النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمِ وَالْغَصْبِ / باب (١) الصراط، وقوله بين، يدل على أنها قنطرة مستقلة غير متصلة بالصراط، وهذا هو المعنى قطعاً. وجعل هذا القائل هذا المعنى بالاحتمال وما غر هذا القائل إلاَّ حكاية ابن التين عن الداودي: أن القنطرة هنا يحتمل أن تكون طرف الصراط، والكرماني أيضاً تصرف هنا قريباً من كلام الداودي، حيث قال: قوله: قنطرة. فإن قلت: هذا يشعر بأن في القيامة جسرين، هذا والآخر على متن جهنم المشهور بالصراط. قلت: لا محذور فيه، ولئن ثبت بالدليل أنه واحد فلا بد من تأويله: أن هذه القنطرة من تتمة الصراط وذنابته، ونحو ذلك، انتهى. قلت: سبحان الله، فلا حاجة إلى هذا السؤال بقوله: يشعر ... إلى آخره لأنه ينادي بأعلى صوته أن القنطرة المذكورة غير الصراط، ولا من تتمته كما ذكرنا، وقوله: ولئن ثبت، ولم يثبت ذلك، فلا حاجة إلى التأويل الذي ذكره. قوله: ((فيتقاصون))، بتشديد الصاد المهملة: من القصاص، يعني: يتبع بعضهم بعضاً فيما وقع بينهم من المظالم التي كانت بينهم في الدنيا في كل نوع من المظالم المتعلقة بالأبدان، والأموال. وقال ابن بطال: المقاصة في هذا الحديث هي لقوم دون قوم، هم قوم لا تستغرق مظالمهم جميع حسناتهم، لأنها لو استغرقت جميع حسناتهم لكانوا ممن وجب لهم العذاب، ولما جاز أن يقال فيهم: خلصوا من النار، فمعنى الحديث، والله أعلم، على الخصوص لمن لم يكن لهم تبعات يسيرة، إذ المقاصة أصلها في كلام العرب مقاصصة، وهي مفاعلة، ولا يكون أبداً إلاَّ بين اثنين: كالمشاتمة والمقاتلة، فكان لكل واحد منهم على أخيه مظلمة، وعليه له مظلمة، ولم يكن في شيء منها ما يستحق عليه النار فيتقاصون بالحسنات والسيئات، فمن كانت مظلمته أكثر من مظلمة أخيه أخذ من حسناته، فيدخلون الجنة ويقتطعون فيها المنازل على قدر ما بقي لكل واحد منهم من الحسنات، فلهذا يتقاصصون بعد خلاصهم من النار لأن أحداً لا يدخل الجنة ولأحد عليه تباعة، وقال المهلب: هذه المقاصة إنما تكون في المظالم في الأبدان، من اللطمة وشبهها مما يمكن فيه أداء القصاص بحضور بدنه، فيقال للمظلوم: إن شئت أن تنتصف وإن شئت أن تعفو. وقال غيره: لا قصاص في الآخرة في العرض والمال وغيره إلاَّ بالحسنات والسيئات. قيل: فيه نظر، لأن أبا الفضل ذكر في كتاب (الترغيب والترهيب) بسند صالح عن سعيد بن المسيب، رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله عَ لّه قال: إذا فرغ الله من القضاء أقبل على البهائم حتى إنه ليجعل للجماء التي نطحتها القرناء قرنين فتنطح بهما الأخرى، ويقال: معنى يتقاصون يتتاركون، لأنه ليس موضع مقاصة ولا محاسبة، لكن يلقي الله، عز وجل، في قلوبهم العفو لبعضهم عن بعض، أو يعوض الله بعضهم من بعض. قوله: ((حتى إذا نقوا))، بضم النون وتشديد القاف: من التنقية، وهو إفراد الجيد من الرديء، ووقع للمستملي هنا: حتى إذا تقاصوا، بفتح التاء المثناة من فوق وتشديد الصاد المهملة، أي: أكملوا التقاص. قوله: ((وهذبوا))، على صيغة المجهول من التهذيب، وهو التخليص من الآثام بمقاصصة بعضهم ببعض، ويشهد لهذا الحديث قوله في حديث جابر، عمدة القاري/ ج١٢ م٢٦ ٤٠٢ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمِ وَالْغَصْبِ / باب (٢) رضي الله تعالى عنه، الآتي ذكره في التوحيد: لا يحل لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد قِبَلَهُ مظلمة. فإن قلت: ذكر الدارقطني حديثاً فيه: أن الجنة بعد الصراط، وهذا يعارض حديث القنطرة؟ قلت: لا، لأن المراد بعد الصراط الثاني هو القنطرة كما ذكرنا. فإن قلت: صح عن النبي عَّله أنه قال: أصحاب الحشر محبوسون بين الجنة والنار، يسألون عن فضول أموال كانت بين أيديهم، وهذا يعارض حديث الباب. قلت: لا، لأن معناهما مختلف لاختلاف أحوال الناس، لأن من المؤمنين من لا يحبسون بل إذا خرجوا بثوا على أنهار الجنة. قوله: (لأحدهم))، اللام فيه للتأكيد، وهي مفتوحة، وأحدهم مرفوع بالابتداء، فخبره قوله: أدل بمنزله الذي كان في الدنيا، قال المهلب: إنما، كان أدل، لأنهم عرفوا مساكنهم، بتعريضها عليهم بالغداة والعشي. فإن قلت: يعارض هذا ما روي عن عبد الله بن سلام: أن الملائكة تدلهم على طريق الجنة. قلت: لا تعارض، فإن هذا يكون ممن لم يحبس على القنطرة ولم يدخل النار أو يخرج منها فيطرح على باب الجنة، وقد يحتمل أن يكون ذلك في الجميع، فإذا وصلت بهم الملائكة، كان كل أحد عرف بمنزله، وهو معنى قوله تعالى: ﴿ويدخلهم الجنة عرفها لهم﴾ [محمد: ٦]. وقال أكثر أهل التفسير إذا دخل أهل الجنة الجنة يقال لهم: تفرقوا إلى منازلكم، فهم أعرف بها من أهل الجمعة إذا انصرفوا. وقيل: إن هذا التعريف إلى المنازل بدليل، وهو الملك الموكل بعمل العبد يمشي بين يديه، وحديث الباب يرده، فلينظر. وقالَ يونُسُ بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا شَيْبانُ عِنْ قَتَادَةَ قال حدَّثْنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ يونس بن محمد: هو أبو محمد المؤدب البغدادي، وشيبان هو ابن عبد الرحمن النحوي يكنى أبا معاوية، سكن الكوفة وأصله بصري وكان مؤدباً لبني داود بن علي، مات ببغداد سنة أربع وستين ومائة، وأبو المتوكل الناجي قد مر عن قريب، وهذا تعليق وصله ابن منده في (كتاب الإيمان) وأراد البخاري به بيان سماع قتادة لهذا الحديث من أبي المتوكل بطريق التحديث وفي (التلويح): رواه أيضاً أبو نعيم الحافظ عن أبي علي محمد بن أحمد، قال: حدثنا إسحاق بن الحسين بن ميمون بن محمد المروزي حدثنا شيبان عن قتادة حدثنا أبو المتوكل، فذكره. قيل: أبو نعيم رواه عن إسحاق بن الحسين بن محمد. ٢ - بابُ قَوْلِ الله تعالى: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ الله علَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]. أي: هذا باب في قول الله تعالى حكاية عن الملائكة أو الرسل أنهم يقولون يوم القيامة: ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾ [هود: ١٨]. وهذا آخر آية في سورة هود، وأول الآية هو قوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين﴾ [هود: ١٨]. الأشهاد: هم الرسل، وقيل: الملائكة، وقيل: النبيون، وقيل: أمة محمد عَّلم يشهدون على الناس، ويقولون: ﴿هؤلاء الذين كذبوا على ربهم﴾ [هود: ١٨]. أي: زعموا أن له شريكاً وولداً: ٤٠٣ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمْ وَالْغَصْبِ / باب (٢) ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾ [هود: ١٨]. أي: المشركين. والأشهاد: جمع شاهد، مثل: ناصر وأنصار وصاحب وأصحاب. ويجوز أن يكون جمع: شهيد، مثل شريف وأشراف، ويوضح ذلك حديث الباب، وهو الحديث الذي رواه صفوان بن محرز عن ابن عمر، وفيه: فينادي على رؤوس الأشهاد: ﴿هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين﴾ [هود: ١٨]. ٢٤٤١/١٤ _ حدَّثنا مُوسى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا هَمَّامٌ قال أخبرني قَتَادَةُ عنْ صَفْوانَ ابنِ مُخرِزٍ الْمَازِنِيِّ قال بَيْنَما أَنَا أمْشِي مَعَ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما آخِذٌ بِيَدِهِ إِذْ عَرَضَ رَجُلٌ فقال كَيْفَ سَمِعْتَ رسولَ الله عَّهِ فِي النَّجْوى فقال سَمِعْتُ رسولَ الله عَ لَّهِ يَقُولُ إِنَّ اللهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَيْهِ كَنَفَهُ ويَسْتُرُهُ فِيَقُولُ أَتَغْرِفُ ذَنْبَ كَذَا أَتَغْرِفُ ذَنْبَ كَذَا فِيَقُولُ نَعَمْ أَيْ رَبِّ حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ ورَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قال سَتَوْتُها عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وأنا أغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ فَيُعْطَى كَتَابَ حَسَنَاتِهِ وَأَمَّا الكَافِرُ والْمُنَافِقُونَ فَيَقُولُ ﴿الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ الله علَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]. مطابقته للترجمة في آخر الحديث، وهمام هو ابن يحيى بن دينار الشيباني البصري، وصفوان بن محرز، بضم الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الراء وبالزاي: المازني البصري، مات سنة أربع وتسعين. