النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ ٤٦ - كِتابُ الْمَظَالِمُ وَالْغَصْبِ / باب (٣٢) تخصيص، ويحتمل أن يكون: أو، بمعنى: إلى أن، يعني: فإن كسر طنبوراً إلى حد لا ينتفع بخشبه ولا ينتفع بعد الكسر، أو عطف على مقدر، وهو: كسراً ينتفع بخشبه أي: كسر كسراً ينتفع بخشبه ولا ينتفع بعد الكسر. انتهى. وقال بعضهم: ولا يخفى تكلف هذا الأخير وبعد الذي قبله. انتھی. قلت: الكرماني جعل لكلمة: أو، هنا ثلاث معان. منها: أن يكون للعطف على ما قبله، فيكون من باب عطف العام على الخاص. ومنها: أن يكون بمعنى: إلى أن، كما في قولك: لألزمنك أو تقضيني حقي، وينتصب المضارع بعدها، وهو كثير في كلام العرب، ولا بعد فيه. ومنها: أن يكون معطوفاً على شيء مقدر، وهذا أيضاً باب واسع فلا تكلف فيه، وإنما يكون التكلف في موضع يؤتى بالكلام بالجر الثقيل. والكلام في هذا الفصل أيضاً على الخلاف والتفصيل، فقال أصحابنا: من كسر لمسلم طنبوراً أو بربطاً أو طبلاً أو مزماراً أو دفاً فهو ضامن، وبيع هذه الأشياء جائز عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي ومالك وأحمد: لا يضمن ولا يجوز بيعها، وقال أصحاب الشافعي عنه بالتفصيل: إن كان بعد الكسر يصلح لنفع مباح يضمن، وإلاَّ فلا، وعن بعض أصحابنا: الاختلاف في الدف والطبل الذي يضرب للهو، وأما طبل الغزاة والدف الذي يباح ضربه في العرس فيضمن بالاتفاق. وفي (الذخيرة) للحنفية: قال أبو الليث: ضرب الدف في العرس مختلف فيه، فقيل: يكره، وقيل: لا. وأما الدف الذي يضرب في زماننا مع الصنجات والجلاجلات فمكروه بلا خلاف. وأُتِيَ شُرَيْحٌ فِي طَنْبُورٍ كُِرَ فَلَمْ يَقْضٍ فِيهِ بِشَيْءٍ شريح هو ابن الحارث الكندي، أدرك النبي، عَّةِ، ولم يلقه، استقضاه عمر بن الخطاب على الكوفة، وأقره علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، وأقام على القضاء بها ستين سنة، وقضى بالبصرة سنة، ومات سنة ثمان وسبعين وكان له عشرون ومائة سنة. قوله: ((وأتي شريح في طنبور))، يعني: أتى إليه اثنان ادعى أحدهما على الآخر أنه كسر طنبوره فلم يقض فيه بشيء، أي: لم يحكم فيه بغرامة. وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة من طريق أبي حصين، بفتح الحاء، بلفظ: أن رجلاً كسر طنبور رجل فرفعه إلى شريح فلم يضمنه شيئاً، وذكره وكيع بن الجراح عن سفيان عن أبي حصين، بفتح الحاء: أن رجلاً كسر طنبور رجل فحاجه إلى شريح فلم يضمنه شيئاً، وهذا يوضح أن جواب الترجمة عدم الضمان. وقال ابن التين: قضى شريح في الطنبور الصحيح يكسر: بأن يدفع لمالكه فينتفع به، وقال المهلب: وما كسر من آلات الباطل وكان فيها بعد كسرها منفعة فصاحبها أولى بها مكسورة، إلاَّ أن يرى الإمام حرقها بالنار، على معنى التشديد والعقوبة على وجه الاجتهاد، كما أحرق عمر، رضي الله تعالى عنه، دار على بيع الخمر، وقد هم الشارع بتحريق دور من يتخلف عن صلاة الجماعة، وهذا أصل في العقوبة في المال إذا رأى ذلك. قيل: هذا كان في الصدر ٤٢ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ وَالْغَصْبِ / باب (٣٢) الأول، ثم نسخ. ٥٠/ ٢٤٧٧ - حدّثنا أَبُو عاصِمِ الضََّّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عنْ تَزِيدَ بنِ أبِي عُبَيدٍ عنْ سلَمَةً ابنِ لأْوَع رضي الله تعالى عنهُ أنَّ النبيَّ عَ لَّهِ رَأى نِيرَاناً تُوقَدُ يَوْمَ خَيْبَرَ قال عَلَى ما تُوقَّدُ هذِهِ النيرَانُ قالُوا عَلَى الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ قال الْسِرُوهَا وأهْرِقُوها قالوا ألاَ نُهَرِيقُها ونَغْسِلُهَا قال اغْسِلوا. [الحديث ٢٤٧٧ - أطرافه في: ٤١٩٦، ٥٤٩٧، ٦١٤٨، ٦٣٣١، ٦٨٩١]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: (اكسروها)) أي: القدور، يدل عليه السياق، فلا يكون إضماراً قبل الذكر، وكسر القدور هنا في الحكم مثل كسر الدنان التي فيها الخمر. ورجاله ثلاثة قد ذكروا غير مرة، وهو من تاسع ثلاثيات البخاري. وأخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن القعنبي، وفي الأدب عن قتيبة وفي الذبائح عن مكي بن إبراهيم وفي الدعوات عن مسدد عن يحيى. وأخرجه مسلم في المغازي وفي الذبائح عن قتيبة ومحمد بن عباد وفي الذبائح عن إسحاق بن إبراهيم، وأخرجه ابن ماجه في الذبائح عن يعقوب بن حميد. ذكر معناه: قوله: ((يوم خيبر))، يعني في غزوة خيبر، وكانت سنة سبع ومن خيبر إلى المدينة أربع مراحل. قوله: ((اكسروها))، أي: القدور، وقد مر الآن الكلام فيه. قوله: ((على الحمر الأنسية))، الحمر بضمتين جمع حمار، وأراد بها الأنسية الحمر الأهلية. قوله: ((وأهريقوها))، بسكون الهمزة وجاز حذف الهمزة أو الهاء والياء، ونهريقها، بفتح الحاء وسكونها وبسكون الهاء وحذف الياء، قال الجوهري: هرق الماء يهريقه بفتح الهاء، هراقة، أي: صبه، وفي لغة أخرى: أهرق الماء يهرقه إهراقاً، وفيه لغة أخرى: إهراق يهريق إهراقاً، قالوا: قوله ألا نهريقها؟ بكلمة: ألاَ، التي للاستفهام عن النفي، ويروى: لا نهريقها، بالنفي. لا يقال: إن فيه مخالفة لأمر رسول الله عَّله، لأنهم فهموا بالقرائن أن الأمر ليس للإيجاب. قوله: ((قال: اغسلوها)) أي: قال عَّ في جوابهم، لا نهريقها ونغسلها: إغسلوها، إنما رجع عَّ الله عن أمره بالشيئين، وهما الأمر بالكسر، والأمر بالإهراق إلى قوله: اغسلوها، وهو مجرد الأمر بالغسل، لأنه يحتمل أن اجتهاده قد تغير أو أوحي إليه بذلك، واليوم لا يجوز فيه الكسر لأن الحكم بالغسل نسخ التخيير، كما أنه نسخ الجزم بالكسر. ذكر ما يستفاد منه: فيه: دليل على نجاسة لحم الحمر الأهلية، لأن فيه الأمر بإراقته، وهذا أبلغ في التحريم، وقد كانت لحوم الحمر تؤكل قبل ذلك. واختلف العلماء الذين ذهبوا إلى إباحة لحوم الحمر الأهلية في معنى النهي الوارد عن النبي عَ لِّ عن أكلها، لأي علة كان هذا النهي. فقال نافع وعبد الملك بن جريج وعبد الرحمن بن أبي ليلى وبعض المالكية: علة النهي لأجل الإبقاء على الظهر ليس على وجه التحريم. واحتجوا في ذلك بما روي عن ابن عباس أنه قال: ما نهى رسول الله عَّه يوم خيبر عن أكل لحوم الحمر الأهلية. إلاَّ من أجل أنها ظهر، رواه الطحاوي بإسناد صحيح عن ابن عباس من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، ورواه ابن أبي شيبة موقوفاً على عبد الرحمن، ولم يذكر ابن عباس، وفي الصحيحين عن ابن ٠٠٥ ٤٣ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ وَالْغَصْبِ / باب (٣٢) عباس، قال: لا أدري، أنهى عنه رسول الله عَّ له من أجل أنه كان حمولة الناس، فكره أن يذهب حمولتهم أو حرمه في يوم خيبر، وهذا يبين أن ابن عباس علم بالنهي لكنه حمله على التنزيه توفيقاً بين الآية وعمومها، وبين أحاديث النهي، وقال سعيد بن جبير وبعض المالكية: إنما منعت الصحابة يوم خيبر من أكل لحوم الحمر الأهلية لأنها كانت جوالة تأكل القذرات، فكان نهيه، مَّلَّه، لهذه العلة، لا لأجل التحريم. وقال آخرون: علة النهي كانت لاحتياجهم إليها، واحتجوا في ذلك بما رواه الطحاوي من حديث عبد الله بن عمر: نهى رسول الله عَ ليه عن أكل الحمار الأهلي يوم خيبر، وكانوا قد احتاجوا إليها. وقال آخرون: علة النهي أنها أقيتت قبل القسمة، فمنع النبي عٍَّ من أكلها قبل أن تقسم، وقال أبو عمر بن عبد البر: وفي إذن رسول الله، عَّهِ، في أكل الخيل، وإباحته لذلك يوم خيبر، دليل على أن نهيه عن أكل لحوم الحمر يومئذ عبادة لغير علة، لأنه معلوم أن الخيل أرفع من الحمير، وأن الخوف على الخيل وعلى قيامها فوق الخوف على الحمير، وأن الحاجة في الغزو وغيره إلى الخيل أعظم، وبهذا يتبين أن أكل لحوم الحمر لم يكن لحاجة وضرورة إلى الظهر والحمل، وإنما كانت عبادة وشريعة، والذين ذهبوا إلى إباحة أكل لحوم الحمر الأهلية، وهم: عاصم بن عمر ابن قتادة، وعبيد بن الحسن وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وبعض المالكية، احتجوا بحديث غالب بن أبجر، قال: يا رسول الله! إنه لم يبق من مالي شيء أستطيع أن أطعم منه أهلي غير حمر لي - أو حمرات لي - قال: فأطعم أهلك من سمين مالك، وإنما قذرت لكم جوال القرية. رواه الطحاوي وأبو داود وأبو يعلى والطبراني. وأجيب عنه: بأن هذا الحديث مختلف في إسناده، ففي طريق عن ابن معقل عن رجلين من مزينة أحدهما: عن الآخر عبد الله بن عمرو بن لويم، بضم اللام وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره ميم، والآخر: غالب بن أبجر، وقال مسعر: أري غالباً الذي سأل النبي، عَّهِ، وفي طريق عبد الرحمن بن معقل، وفي طريق عبد الرحمن بن بشر، وفي طريق عبد الله بن بشر عوض عبد الرحمن، وهذا اختلاف شديد فلا يقاوم الأحاديث الصحيحة التي وردت بتحريم لحوم الأهلية. وقال ابن حزم: هذا الحديث بطرقه باطل، لأنها كلها من طريق عبد الرحمن بن بشر وهو مجهول، والآخر: من طريق عبد الله بن عمرو بن لويم، وهو مجهول، أو من طريق شريك وهو ضعيف، ثم عن ابن الحسن، ولا يدرى من هو، أو من طريق سلمى بنت النضر الخضرية ولا يدرى من هي، وقال البيهقي: هذا حديث معلول، ثم طول في بيانه. قال أبُو عَبْدِ الله كانَ ابنُ أبيٍ أُوَيْسٍ يَقولُ الْحُمُرُ الأَنَسِيَّةُ بتَصْبِ الأَلِفِ والتُّونِ أبو عبد الله هو البخاري، نفسه يحكي عن شيخه إسماعيل بن أبي أويس، واسمه: عبد الله الأصبحي المدني ابن أخت مالك بن أنس، فإنه كان يقول: الحمر الأنسية نسبة إلى: الأنس، بالفتح - ضد الوحشة - وقال ابن الأثير: والمشهور فيها كسر الهمزة منسوبة إلى ٤٤ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ وَالْغَصْبِ / باب (٣٢) الأنس، وهم بنو آدم الواحد أنسي. وفي كتاب أبي موسى ما يدل على أن الهمزة مضمومة، فإنه قال: هي التي تألف البيوت، والأنس ضد الوحشة، والمشهور في ضد الوحشة الأنس بالضم، وقد جاء فيه بالكسر قليلاً. قال: ورواه بعضهم، بفتح الهمزة والنون وليس بشيء قال ابن الأثير: إن أراد أن الفتح غير معروف في الرواية فيجوز، وإن أراد أنه ليس بمعروف في اللغة فلا، فإنه مصدر: أنست به أنساً وأنسة .. وقال بعضهم: وتعبيره عن الهمزة بالألف، وعن الفتح بالنصب جائز عند المتقدمين، وإن كان الاصطلاح أخيراً قد استقر على خلافه، فلا تبادر إلى إنكاره. انتهى. قلت: هذا ليس بمصطلح عند النحاة المتقدمين والمتأخرين، إنهم يعبرون عن الهمزة بالألف، وعن الفتح بالنصب، فمن أدَّعى خلاف ذلك، فعليه البيان، فالهمزة ذات حركة، والألف مادة هوائية، فلا تقبل الحركة. والفتح من ألقاب البناء، والنصب من ألقاب الإعراب، وهذا مما لا يخفى على أحد. ٥١ / ٢٤٧٨ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدُ الله قال حدَّثنا سُفْيانُ قال حدَّثنا ابنُ أبِي نَجِيحِ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ أبِي مَعْمَرٍ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَشْعُودٍ رضي الله تعالى عنهُ قال دَخلَ النبيُّ عَّه مَكَّةَ وحَوْلَ الْكَغْبَةِ ثَلاَثمائَةٍ وسِتُونَ نُصُباً فجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعودٍ في يَدِهِ وجَعلَ يَقولُ ﴿جاءَ الْحَقُّ وزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ الآية [الإسراء: ٨١]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فجعل يطعنها بعود))، أي: يطعن النُصب، وهي التي نصبت للعبادة من دون الله، وهو داخل في الترجمة في قوله: فإن كسر صنماً أو صليباً. ورجاله: علي بن عبد الله المعروف بابن المديني، وسفيان هو ابن عيينة، وابن أبي نجيح، بفتح النون وكسر الجيم: هو عبد الله بن يسار - ضد اليمين - ومجاهد بن جبر، وأبو معمر، بفتح الميمين: عبد الله بن سخبرة الأزدي الكوفي. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن صدقة بن الفضل وفي التفسير عن الحميدي. وأخرجه مسلم في المغازي عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد ومحمد بن يحيى، الثلاثة عن ابن عيينة به، وعن حسن الحلواني وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح. وأخرجه الترمذي في التفسير عن ابن أبي عمر به. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن المثنى وعبيد الله بن سعيد فرقهما، كلاهما عن ابن عيينة. ذكر معناه: قوله: ((دخل النبي عَّلَّ))، يعني: في غزوة الفتح، وكانت في رمضان سنة ثمان. قوله: ((وحول الكعبة))، الواو فيه للحال. قوله: ((نصباً)). وقال ابن التين: ضبط في رواية أبي الحسن، بضم النون والصاد، فيكون على هذا جمع: نصاب، وهو صنم أو حجر ينصب، وليس ببيٍّ كونه جمعاً، لأنه لا يأتي بعد ستين إلاَّ مفرداً، تقول عندي ستون ثوباً ونحو ذلك، ولا تقول: أثواباً، قال: وقد قيل: نصب ونصب بمعنى واحد، فعلى هذا يكون جمعاً لا مفرداً، وقال ابن الأثير: النصب، بضم الصاد وسكونها: حجر كانوا ينصبونه في الجاهلية ويتخذونه صنماً ويعبدونه، والجمع أنصاب، وقيل: هو حجر كانوا ينصبونه ٤٥ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ والْغَصْبِ / باب (٣٢) ويذبحون عليه فيحمر بالدم، ويروى: ((صنماً))، موضع: ((نصباً). قوله: ((فجعل يطعنها))، جعل من أفعال المقاربة وهي ثلاثة أنواع، وهو من النوع الذي وضع على الشروع فيه، أي: في الخبر، وهو كثير. ((ويطعنها)) بضم العين على المشهور، ويجوز فتحها، قال الجوهري: طعنه بالرمح وطعن في السن يطعن - بالضم - طعناً، وطعن فيه بالقول يطعن أيضاً، وطعن في المفازة يطعن ويطعن أيضاً: ذهب. قوله: ((في يده)) في محل الجرّ لأنه صفة لعود. قوله: ((وجعل)) مثل جعل الأول. قوله: ((وزهق))، أي هلك ومات، يقال: زهقت نفسه تزهق زهوقاً بالضم خرجت، قال الجوهري: ﴿وزهق الباطل﴾ [الإسراء: ٨١]. أي: اضمحل، والزهوق بالفتح ... وروى البيهقي من حديث ابن عمر: أن رسول الله عَّ لما دخل مكة وجد بها ثلاثمائة وستين صنماً، فأشار إلى كل صنم بعصاً. وقال: ﴿جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا﴾ [الإسراء: ٨١]. وكان لا يشير إلى صنم إلاّ سقط من غير أن يمسه بعصاه، وروى أحمد من حديث جابر، قال: كان في الكعبة صور فأمر رسول الله عٍَّ عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، أن يمحوها، قبل عمر ثوباً ومحاها به، فدخلها عَّه وما فيها شيء. انتهى. وطعْنُه عَ لَّ الأصنام علامة أنها لا تدفع عن نفسها، فكيف تكون آلهة؟ ذكر ما يستفاد منه: قال الطبري: في حديث ابن مسعود جواز كسر آلات الباطل وما لا يصلح إلاّ في المعصية حتى تزول هيئتها وينتفع برضاضها، وقال ابن بطال: آلات اللهو كالطنابير والعيدان والصلبان والأنصاب، تكسر حتى تغير عن هيئتها إلى خلافها، ويقال: وكل ما لا معنى لها إلاَّ التلهي بها عن ذكر الله تعالى، والشغل بها عما يحبه الله إلى ما يسخطه، يجب أن يغير عن هيئته المكروهة إلى خلافها من الهيئات التي يزول معها المعنى المكروه، وذلك أنه عَّ كسر الأصنام والجوهر الذي فيها، ولا شك أنه يصلح إذا غير عن الهيئة المكروهة وينتفع به بعد الكسر، وقد روي عن جماعة من السلف كسر آلات الملاهي، وروى سفيان عن منصور عن إبراهيم قال: كان أصحاب عبد الله يستقبلون الجواري معهن الدفوف فيخرقونها، وقال ابن المنذر: في معنى الأصنام القبور المتخذة من المدر والخشب وشبههما، وكل ما يتخذه الناس فيما لا منفعة فيه إلا للتلهي المنهي عنه، فلا يجوز بيع شيء منه إلاَّ الأصنام التي تكون من الذهب والفضة والحديد والرصاص إذا غيرت مما هي عليه وصارت نقراً أو قطعاً فيجوز بيعها والشراء بها. ٢٤٧٩/٥٢ - حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ الْمُنْذِر قال حدَّثنا أنَسُ بنُ عِياضٍ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ القَاسِمِ عِنْ أبيهِ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أنَّها