النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ ٤٤ - كِتَابُ الْخُصوماتِ / باب (٤) الأعمش عن شقيق عن عبد الله ... إلى آخره، وههنا أخرجه: عن محمد هو ابن سلام - كذا ذكره أبو نعيم - وخلف عن أبي معاوية محمد بن خازم، بالمعجمتين: الضرير عن سليمان الأعمش عن شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي عن عبد الله بن مسعود، وقد مر الكلام فيه هناك. قوله: ((وهو فيها فاجر))، جملة إسمية وقعت حالاً، وفاجر أي: كاذب، وإطلاق الغضب على الله تعالى على المعنى الغائي منه، وهي إرادة إيصال الشر، لأن معناه: غليان دم القلب لإرادة الانتقام، وهو على الله تعالى محال. ٢٤١٨/٨ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا عُثْمانُ بنُ عُمَرَ أخبرنَا يُونُسُ عنٍ الزُّهْرِيِّ عنْ عبدِ الله بنِ كعبِ بنِ مالكِ عنْ كعبٍ رضي الله تعالى عنهُ أنَّهُ تقَاضِى ابنَ أبِي حَدْرَدٍ دَيْناً كانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَها رسولُ اللهِعَ لَّهِ وَهْوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حتى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنادَى يا كَعْبُ قال لَبَيْكَ يا رَسولَ الله قال عنْ دَيْنِكَ هُذَا فأومَا إِلَيْهِ أي الشِّطْرَ قال لَقَدْ فَعَلْتُ يا رسولَ الله قال قم فاقْضِهِ. [انظر الحديث ٤٥٧ وأطرافه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فارتفعت أصواتهما)) لأن رفع الأصوات يدل على كلام كثير وقع بينهما، وقد مضى هذا الحديث في كتاب الصلاة في: باب التقاضي والملازمة في المسجد، فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن محمد ... إلى آخره، بعين هذا الإسناد وعين هذا المتن، وفائدة التكرار على هذا الوجه لأجل هذه الترجمة. ٢٤١٩/٩ _ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عبدِ الرَّحْمنِ بنِ عْدِ الْقارِيِّ أنَّهُ قال سَمِعْتُ عُمَرَ بِنَ الْخَطَّابِ رضي الله تعالى عنهُ يَقُولُ سَمِعْتُ هِشامَ بنَ حكِيمِ بنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سورَةَ الفُرْقَانِ علَى غيْرِ ما أَقْرَؤُها وكانَ رسولُ اللهِ عَِّ أَقْرَأنِيها وكدْتُ أنَّ أعْجَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حتَّى انْصِرَفَ ثُمَّ لَتَبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَجِئْتُ بِهِ رسولَ الله عَّ ◌َلَّهِ فَقُلْتُ أَنِّي سَمِعْتُ لهذا يقرَأُ علَى غيْرِ ما أَقْرَ أْتَنِيها فقال لي أرْسِلْهُ ثمّ قال لهُ اقرَ أ فقرَأَ قال لهكذَا أُنْزِلَتْ ثُمَّ قال لي اقْرَأ فقَرأْتُ فقالَ هُكَذَا أُنْزِلَتْ إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةٍ أُخْرُفٍ فاقْرَؤُوا مِنْهُ ما تيَسَّرَ. [الحديث ٢٤١٩ - أطرافه في: ٤٩٩٢، ٥٠٤١، ٦٩٣٦، ٧٥٥٠]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((ثم لبيته بردائه)) فإن تلبيبه يدل على كلام كثير وقع بينهما، يقال: لببت الرجل - بالتشديد - تلبيباً إذا جمعت ثيابه عند صدره في الخصومة، ثم جررته، وهذا أقوى من مجرد القول، لأن فيه امتداداً باليد زيادة على القول، وكان جواز هذا الفعل بحسب ما أدى عليه اجتهاده. ذكر رجاله: وهم ستة: عبد الله بن يوسف التنيسي، وهو من أفراده. ومالك بن أنس، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وعروة بن الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عبد ٠ ٣٦٢ ٤٤ - كِتابُ الْخُصوماتِ / باب (٤) القاري، بالقاف والراء الخفيفة وتشديد الياء: نسبة إلى بني قارة بن الدبش بن محلم بن غالب بن ربيع بن الهون بن خزيمة بن مدركة، والمشهور أنه تابعي، وقد يقال: إنه صحابي، توفي بالمدينة سنة ثمانين وله ثمان وسبعون سنة، وهشام بن حكيم، بفتح الحاء: ابن حزام، بكسر الحاء وتخفيف الزاي: القرشي الصحابي ابن الصحابي، أسلم يوم الفتح وكان من فضلاء الصحابة، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وروى البخاري هذا الحديث في فضائل القرآن من حديث عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن المسور وعبد الرحمن بن عبد القاري عن عمر به، قال الدارقطني: رواه عبد الأعلى عن معمر عن ابن شهاب عن عروة بن المسور عن عمر، ورواه مالك بإسقاط المسور، وكلها صحاح عن الزهري، ورواه يحيى بن بكير عن مالك، فقال: عن هشام، ووهم والصحيح: ابن شهاب. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري في فضائل القرآن عن سعيد بن عفير وفي التوحيد عن يحيى بن بكير عن ليث عن عقيل وفي استتابة المرتدين. وقال الليث: حدثني يونس، وفي فضائل القرآن أيضاً عن أبي اليمان عن شعيب. وأخرجه مسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى عن مالك به وعن حرملة عن ابن وهب وعن إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد، وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي عن مالك به. وأخرجه الترمذي في القراءة عن الحسن بن علي الخلال. وأخرجه النسائي في الصلاة عن يونس بن عبد الأعلى وعن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين وفي فضائل القرآن أيضاً عنهما. ذكر معناه: قوله: ((وكدت أن أعجل عليه))، يعني: في الإنكار عليه والتعرض له. قوله: ((حتى انصرف))، أي من القراءة. قوله: ((ثم لببته)) بالتشديد من التلبيب، وقد مر تفسيره الآن. قوله: ((فقال لي: أرسله)) أي: فقال لي رسول الله، عَّ: أرسله، أي: هشام بن حكيم وكان ممسوكاً معه. قوله: ((هكذا أنزلت))، قال ذلك عمر، رضي الله تعالى عنه، في قراءة الاثنين كليهما، ولم يبين أحد كيفية الخلاف الذي وقع بينهما. قوله: ((على سبعة أحرف)). واختلفوا في معنى هذا على عشرة أقوال: الأول: قال الخليل: هي القرآآت السبعة وهي الأسماء والأفعال المؤلفة من الحروف التي تنتظم منها الكلمة، فيقرأ على سبعة أوجه، كقوله: نرتع ونلعب، قرىء على سبعة أوجه. فإن قلت: كيف يجوز إطلاق العدد على نزول الآية، وهي إذا نزلت مرة حصلت كما هي إلاَّ أن ترفع ثم تنزل بحرف آخر؟ قلت: أجابوا عنه بأن جبريل، عليه الصلاة والسلام، كان يدارس رسول الله، عَّل، القرآن في كل رمضان ويعارضه إياه، فنزل في كل عرض بحرف، ولهذا قال: أقرأني جبريل، عليه الصلاة والسلام، على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده حتى انتهى إلى سبعة أحرف. واختلف الأصوليون: هل يقرأ اليوم على سبعة أحرف؟ فمنعه الطبري وغيره، وقال: إنما يجوز بحرف واحد اليوم، وهو حرف زيد، ونحى إليه القاضي أبو بكر، وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري: أجمع المسلمون على: أنه لا يجوز حظر ما وسعه الله تعالى من القرآت بالأحرف التي أنزلها الله تعالى، ولا يسوغ للأمة أن تمنع ما يطلقه الله ٣٦٣ ٤٤ - كِتَابُ الْخُصوماتِ / باب (٤) تعالى، بل هي موجودة في قراءتنا، وهي مفرقة في القرآن غير معلومة بأعيانها، فيجوز على هذا، وبه قال القاضي أن يقرأ بكل ما نقله أهل التواتر من غير تمييز حرف من حرف، فيحفظ حرف نافع بحرف الكسائي وحمزة ولا حرج في ذلك، لأن الله تعالى أنزلها تيسيراً على عبده ورفقاً، وقال الخطابي: الأشبه فيه ما قيل: إن القرآن أنزل مرخصاً للقارىء بأن يقرأ بسبعة أحرف على ما تيسر، وذلك إنما هو فيما اتفق فيه المعنى أو تقارب، وهذا قبل إجماع الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، فأما الآن فلا يسعهم أن يقرؤوه على خلاف ما أجمعوا علیه. القول الثاني: قال أبو العباس أحمد بن يحيى: سبعة أحرف هي سبع لغات فصيحة من لغات العرب: قريش ونزار ... وغير ذلك. الثالث: السبعة كلها لمضر لا لغيرها، وهي مفرقة في القرآن غير مجتمعة في الكلمة الواحدة. الرابع: أنه يصح في