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن مسدد، وفي الأدب وفي التوحيد عن مسدد أيضاً. وأخرجه مسلم في التوبة عن زهير بن حرب وعن أبي موسى وعن بندار. وأخرجه النسائي في التفسير عن أحمد بن أبي عبيد الله وفي الرقائق عن سويد بن نصر. وأخرجه ابن ماجه في السنة عن حميد بن مسعدة. ذكر معناه: قوله: ((بينما))، ويروى: بينا، قوله: ((آخذ بيده)) أي: بيد ابن عمر، وآخذ على وزن فاعل، مرفوع على أنه بدل من أمشي، وقد ذكر في موضعه أنه يبدل كل من الاسم والفعل والجملة من مثله. وقوله: ((أمشي) في محل الرفع لأنه خبر لمبتدأ. وهو قوله: ((أنا)) وسمي الفعل المضارع مضارعاً أي: مشابهاً لاسم الفاعل في الحركات والسكنات وغير ذلك، فإذا كان كذلك يجوز أن يبدل اسم الفاعل من المضارع، ويجوز نصب: آخذ، على الحال من جهة العربية. قوله: ((إذا عرض)) جواب: بينما. قوله: ((في النجوى)) أي: الذي يقع بين الله تعالى وبين عبده المؤمن يوم القيامة، وهو فضل من الله تعالى حيث يذكر المعاصي للعبد سراً. قوله: ((يدني) بضم الياء من الإدناء وهو التقريب الرتبي لا المكاني. قوله: ((فيضع عليه كنفه))، بفتح النون والفاء. قال الكرماني: الكنف الجانب والساتر والعون، يقال: كنفت الرجل أي: صنته وحطته وأعنته. انتهى. وقال الطيبي: كنفه حفظه وستره من أهل الموقف وصونه عن الخزي والتفضيح، مستعار من كنف الطائر وهو جناحه يصون به نفسه ويستر به بيضه فيحفظه، وقال الكرماني: وفي بعضها أي: وفي بعض الروايات: كتفه، ٤٠٤ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمَ وَالْغَصْبِ / باب (٣) بالفوقانية. قلت: هذه الرواية وقعت من أبي ذر عن الكشميهني. قال عياض: وهو تصحيف قبيح. قوله: ((الأشهاد)) جمع شاهد، وقد مر الكلام فيه عن قريب. قوله: ((على الظالمين)) المراد بالظلم هنا الكفر والنفاق وليس كل ظلم يدخل في معنى الآية، ويستحق اللعنة، لأنه لا يكون عقوبة الكفر عند الله كعقوبة صغائر الذنوب، واللعن الإبعاد والطرد، وهذا الحديث يبين أن قوله تعالى: ﴿ثم لتسألن يومئذ عن النعيم﴾ [التكاثر: ٨]. إن السؤال عن النعيم الحلال إنما هو سؤال تقرير وتوقيف له على نعمه التي أنعم بها عليه، ألا يرى أن الله تعالى يوقفه على ذنوبه التي عصاه فيها ثم يغفرها له، وإذا كان كذلك فسؤاله عباده عن النعيم الحلال أولى أن يكون سؤال تقرير لا سؤال حساب وانتقام. وفيه: حجة لأهل السنة أن أهل الذنوب من المؤمنين لا يكفرون بالمعاصي، كما زعمت الخوارج. وفيه: حجة أيضاً على المعتزلة في مغفرة الذنوب إلاَّ الكبائر. ٣ - بابٌ لا يَظْلِمُ الْمُسْلِمُ الْمُسْلِمَ ولا يُسْلِمُهُ أي: هذا باب يذكر فيه: لا يظلم المسلم المسلم، الأول: مرفوع على الفاعلية، والثاني: منصوب على المفعولية. قوله: ((ولا يسلمه)) بضم الياء، يقال: أسلم فلان فلاناً إذا ألقاه إلى الهلكة ولم يحمه من عدوه، ويقال: معنى ((لا يسلمه)): لا يتركه مع من يؤذيه، بل ينصره ويدفع عنه. ١٥/ ٢٤٤٢ - حدَّثنا يَخْلِى بنُ بُكَيْرٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ أَنَّ سالِماً أخبرهُ أنَّ عبدَ الله بن عُمرَ رضي الله تعالى عنهما أخبرهُ أَنَّ رسولَ الله عَلَّهِ قال الْمُسْلِمُ أخُو الْمُسلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ ولاَ يُسْلِمُهُ ومَنْ كانَ في حاجَةٍ أخِيهِ كانَ الله في حاجَتِهِ ومَنْ فَرَّجَ عنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتٍ يَوْمِ القِيامَةِ ومَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ الله يوْمَ الْقِيَامَةِ. [الحديث ٢٤٤٢ - طرفه في: ٦٩٥١]. مطابقته للترجمة ظاهرة. ورجاله قد ذكروا غير مرة، وعقيل، بضم العين: ابن خالد، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري، وسالم هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الإكراه عن يحيى. وأخرجه مسلم وأبو داود جميعاً والترمذي في الحدود. وأخرجه النسائي في الرجم. وفي الباب عن أبي هريرة أخرجه الترمذي من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي عَّه، قال: ((من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر في الدنيا يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر على مسلم في الدنيا ستر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه)). وعن عقبة بن عامر أخرجه أبو داود والنسائي من رواية أبي الهيثم عنه عن النبي عَّ الله قال: ((من رأى عورة فسترها كان كمن أحيى موؤودة)) زاد الحاكم في (المستدرك): ((من قبرها))، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وعن ابن عباس أخرجه ابن ماجه ٤٠٥ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمِ وَالْغَصْبِ / باب (٣) من حديث عكرمة عنه عن النبي عَّلِّ. قال: ((من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة)). وعن كعب بن عجرة أخرجه الطبراني من حديث محمد بن كعب القرظي عن كعب بن عجرة، قال: قال رسول الله، عَِّ: ((من نفس عن مؤمن كربة نفس الله عنه كربة يوم القيامة، ومن ستر على مؤمن عورة ستر الله عليه عورته يوم القيامة، ومن فرج عن مؤمن كربة فرج الله عنه كربته)). وعن مسلمة ابن مخلد أخرجه أحمد في (مسنده) من حديث أبي أيوب عنه: أن النبي، عَِّ، قال: ((من ستر مسلماً في الدنيا ستره الله في الدنيا والآخرة ... )) الحديث، وإسناده صحيح. وعن أبي سعيد أخرجه الطبراني في (الأوسط) من حديث يحيى ابن عبد الرحمن بن حاطب عنه، قال: قال رسول الله، عَّةٍ: ((لا يرى مؤمن من أخيه عورة فيسترها عليه إلاَّ أدخله الله الجنة)). وعن جابر بن عبد الله أخرجه الطيراني أيضاً في (الأوسط) من حديث محمد بن المنكدر عنه، قال: قال رسول الله، عد له: ((من ستر على أخيه عورة فكأنما أحيا موؤدة)) وضعفه ابن عدي. وعن نبيط بن شريط أخرجه الطبراني في (الصغير) عن أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن نبيط بن شريط عن أبيه عن جده عن أبيه نبيط، قال: قال رسول الله عَّهِ: ((من ستر عورة حرمة مؤمنة ستره الله من النار)). وعن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، أخرجه أبو الشيخ ابن حبان في (كتاب الثواب) من رواية محمد بن إسحاق العكاشي عن عمرو بن وثاب عن قبيصة بن ذؤيب عن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله، عَّ له: ((من ستر مؤمناً فكأنما يستر الله عز وجل))، والعكاشي ضعيف. ذكر معناه: قوله: ((المسلم أخو المسلم))، يعني أخوه في الإسلام، وكل شيئين يكون بينهما اتفاق تطلق عليهما اسم الأخوة. وقوله: المسلم، تناول الحر والعبد والبالغ والمميز. قوله: ((ولا يظلمه))، نفي بمعنى الأمر وهو من باب التأكيد، لأن ظلم المسلم للمسلم حرام. قوله: ((ولا يسلمه))، قد فسرناه الآن، وزاد الطبراني في روايته عن سالم: ولا يسلمه في مصيبته. وقال ابن التين: لا يظلمه فرض، ولا يسلمه مستحب. وظاهر كلام الداودي أنه كظلمه، قال: وفيه تفصيل الوجوب إذا فجئه عدو وشبه ذلك، والاستحباب فيما كان من إعانة في شيء من الدنيا. وقال ابن بطال: نصر المظلوم فرض كفاية وتتعين فرضيته على السلطان. قلت: الوجوب والاستحباب بحسب اختلاف الأحوال، والستر على المسلم لا يمنع الإنكار عليه خفية وهذا في غير المجاهر، وأما المجاهر فخارج عن هذا ولا غيبة له لقوله عَّ له: ((أترعون عن ذكر الفاجر؟ متى يعرفه الناس؟ أذكروه بما فيه يحذره الناس))، رواه صاحب (التلويح): بإسناده عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وقال صاحب (التوضيح): هو ضعيف، وجد بهز هو معاوية بن حيدة بن معاوية القشيري، وعن يحيى بن معين بهز بن حكيم عن أبيه عن جده إسناده صحيح إذا كان دونه ثقة. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: بهز شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال النسائي: ثقة، وقال أبو داود: هو حجة عندي، استشهد به البخاري في (الصحيح) وروى له في (الأدب) وروى له الأربعة. قوله: : ٤٠٦ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمِ والْغَصْبِ / باب (٤) ((كربةَ))، بضم الكاف: وهو الغم الذي يأخذ النفس، وكذلك الكرب على وزن الضرب، تقول منه: كربه الغم إذا اشتد عليه. قوله: ((من كربات))، جمع كربة، ويروى: من كرب، بضم الكاف وفتح الراء. وابن التين اقتصر على الأول، وقال: ضبط بضم الراء ويجوز فتحها وإسكانها. قوله: ((ومن ستر مسلماً))، أي: رآه على قبيح فلم يظهره للناس، وليس في هذا ما يقتضي ترك الإنكار عليه خفية. وفي الحديث: حض على التعاون وحسن المعاشرة والإلفة والستر على المؤمن وترك التسمع به والإشهار لذنوبه. وفيه: أن المجازاة قد تكون في الآخرة من جنس الطاعة في الدنيا، وهذا الحديث يحتوي على كثير من آداب المسلمين. وقال الكرماني: الستر إنما هو في معصية وقعت وانقضت، أما فيما تلبس الشخص فيجب المبادرة بإنكارها ومنعه منها، وأما ما يتعلق بجرح الرواة والشهود فلا يحل الستر عليهم، وليس هذا من الغيبة المحرمة، بل من النصيحة الواجبة. ٤ - بابٌ أعِنْ أخاكَ ظالِماً أوْ مَظْلُوماً أي: هذا باب يذكر فيه إعانة أخيه سواء كان ظالماً أو مظلوماً. ٢٤٤٣/١٦ - حدَّثُنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةً قال حدَّثنا هُشَيْمٌ أخبرنا عُبيدُ الله بنُ أبي بَكْرِ بنِ أَنَسٍ ومُمَيدٌ الطَّوِيلُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مالِكِ رضي الله تعالى عنه يقُولُ قال رسولُ الله عَلَّمِ انْصُزْ أَخاكَ ظالِماً أَوْ مَظْلُوماً. [الحديث ٢٤٤٣ - طرفاه في: ٢٤٤٤، ٦٩٥٢]. ١٧/ ٢٤٤٤ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا مُعْتَمِرٌ عنْ حُمَيْدٍ عِنْ أَنَسٍ رضي الله تعالى عنهُ قال قال رسولُ الله عَّلِ انْصُزْ أخاكَ ظالِماً أوْ مظْلُوماً قالوا يا رسولَ الله لهذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُوماً فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ طالِماً قال تأخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ. [انظر الحديث ٢٤٤٣ وطرفه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((أخاك ظالماً أو مظلوماً)). فإن قلت: الحديث: انصر أخاك. قلت: النصرة تستلزم الإعانة فيكفي هذا المقدار في وجه المطابقة. وقيل: أشار بلفظ الإعانة إلى ما روي عن جابر مرفوعاً: أعن أخاك ظالماً أو مظلوماً، أخرجه أبو نعيم في (مستخرجه) من الوجه الذي أخرجه منه البخاري بهذا اللفظ، وروى هذا الحديث من طريقين: الأول: عن عثمان مختصراً، والحديث من أفراده، وهشيم - مصغر هشم - ابن بشير - مصغر بشر - الواسطي، وعبيد الله بن أبي بكر بن أنس بن مالك الأنصاري. قوله: ((سمع))، الضمير فيه يرجع إلى: حميد، ويروى: سمعا، بالتثنية والضمير فيه يرجع إلى: حميد وعبيد الله. الطريق الثاني: عن مسدد عن معتمر - بلفظ الفاعل من الاعتمار - ابن سليمان البصري عن حميد الطويل، وفي هذا من الزيادة، وهي قوله: قالوا: يا رسول الله ... إلى آخره، وهي رواية أبي الوقت. وفي رواية للبخاري في الإكراه: وقال رجل. وفي رواية: قال: يا رسول الله! بالإفراد، ورواية: قال رجل، يوضح أن فاعل قال مضمر فيه يرجع إلى الرجل، قوله: ((هذا))، إشارة إلى ما في ذهنهم من الرجل الذي ينصرونه. ((ومظلوماً)) نصب على الحال من ٤٠٧ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمِ والْغَصْبِ / باب (٥) الضمير المنصوب في: ننصره، وكذلك: ((مظلوماً)) نصب على الحال. قوله: ((تأخذ فوق يديه)) أي: تمنعه عن الظلم، وكلمة: فوق، مقحمة، أو ذكرت إشارة إلى الأخذ بالاستعلاء والقوة، وفي رواية الإسماعيلي من حديث حميد عن أنس، قال: تكفه عن الظلم فذاك نصره إياه، وفي رواية مسلم من حديث جابر: إن كان ظالماً فلينهه، فإنه له نصرة. وقوله: تأخذ، يدل على أن القائل واحد، ولو كان جمعاً لقال: تأخوذن، وقال ابن بطال: النصر عند العرب الإعانة، وتفسيره لنصر الظالم بمنعه من الظلم من تسمية الشيء بما يؤول إليه، وهو من وجيز البلاغة. وقال البيهقي معناه: أن الظالم مظلوم في نفسه فيدخل فيه ردع المرء عن ظلمه لنفسه حساً ومعنىّ، فلو رأى إنساناً يريد أن يحب نفسه لظنه أن ذلك يزيل مفسدة طلبه للزنا، مثلاً، منعه من ذلك، وكان ذلك نصراً له، واتحد في هذه الصورة الظالم والمظلوم. وفي (التلويح): ذكر المفضل بن سلمة الضبي في كتابه (الفاخر): أن أول من قال: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم، بقوله لسعد بن زيد مناة لما أسر: انصر أخاك ظالماً أو مظلوم يا أيها المرء الكريم المكسوم وأنشد التاريخي للأسلع بن عبد الله: على القوم لم أنصر أخي حين يظلم إذا أنا لم أنصر أخي وهو ظالم مّاللّه فأرادوا بذلك ما اعتادوه من حمية الجاهلية، لا على ما فسره النبي ٥ - بابُ نَصْرِ الْمَظْلُومِ أي: هذا باب في بيان وجوب نصر المظلوم. ١٨/ ٢٤٤٥ _ حدَّثنا سَعيدُ بنُ الرَّبِيع قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ الأشْعَثِ بنِ سُلَيْمٍ قال سَمِعْتُ مُعاوِيَةَ بنَ سُوَيْدٍ قال سَمِعْتُ البَرَاءَ بنَ عازِبٍ رضي الله تعالى عنهما قال أمَرَنا النبيُّ عَ ◌ّه بِسَبْعِ ونَهَانا عنْ سَبْعِ فَذَكَرَ عِيادَةَ الْمَرِيضِ واتِبَاعَ الْجَنائِرِ وَتَشْميتَ العاِسِ ورَدَّ السَّلاَمِ ونَصْرَ الْمَظَّلُومِ وإِجَابَةَ الدَّاعِي وإبْرَارَ الْمُقْسِمِ. [انظر الحديث ١٢٣٩ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((ونصر المظلوم)) وهو أحد السبعة المذكورة. ورجاله خمسة قد ذكروا، وسعيد بن الربيع، بفتح الراء: البصري بياع الثياب الهروية، مر في جزاء الصيد، والأشعث بن سليم، بضم السين المهملة: الكوفي المكنى بأبي الشعثاء، مر في التيمن في الوضوء، ومعاوية بن سويد، بضم السين المهملة: مر مع الحديث في أول الجنائز. والحديث مر في: باب الأمر باتباع الجنائز، مع اشتماله على السبعة المنهي عنها بالسند المذكور، إلا شيخه، فإنه هناك: أبو الوليد عن شعبة ... إلى آخره. قوله: ((وإبرار المقسم))، ويروي: ((وإبرار القسم))، قال العلماء: نصر المظلوم فرض واجب على المؤمنين على الكفاية، فمن قام به سقط عن الباقين، ويتعين فرض ذلك على 1 : ٤٠٨ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمْ وَالْغَصْبِ / باب (٦) السلطان، ثم على من له قدرة على نصرته إذا لم يكن هناك من ينصره غيره من سلطان وشبهه، وعيادة المريض سنة مرعية، واتباع الجنائز من فروض الكفاية، وتشميت العاطس سنة، وقيل: فرض كفاية، حكاه ابن بطال، وبه قال ابن سراقة من الشافعية، وقيل: واجب كرد السلام، وإجابة الداعي سنة إلاّ أنه في الوليمة قيل: فرض عين، وقيل: فرض كفاية. وقال ابن بطال: هو في الوليمة آكد، وإبرار المقسم، مندوب إليه إذا أقسم عليه في مباح يستطيع فعله، فإن أقسم على ما لا يجوز، أو يشق على صاحبه، لم يندب إلى الوفاء به. ٢٤٤٦/١٩ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلاَءِ قال حدَّثنا أبو أسَامَةَ عنْ بُرَيْدٍ عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبي موسى رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَِّ قال الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كالْبُنيانِ يَشُدْ بَعضُهُ بَعْضاً وشَبَّكَ بِيْنَ أَصَابِعِهِ. [انظر الحديث ٤٨١ وطرفه]. : مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث: فإن المؤمن إذا شد المؤمن فقد نصره، وأبو أسامة