كانَتِ اتَّخَذَتْ عَلَى سَهْوَةٍ لَها سِتْراً فِيهِ تَمَاثَيلُ فَهَتَكَهُ النبيُّ عَ لَِّ فَاتَّخَذَتْ مِنْهُ تُمْقَتَيْنِ فَكَانَتَا فِي الْبَيْتِ يَجْلِسُ عَلَيْهِمَا. [الحديث ٢٤٧٩ - أطرافه في: ٥٩٥٤، ٥٩٥٥، ٦١٠٩]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فهتكه))، أي: فهتك الستر، أي: شقه، وهذا يدخل ٤٦ ٤٦ - كِتابُ الْمَظَالِمُ وَالْغَصْبِ / باب (٣٣) في قوله: فإن كسر صنماً، لأن التماثيل التي هي الصور كانت تعبد كما كان الصنم يعبد. وعبيد الله هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، والقاسم هو محمد ابن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه. والحديث من أفراده، ووجه إدخال هذا الحديث في المظالم هو: أن هتك الستر الذي فيه التماثيل من إزالة الظلم، لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وكذلك اتخاذ التماثيل والصور، وضع الشيء في غير موضعه. فافهم. ذكر معناه: قوله: ((سهوة))، بفتح السين المهملة وسكون الهاء، وهي الصفة التي تكون بين يدي البيوت، وقيل: هي بيت صغير منحدر في الأرض. وقيل: هي الرف أو الطاق الذي يوضع فيه الشيء، وقيل: هي الطاق في وسط البيت، وقيل: هي بيت صغير سمكه مرتفع عن الأرض يشبه الخزانة الصغيرة يكون فيه المتاع. قوله: ((تماثيل))، جمع تمثال، وهو ما يصنع ويصور مشبهاً بخلق الله تعالى من ذوات الروح، وفي (المغرب): الصورة عام ويشهد له ما ذكر في الأصل أنه صلى وعليه ثوب وفيه تماثيل، كره له. قال: وإذا قطع رأسها فليست بتمثال، ثم ذكر حديث الباب، وقال: من ظن أن الصورة المنهي عنها ما له شخص دون ما كان منسوجاً أو منقوشاً في ثوب أو جدار، فهذا الحديث يكذب ظنه. وقوله عَ لَّه: ((لا تدخل الملائكة بيتاً. فيه تماثيل أو تصاوير)). كأنه شك من الراوي، وأما قولهم: ويكره التصاوير والتماثيل، فالعطف للبيان. قوله: ((فهتكه))، أي: شقه، وقد ذكرناه، وفي حواشي (المغرب): هتك الستر تخريقه. قوله: ((نمرقتين))، تثنية مرقة، بضم النون والراء وكسرها وضم النون وفتح الراء: وهي وسادة صغيرة، وقد تطلق على الطنفسة، كذا فسره الكرماني. وقوله: ((فكانتا في البيت يجلس عليهما)) ينافي ذلك تفسيره بالوسادة. ٣٣ - بابُ مَنْ قاتَلَ دُونَ مالِهِ أي: هذا باب في بيان حكم من قاتل دون ماله، قال الكرماني: أي: عند ماله. وقال القرطبي: دون في أصلها ظرف مكان بمعنى تحت، ويستعمل للسببية على المجاز، ووجهه أن الذي يقاتل على ماله إنما يجعله خلفه أو تحته، ثم يقاتل عليه، وفي (الصحاح): دون نقيض فوق، وهو تقصير عن الغاية، ويكون ظرفاً، وجواب محذوف تقديره: من قاتل دون ماله فماذا حكمه؟ ويجوز أن يكون تقديره: من قاتل دون ماله فقتل فهو شهيد، ولم يذكره اكتفاء بما في حديث الباب، على عادته في مثل ذلك. ٥٣/ ٢٤٨٠ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ يَزِيدَ قال حدَّثنا سَعِيدٌ هُوَ ابنُ أبِي أَيُّوبَ قال حدَّثني أبو الأُسْوَدِ عنْ عِكْرِمَةَ عنْ عَبْدِ الله بن عَمْرٍو رضي الله تعالى عنهما قال سَمِعْتُ النّبِيَّ عَ لّهِ يَقُولُ مِنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهْوَ شَهِيدٌ. قيل: لا مطابقة بين الحديث والترجمة، لأن المقاتلة لا تستلزم القتل، والشهادة مرتبة على القتل. قلت: قد ذكرت الآن أن تقدير الترجمة: من قاتل دون ماله فقتل، فماذا حكمه؟ ٤٧ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ والْغَضْبِ / باب (٣٣) فالجواب: إنه شهيد. واقتصر في الحديث على لفظ: قتل، لأنه يستلزم المقاتلة، وبهذا تتضح المطابقة. وقيل أيضاً: ما وجه إدخال هذا الحديث في هذه الأبواب؟ وأجيب: بأنه يدل أن للإنسان أن يدفع من قصد ماله ظلماً، فإذا قتل صار شهيداً، وهذا النوع داخل في المظالم لأن فيه دفع الظلم. فافهم. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عبد الله بن يزيد - من الزيادة - القرشي العدوي أبو عبد الرحمن المقري القصير مولى آل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. الثاني: سعيد ابن أبي أيوب، واسمه مقلاص الخزاعي، مولاهم أبو يحيى، وقد مر في التهجد. الثالث: أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن يتيم عروة، مر في الغسل. الرابع: عكرمة مولى ابن عباس. الخامس: عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: السماع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن شيخه سكن مكة وأصله من ناحية البصرة. وقيل: من ناحية الأهواز، وأن سعيد بن أبي أيوب مصري. وأن أبا الأسود وعكرمة مدنيان. وفيه: عن عكرمة عن عبد الله، وفي رواية الطبراني عن أبي الأسود أن عكرمة أخبره، وليس لعكرمة عن عبد الله بن عمرو في البخاري غير هذا الحديث الواحد. ذكر الاختلاف في متن هذا الحديث: روى البخاري هذا الحديث عن المقري، فقال: فهو شهيد، ودحيم وابن أبي عمر وعبد العزيز بن سلام كلهم رووه عن المقري، فقالوا: فله الجنة، وكلهم قالوا: مظلوماً، ولم يقله البخاري، والأشبه أن يكون نقله من حفظه أو سمعه من المقرىء من حفظه، فجاء في الحديث على ما جرى به اللفظ في هذا الباب، ومن جاء به على غير ما اعتيد من اللفظ فيه فهو بالحفظ أولى، ولا سيما فيهم مثل دحيم، وكذلك ما زادوه من قوله: مظلوماً، فإن المعنى لا يجوز إلاَّ أن يكون كذلك، ورواه أبو نعيم في (مستخرجه): عن محمد بن أحمد عن بشر بن موسى عن عبد الله بن يزيد المقري بلفظ: من قتل دون ماله مظلوماً، وروى مسلم هذا الحديث وفيه قصة من حديث سليمان الأحول: أن ثابتاً مولى عمر بن عبد الرحمن أخبره أنه: لما كان بين عبد الله بن عمرو وبين عنبسة بن أبي سفيان ما كان تيسروا للقتال، فركب خالد بن العاص إلى عبد الله بن عمرو فوعظه خالد، فقال عبد الله بن عمرو: أما علمت أن رسول الله عَ لَّه قال: من قتل دون ماله فهو شهيد؟ قوله: تيسروا. أي: تأهبوا وتهيأوا. وأخرجه النسائي بإسناد البخاري: أخبرني عبيد الله بن فضالة بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبد الله، وهو ابن يزيد المقري، قال: حدثنا سعيد، قال: حدثني أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن عن عكرمة عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله، عَّه، قال: من قبل دون ماله مظلوماً فله الجنة، وله، في رواية من طريق آخر عن عكرمة عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله عَّه: من قتل دون ماله فهو شهيد، وهذا متنه قبل متن حديث البخاري، وإسناده مختلف. وله في رواية أخرى من حديث إبراهيم ٤٨ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ والْغَصْبِ / باب (٣٣) ابن محمد بن طلحة: أنه سمع عبد الله بن عمرو يحدث عن النبي عَّ لّه، قال: من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد. وقال: أخبرنا أحمد بن سليمان، قال: حدثنا معاوية بن هشام، قال: حدثنا سفيان عن عبد الله بن الحسن عن محمد بن إبراهيم بن طلحة عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله عَ له: من قتل دون ماله فهو شهيد. قال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ والصواب الذي قبله. وأخرجه الترمذي من حديث إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عبد الله بن عمرو عن النبي عَّ له قال: من قتل دون ماله فهو شهيد. ثم قال: وفي الباب عن علي وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس وجابر، ثم روى عن عبد بن حميد عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد حدثنا أبي عن أبيه عن أبي عبيدة بن محمد ابن عمار بن ياسر عن طلحة بن عبيد الله بن عوف عن سعيد بن زيد، قال: سمعت رسول الله عَ لّه يقول: من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد. ثم قال: هذا حسن صحيح رواه أبو داود من رواية أبي داود الطيالسي وسليمان بن داود الهاشمي، والنسائي من رواية سفيان وابن إسحاق وإبن ماجه من رواية سفيان فقط، كلاهما عن الزهري بذكر المال فقط. وأما حديث علي، رضي الله تعالى عنه، فأخرجه أحمد في (مسنده) من حديث زيد بن علي بن حسين عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله عَّةٍ: من قتل دون ماله فهو شهيد. قال شيخنا: أورده أحمد هكذا في مسند علي، وهو يدل على أن المراد بقوله عن جده، علي بن حسين، فعلى هذا يكون منقطعاً. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه ابن ماجه من حديث الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ◌ٍَّ: من أريد ماله ظلماً فقتل فهو شهيد. وأما حديث ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، فأخرجه ابن ماجه من حديث ميمون بن مهران عن ابن عمر: من أتي عند ماله فقاتل فقوتل فهو شهيد، وله طريق آخر رواه أبو يعلى الموصلي في (المعجم) من رواية أبي قلابة عنه، قال: قال رسول الله عَّله: من قتل دون ماله فهو شهيد. وأما حديث ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، فأخرجه ... وأما حديث جابر فأخرجه أبو يعلى في (مسنده) من رواية محمد ابن المنكدر عنه، قال: قال رسول الله عَ ليه: من قتل دون ماله فهو شهيد. قلت: وفي الباب أيضاً عن: سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وبريدة بن الحصيب وسويد بن مقرن وأنس بن مالك وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عامر بن كريز وفهر بن مطرف ومخارق بن سليم. وأما حديث سعد فأخرجه البزار في (مسنده) من حديث عبيدة بنت نائل عن عائشة بنت سعد عن أبيها، قال: سمعت رسول الله، عَ لَّه، يقول: ((من قتل دون ماله فهو شهيد)). وأما حديث عبد الله بن مسعود فأخرجه الطبراني في (الأوسط) وابن عدي في (الكامل) من رواية أبي وائل عن عبد الله، قال: قال رسول الله، عَّله: ((من قتل دون مظلمة فهو شهيد))، ورواه البزار من رواية أبي وائل عنه، ولفظه: ((من قتل دون ماله فهو شهيد)). وأما حديث بريدة فأخرجه النسائي من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه، قال: قال رسول الله، عَّله: ((من قتل دون ماله فهو شهيد)). وأما حديث سويد بن مقرن فأخرجه ٤٩ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ والْغَصْبِ / باب (٣٣) النسائي أيضاً من رواية سوادة بن أبي الجعد عن أبي جعفر، قال: كنت جالساً عند سويد بن مقرن، فقال: قال رسول الله عَّهِ: ((من قتل دون مظلمته فهو شهيد)). وأما حديث أنس، رضي الله تعالى عنه، فأخرجه البزار في (مسنده) والطبراني في (الأوسط) وابن عدي في (الكامل) من رواية عبد العزيز بن صهيب عنه عن النبي عَّه، قال: المقتول دون ماله شهيد. وأما حديث عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عامر فأخرجهما الطبراني في (الأوسط) من رواية حنظلة بن قيس عن عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عامر بن كريز: أن رسول الله عَ ليه قال: من قتل - أو قال: مات - دون ماله فهو شهيد. وأما حديث نهير بن مطرف فأخرجه البزار في (مسنده) من حديث عبد العزيز بن المطلب عن أخيه عن أبيه فهيد بن مطرف: أن رجلاً سأل النبي عَ لِّ فقال: يا رسول الله! أرأيت إن عدا علي عادٍ؟ قال: تأمره وتنهاه، قال: فإن أبى، تأمر بقتاله؟ قال: نعم، فإن قتلك فأنت في الجنة، وإن قتلته فهو في النار. وأما حديث مخارق بن سليم فأخرجه النسائي من حديث قابوس بن مخارق عن أبيه، قال: جاء رجل إلى النبي عَّهِ، فقال: الرجل يأتيني فيريد مالي؟ قال: ذكّره بالله. قال: فإن لم يذكر؟ قال: فاستعن عليه بمن حولك من المسلمين. قال: فإن لم يكن حولي أحد من المسلمين؟ قال: فاستعن عليه بالسلطان، قال: فإن نأى السلطان عني؟ قال: قاتل دون مالك حتى تكون من شهداء الآخرة، أو تمنع مالك. ذكر ما يستفاد منه: فيه: جواز قتل القاصد لأخد المال بغير حق، سواء كان المال قليلاً أو كثيراً، لعموم الحديث، وهذا قول جماهير العلماء. وقال بعض أصحاب مالك: لا يجوز قتله إذا طلب شيئاً يسيراً: كالثوب والطعام، وهذا ليس بشيء، والصواب ما قاله الجماهير. وأما المدافعة عن الحريم فواجبة بلا خلاف، وقال النووي: وفي المدافعة عن النفس بالقتل خلاف في مذهبنا ومذهب غيرنا، والمدافعة عن المال جائزة غير واجبة. وفيه: أن القاصد إذا قتل لا دية له ولا قصاص. وفيه: أن الدافع إذا قتل يكون شهيداً. وقال الترمذي: وقد رخص بعض أهل العلم للرجل أن يقاتل عن نفسه وماله. وقال ابن المبارك: يقاتل ولو درهمين. وقال المهلب: وكذلك في كل من قاتل على ما يحل له القتال عليه من أهل أو دين فهو كمن قاتل دون نفسه وماله، فلا دية عليه ولا تبعة، ومن أخذ في ذلك بالرخصة وأسلم المال والأهل والنفس فأمره إلى الله تعالى، والله يعذره ويأجره، ومن أخذ في ذلك بالشدة وقتل كانت له الشهادة. وقال ابن المنذر: وروينا عن جماعة من أهل العلم أنهم رأوا قتال اللصوص ودفعهم عن أنفسهم أموالهم، وقد أخذ ابن عمر لصاً في داره، فأصلت عليه السيف، قال سالم: فلولا أنا لضربه به، وقال النخعي: إذا خفت أن يبدأك اللص فابدأه. وقال الحسن: إذا طرق اللص بالسلاح فاقتله، وسئل مالك عن القوم يكونون في السفر فتلقاهم اللصوص؟ قال: يقاتلونهم ولو على دانق. وقال عبد الملك: إن قدر أن يمتنع من اللصوص فلا يعطهم شيئاً. وقال أحمد: إذا كان اللص مقبلاً، وأما مولياً فلا. وعن إسحاق مثله. وقال أبو حنيفة في رجل دخل على رجل ليلاً للسرقة ثم خرج بالسرقة من الدار، فاتبعه عمدة القارى /١٣٦ /٤٥ ٥٠ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ وَالْغَصْبِ / باب (٣٤) الرجل فقتله: لا شيء عليه. وقال الشافعي: من أريد ماله في مصر أو في صحراء، أو أريد حريمه، فالاختيار له أن يكلمه أو يستغيث، فإن منع - أو امتنع - لم يكن له قتاله، فإن أبى أن يمتنع من قتله من أراد قتله، فله أن يدفعه عن نفسه وعن ماله، وليس له عمد قتله، فإذا لم يمتنع فقاتله فقتله لا عقل فيه ولا قود ولا كفارة. ٣٤ - بابٌ إِذَا كَسَرَ قَضْعَةً أوْ شَيْئاً لِغَيْرِهِ أي: هذا باب يذكر فيه إذا كسر شخص قصعة، بفتح القاف وسكون الصاد: وهي إناء من عود، وقال ابن سيده: وهي صحفة تشبع عشرة، وهي واحدة القصاع والقصع. قوله: ((أو شيئاً)) من باب عطف العام على الخاص، أي: أو كسر شيئاً. وجواب: إذا، محذوف تقديره: هل يضمن المثل أو القيمة؟ هكذا قدره بعضهم، وفيه نظر، لأن القصعة ونحوها ليست من المثليات أصلاً، ولكن يمشي ما قاله في قوله: ((أو شيئاً)، لأنه أعم من أن يكون من المثليات أو من ذوات القيم. قلت: في الحديث أنه عَّمِ دفع قصعة صحيحة عوض القصعة التي كسرتها عائشة على ما يجيء؟ قلت: لم يكن ذلك من النبي عَّ لله على سبيل الحكم على الخصم، وكان دفعه القصعة عوض المكسورة تطييباً لقلب صاحبتها، فلا يدل ذلك على أن القصعة ونحوها من المثليات. ٢٤٨١/٥٤ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا يَحْتَى بنُ سَعِيدٍ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أَنَسٍ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ النبيَّ عَِّ كانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ فأرْسَلَتْ إحْدَى أَمَّهاتِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ خادِمٍ بِقَصْعَةٍ فِيها طَعامٌ فِضَرَبَتْ بِيَدِهَا فَكَسَرَتِ الْقَصْعَةَ فَضَمَّهَا وجَعَلَ فِيهَا الطعامَ وقال كُلُواْ وحبَسَ الرَّسولَ والقَصَعةَ حتَّى فَرَغُوا فدَفَعَ القَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ وحبَسَ الْمَكْشُورَةَ. [الحديث ٢٤٨١ - طرفه في: ٥٢٢٥]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فكسرت القصعة))، ويحيى بن سعيد القطان. قوله: ((کان عند بعض نسائه))، وروى الترمذي من رواية سفيان الثوري عن حميد عن أنس، قال: أهدت بعض أزواج النبي عَّ له إلى النبي عَ لّ طعاماً في قصعة، فضربت عائشة القصعة بيدها فألقت ما فيها، فقال النبي عَّ ◌ُلّ: طعام بطعام وإناء بإناء، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه أحمد عن ابن أبي عدي ويزيد بن هارون عن حميد به، وقال: أظنها عائشة، وقال الطيبي: إنما أبهمت عائشة تفخيماً لشأنها. قيل: إنه مما لا يخفى ولا يلتبس إنها هي، لأن الهدايا إنما كانت تهدى إلى النبي عَّهِ في بيتها، ورد بأن هذا مجرد دعوى يحتاج إلى البيان. وقال شيخنا: لم يقع في رواية أحد من البخاري والترمذي وابن ماجه تسمية زوج النبي، عَّ ◌ُله، التي أهدت له الطعام، وقد ذكر ابن حزم من طريق الليث عن جرير بن حازم عن حميد عن أنس: أن التي أهدته إليه زينب بنت جحش، أهدت إلى رسول الله عَ ليه وهو في بيت عائشة ويومها جفنة من حيس، فقامت عائشة فأخذت القصعة فضربت بها فكسرتها، فقام رسول الله، عَّه، إلى قصعة لها فدفعها إلى رسول زينب، فقال: هذه مكان صحفتها. ٥١ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ والْغَصْبِ / باب (٣٤) وروى أبو داود والنسائي من رواية جسرة بنت دجاجة عن عائشة، قالت: ما رأيت صانعاً طعاماً مثل صفية، صنعت لرسول الله طعاماً فبعثت به، فأخذني أفكل، يعني: رعدة، فكسرت الإناء، فقلت: يا رسول الله! ما كفارة ما صنعت؟ قال: إناء مثل إناء وطعام مثل طعام. قال الخطابي: في إسناده مقال، وقال الشيخ: يحتمل أنهما واقعتان وقعت لعائشة مرة مع زينب ومرة مع صفية، فلا مانع من ذلك، فإن كان ذلك واقعة واحدة رجعنا إلى الترجيح، وحديث أنس أصح. وفي بعض طرق زينب، والله أعلم. وذكر أبو محمد المنذري في الحواشي: أن مرسلة القصعة أم سلمة، رضي الله تعالى عنها، وروى النسائي من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أبي المتوكل عن أم سلمة، أنها أتت بطعام في صحفة إلى النبي، عَّةٍ، وأصحابه، فجاءت عائشة متزرة بكساء ومعها فهر، ففلقت الصحفة ... الحديث، وفي (الأوسط) للطبراني من طريق عبيد الله العمري عن ثابت عن أنس أنهم كانوا عند رسول الله عَّله في بيت عائشة إذا أتى بصحفة خبز ولحم من بيت أم سلمة، فوضعنا أيدينا وعائشة تصنع طعاماً عجلة، فلما فرغنا جاءت به ورفعت صحفة أم سلمة فكسرتها. وروى ابن أبي شيبة وابن ماجه، من طريق رجل من بني سواءة - غير مسمّى - عن عائشة، قالت: كان رسول الله عَّله مع أصحابه فصنعت له طعاماً، وصنعت له حفصة طعاماً، فسبقتني، فقلت للجارية: إنطلقي فأكفئي قصعتها. فألقتها. فانكسرت وانتثر الطعام، فجمعه على النطع، فأكلوا ثم بعث بقصعتي إلى حفصة، فقال: خذوا ظرفاً مكان ظرفكم، والظاهر أنها قصة أخرى، لأن في هذه القصة: أن الجارية هي التي كسرت، وفي الذي تقدم أن عائشة نفسها هي التي كسرتها. قوله: ((فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين))، قد تقدم من الأحاديث أن التي أرسلت دائرة بين عائشة وزينب بنت جحش وصفية وأم سلمة، رضي الله تعالى عنهن، فإن كانت القصة متعددة فلا كلام فيها، وإلاَّ فالعمل بالترجيح، كما ذكرنا. قوله: ((مع خادم))، يطلق الخادم على الذكر والأنثى، وهنا المراد: الأنثى، بدليل تأنيث الضمير في قوله: ((فضربت بيدها فكسرت القصعة)). وذكر هنا القصعة، وفي غيره ذكر الجفنة والصحفة، كما مر، قوله: ((فيها طعام))، قد ذكر في حديث زينب: أنه حيس، بفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره سين مهملة. وهو الطعام المتخذ من التمر والأقط والسمن، وقد يجعل عوض الأقط: الدقيق أو الفتيت، وفي حديث الطبراني: خبز ولحم. قوله: ((فضمها))، أي: ضم القصعة التي انكسرت رسولُ اللهِ عَّله. قوله: ((وقال: كلوا))، أي: قال، عَ له لأصحابه الذين كانوا معه. قوله: ((وحبس الرسول))، أي: أوقف الخادم الذي هو رسول إحدى أمهات المؤمنين. قوله: ((والقصعة))، أي: حبس القصعة المكسورة أيضاً عنده. قوله: ((حتى فرغوا)) أي: حتى فرغت الصحابة الذين كانوا معه من الأكل. قوله: ((فدفع))، أي: أمر بإحضار قصعة صحيحة من عند التي هو في بيتها فدفعها إلى الرسول وحبس القصعة المكسورة عنده، ورأيت في بعض المواضع في أثناء مطالعتي: أن النبي عَ لّ أخذ القصعة ٥٢ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ وَالْغَصْبِ / باب (٣٤) المكسورة. وكانت قطعاً، فاستوت صحيحة في كفه المبارك كما كانت أولاً. ذكر ما يستفاد منه: قال ابن التين: احتج بهذا الحديث من قال: يقضي في العروض بالأمثال، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي ورواية عن مالك، وفي رواية أخرى: كل ما صنع الآدميون غرم مثله كالثوب وبناء الحائط ونحو ذلك، وكل ما كان من صنع الله عز وجل مثل العبد والدابة ففيه القيمة، والمشهور من مذهبه أن كل ما كان ليس بمكيل ولا موزون ففيه القيمة، وما كان مكيلاً أو موزوناً، فيقضى بمثله يوم استهلاكه. وقال ابن الجوزي: فإن قيل: الصحفة من ذوات القيم، فكيف غرمها؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أن الظاهر ما يحويه بيته، عَّ له، أنه ملكه فنقل من ملكه إلى ملكه لا على وجه الغرامة بالقيمة. الثاني: أن أخذ القصعة من بيت الكاسرة عقوبة، والعقوبة بالأموال مشروعة، ولما استدل ابن حزم بحديث القصعة، قال: هذا قضاء بالمثل لا بالدراهم. قال: وقد روي عن عثمان بن عفان، رضي الله تعالى عنه، وابن مسعود أنهما قضيا فيمن استهلك فصلاناً بفصلان مثلها، وشبهه داود بجزاء الصيد في العبد العبد، وفي العصفور العصفور. وفي (التوضيح): واختلف العلماء فيمن استهلك عروضاً أو حيواناً، فذهب الكوفيون والشافعي وجماعة: إلى أن عليه مثل ما استهلك، قالوا: ولا يقضي بالقيمة إلاّ عند عدم المثل، وذهب مالك: إلى أن من استهلك شيئاً من العروض أو الحيوان فعليه قيمته يوم استهلاكه، والقيمة أعدل في ذلك، ثم قال: واتفق مالك والكوفيون والشافعي وأبو ثور، فيمن استهلك ذهباً أو ورقاً أو طعاماً مكيلاً أو موزوناً أن عليه مثل ما استهلك في صفته ووزنه وكيله. قلت: مذهب أبي حنيفة أن كل ما كان مثلياً إذا استهلكه شخص يجب عليه مثله، وإن كان من ذوات القيم يجب عليه قيمته، والمثلي كالمكيل مثل الحنطة والشعير، والموزون كالدراهم والدنانير، ولكن بشرط أن لا يكون الموزون مما يضر بالتبعيض، يعني: غير المصوغ منه، فهو يلحق بذوات القيم، وغير المثلي كالعدديات المتفاوتة كالبطيخ والرمان والسفرجل والثياب والدواب، والعددي المتقارب كالجوز والبيض والفلوس كالمكيل. والجواب عن حديث الباب ما قاله ابن الجوزي المذكور آنفاً، وقد ذكرنا في أول الباب ما يكفي عن الجواب عن الحديث. وفيه: بسط عذر المرأة في حالة الغيرة، لأنه لم ينقل أنه عَّ الِّ عاتب عائشة على ذلك، فإنما قال: ((غارت أمكم))، ويقال: إنما لم يؤدبها، ولو بالكلام، لأنه فهم أن المهدية كانت أرادت بإرسالها ذلك إلى بيت عائشة أذاها، والمظاهرة عليها، فلما كسرتها لم يزد على أن قال: ((غارت أمكم وجمع الطعام بيده وقال: قصعة بقصعة وأما طعام بطعام))، لأنه كان يعلم بإتلافه قبول له أو في حكمه، وقال القاضي أبو بكر: ولم يغرم الطعام لأنه كان مهدي، فإتلافه قبوله له، أو في حكم القبول، قيل: فيه نظر لأن الطعام لم يتلف فإنه دعى بقصعة فوضعه فيها، وقال: ((كلوا غارت أمكم)). وأجيب: بأن هذا الطعام إن كان هدية فيستدعي أن يكون ملكاً للمهدي فلا غرامة، وإن كان ملكاً للنبي، عَّ له، باعتبار أن ما كان في بيوت أزواجه، عَّله، فهو ملك له فلا يتصور فيه الغرامة. ٥٣ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ والْغَضْبِ / باب (٣٥) وقال ابنُ أبي مَزْيَمَ قال أخبَرَنَا يَحْيَى بِنُ أَيُّوبَ قال حدَّثنا حُمَيْدٌ قال حدَّثنا أنَسٌ عنِ النبيِّ عَ ليه ابن أبي مريم اسمه سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم، وهو أحد شيوخ البخاري، وأراد بهذا