النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
٤٧ - كِتابُ الشَّرِكَةِ / باب (٧)
وهو قوله: فإن ... قوله: ((هلكوا جميعاً)) أي: كلهم الذين سكنوا فوق والذين سكنوا أسفل،
لأن بخرق السفينة تغرق السفينة ويهلك أهلها. قوله: ((وإن أخذوا على أيديهم)) أي: وإن
منعوهم من الخرق نجوا أي: الآخذون ((ونجوا جميعاً)) يعني: جميع من في السفينة، ولو لم
يذكر قوله: ((ونجوا جميعاً)، لكانت النجاة اختصت بالآخذين فقط، وليس كذلك، بل
كلهم نجوا لعدم الخرِق، وهكذا إذا أقيمت الحدود وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر
تحصل النجاة للكل وإلاّ هلك العاصي بالمعصية وغيرهم بترك الإقامة.
ويستفاد منه أحكام: فيه: جواز الضرب بالمثل وجواز القرعة، فإنه، عٍَّ، ضرب
المثل هنا بالقوم الذين ركبوا السفينة، ولم يذم المستهمين في السفية ولا أبطل فعلهم، بل
رضيه وضرب به مثلاً لمن نجى من الهلكة في دينه. وفيه: تعذيب العامة بذنوب الخاصة
واستحقاق العقوبة بترك النهي عن المنكر مع القدرة. وفيه: أنه يجب على الجار أن يصبر
على شيء من أذى جاره خوف ما هو أشد. وفيه: إثبات القرعة في سكنى السفية إذا
تشاحوا، وذلك فيما إذا نزلوا معاً. فأما من سبق منهم فهو أحق. وذكر ابن بطال هنا مسألة
الدار التي لها علو وسفل لمناسبة بينها وبين أهل السفينة، فقال: وأما حكم العلو والسفل
يكون بين جبلين، فيعتل السفل ويريد صاحبه هدمه فليس له هدمه إلاّ من ضرورة، وليس
لرب العلو أن يبني على سفله شيئاً لم يكن قبل إلاَّ الشيء الخفيف الذي لا يضر صاحب
السفل، فلو انكسرت خشبة من سفل العلو فلا يدخل مكانها أسفل منها، قال أشهب: وباب
الدار على صاحب السفل، فلو انهدم السفل أجبر صاحبه على بنائه وليس على صاحب العلو
أن يبني السفل، فإن أبى صاحب السفل أن يبني قيل له: بع ممن يبني. انتهى. قلت: الذي
ذكره أصحابنا أنه ليس لصاحب العلو إذا انهدم السفل أن يأخذها صاحب السفل بالبناء، لكن
يقال لصاحب العلو: ابن السفل إن شئت حتى يبلغ موضعه علوك ثم ابن علوك، وليس
لصاحب السفل أن يسكن حتى يعطي قيمة بناء السفل، وذو العلو يسكن علوه، والسفل
كالرهن في يده وسقف السفل بكل آلاته لصاحب السفل ولصاحب العلو سكناه، وصاحب
العلو إذا بنى السفل فله أن يرجع بما أنفق على صاحب السفل، وإن كان صاحب السفل
يقول: لا حاجة لي إلى السفل.
٧ - بابُ شَرِكَةِ الْيَتِيم وأهلِ الْمِيرَاثِ
أي: هذا باب في بيان حكم شركة اليتيم وأهل الميراث، وحكمه ما قاله ابن بطال:
شركة اليتيم ومخالطته في ماله لا يجوز عند العلماء، إلاَّ أن يكون لليتيم في ذلك رجحان.
قال تعالى: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل: إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم
المفسد من المصلح﴾ [البقرة: ٢٢٠].
٢٤٩٤/١٢ _ حدّثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله الْعَامِرِيُّ الأَوَيْسيُّ قال حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ
سَعْدٍ عنْ صالحِ عنِ ابنِ شِهابٍ قال أخبرَني عُزْوةُ أنَّهُ سألَ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها.
عمدة القاري /٣ ١٣ /م٦

٨١
٤٧ - كِتابُ الشَّرِكَةِ / باب (٧)
وقال اللَّيْثُ حدَّثني يونُسُ عنِ ابنِ شِهابٍ قال أخبرني عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ عائِشَةَ رضي
الله تعالى عنها عنْ قَوْلِ الله تعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ﴾ إلى ﴿ورُباع﴾ [النساء: ٣]. فقالتْ يا ابنَ
أُخْتِي هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ في حَجْرِ ولِيِّهَا تُشَارِكُهُ في مالِهِ فَيُعْجِبُهُ مالُها وجَمالُها فيُرِيدُ ولِيُّها أن
يَتَزوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسطَ في صَداقِهَا فيُعْطِيهَا مِثْلَ ما يُعْطِيها غَيْرُهُ فَنُهوا أنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلاَّ أنْ
يُقْسِطُوا لَهُنَّ ويَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ مِنَ الصَّدَّاقِ وأَمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا ما طابَ لَهِمْ مِنَ النِّسَاءِ
سِواهُنَّ. قال عُزْوةُ قالتْ عَائِشَةُ ثمَّ إِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رسولَ الله عَ لِ بَعْدَ لهذِهِ الآيَةِ فَأَنْزَلَ الله
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ والَّذِي ذَكَرَ الله أنَّهُ يُتْلَى
عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ الآيَةُ الأَولَى الَّتي قال فِيها وإِنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتَامَى فانْكِحُوا ما
طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ قالَتْ عَائِشَةُ وقَوْل الله في الآيةِ الأخْرَى وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ يَعْني هِيَ
رَغْبَة أَحَدِكُمْ بَيَتِيمَتِهِ الَّتي في حَجْرِهِ حِينَ تَكُونُ قَليلَةَ الْمَالِ والْجَمَالِ فَنهوا أَنْ يَنْكِحُوا ما
رَغِبُوا في مالِها وجَمالِها مِنْ يَتامَى النِّساءِ إلاَّ بالْقِسْطِ مِنْ أجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ. [الحديث
٢٤٩٤ - أطرافه في: ٢٧٦٣، ٤٥٧٣، ٤٥٧٤، ٤٦٠٠، ٥٠٦٤، ٥٠٩٢، ٥٠٩٨،
٥١٢٨، ٥١٣١، ٥١٤٠، ٦٩٦٥].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه في ماله)).
ذكر رجاله: وهم ثمانية: الأول: عبد العزيز بن يحيى بن عمرو بن أويس القرشي
العامري الأويسي، بضم الهمزة وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف وبالسين المهملة: نسبة
إلى جده أويس. الثاني: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أبو إسحاق
القرشي الزهري، كان على قضاء بغداد. الثالث: صالح بن كيسان أبو محمد مؤدب ولد عمر
ابن عبد العزيز، رضي الله تعالى عنه. الرابع: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. الخامس:
عروة بن الزبير بن العوام. السادس: الليث بن سعد. السابع: يونس بن يزيد الأيلي. الثامن: أم
المؤمنين عائشة، رضي الله تعالى عنها.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في
موضع. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: القول
في موضعين. وفيه: السؤال في موضعين. وفيه: أن الطريق الأول موصول والطريق الثاني وهو
قوله. وقال الليث معلق. وفيه: أن رواة الطريق الأول كلهم مدنيون ورواة الطريق الثاني من
نسب شتى، فالليث مصري ويونس أيلي وابن شهاب مدني، وكذلك عروة. وفيه: أن شيخه
من أفراده.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري من طريق يونس عن الزهري في
الأحكام عن علي بن عبد الله وفي الشركة وقال الليث. وأخرجه مسلم في آخر الكتاب عن
أبي الطاهر بن السرح وحرملة بن يحيى. وأخرجه أبو داود في النكاح عن أحمد بن عمرو بن
السرح. وأخرجه النسائي فيه عن يونس بن عبد الأعلى وسليمان بن داود، أربعتهم عن وهب
عن يونس. وأخرجه النسائي الطريق الأول عن سليمان بن سيف عن يعقوب بن إبراهيم بن

٨٣
٤٧ - كِتابُ الشَّرِكَةِ / باب (٧)
سعد به.
ذكر معناه: قوله: ((وقال الليث))، معلق وصله الطبري في تفسيره من طريق عبد الله
ابن صالح عن الليث مقروناً بطريق ابن وهب عن يونس. قوله: ((وإن خفتم إلى ... ورباع)»،
يعني: سأل عروة عائشة عن تفسير قوله تعالى: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا
ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء: ٣]. ومعنى قوله: وإن خفتم، يعني: إذا
كانت تحت حجر أحدكم يتيمة وخاف أن لا يعطيها مهر مثلها، فليعدل إلى ما سواها من
النساء فإنهن كثيرة، ولم يضيق الله عليه، وسيأتي في البخاري في تفسير سورة النساء: حدثنا
إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام عن ابن جريج أخبرني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن
رجلاً كانت له يتيمة فنكحها، وكان لها عذق، وكان يمسكها عليه ولم يكن لها من نفسه
شيء، فنزلت فيه: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾ [النساء: ٣]. أحسبه قال: كانت
شريكته في ذلك العذق وفي ماله، ثم ذكر البخاري عقيب هذا الحديث حديث الباب الذي
أخرجه عن عبد العزيز بن عبد الله الأويسي إلى آخره، وفي رواية لمسلم من حديث هشام
عن أبيه عن عائشة، رضي الله تعالى عنها. في قوله تعالى: ﴿وإن خفتم ألاّ تقسطوا في
اليتامى﴾ [النساء: ٣]. قالت: أنزلت في الرجل يكون له اليتيمة وهو وليها ووارثها ولها مال
وليس لها أحد يخاصم دونها ولا ينكحها لمالها فيضربها ويسيء صحبتها. فقال: ﴿وإن
خفتم ألاَّ تقسطوا في اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ١٢٧]. يقول: ما
أحللت لكم، ودع هذه التي تضربها. انتهى. قوله: ﴿ما طاب لكم﴾ [النساء: ٣]. قرأ ابن
أبي عبلة: من طاب لكم، ومعنى: طاب حل.
قوله: ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء: ٣]. معدولات عن: اثنين وثلاث وأربع، وهي
نكرة ومنعها عن الصرف للعدل والوصف، وقيل: للعدل والتأنيث لأن العدد كله مؤنث،
والواو جاءت على طريق البدل كأنه قال: وثلاث بدل من ثنتين ورباع بدل من ثلاث، ولو
جاءت: أو، لجاز أن لا يكون لصاحب المثنى ثلاث ولا لصاحب الثلاث رباع، والمقام مقام
امتنان وإباحة، فلو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع لذكره. وقال الشافعي: وقد دلت سنة
رسول الله عَّ لِ المبينة عن الله أنه: لا يجوز لأحد غير رسول الله عَ ليه أن يجمع بين أكثر من
أربع، وهذا الذي قاله الشافعي مجمع عليه بين العلماء إلا ما حكي عن طائفة من الشيعة في
الجمع بين أكثر من أربع إلى تسع، وقال بعضهم: لا حصر، وقد يتمسك بعضهم بفعل النبي
عَّ له في جمعه بين أكثر من أربع، إما تسع كما ثبت في الصحيحين وإما إحدى عشرة كما
جاء في بعض ألفاظ البخاري، وهذا عند العلماء من خصائص رسول عَّ دون غيره من
الأمة. قوله: ((فقالت: يا ابن أختي))، وذلك لأن عروة ابن أسماء أخت عائشة، رضي الله
تعالى عنها. قوله: ((في حجر وليها))، بفتح الحاء وكسرها، وقال ابن الأثير: يجوز أن يكون
من حجر الثوب وهو طرفه المقدم، لأن الإنسان يربي ولده في حجره، والحجر، بالفتح
والكسر: الثوب والحضن، والمصدر بالفتح لا غير، ووليها: هو القائم بأمرها.