حماد بن أسامة وبريد، بضم الباء الموحدة: ابن عبد الله بن أبي بردة، ويروي عن جده أبي بردة، بضم الباء، واسم أبي بردة: الحارث. وقيل: عامر، وقيل: اسمه كنيته، وهو ابن أبي موسى الأشعري، واسمه عبد الله بن قیس. وفي هذا السند: رواية الراوي عن جده، ورواية الراوي عن أبيه فالأول: بريد، والثاني: أبو بردة. والحديث مضى في كتاب الصلاة في: باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، وقد مر الكلام فيه هناك، ورواه هناك عن خلاد بن يحيى عن سفيان عن بريد إلى آخره. قوله: ((بعضه)) في رواية الكشميهني: ((يشد بعضهم))، بصيغة الجمع، والله أعلم بحقيقة الحال. ٦ - بابُ الانْتِصارِ مِنَ الظَّالِمِ أي: هذا باب في بيان الانتصار، أي: الانتقام. لِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿لا يُحِبُّ الله الجهْرَ بالشُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وكانَ الله سَميعاً عَلِيماً﴾ [النساء: ١٤٨]. هذا تعليل لجواز الانتصار من الظالم، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم﴾ [النساء: ١٤٨]. يقول: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلاَّ أن يكون مظلوماً، فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله: ﴿إلا من ظلم﴾ [النساء: ١٤٨]. وإن صبر فهو خير له، وقال عبد الرزاق: أخبرنا المثنى بن الصباح عن مجاهد في قوله: ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلاَّ من ظلم﴾ [النساء: ١٤٨]. قال: ضاف رجل رجلاً فلم يؤد إليه حق ضيافته، فلما خرج أخبرٍ الناس، فقال: ضفت فلاناً فلم يؤد إلى حق ضيافتي. قال: فذلك الجهر بالسوء من القول إلاّ ٤٠٩ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمِ وَالْغَصْبِ / باب (٧) من ظلم حين لم يؤد إليه الآخر حق ضيافته، وقال عبد الكريم بن مالك الجزري، في هذه الآية: هو الرجل يشتمك فتشتمه، ولكن إن افترى عليك فلا تفتر عليه، لقوله تعالى: ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل﴾ [الشورى: ٤١]. وروى أبو داود من حديث أبي هريرة: أن رسول الله عَِّ قال: ((المستبان ما قالا، فعلى البادىء منهما ما لم يعتدِ المظلوم)). ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩]. البغي الظلم: أي: الذين إذا أصابهم بغي المشركين في الدين انتصروا عليهم بالسيف، أو إذ بغى عليهم باغ كره أن يستذلوا لئلا يجترىء عليهم الفساق، فإذا قدروا عفوا. وروى الطبري من طريق السدي في قوله: ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون﴾ [الشورى: ٣٩]. قال: يعني فمن بغى عليهم من غير أن يعتدوا، وروى النسائي وابن ماجه من حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: ((دخلت على زينب بنت جحش فسبتني، فردعها النبي، عَّ له، فأبت، فقال لي: سبيها فسببتها حتى جف ريقها في فمها، فرأيت وجهه يتهلل)). قال إنْرَاهِيمُ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُسْتَذَلُّوا فإِذَا قَدَرُوا عَفَوْا إبراهيم هو النخعي. قوله: ((كانوا)) أي: السلف. قوله: ((أن يستذلوا))، على صيغة المجهول وهو من الذل، وهذا التعليق ذكره عبد بن حميد في (تفسيره) عن قبيصة عنه، وفي رواية قال منصور: سألت إبراهيم عن قوله: ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون﴾ [الشورى: ٣٩]. قال: كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فيجترىء الفساق عليهم. ٧ - بابُ عَفْوِ الْمَظْلُومِ أي: هذا باب في بيان حسن عفو المظلوم عمن ظلمه. لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَغْفُوا عَنْ سِوءٍ فإنَّ الله كانَ عَفُوَّاً قَدِيراً﴾ [النساء: ١٤٩]. هذا تعليل لحسن عفو المظلوم. قوله: ﴿إِن تبدوا﴾ [النساء: ١٤٩]. أي: تظهروا ﴿خيراً﴾ [النساء: ١٤٩]. بدلاً من السوء ﴿أو تخفوه﴾ [النساء: ١٤٩]. أي: أو أخفيتموه، أو عفوتم عمن أساء إليكم فإن ذلك مما يقربكم إلى الله تعالى ويجزل ثوابكم لديه، فإن من صفاته تعالى أن يعفو عن عباده مع قدرته على عقابهم، ولهذا قال: ﴿فإن الله كان عفواً قديراً﴾ [النساء: ١٤٩]. ولهذا ورد في الأثر أن حملة العرش يسبحون الله تعالى، فيقول بعضهم: سبحانك على حلمك بعد علمك، ويقول بعضهم: سبحانك على عفوك بعد قدرتك. وفي (الصحيح): ((ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبداً بعفو إلاَّ عزاً، ومن تواضع لله رفعه الله)). وروى أبو داود من حديث أبي هريرة أن النبي، عَِّ، قال لأبي بكر، رضي الله تعالى عنه: ((ما من عبد ظلم مظلمة فعفا عنها إلاّ أعز الله بها نصره)). وأخرج ٤١٠ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمِ والْغَصْبِ / باب (٨) الطبري عن السدي في قوله: ﴿أو تعفوا عن سوء﴾ [النساء: ١٤٩]. أي: عمن ظلم. ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةً مِثْلُهَا فَمَنْ عَفا وأَصْلَحَ فأجْرُهُ عَلَى الله إنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠]. أي: وقوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة ... ﴾ [الشورى: ٤٠]. وقوله: ﴿وجزاء سيئة﴾ [الشورى: ٤٠]. إلى قوله: ﴿من سبيل﴾ [الشورى: ٤٠ - ٤٤]. آيات متناسقة من سورة حم عسق، وروى ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿وجزاء سية سيئة مثلها﴾ [الشورى: ٤٠]. قال: إذا شتمك شتمته بمثلها من غير أن تعتدي، وعن الحسن رخص له إذا سبه أحد أن يسبه، ويقال: يريد بقوله: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى: ٤٠]. القصاص في الجراح المتماثلة، وإذا قال: أخزاه الله، أو: لعنه الله، قابله بمثله، وسميت الثانية: سيئة، لازدواج الكلام ليعلم أنه جزاء على الأولى. ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنََّا السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ ويَبْغُونَ في الْأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ولَمَنْ صَبَرَ وغَفَرَ إِنَّ ذُلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمُورِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوْا العَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إلَى مَرَدّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١ - ٤٤]. اللام في: ﴿ولمن انتصر﴾ للتأكيد أي: انتقم. قوله: ﴿بعد ظلمه﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول. قوله: ﴿فأولئك﴾ إشارة إلى معنى من دون لفظه ﴿ما عليهم من سبيل﴾ للمعاقب، والمعنى: أخذ حقه بعد أن ظلم فأولئك ما عليهم من سبيل إلى لومه، وقيل: ما عليهم من إثم، إنما السبيل باللوم والإثم على الذين يظلمون الناس، يبتدرون الناس بالظلم ويبغون في الأرض يتكبرون فيها ويقتلون ويفسدون عليهم بغير الحق، أولئك لهم عذاب أليم أي: مؤلم، ولمن صبر على الظلم والأذى ولم ينتصر وفوض أمره إلى الله إن ذلك الصبر والمغفرة منه لمن عزم الأمور، أي: من الأمور التي ندب إليها، والعزم: الإقدام على الأمر بعد الروية والفكر. قوله: ﴿ومن يضلل الله﴾ أي: ومن يخلق الله تعالى فيه الضلالة، فما له من ولي من بعده وليس له من ناصر يتولاه من بعد إضلاله إياه. قوله: ﴿وترى الظالمين﴾ أي: الكافرين لما رأوا العذاب أي: لما يرون، فجاء بلفظ الماضي تحقيقاً ﴿يقولون هل إلى مرد من سبيل﴾ أي: هل إلى رجعة إلى الدنيا من حيلة، فنؤمن بك؟ وذكر هذه الآيات الكريمة لأنها تتضمن عفو المظلوم وصفحه واستحقاقه الأجر الجميل والثواب الجزيل. ٨ - بابّ الْظُّلْمُ غُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي: هذا باب يذكر فيه الظلم ظلمات، وهو جمع ظلمة وهو خلاف النور، وضم اللام فيه لغة، ويجوز في الظلمات ضم اللام وفتحها وسكونها، ويقال: أظلم الليل، والظلام أول الليل، والظلماء الظلمة، وربما وصف بها يقال ليلة ظلماء، أي: مظلمة، وظلم الليل بالكسر وأظلم بمعنى، وعن الفراء: أظلم القوم دخلوا في الظلام، قال الله تعالى: ﴿فإذا هم مظلمون﴾ ٤١١ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمَ وَالْغَصْبِ / باب (٩) [يس: ٣٧]. قوله: ((يوم القيامة))، نصب على الظرف. ٢٠ / ٢٤٤٧ - حدَّثنا أحمَدُ بنُ يونُسَ قال حدَّثنا عبْدُ العَزِيزِ الْمَاجِشُونُ أخبرنا عَبْدُ الله ! ابنُ دِينارٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما عن النبيِّ عَّلِ قال الظُّلْمُ ظُلُماتٌ يَوْمَ الْقِيامَةِ. الترجمة هي عين الحديث، وأحمد هو ابن عبد الله بن يونس أبو عبد الله التميمي اليربوعي الكوفي، وعبد العزيز بن عبد الله ابن أبي سلمة الماجشون، واسم أبي سلمة: دينار، مات ببغداد سنة أربع وستين ومائة، والماجشون، بضم الجيم وفتحها وكسرها، وهذا لقب يعقوب بن أبي سلمة، وسمي بذلك ولده وأهل بيته، ولهذا يروى هنا: عبد العزيز ابن الماجشون، وليس بلقب خاص لعبد العزيز، وسمي بذلك لأن وجنتيه كانتا حمراوان، وهو بالفارسية، وقد مر عبد العزيز في العلم ومر الكلام في معنى الماجشون. والحديث أخرجه مسلم في الأدب عن محمد بن حاتم. وأخرجه الترمذي في البر عن عباس العنبري وقال: هذا حديث حسن غريب، ورواه أحمد من طريق محارب بن دثار عن ابن عمر، وزاد في أوله: يا أيها الناس اتقوا الظلم ... وفي رواية: وإياكم والظلم، وأخرجه مسلم أيضاً من حديث جابر بلفظ: اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح ... الحديث. وقال ابن الجوزي: الظلم يشتمل على معصيتين: أخذ مال الغير بغير حق، ومبارزة الآمر بالعدل بالمخالفة، وهذه أدهى، لأنه لا يكاد يقع الظلم إلاَّ للضعيف الذي لا ناصر له غير الله، وإنما ينشأ من ظلمة القلب، لأنه لو استنار بنور الهدي لنظر في العواقب. وقال المهلب: الذي يدل عليه القرآن: أنها ظلمات على البصر حتى لا يهتدي سبيلاً، قال الله تعالى في المؤمنين: ﴿يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم﴾ [الحديد: ١٢]. وقال في المنافقين: ﴿انظرونا نقتبس من نوركم﴾ [الحديد: ١٣]. فأثاب الله المؤمن بلزوم نور الإيمان لهم، ولذذهم بالنظر إليه، وقوى به أبصارهم، وعاقب الكفار والمنافقين بأن أظلم عليهم ومنعهم لذة النظر إليه. وقال القزاز: الظلم هنا الشرك، أي: هو عليهم ظلام وعمى، ومن هذا زعم بعض اللغويين أن اشتقاق الظلم من الظلام، كأن فاعله في ظلام عن الحق، والذي عليه الأكثرون أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، كما ذكرناه عن قريب. ٩ - بابُ الاتِّقَاءِ والحَذَرِ مِنْ دَغْوَةِ الْمَظْلُومِ : أي: هذا باب في بيان الاتقاء أي: الاجتناب والخوف والحذر من دعوة المظلوم لأنها لا ترد. ٢١/ ٢٤٤٨ _ حدَّثنا يَخْلِى بنُ مُوسى قال حدَّثنا وكِيعٌ قال حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ بنُ إِسْحَاقَ الْمَكَيُّ عنْ يَخْلِى بِنُ عَبْدِ الله بنِ صَيْفِيّ عنْ أَبِي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي ٤١٢ ٤٦ - كِتَابُ الْعَظَالِمَ وَالْغَصْبِ / باب (١٠) الله تعالى عنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ عَّهِ بَعَثَ مُعاذاً إلى اليَمَنِ فقال اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فإنَّهَا لَيْسَ بَيْنَها وبيْنَ الله حجَابٌ. [انظر الحديث ١٣٩٥ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((اتق دعوة المظلوم)). والحديث مضى في أواخر كتاب الزكاة في: باب أخذ الصدقة من الأغنياء. فإنه أخرجه هناك بأم منه: عن محمد بن مقاتل عن عبد الله عن زكرياء بن إسحاق ... إلى آخره، وأخرجه هنا: عن يحيى بن موسى بن عبد ربه أبي زكرياء السختياني الحداني البلخي الذي يقال له: خت، عن وكيع بن الجراح عن زكرياء ... إلى آخره، وقد مر الكلام فيه هناك مستوفىّ. قوله: ((فإنها)) أي: فإن دعوة المظلوم. ويروى: فإنه أي: فإن الشأن ليس بين دعوة المظلوم وبين الله حجاب، ومعنى عدم الحجاب أنها مجابة، وقد جاء في حديث آخر مفسراً دعوة المظلوم مجابة وإن كان فاجراً، ففجوره على نفسه، رواه ابن أبي شيبة عن أبي هريرة مرفوعاً. ١٠ - بابُ مَنْ كَانتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ عِنْدَ الرَّجُلِ فَحَلَّلَهَا لَهُ هَلْ يُبَيِّنُ مَظْلِمَتَهُ أي: هذا باب في بيان من كانت له مظلمة، أي: المأخوذ بغير حق عند الرجل، ويروى: عند رجل. قوله: ((هل يبين مظلمته؟)) أي: هل يحتاج إلى بيان تلك المظلمة حتى يصح التحليل؟ وفيه خلاف، فلذلك لم يذكر جواب: هل. ٢٤٤٩/٢٢ __ حدَّثنا آدَمُ بنُ أبي إياسٍ قال حدَّثنا ابنُ أبِي ذِئْبٍ قال حدَّثنا سَعيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي اللهِ تعالى عنهُ قال قال رسولُ الله عَلَّهِ مَنْ كانَتْ لَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَحَدٍ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ قَبْلَ أنْ لاَ يَكُونَ دِينارٌ ولاَ دِرْهَمْ إنْ كانَ لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرٍ مَظْلِمَتِهِ وإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيْئَاتِ صاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ. [الحديث ٢٤٤٩ - طرفه في: ٦٥٣٤]. مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث، فإنه أعم من أن یبین قدر ما يتحلل به، أو لا يبين، وهذا يقوي قول من قال بصحة الإبراء المجهول، ورجاله قد ذكروا غير مرة، وابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن، رضي الله تعالى عنه. والحديث من أفراده. ذكر معناه: قوله: ((من كانت له))، قال بعضهم: اللام فيه بمعنى، على، أي: من كانت عليه مظلمة لأخيه. قلت: لا يحتاج إلى ذلك، بل اللام هنا بمعنى: عند، كقولهم: كتبته لخمس خلون، والدليل عليه ما رواه البخاري عن مالك عن المقبري في الرقاق بلفظ: من كانت عنده مظلمة لأخيه ... والأحاديث يفسر بعضها بعضاً. قوله: ((مظلمة))، قال ابن مالك: مظلمة، بفتح اللام وكسرها، والكسر أشهر، وقد روي بالضم أيضاً. وفي (التوضيح): قال القزاز بضم اللام وكسرها، وفي (أدب الكاتب) لابن قتيبة بفتح اللام، ونقل ابن التين عن ابن قتيبة فتح اللام وكسرها. قال: وضبط عن (الصحاح) ضمها، وهو خطأ. قوله: ((من عرضه))، بكسر العين، وعرض الرجل موضع المدح والذم منه، سواء كان في نفسه أو في سلفه أو من يلزمه أمره، وقيل: هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه ويحامي عنه أن ينتقص أو يثلب. : ٤١٣ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمْ وَالْغَصْبِ / باب (١٠) وقال ابن قتيبة: عرض الرجل نفسه وبدنه لا غير. قوله: ((أو شيء))، أي: من الأشياء، وهو من عطف العام على الخاص، فيدخل فيه المال بأصنافه والجراحات حتى اللطمة ونحوها، وفي رواية الترمذي: من عرض أو مال. قوله: ((فليتحلله))، قال الخطابي: معناه: يستوهبه ويقطع دعواه عنه، لأن ما حرم الله من الغيبة لا يمكن تحليله، وجاء رجل إلى ابن سيرين، فقال: اجعلني في حل فقد اغتبتك، فقال: إني لا أحل ما حرم الله تعالى، ولكن ما كان من قبلنا فأنت في حل، ويقال: معنى: فليتحلله إذا سأله: أن يجعله في حل، يقال: تحللته واستحللته. قوله: ((اليوم))، نصب على الظرف أراد به في الدنيا. قوله: ((قبل أن لا يكون دينار ولا درهم))، يعني: يوم القيامة. قوله: ((إن كان له عمل صالح ... )) إلى آخره، معنى أخذ الحسنات والسيئات أن يجعل ثوابها لصاحب المظلمة، ويجعل على الظالم عقوبة سيئاته. قال الكرماني: فإن قلت: ما التوفيق بينه وبين قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤ والإسراء: ١٥ وفاطر: ١٨ والزمر: ٧]. قلت: لا تعارض بينهما لأنه إنما يعاقب بسبب فعله وظلمه، ولم يعاقب بغير جناية منه، لأنه لما توجهت عليه حقوق للغرماء دفعت إليهم حسناته ولما لم يبق منها بقية، قوبل على حسب ما اقتضاه عدل الله تعالى في عباده، فأخذوها من سيئاته فعوقب بها. انتهى. قلت فيه: ما فيه