ الآيسة والصغيرة، لأنه لا ضرر فيه، فإن علة المنع الخوف
من أن تلد منه، فتخرج بذلك من الرهن، وهذا معدوم في حقهما، والجمهور على خلاف
ذلك، ثم إن خالف فوطىء فلا حد عليه لأنها ملكه، ولا مهر عليه، فإذا ولدت صارت أم ولد
له وخرجت من الرهن وعليه قيمتها حين أحبلها، ولا فرق بين الموسر والمعسر، إلا أن

١٠٥
٤٨ - كتابُ الرَّهْنِ في الْحَضَرِ / باب (٤)
الموسر تؤخذ قيمتها منه، والمعسر يكون في ذمته قيمتها، وهذا قول أصحابنا والشافعي
أيضاً. وقال ابن حزم: قال الشافعي: إن رهن أمة فوطئها فحملت، فإن كان موسراً خرجت من
الرهن ويكلف رهناً آخر مكانها، وإن كان معسراً، فمرة قال: يخرج من الرهن ولا يكلف رهناً
مكانها ولا تكلف هي شيئاً، ومرة قال: تباع إذا وضعت ولا يباع الولد ويكلف رهن آخر.
وقال أبو ثور: هي خارجة من الرهن ولا يكلف لا هو ولا هي شيئاً، سواء كان موسراً أو
معسراً. وعن قتادة: أنها تباع ويكلف سيدها أن يفتكَّ ولده منها. وعن ابن سيرين: أنها
استسعيت، وكذلك العبد المرهون إذا أعتق. وقال مالك: إن كان موسراً كلف أن يأتي
بقيمتها فتكون القيمة رهناً وتخرج هي من الرهن، وإن كان معسراً، فإن كانت تخرج إليه
وتأتيه فهي خارجة من الرهن ولا يتبع بغرامة ولا يكلف هو رهناً مكانها، لكن يتبع بالدين
الذي عليه، وإن كان تسور عليها بيعت هي وأعطي هو ولده منها. وقال أبو حنيفة وأصحابه:
إن حملت وأقر بحملها، فإن كان موسراً خرجت من الرهن وكلف قضاء الدين إن كان حالاً،
أو كلف رهناً بقيمتها إن كان إلى أجل، وإن كان معسراً كلفت أن تستسعى في الدين الحال
بالغاً ما بلغ، ولا ترجع به على سيدها، ولا يكلف ولدها سعاية، وإن كان الدين إلى أجل
كلفت أن تستسعى في قيمتها فقط، فجعلت رهناً مكانها، فإذا حل أجل الدين كلفت من
قبل أن تستسعي في باقي الدين إن كانت أكثر من قيمتها، وإن كان السيد استلحق ولدها
بعد وضعها له وهو معسر، قسم الدين على قيمتها يوم ارتهنها، وعلى قيمة ولدها يوم
استلحقه، فما أصاب للأم سعت فيه بالغاً ما بلغ للمرتهن، ولم ترجع به على سيدها، وما
أصاب الولد سعي في الأقل من الدين أو من قيمته ولا رجوع به على أبيه، ويأخذ المرتهن
كل ذلك.
وقال صاحب (التوضيح): هذا الحديث حجة على أبي حنيفة قلت: سبحان الله! هذا
تحكم، وكيف يكون حجة عليه وقد ذكرنا وجهه؟ على أن الشعبي، هو الراوي عن أبي
هريرة في هذا الحديث، قد روى عنه الطحاوي: حدثنا، فهذا قال: حدثنا أبو نعيم، قال:
حدثنا الحسن بن صالح عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي، قال: لا ينتفع في الرهن
بشيء، فهذا الشعبي يقول هذا، وقد روى عن أبي هريرة عن النبي عَّهِ، الحديث المذكور
أفيجوز عليه أن يكون أبو هريرة يحدثه عن النبي عَّله، بذلك ثم يقول هو بخلافه؟ وليس
ذلك إلاَّ وقد ثبت نسخ هذا الحديث عنده. والله أعلم.
٢٥١٢/٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ قال أُخْبَرَنا عبدُ الله بنُ الْمُبَارَكِ قال أخبرنا
زَكَرِيَّاءُ عن الشَّغْبِيِّ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال قال رسولُ اللهِعََِّّ الرَّهنُ
يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونَاً وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كانَ مَرْهُوناً وعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ
ويَشْرَبُ النَّفَقَّةُ. [انظر الحديث ٢٥١١].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وهذا طريق آخر في الحديث المذكور أخرجه محمد بن
مقاتل الرازي عن عبد الله بن المبارك المروزي عن زكرياء بن أبي زائدة عن عامر الشعبي،

١٠٦
٤٨ - كتابُ الرَّهْنِ في الْحَضَرِ / باب (٥ و٦)
وقد مر الكلام فيه عن قريب.
قوله: ((الظهر يركب))، ويروى: ((الرهن يركب))، ومراده بالرهن أيضاً: الظهر، بقرينة:
يركب.
٥ - بابُ الرَّهْنِ عِنْدَ الْيَهُودِ وغَيْرِهِمْ
أي: هذا باب في بيان حكم الرهن عند اليهود وغيرهم مثل النصارى والحربي
المستأمن.
٦ /٢٥١٣ - حدَّثْنَا قُتَيْبَةُ قال حدَّثنا جَرِيرٌ عنِ الأعْمَشِ عنْ إِبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ
عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتِ اشْتَرَى رسولُ اللهِ عَلَّهِ مِنْ يَهُودِيّ طَعاماً ورهَنَهُ دِرْعَهُ.
[انظر الحديث ٢٠٦٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، والحديث قد تكرر ذكره، لا سيما عن قريب.
٦ - بابٌ إِذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ والْمُرْتَهِنُ ونَحْوُهُ
فَالْبَيِّنَةُ عَلى الْمُدَّعِي والْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عليْهِ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا اختلف الراهن والمرتهن، مثل ما إذا اختلفا في مقدار الدين
والرهن قائم، فقال الراهن: رهنتك بعشرة دنانير، وقال المرتهن: بعشرين ديناراً. فقال الثوري
وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: القول قول الراهن مع يمينه، لأنه
ينكر الزيادة، والبينة على المدعي وهو المرتهن. وعن الحسن وقتادة: القول قول المرتهن ما
لم يجاوز دينه قيمة رهنه. قوله: ((ونحوه)) أي: ونحو اختلاف الراهن والمرتهن، مثلٍ
اختلاف المتبايعين، وغيره، ثم اختلفوا في تفسير المدعي، فقيل: المدعي من لا يستحق إلاّ
بحجة كالخارج، وقيل: المدعي من يتمسك بغير الظاهر، وقيل: المدعي من يذكر أمراً خفياً
خلاف الظاهر. وقيل: المدعي من إذا ترك ترك، وهذا هو الأحسن لكونه جامعاً ومانعاً.
والمدعى عليه من يستحق بقوله من غير حجة كصاحب اليد، وقيل: من يتمسك بالظاهر،
وقيل: من إذا ترك لا يترك بل يجبر، وهذا أيضاً أحسن ما قيل فيه.
٧ / ٢٥١٤ - حدّثنا خَلاَّدُ بنُ يَخْتَى قال حدَّثنا نافِعُ بنُ عُمرَ عنِ ابنٍ أَبِي مُلَيْكَةً قال
كَتَبْتُ إلى ابنِ عَبَّاسٍ فَكَتَبَ إِلَيَّ أنَّ النبيِّ عَُّلِّ قَضَى أَنَّ الْيَمِينَ علَى الْمُدَّعَى عليْهِ.
[الحديث ٢٥١٤ - طرفاه في: ٢٦٦٨، ٤٥٥٢].
..
مطابقته لجزء الترجمة، وهو قوله: ((واليمين على المدعى عليه)). وخلاد، بفتح
الخاء المعجمة وتشديد اللام: ابن يحيى بن صفوان أبو محمد السلمي الكوفي، وهو من
أفراده، ونافع بن عمر بن عبد الله الجمحي من أهل مكة، وابن أبي مليكة هو عبد الله بن
عبيد الله بن أبي مليكة، واسمه: زهير بن عبد الله أبو محمد المكي الأحول، كان قاضياً

