النص المفهرس

صفحات 1-20

بُعْدَ الْفَكَاءْ
شَرُح
صَحِيح البُخَاري
تأليف
الأَمَامِ العَلَامَةَ بَدُرِ الدِّين أبي محمّد محمُد بن أحمدَ الْعِيَني
المتوفى سنة ٨٥٥هـ
ضبطه وصحّه
عبدالله محمود محمّد عَمَرَ
طبعة جديدة مرقمة الكتب والأبواب والأحاديث
حسب ترقيم المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي الشريف
الجزء الثالث عشر
يحتوي على الكتب التالية:
تتمة المظالم والقصب ن الشركة ~ الرهن ~ العتق من المكاتب
الهبة ~ الشهادات ~ الصلحن الشروط
من الحديث (٢٤٥٥ ان إلى الحديث (٢٧٣٠)
مشورات
محمد عَلى بيضون
لِنَشْرِكتبِ السُنّةِوَ اجِمَاعَةِ
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
٠

دار الكـ
جميع الحقوق محفوظة
Copyright @
All rights reserved
Tous droits réservés
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة
لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة
تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزاً أو تسجيله على
أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو
برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة
الناشر خطياً.
Exclusive Rights by
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon
No part of this publication may be
translated, reproduced, distributed in any
form or by any means, or stored in a data
base or retrieval system, without the
prior written permission of the publisher.
Droits Exclusifs à
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban
Il est interdit à toute personne individuelle
ou morale d'éditer, de traduire, de
photocopier, d'enregistrer sur cassette,
disquette, C.D, ordinateur toute
production écrite, entière ou partielle,
sans l'autorisation signée de l'éditeur.
الطّبعَة الأوْلى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت
هاتف وفاكس : ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٣٧٨٥٤٢ (١ ٩٦١)
صندوق بريد : ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beirut - Lebanon
Ramel Al-Zarif, Bohtory St., Melkart Bldg., Ist Floor
Tel. & Fax : 00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98
P.O.Box : 11 - 9424 Beirut - Lebanon
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beyrouth - Liban
Ramel Al-Zarif, Rue Bohtory, Imm. Melkart, Iére Etage
Tel. & Fax : 00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98
B.P. : 1 1 - 9424 Beyrouth - Liban
ISBN 2-7451-2269-X
90000>
9 782745 122698
http://www.al-ilmiyah.com/
e-mail: sales@al-ilmiyah.com
info@al-ilmiyah.com
baydoun@al-ilmiyah.com

بسم الله الرحمن الرحيم
١٤ - بابٌ إِذَا أُذِنَ إِنْسانٌ لِآخَرَ شَيْئاً جاز
أي: هذا باب يذكر فيه إذا أذن إنسان لإنسان آخر. قوله: ((شيئاً)) أي: في شيء، فلما
حذف حرف الجر تعدى الفعل فنصب، كما في قوله تعالى: ﴿واختار موسى قومه سبعين
رجلاً﴾ [الأعراف: ١٥٥]. أي: من قومه. قوله: ((جاز)) جواب إذا.
٢٨ / ٢٤٥٥ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ جَبَلَةَ كُنَّا بالمَدِينَةِ فِي
بَعْضِ أَهْلِ الْعِرَاقِ فأصابَتْنا سَنَّةٌ فكانَ ابنُ الزُّبَيْرِ يَرْزُقُنا الثَّمْرَ فكانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله تعالى
عنهُما يَمُّ بِنا فَيَقُولُ إِنَّ رسولَ الله عَلِّ نَهى عنِ الإِقْرَانِ إلاَّ أنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ أخاهُ.
[الحديث ٢٤٥٥ - أطرافه في: ٢٤٨٩، ٢٤٩٠، ٥٤٤٦].
مطابقته للترجمة في قوله: ((إلاَّ أن يستأذن الرجل منكم أخاه)). وجبلة، بالجيم والباء
الموحدة واللام المفتوحات: ابن سحيم، بضم السين المهملة وفتح الحاء المهملة: الشيباني.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الأطعمة عن آدم عن أبي الوليد. وأخرجه مسلم
في الأطعمة عن محمد بن المثنى وعن عبيد الله بن معاذ وعن بندار وعن زهير بن حرب
ومحمد بن المثنى أيضاً. وأخرجه أبو داود فيه عن واصل بن عبد الأعلى. وأخرجه الترمذي
فيه عن محمود بن غيلان. وأخرجه النسائي في الوليمة عن علي بن خشرم وعن محمد بن
عبد الأعلى وعن عبد الحميد بن محمد. وأخرجه ابن ماجه في الأطعمة عن بندار، وروى
أحمد من حديث الحسن عن سعد مولى أبي بكر، قال: قدمت بين يدي النبي، عَُّلَّهِ، تمراً
فجعلوا يقرنون، فقال رسول الله عَظله: ((لا تقرنوا))، ورواه ابن ماجه أيضاً عن سعد مولى أبي
بكر، ولفظه: ((وكان يخدم النبي عَّه ويعجنه خدمته، أن النبي عَِّ نهى عن الإقران))، يعني
في التمر، وروى البزار في (مسنده) من حديث الشعبي عن أبي هريرة، قال: ((قسم رسول الله
سَّ لِّ تمراً بين أصحابه، فكان بعضهم يقرن، فنهى رسول الله عَّ أن يقرن إلاَّ بإذن صاحبه))،
ورواه الحاكم في (المستدرك) بلفظ: ((كنت في الصفة فبعث إلينا النبي عَ له تمر عجوة،
فسكبت بيننا، فكنا نقرن الثنتين من الجوع، فكنا إذا قرن أحدنا قال لأصحابه: إني قد قرنت
فأقرنوا)). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وروى الطبراني في (الكبير) من
حديث أبي طلحة: أن رسول الله عَّ ◌ُلّ نهى عن الإقران.
ذكر معناه: قوله: ((في بعض أهل العراق))، وعند الترمذي: في بعث أهل العراق.
قوله: ((سنة))، أي: غلاء وجدب. قوله: ((فكان ابن الزبير))، أي: عبد الله بن الزبير بن العوام.
قوله: ((نهى عن الإقران))، بكسر الهمزة من الثلاثي المزيد فيه، قال ابن التين: كذا وقع في
البخاري رباعياً، والمعروف خلافه، والذي في اللغة ثلاثي، وقال القرطبي: كذا لجميع رواة
٣

٤
٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ والْغَصْبِ / باب (١٤)
مسلم: ((الإقران)) وليست معروفة، والصواب: القران. ثلاثي. وقال الفراء: لا يقال: أقرن، وقال
غيره: إنما يقال: أقرن على الشيء إذا قوي عليه وأطاقه، ومنه قوله تعالى: ﴿وما كنا له
مقرنين﴾ [الزخرف: ٥٣]. أي: مطيقين، وفي (الصحاح): أقرن الدم العرق واستقرن أي: كثر،
فيحتمل أن يكون الإقران في هذا الحديث على ذلك، ويكون معناه النهي عن الإكثار من
أكل التمر إذا كان مع غيره، ويرجع معناه إلى القران المذكور في الرواية الأخرى، ونقل
المنذري عن أبي محمد المعافري أنه: يقال: قرن بين الشيئين وأقرن: إذا جمع بينهما. قوله:
((إلاَّ أن يستأذن الرجل منكم أخاه))، قال الخطيب: هذا من قول ابن عمر وليس من قول
النبي عَّهِ، بيَّن ذلك آدم بن أبي إياس وشبابة بن سوار عن شعبة، وقال عاصم بن علي: أرى
الإذن من قول ابن عمر، قيل: يرد على هذا ما أخرجه البخاري بعدُ من حديث جبلة بن
سحيم: سمعت ابن عمر يقول: ((نهى رسول الله عَّل أن يقرن الرجل بين التمرتين جميعاً
حتى يستأذن أصحابه)). قلت: احتمال الإدراج باقٍ فيه أيضاً، فليتأمل.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: النهي عن الإقران. قال أبو موسى المديني في كتابه
(المغيث): للنهي عن القران وجهان: الأول: ذهبت عائشة وجابر، رضي الله تعالى عنهما،
إلى أنه قبيح، وفيه شره وهلع وهو يزري بصاحبه. الثاني: كان التمر من جهة ابن الزبير
وكان ملكهم فيه سواء، فيصير الذي يقرن أكثر أكلاً من غيره، فأما إذا كان التمر ملكاً له فله
أن يأكل كما شاء، كما روي أن سالماً كان يأكل التمر كفاً كفاً، وقيل: إذا كان الطعام
بحيث يكون شبعاً للجميع كان مباحاً له لو أكله، وجاز له أن يأكل كما شاء. وقال القرطبي:
وحمل أهل الظاهر هذا النهي على التحريم مطلقاً. قال: وهو منهم ذهول عن مساق الحديث
ومعناه. وحمله جمهور الفقهاء على حالة المشاركة بدليل مساق الحديث. وقال النووي:
واختلفوا في أن هذا النهي على التحريم أو على الكراهة والأدب؟ والصواب: التفصيل كما
سبق.
واختلف العلماء فيما يملك من الطعام حين وضعه، فإن قلنا: إنهم يملكونه بوضعه بين
أيديهم فيحرم أن يأكل أحد أكثر من الآخر، وإن قلنا: إنما يملك كل واحد منهم ما رفع إلى
فيه فهو سوء أدب وشره ودناءة، ويكون مكروهاً. وقال ابن التين: وحمله بعضهم على ما إذا
استوت أثمانهم فيه مثل أن يتخارجوا في ثمنه أو يهبه لهم رجل أو يوصي لهم به، وأما إن
أطعمهم هو، فروى ابن نافع عن مالك: لا بأس به، وفي رواية ابن وهب: ليس بجميل أن
يأكل تمرتين أو ثلاثاً في لقمة دونهم. فإن قلت: روى البزار والطبراني في (الأوسط) من رواية
يزيد بن زريع عن عطاء الخراساني عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله، عَ له:
((كنت نهيتكم عن الإقران في التمر، ف٤ إن الله قد وسع عليكم فأقرنوا)) قلت: هذا
الحديث رواه ابن شاهين أيضاً في كتابه (الناسخ والمنسوخ)، ثم قال: الحديث الذي فيه
النهي عن الإقران صحيح الإسناد، والذي فيه الإباحة ليس بذاك القوي، لأن في سنده
اضطراباً، وإن صح فيحمل على أنه ناسخ للنهي. وقال الحازمي: وذكر الحديثين: إسناد