يعلم بالتأمل. ذكر ما يستفاد منه: قام الإجماع على أنه إذا بين مظلمته عليه فأبرأه فهو نافذ، واختلفوا فيمن بينهما ملابسة أو معاملة ثم حلل بعضهما بعضاً من كل ما جرى بينهما من ذل، فقال قوم: إن ذلك براءة له في الدنيا والآخرة، وإن لم يبين مقداره، وقال آخرون: إنما تصح البراءة إذا بين له وعرف ما له عنده أو قارب ذلك بما لا مشاحة في ذكره، وهذا الحديث حجة لهذا، لأن قوله معَِّ: ((أخذت منه بقدر مظلمته))، يدل أنه يجب أن يكون معلوم القدر مشاراً إليه، وكان ابن المسيب لا يحلل أحداً، وكان ابن يسار يحلل من العرض والمال، وقال مالك: أما المال فنعم، وأما من العرض: ﴿فإنما السبيل على الذين يظلمون الناس﴾ [الشورى: ٤٢]. وقال الداودي: أحسب مالكاً أراد: إن أصاب من عرض رجل لم يجز لوارثه أن يحلله. وقال ابن التين: وأراه خلافاً لقول مالك، لأنه قال: إن مات ولا وفاء عنده، فالأفضل أن يحلله، وأما من ظلم أو اغتاب فلا، وذكر الآية، وكان بعضهم يحلل من عرضه ويتأول الحسنة بعشر أمثالها، وكان القاسم يحلل من ظلمه وقال الخطابي: إذا اغتاب رجل رجلاً فإن كان بلغ القول منه ذلك فلا بد أن يستحل، وإن لم يبلغه استغفر الله ولا يخبره، وأما التحلل في المال فإنما يصح ذلك في أمر معلوم، وقال بعض أهل العلم: إنما يصح ذلك في المنافع التي هي أعراض، مثل أن يكون قد غصبه داراً فسكنها، أو دابةً فركبها، أو ثوباً فلبسه أو يكون أعياناً فتلفت، فإذا تحلل منها صح التحلل، فإن كانت الدار قائمة والدراهم في يده حاصلة لم يصح التحلل منها إلاّ أن يهب أعيانها منه، فتكون هبة مستأنفة. ٤١٤ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمْ وَالْغَصْبِ / باب (١١) قال أبو عبدِ الله قال اسماعِيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ إنَّا سُمِّ الْمَقْبُرِيُّ لِأَنَّهُ كانَ نَزَلَ ناحِيَةَ الْمَقَابِرِ أبو عبد الله هو البخاري، وإسماعيل بن أبي أويس من شيوخه، واسم أبي أويس عبد الله الأصبحي المدني ابن أخت مالك بن أنس قوله: ((إنما سمي))، أي: سعيد، المذكور في سند الحديث: المقبري لنزوله ناحية المقابر بالمدينة النبوية. وقوله: ((قال أبو عبد الله ... )) إلى آخره، إنما يثبت في رواية الكشميهني وحده. قال أبو عبد الله وسَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ هُوَ مَوْلَى بَنِي ليْثِ وهو سَعِيدُ بنُ أبي سَعِيدٍ كَيْسَانُ هذا أيضاً في رواية الكشميهني وحده، وأبو عبد الله هو البخاري، وكان اسم أبي سعيد كيسان، كان مكاتباً لامرأة من أهل المدينة من بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وكيسان روى عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري، وروى عنه ابنه سعيد وآخرون، وقال محمد بن عمر: كان ثقة كثير الحديث، توفي سنة مائة في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقال الحربي: جعله عمر، رضي الله تعالى عنه، على حفر القبور فسمي المقبري،، وأما ابنه سعيد فروى عن أبي هريرة وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله بن عمر ومعاوية بن أبي سفيان وأبي سعيد الخدري وعائشة وأم سلمة وآخرين، وقال علي بن المديني ومحمد بن سعد وأبو زرعة والنسائي وآخرون: ثقة، وكذا قال ابن خراش، وزاد: جليل أثبت الناس فيه الليث، وقال محمد بن سعد: مات سنة ثلاث وعشرين ومائة بالمدينة، روى له الجماعة وآخرون. ١١ - بابٌ إِذَا حَلَّلَهُ مِنْ ظُلْمِهِ فَلاَ رُجُوعَ فِيهِ أي: هذا باب يذكر فيه إذا حلل المظلوم من ظلمه فلا رجوع فيه إن كان معلوماً عند من يشترطه، أو مجهولاً عند من يجيزه على الخلاف الذي ذكرناه في الباب السابق. ٢٣/ ٢٤٥٠ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قال أخبرنا عَبْدُ الله قال أخبرنَا هِشامُ بنُ عُزْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها في هذِهِ الآية ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزَاً أَوْ إِعْرَاضاً﴾ [النساء: ١٢٨]. قالَتِ الرَّجُلُ تَكونُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْها يُريدُ أنْ يُغارِقَها فَقَالَتْ أَجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِي فِي حِلّ فَزَّلَتْ لهذِهِ الآيةُ فِي ذَلِكَ. [الحديث ٢٤٥٠ - أطرافه في: ٢٦٩٤، ٤٦٠١، ٥٢٠٦]. قال الداودي: ليست الترجمة مطابقة للحديث، لأن هذا فيما يأتي وليس بظلم، وقال الكرماني: فإن قلت: كيف دل، يعني: الحديث على الترجمة؟ قلت: الخلع عقد لازم لا رجوع فيه، وكذا لو كان التحليل بطريق الصلح أو الهبة أو الإيراد، ورد عليه بعضهم بقوله: قال الكرماني كذا فوهم، ومورد الحديث والآية إنما هو في حق من يسقط حقها من القسمة، ٤١٥ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمْ وَالْغَصْبِ / باب (١١) وليس من الخلع في شيء. انتهى. قلت: نعم، قوله: الخلع عقد لازم لا رجوع فيه ليس بشيء، لأنه ما في الترجمة، ولا في الحديث شيء يدل على الخلع، ولكن قوله: وكذا ... إلى آخره، له وجه، لأن الترجمة في تحليل من ظلمه ولا رجوع فيه. والحديث أيضاً فيه التحليل على ما لا يخفى، ولكن يعكر عليه بشيء، وذلك لأن التحليل إسقاط الحق من المظلمة الفائتة ومضمون الآية إسقاط الحق المستقبل حتى لا يكون عدم الوفاء به مظلمة لسقوطه، ولكن وجه هذا بأن يقال: بأن البخاري تأنق في الاستدلال، فكأنه قال: إذا نفذ الإسقاط في الحق المتوقع فنفوذه في الحق المتحقق أولى وأجدر، وهذا هو وجه المطابقة بين الترجمة والحديث. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: محمد بن مقاتل. الثاني: عبد الله بن المبارك. الثالث: هشام بن عروة. الرابع: عروة بن الزبير بن العوام. الخامس: أم المؤمنين، عائشة، رضي الله تعالى عنها. ومن لطائف إسناده: أن فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع، وبصيغة الإخبار كذلك في موضعين. وأن فيه: العنعنة في موضعين وأن شيخه وشيخ شيخه مروزيان وأن هشاماً وأباه عروة مدنيان. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن محمد عن عبد الله أيضاً، ولكنه في التفسير نسبهما، وههنا لم ينسبهما، كما ترى. ذكر معناه: قوله: ((في هذه الآية))، أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وإن امرأة خافت ... ﴾ [النساء: ١٢٨]. الآية. قوله: ((قالت))، أي: عائشة. قوله: ((الرجل عنده المرأة ... )) إلى آخره، مقول القول: ((والرجل)) مرفوع بالابتداء وخبره قوله: ((يريد أن يفارقها)) وقوله: ((عنده المرأة ليس بمستكثر منها)) جملتان حاليتان، والجمل بعد المعرفة تقع حالاً، وبعد النكرة صفة. ومعنى قوله: ((ليس بمستكثر منها)): ليس بطالب كثرة الصحبة منها، ويريد مفارقتها إما لكبرها أو لدمامتها أو لسوء خلقها أو لكثرة شرها أو غير ذلك. قوله: ((فقالت))، أي: تلك المرأة: ((أجعلك من شأني)) أي: من أجل شأني ((في حل)) من مواجب الزوجية وحقوقها. قوله: ((فنزلت هذه الآية)) أي: قوله تعالى: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها ... ﴾ [النساء: ١٢٨]. الآية قوله: ((في ذلك))، أي: في أمر هذه المرأة. قوله: ﴿وإن امرأة خافت﴾ [النساء: ١٢٨]. أي: وإن خافت امرأة من بعلها أي: من زوجها نشوزاً، والنشوز منه أن يسيء عشرتها ويمنعها النفقة. قوله: ﴿أو إعراضاً﴾ [النساء: ١٢٨]. الإعراض منه كراهته إياها وإرادته مفارقتها، فإذا كان كذلك: ﴿فلا جناح عليهما أن يصالحا بينهما صلحاً﴾ [النساء: ١٢٨]. وهو أن يقبل منها ما تسقطه من حقها من نفقة أو كسوة أو مبيت عندها أو غير ذلك من حقوقها عليه، فلا جناح عليها في بذلها له ذلك، ولا عليه في قبوله منها، ولهذا قال: ﴿فلا جناج عليهما أن ٤١٦ : ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمِ وَالْغَصْبِ / باب (١١) يصالحا بينهما صلحاً﴾ [النساء: ١٢٨]. ثم قال: ﴿والصلح خير﴾ [النساء: ١٢٨]. أي: من الفراق، ولهذا لما كبرت سودة بنت زمعة وعزم