٨٤
٤٧ - كِتابُ الشَّرِكَةِ / باب (٨)
قوله: ((بغير أن يقسط))، بضم الياء، من: الإقساط، وهو العدل يقال: أقسط يقسط فهو
مقسط إذا عدل، وقسط يقسط من باب ضرب يضرب فهو قاسط إذا جار، فكأن الهمزة في
أقسط للسلب، كما يقال شكى إليه فأشكاه. قوله: ((فنهوا))، بضم النون والهاء، لأنه صيغة
المجهول، وأصله نهيوا، فنقلت ضمة الياء إلى الهاء فالتقى ساكنان، فحذفت الياء فصار:
نهوا، على وزن: فعوا، لأن المحذوف لام الفعل. قوله: ((ثم إن الناس استفتوا))، أي: طلبوا
منه الفتوى في أمر النساء. الفتوى والفتيا بمعنى واحد، وهو الإسم، والمفتي من يبين المشكل
من الكلام، وأصله من الفتي وهو الشاب القوي، فالمفتي يقوى ببيانه ما أشكل. قوله: ((بعد
هذه الآية))، وهي قوله تعالى: ﴿وإن خفتم﴾ إلى ﴿ورباع﴾ [النساء: ٣]. قوله: فأنزل الله
تعالى: ﴿ويستفتونك في النساء﴾ [النساء: ١٢٧]. أي: يطلبون منك الفتوى في أمر النساء.
قال ابن أبي حاتم: قرأت على محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أخبرنا ابن وهب أخبرني
يونس عن ابن شهاب أخبرني عروة بن الزبير، قالت عائشة، رضي الله تعالى عنها: ثم إن
الناس استفتوا رسول عَّله بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله ﴿ويستفتونك في النساء قل الله
يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب﴾ [النساء: ١٢٧]. الآية، قالت: والذي ذكر الله أن
يتلى عليهم في الكتاب الآية الأولى التي قال الله تعالى: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى
فأنكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣]. وبهذا الإسناد عن عائشة قالت: وقول الله:
﴿وترغبون أن تنكحوهن﴾ [النساء: ١٢٧]. رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره
حين تكون قليلة المال ... إلى آخر ما ساقه البخاري والمقصود أن الرجل إذا كان في حجره
يتيمة يحل له تزويجها، فتارة يرغب في أن يتزوجها، فأمره الله تعالى أن يمهرها أسوة أمثالها
من النساء، فإن لم يفعل فليعدل إلى غيرها من النساء، فقد وسع الله عز وجل، وهذا المعنى
في الآية الأولى التي في أول السورة، وتارة لا يكون للرجل فيها رغبة لدمامتها عنده أو في
نفس الأمر، فنهاه الله، عز وجل، أن يعضلها عن الأزواج خشية أن يشركوه في ماله الذي بينه
وبينها، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
قوله: ﴿في يتامى النساء اللاتي لا تؤتوهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن﴾
[النساء: ١٢٧] فكان الرجل في الجاهلية يكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه، فإذا فعل
ذلك بها لم يقدر أحد أن يتزوجها أبداً، فإن كانت جميلة فهو بها تزوجها وأكل مالها، وإن
كانت دميمة منعها من الرجال حتى تموت، فإذا ماتت ورثها فحرم ذلك ونهى عنه. قوله:
((رغبة أحدكم بيتيمته))، وفي رواية الكشميهني: عن يتيمته، وهذا هو الصواب، وضبطه
الحافظ الدمياطى هكذا.
٨ - بابُ الشَّرِكَةِ في الأرضينَ وغَيْرِها
أي: هذا باب في بيان حكم الشركة في الأرضين وغيرها، أي: وغير الأرضين كالدار
والبساتين، وكأنه أشار بهذا إلى أن للشركاء في الأرض وغيرها القسمة مطلقاً، خلافاً لمن

٨٥
٤٧ - كِتَابُ الشَّرِكَةِ / باب (٩ و١٠)
خصها بالتي ينتفع بها إذا قسمت على ما يجيء بيانه عن قريب، إن شاء الله تعالى.
٢٤٩٥/١٣ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا هِشامٌ قال أُخْبرنَا مَعْمَرٌ عن
الزُّهْرِيِّ عنْ أَبِي سَلَمَةَ عنْ جابِرِ بنِ عبدِ الله رضي الله تعالى عنهُما قال إَّما جعَلَ النبيُّ عَلَّه
الشُّفْعَةَ في كُلِّ ما لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وصُرّفَتِ الطُّرُقُ فَلاَ شُفْعَةَ. [انظر الحديث
٢٢١٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((ما لم يقسم))، لأن هذا يشعر بأن ما لم يقسم يكون
بين الشركاء، والقسمة لا تكون إلاّ بينهم، والحديث مضى في: باب شفعة ما لم يقسم، فإنه
أخرجه هناك: عن مسدد عن عبد الواحد عن معمر عن الزهري، وهنا: عن عبد الله بن محمد
الجعفي البخاري المعروف بالمسندي عن هشام بن يوسف الصنعاني اليماني عن معمر بن
راشد عن محمد بن مسلم الزهري ... إلى آخره. قوله: ((كل ما لم يقسم))، أي: كل مشترك
لم يقسم من الأراضي ونحوها.
٩ - بابٌ إِذا اقْتَسَمَ الشُّرَكَاءُ الدُّورَ أَوْ غَيْرَها فَلَيْسَ لَهُمْ رجوَعٌ ولا شُفْعَةٌ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا اقتسم الشركاء الدور وغيرها، أي: غير الدور، نحو:
البساتين وسائر العقارات، وفي بعض النسخ: إذا اقتسموا، نحو: أكلوني البراغيث. قوله:
((فليس لهم رجوع)) جواب: إذا، لأن القسمة عقد لازم فلا رجوع فيها. قوله: ((ولا شفعة))
أي: ولا شفعة في القسمة، لأن الشفعة في الشركة لا في القسمة لأن الشفعة لا تكون في
شيء مقسوم عند العلماء كافة، وإنما هي في المشاع لقوله، عَّ: إذا وقعت الحدود فلا
شفعة.
١٤ / ٢٤٩٦ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا عبْدُ الوَاحِدِ قال حدَّثنا معْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيَّ عنْ
أبِي سلَمَةَ ابنِ عبْدِ الرَّحْمنِ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهما قال قَضَى النبيُّ
عَّهِ بِالسُّفْعَةِ في كُلِّ ما لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتِ الحدُودُ وصُرِّفَتِ الطُّرْقُ فَلاَ شُفْعَةَ. [انظر
الحديث ٢٢١٣ وأطرافه].
قيل لا مطابقة بين الحديث والترجمة لأن في الترجمة لزوم القسمة وليس في
الحديث إلاَّ نفي الشفعة. وأجيب: بأنه يلزم من نفي الشفعة نفي الرجوع إذ لو كان للشريك
الرجوع لعاد ما يشفع فيه مشاعاً، فحينئذ تعود الشفعة. والحديث مضى الآن وفي: باب شفعة
ما لم يقسم، كما ذكرناه، وعبد الواحد هو ابن زياد البصري.
١٠ - بابُ الاشْتِرَاكِ في الذَّهَبِ والْفِضَّةِ وما يَكونُ فِيهِ منَ الصَّرْفِ
أي: هذا باب في بيان حكم الاشتراك في الذهب والفضة، وهو جائز إذا كان من كل
واحد من الإثنين دراهم أو دنانير فالشرط أن يخلطا المال حتى يتميز ثم يتصرفان جميعاً،
ويقيم كل واحد منهما الآخر مقام نفسه، وهذا صحيح بلا خلاف. واختلفوا فيما إذا كان من

