النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ ٤٣ - كتَابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وأدَاءِ الدُّيُونِ وَالْحَجْرِ والتَّفْلِيسِ / باب (١٧) وكان من ضرورة الحكم به أمره بقسمته بين الغرماء، لأن البيع لم يكن إلاَّ لأجلهم، ومن طرق حديث جابر ما رواه النسائي أيضاً، وقال: حدثنا هلال بن العلاء، قال: حدثنا أبي، قال: حدثني عبد الله بن عبد الكريم عن عطاء عن جابر، رضي الله تعالى عنه، أن رجلاً أعتق غلاماً له من دبر، فاحتاج مولاه فأمره ببيعه فباعه بثمانمائة درهم، فقال له رسول الله، عَ له: ((أنفقه على عيالك فإنما الصدقة عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول)). وفي رواية للنسائي: ((ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك ... ))، الحديث، وهذا يطابق الجزء الثاني للترجمة على الوجه الذي ذكرناه. وحديث الباب مضى مختصراً في البيوع في: باب بيع المدبر، فإنه أخرجه هناك عن ابن نمير عن وكيع عن إسماعيل عن سلمة بن كهيل عن عطاء عن جابر، قال: ((باع النبي، عَّم، المدیر)). قوله: ((عن دبر))، معناه قال لعبده: أنت حر بعد موتي، أو: دبرتك، واسم المدبر، بفتح الباء: يعقوب، واسم مولاه: أبو مذكور، والثمن ثمانمائة درهم، وقد مر الكلام فيه هناك، ونعيم، بضم النون وفتح العين المهملة: ابن عبد الله النحام، بفتح النون وتشديد الحاء المهملة: القرشي العدوي، سمي النحام لأنه عٍَّ قال: دخلت الجنة فسمعت نحمة من نعيم، والنحمة السعلة، أسلم قديماً بمكة، ثم هاجر عام الحديبية وشهد ما بعدها من المشاهد، قتل يوم اليرموك سنة خمس عشرة من الهجرة، رضي الله تعالى عنه. ١٧ - بابٌ إذَا أَقْرَضَهُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى أَوْ أَجَلَّهُ فِي البَيْعِ أي: هذا باب ذكر فيه إذا أقرض الرجل رجلاً دراهم أو دنانير أو شيئاً مما يصح فيه القرض إلى أجل مسمى، أي: إلى مدة معينة. قوله: ((أو أجله))، أي: أو أجل الثمن في عقد البيع، أو أجل العقد فيه، يعني: باعه إلى أجل مسمى، ولا يقال: فيه إضمار قبل الذكر لأن القرينة تدل عليه، وهي قوله: في البيع، وهاتان مسألتان، وجوابهما محذوف تقديره: فهو جائز أو يجوز أو نحو ذلك. أما المسألة الأولى: ففيها خلاف، فقال ابن بطال: اختلف العلماء في تأخير الدين في القرض إلى أجل، فقال أبو حنيفة وأصحابه: سواء كان القرض إلى أجل أو غير أجل، له أن يأخذه متى أحب، وكذلك العارية وغيرها، لأنه عندهم من باب العدة والهبة غير مقبوضة، وهو قول الحارث العكلي وأصحابه وإبراهيم النخعي، وقال ابن أبي شيبة: وبه نأخذ، وقال مالك وأصحابه: إذا أقرضه إلى أجل ثم أراد أخذه قبل الأجل لم يكن له ذلك. أما المسألة الثانية: فليس فيها خلاف بين العلماء لجواز الآجال في البيع، لأنه من باب المعاوضات، فلا يأخذه قبل محله، وفي (التوضيح): وقال الشافعي: إذا أخر الدين الحال فله أن يرجع فيه متى شاء، وسواء كان ذلك من قرض أو غيره. قال ابنُ عُمَرَ في القَرْضِ إلى أجلٍ لاَ بأسَ بِهِ وإن أُغْطِيَ أَفْضَلَ مِنْ دَرَاهِمِهِ ما لَمْ يَشْتَرِطْ هذا التعليق وصله ابن أبي شيبة عن وكيع، حدثنا حماد بن سلمة، قال: سمعت شيخاً ٣٤٢ ٤٣ - كتَابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وأَدَاءِ الدُّنُونِ وَالْحَجْرِ والتَّغْلِيسِ / باب (١٨) يقال له المغيرة: قلت لابن عمر: إني أسلف جيراني إلى العطاء، فيقضوني أجود من دراهمي، قال: لا بأس ما لم تشترط، قال وكيع: وحدثنا هشام الدستوائي عن القاسم بن أبي بزرة عن عطاء بن يعقوب، قال: استسلف مني ابن عمر ألف درهم فقضاني دراهم أجود من دراهمي، وقال: ما كان فيها من فضل فهو نائل مني إليك أتقبله؟ قلت: نعم. وقال عطاءٌ وعَمْرُو بنُ دِينارِ هُوَ إِلَى أجَلِهِ في القَرْضِ عطاء هو ابن أبي رباح، ووصل هذا التعليق عبد الرزاق عن ابن جريج عنهما، وقال ابن التين: قول عطاء وعمر، وبه يقول أبو حنيفة ومالك. قلت: ليس هذا مذهب أبي حنيفة، ومذهبه: كل دين يصح تأجيله إلاَّ القرض فإن تأجيله لا يصح. ٢٤٠٤ _ وقال اللَّيْثُ حدَّثنُي جَعْفَرُ بنُ رَبِيعَةَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ هرْمُزَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنْ رسولِ الله عَ لَّهِ أنَّهُ ذَكَرَ رَجُلاً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سألَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أنْ يُسْلِفَهُ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إلَى أَجَلٍ مُسَمَّى الْحَدِيثَ. [انظر الحديث ١٤٩٨ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وهو قطعة من حديث مطول الذي يذكر فيه قضية الرجل الذي أسلف ألف دينار في أيام بني إسرائيل، وقد مر في الكفالة، ومر الكلام فيه هناك، وذكره في هذا الباب في معرض الاحتجاج على جواز التأجيل في القرض، وهذا مبني على أن شريعة من قبلنا تلزمنا أم لا؟ ١٨ - بابُ الشَّفَاعَةِ فِي وَضْعِ الدَّيْنِ أي: هذا باب في بيان الشفاعة في وضع الدين، أي: حط شيء من أصل الدين، وكذا فسره ابن الأثير في قوله عَّ له: من أنظر معسراً أو وضع له، وليس المراد من الوضع إسقاطه بالكلية. ٢٠/ ٢٤٠٥ _ حدَّثنا مُوسى حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ مُغِيرَةَ عنْ عامِرٍ عنْ جابِرٍ رضي الله تعالى عنهُ قال أُصِيبَ عبْدُ الله وتَرَكَ عِيالاً ودَيْناً فَطَلَبْتُ إلى أصْحابِ الدَّيْنِ أَنْ يَضَعُوا بَعْضاً مِنْ دَيْنِهِ فَأبَوْا فَأَتَيْتُ النبيَّ عَ لَّهِ فَاسْتَشْفَعْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا فقال صَنِّفْ تَمْرَكَ كلَّ شَيْءٍ مِنْهُ علَى حِدَتِهِ عِذْقَ ابنِ زَيْدٍ عَلَى حَدَةٍ واللِّينَ عَلَى حِدَةٍ والعَجْوَةَ عَلَى حِدَةٍ ثُمَّ أَحْضِرُهُمْ حَتَّى آتِيكَ فَفَعَلْتُ ثُمَّ جَاءَ عَلِ فِقَعَدَ عَلَيْهِ وقالَ لِكُلِّ رَجلٍ حتَّى اسْتَوْقَى وَبَقِيَ الثَّمْرُ كُمَا هُوَ كأنَّهُ لَمْ يُمَسَّ. [انظر الحديث ٢١٢٧ وأطرافه]. ٢٤٠٦ _ وغَزَوْتُ مَعَ النبيِّ عَّهِ عِلَى نَاضِحٍ لَنَا فَأَزْحَفَ الْجَمَلُ فَتَخَلَّفَ عَلَيَّ فَوَكَزَهُ النبيُّ عَّهِ مِنْ خَلْفِهِ قال بِعْنِيهِ ولكَ ظَهْرُهُ إلَى الْمَدِينَةِ فَلَمَّا دَنَّوْنا اسْتَأْذَنْتُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ الله إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ قَال ◌ََّلِ فَمَا تَزَوَّجْتَ بِكْراً أَمْ ثَيِّباً قُلت ثَيِّباً أُصِيبَ عَبْدُ الله وتَرَكَ جَوَارِيَ صِغَاراً فَتَزَوَّجْتُ ثَيِّباً تُعَلِّمُهُنَّ وتُؤَدِّبُهُنَّ ثُمَّ قالَ اثْتِ أَهْلَكَ فَقَدِمْتُ فأخْبَرْتُ ٣٤٣ ٤٣ - كتَابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وأدَاءِ الدُّيُونِ وَالْحَجْرِ والتَّفْلِيسِ / باب (١٨) خالِيٍ بِبَيْعِ الْجَمَلِ فَلاَمَنِي فَأُخْبَرْتُهُ بِإِعْيَاءِ الْجَمَلِ وبِالَّذِي كَانَ مِنَ النبيِّ عَ لَّهِ وَوَكْزِهِ إِيَّاهُ فَلَمَّا قَدِمَ النبيُّ عَ لَّهِ غَدَوْتُ إِلَيْهِ بِالْجَمَلِ فَأَعْطَانِي ثَمَنَ الجمَلِ والْجَمَلَ وسَهْمِي مَعَ الْقَوْمِ. [انظر الحديث ٤٤٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فاستشفعت به عليهم)) والحديث مضى في كتاب البيوع في: باب الكيل على البائع والمعطي، فإنه أخرجه هناك عن عبدان عن جرير عن مغيرة عن الشعبي عن جابر، وهنا أخرجه عن موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي عن أبي عوانة، بفتح العين الوضاح بن عبد الله اليشكري عن مغيرة بن مقسم عن عامر الشعبي عن جابر بن عبد الله، وقد مر الكلام فيه هناك. ولنتكلم فيما لم يذكر هناك. قوله: ((عبد الله)، هو أبو جابر، استشهد يوم أحد، وهو معنى قوله: أصيب. وقال الذهبي: عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة الخزرجي السلمي أبو جابر، نقيب بدري قتل في أحد. قوله: ((وترك عيالاً))، بكسر العين: جمع عيل، بتشديد الياء كجياد جمع جيد، من عال عياله: مانهم وأنفق عليهم، وقد مضى أنه ترك سبع بنات أو تسعاً. قوله: ((فطلبت إلى أصحاب الدين))، أي: أنهيت طلبي إليهم، وفي الأصل: الطلب يستعمل بدون صلة، فما قصد المبالغة استعمله بحرف الغاية. قوله: ((صنّف))، أمر: من التصنيف، وهو أن يجعل الشيء أصنافاً ويميز بعضها عن بعض. قوله: ((على حدة)) أي: كل واحد على حياله، والهاء عوض من الواو. قوله: ((عذق ابن زيد))، هو نوع من التمر جيد، و: العذق، بفتح العين وكسرها وسكون الذال المعجمة، وقيل: بالفتح، النخلة. قلت: وفي (التوضيح) بخط الدمياطي: عذق زيد، قوله: ((واللين)، بكسر اللام وسكون الياء آخر الحروف: نوع من التمر، وقيل: التمر الرديء، وهو جمع لينة، وهي النخلة، قاله ابن عباس، أو النخل كله ما خلا البرني، وقال الكرماني: اللين لوان التمر ما خلا العجوة، وأما العجوة فهي من أجود تمور المدينة، ويقال: أهل المدينة يسمون العجوة ألواناً، وقيل: اللين الدقل، وأصله: لون، قلبت الواء ياءً لانكسار ما قبلها. قوله: ((وقال لكل رجل)) أي: أعطى لكل رجل من أصحاب الديون حتى استوفى حقه، وقد مر أن: قال، يستعمل لمعان كثيرة، فكل معنى بحسب ما يليق به. قوله: ((كما هو))، كلمة: ما، موصولة مبتدأ وخبره محذوف أو زائدة، أي: كمثله، وفي رواية: بقي منه بقية، وفي أخرى: بقي منه أوسق، وفي رواية: بقي منه سبعة عشر وسقاً. قوله: ((لم يمس))، على صيغة المجهول. قوله: ((على ناضح))، بالضاد المعجمة والحاء المهملة: وهو الجمل الذي يسقى عليه النخل. قوله: ((فأزحف الجمل))، أي: كل وأعيى، ومادته: زاي وحاء مهملة وفاء، يقال: أزحفه المسير إذا أعياه، وأصله أن البعير إذا تعب يجر رسنه، وكأنه كنى بقوله: أزحف، على بناء الفاعل عن جره الرسن عن الإعياء. وقال ابن التين: صوابه: فزحف، ثلاثي إلاَّ أنه ضبط بضم الهمزة وكسر الحاء في أكثر النسخ، وفي بعضها بفتحها، والأول أبين. قوله: ((فوكزه)) بالزاي، أي: ضربه بالعصا، كذا هو في رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر عن المستملي : ٣٤٤ ٤٣ - كتَابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وأدَاءِ الدُّيُونِ وَالْحَجْرِ والتَّفْلِيسِ / باب (١٩) والحموي: وركزه، بالراء موضع الواو، أي: ركز فيه العصي، والمراد به المبالغة في ضربه بها. قوله: ((ولك ظهره إلى المدينة))، أراد به ركوبه عليه إلى المدينة، قوله: فلامني، من اللوم، وكان لومه إما لكونه محتاجاً إليه، وإما لكونه باعه النبي عَّةٍ ولم يهبه منه. قوله: ((وسهمي))، بالنصب أي: وأعطاني أيضاً سهمي من الغنيمة، ويروى: فسهمني، بلفظ فعل الماضي، وفيه فوائد كثيرة ذكرناها هناك. ١٩ - بابُ ما يُنْهَى عنْ إِضاعَةِ الْمَالِ وقَوْلِ الله تعالى ﴿والله لاَ يُحِبُّ الْفِسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]. و﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١]. وقال في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أَصَلَوَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَنْبُذُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أُمْوَالِنا ما نَشاءُ﴾ [هود: ٨٧]. وقال تعالى: ﴿وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ﴾ [النساء: ٥]. والحَجْرِ في ذَلِكَ وما يُنْهَى عنِ الخِدَاعِ أي: هذا باب في بيان النهي عن إضاعة المال. وكلمة: ما، مصدرية، وإضاعة المال صرفه في غير وجهه، وقيل: إنفاقه في غير طاعة الله تعالى، والإسراف والتبذير. قوله: ((وقول الله)) بالجر عطف على ما قبله. قوله: ((والله لا يحب الفساد))، كذا وقع في رواية الأكثرين، ووقع في رواية النسفي: إن الله لا يحب الفساد، والأول هو الذي وقع في التلاوة، والثاني سهو من الناسخ، والفساد خلاف الصلاح. قوله: ((ولا يصلح عمل المفسدين)) كذا وقع في رواية الأكثرين، ووقع في رواية ابن شبويه والنسفي: لا يحب، بدل: لا يصلح، وأصل التلاوة أن الله لا يصلح عمل المفسدين، وغير هذا سهو من الكاتب، وقيل: يحتمل أنه لم يقصد التلاوة. قلت: فيه بعد لا يخفى. قوله: ﴿أصلواتك﴾ [هود: ٨٧]. في سورة هود وأولها: ﴿قالوا يا شعيب أصلواتك تأمرك .. ﴾ [هود: ٨٧]. إلى قوله: ﴿إنك لأنت الحليم الرشيد﴾ [هود: ٨٧]. كان شعيب، عليه الصلاة والسلام، كثير الصلوات، وكان قومه إذا رأوه يصلي تغامزوا وتضاحكوا، فقصدوا بقولهم: أصلواتك تأمرك؟ السخرية والهزء، وإسناد الأمر إلى الصلاة على طريق المجاز. قوله: ﴿أن نترك﴾ [هود: ٨٧]. أي: بأن نترك، أي: بترك ما يعبد آباؤنا. قوله: ﴿أو أن نفعل﴾ [هود: ٨٧]. أي: أتأمرنا صلواتك بأن نفعل في أموالنا ما تشاء أنت، وهو ما كان يأمرهم من ترك التطفيف والبخس. وقال زيد بن أسلم: كان مما ينهاهم شعيب، عليه الصلاة والسلام، عنه وعذبوا لأجله، قطع الدنانير والدراهم، وكانوا يقرضون من أطراف الصحاح لتفضل لهم القراضة، وكانوا يتعاملون بالصحاح عدداً وبالمكسور وزناً ويبخسون. قوله: ﴿إنك لأنت الحليم الرشيد﴾ [هود: ٨٧]. قول: منهم، على سبيل الاستهزاء، ونسبتهم إياه إلى غاية السفه، ووجه ذكر هذه الآية في هذه الترجمة في قوله: أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء، لأن تصرفهم في الدراهم والدنانير على الوجه الذي ذكرناه إضاعة للمال، وكان شعيب، عليه الصلاة والسلام، ينهاهم عن ذلك، فلما لم يتركوا هذه الفعلة عذبهم الله تعالى. قوله: ((وقال)) أي: وقال الله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ [النساء: ٥]. هذه ٣٤٥ ٤٣ - كتَابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وأدَاءِ الدُّيُونِ وَالْحَجْرِ والتَّفْلِيسِ / باب (١٩) الآية