١٠٧
٤٨ - كتابُ الرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ / باب (٦)
لابن الزبير ومؤذناً له.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الشهادات عن أبي نعيم، وفي التفسير عن نصر بن
علي. وأخرجه مسلم في الأحكام عن أبي الطاهر ابن السرح وعن أبي بكر بن أبي شيبة.
وأخرجه أبو داود في القضايا عن القعنبي عن نافع بن عمر مختصراً. وأخرجه الترمذي في
الأحكام عن محمد بن سهيل. وأخرجه النسائي في القضاء عن علي بن سعيد عن محمد بن
عبد الأعلى. وأخرجه ابن ماجه في الأحكام عن حرملة بن يحيى عن ابن وهب في معناه ..
قوله: ((كتبت إلى ابن عباس)) يعني: كتبت إليه أسأله في قضية امرأتين ادعت
إحداهما على الأخرى، على ما يجيء في تفسير سورة آل عمران. قوله: ((فكتب إلى ... ))
إلى آخره: الكتابة حكمها حكم الاتصال لا الانقطاع، والخلاف فيها معروف في علوم
الحديث، وقد قال بصحته أيوب ومنصور وآخرون، وهو الصحيح المشهور كما قال ابن
الصلاح، وهو الصحيح أيضاً عند الأصوليين، كما ذكره في المحصول، وفي الصحيح عدة
أحاديث، من ذلك: قال البخاري في الأيمان والنذور: كتب إلى محمد بن بشار، وعند
مسلم: أن جابر بن سمرة كتب إلى عامر بن سعد بن أبي وقاص بحديث رجم الأسلمي،
وذهب أبو الحسن بن القطان إلى انقطاع الرواية بالكتابة، وأنكر عليه في ذلك، وممن ذهب
إلى عدم صحة الكتابة: الماوردي، كما ذهب إليه في الإجارة. قوله: ((قضى أن اليمين على
المدعى عليه))، قيل: إن البخاري حمله على عمومه، خلافاً لمن قال: إن القول في الرهن
قول المرتهن ما لم يجاوز قدر الرهن، لأن الرهن كالشاهد للمرتهن. وقال الداودي: الحديث
خرج مخرج العموم وأريد به الخصوص، وقال ابن التين: والأولى أن يقال: إنها نازلة في عين
والأفعال لا عموم لها كالأقوال في الأصح، وقد جاء في حديث: إلاَّ في القسامة، أي: فإنها
على المدعي إذا قال: دمي عند فلان، وادعى ابن التين أن الشافعي وأبا حنيفة وجماعة من
متأخري المالكية أبوا ذلك، ثم قال: وقيل: يحلف المدعي وإن لم يقل الميت: دمي عند
فلان، وهو قول شاذ لم يقله أحد من فقهاء الأمصار. وقالت فرقة: لا يجب القتل إلاَّ ببيّنة أو
اعتراف القاتل. قلت: قوله: وقد جاء في الحديث ((إلاَّ في القسامة)) هو حديث رواه ابن عدي
في (الكامل)، والدارقطني من رواية مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج عن عطاء عن أبي
هريرة: أن رسول الله عَّه، قال: البينة على المدعي واليمين على من أنكر، إلاَّ في
القسامة.
٨/ ٢٥١٥ _ ٢٥١٦ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سعيدٍ قال حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُور عنْ أبِي
وائِلٍ قال قال عبدُ الله رضي الله تعالى عنه مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِها مالاً وهْوَ فِيها
فَاجِرٌ لَقِيَ الله وهُوَ عَلَيْهِ غَضْبانٌ فأنْزَلَ الله تَصْدِيقَ ذَلِكَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله
وأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ فقَرَأَ إلَى ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]. ثُمَّ إِنَّ الأُشْعَثَ بنَ قَيْسٍ
خَرَجُ إِلَيْنَا فقال ما يُحَدِّثُكُم أَبُو عَبْدِ الرَّحْمنِ قال فَحَدَّثناهُ قال فقال صَدَقَ لَغِيَّ والله أُنْزِلَثْ
كانَتْ بَيْنِي وبَيْنَ رَجُلٍ خُصومَةٌ فِي بِئِرٍ فَاخْتَصَمْنا إلى رسولِ اللهِ عَ له فقال رسولُ اللهِ عَلَّه

١٠٨
كتاب الرهن في الحَضَرِ / باب (٦)
شاهِدُكَ أَوْ يَمِينُهُ قُلْتُ إِنَّهُ إِذَاً يَخْلِفَ ولا يُبَالي فقال رسولُ اللهِ عَ لَّهِ مِنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ
يَسْتَحِقُّ بِها مالاً وهْوَ فيها فاجِرٌ لَقِيَ الله وهْوَ عَلَيْهِ غَضْبان فَأَنْزَلَ الله تَصْدِيقَ ذَلِكَ ثُمَّ اقْتَرَّأَ
لهذِهِ الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ إلى ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل
عمران: ٧٧]. [انظر الحديثين ٢٣٥٦ و٢٣٥٧ وأطرافهما].
مطابقته للترجمة في قوله: ((شاهدك أو يمينه)) والحديث مضى في كتاب الشرب في:
باب الخصومة في البئر، فإنه أخرجه هناك: عن عبدان عن أبي حمزة عن الأعمش عن شقيق
عن عبد الله ... إلى آخره. وأخرجه هنا عن قتيبة عن جرير بن عبد الحميد عن منصور بن
المعتمر عن أبي وائل، هو شقيق بن سلمة، قوله: ((قال: قال عبد الله))، هو عبد الله بن
مسعود. قوله: ((وهو فيها فاجر)) أي: كاذب، وهو من باب الكناية، إذ الفجور لازم الكذب،
والواو في: وهو، للحال. قوله: ((غضبان))، وإطلاق الغضب على الله تعالى من باب المجاز،
إذ المراد لازمه، وهو إرادة إيصال العذاب. قوله: ((ثم إن الأشعث))، بفتح الهمزة وسكون
الشين المعجمة وفتح العين المهملة وبالثاء المثلثة. قوله: ((أبو عبد الرحمن))، هو كنية عبد
الله بن مسعود. قوله: ((فحدثناه))، بفتح الدال. قوله: ((لفي))، بفتح اللام وكسر الفاء وتشديد
الياء. قوله: ((أنزلت))، ويروى: نزلت. قوله: ((شاهدك))، ويروى: شاهداك. قوله: ((إذاً يحلف)»،
بنصب الفاء، وقد مر البحث فيه هناك مستقصّى.