الكلام بيان التصريح بتحديث أنس لحميد. ٣٥ - بابٌ إِذَا هَدَمَ حائِطاً فَلْيَبْنِ مِثْلَهُ أي: هذا باب يذكر فيه إذا هدم شخص حائط شخص فليين مثله وهذا بعينه، مذهب أبي حنيفة والشافعي وأبي ثور، فإنهم قالوا: إذا هدم رجل حائطاً لآخر فإنه يبني له مثله، فإن تعذرت المماثلة رجع إلى القيمة، وفي فتاوى الظهيرية ذكر الإمام محمد بن الفضل: إذا هدم رجل حائط إنسان، إن كان من خشب ضمن القيمة، وإن كان من طين وكان عتيقاً قديماً فكذلك، وإن کان حديثاً جديداً أمر بإعادته. ٢٤٨٢/٥٥ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إِبْرَاهِيمَ قال حدَّثنا جَرِيرٌ هُوَ ابنُ حازِمٍ عنْ مُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالىٍ عنهُ قال قال رسولُ الله عَّهِ كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقالُ لَّهُ جُرَيْجٍ يُصَلِّي فَجاءَتْهُ أُمّهُ فَدَعَتْهُ فأبى أنْ يُجِيبَهَا فقال أُجِيبُها أوْ أُصَلِّي ثُمّ أَتَتْهُ فقالَتْ اللَّهُمَّ لاَ ثُمِتْهُ حتَّى تُرِيهِ الْمُومِساتِ وكانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ فقالَتْ امْرَأٌ لَأَفْسَنَّ جُرَيْجاً فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى فَأَتَتْ راعِياً فأمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِها فَوَلَدَتْ غُلاماً فقالَتْ هُوَ مِنْ جُرَيْجِ فَأَتَوْهُ وَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ فَأَنْزَلُوهُ وسَبُوهُ فَتَوَضَّأَ وصَلَّىٍ ثُمَّ أَتَى الغُلاَمَ فقالَ مَنْ أَبُوكَ يا غُلامُ قال الرَّاعِي قالوا نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ قال لاَ إِلاَّ مِنْ طِينٍ. [انظر الحديث ١٢٠٦ وطرفيه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((نبني صومعتك من ذهب، قال: لا، إلاَّ من طين)). لأنه كان من طين، ولم يرض إلاّ أن يكون مثله. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في أحاديث الأنبياء، عليهم السلام، مطولا. وأخرجه مسلم في الأدب عن زهير بن حرب عن يزيد بن هارون عن جرير بن حازم. قوله: ((جريج))، بضم الجيم الأولى: الراهب. قوله: ((يصلي))، خبر: كان. قوله: «أو أصلي؟)) كلمة: أو، هنا للتخيير. قوله: ((لا تمته)) بضم التاء: من الإماتة. قوله: ((حتى تریه))، بضم التاء: من الإراءة. قوله: ((المومسات))، أي: الزواني، وهو جمع مومسة، وهي الفاجرة ويجمع على: مياميس أيضاً وموامس، وأصحاب الحديث يقولون: مياميس، ولا يصح إلاَّ على إشباع الكسرة لتصير: ياء، كمطفل ومطافل ومطافيل، وقال ابن الأثير: ومنه حديث أبي وائل: أكثر تبع الدجال أولاد المياميس، وفي رواية: أولاد الموامس، وقد اختلف في أصل هذه اللفظة، فبعضهم يجعله من الهمزة، وبعضهم يجعله من الواو، وكل منهما تكلف له اشتقاقاً فيه. وقال الجوهري: المومسة الفاجرة ولم يذكر شيئاً غير ذلك، وفي المطالع المياميس ٥٤ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ وَالْغَضْبِ / باب (٣٥) والمومسات: المجاهرات بالفجور، الواحدة: مومسة، وبالياء المفتوحة رويناه عن جميعهم، وكذلك ذكره أصحاب العربية في الواو والميم والسين، ورواه ابن الوليد عن ابن السماك: المآميس، بالهمز، فإن صح الهمز فهو من: ماس الرجل، إذا لم يلتفت إلى موعظة، ومأس ما بين يدي القوم: أفسد، وهذا بمعنى المجاهرة والاستهتار، ويكون وزنه على هذا: فعاليل. قوله: ((في صومعته)) ... (١) قوله: ((فكلمته))، أي: في ترغيبه في مباشرتها. قوله: ((فولدت))، فيه حذف كثير تقديره: فأمكنته من نفسها، يعني: زنى بها فحبلت ثم ولدت غلاماً، فقالت: أي المرأة، هو، أي: الغلام، من جريج. قوله: ((ثم أتى الغلام))، بالنصب أي: الطفل الذي في المهد قبل زمان تكلمه. قوله: ((قال: لا)) أي: قال جريج: لا تبنوها إلاّ من طين، وقال ابن مالك: فيه شاهد على حذف المجزوم: بلا، كما قدرناه. ذكر ما يستفاد منه: فيه: الاحتجاج بأن شرع من قبلنا شرع لنا، وقال الكرماني: واحتج البخاري به على الترجمة بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا، وفيه نظر، لأن شرعنا أوجب المثل في المثليات، والحائط متقوم لا مثلي. انتهى. قلت: شرع من قبلنا يلزمنا ما لم يقص الله علينا بالإنكار، وقد قلنا: إن الحائط إذا كان من خشب يكون من ذوات القيم، وإن كان من الطين والحجر يبنى بأن يعاد مثله. وفيه: أن الطفل يدعى غلاماً. وفيه: أنه أحد من تكلم في المهد، وقال الضحاك: تكلم في المهد ستة: شاهد يوسف، عليه الصلاة والسلام، وابن ماشطة فرعون، وعيسى، ويحيى، عليهما الصلاة والسلام، وصاحب جريج، وصاحب الأخدود. وفيه: المطالبة، كما طالبت بنو إسرائيل جريجاً بما ادعته المرأة عليه، وأصل هذه المطالبة أن أهل تلك البلدة كانوا يعظمون أمر الزنا، فظهر أمر تلك المرأة في البلد، فلما وضعت حملها أخبر الملك أن امرأة قد ولدت من الزنا، فدعاها فقال لها: من أين لك هذا الولد؟ قالت: من جريج الراهب، قد واقعني. فبعث الملك أعوانه إليه وهو في الصلاة فنادوه فلم يجبهم حتى جاؤوا إليه بالمرو والمساحي وهدموا صومعته وجعلوا في عنقه حبلاً وجاؤوا به إلى الملك، فقال له الملك: إنك قد جعلت نفسك عابداً ثم تهتك حريم الناس وتتعاطى ما لا يحل له؟ قال: أي شيء فعلت؟ قال: إنك زنيت بامرأة كذا. فقال: لم أفعل، فلم يصدقوه وحلف على ذلك فلم يصدقوه، فقال: فردوني إلى أمي، فردوه إليها فقال لها: يا أماه إنك دعوت الله علي فاستجاب الله دعاءك، فادعي الله أن يكشف عني بدعائك. فقالت: أللهم إن كان جريج إنما أخذته بدعوتي فاكشف عنه، فرجع جريج إلى الملك، فقال: أين هذه المرأة؟ وأين هذا الصبي؟ فجاؤوا بهما، فسألوهما، فقالت المرأة: بلى هذا الذي فعل بي، فوضع جريج يديه على رأس الصبي، وقال: بحق الذي خلقك أن تخبرني من أبوك؟ فتكلم الصبي بإذن الله تعالى، وقال: إن أبي فلان الراعي، فلما سمعت المرأة بذلك اعترفت، وقالت: كنت كاذبة، وإنما فعل بي فلان الراعي. وفي رواية أخرى أن المرأة كانت حاملاً لم تضع بعد، (١) هكذا بياض في جميع النسخ. ٥٥ ٤٦ - كتاب المظالم والغصب / باب (٣٥) فقال لها: أين أصبتك؟ قالت: تحت شجرة، وكانت الشجرة بجنب صومعته، قال جريج: اخرجوا إلى تلك الشجرة، ثم قال: يا شجرة! أسألك بالذي خلقكك أن تخبريني من زنى بهذه المرأة؟ فقال كل غصن منها: راعي الغنم، ثم طعن بإصبعه في بطنها، وقال: يا غلام! من أبوك؟ فنادى من بطنها: أبي راعي الغنم، فعند ذلك اعتذر الملك إلى جريج، وقال: إئذن لي أن أبني صومعتك بالذهب؟ قال: لا. قال: فبالفضة؟ قال: لا، ولكن بالطين كما كان، فبنوه بالطين كما كان، هكذا ساق هذه القصة الإمام أبو الليث السمرقندي في كتاب (تنبيه الغافلين)، وذكر أبو الليث عن يزيد بن حوشب الفهري عن أبيه، قال: سمعت رسول الله عَّم يقول: ((لو كان جريج الراهب فقيهاً لعلم أن إجابة أمه أفضل من عبادة ربه)). وفيه: إثبات الكرامة للأولياء. وقال ابن بطال: يمكن أن يكون جريج نبياً، لأن النبوة كانت ممكنة في بني إسرائيل غير ممتنعة عليهم، ولا نبي بعد نبينا محمد عَّلّه، فليس يجري من الآيات بعده ما يكون خرقاً للعادة ولا قلب العين، وإنما يكون كرامة لأوليائه، مثل: دعوة مجابة ورؤيا صالحة وبركة ظاهرة وفضل بين وتوفيق من الله تعالى إلى الإبراء مما اتهم به الصالحون وامتحن به المتقون. وفيه: أن دعاء الأم أو الأب على ولده، إذا كان بنية خالصة، قد يجاب، وإن كان في حال الضجر. وفيه: أيضاً خلاص الولد من بلية ابتلي بها ببركة دعاء والديه. وفيه: دليل أن الوضوء كان لغير هذه الأمة أيضاً إلاَّ أن هذه الأمة قد خصت بالغرة والتحجيل خلافاً لمن خصها بأصل الوضوء. .' بِسْم الله الرحمنِ الرَّحِيم ٤٧ - كِتابُ الشَّرِكَةِ أي: هذا كتاب في بيان أحكام الشركة، هكذا وقع في رواية النسفي، وابن شبويه، ووقع في رواية الأكثرين: باب