الكلمة الواحدة. الخامس: السبعة في صورة التلاوة كالإدغام وغيره. السادس: السبعة هي سبعة أنحاء: زجر وأمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال. السابع: سبعة أحرف هي الإعراب، لأنه يقع في آخر الكلمة، وذكر عن مالك أن المراد به إبدال خواتيم الآي، فيجعل مكان غفور رحيم، سميع بصير، ما لم يبدل آية رحمة بعذاب أو عكسه. الثامن: المراد من سبعة أحرف الحروف والأسماء والأفعال المؤلفة من الحروف التي ينتظم منها كلمة، فيقرأ على سبعة أحرف نحو: عبد الطاغوت ونرتع ونلعب، قرىء على سبعة أوجه. التاسع: هي سبعة أوجه من المعاني المتفقة المتقاربة نحو: أقبل وتعال وهلم، وعن مالك إجازة القراءة بما ذكر عن عمر، رضي الله تعالى عنه، فامضوا إلى ذكر الله، قيل: أراد به أنه لا بأس بقراءته على المنبر - كما فعل عمر - ليبين أن المراد به الجري. العاشر: أن المراد بالسبعة: الإمالة والفتح والترقيق والتفخيم والهمز والتسهيل والإدغام والإظهار. وقال بعض المتأخرين: تدبرت وجوه الاختلاف في القرآآت فوجدتها سبعة: منها: ما تتغير حركته ويبقى معناه وصورته مثل: هن أطهر لكم وأطهر. ومنها: ما يتغير معناه ويزول بالإعراب ولا تتغير صورته مثل: ربنا باعد وبعد. ومنها: ما يتغير معناه بالحروف ولا يختلف بالإعراب ولا تتغير صورته نحو: ننشرها وننشزها. ومنها: ما تتغير صورته دون معناه: كالعهن المنفوش، قرأ سعيد بن جبير: كالصوف. ومنها: ما تتغير صورته ومعناه مثل: طلح منضود، قرأ علي، رضي الله تعالى عنه: وطلع. ومنها: التقديم والتأخير، مثل: وجاءت سكرة الموت بالحق، قرأ أبو بكر وطلحة، رضي الله تعالى عنهما: وجاءت سكرة الحق بالموت. ومنها: الزيادة والنقصان، مثل: تسع وتسعون نعجة أنثى، في قراءة ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه. وقال القاضي عياض: قيل السبعة توسعة وتسهيل لم يقصد به الحصر، وقال الأكثرون: هو حصر العدد في السبعة، قيل: هي في صورة التلاوة وكيفية النطق من إدغام وإظهار وتفخيم وترقيق ومد وإمالة، ليقرأ كل بما يوافق لغته ويسهل على لسانه، أي: كما لا يكلف القرشي الهمز، واليمني تركه، والأسدي فتح حرف المضارعة، وقال ابن أبي صفرة: هذه ٣٦٤ ٤٤ - كِتَابُ الْخُصوماتِ / باب (٥) السبع إنما شرعت من حرف واحد من السبعة المذكورة في الحديث، وهو الذي جمع عليه عثمان، رضي الله تعالى عنه. ذكر ما يستفاد منه: فيه: انقياد هشام لعلمه أن عمر، رضي الله تعالى عنه، لم يرد إلاَّ خيراً. وفيه: ما كان عليه عمر، رضي الله تعالى عنه، من الصلابة، وكان هشام من أصلب الناس بعده، وكان عمر، رضي الله تعالى عنه، إذا كره شيئاً يقول: لا يكون هذا ما بقيت أنا وهشام بن حكيم. وفيه: مشروعية القراءة بما تيسر عليه دون أن يتكلف، وهو معنى قول النبي عَِّ في آخر الحديث: ((فاقرأوا ما تيسر منه))، أي: ما تيسر لكم من القرآن حفظه. ٥ - بابُ إخْرَاجِ أهلِ الْمَعَاصِي والخُصُومِ مِنَ الْبُيُوتِ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ أي: هذا باب في بيان جواز إخراج أهل المعاصي ... إلى آخره. قوله: ((بعد المعرفة))، أي: بعد العرفان بأحوالهم، وهذا على سبيل التأديب لهم والزجر عن ارتكاب ما لم يجزه الشرع. وقدْ أخْرَجَ عُمَرُ رضي الله تعالى عنهُ أُخْتَ أبِي بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهُ حِينَ ناحَتْ أي: أخرج عمر بن الخطاب أخت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وهي: أم فروة، وهذا التعليق وصله ابن سعد في (الطبقات الكبير): أنبأنا عثمان بن عمر أنبأنا يونس بن يزيد عن الزهري عن سعيد بن المسيب، قال: لما توفي أبو بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، أقامت عائشة عليه النوح، فبلغ عمر فنهاهن فأبين أن ينتهين، فقال لهشام بن الوليد: أخرج إلى ابنة أبي قحافة، يعني: أم فروة، فعلاها بالدرة ضربات، فتفرق النوائح حين سمعن ذلك. وقال صاحب (التلويح): هذا منقطع فيما بين سعيد وعمر فينظر في جزم البخاري، ووصله إسحاق بن راهويه في مسنده من وجه آخر عن الزهري، وفيه: فجعل يخرجهن امرأة امرأة وهو يضربهن بالدرة. ٢٤٢٠/١٠ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قال حدَّثنا محمَّدُ بنُ أَبِي عَدِيّ عنْ شُعْبَةً عنْ سَعِيدٍ بِنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ محُمَيْدٍ بنِ عبْدِ الرَّحْمنِ عن أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه عن النبيّ عَ لَّهِ قَال لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلاةِ فتُقَامَ ثُمَّ أخالِفَ إلى مَنازِلِ قَوْمٍ لاَ يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ فَأَحَرِّقَ عَلَيْهِمْ. [انظر الحديث ٦٤٤ وطرفيه]. مطابقته للترجمة من حيث أن هؤلاء الذين لا يشهدون الصلاة لو أحرقت منازلهم عليهم لأسرعوا في الخروج، وهو لا يكون إلاَّ بإخراجهم من بيوتهم لكونهم أهل المعاصي بتركهم الجماعة، وقد مضى الحديث في كتاب الصلاة في: باب وجوب صلاة الجماعة، فإنه أخرجه هناك: عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ... إلى آخره بأتم منه، وأخرجه هنا: عن محمد بن بشار ... إلى آخره بأخصر منه. قوله: ((ثم أخالف))، يقال خالف إليه إذا أتى إليه وفيه أن العقوبة تتعدى إلى المال عن ٣٦٥ ٤٤ - كِتَابُ الْخُصوماتِ / باب (٦ و ٧) البدن، فإن حرق المنازل معاقبة في المال على عمل الأبدان، وفيه أن المعاقبة على الأمور التي لا حدود فيها موكولة إلى الإمام. ٦ - بابُ دَعْوَى الْوَصِيِّ لِلْمَيَّتِ أي: هذا باب في بيان حكم دعوى الوصي للميت أي: لأجله في الحقوق منها " الاستلحاق في النسب وحديث الباب فيه. ٢٤٢١/١١ _ حدَّثنا عبدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا سُفْيانُ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنهُما أَنْ عَبْدَ بنَ زَمْعَةَ وسَعْدَ بنَ أبِي وقَّاصٍ رضي الله تعالى عنهُ اخْتَصَما إلى النبيِّ عَّهِ فِي ابْنِ أَمَّةٍ زَمْعَةَ فقال سَعْدٌ يا رسولَ الله أوْصَانِي أَخِي إذَا قَدِمْتُ أَنْظُرَ ابنَ أمَةِ زَمْعَةَ فأقْبِضَهُ فإنَّهُ ابني وقال عبْدُ بنُ زَمْعَةَ أَخِي وابنُ أمَةٍ أَبِي وُلِدَ على فِرَاش أَبِي فَرَأَى النبيُّ عَ لَّهِ شِبَهَا بَيِّناً بِعُتْبَةَ فقال هُوَ لَكَ يا عبْدُ بنُ زَمْعَةَ الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ واحْتَجِبِي منْهُ يا سَوْدَةُ. [انظر الحديث ٢٠٥٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((أوصاني أخي فلينظر فيه)) والحديث مضى في أوائل كتاب البيوع في: باب تفسير المشبهات، فإنه أخرجه هناك: عن يحيى بن قزعة عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ... إلى آخره، وهنا أخرجه: عن عبد الله بن محمد البخاري المعروف بالمسندي عن سفيان بن عيينة عن محمد بن مسلم الزهري ... إلى آخره. قوله: ((ان عبد بن زمعة))، لفظ عبد - خلاف الحر - هو ابن لزمعة، بفتح الزاي والميم والعين المهملة: ابن قيس العامري الصحابي. قوله: ((اختصما))، كانت خصومتهما عام الفتح. قوله: ((أوصاني أخي)) أخوه هو عتبة بن أبي وقاص، اختلفوا في إسلامه، وهو الذي شج رسول الله عَّه وكسر رباعيته يوم أحد. قوله: ((إذا قدمت))، أي: مكة. قوله: ((أن أنظر ابن أمة زمعة))، هذا الابن المختصم فيه اسمه: عبد الرحمن، صحابي. قوله: ((شبهاً بيناً بعتبة))، هو عتبة بن أبي وقاص، وقد حكم، عَّلّ، هنا بأن الولد للفراش، ولم يحكم فيه بالشبه وهو حجة قوية للحنفية في منع الحكم بالقائف، وإنما قال لسودة بنت زمعة، وهي زوج النبي، عَُّله: احتجبي منه، أي من ابن أمة زمعة، تورعاً للمشابهة الظاهرة بين ابن أمة زمعة، وعتبة، والله أعلم. ٧ - بابُ التَّوَتُقِ مِمَّنْ تُخْشَى مَعَرَّتُهُ أي: هذا باب في بيان مشروعية التوثق ممن يخشى معرته، بفتح الميم والعين المهملة وتشديد الراء: وهي الفساد والعبث، وقال ابن الأثير: المعرة: الأمر القبيح المكروه والأذى، وهي مفعلة من العر. وفي (المغرب) المعرة المساءة والأذى، مفعلة من العر وهو الحرب أو من عره إذا لطخه بالعرة وهي السرقين، والتوثق الإحكام، يقال: عقد وثيق أي: محكم، ووثق به وثاقة أي: ايتمنه وأوثقه ووثقه بالتشديد أي: أحكمه، وشده بالوثاق، أي: بالقيد، وهو بفتح الواو والكسر فيه لغة، ثم التوثق تارة يكون بالقيد وتارة يكون بالحبس، على ما يجيء إن شاء الله تعالى. ٣٦٦ ٤٤ - كِتابُ الْخُصوماتِ / باب (٧) وقَيَّدَ ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما عِكْرِمَةَ عَلَى تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ والسُّنُنِ وَالفَرَائِضِ عكرمة هو مولى عبد الله بن عباس، أصله من البربر من أهل الغرب كان لحصين بن أبي الحر العنبري، فوهبه لعبد الله بن عباس حين جاء والياً على البصرة لعلي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، روى عن جماعة من الصحابة وأكثر عن مولاه، وروى عنه إبراهيم النخعي، ومات قبله، والأعمش وقتادة والإمام أبو حنيفة وآخرون كثيرون، وعن عبد الرحمن ابن حسان: سمعت عكرمة يقول: طلبت العلم أربعين سنة وكنت أفتي بالباب وابن عباس في الدار، وعن الشعبي: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة، مات بالمدينة سنة خمس ومائة، وهو ابن ثمانين سنة. والتعليق المذكور وصله ابن سعد عن أحمد بن عبد الله بن يونس وعارم بن الفضل، قالا: حدثنا حماد بن زيد عن الزبير بن الخريت، بكسر الخاء المعجمة وتشديد الراء، عن عكرمة، قال: كان ابن عباس يجعل في رجلي الكبل يعلمني القرآن ويعلمني السنة، والكبل: بفتح الكاف وسكون الباء الموحدة وفي آخره لام: وهو القید. ١٢/ ٢٤٢٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ سَعِيدِ بنِ أبِي سعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ يَقولُ بعَثَ النبيُّ عَ لَّهِ خَيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ فَجاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةً يُقالُ لَهُ ثُمامَةُ بنُ أُتالٍ سَيِّدُ أهْلِ الْيَمَامَةِ فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ رسولُ اللهِ عَ لَِّ قال ما عِنْدَكَ يا ثَمامَةُقال عِنْدِي يا مُحَمَّدُ خَيْرٌ فِذَكَرَ الْحَدِيثَ قال أَطْلقوا ثَمامَةَ. [انظر الحديث ٤٦٢ وأطرافه]. أي: مطابقته للترجمة في قوله: ((فربطوه في سارية))، وذلك كان للتوثق خوفاً من معرته، والحديث مضى في كتاب الصلاة في: باب الاغتسال إذا أسلم، وربط الأسير أيضاً في المسجد، فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف عن الليث عن سعيد بن أبي سعيد أنه سمع أبا هريرة ... إلى آخره. وأخرجه أيضاً هناك في: باب دخول المشرك المسجد، بهذا الإسناد عن قتيبة عن الليث عن سعيد بن أبي سعيد هو المقبري. قوله: ((خيلاً)، أي: ركبانا. قوله: ((قبل نجد))، بكسر القاف وفتح الباء الموحدة أي: جهة نجد، ومقابلها. قوله: ((ثمامة))، بضم الثاء المثلثة وتخفيف الميمين. و: ((أثال)) بضم الهمزة وتخفيف الثاء المثلثة وبلام مصروفاً. قوله: ((اليمامة))، بفتح الياء آخر الحروف وتخفيف الميمين: مدينة من اليمن على مرحلتين من الطائف. قوله: ((فذكر الحديث)) أي: بتمامه وطوله، وسيأتي في كتاب المغازي، إن شاء الله تعالى. قوله: ((أطلقوا)) أمر من الإطلاق. وفيه: الأمر بالتوثق بالقيد وبالحبس أيضاً، وقد روي أن علياً، رضي الله تعالى عنه، كان يحبس في الدين، وروى معمر عن أيوب عن ابن سيرين، قال: كان شريح إذا قضى على رجل أمر بحبسه في المسجد إلى أن يقوم، فإن أعطي حقه، وإلا أمر به إلى السجن، وقال ٣٦٧ ٤٤ - كِتابُ الْخُصوماتِ / باب (٨) طاوس: إذا لم يقر الرجل بالحكم حبس، وروى معمر عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: أن رسول الله عَّ حبس رجلاً في تهمة، وحديث ثمامة أصل في هذا الباب، والله أعلم بالصواب. ٨ - بابُ الرَّبْطِ والْحَبْسِ في الْحَرَمِ أي: هذا باب في بيان مشروعية ربط الغريم وحبسه في الحرم، وفيه رد على طاوس حيث كره السجن بمكة، فروى ابن أبي شيبة من طريق قيس بن سعد عن طاوس: أنه كان يكره السجن بمكة ويقول: لا ينبغي لبيت عذاب أن يكون في بيت رحمة. قلت: هذا نظر مليح، ولكن العمل على خلافه. واشْتَرَى نافِعُ بنُ عَبْدِ الْحَارِثِ داراً لِلْسِّجْنٍ ◌ِمَكّةَ مِنْ صَفْوَانَ بنِ أُمَيَّةَ علَى أَنَّ عُمَرَ إِنْ رَضِيَ فالْبَيْعُ بَيْعُهُ وإِنْ لَمْ يَرْضَ عُمَرُ فِلِصَفْوانَ أَزْبَعُمَائَةٍ نافع بن عبد الحارث الخزاعي من فضلاء الصحابة، استعمله عمر، رضي الله تعالى عنه، على مكة، وكان من جملة عمال عمر، رضي الله تعالى عنه، وصفوان بن أمية الجمحي المكي الصحابي، وهذا التعليق وصله عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي من طرق: عن عمرو بن دينار عن عبد الرحمن بن فروخ به، وليس لنافع بن عبد الحارث ولا لصفوان في البخاري سوى هذا الموضع. ذكر معناه: قوله: ((للسجن)) بفتح السين: مصدر من: سجن يسجن، من: باب نصر ينصر، سجناً بالفتح، والسجن بالكسر واحد السجون. قوله: ((على أن عمر)) كلمة: على، دخلت على: أن، الشرطية نظراً إلى المعنى، كأنه قال: على هذا الشرط، فاعترض بأن البيع بمثل هذا الشرط فاسد. وأجيب: بأنه لم يكن داخلاً في نفس العقد، بل هو وعد، أو هو مما يقتضيه العقد، أو كان بيعاً بشرط الخيار لعمر، رضي الله تعالى عنه، أو إنه كان وكيلاً لعمر، وللوكيل أن يأخذ لنفسه إذا رده الموكل بالعيب ونحوه. وقال المهلب: اشتراها نافع من صفوان للسجن، وشرط عليه: إن رضي عمر بالابتياع فهي لعمر، وإن لم يرض فلك بالثمن المذكور النافع، بأربع مائة وهذا بيع جائز. قوله: وإن لم يرض عمر فلصفوان أربعمائة أي وإن لم يرض عمر بالابتياع المذكور يكون لصفوان أربعمائة في مقابلة الانتفاع بتلك الدار إلى أن عود الجواب من عمر، رضي الله تعالى عنه، ولا يظن أن هذه الأربعمائة هي الثمن، لأن الثمن كان أربعة آلاف. فإن قلت: هذه الأربعة آلاف دراهم أو دنانير؟ قلت: يحتمل كلاًّ منهما، ولكن الظاهر أنه دراهم، وكانت من بيت مال المسلمين وبعيد أن عمر، رضي الله تعالى عنه، يشتري داراً للسجن بأربعة آلاف دينار؟ لشدة احترازه على بيت المال. وسَجَنَ ابنُ الزُّبَيْرِ بِكَّةَ أي: سجن عبد الله بن الزبير بمكة أيام ولايته عليها، ومفعول: سجن، محذوف تقديره: سجن المديون ونحوه، وحذف للعلم به، وهذا التعليق ذكره ابن سعد من طريق ضعيف عن ٣٦٨ ٤٤ - كِتَابُ الْخُصوماتِ / باب (٩) محمد بن عمر: حدثنا ربيعة بن عثمان وغيره عن سعد بن محمد بن جبير والحسين بن الحسن بن عطية العوفي عن أبيه عن جده ... فذكره. ١٣/ ٢٤٢٣ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال حدَّثنا اللَّيْثُ قال حدَّثني سَعِيدُ بنُ أبي سَعيد قال سَمِعَ أبا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال بَعَثَ النبيُّ عَُّلِ خَيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ فَجاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةً يُقالُ لَهُ ثُمَامَةُ بِنُ أَثَالٍ فِرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوارِيَ الْمَسْجِدِ. [انظر الحديث ٤٦٢ وأطرافه]. مضى هذا الحديث في الباب السابق بأتم منه، فإنه أخرجه هناك: عن قتيبة عن الليث، وههنا: عن عبد الله بن يوسف عن الليث، ومطابقته للترجمة في قوله: ((فربطوه بسارية من سواري المسجد)) أي: مسجد المدينة، قال المهلب: السنة في مثل قضية ثمامة