بِسم الله الرّحمنِ الرَّحِيمِ
٤٩ - كتابُ العِثْقِ
أي: هذا كتاب في بيان أحكام العتق، هذا هكذا هو في رواية المستملي، ولكنه
ذكره قبل البسملة، وفي رواية الأكثرين هكذا: بسم الله الرحمن الرحيم في العتق وفضله،
وفي رواية ابن شبويه: بسم الله الرحمن الرحيم، باب في العتق، وفي رواية النسفي: كتاب
العتق: باب ما جاء في العتق وفضله. العتق لغة: القوة، من عتق الطائر إذا قوي على جناحيه،
وفي الشرع: عبارة عن قوة شرعية في مملوك، وهي إزالة الملك عنه، والرق ضعف شرعي
يثبت في المحل فيعجزه عن التصرفات الشرعية، ويسلبه أهلية القضاء والشهادة والسلطنة
والتزوج، وغير ذلك، والعتاق اسم للعتق، يقال: أعتقت العبد أعتقه إعتاقا وعتاقة، والإعتاق
إثبات العتق عند أبي يوسف، ومحمد، وعند أبي حنيفة: إثبات الفعل المفضي إلى حصول
العتق.
١ - بابُ ما جاءَ في العتقِ وفَضْلِهِ وقَوْلِ الله عزَّ وَجلَّ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إِطْعَامٌ في
يَوْمِ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣ - ١٥].
أي: هذا باب في بيان ما جاء في أمر العتق، وفي بيان فضله. قوله: ((وقول الله عز
وجل))، بالجر عطفاً على قوله: في العتق. قوله: ﴿فك رقبة﴾ [البلد: ١٣ - ١٥]. أولها قوله:
﴿فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة﴾ [البلد: ١١ - ١٣]. الضمير في: فلا
اقتحم، يرجع إلى الإنسان في قوله: ﴿لقد خلقنا الإنسان﴾ [البلد: ٤]. المراد منه: الوليد
ابن المغيرة، فإنه كان يقول: أهلكت مالاً كثيراً في عداوة محمد عَّ له، فقال الله عز وجل:
﴿أيحسب﴾ أي: أيظن هذا ﴿أن لم يره﴾ أي: أن لم ير ما أنفقه ﴿أحد﴾ [البلد: ٧]. من
الناس؟ ثم ذكر الله النعم ليعتبر. فقال: ﴿ألم نجعل له عينين ولساناً وشفتين وهديناه
النجدين﴾ [البلد: ٨ - ١٠]. أي: سبيل الخير والشر، قاله أكثر المفسرين، وقيل: الحق
والباطل، وقيل الهدى والضلالة، وقيل: الشقاوة والسعادة. والنجد: المرتفع من الأرض. ثم
قال: ﴿فلا اقتحم العقبة﴾ [البلد: ٧]. أي: فلا دخل هذا الإنسان العقبة، والاقتحام: الدخول
في الأمر الشديد، والعقبة: جبل في جهنم، وقيل: هي عقبة دون الحشر، وقيل: سبعون دركة
من جهنم، وقيل: الصراط، وقيل: نار دون الحشر. وقال الحسن: عقبة والله شديدة. قوله:
﴿وما أدراك ما العقبة﴾ [البلد: ١٣ - ١٥]. أي: ما اقتحام العقبة؟ قال سفيان بن عيينة: كل
شيء قال: ﴿وما أدراك﴾ فإنه أخبره به، وما قال: ﴿وما يدريك﴾ فإنه لم يخبره به. قوله:
﴿فك رقبة﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: فك، بفتح الكاف، وأطعم بفتح الميم على
الفعل، والباقون بالإضافة على الاسم، لأنه تفسير. قوله: ﴿وما أدراك﴾ معناه: خلص رقبته من
الأسر على قراءة ابن كثير، وعلى قراءة غيره: خلاص الرقبة، أي: الفك هو خلاص الرقبة،
١٠٩

١١٠
٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (١)
وإنما ذكر لفظ: الرقبة، دون سائر الأعضاء، مع أن العتق يتناول الجميع، لأن حكم السيد عليه
كحبل في رقبة العبد، وكالغل المانع له من الخروج، فإذا أعتق فكأنه أطلقت رقبته من ذلك
قوله: ﴿أو إطعام في يوم﴾ [البلد: ١٤]. والمراد من اليوم هنا مطلق الزمان ليلاً كان أو
نهاراً. قوله: ﴿ذي مسغبة﴾ [البلد: ١٥]. أي: مجاعة، يقال: سغب يسغب سغوباً: إذا جاع.
قوله: ﴿يتيماً﴾ [البلد: ١٤]. منصوب بقوله: أطعم، أو بإطعام، والمصدر أيضاً يعمل عمل
فعله. قوله: ﴿ذا مقربة﴾ [البلد: ١٥]. صفة: ليتيماً، أي: ذا قرابة، يقال: زيد قرابتي أو ذو
مقربتي، وزيد قرابتي قبيح لأن القرابة مصدر. قوله: ﴿أو مسكيناً﴾ [البلد: ١٦]. عطف على
يتيماً ﴿وذا متربة﴾ [البلد: ١٦]. صفته أي: ذا فقر، قد لصق بالتراب من الفقر، وقيل: المتربة
من التربة هنا، وهي شدة الحال.
١/ ٢٥١٧ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يونُسَ قال حدثنا عاصِمُ بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثني واقِدُ
ابن مُحَمَّدٍ قال حدَّثني سعيدُ بنُ مَرْجانَةَ صاحِبُ عَلِيٍّ بنِ حُسَيْنِ قال قال لي أبُوِ هُرَيْرَةَ
رضي الله تعالى عنهُ قال قال النبيُّ عَِّ أيما رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَءًا مسْلِماً اسْتَنْقَذَ اللهُ بِكُلٌ عُضْوٍ
مِنْهُ عُضْواً مِنْهُ مِنَ النَّارِ قال سَعِيدُ بنُ مَرْجَانَةَ فانْطَّلَقْتُ بِهِ إلى عَلِيٍّ بنِ حُسَيْنٍ فَعَمَدَ عَلِيُّ بنُ
مُحُسَيْنٍ رضي الله تعالى عنهُ إلى عَبْدٍ لَهُ قَدْ أعْطَاهُ بِهِ عَبْدُ الله بنُ جَعْفَرٍ عَشْرَةَ آلاَفِ دِرْهَمٍ أوْ
أَلْفِ دِينَارٍ فَأَعْتَقَهُ. [الحديث ٢٥١٧ - طرفه في: ٦٧١٥].
مطابقته للترجمة ظاهرة، لأنه يخبر عن فضل عظيم في العتق.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس بن
عبد الله التميمي اليربوعي. الثاني: عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب
العدوي القرشي. الثالث: واقد، بكسر القاف: ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن
الخطاب، أخو عاصم المذكور، الرابع: سعيد بن مرجانة وهو سعيد بن عبد الله مولى بني
عامر، ومرجانة أمه وهي أخت اللؤلؤة أم سعيد، مات سنة سبع وتسعين. الخامس: أبو هريرة،
رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في
موضعين. وفيه: القول في أربعة مواضع. وفيه: أن شيخه ذكر منسوباً إلى جده وأنه كوفي وأن
سعيداً حجازي وعاصم وأخوه مدنيان. وفيه: رواية الأخ عن الأخ. وفيه: أن سعيد بن مرجانة
ليس له في البخاري غير هذا الحديث، وقد ذكره ابن حبان في التابعين، وأثبت روايته عن
أبي هريرة، ثم ذهل فذكره في اتباع التابعين، وقال: لم يسمع عن أبي هريرة، ويرد ما ذكره
رواية البخاري، بقوله: قال لي أبو هريرة: ووقع التصريح بسماعه منه عند مسلم والنسائي
وغيرهما.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في كفارات الأيمان عن
محمد بن عبد الرحيم. وأخرجه مسلم في العتق عن داود بن رشيد وعن حميد بن مسعدة