٨٦
٤٧ - كِتَابُ الشّرِكَةِ / باب (١٠)
أحدهما دنانير ومن الآخر دراهم، فقال مالك والكوفيون والشافعي وأبو ثور: لا يجوز، وقال
ابن القاسم: إنما لم يجز ذلك لأنه صرف وشركة، وكذلك قال مالك، وحكى ابن أبي زيد
خلاف مالك فيه، وأجازه سحنون، وأكثر قول مالك: إنه لا يجوز، وقال الثوري: يجوز أن
يجعل أحدهما دنانير والآخر دراهم فيخلطانها، وذلك أن كل واحد منهما قد باع بنصف
نصيبه نصف نصيب صاحبه. قوله: ((وما يكون فيه من الصرف)) وفي بعض النسخ: وما
يكون في الصرف بدون كلمة: من، وهذا مثل التبر والدراهم المغشوشة، وقد اختلف العلماء
في ذلك، فقال الأكثرون: يصح في كل مثلي، وهذا هو الأصح عند الشافعية. وقيل: يختص
بالنقد المضروب، وقال الكرمانى: وما يكون فيه الصرف هو بيع الذهب بالفضة، وبالعكس،
وسمي به لصرفه عن مقتضى البياعات من جواز التفاضل فيه، وقيل: من صريفهما، وهو
تصويتهما في الميزان.
٢٤٩٧/١٥ - ٢٤٩٨ _ حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيّ قال حدَّثنا أبو عاصِمٍ عنْ عُثْمَانَ يَعْنِي
ابنَ الأسْوَدِ قال أُخْبَرني سُلَيْمَانُ بنُ أَبِي مُسْلِمٍ قال سألتُ أبَا الْمِنْهَالِ عنِ الصَّرْفِ يدَاً بِيَدٍ
فقال اشْتَرَيْتُ أنا وشَريكٌ لي شَيْئاً يدَاً بِيَدٍ ونَسِيئَةٍ فجاءَنا البُراءُ بنُ عازِبٍ فَسَأَلْناهُ فقال فَعَلْتُ
أنا وشَرِيكي زَيْدُ بن أرْقَمَ فسألْنَا النبيَّ عَُّلَِّ عِنْ ذُلِكَ فقال ما كانَ يَداً بِيَدٍ فَخُذُوهُ وما كانَ
نَسيئَةً فَذَرُوهُ. [انظر الحديثين ٢٠٦٠ و٢٠٦١ وأطرافهما].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((اشتريت أنا وشريك لي شيئاً))، وذلك لأن أبا
المنهال وشريكه كانا يشتريان شيئاً من الذهب والفضة يداً بيد ونسيئة، وكانا شريكين فيهما،
فسألا عن حكم ذلك لأنه صرف، ثم عملا بما بلغهما من النبي، عَّهِ، إن ما كان يداً بيد
فهو جائز، وما كان نسيئة فلا يجوز.
والحديث مر في أوائل البيوع في: باب التجارة في البر، فإنه أخرجه هناك من
طريقين: الأول: عن أبي عاصم عن ابن جريج عن عمرو بن دينار عن ابن المنهال، والآخر:
عن الفضل بن يعقوب عن الحجاج بن محمد ... إلى آخره، وهنا أخرجه: عن عمرو، بفتح
العين: ابن علي بن بحر أبي حفص الباهلي البصري الصيرفي عن أبي عاصم النبيل، واسمه:
الضحاك بن مخلد، وهو شيخ البخاري أيضاً، وروى عنه هنا بواسطة، وكذلك في عدة
مواضع يروي عنه بواسطة، وفي مواضع يروي عنه بلا واسطة، وعثمان هو ابن الأسود بن
موسى بن باذان المكي. وقوله: ((يعني: ابن الأسود)) إشعار منه بأن شيخه لم يقل إلاَّ عثمان
فقط، وأما ذكر نسبه فهو منه، وهذا من جملة الاحتياطات، وسليمان بن أبي مسلم هو
الأحول، مر في التهجد، وأبو المنهال، بكسر الميم وسكون النون وباللام: عبد الرحمن.
قوله: ((شيئاً يداً بيد ونسيئة)) ولفظه في كتاب البيوع: كنت أتجر في الصرف. قوله:
((فخذوه))، بالفاء وكذلك: فذروه، بالفاء، ويروى: ذروه، بدون الفاء، وذلك لأن الاسم
الموصول بالفعل المتضمن للشرط يجوز فيه دخول الفاء في خبره ويجوز تركه. قوله:

٨٧
٤٧ - كِتابُ الشَّرِكَةِ / باب (١١)
((فذروه))، بالذال المعجمة وتخفيف الراء، أي: اتركوه، وهو من الأفعال التي أمات العرب
ماضيها، وهذه هي رواية كريمة، وفي رواية النسفي: فردوه، بضم الراء وتشديد الدال من الرد.
وفيه: رد ما لا يجوز وهو النسيئة وهو التأخير، فلا يجوز شيء من الصرف نسيئة، وإنما
یجوز يداً بيد، وقد مر.
١١ - بابُ مُشَارَكَةِ الذُّمِّيّ والْمُشْرِكِينَ في الْمُزَارَعَةِ
أي: هذا باب في بيان حكم مشاركة الذمي والمشركين المسلم في المزارعة. قوله:
((والمشركين)) من باب عطف العام على الخاص، على أن المراد من المشركين هم
المستأمنون، فيكونون في معنى أهل الذمة، وأما المشرك الحربي فلا تتصور الشركة بينه وبين
المسلم في دار الإسلام، على ما لا يخفى، وحكمها أنها تجوز، لأن هذه المشاركة في
معنى الإجارة واستئجار أهل الذمة جائز، وأما مشاركة الذمي مع المسلم في غير المزارعة
فعند مالك: لا يجوز إلاَّ أن يتصرف الذمي بحضرة المسلم، أو يكون المسلم هو الذي يتولى
البيع والشراء، لأن الذمي قد يتجر في الربا والخمر ونحو ذلك مما لا يحل للمسلم، وأما
أخذ أموالهم في الجزية فللضرورة، إذ لا مال لهم غيره، وروى ما قاله مالك عن عطاء
والحسن البصري، وبه قال الليث والثوري وأحمد وإسحاق وعند أصحابنا: مشاركة المسلم
مع أهل الذمة في شركة المفاوضة لا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد. خلافاً لأبي يوسف،
وقد عرف في موضعه.
٢٤٩٩/١٦ - حدَّثنا موسى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا جُوَيْرِيَةُ بنُ أسْمَاءَ عنْ نافِعِ عنْ
عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُ قال أعْطَى رسولُ الله عَ لَّه خَيْبَرَ الْيَهُودَ أَنْ يَعْمَّلُوها
وَيَزْرَعُوها ولَهُمْ شَطْرُ ما يَخْرُجُ مِنْهَا. [انظر الحديث ٢٢٨٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث، وهو أن فيه مشاركة اليهود في مزارعة خيبر
من حيث إنه عَِّ جعل لهم شطر ما يخرج من الزراعة من خيبر، والشطر الباقي يصرف
للمسلمين، وهؤلاء اليهود كانوا أهل ذمة وألحق المشركون بهم لأنهم في حكم أهل الذمة
لكونهم مستأمنين، كما ذكرنا. والحديث قد مضى في أوائل كتاب المزارعة في مواضع،
وقد مر الكلام فيه هناك، ونذكر بعض شيء من ذلك.
قوله: ((أن يعملوها))، أي: يزرعوا بياض أرضها، ولذلك سموا المساقاة. وفيه: إثبات
المساقاة والمزارعة، ومالك لا يجيزه. قوله: ((ولهم شطر ما يخرج منها)) أي: من أرض خيبر
التي يزرعونها.
وفيه: دليل على أن رب الأرض والشجر إذا بين حصة نفسه جاز، وكان الباقي للعامل
كما لو بيَّنَ حصة العامل، وقال بعض الفقهاء: إذا سمى حصة نفسه لم يكن الباقي للعامل
حتى يسمي له حصته، واحتج به أحمد: أنه إذا كان البذر من عند العامل جاز، وذهب ابن
أبي ليلى وأبو يوسف إلى أنها جائزة، سواء كان البذر من عند الأكار أو رب الأرض. وقال

٨٨
٤٧ - كِتابُ الشَّرِكَةِ / باب (١٢ و ١٣)
ابن التين: استدل به من أجاز قرض النصراني، ولا دليل فيه لأنه قد يعمل بالربا ونحوه،
بخلاف المسلم، والعمل في النخل والزرع لا يختلف فيه عمل يهودي من نصراني، ولو
كان المسلم فاسقاً يخشى أن يعمل به ذلك، كره أيضاً كالنصراني بل أشد، وقال المهلب:
وكل ما لا يدخله رباً ولا ينفرد به الذمي فلا بأس بشركة المسلم له فيه.
١٢ - بابُ قِسْمَةِ الْغَنَم والْعَدْلِ فِيها
أي: هذا باب في بيان حكم قسمة الغنم والعدل فيها، أي: في قسمة الغنم.
١٧/ ٢٥٠٠ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ يَزِيدَ بنِ أبِي حَبِيبٍ عنْ
أبِي الخَيْرِ عنْ عُقْبَةَ بنِ عامِرٍ رضي الله تعالى عنه أنَّ رسولَ الله عَّهِ أَعْطَاهُ غنَماً يَقْسِمُها
عَلَى صَحَابَتِهِ وضَحايا فبَقِيَ عَتُودٌ فَذَكرَهُ لرَسُولِ اللهِ عَ لَّهِ فقال ضَحُ بِهِ أَنْتَ. [انظر الحديث
٢٣٠٠ وطرفيه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وقد مضى هذا الحديث بعين هذا المتن وبعين هذا الإسناد في
أول كتاب الوكالة، غير أن شيخه هناك عمرو بن خالد عن الليث، وهنا قتيبة عنه، وقد مر
الكلام فيه هناك.
قوله: ((عتود))، بفتح العين المهملة وضم التاء المثناة من فوق: وهو ما بلغ الرعي وقوي
وبلغ حولاً، وهذه القسمة يجوز فيها من المسامحة والمساهلة ما لا يجوز في القسمة التي
هي تمييز الحقوق، لأنه عَّه، إنما وكل عقبة على تفريق الضحايا على أصحابه، ولم يعين
لأحد منهم شيئاً بعينه، فكان تفريقاً موكولاً إلى اجتهاد عقبة، وكان ذلك على سبيل التطوع
من رسول الله عَّهِ، لا أنها كانت واجبة عليه لأصحابه، فلم يكن على عقبة حرج في
قسمتها ولا لزمه من أحد منهم ملامة إن أعطاه دون ما أعطى صاحبه، وليس كذلك القسمة
بين حقوقهم الواجبة، فإنها متساوية في المقسوم، فهذه لا يكون فيها تغابن ولا ظلم على
أحد منهم.
وفيه: استيمار الوكيل ما يصنع بما فضل. وفيه: التفويض إلى الوكيل. وفيه: قبول
العطية والتضحية بها.
١٣ - بابُ الشَّرِكَةِ في الطّعامِ وغَيْرِهِ
أي: هذا باب في بيان حكم الشركة في الطعام وغيره، هو كل ما يجوز تملكه، وقال
بعضهم: وغيره، أي: من المثليات، والذي قلنا هو أعم وأحسن، وجواب الترجمة: يجوز
ذلك، لأن الشركة بيع من البيوع فيجوز في الطعام وغيره، وكره مالك الشركة في الطعام
بالتساوي أيضاً في الكيل والجودة، لأنه يختلف في الصفة والقيمة، ولا تجوز الشركة إلا
على الاستواء في ذلك، لا يكاد أن يجمع فيه ذلك فكرهه، وليس الطعام مثل الدنانير
والدراهم التي هي على الاستواء عند الناس. وقال ابن القاسم: تجوز الشركة بالحنطة إذا