الشركة، ووقع في رواية أبي ذر: في الشركة، بدون لفظ: كتاب، ولا لفظ: باب، والشركة، بفتح الشين وكسر الراء، وكسر الشين وإسكان الراء، وفتح الشين وإسكان الراء. وفيه لغة رابعة: شرك، بغير تاء التأنيث. قال تعالى: ﴿وما لهم فيها من شرك﴾ [سبأ: ٢٢]. أي: من نصيب، وجمع الشركة: شرك، بفتح الراء وكسر الشين، يقال: شركته في الأمر أشركه شركة، والاسم الشرك وهو: النصيب. قال عَ له: ((من أعتق شركاً له))، أي: نصيباً وشريك الرجل ومشاركه سواء، وهي في اللغة الاختلاط على الشيوع أو على المجاورة، كما قال تعالى: ﴿وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي﴾ [ص: ٢٤] وفي الشرع ثبوت الحق لاثنين فصاعداً في الشيء الواحد كيف كان. ثم هي تارة تحصل بالخلط، وتارة بالشيوع الحكمي كالإرث، وقال أصحابنا: الشركة في الشرع عبارة عن العقد على الاشتراك واختلاط النصيبين، وهي على نوعين: شركة الملك، وهي أن يملك إثنان عيناً أو إرثاً أو شراء أو هبة أو ملكاً بالاستيلاء، أو اختلط مالهما بغير صنع أو خلطاه، خلطاً بحيث يعسر التمييز أو يتعذر، فكل هذا شركة ملك وكل واحد منهما: أجنبي في قسط صاحبه. والنوع الثاني: شركة العقد، وهي أن يقول أحدهما: شاركتك في كذا، ويقبل الآخر، وهي على أربعة أنواع: مفاوضة، وعنان، وتقبل، وشركة وجوه، وبيانها في الفروع. ١ - بابُ الشَّرِكَةِ في الطَّعام والنِّهْدِ والْعُرُوضِ وكَيْفَ قِسْمَةُ ما يُكَالُ ويوزَنُ مُجَازَفَةً أَوْ قَبْضَةٌ قَبْضَةٌ لما لَمْ يَرَ الْمُسْلِمُونَ فَيِ النِّهْدِ بَأْساً أنْ يِأْكُلَ هَذا بَعْضاً وهذَا بَعْضاً وكَذَلِكَ مُجَازَفَةُ الذَّهَبِ والفضَّةِ والقِرَانِ في الَّهْرِ أي: هذا باب في بيان حكم الشركة في الطعام، وقد عقد لهذا باباً مفرداً مستقلاً يأتي بعد أبواب، إن شاء الله تعالى. قوله: ((والنهد))، بفتح النون وكسرها وسكون الهاء وبدال مهملة، قال الأزهري في (التهذيب): النهد إخراج القوم نفقاتهم على قدر عدد الرفقة، يقال: تناهدوا، وقد ناهد بعضهم بعضاً. وفي (المحكم): النهد العون، وطرح نهده مع القوم أعانهم وخارجهم، وقد تناهدوا أي: تخارجوا، يكون ذلك في الطعام والشراب، وقيل: النهد إخراج الرفقاء النفقة في السفر وخلطها، ويسمى بالمخارجة، وذلك جائز في جنس واحد وفي الأجناس، وإن تفاوتوا في الأكل، وليس هذا من الربا في شيء، وإنما هو من باب الإباحة، وقال ثعلب: هو النهد، بالكسر، قال: والعرب تقول: هات نهدك، مكسورة النون. وحكي عن عمرو بن عبيد عن الحسن أنه قال: أخرجوا نهدكم فإنه أعظم للبركة وأحس لأخلاقكم ٥٦ ٥٧ ٤٧ - كِتابُ الشَّرِكَةِ / باب (١) وأطيب لنفوسكم. وفي (المطالع): أن القابسي فسره بطعام الصلح بين القبائل، وعن قتادة: ما أفلس المتلازمان يعني: المتناهدان، وذكر محمد بن عبد الملك التاريخي في كتاب (النهد): عن المدائني وابن الكلبي وغيرهما: أن أول من وضع النهد الحضين بن المنذر الرقاشي. قلت: الحضين، بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره نون: ابن المنذر بن الحارث بن وعلة بن مجالد بن يثربي بن ريان بن الحارث بن مالك بن شيبان بن ذهل، أحد بني رقاش، شاعر فارسي يكنى أبا ساسان، روى عن عثمان وعلي، رضي الله تعالى عنهما، وروى عنه الحسن البصري وعبد الله بن الداناج وعلي بن سويد وابنه يحيى بن حضين، وكان أسيراً عند بني أمية فقتله أبو مسلم الخراساني. قوله: ((والعروض))، بضم العين: جمع عرض بسكون الراء وهو المتاع، ويقابل النقد، وأراد به: الشركة في العروض، وفيه خلاف. فقال أصحابنا: لا يصح شركة مفاوضة ولا شركة عنان إلاَّ بالنقدين وهما: الدراهم والدنانير والتبر. وقال مالك: يجوز في العروض إذا اتحد الجنس، وعند بعض الشافعية: يجوز إذا كان عرضاً مثلياً. وقال محمد: يصح أيضاً بالفلوس الرائجة. لأنها برواجها يأخذ حكم النقدين، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يصح، لأن رواجها عارض. قوله: ((وكيف قسمة ما يكال)) أي: وفي بيان قسمة ما يدخل تحت الكيل والوزن، هل يجوز مجازفة أو يجوز قبضة قبضة، يعني: متساوية، وقيل: المراد بها مجازفة الذهب بالفضة والعكس، لجواز التفاضل فيه، وكذا كل ما جاز بالتفاضل مما يكال أو يوزن من المطعومات ونحوها، هذا إذا كانت المجازفة في القسمة. وقلنا: القسمة بيع، وقال ابن بطال: قسمة الذهب بالذهب مجازفة والفضة بالفضة مما لا يجوز بالإجماع. وأما قسمة الذهب مع الفضة مجازفة، فكرهه مالك وأجازه الكوفيون والشافعي وآخرون، وكذلك: لا يجوز قسمة البر مجازفة، وكل ما حرم فيه التفاضل. قوله: ((لما لم ير المسلمون)) اللام فيه مكسورة والميم مخففة، هذا تعليل لعدم جواز قسمة الذهب بالذهب والفضة بالفضة مجازفة، أي: لأجل عدم رؤية المسلمين بالنهد بأساً، جوزوا مجازفة الذهب بالفضة لاختلاف الجنس، بخلاف مجازفة الذهب بالذهب والفضة بالفضة لجريان الربا فيه، فكما أن مبني النهد على الإباحة، وإن حصل التفاوت في الأكل، فكذلك مجازفة الذهب بالفضة وإن كان فيه التفاوت بخلاف الذهب بالذهب والفضة بالفضة، لما ذكرنا. قوله: ((أن يأكل هذا بعضاً)) تقديره: بأن يأكل، وأشار به إلى أنهم كما جوزوا النهد الذي فيه التفاوت، فكذلك جوزوا مجازفة الذهب والفضة مع التفاوت، لما ذكرنا. قوله: ((والقِران في التمر))، بالجر، ويروى: والإقران، عطف على قوله: أن يأكل هذا بعضاً، أي: بأن يأكل هذا تمرتين تمرتين، وهذا تمرة تمرة. وقد مر الكلام فيه مستوفّى في حديث ابن عمر في كتاب المظالم في: باب إذا أذن إنسان لآخر شيئاً جاز. ١/ ٢٤٨٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ وهْبٍ بنِ كَيْسانَ عنْ ٥٨ ٤٧ - كِتَابُ الشَّرِكَةِ / باب (١) جابِرِ بنِ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهما أنَّهُ قال بَعَثَ رسولُ الله عَُّلِّ بَعْئاً قِبَلَ السَّاحِلِ فَأَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بنَ الجَرَّاحِ وهُمْ ثَلاَثُمَاتَةٍ وأنا فِيهِمْ فخَرَجْنا حتَّى إذا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ فأمَرَ أبو عُبَيْدَةَ بأزْوادٍ ذُلِكَ الْجَيْشِ فَجُمِعَ ذُلِكَ كُلُّهُ فكانَ مِزْوَدَيْ تَمْرٍ فَكانَ يُقَوِّتُنا كلِّ يَوْمٍ قَليلاً قَليلاً حتَّى فَنِيَ فَلَمْ يَكُنْ يُصِيبُنَا إِلاَّ تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ فَقُلْتُ وما تُغْنِي تَمْرَةٌ فقال لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَها حينَ فَنيَتْ قال ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى الْبَحْرِ فإذَا حُوتٌ مِثْلُ الظَّرِبِ فأكَلَ مِنْهُ ذُلِكَ الْجَيْشُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ثُمَّ أَمَرَ أبو عُبَيْدَةَ بِضِلَعَيْنِ مِنْ أَضْلاعِهِ فَنُصِبا ثم أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرَحُلَتْ ثمّ مَرَّتْ تَحْتَهُمَا فَلَمْ تُصِبْهُمَا. [الحديث ٢٤٨٣ - أطرافه في: ٢٩٨٣، ٤٣٦٠، ٤٣٦١، ٤٣٦٢، ٥٤٩٣، ٥٤٩٤]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش فجمع ذلك كله)) ولما كان يفرق عليهم كل يوم قليلاً قليلاً صار في معنى النهد، واعترض بأنه ليس فيه ذكر المجازفة، لأنهم لم يريدوا المبايعة ولا البدل. وأجيب: بأن حقوقهم تساوت فيه بعد جمعه، فتناولوه مجازفة كما جرت العادة. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك، وفي الجهاد عن صدقة بن الفضل. وأخرجه مسلم في الصيد عن عثمان بن أبي شيبة عن محمد بن عبده به وعن محمد بن حاتم عن ابن مهدي عن مالك به وعن أبي كريب عن أبي أسامة. وأخرجه الترمذي في الزهد عن هناد بن السري، وأخرجه النسائي في الصيد وفي السير عن محمد بن آدم وعن الحارث بن مسكين. وأخرجه ابن ماجه في الزهد عن أبي بكر ابن أبي شيبة. ذكر معناه: قوله: ((بعث رسول الله، عَ لَّه، بعثاً) كان هذا البعث في رجب سنة ثمان للهجرة، والبعث، بفتح الباء الموحدة وسكون العين المهملة وفي آخره ثاء مثلثة: وهو بمعنى المبعوث، من باب تسمية المفعول بالمصدر. قوله: ((قبل الساحل))، بكسر القاف وفتح الباء الموحدة أي: جهة الساحل، والساحل شاطىء البحر. قوله: ((فأمَّر))، بتشديد الميم: من التأمير، أي: جعل أبا عبيدة أميراً عليهم، واسم أبي عبيدة: عامر بن عبد الله بن الجراح، بفتح الجيم وتشديد الراء وبالحاء المهملة: الفهري القرشي أمين الأمة، أحد العشرة المبشرة، شهد المشاهد كلها، وثبت مع رسول الله، عَّه، يوم أحد ونزع الحلقتين اللتين دخلتا في وجه رسول الله عَّ من حلق المنفر بفيه، فوقعت ثنيتاه، مات سنة ثماني عشرة في طاعون عمواس، وقبره بغور بيسان عند قرية تسمى عمتا، وصلى عليه معاذ بن جبل وكان سنه يوم مات ثمانياً وخمسين سنة. قوله: ((وهم))، أي: البعث الذي هو الجيش ثلاثمائة أنفس. قوله: («فني الزاد))، قال الكرماني: إذا فني فكيف أمر بجمع الأزواد؟ فأجاب: بأنه إما أن يريد به فناء زاده خاصة، أو يريد بالفناء القلة. قلت: يجوز أن يقال معنى: فني: أشرف على الفناء. قوله: ((فكان مزودي تمر))، المزود، بكسر الميم: ما يجعل فيه الزاد، كالجراب. وفي رواية مسلم: بعثنا رسول الله، عَّهِ، وزودنا جراباً من تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا ٥٩ ٤٧ - كِتَابُ الشَّرِكَةِ / باب (١) تمرة تمرة. قوله: ((لقد وجدنا فقدها حين فنيت))، أي: وجدنا فقدها مؤثراً شاقاً علينا، ولقد حزنًّا لفقدها. قوله: ((ثم انتهينا إلى البحر فإذا حوت))، كلمة: إذا، للمفاجأة، والحوت يقع على الواحد والجمع، وقال صاحب (المنتهى): والجمع حيتان، وهي العظام منها. وقال ابن سيده: الحوت السمك اسم جنس، وقيل: هو ما عظم منه، والجمع أحوات. وفي كتاب الفراء: جمعه أحوتة وأحوات في القليل، فإذا كثرت فهي الحيتان. قوله: ((مثل الظرب))، بفتح الظاء المعجمة وكسر الراء: مفرد الظراب، وهي الروابي الصغار. وقال ابن الأثير: الظراب الجبال الصغار واحدها ظرب، بوزن كتف، وقد يجمع في القلة على: أظراب. قوله: ((ثماني عشرة ليلة))، كذا هو في نسخة الأصيلي، وروي: ثمانية عشر ليلة، وقال ابن التين: الصواب هو الأول. وروي: فأكلنا منه شهراً. وروي: نصف شهر، وقال عياض: يعني: أكلوا منه نصف شهر طرياً، وبقية ذلك قديداً. وقال النووي: من قال شهراً هو الأصل ومعه زيادة علم، ومن روى دونه لم ينف الزيادة، ولو نفاها قدم المثبت، والمشهور عند الأصوليين أن مفهوم العدد لا حكم له فلا يلزم منه نفي الزيادة. وفي رواية مسلم: ((فأقمنا عليها شهراً، ولقد رأيتنا نغترق من وقب عينه قلال الدهن، ونقتطع منه الفدر، كالثور، ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلاً فأقعدهم في وقب عينه وتزودنا من لحمه وشائق، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله عَّلِ فذكرنا ذلك له، فقال: هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ قال: فأرسلنا إلى رسول الله عَ لَّم منه فأكله)). قوله: ((بضلعين))، ضبط بكسر الضاد وفتح اللام، وقال في (أدب الكاتب): ضلع وضلع. وقال الهروي: هما لغتان، والضلع مؤنثة، والوقب، بفتح الواو وسكون القاف وبالباء الموحدة: هو النقرة التي يكون فيها العين. قوله: ((الفدر))، بكسر الفاء وفتح الدال المهملة وفي آخره راء: جمع فدرة، وهي القطعة من اللحم، ((والوشائق))، بالشين المعجمة: جمع وشيقة، وهي اللحم القديد. وقيل: الوشيقة أن يؤخذ اللحم فيغلى قليلاً ولا ينضج، فيحمل في الأسفار. وفي لفظ للبخاري: ((نرصد عيراً لقريش، فأقمنا بالساحل نصف شهر فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط، فسمي ذلك الجيش بجيش الخبط، فألقى لنا البحر دابة يقال لها: العنبر، فأكلنا منها نصف شهر وادَّهنًا من ودكه حتى ثابت إلينا أجسامنا)). وفي مسلم: قال أبو عبيدة: يعني بالعنبر ميتة، ثم قال: لا بل نحن رسل رسول الله، عَّه، وفي سبيل الله عز وجل، وقد اضطررتم فكلوا. ذكر ما يستفاد منه: قال القرطبي: جمعُ أبي عُبيدة الأزواد وقسمتها بالسوية إما أن يكون حكماً حكم به لما شاهد من الضرورة وخوفه من تلف من لم يبق معه زاد، فظهر له أنه وجب على من معه أن يواسي من ليس له زاداً، ويكون عن رضاً منهم، وقد فعل مثل ذلك غير مرة سيدنا رسول الله، عَّلَه، ولذلك قال بعض العلماء هو سنَّة. وقال ابن بطال: استدل بعض العلماء بهذا الحديث بأنه لا يقطع سارق في مجاعة، لأن المواساة واجبة للمحتاجين وخصه أبو عمر بسرقة المأكل. وفيه: أن للإمام أن يواسي بين الناس في الأقوات في الحضر ٦٠ ٤٧ - كِتابُ الشَّرِكَةِ / باب (١) بثمن وغيره، كما ذلك في السفر. وفيه: قوة إيمان هؤلاء البعث، إذ لو ضعف، والعياذ بالله، لما خرجوا وهم ثلاثمائة وليس معه سوى جراب تمر أو مزودي تمر، كما في الحديث المذكور. قال عياض: ويحتمل أن يكون، عَّلّه، زودهم الجراب زائداً عما كان معهم من الزاد من أموالهم، ويحتمل أنه لم يكن في أزوادهم تمر غير هذا الجراب، وكان معهم غيره من الزاد. وقيل: يحتمل أن الجراب الذي زودهم الشارع كان على سبيل البركة، فلذا كانوا يأخذونه تمرة تمرة. وفيه: فضل أبي عبيدة، ولهذا سماه الشارع: أمين هذه الأمة. وفيه: النظر في القوم والتدبير فيه وفضل الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، على ما كان فيهم من البؤس وقد استجابوا لله وللرسول من بعد ما أصابهم القرح. وفيه: رضاهم بالقضاء وطاعتهم للأمير. وفيه: جواز الشركة في الطعام خلط الأزواد في السفر إذا كان ذلك أرفق بهم. ٢٤٨٤/٢ _ حدَّثنا بِشْرُ بنُ مَرْحُومٍ قال حدَّثنا حاتِمُ بنُ إِسْمَاعِيلَ عنْ يَزِيدَ بنِ أبِي عُبَيْدٍ عنْ سَلَمَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال ◌َخَفَّتْ أَزْوَادُ الْقَوْمِ وَأَمْلَقُوا فَأَتَوُا النبيَّ مَّ ◌َلَّهِ فِي نَحْرِ إِيلِهِمْ فأذِنَ لَهُمْ فَلَقِيَهُمْ عُمَرُ فأخْبَرُوهُ فقال ما بَقاؤُكُمْ بَعْدَ إِبِلِكُمْ فَدَخَلَ على النبيِّ عَ له فقال يا رسولَ الله ما بَقَاؤُهُمْ بعدَ إِبِلِهِمْ فقال رسولُ الله عَّهِ نادٍ في النَّاسِ فَيَأْتُونَ بِفَضْلٍ أَزْوَادِهِمْ فَبُسِطَ لِذَلِكَ نِطْعٌ وَجَعَلُوهُ علَى النَّطْعِ فقامَ رسولُ اللهِ عَِّ فِدَعَا وَبَرَّكَ عَلَيْهِ ثُمَّ دَعَاهُمْ بِأوْعِيَّتِهِمْ فاخْتَفَى النَّاسُ حتَّى فَرَغُوا ثمَّ قَال رسولُ الله عَلِ أَشْهَدْ أنْ لا إله إلاَّ الله وأنّي رسولُ الله. [الحديث ٢٤٨٤ - طرفه في: ٢٩٨٢]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فيأتون بفضل أزوادهم)) ومن قوله: ((فدعا وبرَّك عليه)) فإن فيه جمع أزوادهم وهو في معنى النهد، ودعا النبي، عَّ له، فيها بالبركة. ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: بشر، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة: ابن مرحوم هو بشر بن عبيس بن مرحوم بن عبد العزيز العطار. الثاني: حاتم بن إسماعيل أبو إسماعيل. الثالث: يزيد بن أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع، مات بالمدينة سنة ست أو سبع وأربعين ومائة. الرابع: سلمة بن الأكوع، واسمه سنان بن عبد الله الأسلمي، وكنيته: أبو مسلم، وقيل: أبو عامر، وقيل: أبو إياس. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضع. وفيه: أن شيخه من أفراده وأنه بصري وأن حاتماً كوفي سكن المدينة وأن يزيد مدني. والحديث أخرجه أيضاً في الجهاد عن بشر بن مرحوم أيضاً وهو من أفراده، وقال الإسماعيلي: أخبرني محمد بن العباس حدثنا أحمد بن يونس حدثنا النضر بن محمد حدثنا عكرمة بن عمار عن إياس بن سلمة عن أبيه بمعنى هذا الحديث. قال: وقال أحمد بن حنبل: عكرمة عن إياس صحيح، أو محفوظ أو كلاماً نحو هذا. وقال صاحب (التلويح): يريد الإسماعيلي: بنحوه، ما رويناه من عند الطبراني: حدثنا أبو حذيفة حدثنا محمد بن الحسن