١١١
٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (١)
وعن محمد بن المثنى وعن قتيبة عن ليث. وأخرجه الترمذي في الأيمان عن قتيبة به.
وأخرجه النسائي في العتق عن قتيبة به وعن عمرو بن علي وعن مجاهد بن موسى، ولما
أخرجه الترمذي قال: وفي الباب عن عائشة وعمرو بن عنبسة وابن عباس وواثلة بن الأسقع
وأبي أمامة وعقبة بن عامر وكعب بن مرة. قلت. أما حديث عائشة فأخرجه ابن زنجويه
بإسناده عنها مرفوعاً: من أعتق عضواً من مملوك أعتق الله بكل عضو منه عضواً. وأما حديث
عمرو بن عنبسة فأخرجه أبو داود والنسائي من حديث شرحبيل بن السمط أنه قال لعمرو بن
عنبسة: حدثنا حديثاً سمعته من رسول الله عَّ الله، قال: سمعت رسول الله، عَّره، يقول: من
أعتق رقبة مؤمنة كانت فداه من النار. وأما حديث ابن عباس فأخرجه أبو الشيخ ابن حبان في
(كتاب الثواب وفضائل الأعمال) عنه، قال: قال رسول الله عَّله: أيما مؤمن أعتق مؤمناً في
الدنيا أعتقه الله عضواً بعضو من النار. وأما حديث واثلة بن الأسقع فأخرجه أبو داود
والنسائي من رواية الغريف الديلمي، قال: أتينا واثلة بن الأسقع، فقلنا له: حدثنا حديثاً فذكره،
وفيه قال: أتينا رسول الله عَّله، في صاحب لنا أوجب - يعني: النار - بالقتل، فقال: أعتقوا
عنه يعتق الله بكل عضو منه عضواً منه من النار. وأخرجه الحاكم في (المستدرك) وقال: إن
غريف لقب عبد الله الديلمي. وأما حديث أبي أمامة فأخرجه الترمذي عنه عن النبي عد له:
((أيما امرىء مسلم أعتق امرأ مسلماً كان فكاكه من النار، يجزىء كل عضو منه عضواً وأيما
امرىء مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار، يجزىء كل عضو منهما عضواً
منه، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار يجزىء كل عضو منها
عضواً منها)). وقال: حسن صحيح غريب.
وأما حديث عقبة فأخرجه أحمد من رواية قتادة عن قيس الجذامي عن عقبة بن عامر:
أن رسول الله عَّ له قال: ((من أعتق رقبة مؤمنة فهي فكاكه من النار)). ورواه أبو يعلى
والحاكم، وقال: حديث صحيح الإسناد. وأما حديث كعب بن مرة فأخرجه أبو داود
والنسائي وابن ماجه من رواية شرحبيل بن السمط، قال: قلت لكعب: يا كعب بن مرة - أو
مرة بن كعب - حدِّثنا عن رسول الله عَ له واحذر. قال: سمعت رسول الله عَ له يقول: ((من
أعتق امراً مسلماً كان فكاكه من النار يجزى بكل عظم منه عظم منه، ومن أعتق امرأتين
مسلمتين كانتا فكاكه من النار يجزى بكل عظمين منهما عظم منه)). لفظ ابن ماجه، وأخرجه
ابن حبان في (صحيحه).
قلت: وفي الباب عن معاذ بن جبل ومالك بن عمرو القشيري وسهل بن سعد وأبي
مالك وأبي موسى الأشعري وأبي ذر. وأما حديث معاذ فأخرجه أحمد من رواية قتادة عن
قيس عن معاذ عن النبي عَّلم أنه قال: من أعتق رقبة مؤمنة فهي فداؤه من النار. وأما حديث
مالك بن عمرو فأخرجه أحمد أيضاً من رواية علي بن زيد عن زرارة بن أبي أوفى عن مالك
ابن عمرو القشيري، قال: سمعت رسول الله عَ لّه يقول: ((من أعتق رقبة مسلمة فهي فداؤه من
النار)). وأما حديث سهل بن سعد فأخرجه الطبراني في (معجمه الصغير) من رواية زكرياء بن

١١٢
٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (١)
منظور عن أبي حازم عن سهل بن سعد أن النبي عَ لّه قال: ((من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله
بكل عضو منه عضواً من النار))، وأخرجه ابن عدي في (الكامل) وضعفه بزكرياء المذكور.
وأما حديث أبي مالك فأخرجه أبو داود الطيالسي في (مسنده) عن شعبة بالإسناد المتقدم في
حديث مالك بن عمرو. وأما حديث أبي موسى فأخرجه النسائي في (الكبرى) والحاكم في
(المستدرك) من رواية ابن عيينة عن شعبة شيخ من أهل الكوفة عن أبي بردة عن أبيه سمع
رسول الله عَّهِ يقول: ((من أعتق رقبة أو عبداً كانت فكاكه من النار)). وأما حديث أبي ذر،
رضي الله تعالى عنه، فأخرجه البزار في (مسنده) من رواية أبي جرير عن الحسن عن صعصعة
عن أبي ذر، قال: سمعت رسول الله عَّه يقول: ((من أعتق رقبة مؤمنة فإنه يجزي من كل
عضو عضواً، ويجوز: من كل عضو - منه عضواً منه من النار)).
ذكر معناه: قوله: ((صاحب علي بن حسين))، وهو زين العابدين بن علي بن الحسين
ابن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنهم، وكان سعيد بن مرجانة منقطعاً إليه فعرف
بصحبته. قوله: ((أيما رجل)، وفي رواية الإسماعيلي من طريق عاصم بن علي عن عاصم بن
محمد: أيما مسلم، وكذا في رواية مسلم والنسائي من طريق إسماعيل بن أبي حكيم عن
سعيد بن مرجانة، وكلمة: أي، للشرط دخلت عليه كلمة: ما، وقال الكرماني: ((أيما رجل))،
بالجر وبالرفع على البدلية. قوله: ((استنقذ الله)) أي: نجى الله وخلص بكل عضو منه عضواً
منه من النار، وسيأتي في كفارات الأيمان: أعتق الله بكل عضو منها عضواً من أعضائه من
النار، حتى فرجه بفرجه، وعند أبي الفضل الجوري: حتى أنه ليعتق اليد باليد والرجل بالرجل
والفم بالفم، فقال له علي بن حسين أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟ قال: نعم. قال: ادعوا
لي أفرد غلماني مطرقاً فأعتقه. قوله: ((قال: سعيد بن مرجانة)) هذا موصول بالإسناد
المذكور. قوله: ((فانطلقت به))، أي: بالحديث، وفي رواية مسلم: فانطلقت حتى سمعت
الحديث من أبي هريرة، فذكرته لعلي، وزاد أحمد وأبو عوانة في روايتيهما من طريق
إسماعيل بن أبي حكيم عن سعيد بن مرجانة، فقال علي بن الحسين: أنت سمعت هذا من
أبي هريرة، قال: نعم. قوله: ((فعمد علي)) أي: علي بن الحسين، أي: قصد إلى عبد له
واسمه مطرف ... كما ذكر الآن في حديث الجوري. قوله: ((قد أعطاه)) أي: قد أعطى علي
ابن الحسين به أي: بمقابلة عبده ((عبد الله بن جعفر)) وهو مرفوع لأنه فاعل: أعطاه، والضمير
المنصوب فيه مفعوله الأول، وقوله: ((عشرة آلاف درهم)) مفعوله الثاني، وعبد الله بن جعفر
بن أبي طالب وهو ابن عم والد علي بن الحسين، رضي الله تعالى عنهم، وهو أول من ولد
للمهاجرين بالحبشة، وكان آية في الكرم ويسمى ببحر الجود وله صحبة، مات سنة ثمانين
من الهجرة. قوله: ((أو ألف دينار))، شك من الراوي. قوله: ((فأعتقه))، وفي رواية إسماعيل بن
أبي حكيم، فقال: إذهب أنت حر لوجه الله تعالى.
ذكر ما يستفاد منه: قال الخطابي: فيه: ينبغي أن يكون المعتق كامل الأعضاء، ولا
ينبغي أن يكون ناقص الأعضاء بعور أو شلل وشبههما، ولا معيباً بعين يضر بالعمل ويخل