٥
٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ وَالْغَصْبِ / باب (١٥)
الأول أصح وأشهر من الثاني، غير أن الخطب في هذا الباب يسير، لأنه ليس من باب
العبادات والتكاليف، وإنما هو من قبيل المصالح الدنياوية فيكفي في ذلك الحديث الثاني،
ثم يشيده إجماع الأمة على خلاف ذلك. وقيل: إن النبي، عَِّ، إنما نهى عن ذلك حيث
كان العيش زهيداً والقوت متعذراً مراعاة لجانب الفقراء والضعفاء والمساكين، وحثاً على
الإيثار والمواساة ورغبة في تعاطي أسباب المعدلة حالة الاجتماع والاشتراك، فلما وسع الله
الخير وعم العيش الغني، والفقير، قال: فشأنكم إذاً.
٢٤٥٦/٢٩ - حدّثنا أبُو النُّعْمَانِ قال حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنِ الأعْمَشِ عنْ أَبِي وائِلٍ عنْ
أبِي مَسْعُودٍ أنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ يُقالُ لَهُ أبُو شُعَيْب كانَ لهُ غُلامٌ لَخَامٌ فقال لَهُ أبُو شُعَيْبٍ
اضْنَعْ لِي طَعَامَ خَمْسَةٍ لَعَلِّي أَدْعُو النَّبِيَّ عَُّلَّهِ خَامِسَ خَمْسَةٍ وَأَبْصَرَ في وجْهِ النبيِّ عَّه.
الجُوعَ فَدَعَاهُ فَتَبِعَهُمْ رَجٌ لَمْ يُدْعَ فقال النبيُّ عَّهِ إِنَّ هذا قدْ اتَّبَعَنَا أَتَأْذَنُ لَهُ قال نَعَمْ.
[انظر الحديث ٢٠٨١ وطرفيه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((أتأذن له؟ قال: نعم)) فإن معنى الترجمة يشمل ذلك. وأبو
النعمان محمد بن الفضل السدوسي وأبو عوانة، بفتح العين المهملة: الوضاح بن عبد الله
اليشكري، والأعمش سليمان، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وأبو مسعود عقبة بن عمرو.
والحديث مضى في كتاب البيوع في: باب ما قيل في اللحام والجزار، فإنه أخرجه
هناك: عن عمر بن حفص عن أبيه عن الأعمش ... إلى آخره، ومر الكلام فيه هناك.
قوله: ((وأبصر))، جملة ماضية وقعت حالاً. قوله: ((قد اتبعنا))، كذا هو في رواية أبي
الحسن، وفي رواية أبي ذر: تبعنا. وقال الداودي: معنى اتبعنا سار معنا، وتبعهم لحقهم. وقال
ابن فارس: تبعت فلاناً إذا تلوته، واتبعته إذا لحقته، وبنحوه ذكره الجوهري: تبعت القوم إذا
تلوتهم، واتبعتهم إذا سرت معهم. وقال الأخفش: تبع واتبع سواء، وقال ابن التين: والصواب
أن يقرأ: اتبعنا، بتشديد التاء على باب افتعل من تبع، فمعناه مثل معنى تبع، وضبط الداودي
هنا لظنه أن الهمزة همزة قطع، فقال: معنى اتبعنا سار معنا، وتبعهم أي اتبعهم.
١٥ - بابُ قَوْلِ الله تعَالى ﴿وَهْوَ أَلَُّّ الخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤].
أي: هذا باب ما جاء في الحديث ما يوافق لفظ القرآن، ومعناه في قوله تعالى: ﴿وهو
ألد الخصام﴾ [البقرة: ٢٠٤]. وتمام هذا هو قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يعجبك قوله في
الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام﴾ [البقرة: ٢٠٤]. وقال السدي:
هذه الآية وثلاث آيات بعدها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، جاء إلى رسول الله عَ ليه
وأظهر الإسلام وفي باطنه خلاف ذلك، وعن ابن عباس: أنها نزلت في نفر من المنافقين
تكلموا في خبيب وأصحاب الذين قتلوا بالرجيع وعابوهم، فأنزل الله ذم المنافقين ومدح
خبيباً وأصحابه. وقيل: بل ذلك عام في المنافقين كلهم، وهذا قول قتادة ومجاهد والربيع بن
أنس وغير واحد، وهو الصحيح. وقال ابن جرير: حدثني يونس أخبرنا ابن وهب أخبرني

٦
٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ والْغَصْبِ / باب (١٥)
الليث بن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن القرظي عن نوف - وهو
البكالي - وكان ممن يقرأ الكتب، قال: إني لا أجد صفة ناس من هذه الأمة، في كتاب الله
المنزل قوم يحتالون الدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر يلبسون
لباس مسوك الضأن وقلوبهم قلوب الذئاب، فعليَّ يجرأون؟ وفيَّ يفترون؟ حلفت بنفسي لأبعثنَّ
عليهم فتنة تترك الحليم فيها حيران. قال القرطبي: تدبرتها في القرآن فإذا هم المنافقون.
قوله: ((ويشهد الله على ما في قلبه))، أي: يظهر للناس الإسلام ويبارز الله تعالى بما في قلبه
من الكفر والنفاق، هذا ما روي عن محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة
أو سعيد بن جبير عن ابن عباس. وقيل: معناه إنه إذا أظهر للناس الإسلام حلف وأشهد الله
لهم أن الذي في قلبه موافق للسانه، وهذا المعنى صحيح. قوله: ﴿وهو ألد الخصام﴾
[البقرة: ٢٠٤]. الألد في اللغة هو الأعوج: ﴿وتنذر به قوماً لدا﴾ [مريم: ٩٧]. أي: عوجاً،
وهكذا المنافق في حال خصومته يكذب ويزور عن الحق ولا يستقيم معه، بل يفتري ويفجر.
ويقال: الألد هو شديد الجدال، والإضافة فيه بمعنى: في، كقولهم: ثبت الغدر أو جعل
الخصام ألد على المبالغة، وفي (الجامع): واللدد مصدر الألد، ورجل ألد إذا اشتد في
الخصومة، والأنثى لداء، واللدد الجدال أخذ من: لديد الوادي أي: جانبه، كأنه إذا منع من
جانب جاء من جانب آخر، وفي تفسير عبد الرحمن عن ابن عباس: ألد الخصام، أي: ذو
جدال إذا كلمك وراجعك. وعن الحسن: كاذب القول، وعن مجاهد: ظالم لا يستقيم،
وعن قتادة شديد القسوة في معصية الله جدل بالباطل. وقال ابن سيده: لددت لدداً صرت
ألد، ولددته ألده إذا خصمته. وقيل: مأخوذ من اللديدين وهما صفحتا العنق، والمعنى: من أي
جانب أخذ في الخصومة قوي، والخصام جمع: الخصم، كصعب وصعاب، قاله الزجاج.
وقيل: هو مصدر خاصمته.
٣٠ / ٢٤٥٧ - حدَّثنا أبو عاصِمٍ عنِ ابنِ جُرَيْجِ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ عنْ عَائِشَةَ رضي
الله تعالى عنها عنِ النبيِّ عَّ ◌ُلِه قال إنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إلى الله الألدُّ الخَصِمُ. [الحديث
٢٤٥٧ - طرفاه في: ٤٥٢٣، ٧١٨٨].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، وابن جريج هو عبد
الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وابن أبي مليكة هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي
مليكة، واسم أبي مليكة زهير بن عبد الله المكي الأحول، كان قاضياً لعبد الله بن الزبير.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الأحكام عن مسدد، وفي التفسير عن قبيصة.
وأخرجه مسلم في القدر عن أبي بكر بن أبي شيبة. وأخرجه الترمذي في التفسير عن ابن أبي
عمر. وأخرجه النسائي فيه وفي القضاء عن إسحاق بن إبراهيم.
قوله: ((الخصم))، بفتح الخاء وكسر الصاد: المولع بالخصومة الماهر فيها. قال الله
تعالى: ﴿بل هم قوم خصمون﴾ [الزخرف: ٥٨]. وقال الكرماني: فإن قلت: الأبغض هو