رسول الله عَ ◌ّل على فراقها صالحته على أن يمسكها وتترك يومها لعائشة، رضي الله تعالى عنها، فقبل رسول الله عَ ليه منها، وأبقاها على ذلك، فقال أبو داود الطيالسي: حدثنا سليمان بن معاذ عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله عَّله، فقالت: يا رسول الله! لا تطلقني وأجعل يومي لعائشة، ففعل، فنزلت هذه الآية: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً﴾ [النساء: ١٢٨]. الآية، قال ابن عباس: فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز، ورواه الترمذي عن محمد بن المثنى عن أبي داود الطيالسي، وقال: حسن غريب وقال سعيد بن منصور: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه قال: انزلت في سودة وأشباهها: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً﴾ [النساء: ١٢٨]. وذلك أن سودة كانت امرأة قد أسنت، ففرقت أن يفارقها رسول الله عَ لّه وضنت بمكانها منه، وعرفت من حب رسول الله عَ ل عائشة ومنزلتها منه، فوهبت يومها من رسول الله، عَ لّم، لعائشة، فقبل النبي، عَّهِ، وقال أبو العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي في أول (معجمه): حدثنا محمد بن يحيى حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا الدستوائي حدثنا القاسم بن أبي بزة قال: بعث النبي، عَّهِ، إلى سودة بت زمعة بطلاقها، فلما أن أتاها جلست له على طريق عائشة، فلما رأته، قالت له: أنشدك بالذي أنزل عليك كتابه واصطفاك على خلقه لما راجعتني، فإني قد كبرت ولا حاجة لي في الرجال، أبعث مع نسائك يوم القيامة، فراجعها، قالت: فإني قد جعلت يومي وليلتي لحبة رسول الله عَ لّه، وقال ابن كثير: وهذا غريب مرسل. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا: حدثنا جرير عن شعبة عن ابن سيرين قال: جاء رجل إلى عمر، رضي الله تعالى عنه، فسأله عن آية، فكره ذلك وضربه بالدرة، فسأله آخر عن هذه الآية: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً﴾ [النساء: ١٢٨]. فقال: عن مثل هذا فسلوا، ثم قال: هذه المرأة تكون عند الرجل قد خلا من سنها فتزوج المرأة الشابة يلتمس ولدها، فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسن الهسنجاني حدثنا مسدد حدثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن خالد بن عروة، قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، فسأله عن قول الله عز وجل: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما﴾ [النساء: ١٢٨]. قال علي: يكون الرجل عنده المرأة فسوا عيناه عنها من دمامتها أو كبرها أو سوء خلقها أو قذرها فتكره فراقه، فإن وضعت له من مهرها شيئا حل له، وإن جعلت له من أيامها فلا حرج، وكذا رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة وحماد بن سلمة وأبي الأحوص، ورواه ابن جرير من طريق إسرائيل أربعتهم عن سماك به، وكذا فسره ابن عباس وعبيدة السلماني ومجاهد والشعبي وسعيد بن جبير وعطاء وعطية العوفي ومكحول والحكم بن عتيبة والحسن وقتادة وغير واحد من السلف والأئمة، ولا أعلم في ٤١٧ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمِ وَالْغَصْبِ / باب (١٢) ذلك خلافاً في أن المراد بهذه الآية هذا، والله أعلم. وذكر أبو عبد الله محمد بن علي بن خضر بن عسكر في كتابه (ذيل التعريف والإعلام): أنها نزلت بسبب أبي السنابل بن بعكك وامرأته، وفي تفسير مقاتل: نزلت في خويلة بنت محمد بن مسلمة حين أراد زوجها رافع بن خديج طلاقها، وفي كتاب عبد الرزاق: خولة، وفي (غرر التبيان) زوجها سعد بن الربيع، وفي (تفسير الثعلبي): هي عمرة بنت محمد بن مسلمة. ذكر ما يستفاد منه: فيه: جواز هبة بعض الزوجات يومها لبعضهن، وقال المنذري: لا يكون ذلك إلاَّ برضى الزوج والتسوية بينهن كان غير واجب عليه عَّهِ، وإنما كان يفعله تفضلاً منه، وعن الداودي: إذا رضيت بترك القسم والإنفاق عليها ثم سألته العدل فلها ذلك، وقال أصحابنا الحنفية: ولواحدة منهن أن ترجع إن وهبت قسمها للأخرى لأنها أسقطت حقاً لم يجب بعد، فلا يسقط كالمعير يرجع في العارية متى شاء. ١٢ - بابٌ إِذَا أَذِنَ لَهُ أوْ حَلَّلَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ كَمْ هُوَ أي: هذا باب يذكر فيه إذا أذن رجل له أي: لرجل آخر في استيفاء حقه. قوله: ((أو حلله))، أي: أو حلل رجل رجلاً آخر، وهذه رواية الكشميهني، وفي رواية غيره أو أحله له. قوله: ((ولم يبين كم هو)) أي: مقدار المأذون أو المحلل، ولم يذكر جواب إذا الذي هو جواب المسألة، لأن فيه تفصيلاً، لأنا إذا قلنا: حديث هذا الباب مثل حديث أبي هريرة في: باب من كانت له مظلمة فحللها، هل يبين مظلمته؟ يكون فيه الخلاف المذكور هناك، ولكن حديث أبي هريرة مشتمل على الأمور الواجبة، وحديث الباب مشتمل على المكارمة وقلة التشاح، ولا يضر في هذا عدم معرفة المقدار، لأن الغلام فيه لو حلل من نصيبه الأشياخ وأذن في إعطائه لهم لكان ما حلل منه غير معلوم، لأنه لا يعرف مقدار ما كانوا يشربون، ولا مقدار ما كان يشرب هو، ولا شك أن سبيل ما يوضع للناس للأكل والشرب سبيله المكارمة وقلة المشاححة، فعلى هذا يقدر الجواب هنا: جائز أو يجوز. ٢٤ / ٢٤٥١ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عن أبي حازِمِ بنِ دِينارٍ عنْ سَهْلٍ بنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ الله عَ لَّهِ أَتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وعنْ يَمِينِهِ غُلاَمٌ وعِنْ يَسارِهِ الأَشْيَاحُ فقال لِلْغُلامِ أَتَأْذَنُ لِي أنْ أُعْطِيَ هَؤُلاءِ فَقال الْغُلاَمُ لاَ والله يا رسولَ الله لاَ أُوْثِرُ بِنَصِبِيِي مِنْكَ أَحَداً قال فَلَّهُ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ فِي يَدِهِ. [انظر الحديث ٢٣٥١ وأطرافه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث، لأنه لو أذن الغلام لرسول الله عَ ليه بدفع الشراب الذي شرب منه رسول الله عَل إلى الأشياخ الذين كانوا على يساره لكان تحليل الغلام غير معلوم، وكذلك مقدار شربهم وشربه، وكان دل ذلك على جوازه بلا خلاف من غير بيان مقداره، ولكنه مقيد بمثل هذا الباب كما ذكرنا، لا في الأبواب التي تتعلق بالواجبات، ويجري الخلاف فيها، من ذلك ما اختلف العلماء في هبة المشاع، فقال مالك عمدة القاري/ ج١٢ م٢٧ ٤١٨ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمِ وَالْغَصْبِ / باب (١٣) وأبو يوسف ومحمد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: تجوز ويتأتى فيها القبض، كما يجوز فيها البيع، وسواء كان المشاع مما يقسم، كالدور والأرض، أو مما لا يقسم: كالعبد والثياب والجواهر، وسواء مما كان يقبض بالتخلية أو مما يقبض بالتحويل. وقال أبو حنيفة: إن كان المشاع مما يقسم لم تجز هبة شيء منه مشاعاً، وإن كان مما لا يقسم تجوز هبته. والحديث قد مضى في أوائل كتاب الشرب، فإنه أخرجه هناك: عن سعيد بن أبي مريم عن أبي غسان عن أبي حازم عن سهل بن سعد، رضي الله تعالى عنه، وقد مضى الكلام فيه هناك. وأخرجه ههنا: عن عبد الله بن يوسف التنيسي عن مالك عن أبي حازم، بالحاء المهملة وبالزاي: سلمة بن دينار الأعرج، وهنا فيه زيادة، وهو قوله: فتله رسول الله، عَ لّم، في يده، فتله، بالتاء المثناة من فوق وتشديد اللام ومعناه: دفعه إليه بقوة وعنف، قاله الخطابي. وقال غيره: وضعه في يده، وأنكر غيره هذه، واستدل بقوله تعالى: ﴿وتله للجبين﴾ [الصافات: ١٠٣]. أي: صرعه لكن برفق لا بعنف، وقال ابن التين: من قال: الغلام، ابن عبس، يؤخذ منه أن الصبي يسمى غلاماً، ومن قال: إنه الفضل، أخذ منه أن البالغ يسمى غلاماً. ١٣ - بابُ إِثْمٍ مَنْ ظَلَمَ شَيْئاً مِنَ الأرْضِ أي: هذا باب في بيان حكم من ظلم شيئاً من الأرض، يعني: استولى عليه. وفيه: إشارة إلى أن الغصب يتحقق في العقار، وأنه ليس بمخصوص بما يحول وينقل. وفيه: خلاف نذكره، إن شاء الله تعالى، ولم يذكر جواب: من، اكتفاء بما في الحديث. ٢٥/ ٢٤٥٢ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهُرِيِّ قال حدَّثني طَلْحَةُ بنُ عَبْدِ الله أنَّ عبْدَ الرَّحْمنِ بنَ عَمْرِو بنِ سَهْلٍ قال أَخْبَرَهُ أَنَّ سَعِيدَ بنَ زَيْدٍ رضي الله تعالى عنه قال سَمِعْتُ رسولَ الله عَّه يَقُولُ مَنْ ظَلَمَ مِنَ الأرْضِ شَيْئاً ◌ُوَّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ. [الحديث ٢٤٥٢ - طرفه في: ٣١٩٨]. مطابقته للترجمة ظاهرة لأن قوله: ((شيئاً))، في الترجمة يتناول قدر شبر وما فوقه وما دونه، وأبو اليمان: الحكم بن نافع الحمصي، وشعيب بن أبي حمزة الحمصي، والزهري محمد بن مسلم بن شهاب، وطلحة بن عبد الله بن عوف ابن أخي عبد الرحمن بن عوف وعبد الرحمن بن عمرو بن سهل الأنصاري المدني، وقد ينسب إلى جده، وقد نسبه المزي الأنصاري أيضاً، وليس له في البخاري إلاَّ هذا الحديث فقط. وفي هذا السند: ثلاثة من التابعين على نسق واحد، وهم: الزهري وطلحة وعبد الرحمن، رضي الله تعالى عنهم، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل القرشي أحد العشرة المبشرة بالجنة، أسلم قديماً، وكان مجاب الدعوة، وقد أسقط بعض أصحاب الزهري في روايتهم عنه هذا الحديث عبد الرحمن بن عمرو بن سهل، وجعلوه من رواية طلحة عن سعيد بن زيد نفسه، وفي (مسندي) أحمد وأبي يعلى، و(صحيح) ابن خزيمة من طريق ابن إسحاق: حدثني الزهري عن طلحة بن عبد الله قال: أتتني أروى بنت أويس في نفر من قريش ٤١٩ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمْ وَالْغَصْبِ / باب (١٣) فيهم عبد الرحمن بن سهل، فقالت: إن سعيداً انتقص من أرضي إلى أرضه ما ليس له، وقد أحببت أن تأتوه فتكلموه، قال: فركبنا إليه وهو بأرضه بالعقيق، فذكر الحديث، وقال الكرماني: روى أن مروان أرسل إلى سعيد ناساً يكلمونه في شأن أروى بنت أويس، وكانت شكته إلى مروان في أرض، فقال سعيد: تروني ظلمتها؟ وقد سمعت رسول الله، عَّ له، يقول :... الحديث، فترك سعيد لها ما ادعت، وقال: أللهم إن كانت كاذبة فلا تمتها حتى تعمي بصرها وتجعل قبرها في بئر، قالوا: فوالله ما ماتت حتى ذهب بصرها، فجعلت تمشي في دارها، فوقعت في بئرها. قوله: ((طوقه)) على بناء المجهول، قال الخطابي: له وجهان أحدهما: أنه يكلف نقل ما ظلم منها في القيامة إلى المحشر، فيكون كالطوق في عنقه، والآخر: أن يعاقب بالخسف إلى سبع أرضين، كما في الحديث الآخر الذي بعده. وقال النووي: وأما التطويق، فقالوا: يحتمل أن معناه أن يحمل منه من سبع أرضين ويكلف إطاقته ذلك، أو يجعل له كالطوق في عنقه، ويطول الله عنقه كما جاء في غلظ جلد الكافر. وعظم ضرسه أو يطوق أتم ذلك، ويلزم كلزوم الطوق بعنقه. وقال ابن الجوزي: هو من تطويق التكليف لا من التقليد. قال: وليس ذلك بممتنع، فإنه صح عن رسول الله عَّلله أنه قال: ((لا ألفين أحدكم تأتي على رقبته بعير أو شاة ... )) وأما الخسف أن يخسف به الأرض بعد موته أو في حشره، وفي (تهذيب) الطبري بيان لهذا التطويق، قال: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا حسن بن علي حدثنا زائدة عن الربيع عن أيمن حدثني يعلى بن مرة، سمعت رسول الله، عَّه، يقول: أيما رجل ظلم شبراً من الأرض كلفه الله أن يحفره حتى يبلغ سبع أرضين، ثم يطوقه يوم القيامة حتى يقضي بين الناس. وفي رواية الشعبي عن أيمن عنه: من سرق شبراً من أرض أو غلة جاء يحتمله يوم القيامة على عنقه إلى سبع أرضين. وفي رواية: كلف أن يحمل ترابها إلى المحشر، وفي التوضيح: والصواب أيمن عن يعلى، ووهم ابن منده وأبو نعيم في ظنهما. أن لأيمن صحبة. قلت: وكذا قال الذهبي في (تجريد الصحابة): إنهما وهما في ذلك. ذكر ما يستفاد منه: فيه: دليل على أن من ملك أرضاً ملك أسفلها إلى منتهاها، وله أن يمنع من حفر تحتها سرباً أو بئراً، سواء أضر ذلك بأرضه أو لا، قاله الخطابي، وقال ابن الجوزي: لأن حكم أسفلها تبع لأعلاها. وقال القرطبي: وقد اختلف فيما إذا حفر أرضه فوجد فيها معدناً أو شبهه، فقيل: هو له، وقيل: بل للمسلمين، وعلى ذلك فله أن ينزل بالحفر ما شاء ما لم يضر بجاره، وكذلك له أن يرفع في الهواء المقابل لذلك القدر من الأرض من البناء ما شاء، ما لم يضر بأحد. واستدل الداودي على أن السبع الأرضين بعضها على بعض لم يفتق بعضها من بعض، قال: لأنه لو فتقت لم يطوق منها ما ينتفع به غيره، وقيل: بين كل أرض وأرض خمس مائة عام مثل ما بين كل سماء وسماء. وفيه: تهديد عظيم للغصاب. وفيه: دليل على أن الأرضين سبع كما قال تعالى: ﴿ومن الأرض مثلهن﴾ [الطلاق: ١٢]. وقال الكرماني: وفيه: غصب الأرض خلافاً للحنفية. قلت: رمى الكرماني ٤٢٠ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمَ وَالْغَصْبِ / باب (١٣) كلامه جزافاً من غير وقوف على كيفية مذهب الحنفية، فإن مذهبهم فيه خلاف، فعند أبي حنيفة وأبي يوسف: الغصب لا يتحقق إلاَّ فيما ينقل ويحول، لأن إزالة اليد بالنقل ولا نقل في العقار، فإذا غصب عقاراً فهلك في يده لا يضمن. وقال محمد: يضمن، وهو قول أبي يوسف الأول، وبه قال زفر والشافعي ومالك وأحمد، لأن الغصب عندهم يتحقق في العقار، والخلاف في الغصب لا في الإتلاف، بعض مشايخنا قالوا: يتحقق الغصب في العقار أيضاً عند أبي حنيفة وأبي يوسف، لكن لا على وجه يوجب الضمان، والأكثرون على أنه لا يتحقق في العقار أصلاً، والاستدلال بحديث الباب على ما ذهبوا إليه غير مستقيم، لأنه عَ لَّ جعل جزاء غصب الأرض التطوق يوم القيامة، ولو كان الضمان واجباً لبينه، لأن الضمان من أحكام الدنيا، فالحاجة إليه أمس، والمذكور جميع جزائه، فمن زاد عليه نسخاً، وذا لا يجوز بالقياس، وإطلاق لفظ الغصب عليه لا يدل على تحقق الغصب الموجب للضمان، كما أنه، عَّةٍ، أطلق لفظ البيع على الحر، بقوله: ((من باع حراً) ولا يدل ذلك على البيع الموجب للحكم على أنه جاء في (الصحيحين) بلفظ: أخذ، فقال: من أخذ شبراً من الأرض ظلماً، فإنه يطوقه الله يوم القيامة من سبع أرضين، فعلم أن المراد من الغصب الأخذ ظلماً لا غصباً موجباً للضمان. فإن قلت: قوله، عَّله: ((على اليد ما أخذت حتى ترد))، يدل على ذلك بإطلاقه، والتقييد بالمنقول خلافه. قلت: هذا مجاز، لأن الأخذ حقيقة لا يتصور في العقار، لأن حد الأخذ أن يصير المأخوذ تبعاً ليده. فافهم. ٢٦/ ٢٤٥٣ - حدَّثنا أَبُو مَعْمَرٍ قال حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قال حدَّثنا حُسَيْنٌ عنْ يَحْيَى ابن أبِي كَثِيرٍ قال حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ إِبْرَاهِيمَ أنَّ أبا سلَمَةَ قال حدَّثَهُ أَنَّهُ كانَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ أُنَاسٍ خُصُومَةٌ فَذَكَرَ لِعَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها فقالَتْ لَهُ يا أبًا سلَمَةَ اجْتَنِب الأَرْضَ فإنَّ النبيَّ عَِّ قال مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوَّقَهُ منْ سَبْعِ أَرْضِينَ. [الحديث ٢٤٥٣ - طرفه في: ٣١٩٥]. مطابقته للترجمة مثل ما ذكرنا في الحديث الماضي. ورجاله سبعة: الأول: أبو معمر عبد الله بن عمرو بن الحجاج المقعد البصري. الثاني: عبد الوارث بن سعيد. الثالث: حسين المعلم. الرابع: يحيى بن أبي كثير الطائي اليماني. الخامس: محمد بن إبراهيم التيمي. السادس: أبو سلمة بن عبد الرحمن. السابع: أم المؤمنين عائشة. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في بدء الخلق عن علي عن إسماعيل بن أمية. وأخرجه مسلم في البيوع عن أحمد بن إبراهيم الدورقي، وعن إسحاق بن منصور. قوله: ((بين أناس خصومة))، وفي رواية مسلم من طريق حرب بن شداد عن يحيى بلفظ: وكان بينه وبين قومه خصومة في أرض، وهذا يفسر أن الخصومة كانت في أرض، وأنها كانت بينه وبين قومه، وعلم منه أن المراد من قوله: ((أناس)) هم قومه، ولكن ما علمت