١١٣
٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (٢)
بالسعي والاكتساب، وربما كان نقص الأعضاء زيادة في الثمن كالخصي إذ يصلح لما يصلح
له غيره من حفظ الحريم ونحوه، فلا يكره على أنه لا يخل بالعمل. وقال القاضي عياض:
اختلف العلماء أيما أفضل: عتق الإناث أو الذكور؟ فقال بعضهم: الإناث أفضل، وقال آخرون:
الذكور أفضل، لحديث أبي أمامة ولما في الذكر من المعاني العامة التي لا توجد في
الإناث، ولأن من الإماء من لا ترغب في العتق وتضيع به بخلاف العبد، وهذا هو الصحيح،
واستحب بعض العلماء أن يعتق الذكر والأنثى مثلها، ذكره الفرغاني في (الهداية) ليتحقق
مقابلة الأعضاء بالأعضاء، وقال ابن العربي: الزنا كبيرة لا يكفر إلاّ بالتوبة، فيحمل هذا
الحديث على أنه أراد مس الأعضاء بعضها بعضاً من غير إيلاج، ويحتمل أن يريد: أن لعتق
الفرج حظاً في الموازنة فيكفر. وفيه: فضل العتق، وأنه من أرفع الأعمال وربما ينجي الله به
من النار. وفيه: أن المجازاة قد تكون من جنس الأعمال فجوزي المعتق للعبد بالعتق من
النار. وفيه: أن تقويم باقي العبد لمن أعتق شقصاً منه إنما هو لاستعمال عتق نفسه بتمامها من
النار، وصارت حرمة العتق تتعدى إلى الأموال لفضل النجاة به من النار، قيل: وهذا أولى من
قول من قال: إنما ألزم عتق باقيه لتكميل حرية العبد. وفيه: أن عتق المسلم أفضل من عتق
الكافر، وهو قول كافة العلماء، وحكي عن مالك وبعض أصحابه أن الأفضل عتق الرقبة
النفيسة وإن كان كافراً.
٢ - بابٌ أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ
أي: هذا باب يذكر فيه: أي الرقاب أفضل للعتق؟ وكلمة: أي: هنا للاستفهام.
٢/ ٢٥١٨ - حدّثنا عُبَيْدُ لله بنُ مُوسى عنْ هِشَامِ بنِ عُروة عنْ أَبِيهِ عنْ أَبِي مُرَاوِحٍ
عنْ أبِي ذَرّ رضي الله تعالى عنهُ قال سألْتُ النبيَّ عَ لَّهِ أَي الْعَمَلِ أَفْضَلُ قال إيمانٌ بالله
وجِهادٌ فِي سَبِيلِهِ قُلْتُ فأيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ قال أغْلاهَا ثَمَنَاً وأَنْفَسُها عِنْدَ أهْلِها قُلْتُ فإنْ لَمْ
أفْعَلْ قال تُعينُ ضائِعاً أَوْ تَصْنَعُ لأُخْرَقَ قال فإِنْ لَمْ أَفْعَلْ قال تدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ فإِنَّها صَدَقَةٌ
تصَدَّقُ بِها عَلى نفْسِكَ.
مطابقته للترجمة في قوله: ((فأي الرقاب أفضل؟)).
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عبيد الله بن موسى بن باذام أبو محمد العبسي.
الثاني: هشام بن عروة. الثالث: أبوه عروة بن الزبير بن العوام. الرابع: أبو مزاوح، بضم الميم
وتخفيف الراء وكسر الواو وفي آخره حاء مهملة على وزن مقاتل، وفي رواية مسلم الليثي:
ويقال له الغفاري، قيل: اسمه سعد، والأصح أنه لا يعرف له اسم، وقال الحاكم أبو أحمد:
أدرك النبي عَّهِ ولم يره. الخامس: أبو ذر الغفاري، واسمه جندب بن جنادة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: العنعنة في
أربعة مواضع. وفيه: أن رجاله كلهم مدنيون إلاَّ شيخه فإنه كوفي. وفيه: أن هذا الإسناد في
حكم الثلاثيات لأن هشام بن عروة الذي هو شيخ شيخه من التابعين، وإن كان روى هنا عن
عمدة القاري /ج ١٣ / ٨

١١٤
٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (٢)
تابعي آخر، وهو أبوه عروة. وفيه: ثلاثة من التابعين في نسق وهم: هشام وأبوه وأبو مراوح،
وفي رواية مسلم عن الزهري عن حبيب مولى عروة عن عروة فصار فيه أربعة من التابعين.
وفيه: رواية الراوي عن أبيه. وفيه: أن ليس لأبي مراوح في البخاري غير هذا الحديث. وفيه:
عن هشام بن عروة وفي رواية الحارث بن أبي أسامة عن عبيد الله بن موسى: أخبرنا هشام
ابن عروة. وفيه: هشام بن عروة عن أبيه، وفي رواية الإسماعيلي: أخبرني أبي أن أبا مراوح
أخبره. وفيه: عن أبي ذر، وفي رواية يحيى بن سعيد: أن أبا ذر أخبره، وذكر الإسماعيلي
جماعة أكثر من عشرين نفساً رووا هذا الحديث عن هشام بالإسناد المذكور، وخالفهم مالك
فأرسله في المشهور عنه عن هشام عن أبيه عن النبي عٍَّ، ورواه يحيى بن يحيى الليثي
وطائفة عنه عن هشام عن أبيه عن عائشة، ورواه سعيد بن داود عنه عن هشام كرواية
الجماعة، وقال الدارقطني: الرواية المرسلة عن مالك أصح، والمحفوظ عن هشام كما قال
الجماعة.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الإيمان عن أبي الربيع الزهراني وخلف بن
هشام وعن محمد بن رافع وعبد بن حميد. وأخرجه النسائي في العتق عن عبيد الله بن سعيد
بقصة الجهاد وقصة الرقاب وعن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بهما وفي الجهاد عن
محمد بن عبد الله بالقصة الأولى. وأخرجه ابن ماجه في الأحكام عن أحمد بن سيار بقصة
الرقاب.
ذكر معناه: قوله: ((وجهاد في سبيله))، إنما قرن الجهاد بالإيمان لأنه كان عليهم أن
يجاهدوا في سبيل الله حتى تكون كلمة الله هي العليا وكان الجهاد في ذلك الوقت أفضل
الأعمال. قوله: ((أغلاها ثمناً) في رواية الأكثرين: أعلاها، بالعين المهملة، وهي رواية النسائي
أيضاً، وفي رواية الكشميهني: بالغين المعجمة، وكذا في رواية النسفي، وفي (المطالع):
معناهما متقارب، ووقع في رواية مسلم من رواية حماد بن زيد: أكثرها ثمناً. وقال النووي:
محله، والله أعلم، فيمن أراد أن يعتق رقبة واحدة، أما لو كان مع شخص ألف درهم مثلاً
فأراد أن يشتري بها رقبة يعتقها فوجد رقبة نفيسة ورقبتين مفضولتين، فالرقبتان أفضل. قال:
وهذا بخلاف الأضحية، فإن الواحدة السمينة فيها أفضل لأن المطلوب هنالك الرقبة وهنالك
طيب اللحم، وقال أبو عبد الملك: إذا كانا في ذوي الدين أفضلهما أغلاهما ثمناً. وقد
اختلف فيما إذا كان النصراني أو اليهودي أو غيرهما أكثر ثمناً من المسلم، قال مالك: عتق
الأغلى أفضل وإن كان غير مسلم. وقال أصبغ: عتق المسلم أفضل. قوله: ((وأنفسها))، أي:
أكثرها رغبة عند أهلها لمحبتهم فيها، لأن عتق مثل ذلك لا يقع غالباً إلاَّ خالصاً، وإليه
الإشارة بقوله تعالى: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢]. وكان لابن
عمر، رضي الله تعالى عنهما، جارية يحبها فأعتقها لهذه الآية.
قوله: ((قلت: فإن لم أفعل؟)) ويروى: قال: فإن لم أفعل؟ أي: إن لم أقدر على ذلك؟
فأطلق الفعل وأراد القدرة عليه. وفي رواية الإسماعيلي: أرأيت إن لم أفعل؟ وفي رواية