٨٩
٤٧ - كِتابُ الشَّرِكَةِ / باب (١٣)
اشتركا على الكيل ولم يشتركا على القيمة، وأجاز الكوفيون وأبو ثور الشركة بالطعام، وقال
الأوزاعي: تجوز الشركة بالقمح والزيت لأنهما يختلطان جميعاً، ولا يتميز أحدهما من الآخر.
واختلفوا في الشركة بالعروض، فجوزها مالك وابن أبي ليلى، ومنعها الثوري والكوفيون
والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور. وقال الشافعي: لا تجوز الشركة في كل ما يرجع في
حال المفاضلة إلى القيمة إلاَّ أن يبيع نصف عرضه بنصف عرض الآخر ويتقابضان.
ويُذْكَرُ أَنَّ رَجُلاً ساوَمَ شَيْئاً فَغَمَزَهُ آخَرُ فَرَأى عُمَرُ أَنَّ لَهُ شَرِكَةً
كذا وقع في رواية الأكثرين، فرأى عمر، وفي رواية ابن شبويه: فرأى ابن عمر، والأول
أصح، وهذا التعليق رواه سعيد بن منصور من طريق إياس بن معاوية أن عمر أبصر رجلاً
يساوم سلعة وعنده رجل، فغمزه حتى اشتراها، فرأى عمر أنها شركة، وهذا يدل على أنه كان
لا يشترط للشركة صيغة ويكتفي فيها بالإشارة إذا ظهرت القرينة، وهو قول مالك، وعن مالك
أيضاً في السلعة تعرض للبيع فيقف من يشتريها للتجارة، فإذا اشتراها واحد منهم واستشركه
الآخر لزمه أن يشركه لأنه انتفع بترك الزيادة عليه، وكذلك إذا غمزه أو سكت فسكوته رضاً
بالشركة، لأنه كان يمكنه أن يقول: لا أشركك، فيزيد عليه، فلما سكت كان ذلك رضاً،
وقال ابن حبيب: ذلك لتجار تلك السلعة خاصة، كأن يشتريها في الأول من أهل تلك
التجارة أو غيرهم. قال: وروي أن عمر قضى بمثل ذلك. قال: وكل ما اشتراه لغير تجارة،
فسأله رجل أن يشركه وهو يشتري، فلا تلزمه الشركة، وإن كان الذي استشركه من أهل
التجارة، والقول قول المشتري مع يمينه إن شراه ذلك لغير التجارة. قال: وما اشتراه الرجل من
تجارته في حانوته أو بيته فوقف به ناس من أهل تجارته فاستشركوه، فإن الشركة لا تلزمه.
ونقل ابن التين عن مالك في رواية أشهب فيمن يبتاع سلعة وقوم وقوف، فإذا تم البيع سألوه
الشركة، فقال: أما الطعام فنعم، وأما الحيوان فما علمت ذلك فيه، زاد في (الواضحة): وإنما
رأيت ذلك خوفاً أن يفسد بعضهم على بعض إذا لم يقض لهم بذلك، وقال أصبغ: الشركة
بينهم في جميع السلع من الأطعمة والعروض والدقيق والحيوان والثياب، واختلف فيمن
حضرها من ليس من أهل سوقها ولا من يتجر بها، فقال مالك وأصبغ: لا شركة لهم، وقال
أشهب: نعم.
١٨ / ٢٥٠١ - ٢٥٠٢ _ حدَّثنا أَصْبَغُ بنُ الْفَرَج قال أخْبَرَني عبْدُ الله بنُ وهْبٍ قال
أخبرني سعيدٌ عنْ زُهْرَةَ بنِ مَعْبَدٍ عنْ جَدِّهِ عبْدِ اللهَ بنِ هِشامٍ وكانَ قَدْ أَدْرَكَ النبيَّ عَليه
وَذَهَبَتْ بِهِ أُمُّهُ زَيْنَبُ بِنْتُ حُمَيْدٍ إلى رَسُولِ اللهِ عَ لَّهِ فَقالَتْ يا رسولَ الله بايِعْهُ فقال هُوَ صَغِيرٌ
فَمَسَحَ رَأْسَهُ ودَعالَهُ. وعنْ زُهْرَةَ بنِ مَعْبَدٍ أَنَّهُ كانَ يَخْرُجُ بِهِ جَدُّهُ عبدُ الله بنُ مِشَامَ إلَی
السُّوقِ فِيَشْتَرِي الطَّعامَ فَيَلْقَاهُ ابنُ عُمَرَ وابنُ الزُّبَيْرِ رضي الله تعالى عنهُمْ فَقُولانِ لَهُ أَشْرِكْنا
فَإِنَّ النبيَّ عَِّ قَدْ دَعا لَكَ بِالْبَرَكَةِ فَيُشْرِكُهُمْ فَوّْما أصابَ الرَّاحِلَةَ كَمَا هِيَ فِيَبْعَثُ بِها إلى
المَنْزِلِ. [الحديث ٢٥٠١ - طرفه في: ٧٢١٠]. [الحديث ٢٥٠٢ طرفه في: ٦٣٥٣].

٩٠
٤٧ - كِتابُ الشَّرِكَةِ / باب (١٣)
هذا الحديث إلى آخر الباب حديث واحد غير أنه ذكر بعد قوله: ((وعن زهرة بن
معبد)) وهو أيضاً موصول بالسند الأول، والمطابقة بينه وبين الترجمة في قوله: ((فيقولان له:
أشركنا ... )) إلى آخره
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أصبغ بن الفرج، بالجيم، أبو عبد الله، مر في
الوضوء. الثاني: عبد الله بن وهب بن مسلم أبو محمد. الثالث: سعيد هو ابن أبي أيوب
الخزاعي، واسمه أبو أيوب مقلاص. الرابع: زهرة، بضم الزاي وسكون الهاء - من الأسماء
المشتركة بين الذكور والإناث - ابن معبد، بفتح الميم وسكون العين المهملة وفتح الباء
الموحدة: ابن عبد الله بن هشام أو عقيل، بفتح العين. الخامس: جده عبد الله بن هشام بن
زهرة التيمي، من بني عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة رهط أبي بكر الصديق، رضي
الله تعالى عنه، وهشام مات قبل الفتح كافراً، وقد شهد عبد الله بن هشام فتح مصر فاختط
بها، ذكره ابن يونس وغيره، وعاش إلى خلافة معاوية.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع، والإخبار بصيغة الإفراد
في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن رواته كلهم
مصريون. وفيه: أن شيخه من أفراده. وفيه: أن عبد الله بن هشام أيضاً من أفراده. وفيه: رواية
الراوي عن جده. وفيه: سعيد ذكر مجرداً عن نسبه، وفي رواية ابن شبويه: سعيد هو ابن أبي
أيوب. وفيه: عن زهرة، وفي رواية أبي داود من رواية المقري: حدثني سعيد حدثني أبو
عقيل زهرة بن معبد.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الدعوات عن عبد الله
عن ابن وهب وفي الشركة أيضاً عن علي بن عبد الله عن عبد الله بن يزيد عن سعيد به.
وأخرجه أبو داود في (الخراج) عن عبيد الله بن عمر القواريري عن عبد الله بن يزيد المقري
عن سعيد به، ولم يقل: ودعا له.
ذكر معناه: قوله: ((وكان قد أُدرك النبي، عَّلّ))، ذكر ابن منده أنه أدرك من حياة
النبي، عَّلِ، ست سنين. قوله: ((وذهبت به أمه زينب بنت حميد))، بضم الحاء: ابن زهير بن
الحارث بن أسد بن عبد العزى، وهي من الصحابيات. قوله: ((بايعه)) أمر من المبايعة، وهي
المعاقدة على الإسلام، كأن كل واحد من المبايعين باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة
نفسه وطاعته ودخيلة أمره، وعلل، عَُّلّه، لترك المبايعة بقوله: هو صغير، ولكنه مسح رأسه
ودعا له. قوله: ((وعن زهرة))، قد ذكرنا أنه موصول بالإسناد المذكور. قوله: ((فيقولان له))،
أي: يقول ابن عمر وابن الزبير لعبد الله بن هشام: أشركنا، بفتح الهمزة يعني: إجعلنا شريكين
لك في الطعام الذي اشتريته. قوله: ((فيشركهم))، بضم الياء، أي: فيجعلهم شركاء معه فيما
اشتراه. قوله: ((فربما أصاب الراحلة))، أي: من الربح. قوله: ((كما هي))، أي: بتمامها.
وفيه من الفوائد: مسح رأس الصغير. وفيه: ترك مبايعة من لم يبلغ، وقال الداودي:

٩١
٤٧ - كِتَابُ الشَّرِكَةِ / باب (١٤)
وكان يبايع المراهق الذي يطيق القتال. وفيه: الدخول في السوق لطلب المعاش وطلب
البركة حيث كانت. وفيه: الرد على جهلة المتزهدة في اعتقادهم أن السعة من الحلال
مذمومة، نبه عليه ابن الجوزي. وفيه: أن الصغير إذا عقل شيئاً من الشارع كان ذلك صحبة،
قاله الداودي. وقال ابن التين: فيه نظر. وفيه: أن النساء كن يذهبن بالأطفال إلى النبي، عَّه.
وفيه: طلب التجارة وسؤال الشركة. وفيه: معجزة من معجزات النبي، عَ لّهِ، وهي: إجابة
دعائه في عبد الله بن هشام. وفيه: أن لفظ: أشركتك، إذا أطلق يكون تشريكاً في النصف،
قال الكرماني: قاله الفقهاء.
قالَ أَبُو عَبْدِ الله إذا قال الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ أشْرِكْنِي فَإِذَا سَكَتَ فَهْوَ شَرِيكُهُ بِالْتَّصْفِ
أبو عبد الله هو البخاري نفسه أراد أنه إذا رأى رجل رجلاً يشتري شيئاً فقال له:
أشركني فيما اشتريته، فسكت الرجل ولم يرد عليه بنفي ولا إثبات، يكون شريكاً له
بالنصف، لأن سكوته يدل على الرضا.
١٤ - بابُ الشَّرِكَةِ في الرَّقِيقِ
أي: هذا باب في بيان حكم الشركة في الرقيق، قال ابن الأثير: الرقيق المملوك فعيل
بمعنى مفعول، وقد يطلق على الجماعة، تقول: رق العبد وأرقه واسترقه. وفي (المغرب):
الرقيق العبد، وقد يقال للعبيد ومنه هؤلاء: رقيقي، ورق العبد رقاً: صار رقيقاً، واسترقه اتخذه
رقيقاً.
٢٥٠٣/١٩ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا جُوَيْرِيَةُ بنُ أسْمَاءَ عنُ نافِعِ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي
الله تعالى عنهُما عنِ النبيِّ عَّه قال مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي مَمْلُوكٍ وَجَبَ عَلَّيْهِ أنْ يُعْتِقَ
كُلَّهُ إنْ كانَ لَهُ مالٌ قَدْرَ ثَمَنِهِ يُقَامُ قِيمَةَ عَدْلٍ ويُعْطَى شُرَّكَاؤُهُ حِصَّتَهُمْ ويُخَلَّى سَبِيلُ
الْمُعْتَقِ. [انظر الحديث ٢٤٩١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((من أعتق شركاً له)) لأن الإعتاق يبنى على صحة
الملك، فلو لم تكن الشركة في الرقيق صحيحة لما ترتب عليها صحة العتق، وقد مضى هذا
الحديث في: باب تقويم الأشياء بين الشركاء بقيمة عدل، فإنه أخرجه هناك: عن عمران بن
ميسرة عن عبد الوارث عن أيوب عن نافع، وقد ذكر هناك من أخرجه غيره، والبخاري أخرج
حديث ابن عمر في العتق من طرق كثيرة ووجوه مختلفة في مواضع متعددة. قوله: ((وجب
عليه أن يعتق كله إن كان له مال))، به تعلق الشافعي وأحمد وإسحاق: أن الضمان لا يجب
على أحد الشريكين للآخر لقيمة نصيبه إلا إذا كان موسراً. قوله: ((سبيل المعتق))، بفتح التاء
وقد مر البحث فيه هناك مستقصّى.
٢٠/ ٢٥٠٤ _ حدَّثنا أَبُو النُّعْمَانِ قال حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حازِمٍ عنْ قَتَادَةَ عنِ النَّضْرِ بنِ
أنَسٍ عنْ بَشيرِ بنِ نَهِيكِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه عن النبيِّ عَّلِ قال مَنْ أَعْتَقَ

٩٢
٤٧ - كِتابُ الشَّرِكَةِ / باب (١٥)
شِقْصاً لَهُ فِي عَبْدٍ أُغْتِقَ كلُّهُ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وإلاَّ يُسْتَسْعَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ. [انظر
الحديث ٢٤٩٢ وطرفيه].
مطابقته للترجمة مثل ما ذكرنا في الحديث الذي قبله، وقد مضى هذا الحديث أيضاً
في: باب تقويم الأشياء، عن قريب فإنه أخرجه هناك: عن بشر بن محمد عن عبد الله عن
سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ... إلى آخره وأخرج البخاري حديث أبي هريرة أيضاً من طرق
كثيرة ووجوه مختلفة، وقد مر الكلام فيه هناك وما يتعلق بالحديثين المذكورين. قوله:
((يستسع))، وفي رواية: يستسعى، بإشباع العين بالألف، وفي أخرى استسعى على صيغة
المجهول من الماضي، والله أعلم.
١٥ - بابُ الإِشْتِرَاكِ في الْهَدْيِ والْبُدْنِ
أي: هذا باب في بيان حكم الاشتراك في الهدي، بسكون الدال وهو ما يهدى إلى
الحرم من النعم. قوله: ((والبدن))، من باب عطف الخاص على العام، وهو بضم الباء وسكون
الدال: جمع بدنة.
وإِذَا أَشْرَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي هَدْيِهِ بَعْدَ ما أَهْدَى
جواب إذا مقدر تقديره: هل يجوز ذلك؟ وجواب الاستفهام يعلم من قوله عَ له في
حديث الباب، وهو قوله: وأشركه في الهدي، وفي بعض النسخ: وإذا أشرك الرجل رجلاً،
وهذا أوجه.
٢١ / ٢٥٠٥ _ ٢٥٠٦ - حدَّثنا أَبُو النُّعْمَانِ قال حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ قال أخبرَنا عبْدُ
المَلِكِ بنُ جرَيْجِ عنْ عطاءٍ عنْ جابرٍ وعنْ طاؤُسٍ عنِ ابنِ عِبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُم قال
قَدِمَ النبيُّ عَّهِ صُبْحَ رائِعَةٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مُهلِّينَ بالْحَجِّ لاَ يَخْلِطُهُمْ شَيْءٌ فَلَمَّا قَدِمْنا أَمَرَنا
فجَعَلْناها عُمْرَةً وأنْ نَحِلَّ إلَى نِسَائِنا فَفَشَتْ فِي ذُلِكَ الْقَالَةُ قال عَطاءٌ فقال جابِرٌ فَيرُوحُ
أَحَدُنا إلى مِنَّى وذكَرُهُ يَقْطُرُ مَنِيّاً فقال جابِرٌ بِكُفِّهِ فَبَلَغَ ذلِكَ النّبِيَّ عَلَّهِ فقامَ خَطِيباً فقالَ
بلَغَنِي أَنَّ أَقْوامَاً يَقولونَ كَذَا وكذَا والله لأنا أَبَرُّ وأتْقُى الله مِنْهُمْ ولَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ
أُمْري ما اسْتَذْبَرْتُ ما أَهْدَيْتُ ولَوْلا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لأُخْلَلْتُ فقامَ سُراقَةُ بنُ مالِكِ بنِ جُعْشُمٍ
فقال يا رسولَ الله هِيَ لَنا أوْ لِلَأَبَدِ فقال لا بَلْ لِلْأَبَدِ قال وجاءَ عَلِيُّ بنُ أبي طالِبٍ فقالَ
أَحَدُهُما يقولُ لَكَيْكَ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ وقال الآخَرُ لَيْكَ بِحََجَّةِ رسولِ اللهِ عَ لَّه فَأمَرٌ
النبيُّ عََّلَّهِ أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِخْرَامِهِ وأَشْرَكَهُ فِي الْهَدْيِ. [انظر الحديث ١٠٨٥ وطرفيه]. [انظر
الحديث ١٥٥٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وأشركه في الهدي))، ورجاله كلهم قد ذكروا غير مرة،
وأبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي، وحديث جابر مضى في كتاب الحج في: باب
تقضي الحائض المناسك، وبينهما اختلاف في الرواة وزيادة ونقصان في المتن، ومضى أكثر