٧
٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ والْغَصْبِ / باب (١٦)
الكافر. قلت: اللام للعهد عن الأخنس، بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وفتح النون
وبالمهملة: ابن شريق، بفتح الشين المعجمة وكسر الراء: الذي نزل فيه الآية، وهو منافق، أو
هو تغليظ في الزجر أو المراد الألد في الباطل المستحل له.
١٦ - بابُ إِثْمِ مَنْ خاصَمَ في باطِلٍ وهُوَ يَعْلَمُهُ.
أي: هذا باب في بيان إثم من خاصم في أمر باطل، والحال أنه يعمله، أي: يعلم أنه
باطل.
٢٤٥٨/٣١ - حدّثنا عبْدُ الْعَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قالٍ حدَّثني إبْرَاهِيمْ بنُ سَعْدٍ عنْ صالِحٍ
عنِ ابنِ شِهابٍ قال أخْبَرَنِي عُزْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ زَيْتَبَ أُمّ سَلَمَةً أُخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّها سلَمَةَ رضي
الله تعالى عنها زَوْجَ النبيِّ عَّ ◌ُلِّ أَخْبَرَتْها عنْ رسولِ اللهِ عَ لِّ أَنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةٌ ببابِ حُجْرَتِهِ
فخَرَجَ إِلَيْهِمْ فقال إَّا أنا بَشَرٌ وإنَّهُ يأْتِينِي الخَضْمُ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ فَأَحْسِبُ أنَّهُ
صَدَقَ فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقٌّ مُسْلِمٍ فَمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ فَلْيَأْخُذْها أوْ
فَلْيَتْرِكُها. [الحديث ٢٤٥٨ - أطرافه في: ٢٦٨٠، ٦٩٦٧، ٧١٦٩، ٧١٨١، ٧١٨٥].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فإنما هي قطعة من النار)).
ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى الأويسي. الثاني:
إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. الثالث: صالح بن كيسان مؤدب ولد
عمر بن عبد العزيز. الرابع: محمد، بن مسلم بن شهاب الزهري. الخامس: عروة بن الزبير
بن العوام. السادس: زينب بنت أم سلمة وهي بنت أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد، وكان
اسمها برة فسماها رسول الله عَ ◌ّله زينب، سمعت النبي عَّ للم عند البخاري. السابع: أمها أم
سلمة واسمها: هند بنت أبي أمية.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في
موضع. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه:
القول في موضعين. وفيه: أن شيخه من أفراده. وفيه: أن رواته كلهم مدنيون. وفيه: رواية
التابعي عن التابعي عن التابعي، وهم: صالح - على قول من قال: رأى عبد الله بن عمر -
والزهري وعروة. وفيه: رواية الصحابية عن الصحابية، رضي الله تعالى عنهم.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الأحكام عن أبي
اليمان وفي الشهادات والأحكام أيضاً عن القعنبي عن مالك وفي ترك الحيل عن محمد بن
كثير. وأخرجه مسلم في القضاء عن يحيى بن يحيى وعن أبي بكر بن أبي شيبة وعن أبي
كريب وعن عمرو الناقد وعن حرملة بن يحيى وعن عبد بن حميد. وأخرجه أبو داود في
الأحكام مختصراً عن هارون بن إسحاق، ولم يذكره المزي في (الأطراف) فكأنه غفل عنه.
ذكر معناه: قوله: ((إنما أنا بشر)) أي: لا أعلم الغيب وبواطن الأمور، كما هو مقتضى

٨
٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ وَالْغَصْبِ / باب (١٦)
حال البشرية، وأنه إنما يحكم بالظاهر والله يتولى السرائر، ولو شاء الله لأطلعه على باطن
الأمور حتى يحكم باليقين، لكن أمر الله أمته بالاقتداء به، فأجرى أحكامه على الظاهر لتطيب
نفوسهم للانقياد. قوله: ((أبلغ من بعض))، أي: أفصح ببيان حجته، وقال الزجاج: بلغ الرجل
يبلغ بلاغة وهو بليغ: إذا كان يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه، وقال غيره: البلاغة إيصال
المعنى إلى القلب، في أحسن صورة من اللفظ، وقيل: الإيجاز مع الإفهام والتصرف من غير
إضمار، وذكر ابن رشيق في (العمدة) ومن خطه، فيما قيل: البلاغة قليل يفهم وكثير لا
يسأم، وقال آخر: إجاعة اللفظ وإشباع المعنى. وقال آخر: البليغ أسهلهم لفظاً وأحسنهم
بديهة. وقال خلف الأحمر: البلاغة لمحة دالة، وقال الخليل: البلاغة كلمة تكشف عن
البغية، وقيل: الإيجاز من غير عجز والإطناب من غير خطأ، وقيل: البلاغة معرفة الوصل
والفصل، وقيل: أن يدل أول الكلام على آخره وآخره على أوله، وفي حديث أبي هريرة،
رواه ابن أبي شيبة: ((ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قطعت له من حق
أخيه قطعة، فإنما أقطع له قطعة من النار)). واللحن، بالتحريم. قال الخطابي: الفطنة، وقد لحن،
بالكسر يلحن لحناً بسكون الحاء: الخطأ في الإعراب. قوله: ((فأحسب)) بالنصب عطف
على قوله: أن يكون أبلغ، وأدخل: أن تشبيهاً للعل بعسى. قوله: ((فمن قضيت)) أي: حكمت
له بحق مسلم، إنما ذكر مسلماً تغليباً أو اهتماماً بحاله أو نظراً، إلى لفظ بعضكم، فإنه خطاب
للمؤمنين. قوله: ((قطعة من النار))، أي: هو حرام مآله النار. قوله: ((فليأخذها))، أمر تهديد لا
تخيير، كقوله تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ [الكهف: ٢٩]. وكقوله:
﴿اعملوا ما شئتم﴾ [فصلت: ٤٠].
ذكر ما يستفاد منه: فيه: دلالة على الحكم بالظاهر تشريفاً للأمة، وهو كقوله: ((أمرت
أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلاَّ الله))، وقوله في حديث المتلاعنين: ((لولا الإيمان لكان
لي ولها شأن))، وقال القرطبي: وقد روي في هذا إنما أحكم بما أسمع، وإنما للحصر، فكأنه
قال: لا أحكم إلاَّ بما أسمع، وقد اختلف في هذا فقال مالك، في المشهور عنه: أن الحاكم
لا يحكم بعلمه في شيء، وبه قال أحمد وإسحاق: وأبو عبيد والشعبي، وروى عن شريح.
وذهبت طائفة إلى: أنه يقضي بعلمه في كل شيء من الأموال والحدود. وبه قال أبو ثور،
وهو أحد قولي الشافعي. وذهبت طائفة إلى التفريق، فمنهم من قال: يقضي بعلمه بما سمعه
في مجلس قضائه خاصة لا قبله ولا في غيره، إذا لم يحضر مجلسه بينة في الأموال بعلمه
خاصة، وهو قول الأوزاعي وجماعة من أصحاب مالك، وحكوه عنه أيضاً. ومنهم من قال:
يحكم بما سمعه في مجلس قضائه وفي غيره، لا قبل قضائه ولا في غير مصره، في الأموال
خاصة، سواء سمع ذلك في مجلس قضائه أو في غيره لا قبل ولايته أو بعدها، وبه قال أبو
يوسف ومحمد، وهو أحد قولي الشافعي. قال: وذهب بعض أصحابنا إلى أنه يقضي بعلمه
في الأموال والقذف خاصة، ولم يشترط مجلس القضاء. واتفقوا على أنه يحكم بعلمه في
الجرح والتعديل، لأن ذلك ضروري في حقه، وقال المهلب: دل الحديث على أن القوي

٩
٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ وَالْغَصْبِ / باب (١٧)
على البيان البليغ في تأدية الحجة يبلغ بالباطل ما يقضي له على خصمه، وليس ذلك مما
يحل له ما حرم الله عليه، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من
أموال الناس﴾ [البقرة: ١٨٨]. وفيه: دلالة أن البينة مسموعة بعد اليمين، وهو الذي فهمه
البخاري وبوب له بعد: باب من أقام البينة بعد اليمين. وفيه: دلالة على حكمه، حَلِّ،
بالاجتهاد. قال عياض: وهو قول المحققين، قاله الخطابي. وفيه: دليل على أنه ليس كل
مجتهد مصيباً، وأن إثم الخطأ مرفوع عنه إذا اجتهد. وفيه: العمل بالظن، قال: فأحسب أنه
صدق، وهو أمر لم يختلف فيه في حق الحاكم، وقال الطحاوي: ذهب قوم إلى أن كل ما
يقضي به الحاكم من تمليك مال وإزالة ملك أو إثبات نكاح أو طلاق أو ما أشبه ذلك على ما
حكم، وإن كان في الباطن على خلاف ما شهد به الشاهدان، وعلى خلاف ما حكم
بشهادتهما على الحكم الظاهر، لم يكن قضاء القاضي موجباً شيئاً من تمليك ولا تحليل ولا
تحريم، وممن قال ذلك: أبو يوسف، وخالفهم آخرون فقالوا: ما كان ذلك من تمليك مال فهو
على حكم الباطن، وما كان من ذلك من قضاء بطلاق أو نكاح بشهود ظاهرهم العدالة
وباطنهم الجرحة، فحكم الحاكم بشهادتهم على ظاهرهم، فإنه ينفذ ظاهراً وباطناً، وهذا قول
أبي حنيفة ومحمد، رحمهما الله.
١٧ - بابُ إذَا خاصَمَ فَجَرَ
أي: هذا باب يذكر فيه: ((إثم من إذا خاصم فجر))، من الفجور، وهو الكذب والفسوق
والعصيان، وأصل الفجر: الشق والفتح، يقال فجر الماء إذا شقه، ومنه: فجر الصبح، وكأن
الفاجر يفتح معصية ويتسع فيها.
٢٤٥٩/٣٢ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ خَالِدٍ قال أخبرنا مُحَمَّدٌ عنْ شُعْبَةَ عنْ سُلَيْمَانَ عنْ
عَبْدِ الله بنِ مُرَّةَ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمْروٍ رضي الله تعالى عنهما عن النبيِّ عَ له
قال أزْبَعْ مَنْ كُنَّ فِيهِ كانَ مُنَافِقاً أُوْ كانَتْ فِيهِ خَضْلَةٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ كانَتْ فِيهِ خَضْلَةٌ مِنَ
النِّفَاقِ حتَّى يَدَعَها إِذَا حدَّثَ كَذَبَ وإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وإِذَا خاصَمَ فَجَرَ.
[انظر الحديث ٣٤ وطرفه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وإذا خاصم فجر)). و((بشر)) بكسر الباء الموحدة وسكون
الشين المعجمة ابن خالد أبو محمد العسكري، شيخ مسلم أيضاً، ومحمد هو ابن جعفر،
وصرح به في بعض النسخ، وسليمان هو الأعمش. والحديث مضى في كتاب الإيمان في:
باب علامات المنافق، فإنه أخرجه هناك: عن قبيصة بن عقبة عن سفيان عن الأعمش ... إلى
آخره، ومر الكلام فيه، وذكر هناك موضع: إذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، وذلك لأن
المتروك في الموضعين داخل تحت المذكور منهما.
:

١٠
٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ والْغَصْبِ / باب (١٨)
١٨ - بابُ قِصاصِ الْمَظْلُومِ إذَا وجَدَ مالَ ظالِمِه
أي: هذا باب في بيان حكم قصاص المظلوم الذي أخذ منه المال إذا وجد - يعني:
إذا ظهر - بمال الذي ظلمه، وجواب، إذا محذوف تقديره: هل يأخذ منه بقدر حقه؟ يعني:
يأخذ. واكتفى بذكر أثر ابن سيرين عن ذكر الجواب، واستمرت عادته على هذا الوجه وهي
مسألة الظفر، وفيها خلاف وتفصيل، فقال ابن بطال: اختلف العلماء في الذي يجحد وديعة
غيره، ثم إن المودع يجد له مالاً، هل يأخذه عوضاً من حقه؟ فروى ابن القاسم عن مالك: أنه
لا يفعل، وروى عنه: أن له أن يأخذ حقه إذا وجده من ماله إذا لم يكن فيه شيء من الزيادة،
وهو قول الشافعي، وقال النووي: من له حق على رجل وهو عاجز عن استيفائه يجوز له أن
يأخذ من ماله قدر حقه من غير إذنه، وهذا مذهبنا، ومنع من ذلك أبو حنيفة ومالك، وقال ابنِ
بطال: وروى ابن وهب عن مالك: أنه إذا كان على الجاحد للمال دين فليس له أن يأخذ إلاَّ
مقدار ما يكون فيه أسوة الغرماء، وعن أبي حنيفة: يأخذ من الذهب الذهب ومن الفضة
الفضة ومن المكيل المكيل ومن الموزون الموزون، ولا يأخذ غير ذلك، وقال زفر: له أن
يأخذ العرض بالقيمة. انتهى. قلت: مذهبنا أنه بخس حقه فله أن يأخذه وإلاَّ فلا.
وقال ابنُ سِيرِينَ يُقاصهُ وقَرَأ ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦].
أي: قال محمد بن سيرين إذا وجد مال ظالمه يقاصه، بالتشديد، وأصله: يقاصصه،
أراد: يأخذ مثل ماله، وهذا التعليق وصله عبد الله بن حميد في تفسيره من طريق خالد الحذاء
عنه بلفظ: إن أخذ أحد منك شيئاً فخذ مثله. قوله: ((وقرأ))، إشارة إلى أنه احتج فيما ذهب
إليه بقوله تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل: ١٢٦]. يعني: لا يزيد ولا
ينقص.
٢٤٦٠/٣٣ _ حدَّثنا أبو الْيَمانِ قال أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال حدَّثني ◌ُزْوَةُ أَنَّ
عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ جاءَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُثْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ فقالَتْ يا رسولَ الله إنَّ أَا
سُفْيانَ رجُلٌ مِسْيكٌ فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أنْ أُطْعِمَ منَ الَّذِي لَّهُ عِيَالَنا فقال لا حَرَجَ عَلَيْكَ أنْ
تُطْعِمِيهِمْ بِالْمَغْرُوفِ. [انظر الحديث ٢٢١١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إذن النبي عَ لّه لهند بالأخذ من مال زوجها. قال ابن بطال:
فهذا يدل على جواز أخذ صاحب الحق من مال من لم يوفه أو جحده قدر حقه، وإسناد هذا
الحديث على هذا النسق بعينه قد مر غير مرة. وأبو اليمان الحكم بن نافع، وهند بنت عتبة،
بضم العين المهملة وسكون التاء المثناة من فوق: ابن ربيعة أم معاوية، أسلمت يوم الفتح
وماتت في خلافة عمر، رضي الله تعالى عنه، وزوجها أبو سفيان اسمه: صخر بن حرب بن
أمية والد معاوية.
قوله: ((مسيك))، بفتح الميم وتخفيف السين على وزن: فعيل، بفتح الفاء، ويروى
.=

١١
٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ والْغَضْبِ / باب (١٨)
بكسر الميم وتشديد السين على وزن فعيل بالكسر والتشديد، وهو صيغة مبالغة: كسكين
وخمير، معناه: بخيل شديد المسك بما في يديه، وقال عياض: في رواية كثير من أهل الإتقان
بالفتح والتخفيف، وقيده بعضهم بالوجهين، وقال ابن الأثير: في كتب الحديث الفتح
والتخفيف، والمشهور عند المحدثين الكسر والتشديد. قوله: ((حرج))، أي: إثم. قوله: ((أن
تطعميهم))، كلمة: أن مصدرية، تقديره: لا حرج عليك بإطعامك إياهم بالمعروف، أي: بقدر
ما يتعارف أن يأكل العيال، وهذا الحديث يشتمل على أحكام، وهي النفقة للأولاد وأنها
مقدرة بالكفاية لا بالأمداد. وجواز سماع كلام الأجنبية وذكر الإنسان بما يكره عند الحاجة،
وأن للمرأة مدخلاً في كفالة أولادها، وجواز خروج المرأة من بيتها لقضاء حاجتها، وقد
استدل به من يرى بجواز الحكم على الغائب. قلت: هذا استدلال فاسد من وجهين:
أحدهما: أنه كان فتوى لا حكماً. والآخر: أن أبا سفيان كان حاضراً في البلد.
٣٤ /٢٤٦١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال حدَّثنا اللَّيْثُ قال حدَّثني يَزِيدُ عنْ أَبِي
الخَيْرِ عنْ عُقْبَةَ بنِ عامِر رضي الله تعالى عنهُ قالٍ قُلْنا لِلنَّبِيِّ عَُّلِّ إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ لاَ
يَقْرُونا فَمَا تَرَى فِيهِ فقال لَنا إنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأُمِرَ لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلصَّيْفِ فَأَقْبَلُوا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا
فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ. [الحديث ٢٤٦١ - طرفه في: ٦١٣٧].
مطابقته للترجمة تؤخذ بالتكلف من قوله: ((فخذوا منهم حق الضيف)) فإنه أثبت فيه
حقاً للضيف، ولصاحب الحق أخذ حقه ممن يتعين في جهته، وفيه معنى قصاص المظلوم.
ورجاله قد ذكروا غير مرة، ويزيد - من الزيادة - هو ابن أبي حبيب. وأبو الخير - ضد
الشر - واسمه مرثد، بالثاء المثلثة: ابن عبد الله اليزني، وهؤلاء كلهم مصريون ما خلا شيخه
فإنه تنيسي، ولكن أصله من دمشق وعد من المصريين.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الأدب عن قتيبة. وأخرجه مسلم في المغازي عن
قتيبة ومحمد بن رمح. وأخرجه أبو داود في الأطعمة عن قتيبة. وأخرجه الترمذي في السير
عن قتيبة، وقال: حسن، وأخرجه ابن ماجه في الأدب عن محمد بن رمح.
ذكر معناه: قوله: ((لا يقرونا))، بفتح الياء وسكون القاف وإسقاط نون الجمع، كذا هو
في رواية الأصيلي وكريمة، وفي رواية غيرهما لا يقروننا، على الأصل، لأن نون جمع المذكر
لا يسقط إلاَّ في مواضع معروفة، وأصله من قريت الضيف قرىً، مثل قليته قلّى. وقراءً إذا
أحسنت إليه، فإذا كسرت القاف قصرت، وإذا فتحتها مددت. وقال الكرماني: لا يقروننا،
بالتشديد والتخفيف أي: لا يضيفونا. قوله: ((فخذوا منهم))، وفي رواية الكشميهني: فخذوا
منه، أي: من مالهم، وفي رواية الترمذي عن أبي الخير عن عقبة بن عامر، قال: قلت: يا
رسول الله، إنا نمر بقوم فلا هم يضيفونا ولا هم يؤدون ما لنا عليهم من الحق، ولا نحن نأخذ
منهم. فقال رسول الله عَ لّهِ: ((إن أبوا إلاَّ أن تأخذوا منهم كرهاً فخذوا)). ثم قال: وقد روي
عن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، أنه كان يأمر بنحو هذا.