١١٥
٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (٢)
الدارقطني في (الغرائب): فإن لم أستطع؟ قوله: ((تعين ضايعاً)) بالضاد المعجمة وبالياء آخر
الحروف بعد الألف، كذا وقع لجميع رواه البخاري، وجزم به القاضي عياض وغيره، وكذا
هو في رواية مسلم إلاّ في رواية السمرقندي، وجزم الدارقطني وغيره بأن هشاماً رواه هكذا
دون من رواه عن أبيه، فعلم من ذلك أن الذي رواه: صانعاً، بالصاد المهملة وبالنون بعد
الألف غير صحيح، لأن هذه الرواية لم تقع في شيء من طرقه. وروى الدارقطني من طريق
معمر عن هشام هذا الحديث بالضاد المعجمة، قال معمر: وكان الزهري يقول: صحف
هشام، وإنما هو بالصاد المهملة والنون. قلت: كأن ابن المنير اعتمد على أنه بالصاد المهملة
والنون حيث قال: وفيه إشارة إلى أن إعانة الصانع أفضل من إعانة غير الصانع، لأن غير
الصانع مظنة الإعانة، فكل أحد يعينه غالباً بخلاف الصانع، فإنه لشهرته بصنعته يغفل عن
إعانته فهو من جنس الصدقة على المستور. انتهى. قلت: هذا لا بأس به إذا صحت الرواية
بالصاد والنون، وفي (التوضيح): وصوابه بالمهملة والنون، وقال النووي: الأكثر في الرواية
المعجمة. وقال عياض: روايتنا في هذا من طريق هشام بالمعجمة، وعن أبي بحر بالمهملة،
وهو صواب الكلام لمقابلته بالأخرق، وإن كان المعنى من جهة معونة الضائع أيضاً صحيحاً،
لكن صحت الرواية عن هشام بالمهملة، وقال ابن المديني: الزهري، يقول بالمهملة، ويرون
أن هشاماً صحفه بالمعجمة، والصواب قول الزهري. وقال الكرماني: وضايعاً، بالمعجمة.
انتھی.
قلت: لم يحرر الكرماني هذا الموضع، والتحرير ما ذكرناه، ومعنى الضايع، بالمعجمة:
الفقير لأنه ذو ضياع من فقر وعيال. قوله: ((أو تصنع لأخرق))، الأخرق، بفتح الهمزة وسكون
الخاء المعجمة وبالراء والقاف: هو الذي ليس في يده صنعة ولا يحسن الصناعة، قال ابن
سيده: خرق بالشيء جهله ولم يحسن عمله، وهو أخرق وفي (المثلث) لابن عديس:
والخرق جمع الأخرق من الرجال والخرقاء من النساء، وهما ضد الصناع والصنع. قوله:
((تدع الناس))، أي: تتركهم من الشر، و: تدع، من الأفعال التي أمات العرب ماضيها، كذا
قالته النحاة، ويرد عليهم قراءة من قرأ ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾ [الضحى: ٣]. بتخفيف
الدال. قوله: ((فإنها صدقة)) أي: فإن المذكور من الجملة صدقة. قوله: ((تصدق بها))، بفتح
الصاد وتشديد الدال، أصله تتصدق فحذفت إحدى التاءين ويجوز تشديد الصاد على الإدغام،
ويجوز تخفيفها. وفي الحديث أن الجهاد أفضل الأعمال بعد الإيمان، ولما اختلفت الروايات
في أفضل الأعمال أجابوا بأن الاختلاف بحسب اختلاف السائلين، والجواب لهم بحسب ما
يليق بالمقام.
وفيه: حسن المراجعة في السؤال وصبر المفتي والمعلم على المستفتي والتلميذ
والرفق بهم.

١١٦
٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (٣)
٣ - بابُ ما يُسْتَحَبُّ مِنَ العَتَاقَةِ في الْكُسُوفِ أَوِ الآياتِ
أي: هذا باب في بيان استحباب العتاقة في كسوف الشمس، والعتاقة بفتح العين
مصدر: أعتقت العبد، قال الكرماني: بالعتاقة أي: بالإعتاق، وهو على سبيل الكناية إذ الإعتاق
يلزم العتاقة. قلت: كل منهما مصدر: أعتقت، فلا يحتاج إلى هذا التكلف. قوله: ((أو الآيات))
جمع: آية، وهي العلامة، وكلمة: أو، هنا للتنويع لا للشك هو من عطف العام على الخاص،
قال الكرماني: هذا عطف بأو، لا: بالواو، قلت: أو، بمعنى: الواو أو بمعنى: بل؟ قلت: كون:
أو، بمعنى: الواو، له وجه، وأما كونه بمعنى: بل، فلا وجه له على ما لا يخفى، وأراد بالآيات
نحو الخسوف في القمر والظلمة الشديدة والرياح المحرقة والزلازل ونحو ذلك. قال
الكرماني: حديث الباب في كسوف الشمس، ويستحب العتاقة فيها ولا دلالة على استحباب
العتاقة في الآيات، وأجاب بالقياس على الكسوف لأن الكسوف أيضاً آية.
٢٥١٩/٣ - حدّثنا موسى بنُ مَسْعُودٍ قال حدَّثنا زَائِدَةُ بنُ قُدَامَةَ عنْ هِشامٍ بِنِ عُرْوَةَ
عنْ فاطِمَةً بِئْتِ الْمُنذِرِ عنْ أسْمَاءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهُما قالَتْ أَمَرَ النبيُّ عَلَّه
بالعَتَاقَةِ في كُشُوفِ الشَّمْسِ. [انظر الحديث ٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وموسى بن مسعود أبو حذيفة النهدي، بالنون: البصري، مات سنة
عشرين ومائتين، وهو من أفراد البخاري، وفاطمة بنت المنذر بن الزبير تروي عن جدتها أسماء،
وقد مضى الحديث في أبواب الكسوف في: باب من أحب العتاقة في كسوف الشمس، فإنه
أخرجه هناك عن ربيع بن يحيى عن زائدة ... إلى آخره نحوه، وقد مضى الكلام فيه هناك.
تابَعَهُ عَلِيٍّ عنِ الدَّرَاوَزْدِيِّ عنْ هِشَامٍ
أي: تابع علي موسى بن مسعود في رواية هذا الحديث فرواه عن الدراوردي عن هشام
ابن عروة عن فاطمة بنت المنذر ... إلى آخره. قال الكرماني: علي هو ابن حجر، بضم الحاء
المهملة وسكون الجيم وبالراء: أبو الحسن السعدي المروزي، مات سنة أربع وأربعين
ومائتين، وقال بعضهم: هو علي بن المديني وهو شيخ البخاري، ووهم من قال: المراد به ابن
حجر. قلت: كلٍّ من علي بن المديني وعلي بن حجر من مشايخ البخاري، وكل منهما روى
عن الدراوردي، فما الدليل على صحة كلامه ونسبة الوهم إلى غيره؟ والدراوردي، بفتح الدال
والراء الخفيفة وفتح الواو وسكون الراء وكسر الدال المهملة وتشديد الياء: نسبة إلى دراورد،
قرية من قرى خراسان، وهو عبد العزيز بن محمد.
٢٥٢٠/٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبِي بَكْر قال حدَّثنا عَثَّامٌ قال حدَّثنا هِشامٌ عنْ فاطِمَةً
بِئْتِ الْمُنذِرِ عنْ أسْماءَ بِئْتِ أبِي بَكْر رضي الله تعالى عنهما قالَتْ كُنَّا نُؤْمَرُ عِنْدَ الكسوفِ
بالْعَتاقَةِ. [انظر الحديث ٨٦ وأطرافه].
هذا طريق أخرجه عن محمد بن أبي بكر المقدمي عن عثام، بفتح العين المهملة