أن يقتل أو يستعبد أو يفادى به، أو يمنَّ عليه، فحبسه النبي، عَّله، حتى يرى الوجوه أصلح للمسلمين في أمره. ٩ - بابُ الْمُلاَزَمَةِ أي: هذا باب في بيان مشروعية ملازمة الدائن مديونه، وفي بعض النسخ: باب في الملازمة، ووقع في رواية الأصيلي وكريمة قبل قوله: باب الملازمة: بسم الله الرحمن الرحيم: باب الملازمة، وسقطت في رواية الباقين. ١٤ / ٢٤٢٤ - حدَّثنا يَخيَى بنُ بُكَيْرٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ قال حدَّثني جَعْفَر بنُ رَبِيعَةً وقال غَيْرُهُ حدَّثني اللَّيْثُ قال حدَّثني جَعْفَرُ بنُّ رَبِيعَةَ عنْ عبدِ الرَّحْمنِ بنِ هُرْمُزَ عنْ عَبْدِ الله بنِ كَعْبٍ بنِ مالِكِ الأنْصَارِيِّ عنْ كَعْبٍ بنِ مالِكِ رضي الله تعالى عنه أَنَّهُ كانَ لَهُ عَلَى عَبْدٍ الله بنِ أبِي حَدْرَدٍ الأَسْلَمِيِّ دئْنٌ فَلَفِيَهُ فَزِمَهُ فَتَكَلَّمَا حتَّى ارْتَفَعَتْ أصْوَاتُهُمَا فَمَرَّ بِهِما النبيُّ عَّلِ فقال يا كَعْبُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ كأَنَّهُ يَقولُ النَّصْفَ فأخذَ نِصْفَ ما علَيْهِ وتَرَكَ نِصْفاً. [انظر الحديث ٤٥٧ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فلزمه)) أي: فلزم كعب بن مالك عبد الله بن أبي حدرد، ولم ينكر عليه النبي، عَّله، حين وقف عليهما وأمر كعباً بحط النصف، وقد مر هذا الحديث في: باب التقاضي والملازمة في المسجد. قوله: ((وقال غيره) أي: غير يحيى قال: حدثني الليث، قال: حدثني جعفر بن ربيعة. والفرق بين الطريقين: أن الأول: روى بعن. والثاني بلفظ: حدثني جعفر بن ربيعة. وفيه: جواز ملازمة الغريم لأنه عَّ لّ لم ينكر على كعب ملازمته لغريمه كما ذكرنا، واختلفوا في ملازمته المعدم: هل يلازمه بعد ثبوت الإعدام وانطلاقه من الحبس، فعند أبي حنيفة له أن يلازمه ويأخذ فضل كسبه ويقاسمه أصحاب الديون إن كان عليه الجماعة، وعند أبي يوسف ومحمد: يحال بينه وبين غرمائه إلاَّ أن يقيموا البينة أن له مالاً. ٣٦٩ ٤٤ - كِتابُ الْخُصوماتِ / باب (١٠) ١٠ - بابُ التَّقَاضِي أي: هذا باب في بيان تقاضي الدين، أي: مطالبته. ١٥/ ٢٤٢٥ - حدَّثنا إسْحقُ قال حدَّثنا وَهْبُ بنُ جَرِيرِ بنِ حازِمٍ قال أخبرنا شُعْبَةُ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبي الْضُحى عنْ مَشْرُوقٍ عنْ خَبَّابٍ قال كُنْتُ قَيْناً في الْجَاهِلِيَّةِ وكانَ لِي عَلَى العاصِ بنِ وائِلِ دَرَاهِمَ فَأَتَيْتُهُ أَتَقاضاهُ فقال لاَ أَقْضِينَّكَ حتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ فَقُلْتُ لاَ والله لاَ أَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ عََّهِ حَتَّى يُمِيتُكَ اللّهِ ثُمَّ يَبْعَثُكَ قال فَدَعْنِي جِتَّى أَمُوتَ ثُمَّ أُبْعَثَ فَأُوْثَى مَالاَ وولَداً ثُمَّ أَقْضِيكَ فَنَزَّلَتْ ﴿أَفَرَأْيِتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنا وقالَ لأُوتِيَن مالاً وولَداً﴾ [مريم: ٧٧] الآية. [انظر الحديث ٢٠٩١ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فأتيته أتقاضاه)، وقد مضى هذا الحديث في كتاب البيوع في: باب ذكر القين والحداد، فإنه أخرجه هناك: عن محمد بن بشار عن ابن أبي عدي عن شبعة عن سليمان عن أبي الضحى ... إلى آخره، وهنا أخرجه: عن إسحاق هو ابن راهويه عن وهب بن جرير بن حازم الأزدي البصري عن شعبة عن سليمان الأعمش عن أبي الضحى مسلم بن صبيح الكوفي عن مسروق بن الأجدع الكوفي عن خباب بن الأرت. قوله: ((قينا))، القين: الحداد. قوله: ((أقضيك))، من القضاء، ويروى: أقبضك، من الإقباض. عمدة القاري/ ج١٢ م٢٤ بِسم الله الرحمنِ الرَّحِيمِ ٤٥ - كتابٌ في اللُّقْطَّةِ أي: هذا كتاب في بيان أحكام اللقطة، هكذا وقع للمستملي والنسفي: كتاب في اللقطة، وكذا وقع في رواية ابن التين وابن بطال. وتبعهما على ذلك صاحب (التلويح)، وفي رواية الباقين: بسم الله الرحمن الرحيم: باب إذا أخبر رب اللقطة بالعلامة دفع إليه، على ما يجيء. واللقطة، بضم اللام وفتح القاف: اسم للمال الملتقط. قال بعض شراح كتب الحنفية: إن هذا اسم الفاعل للمبالغة، وبسكون القاف اسم مفعول، كالضحكة، ومعنى المبالغة فيه لزيادة معنى اختص به، وهو أن كل من رآها يميل إلى رفعها، فكأنها تأمره بالرفع لأنها حاملة إليه، فأسند إليها مجازاً، فجعلت كأنها هي التي رفعت نفسها، ونظيره قولهم: ناقة حلوب، ودابة ركوب وهو اسم فاعل سميت بذلك لأن من رآها يرغب في الحلب والركوب، فنزلت كأنها أحلبت نفسها وأركبت نفسها. قلت: فيه تعسف وليس كذلك، بل اللقطة سواء كان بفتح القاف أو سكونها اسم موضوع على هذه الصيغة للمال الملتقط، وليس هذا مثل الضحكة، ولا مثل ناقة حلوب ودابة ركوب، لأن هذه صفات تدل على الحدوث والتجدد، غير أن الأول للمبالغة في وصف الفاعل أو المفعول، والثاني والثالث بمعنى المفعول للمبالغة. وقال ابن سيده: اللَقطة واللُقطة واللِقاطة: ما التقط وفي (الجامع): اللقطة ما التقطه الإنسان فاحتاج إلى تعريفه. وفي (التلويح): وقيل: اللقطة هو الرجل الذي يلتقط، واسم الموجود: لقطة، وعن الأصمعي وابن الأعرابي والفراء، بفتح القاف: اسم المال. وعن الخليل هي بالفتح اسم الملتقط كسائر ما جاء على هذا الوزن يكون اسم الفاعل كهمزة ولمزة، وبسكون القاف اسم المال الملقوط. قال الأزهري: هذا قياس اللغة ولكن كلام العرب في اللغة على غير القياس، فإن الرواة أجمعوا على أن اللقطة يعني، بالفتح: اسم للشيء الملتقط، والالتقاط العثور على الشيء من غير قصد وطلب، وفي (أدب الكتاب) تسكين القاف من لحن العامة، ورد عليه بما ذكرنا عن الخليل، وقال النووي: ويقال لها أيضاً لقاطة، بالضم ولقط بفتح القاف واللام بلا هاء. ١ - بابٌ إِذَا أخبرهُ رَبُّ اللّقْطَةِ بِالعَلَامَةِ دَفَعَ إِلَيْهِ أي: هذا باب يذكر فيه إذا أخبر إلى آخره، وأخبر على صيغة المعلوم. قوله: ((رب اللقطة)) بالرفع لأنه فاعل: أخبر، قوله: دفع، على صيغة المعلوم أيضاً أي: دفع الملتقط اللقطة إلى ربها، وفي بعض النسخ إذا أخبره، بالضمير المنصوب، أي: إذا أخبر الملتقط رب اللقطة بالعلامة دفع إليه. ٢٤٢٦/١ _ حدَّثنا آدَمُ قال حدَّثنا شُعْبَةُ وحدَّثني مُحمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قال حدَّثنا غُنْدَرّ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ سَلَمَةَ سَمِعْتُ سُوئِدَ بْنَ غَفَلَةَ قال لَقِيتُ أَبَيَّ بنَ كَعْبٍ رضي الله تعالى عنه فقال أخَذْتُ صُرَّةً مِائَةَ دِينارٍ فَأَتَيْتُ النبيَّ عَ لِّ فقال عَرَّفْهَا حَوْلاً فعرَّفْتُهَا حَوْلَها فَلَمْ أَجِدْ ٣٧٠ ٣٧١ ٤٥ - كتابٌ فِي اللَّقْطَةِ / باب (١) مَنْ يَعْرِفُها ثُمَّ أَتَيْتُهُ فقال عرّفْهَا حَوْلاً فعَرَّفْتُها فَلَمْ أجِدْ ثُمَّ أَتَيْتُهُ ثَلاثاً فقال اخفَظْ وِعاءَهَا وعدَدَها وَوِكَاءَها فإنْ جاءَ صاحِبُها وإلاَّ فاسْتَمْتِغْ بِهَا فاسْتَمْتَغْتُ فَلَقِيتُهُ بَعْدُ بِمَكَّةَ فقال لا أدْرِي ثَلاثَةَ أَحْوَالٍ أوْ حَوْلاً واحِداً. [الحديث ٢٤٢٦ - طرفه في: ٢٤٣٧]. ليس في هذا الحديث ما يشعر صريحاً على الترجمة، اللهم إلا إذا قيل: وقع في بعض طرق هذا الحديث ما يشعر على الترجمة، فكأنه أشار إلى ذلك وهو في رواية مسلم، فإنه روى هذا الحديث مطولاً بطرق متعددة، وفي بعضها، قال: فإن جاء أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها فأعطها إياه. فإن قلت: قال أبو داود: هذه زيادة زادها حماد بن سلمة، وهي غير محفوظة. قلت: ليس كذلك، بل هي محفوظة صحيحة، فإن سفيان وزيد بن أبي أيسة وافقا حماد بن سلمة في هذه الزيادة في رواية مسلم، وكذلك سفيان في رواية الترمذي، حيث قال: حدثنا الحسن بن علي الخلال حدثنا يزيد بن