٩٣
٤٧ - كِتابُ الشَّرِكَةِ / باب (١٥)
الكلام في هذا هناك.
قوله: ((وعن طاوس)) عطف على قوله: عطاء، لأن ابن جريرج سمع منهما. قوله: ((قدم
النبي عٍَّ)) أي: مكة. قوله: ((صبح رابعة)) أي: في صبيحة ليلة رابعة، قال الداودي: اختلف
فيه، وكان خروجه من المدينة لخمس بقين من ذي القعدة. قوله: ((مهلين)) أي: محرمين،
وانتصابه على الحال، وإنما جمع باعتبار أن قدوم النبي، عَّ له، مستلزم لقدوم أصحابه معه،
ويروى: محرمون، على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هم محرمون. قوله: ((لا يخلطهم
شيء)) أي: من العمرة، ويروى: لا يخلطه، ففي الأول الضمير يرجع إلى النبي، عَّهِ،
وأصحابه الذين معه، وفي الثاني: يرجع إلى النبي، عَّ له، وحده، وقال صاحب (التوضيح):
وفيه: دلالة واضحة على الإفراد. قلت: لا يدل على ذلك، لأن معنى: لا يخلطه شيء، يعني
وقت الإحرام، وكذلك معنى قول عائشة، رضي الله تعالى عنها، وأهلَّ رسول الله، عَ لَّهِ،
بالحج مفرداً أنه لم يعتمر في وقت إحرامه بالحج، لكنه اعتمر بعد ذلك. قوله: ((فلما قدمنا))
أي: مكة، شرفها الله تعالى. قوله: ((أمرنا))، أي: أمرنا رسول الله، عَّهِ. قوله: ((فجعلناها
عمرة))، أي: فجعلنا تلك الفعلة من الحج عمرة، أي: صرنا متمتعين. قوله: ((ففشت)) أي:
فشاعت وانتشرت، من الفشو: بالفاء والشين المعجمة. قوله: ((في ذلك))، أي: في فعلهم
العمرة بعد الحج. قوله: ((القالة))، بالقاف واللام ويروى: المقالة بالميم قبل القاف، وكلاهما
بمعنى واحد، وأراد به مقالة الناس، وذلك لما كان في اعتقادهم أن العمرة لا تصح في أشهر
الحج، وكانوا يرون العمرة فيها فجوراً.
قوله: ((قال عطاء))، هو الراوي عن جابر، وهو عطاء بن أبي رباح. قوله: ((وذكره يقطر
منياً)) هذا كناية عن قرب العهد بالوطء، والواو فيه للحال. قوله: ((قال جابر: بكفه)) أراد أنه
أشار به إلى التقطر، أي: قال جابر: قوله: ((ذلك)) والحال أنه يكفه من كف يكف أي: منع،
ويروى: بكفه، بالباء الموحدة المكسورة، دخلت على الكف الذي هو العضو المعروف.
قوله: ((فبلغ ذلك)) أي: ما صدر منهم من القول. قوله: ((خطيباً))، نصب على الحال. قوله:
((لأنا)) اللام فيه مفتوحة وهي لام التوكيد دخلت على المبتدأ وخبره هو قوله: ((أبر))، وهو
أفعل التفضيل من البر وهو الخير والإحسان ((وأتقى)) كذلك أفعل التفضيل من التقوى. قوله:
((ولو أني استقبلت من أمري)) أي: لو عرفت في أول الحال ما عرفت آخراً من جواز العمرة
في أشهر الحج ((لما أهديت)) أي: لكنت متمتعا إرادة لمخالفة أهل الجاهلية، ولولا أني معي
الهدي لأحللت من الإحرام، ولكن امتنع الإحلال لصاحب الهدي وهو المفرد أو القارن حتى
يبلغ الهدي محله، وذلك في أيام النحر لا قبلها، وقد احتج به من يقول: إنه عَ لَّه كان مفرداً
وأنه أفضل، وهذا الاحتجاج غير صحيح لأن الهدي لا يمنع المفرد من الإحلال والنبي عَ ليه
لم يتحلل، فدل على أنه كان متمتعاً وفي (الاستذكار): لا يصح عندنا أن يكون متمتعاً إلا
تمتع قران، لأنه لا خلاف بين العلماء أنه عٍَّ لم يحل من عمرته، وأقام محرماً من أجل هديه
إلى النحر، وهذا حكم القارن لا المتمتع.

٩٤
٤٧ - كِتابُ الشَّرِكَةِ / باب (١٦)
قوله: ((فقام سراقة))، بضم السين المهملة وتخفيف الراء والقاف: ابن مالك بن
جعشم، بضم الجيم والشين المعجمة وسكون العين المهملة بينهما وفي آخره ميم: المدلجي
من مدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة، يكنى أبا سفيان من مشاهير الصحابة، كان ينزل
قديداً وقيل: إنه سكن مكة. قوله: ((هي))، أي: العمرة في أشهر الحج أو المتعة. قوله: ((لا بل
للأبد)) أي: ليس الأمر كما تقول، بل هي إلى يوم القيامة ما دام الإسلام. قوله: ((وجاء علي
ابن أبي طالب))، أي: من اليمن، قال ابن بطال في (المغازي) للبخاري: عن بريدة أن النبي
عَّ لتر كان بعث علياً إلى اليمن قبل حجة الوداع ليقبض الخمس، فقدم من سعايته، فقال
النبي عَ لِ: ((بما أهللت يا علي؟)) قال: بما أهل به رسول الله عَّ ◌ُلِ. قال: ((فاهدٍ وامكث حراماً
كما كنت))، قال: فأهدى له علي هدياً، قال: فهذا تفسير قوله: ((وأشركه في الهدي)) أن
الهدي الذي أهداه علي عن النبي عَّ وجعل له ثوابه فيحتمل أن يفرده بثواب ذلك الهدي،
كله فهو شريك له في هديه لأنه أهداه عنه تطوعاً من ماله، ويحتمل أن يشركه في ثواب
هدي واحد يكون بينهما، كما ضحى عَّلِّ عنه وعن أهل بيته بكبش، وعمن لم يضح من
أمته وأشركهم في ثوابه، ويجوز الاشتراك في هدي التطوع. وقال القاضي: عندي أنه لم يكن
شريكاً حقيقة بل أعطاه نذراً يذبحه، والظاهر أنه عَِّ نحر البدن التي جاءت معه من المدينة
وأعطى علياً من البدن التي جاء بها من اليمن. قوله: ((فقال أحدهما))، أي: أحد الراويين من
عطاء وطاوس وقال بلفظ: أحدهما، لأن الراوي لم يكن عالماً بالتعيين، لكن روى عطاء عن
جابر في: باب تقضي الحائض المناسك، أنه قال: أهللت بما أهل به رسول الله عَّ له. قوله:
((وأشركه)) أي: أشرك النبي عَ لّه علياً في الهدي، وقد ذكرنا وجهه الآن.
١٦ - بابُ منْ عَدَلَ عَشْرَاً مِنَ الغَنَمِ بِجَزُورٍ في الْقَسْم
أي: هذا باب يذكر فيه من عدل من الغنم بجزور، بفتح الجيم وضم الزاي، أي: بعير،
في القسم، بفتح القاف قيد به احترازاً عن الأضحية فإن فيها يعدل سبعة بجزور نظراً إلى
الغالب، وأما يوم القسم فكان النظر فيه إلى القيمة الحاضرة في ذلك الزمان وذلك المكان.
٢٢/ ٢٥٠٧ - حدّثنا مُحَمَّدٌ قال أخبرنا وَكِيعٌ عنْ سُفْيان عنْ أَبِيهِ عنْ عَبَايَةَ بنِ
رِفَاعَةَ عنْ جَدِّهِ رَافع بنِ خَدِيج رضي الله تعالى عنهُ قال كُنَّا مَعَ النبيِّ عَلَّهِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ
مِنْ تِهَامَةَ فأصَبْنَا غَنَماً وإِلاَ فَعَجِلَ الْقَوْمُ فأغلَوْا بِها القُدُورَ فَجاءَ رسولُ اللهِ عَّلِ فَأَمَرَ بِها
فَأَكْفِقَتْ ثُمَّ عدَلَ عَشْرَاً مِنَ الغَنَمِ بِجَزُورٍ ثمَّ إِنَّ بعيراً مِنْهَا نَدَّ ولَيْسَ فِي الْقَوْمِ إلَّ خَيْلٌ يَسيرَةٌ
فرَماهُ رَجُلٌ فَحَبَسَهُ بِسَهْم فقالَ رسولُ اللهِ عَّهِ إِنَّ لِهذِهِ الْبَهَائِم أوَابِدَ كأوَابِدِ الْوَخْشِ فَما
غَلَبَكُمْ مِنْها فاضتَعِوا بِهِ لَهَكَذُّ قال قال جَدِّي يا رسولَ اللهِ إِنَّا نَوَجَو أوْ نَخافُ أنْ نَلْقَى العَدُوَّ
ولَيْسَ مَعَنا مُدَى أَفَنَذْبَحُ بالْقِصَبِ فقال اغْجَلْ أَوْ أُزْنِي ما أَنْهَرَ الدَّمَ وِذُكِرَ اسمُ الله عَلَيْهِ
فَكُلُوا لَيْسَ السَّنَّ والظُّفْرَ وسَأُحَدَّثُكُمْ عِنْ ذُلِكَ أَمَّا السَّنُّ فَعَظْمٌ وأمَّا الظَّفْرُ فَمُدْى الحَبَشَةِ.
[انظر الحديث ٢٤٨٨ وأطرافه].

٩٥
٤٧ - كتابُ الشركة / باب (١٦)
مطابقته للترجمة في قوله: ((ثم عدل عشراً من الغنم بجزور))، والحديث مضى عن
قريب في: باب قسمة الغنم، فإنه أخرجه هناك: عن علي بن الحكم الأنصاري عن أبي عوانة
عن سعيد بن مسروق عن عباية ... إلى آخره، وهنا أخرجه: عن محمد ولم ينسب هو في
أكثر الروايات، ووقع في رواية ابن شبويه: حدثنا محمد بن سلام عن وكيع عن سفيان الثوري
عن أبيه سعيد بن مسروق عن عباية ... إلى آخره، وقد مر الكلام فيه مستوفّى هناك.
قوله: ((أو أراني))، بفتح الهمزة وسكون الراء وكسر النون بزيادة الياء الحاصلة من
إشباع كسرة النون، ويروى: أرن، بفتح الهمزة وكسر الراء وسكون النون. قال الخطابي:
صوابه: أرن، على وزن: اعجل، وهو بمعناه وهو من أرن يأرن: إذا نشط وخف، أي: أعجل
ذبحها لئلا تموت خنقاً، فإن الذبح إذا كان بغير حديد احتاج صاحبه إلى خفة يد وسرعة.
قال: وقد يكون على وزن: أعطِ، يعني: أدم القطع ولا تفتر، من قولهم: رنوت إذا أدمت
النظر، والصحيح أنه بمعنى أعجل، وأنه شك من الراوي هل قال: أعجل أو أرنٍ. وقال
التوربشتي: هي كلمة تستعمل في الاستعجال وطلب الخفة، وأصل الكلمة كسر الراء ومنهم
من يسكنها ومنهم من يحذف ياء الإضافة منها لأن كسرة النون تدل عليها. قال الكرماني:
بيان كونه ياء الإضافة مشكل إذ الظاهر أنه ياء الإشباع. قلت: الذي قاله هو الصحيح، لأن
ياء الإضافة لا وجه لها هنا على ما لا يخفى، والله أعلم بحقيقة الحال.