١١٧
٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (٤)
وتشديد الثاء المثلثة: ابن علي بن الوليد العامري الكوفي، ما له في البخاري سوى هذا
الحديث الواحد، يروي عن هشام بن عروة وفاطمة زوجته، ورواية زائدة في هذا الحديث
السابق تبين أن الآمر بالعتاقة في الكسوف في رواية عثام هذه هو النبي عَّةِ، وهذا مما يقوي
أن قول الصحابي: ((كنا نؤمر)» بكذا: في حكم المرفوع.
٤ - بابٌ إِذَا أعتَقَ عَبْداً بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ أمَةً بَيْنَ الشُّرَكاءِ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا أعتق شخص عبداً كائناً بين شخصين أو أمة، أي: أو أعتق
شخص أمة كائنة بين الشركاء، وإنما خصص العبد بالإثنين والأمة بالشركاء مع أن هذا الحكم
فيما إذا كانت الأمة بين اثنين والعبد بين الشركاء، مع عدم التفاوت بينهما، لأجل المحافظة
على لفظ الحديث. قوله: ((بين اثنين)) ليس إلاَّ على سبيل التمثيل، إذ الحكم كذلك فيما
يكون بين الثلاثة والأربعة وهلم جرّاً، وقال ابن التين: أراد أن العبد كالأمة لاشتراكهما في
الرق، قال: وقد بين في حديث ابن عمر في آخر الباب أنه كان يفتي فيهما بذلك، قيل:
كأنه أشار إلى رد قول إسحاق بن راهويه: أن هذا الحكم مختص بالذكور وخطئه، وقال
القرطبي: العبد اسم للمملوك الذكر بأصل وضعه، والأمة اسم لمؤنثه بغير لفظه، ومن ثم قال
إسحاق: إن هذا الحكم لا يتناول الأنثى، وخالفه الجمهور فلم يفرقوا في الحكم بين الذكر
والأنثى، إما لأن لفظ العبد يراد به الجنس، كقوله تعالى: ﴿ألا آتي الرحمن عبداً﴾ [مريم:
٩٣]. فإنه يتناول الذكر والأنثى قطعاً، وإما على طريق الإلحاق لعدم الفارق.
٢٥٢١/٥ _ حَدَّثَنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله قال حدثنا سُفيانُ عنْ عَمْرو عنْ سالِمِ عنْ أَبِيهِ
رضي الله تعالى عنه عنِ النِبِيِّ عَّه قال مَنْ أَعْتَقَ عَبْدَاً بَيْنَ اثْنَيْنِ فإنْ كانَ مُوسِراً قُوْمَ عَلَيْهِ
ثُمَّ يُعْتَقُ. [انظر الحديث ٢٤٩١ وأطرافه].
أخرج البخاري حديث ابن عمرو في هذا الباب من ستة طرق تشتمل على فصول من
أحكام عتق العبد المشترك، وقد ذكرنا ما يتعلق بأبحاث هذه الأحاديث مستوفاة في: باب
تقويم الأشياء بين الشركاء بقيمة عدل، فإنه أخرج فيه حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر،
وأخرج أيضاً حديث جويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر في: باب الشركة في الرقيق،
ولنذكر في أحاديث هذا الباب ما لا بد منه، ومن أراد الإمعان فيه فليرجع إلى: باب تقويم
الأشياء بين الشركاء.
وعلي بن عبد الله هو ابن المديني. وسفيان هو ابن عيينة. وعمرو هو ابن دينار.
وسالم هو ابن عبد الله بن عمر.
والحديث أخرجه مسلم في العتق عن عمرو الناقد وابن أبي عمر. وأخرجه أبو داود
فيه عن أحمد بن حنبل. وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة وإسحاق بن إبراهيم فرقهما، الكل عن
سفيان بن عيينة عن عمرو.
قوله: ((سفيان عن عمرو))، وفي رواية الحميدي: عن سفيان حدثنا عمرو بن دينار عن

١١٨
٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (٤)
سالم عن أبيه، وفي رواية النسائي من طريق إسحاق بن راهويه: عن سفيان عن عمرو أنه
سمع سالم بن عبد الله بن عمر. قوله: ((من أعتق)) ظاهره العموم ولكنه مخصوص بالاتفاق،
فلا يصح من المجنون ولا من الصبي ولا من المحجور عليه بسفه عند الشافعي، وأبو حنيفة
لا يرى الحجر بسفه فتصح تصرفاته، وأبو يوسف ومحمد يريان الحجر على السفيه في
تصرفات لا تصح مع الهزل: كالبيع والهبة والإجارة والصدقة، ولا يحجر عليه في غيرها:
كالطلاق والعتاق، ولا يصح أيضاً من المحجور عليه بسبب إفلاس عند الشافعي. قوله: ((بين
اثنين))، كالمثال لأنه لا فرق بين أن يكون بين اثنين أو أكثر. قوله: ((فإن كان))، أي: المعتق
((موسرا) يعني: صاحب يسار. قوله: ((قُوّم)) على صيغة المجهول، وفي رواية لمسلم
والنسائي: قوم عليه قيمة عدل لا وكس ولا شطط، والوكس، بفتح الواو وسكون الكاف
وبالسين المهملة: النقص، والشططُ: الجور. قوله: ((ثم يعتق))، أي: العبد.
وبهذا الحديث احتج الشافعي وأحمد وإسحاق وقالوا: إذا كان العبد بين اثنين فأعتقه
أحدهما قوم عليه حصة شريكه، ويعتق العبد كله ولا يجب الضمان عليه إلاّ إذا كان موسراً، وتقرير
مذهب الشافعي ما قاله في الجديد: إنه إذا كان المعتق لحصته من العبد موسراً عتق جميعه حين
أعتقه، وهو حر من يومئذ يرث ويورث عنه، وله ولاؤه ولا سبيل للشريك على العبد، وعليه قيمة
نصيب شريكه، كما لو قتله، وإن كان معسراً فالشريك على ملكه يقاسمه كسبه أو يخدمه يوماً
ويخلي لنفسه يوماً، ولا سعاية عليه لظاهر الحديث. وعند أبي يوسف ومحمد: يسعى العبد في
نصيب شريكه الذي لم يعتق إذا كان المعتق معسراً، ولا يرجع على العبد بشيء، وهو قول الشعبي
والحسن البصري والأوزاعي وسعيد بن المسيب وقتادة، واحتجوا في ذلك بحديث أبي هريرة
الذي سيأتي في الكتاب، فإنه رواه كما رواه ابن عمر، وزاد عليه حكم السعاية على ما سنبينه إن
شاء الله تعالى. وأما أبو حنيفة فإنه كان يقول: إذا كان المعتق موسراً فالشريك بالخيار، إن شاء
أعتق والولاء بينهما نصفان، وإن شاء استسعى العبد في نصف القيمة، فإذا أداها عتق والولاء
بينهما نصفان، وإن شاء ضمن المعتق نصف القيمة فإذا أداها عتق ورجع بها المضمن على
العبد فاستسعاه فيها، وكان الولاء للمعتق، وإن كان المعتق معسراً فالشريك بالخيار إن شاء
أعتق وإن شاء استسعى العبد في نصف قيمته، فأيهما فعل فالولاء بينهما نصفان. وحاصل
مذهب أبي حنيفة: أنه يرى بتجزيء العتق، وأن يسار المعتق لا يمنع السعاية، واحتج أبو
حنيفة فيما ذهب إليه بما رواه البخاري عن عبد الله ابن يوسف عن مالك عن نافع عن عبد
الله، رضي الله تعالى عنهما، على ما يجيء عقيب الحديث المذكور، وبما رواه البخاري أيضاً
بإسناده عن أبي هريرة على ما يجيء بعد هذا الباب، فإنهما يدلان على تجزيء الإعتاق
وعلى ثبوت السعاية أيضاً، على ما سنبينه، إن شاء الله تعالى.
٦ / ٢٥٢٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالكٌ عنْ نافِع عنْ عِبْدِ الله بنٍ
عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُما أنَّ رسولَ الله عَُّلِّ قال مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فَي عَبْدٍ فكانَ لَهُ
مالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ العَبْدِ قُوَّمَ الْعَبْدُ قيمَةَ عَدْلٍ فَأعْطَى شُرَكَاءَهُ حصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ وإلاَّ فَقَدْ