هارون وعبد الله بن نمير عن سفيان عن سلمة بن كهيل عن سويد بن غفلة ... الحديث، وفيه: وقال إحصٍ عدتها ووعاءها ووكاءها، فإن جاء طالبها فأخبرك بعدتها ووعائها ووكائها فادفعها إليه، وإلاّ فاستمتع بها. ذكر رجاله: وهم سبعة، لأنه أخرجه من طريقين الأول: عن آدم بن أبي إياس عن شعبة بن الحجاج عن سلمة بن كهيل - بضم الكاف - عن سويد - بضم السين المهملة - ابن غفلة، بالغين المعجمة والفاء واللام مفتوحات: الجعفي الكوفي أدرك الجاهلية ثم أسلم ولم يهاجر. مات سنة ثمانين وله مائة وعشرون سنة، وقيل: إنه صحابي، والأول أصح، وروى عنه أنه قال: أنا لدة رسول الله عَّةٍ ولدت عام الفيل، قدم المدينة حين نفضت الأيدي من دفن رسول الله عَّهِ، وقد روي عنه أنه صلى مع النبي عَّهِ والأول أثبت. الطريق الثاني: عن محمد بن بشار عن غندر، وهو محمد بن جعفر عن شعبة ... إلى آخره، وهذا أنزل، ولم يسق المتن إلاَّ على النازل، وأخرجه البخاري أيضاً عن عبدان، واسمه عبد الله بن عثمان وعن سليمان بن حرب فرقهما. وأخرجه مسلم في اللقطة أيضاً عن أبي بكر بن نافع وبندار، كلاهما عن غندر به، وعن عبد الرحمن بن بشر وعن أبي بكر بن أبي شيبة وعن محمد بن عبد الله نمير وعن محمد بن حاتم وعن عبد الرحمن بن بشر. وأخرجه أبو داود في عن محمد بن كثير عن شعبة به وعن مسدد بن مسرهد وعن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة به. وأخرجه الترمذي في الأحكام عن الحسن بن علي الخلال، وقد ذكرناه الآن. وأخرجه النسائي في اللقطة عن محمد بن قدامة وعن محمد بن عبد الأعلى وعن عمرو بن علي الفلاس وعن عمرو بن يزيد وعن عمرو بن علي. وأخرجه ابن ماجه في الأحكام عن علي بن محمد الطنافسي عن وكيع. ذكر من أخرجه، وغيره من أحاديث هذا الباب: ولما روى الترمذي هذا الحديث، قال: وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، والجارود بن المعلى، وعياض بن حماد، وجرير بن عبد الله. قلت: وفي الباب عن عمر بن الخطاب، وأبي سعيد الخدري، وسهل بن سعد، وأبي هريرة، وجابر، وعبد الله بن الشخير، ويعلى بن مرة، وسويد بن أبي عقبة، وزيد بن ٣٧٢ ٤٥ - كتابٌ في اللَّقْطَةِ / باب (١) خالد، وعائشة، ورجل من الصحابة، والمقداد. أما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أبو داود من رواية ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله، عٍَّ، أنه سئل عن التمر المعلق ... الحديث، وفيه: سئل عن اللقطة، فقال: ما كان فيها في طريق الميتاء والقرية الجامعة فعرفها سنة، فإن جاء طالبها فادفعها إليه، فإن لم يأت فهي لك، وما كان في الخراب ففيها وفي الركاز الخمس، ورواه النسائي أيضاً. قوله: ((الميتاء))، بكسر الميم: الطريق المسلوك على وزن: مفعال، من الإتيان، والميم زائدة وبابه الهمزة. وأما حديث الجارود بن معلى فأخرجه النسائي عنه، ((قال: أتينا النبي، عَّ، ونحن على إبل عجاف، فقلنا إنا نمر بموضع قد سماه، فنجد إبلاً فتركبها. قال: ضالة المسلم حرق النار)). وله حديث آخر رواه أحمد، وفيه: ((فإن وجدت ربها فادفعها إليه وإلاَّ فمال الله يؤتيه من يشاء)). وأما حديث عياض بن حماد فأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه عنه، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((من وجد لقطة فليشهد ذوا عدل ولا يكتم ولا يغب، فإن وجد صاحبها فليردها عليه وإلاّ فهو مال الله)). وأما حديث جرير بن عبد الله فرواه أبو داود عنه، ولفظه: ((لا يؤوي الضالة إلاَّ ضال))، ورواه النسائي وابن ماجه أيضاً. وأما حديث عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، فرواه أبو داود عنه، ولفظه: ((عرفها سنة)). وأما حديث أبي سعيد الخدري فرواه أبو داود أيضاً مطولاً فينظر في موضعه. وأما حديث سهل بن سعد فرواه أبو داود أيضاً مطولاً ينظر في موضعه. وأما حديث أبي هريرة فرواه الطبراني عنه: أن رسول الله عَّ له قال: ((لا تحل اللقطة من التقط شيئاً فليعرفه، فإن جاء صاحبها فليردها إليه، فإن لم يأت فليتصدق بها فإن جاء فليخيره بين الأجر وبين الذي له))، ولأبي هريرة حديث آخر رواه البزار. وأما حديث جابر فرواه أبو داود عنه، قال: رخص لنا رسول الله عَّعليم في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به. وأما حديث عبد الله بن الشخير فرواه ابن ماجه عنه، قال: قال رسول الله عٍَّ: ((ضالة المسلم حرق النار)). وأما حديث يعلى بن مرة فرواه أحمد في (مسنده) عنه قال: قال رسول الله عَ لّهِ: ((من التقط لقطة يسيرة، درهماً أو حبلاً أو شبه ذلك، فليعرفه ثلاثة أيام، وإن كان فوق ذلك فليعرفه ستة أيام. وأما حديث سويد فرواه ابن قانع في (معجمه) عنه، قال: سألت رسول الله عَِّ عن اللقطة، فقال: عرفها سنة فإن جاء صاجبها فأدها إليه وإلا فأوثق صرارها ووكاءها، فإن جاء صاحبها فأدها إليه، وإلاَّ فشأنك بها، وسماه ابن قانع: سويد بن عقبة الجهني، وقال ابن عبد البر في (الاستيعاب): سويد أبو عقبة الأنصاري، وقال: حديثه في اللقطة صحيح. وأما حديث زيد بن خالد فرواه الأئمة الستة على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى. وأما حديث عائشة فرواه سعيد بن منصور عنها: أنها كانت ترخص للمسافر أن يلتقط السوط والعصا والإدارة والنعلين والمزود، والظاهر أنه محمول على السماع، وعن أم سلمة مثله. وأما الحديث عن رجل من الصحابة فرواه النسائي عنه عن النبي عَّ له: ((أنه سئل عن ٣٧٣ ٤٥ - كتابٌ فِي اللُّقْطَةِ / باب (١) الضالة؟ فقال: اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها ثلاثة أيام على باب المسجد، فإن جاء صاحبها وإلاَّ فشأنك بها)). وأما حديث المقداد فرواه ابن ماجه، عنه أنه دخل خربة فخرج جرذ ومعه دينار، ثم آخر حتى أخرج سبعة عشر ديناراً فأخبر النبي عَّالَِّ خبرها، فقال: لا صدقة فيها، بارك الله لك فيها. ذكر معناه: قوله: ((أخذت))، هكذا رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي: أصبت، وفي رواية الكشميهني: وجدت. قوله: ((مائة دينار)) نصب على أنه بدل من: صرة، ويجوز الرفع على تقدير: فيها مائة دينار. قوله: ((فعرفها)) - بالتشديد - أمر من التعريف، وهو أن ينادي في الموضع الذي لقاها فيه وفي الأسواق والشوارع والمساجد، ويقول: من ضاع له شيء فليطلبه عندي. قوله: ((فعرفتها أيضاً))، بالتشديد من التعريف، و: ((حولاً)) نصب على الظرف. قوله: ((من يعرفها)) بالتخفيف من عرف يعرف معرفة وعرفاناً. قوله: ((ثم أتيته ثلاثاً)، أي: ثلاث مرات، المعنى: أنه أتى ثلاث مرات، وليس معناه أنه أتى بعد المرتين الأوليين ثلاث مرات، وإن كان ظاهر الكلام يقتضي ذلك لأن: ثم إذا تخلفت عن معنى التشريك في الحكم والترتيب والمهلة تكون زائدة فلا تكون عاطفة البتة قاله الأخفش والكوفيون وحملوا على ذلك قوله تعالى: ﴿حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلاّ إليه ثم تاب عليهم﴾ [التوبة: ١١٨]. ويوضح ما ذكرنا رواية مسلم، فقال: أي: أبي بن كعب: ((إني وجدت صرة فيها مائة دينار على عهد رسول الله ◌َِّ، فقال: عرفها حولاً. قال: فعرفتها فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته، فقال: عرفها حولاً، فعرفتها فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته فقال: عرفها حولاً، فلم أجد من يعرفها، فقال: احفظ عددها .. )) الحديث. وقد اختلفت الروايات في هذا، ففي رواية: عرفها ثلاثاً، وفي أخرى: أو حولاً واحداً، وفي أخرى: في سنة أو في ثلاث سنين، وفي أخرى: عامين أو ثلاثة. وروى مسلم عن جماعة هذا الحديث، ثم قال: وفي حديثهم جميعاً ثلاثة أحوال إلاَّ حماد بن سلمة، فإن في حديثه: عامين أو ثلاثة. وقال المنذري: لم يقل أحد من أئمة الفتوى بظاهره من أن اللقطة تعرف