بسم الله الرحمن الرَّحيم
٤٨ _ كتابُ الرَّهْنِ في الْحَضَرِ
أي: هذا كتاب في بيان أحكام الرهن، هكذا هو في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره:
باب الرهن في الحضر، وفي رواية ابن شبويه: باب ما جاء في الرهن، وفي رواية الكل الآية
مذكورة في الأول. قوله: ((في الحضر)) ليس بقيد، ولكنه ذكره بناء على الغالب، لأن الرهن
في السفر نادر، وقال ابن بطال: الرهن جائز في الحضر خلافاً للظاهرية، واحتجوا بقوله
تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣]. والجواب:
أن الله تعالى إنما ذكر السفر لأن الغالب فيه عدم الكاتب في السفر، وقد يوجد الكاتب في
السفر ويجوز فيه الرهن، وكذا يجوز في الحضر، ولأن الرهن للاستيثاق فيستوثق في الحضر
أيضاً كالكفيل، وأيضاً رهن رسول الله عَّةِ، درعه بالمدينة، والرهن في اللغة مطلق الحبس،
قال الله تعالى: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ [المدثر: ٣٨]. أي: محبوسة، وفي الشرع:
هو حبس شيء يمكن استيفاؤه منه الدين: تقول: رهنت الشيء عند فلان ورهنه الشيء وأرهنته
الشيء بمعنى، قال ثعلب: يجوز رهنته وأرهنته. وقال الأصمعي: لا يقال: أرهنت الشيء وإنما
يقال: رهنته، ويجمع الرهن على رهان ورهن بضمتين. وقال الأخفش: رهن - بضمتين -
قبيحة لأنه لا يجمع فعل على فعل إلاَّ قليلاً شاذاً، نحو: سقف وسقف، قال: وقد يكون رهن
جمعاً للرهان، كأنه يجمع رهن على رهان، ثم يجمع رهان على رهن، مثل فراش وفرش،
والراهن الذي يرهن، والمرتهن الذي يأخذ الرهن، والشيء مرهون ورهين والأنثى رهينة.
١ - بابٌ في الرهن في الحضر وقوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم
تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وقوله، بالجر عطف على ما قبله أي في بيان قوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر﴾
[البقرة: ٢٨٣]. قوله: ﴿وإن كنتم على سفر﴾ [البقرة: ٢٨٣]. أي: مسافرين، وتداينتم إلى
أجل مسمى: ﴿ولم تجدوا كاتباً﴾ [البقرة: ٢٨٣]. يكتب لكم، قال ابن عباس: أو وجدوه
ولم يجدوا قرطاساً أو دواة أو قلماً ﴿فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣]. أي: فليكن بدل
الكتابة رهان مقبوضة في يد صاحب الحق. وقد استدل بقوله: ﴿فرهان مقبوضة﴾ [البقرة:
٢٨٣]. أن الرهن لا يلزم إلاَّ بالقبض، كما هو مذهب الجمهور، وقال ابن بطال: جميع
الفقهاء يجوزون الرهن في الحضر والسفر، ومنعه مجاهد وداود في الحضر، ونقل الطبري
عن مجاهد والضحاك أنهما قالا: لا يشرع الرهن إلاَّ في السفر حيث لا يوجد الكاتب، وبه
قال داود.
٢٥٠٨/١ - حدّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قال حدَّثنا هِشَامٌ قال حدَّثنا قَتَادَةُ عنْ أَنَس
رضي الله تعالى عنهُ قال ولَقَدْ رَهَنَ النبيُّ عَ لّهِ دْعَهُ بِشَعِيرٍ ومَشَيْتُ إلى النبيِّ عَّهِ بِخُبٍْ
٩٦

٩٧
٤٨ - كتابُ الرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ / باب (١)
شَعِيرٍ وإِهَالَة سِنْخَةٍ وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يقولُ ما أُصْبَحَ لِآلِ مُحَمَّدٍ عَ لَِّ إِلاَّ صاعٌ وَلا أَمْسَى وَإِنَّهُم
لَتِسْعَةُ أَبْياتٍ. [انظر الحديث ٢٠٦٩].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ولقد رهن رسول الله عَّلي درعه بشعير))، وقد مضى
الحديث في أوائل كتاب البيوع في: باب شراء النبي عٍَّ بالنسيئة، فإنه أخرجه هناك: عن
مسلم عن هشام عن قتادة عن أنس وعن محمد بن عبد الله بن حوشب عن أسباط عن هشام
الدستوائي عن قتادة عن أنس، ومضى الكلام فيه مستوفّى.
قوله: ((ولقد رهنه))، معطوف على شيء محذوف بيّنه ما رواه أحمد من طريق أبان
العطار عن قتادة عن أنس: أن يهودياً دعا رسول الله عَّ له فأجابه، ولقد رهن ... إلى آخره،
وهذا اليهودي هو أبو الشحم واسمه حنيته، وهو من بني ظفر، بفتح الظاء المعجمة والفاء:
وهو بطن من الأوس وكان حليفاً لهم وكان قدر الشعير ثلاثين صاعاً كما سيأتي في البخاري
من حديث عائشة في الجهاد، وكذلك رواه أحمد وابن ماجه والطبراني، وفي رواية الترمذي
والنسائي: ((بعشرين صاعاً)، ووقع لابن حبان من طريق شيبان عن قتادة عن أنس: أن قيمة
الطعام كانت ديناراً، وزاد أحمد من طريق شيبان: ((فما وجد ما يفتكها به حتى مات)). قوله:
((درعه))، بكسر الدال يذكر ويؤنث. قوله: ((بشعير))، الباء فيه للمقابلة، أي: رهن درعه في
مقابلة شعير. قوله: ((ومشيت))، أي: قال أنس: مشيت إلى النبي، عَِّ. قوله: ((بخبز شعير))،
بالإضافة والباء فيه تتعلق: بمشيت. قوله: ((وإهالة))، بكسر الهمزة وتخفيف الهاء: ما أذيب من
الشحم والألية، وقيل: هو كل دسم جامد، وقيل: ما يؤتدم به من الأدهان. قوله: ((سنخة))،
بفتح السين المهملة وكسر النون وفتح الخاء المعجمة: أي متغيرة الريح، ويقال: زنخة أيضاً
بالزاي، موضع السين. قوله: ((ولقد سمعته))، أي: قال أنس، رضي الله تعالى عنه: ((لقد
سمعت النبي، عَّه، يقول ... )) وقد مر ما قال الكرماني فيه وما رد عليه وما أجبت عنه في
الباب المذكور.
قوله: ((ما أصبح لآل محمد إلاَّ صاع ولا أمسى)). كذا بهذه العبارة وقع لجميع
الرواة، وكذا ذكره الحميدي في الجمع، ووقع لأبي نعيم في (المستخرج) من طريق الكجي
عن مسلم بن إبراهيم شيخ البخاري المذكور في سند الحديث، بلفظ: ((ما أصبح لآل محمد
ولا أمسى إلاّ صاع)) وهذا أحسن وفيه تنازع الفعلان في ارتفاع صاع وفي رواية البخاري.
قوله: ((أصبح))، فعل وفاعله: صاع، ويقدر صاع آخر في قوله: ولا أمسى، أي: ولا أمسى
صاع، ووقع في رواية أحمد عن أبي عامر والإسماعيلي من طريقه، وللترمذي من طريق ابن
أبي عدي ومعاذ بن هشام، وللنسائي من طريق هشام بلفظ: ((ما أمسى في آل محمد صاع تمر
ولا صاع حب))، والمراد بالآل: أهل بيته، ومنها: ، وقد بيَّنه بقوله: ((وإنهم))، أي: وإن آله
لتسعة أبيات، وأراد به بطريق الكناية تسع نسوة، وكذا وقع في رواية هؤلاء المذكورين، ولم
يقل النبي، عَّهِ، هذه المقالة بطريق التضجر، حاشا وكلاً، وإنما هو بيان الواقع.
وفيه من الفوائد: جواز معاملة الكفار فيما لم يتحقق تحريم عين المتعامل فيه، وعدم
عمدة القاري /ج١٣ / م٧