١٢
٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ والْغَصْبِ / باب (١٩)
ذكر ما يستفاد منه: فيه: أن ظاهر الحديث وجوب قرى الضيف، وأن المنزول عليه
لو امتنع من الضيافة أخذت منه كرهاً، وإليه ذهب الليث مطلقاً، وخصه أحمد بأهل البوادي
دون القرى، ومما استدل به على ذلك ما رواه أبو داود من حديث أبي كريمة، قال: قال
رسول الله عَّ له: ((ليلة الضيف حق على كل مسلم، فمن أصبح بفنائه فهو عليه دين، فإن
شاء اقتضى وإن شاء ترك))، وأبو كريمة هو المقدام بن معدي كرب، وصرح به الطحاوي في
روايته عنه، وروى الطحاوي أيضاً من حديث أبي هريرة عن النبي عَ لّه قال: ((أيما ضيف نزل
بقوم فأصبح الضيف محروماً، فله أن يأخذه، بقدر قراه، ولا حرج عليه)). وقال الجمهور:
الضيافة سنَّة وليست بواجبة، وقد كانت واجبة فنسخ وجوبها، قاله الطحاوي، واستدل على
ذلك بحديث المقداد بن الأسود، قال: جئت أنا وصاحب لي حتى كادت تذهب أسماعنا
وأبصارنا من الجوع، فجعلنا نتعرض للناس فلم يضفنا أحد، وفي رواية مسلم: فجعلنا نعرض
أنفسنا على أصحاب رسول الله عَّ له فليس أحد منهم يقبلنا، فأتينا النبي عَّم فانطلق بنا إلى
أهله، فإذا ثلاثة أعنز، فقال النبي عَ لّهِ: احتلبوا هذا اللبن بيننا ... الحديث بطوله، قال
الطحاوي: أفلا يرى أصحاب رسول الله عَ ليه لم يضيفوهم، وقد بلغت بهم الحاجة، ثم لم
يعنفهم رسول الله عَّه على ذلك؟ فدل على نسخ ما كان أوجب على الناس من الضيافة، ثم
روى من حديث عبد الله بن السائب عن أبيه عن جده: أنه سمع النبي عَّ ◌ُلم يقول: ((لا يأخذ
أحدكم متاع صاحبه لاعباً ولا جاداً، وإذا أخذ أحدكم عصا صاحبه فليردها إليه)). وأخرجه
أبو داود والترمذي أيضاً، وقيل: الحديث محمول على المضطرين. ثم اختلفوا: هل يلزم
المضطر العوض أو لا؟ فقيل: يلزم، وقيل: لا، وقيل: كان هذا في أول الإسلام، فكانت
المواساة واجبة، فلما فتحت الفتوح نسخ ذلك، ويدل عليه قوله في حديث أبي شريح عند
مسلم في حق الضيف: وجائزته يوم وليلة، والجائزة تفضل لا واجبة، وقيل: هذا كان
مخصوصاً بالعمال المبعوثين لقبض الصدقات من جهة الإمام، فكان على المبعوث إليهم
إنزالهم في مقابلة عملهم الذي يتولونه، لأنه لا قيام لهم إلاَّ بذلك، حكاه الخطابي، قال:
وكان هذا في ذلك الزمان إذ لم يكن للمسلمين بيت مال، فأما اليوم فأرزاق العمال من بيت
المال. قال: وإلى نحو هذا ذهب أبو يوسف في الضيافة على أهل نجران خاصة، وقيل: كان
هذا خاصاً بأهل الذمة، وقد شرط عمر، رضي الله تعالى عنه، حين ضرب الجزية على نصارى
الشام ضيافة من نزل بهم، وقال ابن التين: نسخه قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم
بالباطل﴾ [البقرة: ١٨٨]. قال: وقيل: كان ذلك في أهل العمود والمواطن التي لا أسواق
فیها.
١٩ - بابُ ما جاءَ في السَّقَائِفِ
أي: هذا باب في بيان ما جاء في السقائف، وهو جمع سقيفة، على وزن فعيلة بمعنى
مفعولة، وهي المكان المظلل كالساباط والحوانيت بجانب الدار، وكان مراده من وضع هذه
الترجمة الإشارة إلى أن الجلوس في الأمكنة العامة جائز، وأن اتخاذ صاحب الدار ساباطاً أو

١٣
٤٦ - كِتَابُ الْعَظَالِمُ وَالْغَصْبِ / باب (٢٠)
مستظلاً جائز إذا لم يضر المارة. وقال ابن التين: لما كان لأهل المواضع أن يرتفقوا
بسقائفهم وأفنيتهم جاز الجلوس فيها. وقال ابن بطال: السقائف والحوانيت قد علم الناس لِمَ
وضعت، ومن اتخذ فيها مجلساً فذلك مباح له إذا التزم ما في ذلك من: غض البصر، ورد
السلام، وهداية الضال، وجميع شروطه.
وجَلَسَ النبيُّ عَّهِ وَأَصْحَابُهُ فِي سَقِيفَةِ بَنِي ساعِدَةَ
هذا قطعة من حديث طويل رواه البخاري من طريق سهل بن سعد في الأشربة على ما
يأتي، إن شاء الله تعالى، وسقيفة بني ساعدة كانوا يجتمعون فيها، وكانت مشتركة بينهم،
وجلس النبي، عَّ له، معهم فيها، وفيها وقعت المبايعة بخلافة أبي بكر، رضي الله تعالى عنه،
وبنو ساعدة في الأنصار في الخزرج، وساعدة هو ابن كعب بن الخزرج، قال ابن دريد:
ساعدة اسم من أسماء الأسد.
٢٤٦٢/٣٥ - حدّثنا يَخْلِى بنُ سُلَيْمَانَ قال حدَّثني ابنُ وَهْبٍ قال حدَّثني مالِكٌ ح
وأخبَرَنِي يونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ قال أخبرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ الله بنِ عُثْبَةً أَنَّ ابنَ عَبَّاسٍ
أَخْبَرَهُ عنْ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُم قال حِينَ تَوَقَّى الله نَبِيَّهُ عَُّلَّهِ إِنَّ الأنْصَارَ اجْتَمَعُوا في
سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ فَقُلْتُ لِأَبِي بَكْرِ انْطَلِقْ بِنَا فَجِئْنَاهُمْ فِي سَقِيفَةٍ بَنِي ساعِدَةً. [الحديث
٢٤٦٢ - أطرافه في: ٣٤٤٥، ٣٩٢٨، ٤٠٢١، ٦٨٢٩، ٦٨٣٠، ٧٣٢٣].
مطابقته للترجمة ظاهرة، قيل: ليس لإدخال هذا الباب في كتاب المظالم وجه، قلت:
قال الكرماني: الغرض بيان أن الجلوس في السقيفة التي للعامة ليس ظلماً، وفيه ما فيه.
ويحيى بن سليمان أبو سعيد الجعفي الكوفي نزيل مصر، وهو من أفراده، وابن وهب هو عبد
الله بن وهب المصري، ويونس هو ابن يزيد الأيلي، وابن شهاب هو الزهري.
قوله: ((وأخبرني)) أي: قال ابن وهب ويونس أيضاً: أخبرني به، وهذا تحويل من إسناد
إلى إسناد آخر، وكان ابن وهب حريصاً على التفرقة بين التحديث والإخبار مراعاة
للاصطلاح، ويقال: إنه أول من اصطلح على ذلك بمصر، والحديث مختصر من قصة بيعة
أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، وسيأتي في الهجرة، وفي كتاب الحدود بطوله، إن شاء الله
تعالى.
٢٠ _ بابٌ لا يَمْنَعُ جارٌ جارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً في جِدَارِهِ
أي: هذا باب يذكر فيه: لا يمنع جار ... إلى آخره. قوله: ((خشبة))، بالإفراد والتنوين
في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره خشباً بصيغة الجمع، ورأيت صاحب (التلويح) قد ضبط
بيده: خشباً، بضم الخاء وسكون الشين. قلت: تجمع الخشبة على خشب بفتحتين وخشب
بضم الخاء وسكون الشين وخشب بضمتين وخشبان، وروى الطحاوي عن جماعة من
المشايخ أنهم رووه في الحديث بالإفراد، وأنكر ذلك عبد الغني بن سعيد، فقال: الناس كلهم