ثلاثة أعوام إلاَّ رواية جاءت عن عمر، رضي الله تعالى عنه، وقد روى عن عمر أنها تعرف سنة مثل قول الجماعة، وفي الحاوي عن شواذ من الفقهاء أنها تعرف ثلاثة أحوال. وقال ابن المنذر عن عمر، رضي الله تعالى عنه: يعرفها ثلاثة أشهر. قال: وروينا عنه: ثلاثة أيام، ثم يعرفها سنة، وزعم ابن الجوزي أن رواية الثلاثة أحوال: إما أن يكون غلطاً من بعض الرواة، وإما أن يكون المعرف عرفها تعريفاً غير جيد كما قال للمسيء صلاته: إرجع فصل فإنك لم تصل، وذكر ابن حزم عن عمر بن الخطاب: يعرف اللقطة ثلاثة أشهر، وفي رواية: أربعة أشهر، وعن الثوري: الدرهم يعرف أربعة أيام. وقال صاحب (الهداية): إن كانت أقل من عشرة دراهم يعرفها أربعة، وإن كانت عشرة فصاعداً عرفها حولاً، وهذه رواية عن أبي حنيفة، وقدر محمد الحول من غير تفصيل بين القليل والكثير، وهو ظاهر المذهب، وفي (التوضيح): كذا قاله أبو ٣٧٤ ٤٥ - كتابٌ في اللُّقْطَةِ / باب (١) إسحاق في تنبيهه، والمذهب الفرق، فالكثير يعرف سنة، والقليل يعرف مدة يغلب على الظن قلة أسف صاحبه عليه، وممن روى عنه تعريف سنة: علي وابن عباس وسعيد بن المسيب والشعبي، وإليه ذهب مالك والكوفيون والشافعي وأحمد، ونقل الخطابي إجماع العلماء فيه، وقال ابن الجوزي: ابتداء الحول من يوم التعريف، لا من الأخذ. قوله: ((إحفظ وعاءها))، بكسر الواو وقد يضم وبالمد، وقرأ الحسن بالضم في قوله: وعاء أخيه، وقرأ سعيد بن جبير إعاء أخيه، بقلب الواو همزة مكسورة، والوعاء ما يجعل فيه الشيء سواء كان من جديدٍ أو خرق أو خشب أو غير ذلك، ويقال: الوعاء هو الذي يكون فيه النفقة، وقال ابن القاسم: هو الخرقة. قوله: ((ووكاءها))، بكسر الواو وبالمد، وهو الذي يشد به رأس الكيس، أو الصرة أو غيرها، ويقال: أوكيته إيكاءً، فهو موك، بلا همز. وزاد في حديث زيد بن خالد العقاص، كما يجيء عن قريب. قوله: ((فإن جاء صاحبها))، شرط جزاؤه محذوف، نحو: فارددها إليه. قوله: ((وإلاَّ)، أي: وإن لم يجيء صاحبها فاستمتع بها، استدل به قوم. وبقوله: ((فشأنك بها))، في حديث سويد الذي مضى: على أن بعد السنة يملك الملتقط اللقطة، وهذا خرق لإجماع أئمة الفتوى في أنه يردها بعد الحول أيضاً إذا جاء صاحبها، لأنها وديعة عنده، ولقوله، عَّ اله: فأدها إليه. قوله: ((فلقيته بعد بمكة))، القائل بقوله: لقيته، شعبة، والضمير المنصوب فيه يرجع إلى سلمة بن كهيل. قوله: ((بعد))، بضم الدال، أي: بعد ذلك. قوله: ((بمكة))، حال من الضمير المنصوب أي: حال كون سلمة بمكة، يعني: كان ملاقاة شعبة بسلمة في مكة، وقد أوضح ذلك مسلم في روايته حيث قال: قال شعبة: فسمعته بعد عشر سنين يقول: عرفها عاماً واحداً، وكذلك صرح بذلك أبو داود الطيالسي في (مسنده): يقال في آخر الحديث: قال شعبة: فلقيت سلمة بعد ذلك، فقال: لا أدري ثلاثة أحوال أو حولاً واحداً. وقال الكرماني: قوله: ((فلقيته))، أي: قال سويد: لقيت أبي بن كعب بعد ذلك بمكة، قلت: تبع في ذلك ابن بطال حيث قال: الذي شك فيه هو أبي بن كعب، والقائل هو سويد بن غفلة، ولكن يرد هذا ما ذكرناه عن مسلم والطيالسي. قوله: ((فقال: لا أدري)) أي: قال سلمة بن كهيل، وهو الشاك فيه، وعلى قول ابن بطال: الشاك هو أبي بن كعب، والسائل منه هو سويد بن غفلة، کما ذكرناه. ذكر ما يستفاد منه: فيه: التعريف بثلاثة أحوال، ولكن الشك فيه يوجب سقوط المشكوك، وهو الثلاثة. وقال ابن بطال: لم يقل أحد من أئمة الفتوى بظاهره بأن اللقطة تعرف ثلاثة أحوال، وقد بسطنا الكلام فيه عن قريب. وفيه: الأمر بحفظ ثلاثة أشياء: وهي الوعاء والعدد والوكاء، وإنما أمر بحفظ هذه الأشياء لوجوه من المصالح: منها: أن العادة جارية بإلقاء الوعاء والوكاء إذا فرغ من النفقة، وأمره بمعرفته وحفظه لذلك، ومنها: أنه إذا أمره بحفظ هذين فحفظ ما فيهما أولى. ومنها: أن يتميز عن ماله فلا يختلط به. ومنها: أن صاحبها إذا جاء بغتة فربما غلب على ظنه صدقه، فيجوز له الدفع إليه. ومنها: أنه إذا حفظ ذلك وعرفه ٣٧٥ ٤٥ - كتابٌ في اللُّغْطَةِ / باب (١) أمكنه التعريف لها والإشهاد عليه، وأمره، عَ لَّه، بحفظ هذه الأوصاف الثلاثة، هو على قول من يقول بمعرفة الأوصاف: يدفع إليه بغير بينة. وقال ابن القاسم: لا بد من ذكر جميعها، ولم يعتبر أصبغ العدد، وقول ابن القاسم أوضح، فإذا أتى بجميع الأوصاف، هل يحلف مع ذلك أو لا؟ قولان: النفي لابن القاسم وتحليفه لأشهب، ولا تلزمه بينة عند مالك، وأصحابه، وأحمد وداود، وهو قول البخاري، وبوب عليه بالباب المذكور، وبه قال الليث بن سعد أيضاً. وقال أبو حنيفة والشافعي، وأصحابهما: لا يجب الدفع إلاَّ بالبينة، وتأولوا الحديث على جواز الدفع بالوصف إذا صدقه على ذلك ولم يقم البينة، واستدل الشافعي على ذلك بقوله في الحديث الآخر: البينة على المدعي، وهذا مدعٍ، وقال الشافعي: ولو وصفها عشرة أنفس لا يجوز أن يقسم بينهم، ونحن نعلم أن كلهم كاذبون إلاَّ واحداً منهم غير معين، فيجوز أن يكون صادقاً، ويجوز أن يكون كاذباً، وأنهم عرفوا الوصف من الملتقط، ومن الذي ضاعت منه، وقال شيخنا زين: هذا معنى كلامه، وظاهر الحديث يدل لما قال مالك والليث وأحمد، والله أعلم. ولو أخبر طالب اللقطة بصفاتها المذكورة فصدقه الملتقط ودفعها إليه ثم جاء طالب آخر لها وأقام البينة على أنها ملكه، فقد اتفقوا على أنها تنتزع ممن أخذها أولاً بالوصف وتدفع للثاني لأن البينة أقوى من الوصف، فإن كان قد أتلفها ضمنها. واختلفوا: هل لمقيم البينة أن يضمن الملتقط؟ فقال الشافعي: له تضمينه لأنه دفعه لغير مالكه. وقالت المالكية: لا يضمن لأنه فعل ما أمره به الشارع. وقال ابن القاسم: يقسم بينهما كما يحكم في نفسين ادعيا شيئاً وأقاما بينة. وقال أصحابنا الحنفية: وإن دفعها بذكر العلامة ثم جاء آخر وأقام البينة بأنه له فإن كانت قائمة أخذها منه، وإن كانت هالكة يضمن أيهما شاء، ويرجع الملتقط على الأخذ إن ضمن، ولا يرجع الأخذ على أحد، وللملتقط أن يأخذ منه كفيلاً عند الدفع. وقيل: يخيّر، وإن دفعها إليه بتصديقه ثم أقام آخر بينة أنها له، فإن كانت قائمة أخذها منه، وإن كانت هالكة فإن كان دفع إليه بغير قضاء، فله أن يضمن أيهما شاء، فإن ضمن القابض فلا يرجع به على أحد، وإن ضمن الملتقط فله أن يرجع به على القابض، وللملتقط أن يأخذ به كفيلاً، وإن كان دفعها إليه بقضاء ضمن القابض، ولا يضمن الملتقط لأنه مقهور، وإن أقام الحاضر بينة أنها له فقضى بالدفع إليه، ثم حضر آخر وأقام بينة أنها له لم يضمن. : وفيه: الاستمتاع باللقطة إذا لم يجيء صاحبها واحتج بظاهره جماعة، وقالوا: يجوز الغني والفقير إذا عرفها حولاً أن يستمتع بها، وقد أخذها علي بن أبي طالب، وهو: يجوز له أخذ النفل دون الفرض، وأبي بن كعب وهو من مياسير الصحابة، وقال أبو حنيفة: إن كان غنياً لم يجز له الانتفاع بها، ويجوز إن كان فقيراً، ولا يتصدق بها على غني، ويتصدق بها على فقير أجنبياً كان أو قريباً منه، وكذا له أن يتصدق بها على أبويه وزوجته وولده إذا كانوا فقراء. فإن قلت: ظاهر الحديث حجة عليكم، لأنه، عَِّ، قال لأبي: فاستمتع بها. قال: فاستمتعت! قلت: هذا حكاية حال فلا تعم، ويجوز أنه عَ ليه عرف فقره أو كانت عليه ديون، ٣٧٦ ٤٥ - كتابٌ في اللُّقْطَةِ / باب (٢) ولئن سلمنا أنه كان غنياً، فقال له: استمتع بها، وذلك جائز عندنا من الإمام على سبيل العرض، ويحتمل أنه عَّ عرف أنه في مال حربي كافر. ثم لو ضاعت اللقطة قبل الحول فهل يضمن أو لا؟ فقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: إن كان حين أخذها أشهد عليه ليردها لم يضمن، وإلاّ ضمن، لحديث عياض بن حماد وقد ذكرناه وعن أبي يوسف: لا يشترط الإشهاد كما لو أخذها بإذن المالك، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد، وإن لم يشهد عليه عند الالتقاط وادعى أنه أخذها ليردها. وادعى صاحبها أنه أخذها لنفسه، فالقول لصاحبها، ويضمن الملتقط قيمتها عندهما. وقال أبو يوسف: القول قول الملتقط، فلا يضمن، وإذا لم يمكنه الإشهاد بأن لم يجد أحداً وقت الالتقاط، أو خاف من الظلمة عليها، فلا يضمن بالاتفاق. واختلف في ضياعها بعد الحول من غير تفريط، فالجمهور على عدم الضمان، ونقل ابن التين عن الشافعية: أنه إذا نوى تملكها ثم ضاعت ضمنها، وعند البعض: لا ضمان، ثم عند الشافعية: لا يحتاج في إنفاقها على نفسه إلى اختيار التمليك، بل إذا انقضت السنة دخلت في ملكه، يدل عليه ما في رواية النسائي: فإن لم يأت فهي لك. قال شيخنا: هذا وجه لأصحاب الشافعي، والصحيح عندهم: أنه لا بد من اختيار التملك قبل الإنفاق، وهو الذي صححه النووي، فقال: لا بد من اختيار التمليك لفظاً. وفيه: وجه آخر: أنه لا يملكها إلاَّ بالتصرف بالبيع ونحوه، ونقل ابن التين عن جميع فقهاء الأمصار أنه: ليس له أن يتملكها قبل السنة، ونقل عن داود أنه يأكلها ثم يضمنها. وفيه: دلالة على إبطال قول من يدعي علم الغيب بكهانة أو سحر، لأنه لو كان يُعلم شيء من الغيب بذلك لما ذكر رسول الله، عَّله، لصاحب اللقطة معرفة الأوصاف التي ذكرها فيه. ٢ - بابُ ضالَّةِ الإِلِ أي: هذا باب في بيان حكم التقاط ضالة الإبل، هل يجوز التقاطها أم لا؟ واكتفى بما في الحديث عن الجزم بالجواب، والمراد بالضالة هنا: الإبل والبقر مما يحمي نفسه ويقدر على الإبعاد في طلب المرعى والماء، وقيل: هي الضائعة في كل ما يقتنى من الحيوان وغيره، يقال: ضل الشيء إذا ضاع وضل عن الطريق إذا حار، والضالة في الأصل فاعلة، ثم اتسع فيها فصارت من الصفات الغالبة، ويقع على الذكر والأنثى والاثنين والجمع، ويجمع على: ضوال. ٢٤٢٧/٢ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَبَّاسٍ قال حدَّثنا عبدُ الرَّحْمنِ قال حدَّثنا سُفْيانُ عنْ رَبِيعَةً قال حدَّثني يَزِيدُ مَوْلَى الْمُنْتَعِثُ عَنْ زَيْدِ بنِ خالِدِ الْجُهَنِيِّ رضي الله تعالى عنهُ قال جَاءَ أغْرَابِي النبيَّ عَلِّ فِسَأْلَهُ عَمَّا يَلْتَقِطُهُ فقال عَرَّفْهَا سَنَةً ثُمَّ احْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا فإنْ جاءَ أحدٌ يُخْبِرُكَ بِها وإلاَّ فاسْتَثْفِقْها قال يا رسولَ الله فَضالَّةُ الغَنَم قالَ لَكَ أَوْ لِأَخيكَ أوْ لِلذِّئْبِ قال ضالَّةُ الْإِبِلِ فَتَمَعَّرَ وجْهُ النبيِّ عَّ ◌َلِّ فقال مالَكَ وَلَهَا معَها حِذَاؤُها وسِقَاؤُهَا تَرِدُ ٣٧٧ ٤٥ - كتابٌ في اللُّقْطَةِ / باب (٢) الماءَ وتَأْكُلُ الشَّجَرَ. [انظر الحديث ٩١ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((ضالة الإبل)) وقد مضى الحديث في كتاب العلم في: باب الغضب في الموعظة فإنه أخرجه هناك: عن عبد الله بن محمد عن أبي عامر عن سليمان بن بلال المديني عن ربيعة بن عبد الرحمن إلى آخره، وههنا أخرجه: عن عمرو بن عباس - بالباء الموحدة والسين المهملة - عن عبد الرحمن بن مهدي بن حسان عن سفيان الثوري عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن المعروف بالرأي - بسكون الهمزة - عن يزيد - من الزيادة - مولى المنبعث، وقد مضى الكلام فيه هناك مستقصّى. قوله: ((جاء أعرابي)) وفي رواية مالك عن ربيعة: جاء رجل، وفي رواية سليمان بن بلال المديني عن ربيعة: سأله رجل عن اللقطة، وقد مضى هذا في كتاب العلم، وفي رواية الترمذي: سئل عن اللقطة، وفي رواية مسلم: جاء رجل يسأله عن اللقطة، وفي رواية أخرى له: أن رجلاً سأل رسول الله عَِّ عن اللقطة، وفي رواية له: أتى رجلٌ رسولَ الله عَ لَّهِ، وأنا معه، فسأله عن اللقطة. وفي رواية أخرى مثل رواية الترمذي، وكذا في رواية للبخاري، وفي رواية له: جاء رجل إلى رسول الله عَّم فسأله عن اللقطة، وفي رواية حديث هذا الباب جاء أعرابي، وزعم ابن بشكوال: أن هذا السائل عن اللقطة هو بلال، رضي الله تعالى عنه، وعزاه لأبي داود، ورد عليه بعضهم بأنه ليس في نسخ أبي داود شيء من ذلك، وفيه بُعدّ أيضاً لأنه لا يوصف بأنه أعرابي. قلت: ابن بشكوال لم يصرح بأن الأعرابي الذي سأل هو بلال، رضي الله تعالى عنه، وإنما قال: السائل المذكور في رواية سليمان بن بلال، وهو قوله: سأله رجل، وفي رواية الترمذي: سئل النبي عَّه هو بلال ولفظ السائل أعم من الأعرابي وغيره، وبلال وغيره، وابن بشكوال أوضح السائل بأنه بلال، رضي الله تعالى عنه، فإنه كلام ليس فيه غبار، وليس فيه بعد، ولو صرح بقوله: الأعرابي هو بلال، لكان ورد عليه ما قاله، وأما عزو ابن بشكوال ذلك إلى أبي داود فليس بصحيح، لأن أبا داود روى هذا الحديث بطرق كثيرة، وليس فيه ما عزاه ابن بشكوال إليه، وإنما لفظه: أن رجلاً سأل رسول الله عَ لِّ، وفي رواية: أن رسول الله عَّ له سئل عن اللقطة، وليس لبلال ذكر أصلاً، فافهم. ثم قال هذا القائل: ثم ظفرت بتسمية السائل وذلك فيما أخرجه الحميدي والبغوي وابن السكن والماوردي والطبراني، كلهم من طريق محمد بن معن الغفاري عن ربيعة عن عقبة بن سويد الجهني عن أبيه، قال: سألت رسول الله عَّ الله عن اللقطة، فقال: عرفها سنة ثم أوثق وعاءها ... الحديث، قال: وهو أولى ما فسر به هذا المبهم لكونه من رهط زيد بن خالد الجهني. انتهى. قلت: حديث سويد بن عقبة الذي يرويه عنه ابنه عقبة غير حديث زيد بن خالد، فكيف يفسر المبهم الذي في حديث زيد بن خالد بحديث سويد؟ ولا يلزم من كون سويد من رهط زيد أن يكون حديثهما واحداً بحسب الصورة، وإن كانا في المعنى من باب واحد، وأيضاً هو استبعد كلام ابن بشكوال في إطلاق الأعرابي على بلال، وكيف لا يستبعد هنا إطلاق الأعرابي على سويد بن عقبة؟ ولا يلزم من سؤال سويد رسول الله عَ ليه عن اللقطة ٣٧٨ ٤٥ - كتابٌ في اللُّقْطَةِ / باب (٢) أن يكون هو الأعرابي الذي في حديث زيد بن خالد. قوله: ((فسأله عما يلتقطه)) أي: عن الشيء الذي يلتقطه، ووقع في أكثر الروايات أنه سأل عن اللقطة، ووقع في رواية لمسلم: سئل رسول الله عَّلِ عن اللقطة الذهب أو الورق، وهذا ليس بقيد، وإنما هو كالمثال، وحكم غير الذهب والفضة كحكمهما، ووقع في رواية لأبي داود: وسئل عن النفقة. قوله: ((عرفها))، بالتشديد أمر من التعريف. قوله: ((ثم احفظ عفاصها))، بكسر العين المهملة وتخفيف الفاء وبالصاد هو: الوعاء الذي يكون فيه النفقة، سواء كان من جلد أو خرقة أو حرير أو غيرها، واشتقاقه من: العفص، وهو الثني والعطف لأن الوعاء يثنى عليه ما فيه، ووقع في (زوائد المسند) لعبد الله ابن أحمد من طريق الأعمش عن سلمة في حديث أبي أو خرقتها، بدل عفاصها، ووقع في حديث أبي أيضاً: احفظ وعاءها وعددها ووكاءها، وفي حديث زيد بن خالد: إحفظ عفاصها ووكاءها، فأسقط ذكر العدد وزاد ذكر العفاص، وقد اختلف في العفاص، فذهب أبو عبيد إلى أنه ما يربط فيه النفقة، وقال الخطابي: أصله: الجلد الذي يلبس رأس القارورة. وقال الجمهور: وهو الوعاء: قال شيخنا: قول الخطابي هو الأولى، فإنه جمع في حديث زيد بين الوعاء والعفاص، فدل على أنه غيره. قلت: الذي ذكره شيخنا هو في رواية الترمذي، وفي رواية البخاري ذكر العفاص والوكاء، والذي يقول: العفاص هو الوعاء، هو الأولى، ولم يجمع في حديث زيد إلاَّ العفاص والوكاء، لأن الأصل حفظ العفاص الذي هو الوعاء. فإن قلت: في رواية الترمذي: ثم إعرف وعاءها ووكاءها وعفاصها، فعلى ما ذكرت يكون ذكر الوعاء أو ذكر العفاص تكراراً؟ قلت: قد ذكرت أن العفاص فيه اختلاف، فعلى قول من فسر العفاص بالجلد الذي يلبس رأس القارورة لا يكون تكراراً. فإن قلت: ذكر العدد في حديث أبي، ولم يذكره في حديث زيد؟ قلت: قد جاء ذكر العدد في حديث زيد أيضاً في رواية لمسلم، أو الظاهر أن تركه هنا بسهو من الراوي، والله أعلم. قوله: ((فإن جاء أحد يخبرك بها))، جواب الشرط محذوف، تقديره: فإن جاء أحد يخبرك باللقطة وأوصافها فأدها إليه، وفي رواية محمد بن يوسف عن سفيان، كما سيأتي، فإن جاء أحد يخبرك بعفاصها ووكائها. قوله: ((وإلاَّ فاستنفقها))، أي: وإن لم يأت أحد بعد التعريف حولاً فاستنفقها من الاستنفاق، وهو استفعال، وباب الاستفعال للطلب، لكن الطلب على قسمين: صريح وتقديري، وههنا لا يتأتى الصريح فيكون للطلب التقديري، كما في قولك: استخرجت الوتد من الحائط: فإن قلت: في رواية مالك - كما يجيء بعد باب: ((اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة))، وفي رواية أبي داود، من طريق عبد الله بن يزيد مولى المنبعث بلفظ: ((عرفها حولاً فإن جاء صاحبها فادفعها إليه، وإلاَّ اعرف وكاءها وعفاصها ثم اقبضها في مالك)). فرواية مالك تقتضي سبق المعرفة على التعريف، ورواية أبي داود بالعكس. قلت: قال النووي: الجمع بينهما بأن يكون مأموراً بالمعرفة في حالتين، فيعرف العلامات أول ما يلتقط حتى يعلم صدق واصفها إذا وصفها، ثم بعد تعريفها سن إذا أراد أن يتملكها فيعرفها مرة أخرى ٣٧٩ ٤٥ - كتابٌ في اللُّقْطَةِ / باب (٢) معرفة وافية محققة ليعلم قدرها وصفتها لاحتمال أن يجيء صاحبها فيقع الاختلاف في ذلك، فإذا عرفها الملتقط وقت التملك يكون القول قوله، لأنه أمين. واللقطة وديعة عنده، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون: ثم، في الروايتين بمعنى: الواو، فلا يقتضي ترتيباً، فلا يقتضي تحالفاً يحتاج الى الجمع. قلت: خروج: ثم، عن معنى التشريك في الحكم والمهلة والترتيب إنما يمشي على قول الكوفيين، فتكون حينئذ زائدة، وذلك إنما يكون في موضع لا يخل بالمعنى، وههنا لا وجه لما قاله، ولئن سلمنا أنه يكون بمعنى: الواو، و: الواو، أيضاً تقتضي الترتيب على قول البعض، فلا يتم الجواب بما قاله. فإن قلت: هذا العرفان واجب أم سنة؟ قلت: قيل: واجب لظاهر الأمر، وقيل: مستحب، وقيل: يجب عند الالتقاط، ويستحب بعده، قوله: ((فضالَّة الغنم؟)) أي: ما حكم ضالة الغنم؟ قوله: ((قال: لك، أو لأخيك أو الذئب))، كلمة: أو، فيه للتقسيم والتنويع، والمعنى: إن ضالة الغنم لك إن أخذتها وعرفتها، ولم تجد صاحبها. قوله: ((أو لأخيك)) يعني: إن أخذتها وعرفتها وجاء صاحبها فهي له، وأراد به الأخ في الدين، وهو صاحب الغنم. قوله: ((أو للذئب)) يعني: إن تركتها ولم يتفق آخذ غيرك فهي طعمة للذئب غالباً، لأنها لا تحمي نفسها، وذكر الذئب مثال، وليس بقيد، والمراد جنس ما يأكل الشاة ويفترسها من السباع، ووقع في رواية إسماعيل بن جعفر عن ربيعة، كما سيأتي بعد أبواب، فقال: خذها فإنما هي لك ... إلى آخره، وهو صريح بالأمر بالأخذ، وفيه رد على أحمد في إحدى روايتيه أنه يترك التقاط الشاة، وبه تمسك مالك في أنه يأخذها ويملكها بالأخذ، ولو جاء صاحبها لأنه صار حكمه حكم الذئب فلا غرامة، ورد عليه بأن اللاَّم ليست للتمليك لأن الذئب لا يملك وإنما يأكلها الملتقط بالضمان، وقد أجمعوا على أنه لو جاء صاحبها قبل أن يأكلها الملتقط فإنه يأخذها لأنها باقية على ملكه. قوله: ((قال: ضالة الإبل؟)) أي: ما حكم ضالة الإبل؟ قوله: ((فتمعر وجه النبي عَ لّ)) أي: تغير وجهه من الغضب ومادة تمعر: ميم وعين مهملة وراء، وأصله في الشجر إذا قل ماؤه فصار قليل النضرة عديم الإشراق ويقال للوادي المجدب: أمعر، وقال بعضهم: ولو روى بالغين المعجمة لكان له وجه، أي: صار بلون المغرة، وهي حمرة شديدة إلى كمودة، ويقويه قوله في رواية إسماعيل بن جعفر: فغضب حتى احمرت وجنتاه، أو وجهه. قلت: إذا لم تثبت فيه الرواية فلا يحتاج إلى هذا التعسف. قوله: ((ما لك))، يعني: ليس لك هذا، ويدل عليه رواية سليمان بن بلال عن ربيعة التي سبقت في كتاب العلم، فذرها حتى يلقاها ربها. قوله: ((معها حذاؤها)) بكسر الحاء المهملة وبالذال المعجمة ممدوداً، أي: خفها. قوله: ((وسقاؤها))، السقاء بالكسر في الأصل ظرف الماء من الجلد، والمراد به هنا: جوفها، وذلك لأنها إذا شربت يوماً تصبر أياماً على العطش، وقيل: المراد به عنقها لأنها تتناول المأكول بغير تعب لطول عنقها، فلا تحتاج إلى ملتقط. وما يتعلق به الحكم قد مضى في كتاب العلم، ولنذكر شيئاً نزراً. اختلف العلماء في ضالة الإبل: هل تؤخذ؟ على قولين: أحدهما: لا يأخذها ولا ٣٨٠ ٤٥ - كتابٌ في اللُّقْطَةِ / باب (٣) يعرفها، قاله مالك والأوزاعي والشافعي لنهيه عَّ له عن ضالة الإبل. الثاني: أخذها وتعريفها أفضل، قاله الكوفيون: لأن تركها سبب لضياعها. وفيه قول ثالث: إن وجدها في القرى عرفها، وفي الصحراء لا يعرفها. وقالت الشافعية: الأصح أنه إن وجدها بمفازة فللقاضي التقاطها للحفظ، وكذا لغيره، ويحرم التقاطها للتملك، وإن وجدها بقرية فيجوز التملك. وقال ابن المنذر: وممن رأى ضالة البقر كضالة الإبل طاوس والأوزاعي والشافعي وبعض أصحاب مالك، وقال مالك والشافعي في ضالة البقر: إن وجدت في موضع يخاف عليها فهي في منزلة الشاة، وإلاَّ فكالبعير، وقيل: إن كانت لها قرون تمنع بها فكالبعير وإلاّ فكالشاة، حكاه ابن التين، وقال القرطبي: عندنا في البقر والغنم قولان، ورأى مالك إلحاقها بالغنم، ورأى ابن القاسم إلحاقها بالإبل إذا كانت بموضع لا يخاف عليها من السباع، وكان هذا تفصيل أحوال لا اختلاف أقوال، ومثلها جاء في الإبل إلحاقاً بها. واختلف في التقاط الخيل والبغال والحمر، فظاهر قول ابن القاسم: الجواز، ومنعه أشهب وابن كنانة، وقال ابن حبيب: والخيل والبغال والعبيد وكل ما يستقل بنفسه ويذهب، هو داخل في الضالة، وقال ابن الجوزي: الخيل والإبل والبقر والبغال والحمير والشاة والظباء: لا يجوز عندنا التقاطها إلاّ أن يأخذها الإمام للحفظ، وفي (التوضيح): إذا عرف المال وشبهه وانقضى الحول أو قبله، وجاء صاحبه أخذه بزيادته المتصلة، وكذا المنفصلة إن حدثت قبل التملك، وإن حدثت بعده رجع فيها دون الزيادة. ٣ - بابُ ضالَّةِ الغَنَمِ أي: هذا باب في بيان حكم التقاط ضالة الغنم، وإنما أفرد هذا الباب بترجمة وإن كان مذكوراً في الباب السابق لزيادة فيه إشارة إلى أن حكم هذا الباب غير حكم ذلك الباب. ٢٤٢٨/٣ _ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثنا سُلَيْمانُ عنْ يَحْيَى عنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْتَعِثِ أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بنَ خالِدٍ رضي الله تعالى عنهُ يَقولُ سُئِلَ النبيُّ عَ لّهِ عِنِ اللُّقَطَةِ فَزَعَمَ أَنَّهُ قال اعْرِفْ عِفَاصَها وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرَّفْهَا سَنةً يَقولُ يَزِيدُ إِنْ لَمْ تُعْتَرَفِ اسْتَنْفِقَ بِها صاحِبُها وكانَتْ ودِيعَةً عِنْدَهُ قال يَخْلِى فَهذَا الَّذِي لاَ أدْرِي أفِي حَديثِ رسولِ اللهِ عَّه هُوَ أَمِْ شَيْءٌ مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ قال كَيْفَ تَرِى في ضالَّةِ الغَنَمِ قال النبيُّ عَلَِّ خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أوْ لِلذِّئْبِ قالَ تَزِيدُ وهْيَ تُعَرَّفُ أيْضاً ثُمَّ قال ◌َكَيْفَ تَرى في ضالَّةِ الإِبِلِ قال فقال دَعْها فإِنَّ معَهَا حِذَاءَها وسِقَاءَهَا تَرِدُ الْمَاءَ وتَأْكُلُ الشَّجَرَ حتَّى يَجِدَها رَبُّهَا. [انظر الحديث ٩١ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((كيف ترى في ضالة الغنم؟)) وهذا الحديث مضى في الباب السابق، فإنه أخرجه هناك عن عمرو بن عباس عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن ربيعة عن يزيد ... إلى آخره، وهنا أخرجه: عن إسماعيل بن عبد الله هو ابن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن يزيد .. إلى آخره.