١١٩
٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (٤)
عَتَقَ مِنْهُ ما عتَقَ. [انظر الحديث ٢٤٩١ وأطرافه].
هذا طريق آخر في حديث ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما. وأخرجه مسلم أيضاً في
العتق عن يحيى بن يحيى. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي. وأخرجه النسائي فيه عن عثمان
ابن عمر، الكل عن مالك عن نافع.
قوله: ((شركاً))، بكسر الشين، أي: نصيباً. قوله: ((فكان له مال يبلغ))، هذا هكذا في
رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: كان له ما يبلغ أي شيء يبلغ، وإنما قيد بقوله: يبلغ، لأنه
إذا كان له مال لا يبلغ ثمن العبد لا يقوم عليه مطلقاً، لكن الأصح عند الشافعية أنه يسري
إلى القدر الذي هو موسر به تنفيذاً للعتق بحسب الإمكان وبه قال مالك. قوله: «ثمن العبد))
أي: ثمن بقية العبد، لأنه موسر بحصته، وقد أوضح ذلك النسائي في روايته من طريق زيد بن
أبي أنيسة عن عبيد الله بن عمر وعمر بن نافع ومحمد بن عجلان عن نافع عن ابن عمر
بلفظ: وله مال يبلغ قيمة أنصباء شركائه، فإنه يضمن لشركائه أنصباءهم ويعتق العبد، والمراد
بالثمن هنا القيمة، لأن الثمن ما اشتريت به العين، واللازم هنا القيمة لا الثمن. قوله: ((قوم))،
على صيغة المجهول. قوله: ((قيمة عدل))، وهو أن لا يزاد من قيمته ولا ينقص. قوله:
((فأعطى شركاءه))، كذا هو في رواية الأكثرين: إن أعطى، على بناء الفاعل وشركاءه بالنصب
على المفعولية، وروى: ((فأعطي)) على صيغة المجهول، و: شركاؤه، بالرفع على أنه مفعول
ناب عن الفاعل. قوله: ((حصصهم)) أي: قيمة حصصهم. قوله: ((وإلّ) أي: وإن لم يكن
موسراً فقد عتق منه حصته، وهي ما عتق. وبهذا الحديث احتج ابن أبي ليلى ومالك والثوري
والشافعي وأبو يوسف ومحمد في: أن وجوب الضمان على الموسر خاصة دون المعسر،
يدل عليه قوله: ((وإلاَّ فقد عتق منه ما عتق)). وقال زفر: يضمن قيمة نصيب شريكه، موسراً
كان أو معسراً. ويخرج العبد كله حراً لأنه جنى على مال رجل، فيجب عليه ضمان ما أتلف
بجنايته، ولا يفترق الحكم فيه، سواء كان موسراً أو معسراً، والحديث حجة عليه.
٧/ ٢٥٢٣ - حدّثنا عُبَيْدُ بنُ إسماعيلَ عنْ أبِي أُسَامَةَ عنْ عُبَيْدِ الله عِنْ نافِعِ عنِ ابنِ
عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قال رسول الله عَ لَّه مَنْ أَعْتَقَ شِرْكا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ فَعَلَيْهِ عِنْقُهُ
كُلِّهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلِغُ ثَمَنُهُ فإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مالٌ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ قِيمَةً عَدْلٍ عَلى الْمُعْتِقِ
فَأُعْتِقَ مِنْهُ ما أَعْتِقَ. [انظر الحديث ٢٤٩١ وأطرافه].
هذا طريق آخر أخرجه عن عبيد بن إسماعيل واسمه في الأصل: عبد الله، يكنى: أبا
محمد الهباري القرشي الكوفي، وهو من أفراده، يروي عن أبي أسامة حماد بن أبي أسامة عن
عبيد الله بن عمر العمري عن نافع إلى آخره. قوله: ((فعليه)) أي: فعلى من أعتق شركاً، أي:
نصيباً له. قوله: ((كله))، بالجر لأنه تأكيد لقوله في: مملوك، وقال بعضهم: كله، بجر اللام
تأكيداً للضمير المضاف، أي: عتق العبد كله. قلت: ليس هنا ضمير مضاف حتى يكون
تأكيداً له، وفيه مساهلة جداً. قوله: ((فأعتق منه ما أعتق))، على صيغة المجهول كلاهما،

١٢٠
٤٩ - كتابُ العِثْقِ / باب (٤)
وهذا جزاء الشرط، لأن قوله: يقوم عليه، صفة مال وليس بجزاء، فافهم.
حدَّثْنا مُسَدَّدٌ قال حَدَّثْنَا بِشْرٌ عنْ عُبَيْدِ الله اخْتَصَرَهُ
هذا طريق آخر أخرجه عن مسدد عن بشر، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين
المعجمة: عن عبيد الله بن عمر العمري، قوله: ((اختصره)) أي: اختصره مسدد أي بالإسناد
المذكور، يعني ذكر المقصود منه، وأخرجه النسائي عن عمرو بن علي عن بشر عن عبيد الله
عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله عَّهِ: ((من أعتق شركاً له في عبد فقد أعتق كله
إن كان للذي أعتق نصيبه من المال ما يبلغ ثمنه، يقام عليه قيمة عدل فيدفع إلى شركائه
أنصباءهم ويخلي سبيله)).
٨ /٢٥٢٤ - حدّثنا أبُو النُّعْمَانِ قال حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ أَيُّوبَ عِنْ نافِعِ عنِ ابنِ عُمَّرَ
رضي الله تعالى عنهما عنِ النَّبِيِّ عَّ قال منْ أَعْتَقَ نَصِيباً لَهُ في مَمْلُوٍ أَوْ شَرْكا لَّهُ في
عَبْدٍ وكانَ لَهُ مِنَ الْمَالِ مَا يَبْلُغُ قِيمَتَهُ بِقِيمَةِ الْعَدْلِ فَهْوَ عَتيقٌ قال نافِعٌ وإلاَّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ ما
عَتَقَ قال أَيُّوبُ لا أَذْرِي أَشَيْءٌ قَالَهُ نافِعٌ أَوْ شَيْءٌ في الْحَدِيثِ. [انظر الحديث ٢٤٩١
وأطرافه].
هذا طريق آخر عن أبي النعمان محمد بن الفضل عن حماد بن زيد عن أيوب السختياني
عن نافع عن عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما.
وأخرجه البخاري أيضاً في الشركة عن عمران بن ميسرة عن عبد الوارث، وقد مر في:
باب تقويم الأشياء بين الشركاء بقيمة عدل، وقد مر الكلام فيه هناك مستوفئٍ.
قال ابن عبد البر: لا خلاف أن التقويم لا يكون إلاَّ على الموسر، ثم اختلفوا في وقت
العتق، فقال الجمهور والشافعي في الأصح وبعض المالكية: إنه يعتق في الحال، وحجتهم
رواية أيوب المذكورة حيث قال: فهو عتيق، وأوضح من ذلك ما رواه النسائي وابن حبان
وغيرهما من طريق سليمان بن موسى عن نافع عن ابن عمر بلفظ: ((من أعتق عبداً وله فيه
شركاء، وله وفاء فهو حر)). وروى الطحاوي من طريق ابن أبي ذئب عن نافع: ((فكان للذي
يعتق نصيبه ما يبلغ ثمنه، فهو عتيق كله)). والمشهور عند المالكية: أنه لا يعتق إلاَّ بدفع
القيمة، فلو أعتق الشريك قبل أخذ القيمة نفذ عتقه، وهو أحد أقوال الشافعي، رحمه الله.
٩/ ٢٥٢٥ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ مِقْدَامٍ قال حدَّثنا الْفُضَيْلُ بنُ سُلَيْمَانَ قال حدَّثنَا مُوسَى
ابنُّ عُقْبَةَ قال أخبرني نافِعٌ عنِ ابنِ ثُمَرَ رضي الله تعالى عنهُما أنَّهُ كانَ يُفْتِي فِي العَبْدِ أوِ
الأُمَةِ يَكونُ بَيْنَ شُرَكَاءَ فَيُعْتِقُ أحَدُهُمْ نِصِيبَهُ مِنْهُ يَقُولُ قَدْ وجَبَ عَلَيْهِ عِنْقُهُ كُلِّهِ إِذَا كانَ
لِلَّذِي أعْتَقَ مِنَ الْمَالِ ما يجْلُغُ يُقَوَّمُ مِنْ مالِهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ ويُدْفَعُ إلى الشُّرَكَاءِ أَنْصِباؤُهُمْ
ويُخلَّى سَبِيلُ الْمُعْتَقِ يُخْبِرُ ذلِكَ ابْنُ عُمَرَ عنِ النبيِّ عَ لِ. [انظر الحديث ٢٤٩١ وأطرافه].
هذا طريق آخر فيما روي عن ابن عمر، أشار به إلى أنه روى الحديث المذكور وأفتى
.