١٤
٤٦ - كِتَابُ الْمَظَائِمُ والْغَضْبِ / باب (٢٠)
يقولون بالجمع إلاَّ الطحاوي. قلت: إنكار عبد الغني ليس بموجه، لأن الطحاوي ما انفرد به،
وإنما رواه عن المشايخ فكيف يقول: الناس كلهم؟ وقال أبو عمر: قد روي اللفظان يعني:
الإفراد والجمع. في (الموطأ)، والإفراد أحسن لأن أمره أخف في مسامحة الجار، بخلاف
الجمع، لأنه أشق عليه بالنسبة إلى الواحد.
٣٦/ ٢٤٦٣ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكِ عنِ ابنِ شِهابٍ عنِ الأعْرَجِ عنْ
أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ الله عَ لِّ قال لاَ يُمْتَعُ جارٌ جارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خِشَبةً في
جِدَارِهِ ثُمَّ يَقُولُ أبو هُرَيْرَةَ مالِي أراكُمْ مُغْرِضِينَ والله لأَرْمِيَنَّ بِها بَيْنَ أكْتَافِكُمْ. [الحديث
٢٤٦٣ - طرفاه في: ٥٦٢٧، ٥٦٢٨].
مطابقته للترجمة من حيثُ إنهما سواء، ورجاله قد ذكروا غير مرة، والأعرج عبد
الرحمن بن هرمز، والحديث أخرجه مسلم في البيوع عن يحيى بن يحيى وعن زهير بن
حرب وعن أبي الطاهر وحرملة بن يحيى وعن عبد بن حميد. وأخرجه أبو داود في القضاء
عن مسدد ومحمد بن أحمد بن أبي خلف. وأخرجه الترمذي في الأحكام عن سعيد بن عبد
الرحمن. وأخرجه ابن ماجه عن هشام بن عمار ومحمد بن الصباح.
ذكر معناه: قوله: (عن مالك عن ابن شهاب)) كذا في (الموطأ) وقال خالد بن
مخلد: عن مالك عن أبي الزناد، بدل: ابن شهاب. وقال بشر بن عمر: عن مالك عن الزهري
عن أبي سلمة، بدل: الأعرج، ووافقه هشام بن يوسف عن مالك ومعمر عن الزهري ورواه
الدارقطني في (الغرائب)، وقال: المحفوظ عن مالك الأول، وقال في (العلل): رواه هشام
الدستوائي: عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب، بدل: الأعرج، وكذا قال عقيل: عن
الزهري، وقال ابن أبي حفصة: عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن، بدل: الأعرج.
والمحفوظ: عن الزهري عن الأعرج، وبذلك جزم ابن عبد البر أيضاً، ثم أشار إلى أنه يحتمل
أن يكون عند الزهري عن الجميع. قوله: ((لا يمنع)) بالجزم على أن كلمة: لا، ناهية، وفي
رواية أبي ذر بالرفع، على أن: لا، نافية خبر بمعنى النهي، وفي رواية أحمد: لا يمنعن، بزيادة
نون التأكيد، وفي رواية ابن ماجه: ((لا ضرر ولا ضرار، وللرجل أن يضع خشبة في حائط
جاره)). قوله: ((أن يغرز))، أي: بأن يغرز، وكلمة: أن، مصدرية أي: بغرز خشبة في جدار
جاره.
قوله: ((ثم يقول أبو هريرة))، وفي رواية أبي داود: عن ابن عيينة عن الزهري عن
الأعرج عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَّ له: إذا استأذن أحدكم أخاه أن يغرز خشبة في
جداره فلا يمنعه، فنكسوا، فقال أبو هريرة: ما لي أراكم قد أعرضتم، لألقينَّها بين أكتافكم.
وفي رواية أحمد: فلما حدثهم أبو هريرة بذلك طأطأوا رؤوسهم. قوله: ((عنها))، أي: عن هذه
المقالة، أو عن هذه السنَّة. قوله: ((لأرمينَّ بها))، وفي رواية: لأرمينها. وفي رواية أبي داود:
لألقينها، كما مرت الآن. قوله: ((بين أكتافكم))، قال ابن عبد البر: رويناه في (الموطأ) بالتاء

١٥
٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ وَالْغَصْبِ / باب (٢١)
المثناة وبالنون، يعني: بالوجهين: بأكتافكم، جمع كتف بالتاء، وبأكنافكم، بالنون: جمع
كنف، وهو الجانب، قال الخطابي: معناه إن لم تقبلوا هذا الحكم وتعملوا به راضين
لأجعلنَّها - أي: الخشبة - على رقابكم كارهين، وأراد بذلك المبالغة، ووقع ذلك من أبي
هريرة حين كان يلي إمرة المدينة لمروان، ووقع في رواية عند ابن عبد البر من وجه آخر:
لأرمين بها بين أعينكم وإن كرهتم.
ذكر ما يستفاد منه: اختلف العلماء في معنى هذا الحديث، فقال قوم: معناه الندب
إلى بر الجار وليس على الوجوب، وبه قال أبو حنيفة ومالك، وروى ابن عبد الحكم عن
مالك، قال: ليس يقضي على رجل أن يغرز خشبة في جدار جاره، وإنما نرى أن ذلك كان
من رسول الله، عَّهِ، على الوصاءة بالجار. قال: وأكثر علماء السلف أن ذلك على الندب،
وحملوه على معنى قوله، عَّلّهِ: ((إذا استأذنت أحدكم امرأتُه إلى المسجد فلا يمنعها))، وقد مر
في حديث أبي داود: إذا استأذن أحدكم أخاه، وقيد بعضهم الوجوب بالاستئذان، وقال قوم:
هو واجب إذا لم يكن في ذلك مضرة على صاحب الجدار، وبه قال الشافعي وأحمد وداود
وأبو ثور وجماعة من أصحاب الحديث، وهو مذهب عمر بن الخطاب، وروى الشافعي عن
مالك بسند صحيح: أن الضحاك بن خليفة سأل محمد بن مسلمة أن يسوق خليجاً له فيمر
به في أرض محمد بن مسلمة، فامتنع، فكلمه عمر، رضي الله تعالى عنه، في ذلك فأبى،
فقال: والله ليمرن به ولو على بطنك، فحمل عمر الأمر على ظاهره وعداه إلى كل ما يحتاج
الجار إلى الانتفاع به من دار جاره وأرضه. وقال بعضهم: وقد قوى الشافعي في القديم القول
بالوجوب بأن عمر، رضي الله تعالى عنه، قضى به ولم يخالفه أحد من أهل عصره، وكان
اتفاقاً منهم على ذلك. انتهى.
قلت: هذا مجرد دعوى يحتاج إلى إقامة دليل، وعن الشافعي في الجديد قولان:
أشهرهما: اشتراط إذن المالك، فإن امتنع لم يجبر، وهو قول أصحابنا، وحملوا الأمر فيما جاء
من الحديث على الندب والنهي على التنزيه جمعاً بينه وبين الأحاديث الدالة على تحريم مال
المسلم إلاَّ برضاه، وهو كقوله، عَّله: ما زال جبريل، عليه الصلاة والسلام، يوصيني بالجار
حتى ظننت أنه سيورثه، وكقوله: ما آمن من بات شبعان وجاره طاو، وقيل: إن الهاء في:
جداره، يرجع إلى الغارز، لأن الجدار إذا كان بين اثنين وهو لأحدهما فأراد صاحبه أن يضع
عليه الجذوع ويبني، ربما منعه جاره لئلا يشرف عليه، فأخبر الشارع أنه لا يمنعه ذلك، وقال
ابن التين: عورض هذا بأنه إحداث قول ثالث في معنى الخبر، وذلك ممنوع عند أكثر
الأصوليين، ولا يسلم له، والله أعلم.
٢١ - بابُ صَبِّ الْخَمْرِ في الطّرِيقِ
أي: هذا باب في بيان صب الخمر في طريق الناس، هل ينبغي ذلك أم لا؟ فقيل: لا
يمنع من ذلك، لأنه للإعلان برفضها، وليشتهر تركها، وذلك أنه أرجح في المصلحة من

١٦
٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ وَالْغَصْبِ / باب (٢١)
التأذي بصبها في الطريق، وإليه أشار المهلب، وقيل: يمنع من ذلك، فقال ابن التين: هذا
الذي في الحديث كان في أول الإسلام قبل أن ترتب الأشياء وتنظف، فأما الآن فلا ينبغي
صب النجاسات في الطرق خوفاً أن يؤذي المسلمين، وقد منع سحنون أن يصب الماء من
بثر وقعت فيه فأرة في الطريق. قوله: ((في الطريق))، ويروى: في الطرق.
٣٧/ ٢٤٦٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أبو يَحيى قال أخبرنا عَفَّانُ قال حدَّثنا
حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ قال حدَّثنا ثابتٌ عنْ أَنَسٍ رضي اللهَ تعالى عنهُ قال كنتُ ساقِيَ الْقَوْمِ في
مَنْزِلِ أبِي طَلْحَةَ وكانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الْفَضِيخَ فأمَرَ رسولُ الله عَلِّ مُنادِياً يُنادي أَلََّ إِنَّ
الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ قال فقالَ لِي أبو طَلْحَةَ اخْرُجْ فأهْرِقْها فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُها فَجَرَتْ فِي سِكَكِ
الْمَدِينَةِ فقال بَعْضُ الْقَوْمِ قَدْ قُتِلَ قَوْمٌ وهْيَ فِي بُطُونِهِمْ فَأَنْزَلَ الله ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا
وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣]. الحديث ٢٤٦٤ - أطرافه في:
٤٦١٧، ٤٦٢٠، ٥٥٨٠، ٥٥٨٢، ٥٥٨٣، ٥٥٨٤، ٥٦٠٠، ٥٦٢٢، ٧٢٥٣].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فهرقتها فجرت في سكك المدينة))، ومحمد بن عبد
الرحيم أبو يحيى هو المعروف بصاعقة، وهو من أفراده، وعفان هو ابن مسلم الصفار، وروى
عنه البخاري في الجنائز بدون الواسطة.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن أبي النعمان عن حماد، وفي الأشربة
عن إسماعيل بن عبد الله. وأخرجه مسلم في الأشربة عن أبي الربيع الزهراني عنه به. وأخرجه
أبو داود فيه عن سليمان بن حرب عنه نحوه.
ذكر معناه: قوله: ((كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة))، وأبو طلحة زوج أم
أنس، واسمه: زيد بن سهل الأنصاري، شهد العقبة وبدراً وأحداً وسائر المشاهد كلها مع
رسول الله عَّ له، وهو أحد النقباء، وعاش بعد رسول الله عَّله أربعين سنة، ومات بالشام، قاله
أبو زرعة الدمشقي. وعن أنس: أنه غزا البحر فمات فيه، فما وجدوا جزيرة فدفنوه فيها إلا بعد
سبعة أيام، ولم يتغير، وفي القوم كان أبو عبيدة وأبي بن كعب، على ما يأتي في رواية
البخاري في الأشربة، وفي رواية لمسلم: إني لقائم أسقيها أبا طلحة، وأبا أيوب ورجالاً من
أصحاب رسول الله عَّةٍ، وفي رواية له: إني لقائم على الحي على عمومتي أسقيهم، وفي
رواية له: كنت أسقي أبا طلحة وأبا دجانة ومعاذ بن جبل في رهط من الأنصار، وفي رواية
له: إني لأسقي أبا طلحة وأبا دجانة وسهيل بن بيضاء من مزادة. قوله: ((وكان خمرهم يومئذ
الفضيخ))، أصل الخمر من المخامرة، وهي المخالطة، سميت بها لمخالطتها العقل، ومن
التخمير وهو التغطية، سميت بها لتغطيتها العقل، يذكر ويؤنث، وجزم ابن التين بالتأنيث،
وقال ابن سيده: هي ما أسكر من عصير العنب، والأعرف فيها التأنيث، وقد يذكر، والجمع:
خمور. وقال ابن المسيب، فيما حكا النحاس في (ناسخه) سميت بذلك لأنها صعد صفوها
ورسب كدرها، وقال ابن الأعرابي: لأنها تركت فاختمرت، واختمارها تغير ريحها، وجعلها

١٧
٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ والْغَصْبِ / باب (٢٢)
أبو حنيفة الدينوري من الحبوب، وأظنه تسمحاً منه، لأن حقيقة الخمر إنما هي للعنب دون
سائر الأشياء، وعند أبي حنيفة الإمام: الخمر هي النيء من ماء العنب إذا غلا واشتد، ولها
عدة أسماء نحو المائتين، ذكرناها في (شرحنا لمعاني الآثار) والفضيخ، بفاء مفتوحة وضاد
وخاء معجمتين: شارب يتخذ من البسر من غير أن تمسه النار، وقال ابن سيده: هو شراب
يتخذ من البسر المفضوخ، يعني: المشدوخ. وفي (مجمع الغرائب): ويروى عن ابن عمر أنه
قال: ليس بالفضيخ، ولكنه الفضوخ. وقال أبو حنيفة عن الأعراب: هو ما اعتصر من العنب
اعتصاراً، فهو الفضيخ، وكذلك فضيخ البسر. وقال الداودي: يهشم البسر ويجعل معه الماء،
وقاله الليث أيضاً. قوله: ((فأمر رسول الله عَّ منادياً ينادي))، وفي رواية: فأتاهم آت، يعني:
أن الآتي أخبرهم بالنداء، والنداء عن الأمر يتنزل في العمل به منزلة سماع. قوله: ((فأهرقها))
الهاء فيه زائدة وأصله: أراقها من الإراقة، وهي الإسالة والصب، ويقال: أراق وهراق. قوله:
((في سكك المدينة)) أي: في طرقها، جمع: سكة بالكسر. قوله: ((فأنزل الله تعالى ﴿ليس
على الذين آمنوا ... ﴾)) [المائدة: ٩٣]. الآية. وقال الإمام أحمد: حدثنا الأسود بن عامر أنبأنا
إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس، قال: لما حرمت الخمر قال أناس: يا رسول
الله! أصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها؟ فأنزل الله تعالى: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا
الصالحات جناح فيما طعموا﴾ [المائدة: ٩٣]. قال: ولما حولت القبلة، قال أناس: يا رسول
الله! أصحابنا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وما كان الله
ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن
البراء بن عازب، قال: لما نزل تحريم الخمر، قالوا: كيف بمن كان يشربها قبل أن تحرم؟
فنزلت ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ... ﴾ [المائدة: ٩٣].
الآية، ورواه الترمذي عن بندار عن غندر عن شعبة نحوه، وقال: حسن صحيح.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: تحريم الخمر، وذكر ابن سعد وغيره أن تحريم الخمر كان
في السنة الثانية بعد غزوة أحد. وفيه: قبول خبر الواحد. وفيه: حرمة إمساكها، ونقل النووي
اتفاق الجمهور عليه. وفيه: قول من قال: قتل قوم وهي في بطونهم، صدر عن غلبة خوف
وشفقة، أو عن غفلة عن المعنى، لأن الخمر كانت مباحة أولاً، ومن فعل ما أبيح له لم يكن
له ولا عليه شيء، لأن المباح مستوى الطرفين بالنسبة إلى الشرع. وفيه: فجرت في سكك
المدينة، واستدل به ابن حزم على طهارة الخمر، لأن الصحابة كان أكثرهم يمشي حافياً، فما
يصيب قدمه لا ينجس به. قلت: هذه جراءة عظيمة، لأن القرآن أخبر بنجاستها.
٢٢ - بابُ أقْنِيَةِ الدُّورِ والْجُلوسِ عَلَى الصُّعُدَاتِ
أي: هذا باب في بيان حكم الجلوس في أفنية الدور، والأفنية جمع: فناء، بكسر الفاء
وبالنون والمد: وهو ما امتد من جوانب الدار. وفي (المغرب): وهو سعة أمام البيوت. وقال
ابن ولاد: الفناء حريم الدار. قوله: ((والجلوس على الصعدات))، أي: وبيان حكم الجلوس
عمدة القاري /ج١٣ /م٢

١٨
٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ والْغَصْبِ / باب (٢٢)
على الصعدات، وهي بضمتين: الطرقات، وهو جمع: صعيد، مثل: طريق يجمع على طرقات،
وقيل: الصعدات جمع صعد بضمتين، والصعد جمع صعيد، فيكون الصعدات جمع الجمع،
كطرق فإنه جمع طريق ويجمع على طرقات. وقال ابن الأثير: وقيل: هي جمع صعدة
كظلمة، وهي فناء باب الدار وممر الناس بين يديه.
وقالَتْ عَائِشَةُ فَابْتَنَى أَبُو بَكْرٍ مَسْجِدَاً بِفِناءِ دارِهِ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيَتَقَصَّفُ
عَلَيْهِ نِساءُ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ يَعْجَبونَ مِنْهُ والنبيُّ عَّهِ يَوْمَئِذٍ بِكَّةَ
ذكر هذا التعليق دليلاً على جواز التصرف من صاحب الدار في فناء داره، وهو أيضاً
يوضح الحكم الذي أبهمه في الترجمة، ووصله في كتاب الصلاة في: باب المسجد يكون
في الطريق من غير ضرر للناس فيه، عن يحيى بن بكير عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب
عن عروة بن الزبير: أن عائشة زوج النبي عَّم قالت ... الحديث، وفيه: ثم بدا لأبي بكر
فابتنى مسجداً بفناء داره فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فتقف عليه نساء المشركين وأبناؤهم
يعجبون منه وينظرون إليه ... الحديث. وأخرجه أيضاً في الهجرة بهذا الإسناد بعينه مطولاً.
وفيه: ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجداً بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن،
فتتقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، وهم يعجبون وينظرون إليه، ويروى: فينقذف عليه،
ومر هذا أيضاً في الكفالة في: باب جوار أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، في عهد النبي
عَّ الِ. وفيه: فيتقصف عليه نساء المشركين، ومعناه: يزدحمون عليه، وأصله من القصف،
وهو: الكسر والدفع الشديد لفرط الزحام، وهذا كما رأيت هنا أربع روايات. الأولى: فتقف
عليه نساء المشركين، مر في: باب المسجد على الطريق. والثانية: هنا: فيتقصف. والثالثة:
في الهجرة: فيتقذف، بالذال المعجمة بدل الصاد من القذف، وهو الرمي بقوة والمعنى:
يرمون أنفسهم عليه ويتزاحمون. والرابعة: فينقذف من القذف أيضاً. ولكن الفرق بينهما أن:
يتقذف، على وزن: يتفعل، من باب التفعل، وينقذف على وزن: ينفعل، من باب الانفعال.
وقال ابن الأثير: وفي حديث الهجرة: فيتقذف عليه نساء المشركين، وفي رواية: فينقذف،
والمعروف: فيتقصف. قلت: وقد قيل رواية أخرى، وهي: يتصفف من الصف، أي: يصطفون
عليه ويقفون صفاً صفاً. قوله: ((يعجبون))، جملة حالية، وكذلك قوله: ((والنبي عَّ يومئذ
بمكة)).
٢٤٦٥/٣٨ - حدّثنا مُعاذُ بنُ فَضَالَةَ قال حدَّثنا أبو عُمَرَ حَفْصُ بنُ مَيْسَرَةُ عنْ زَيْدِ
ابنِ أُسْلَمَ عنْ عَطَاءِ بنِ يَسارٍ عِنْ أَبِي سَعيدٍ الخُذْرِيِّ رضي الله تعالى عنه عن النبيِّ عَ لغم
قالَ إِيَّاكُمْ والجلوسَ عَلى الطُُّقَاتِ فقالُوا ما لَنَا بُدِّ أَمَا هِي مَجالِسُنا نَتَحَدَّثُ فِيها قال فإذَا
أُبَيْتُمْ إلاَّ الْمَجَالِسَ فأعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّها قالوا ما حَقُّ الطَّرِيقِ قال غَضُّ الْبَصَرِ وكَفُّ الأَذَى
ورَدُّ السَّلاَمِ وأمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ ونَهْيّ عنِ الْمُنكَرِ. [الحديث ٢٤٦٥ - طرفه في: ٦٢٢٩].
مطابقته للترجمة في قوله: ((إياكم والجلوس على الطرقات)) فإن قلت: الترجمة على