٩٨
٤٨ - كتابُ الرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ / باب (٢ و٣)
الاعتبار بفساد معتقدهم ومعاملاتهم فيما بينهم. وفيه: جواز بيع السلاح ورهنه وإجارته وغير
ذلك من الكافر ما لم يكن حربياً. وفيه: ثبوت أملاك أهل الذمة في أيديهم. وفيه: جواز
الشراء بالثمن المؤجل. وفيه: جواز اتخاذ الدروع وغيرها من آلات الحرب، وأنه غير قادح
في التوكل. وفيه: أن قنية آلة الحرب لا تدل على تحبيسها. وفيه: أن أكثر قوت ذلك العصر
الشعير، قاله الداودي. وفيه: ما كان فيه النبي، عَّله، من التواضع والزهد في الدنيا والتقلل
منها مع قدرته عليها، والكرم الذي أفضى به إلى عدم الادخار حتى احتاج إلى رهن درعه
والصبر على ضيق العيش والقناعة باليسير. وفيه: فضيلة أزواجه، عَّ له، لصبرهن معه على
ذلك. وفيه: فوائد أخرى ذكرناها هناك.
٢ - بابُ مَنْ رَهَنَ دِرْعَهُ
أي: هذا باب في بيان من رهن درعه وإنما ذكر هذه الترجمة مع أنه ذكر حديث الباب
في باب شراء النبي، عَ له، بالنسيئة لتعدد شيخه فيه مع زيادة فيه هنا على ما نذكره.
٢٥٠٩/٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا عبْدُ الْوَاحِدِ قال حدَّثنا الأعْمَشُ قال تَذَاكَرْنا
عنْدَ إبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ والْقَبِيلَ في السلَفِ فقال إبراهيمُ حدثنا الأسْوَدُ عنْ عائشةَ رضي الله تعالى
عنها أنَّ النبيَّ عَّهِ اشْتَرِى مِنْ يَهُوديٍ طعاماً إلى أجَلٍ ورَهَنَهُ دِرْعَهُ. [انظر الحديث ٢٠٦٨
وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ورهنه درعه))، وذكر هذا الحديث في: باب شراء النبي
عٍَّ بالنسيئة، كما ذكرنا الآن عن معلى بن أسد عن عبد الواحد عن سليمان الأعمش إلى
آخره، والزيادة فيه هنا قوله: ((والقبيل))، بفتح القاف وكسر الباء الموحدة: وهو الكفيل، وزناً
ومعنى. قوله: ((في السلف)) وهناك: ((في السلم)). وقد مضى الكلام فيه هناك وفي الباب
السابق أيضاً، والله أعلم.
٣ - بابُ رَهْنِ السِّلاَحِ
أي: هذا باب في بيان حكم رهن السلاح، قيل: وإنما ترجم لرهن السلاح بعد رهن
الدرع، لأن الدرع ليست بسلاح حقيقة، وإنما هي آلة يتقى بها السلاح. انتهى. قلت: الدرع
يتقى بها النفس وإن لم يكن عليه سلاح، والمراد بالسلاح الآلة التي يدفع بها الشخص عن
نفسه، والدرع أعظم وأشد في هذا الباب على ما لا يخفى.
٢٥١٠/٣ - حدَّثنا علِيُّ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثنا سُفْيانُ قال عَمْرٌو سَمِعْتُ جابِرَ بنَ
عبْدِ الله رضي الله تعالى عنهما يقولُ قال رسولُ الله عََّلَّ مَنْ لِكَغْبِ بنِ الأشْرَفِ فإنَّهُ أَذى
الله ورسولَهُ عَُّلِّ فقال مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ أَنَا فأتاهُ فقال أرَدْنا أنْ تُسْلِفَنا وِسْقاً أوْ وِسْقَيْنِ فقال
ارْهَنوني نِساءَكُمْ قَالُوا كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِساءَنا وأَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ قال فارْهنونِي أَبْنَاءَكُمْ قالوا
كَيْفَ نَرْهَنُ أَبْنَاءَنا فيُسَبُّ أحَدُهم فيقالُ رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ هذا عارٌ علَيْنَا وَلَكِنَّا نَرْهِنُكَ

٩٩
٤٨ - كتابُ الرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ / باب (٣)
الَّلَأُمَةَ قالَ سُفْيَانُ يَعْنِي السّلاحَ فَوَعَدَهُ أنْ يَأْتِيهُ فَقَتَلُوهُ ثُمَّ أَتَوْا النبيَّ عَّ الِ فأخبروه. [الحديث
٢٥١٠ - أطرافه في: ٣٠٣١، ٣٠٣٢، ٤٠٣٧].
قيل: ليس فيه ما بوب عليه لأنهم لم يقصدوا إلا الحديقة، وإنما يؤخذ جواز رهن
السلاح من الحديث الذي قبله. انتهى. قلت: ليس في لفظ الترجمة ما يدل على جواز رهن
السلاح ولا على عدم جوازه، لأنه أطلق، فتكون المطابقة بينه وبين الترجمة في قوله: ((ولكنا
نرهنك اللأمة))، أي: السلاح بحسب ظاهر الكلام، وإن لم يكن في نفس الأمر حقيقة
الرهن، وهذا المقدار كافٍ في وجه المطابقة.
وعلي بن عبد الله المعروف بابن المديني، وقد تكرر ذكره، وسفيان هو ابن عيينة.
وعمرو هو ابن دينار، ومحمد بن مسلمة، بفتح الميمين واللام أيضاً: ابن خالد بن عدي بن
مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمر وهو النبيت بن مالك بن أوس الحارثي
الأنصاري، يكنى أبا عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو سعيد حليف بني عبد
الأشهل شهد بدراً والمشاهد كلها مع رسول الله عَّه، وقيل: إنه استخلفه على المدينة عام
تبوك، روى عنه جابر وآخرون، اعتزل الفتنة وأقام بالربذة ومات بالمدينة في صفر سنة ثلاث
وأربعين، وقيل: سنة سبع وأربعين وهو ابن سبع وسبعين سنة، وصلى عليه مروان بن الحكم
وهو يومئذ أمير المدينة.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن علي بن عبد الله وفي الجهاد عن
قتيبة وعبد الله بن محمد فرقهما. وأخرجه مسلم في المغازي عن إسحاق بن إبراهيم وعبد
الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري. وأخرجه أبو داود في الجهاد عن أحمد بن صالح،
وأخرجه النسائي في السير عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن.
ذكر معناه: قوله: ((من لكعب بن الأشرف)) أي: من يتصدى لقتله، وقال ابن اسحاق
كان كعب بن الأشرف من طي ثم أحد بني نبهان حليف بني النضر، وكانت أمه من بني
النضر، واسمها عقيلة بنت أبي الحقيق، وكان أبوه قد أصاب دماً في قومه، فأتى المدينة
فنزلها، ولما جرى ببدر ما جرى قال: ويحكم! أحق هذا؟ وأن محمداً قتل أشراف العرب
وملوكها، والله إن كان هذا حقاً فبطن الأرض خير من ظهرها، ثم خرج حتى قدم مكة فنزل
على المطلب بن أبي وداعة السهمي، وعنده عاتكة بنت أسد بن أبي العيص بن أمية بن عبد
شمس، فأكرمه المطلب فجعل ينوح ويبكي على قتلى بدر، ويحرض الناس على رسول الله
عَّه، وينشد الأشعار، فمن ذلك ما حكاه الواقدي من قصيدة عينية طويلة من الوافر أولها:
ولمثل بدر تستهل وتدمع
طحنت رحى بدر بمهلك أهله
لا تبعدوا أن الملوك تصرع
قتلت سراة الناس حول خيامهم
فأجابه حسان بن ثابت، رضي الله تعالى عنه، فقال:

١٠٠
٤٨ - كتابُ الرَّهْنِ في الْحَضَرِ / باب (٣)
منه وعاش مجدعاً لا تسمع
أبكاه كعب ثم عل بعبرة
قتلى تسح لها العيون وتدمع
ولقد رأيت ببطن بدر منهم
إلى آخرها ... وبلغ ذلك رسول الله عَّ له فقال: ((من لكعب بن الأشرف؟)). وقال
الواقدي: كان كعب شاعراً يهجو رسول الله عَ لِ والمسلمين ويظاهر عليهم الكفار، ولما
أصاب المشركين يوم بدر ما أصابهم اشتد عليه. قوله: ((فقال محمد بن مسلم: أنا))، أي:
أنا له، أي: لقتله يا رسول الله. واختلفوا في كيفية قتله على وجهين: أحدهما لما ذكره
البخاري ومسلم أيضاً في: باب قتل كعب بن الأشرف، في كتاب المغازي، وهو قوله: قال:
يا رسول الله! أتحب أن أقتله؟ قال: نعم، قال: إئذن لي أن أقول شيئاً، قال: قل ... إلى آخر
الحديث، ينظر هناك. والوجه الثاني: ما ذكره محمد بن إسحاق وغيره: لما قال رسول الله
عَّ الله: ((من لكعب؟)) قال محمد بن مسلمة: أنا، فرجع محمد بن مسلمة فأقام ثلاثاً لا يأكل
ولا يشرب، وبلغ ذلك رسول الله عَّه، فدعاه فقال: ما الذي منعك من الطعام والشراب؟
فقال: لأني قلت قولا ولا أدري أفي به أم لا. فقال: ((إنما عليك الجهد))، فقال: يا رسول الله!
لا بد لنا أن نقول قولاً، فقال: ((قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك)). وقال محمد بن
إسحاق: فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة وسلكان بن سلامة بن وقش وهو أبو نائلة
الأشهلي، وكان أخاً لكعب من الرضاعة وعباد بن بشر بن وقش الأشهلي وأبو عبس بن حبر
أخو بني حارثة والحارث بن أوس، وقدموا إلى ابن الأشرف قبل أن يأتوا سلكان بن سلامة أبا
نائلة، فجاء محمد بن مسلمة إلى كعب فتحدث معه ساعة وتناشدا شعراً، ثم قال: ويحك يا
ابن الأشرف؟ إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك، فاكتم علي. قال: أفعل.
قال: كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء، عادتنا العرب ورمونا عن قوس واحدة،
وقطعت عنا السبل حتى جاع العيال وجهدت الأنفس، وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا،
فقال: أنا والله قد أخبرتكم أن الأمر سيصير إلى هذا، ثم جاءه من ذكرناهم، فقال له سلكان:
إني أردت أن تبيعنا طعاماً ونرهنك ونوثقك ونحسن في ذلك، فقال: أترهنوا في أبنائكم؟
قال: لقد أردت أن تفضحنا، إن معنى أصحاباً على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك بهم
فتبيعهم ونحسن في ذلك، ونرهنك من الحلقة، يعني: السلاح، ما في وفاء. فقال كعب: إن
في الحلقة لوفاء، فرجع أبو نائلة إلى أصحابه فأخبرهم، فأخذوا السلاح وخرجوا يمشون،
وخرج رسول الله عَ لّه معهم إلى البقيع يدعو لهم، وقال: انطلقوا على اسم الله وبركته))،
وكانت ليلة مقمرة، ورجع رسول الله عَ لّه إلى حجرته وساروا حتى انتهوا إلى حصنه، فهتف
به أبو نائلة، وكان حديث عهد بعرس، فوثب في ملحفة له فأخذت امرأته بناحيتها، وقالت:
إلى أين في هذه الساعة؟ فقال: إنه أبو نائلة، لو وجدني نائماً أيقظني، فقالت: والله إني
لأعرف في صوته الشر، فقال لها كعب: لو دعي الفتى إلى طعنة ليلاً لأجاب، ثم نزل
فتحدث معهم ساعة وتحدثوا معه، ثم قالوا: هل لك يا ابن الأشرف أن نتماشى إلى شعب
العجوز فنتحدث به بقية ليلتنا هذه، قال: نعم، إن شئتم، فخرجوا يتماشون فآخر الأمر أخذ أبو