١٩
٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ والْغَصْبِ / باب (٢٣)
الصعدات؟ قلت: الصعدات هي الطرقات كما ذكرنا، ولا فرق بينهما في المعنى، وعند أبي
داود بلفظ: الطرقات. ورجاله قد ذكروا.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الاستئذان عن عبد الله بن محمد. وأخرجه مسلم
فيه وفي اللباس عن سويد بن سعيد عن يحيى بن يحيى وعن محمد بن رافع. وأخرجه أبو
داود في الأدب عن القعنبي عن الدراوردي به.
قوله: ((إياكم والجلوس))، بالنصب على التحذير، أي: اتقوا الجلوس واتركوه على
الطرقات. قوله: (ما لنا بدُّ) أي: ما لنا غنىّ عنه. قوله: ((هي) أي: الطرقات. قوله: ((فإذا
أبيتم))، من: الإباء فإذا امتنعتم عن الجلوس إلاَّ في المجالس، وهذا هكذا في رواية
الكشميهني، وفي رواية غيره: فإذا أتيتم إلى المجالس، من الإتيان، وبكلمة: إلى، التي
للغاية. قوله: ((قال: غض البصر)) أي: قال النبي عَ لّ: حق الطريق غض البصر، وأراد به
السلامة من التعرض إلى أحد بالقول والفعل مما ليس فيهما من الخير. قوله: ((ورد السلام))،
يعني: على الذي يسلم عليه من المارين. قوله: ((وأمر بمعروف))، وهو كل أمر جامع لكل ما
عرف من طاعة الله تعالى والتقرب إليه والإحسان إلى الناس وكل ما ندب إليه الشرع من
المحسنات ونهى عنه من المقبحات، والمنكر ضد المعروف، وكل ما قبحه الشرع وحرمه
وكرهه، وزاد عن أبي داود: وإرشاد السبيل وتشميت العاطس إذا حمد، ومن حديث عمر،
رضي الله تعالى عنه، عند الطبراني: وإغاثة الملهوف، زيادة على ما ذكر. قالوا: نهيه عَّ له عن
الجلوس في الطرقات لئلا يضعف الجالس على الشروط التي ذكرها، وقال القرطبي: فهم
العلماء أن هذا المنع ليس على جهة التحريم، وإنما هو من باب سد الذرائع والإرشاد إلى
الصلح. قال: وفي رواية: وحسن الكلام من رد الجواب، قال: يريد أن من جلس على الطريق
فقد تعرض لكلام الناس، فليحسن لهم كلامه ويصلح شأنه. وروى هشام بن عروة عن عبد
الله بن الزبير، قال: المجالس حلق الشيطان إن يروا حقاً لا يقومون به، وإن يروا باطلاً فلا
يدفعونه. وقال عامر: كان الناس يجلسون في مساجدهم: فلما قتل عثمان، رضي الله تعالى
عنه، خرجوا إلى الطريق يسألون عن الأخبار. وقال طلحة بن عبيد الله: مجلس الرجل ببابه
مرؤة. وقال ابن أبي خالد: رأيت الشعبي جالساً في الطريق.
وفيه: الدلالة على الندب إلى لزوم المنازل التي يسلم لازمها من رؤية ما تكره رؤيته،
وسماع ما لا يحل له سماعه، وما يجب عليه إنكاره، ومن إغاثة مستغيث تلزمه إغاثته، وذلك
أنه، عَّله، إنما أذن في الجلوس بالأفنية، والطرق - بعد نهيه عنه - إذا كان من يقوم بالمعاني
التي ذكرها، وإذا كان كذلك فالأسواق التي تجمع المعاني التي أمر الشارع الجالس بالطرق
باجتنابها، مع الأمور التي هي أوجب منها، وألزم من ترك الكذب والحلف بالباطل وتحسين
السلع بما ليس فيها، وغش المسلمين وغير ذلك من المعاني التي لا يطيق الكلام بما يلزمه
منها إلاّ من عصمه الله، أحق وأولى بترك الجلوس منها في الأفنية والطرق.

٢٠
٤٦ - كِتابُ الْمَظَالِمُ والْغَضْبِ / باب (٢٣ و٢٤)
٢٣ _ بابُ الآبَارِ عَلَى الطَّرُقِ إِذَا لَمْ يَتَأَذَّ بِها
أي: هذا باب في بيان حكم الآبار التي حفرت على الطريق إذا لم يتأَذَّ بِها، وهو على
صيغة المجهول يعني: إذا لم يحصل منها أذىّ لأحد من المارين، والحكم لم يفهم من
الترجمة ظاهراً، لكن من حديث الباب يفهم الحكم، وهو الجواز، لأن فيه منفعة للخلق
والبهائم، غير أنه مقيد بشرط أن لا يكون في حفرها أذِّى لأحد، والآبار جمع: بئر،
كالأحمال جمع حمل، وهو جمع القلة، والكثرة بثار، وذكرت في شرحي: أن البئر يجمع في
القلة على أبؤر وآبار، بهمزة بعد الباء، ومن العرب من يقلب الهمزة ألفاً فيقول: آبار، فإذا
كثرت فهي: البثار، وقد بأرت بئراً، وقال أبو زيد: بأرت أبار بأراً.
٢٤٦٦/٣٩ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكِ عنْ سُمَيّ مَوْلَى أبِي بَكْرٍ عنْ
أبِي صالِحِ السَّمانِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ النبيَّ عَّ ◌ُلَّه قال بَيْنَا رَجُلٌ بِطَرِيقٍ
اشْتدَّ عَيْهِ العَطَشُ فَوَجَدَ بِئْراً فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَتُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ
العَطَشِ فَقالَ الرُّجُلُ لَقَدْ بَلَغَ هذا الْكَلْبُ مِنَ العَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي فَتَزَلَ الْبِغْرَ فَمَلأَ
خُقَّهُ مَاءً فَسَقَى الْكَلْبَ فشَكَرَ الله لَهُ فَغَفَرَ لَهُ قالوا يا رسولَ الله وإنَّ لَنَا فِي البَهَائِمِ لَأَجرَاً
فقال في كُلّ ذَاتٍ كِدٍ رَطْبَةٍ أجْر. [انظر الحديث ١٧٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إنه مشتمل على ذكر بئر في طريق، ولم يحصل منه إلاَّ
منفعة الآدمي وحيوان، وقد مر الحديث في كتاب الشرب في: باب فضل سقي الماء، فإنه
أخرجه هناك بهذا الإسناد بعينه غير شيخه، فإنه رواه هناك: عن عبد الله بن يوسف عن مالك،
وهنا أخرجه: عن عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك، ومر الكلام فيه مستوفى. وقال
المهلب: هذا يدل على أن حفر الآبار بحيث يجوز للحافر حفرها من أرض مباحة أو مملوكة
له جائز، ولم يمنع ذلك لما فيه من البركة، وتلا في العطشان، ولذلك لم يكن ضامناً، لأنه
قد يجوز مع الانتفاع بها أن يستضر بها بساقط بليل، أو تقع فيها ماشية، لكنه لما كان ذلك
نادراً، وكانت المنفعة أكثر، فغلب عليه حال الانتفاع على حال الاستضرار، فكان بجباراً لا
دية لمن هلك فيها.
٢٤ - بابُ إِمَاطَةِ الأَذَى
أي: هذا باب في بيان أجر إماطة الأذى، أي: إزالته - عن المسلمين. قال أبو عبيد
عن الكسائي: مطت عنه الأذى وأمطته: نحيته، وكذلك: مطت غيري وأمطيته، وأنكر
الأصمعي ذلك، وقال: مطت أنا وأمطت غيري، ومادته: ميم وياء وطاء.
وقالَ هَمَّامٌ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ ◌َّهِ يُحِيطُ الأذى عنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ
همامٌ، على وزن فعال بالتشديد: هو ابن منبه، أخو وهب بن منبه، وهذا التعليق وصله