في النساء، وتمامها: ﴿التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم، وقولوا لهم قولاً معروفاً﴾ [النساء: ٥]. ووجه ذكر هذه الآية هنا أيضاً هو أن إيتاء الأموال للسفهاء إضاعتها. وقال الضحاك عن ابن عباس: المراد بالسفهاء: النساء والصبيان، وقال سعيد بن جبير: هم اليتامى، وقال قتادة وعكرمة ومجاهد: هم النساء، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا هشام بن عمار حدثنا صدقة بن خالد حدثنا عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله عَ لّه: ((إن النساء السفهاء إلاّ التي أطاعت قيمها)). وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن مسلم بن إبراهيم: حدثنا حرب بن شريح عن معاوية ابن قرة عن أبي هريرة: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ [النساء: ٥]. قال: الخدم وهم شياطين الإنس. قوله: ((قياماً))، أي: تقوم بها معايشكم من التجارات وغيرها. قوله: ﴿وارزقوهم فيها واكسوهم﴾ [النساء: ٥]. وعن ابن عباس: لا تعمد إلى مالك وما خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو بنيك، ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك وأصلحه وأنت الذي تنفق عليهم من كسوتهم ومؤونتهم ورزقهم. وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن فراس عن الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى، قال: ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم: رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل أعطى ماله سفيهاً، وقد قال الله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ [النساء: ٥]. ورجل كان له دين على رجل فلم يشهد عليه، وقال مجاهد: ﴿وقولوا لهم قولاً معروفاً﴾ [النساء: ٥]. يعني: في البر والصلة. قوله: ((والحجر في ذلك))، بالجر عطف على قوله: ((إضاعة المال))، أي: الحجر في ذلك أي: في السفه، وقال ابن كثير في (تفسيره): ويؤخذ الحجر على السفهاء من هذه الآية أعني، قوله: ﴿ولا تؤتوا السفهاء﴾ [النساء: ٥]. وهم أقسام، فتارة يكون الحجر على الصغير، فإنه مسلوب العبارة، وتارة يكون الحجر للجنون، وتارة يكون لسوء التصرف لنقص العقل أو الدين، وتارة يكون الحجر للفلس، وهو ما إذا أحاطت الديون برجل وضاق ماله عن وفائها، فإذا سأل الغرماء الحاكم الحجر عليه حجر عليه. انتهى. والسفيه: هو الذي يضيع ماله ويفسده بسوء تدبيره، والحجر في اللغة: المنع، وفي الشرع: المنع من التصرف في المال، وقال أصحابنا: السفه هو العمل بخلاف موجب الشرع واتباع الهوى، ومن عادة السفيه التبذير والإسراف في النفقة والتصرف لا لغرض أو لغرض لا يعده العقلاء من أهل الديانة غرضاً، مثل دفع المال إلى المغني واللعاب وشراء الحمام الطيارة بثمن غال والغبن في التجارات من غير محمدة، وأبو حنيفة لا يرى الحجر بسبب السفه، وبه قال زفر، وهو مذهب إبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين، وقال أبو يوسف ومحمد ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحق وأبو ثور: يحجر على السفيه، روي ذلك عن علي وابن عباس وابن الزبير وعائشة، رضي الله تعالى عنهم، واحتج أبو حنيفة بحديث ابن عمر الذي يأتي الآن: إذا بايعت فقل: لا خلابة، فإنه عَّه وقف على أنه كان يغبن في البيوع فلم يمنعه من التصرف ولا حجر عليه، وحجة الآخرين الآية المذكورة. وهي قوله: ﴿ولا تؤتوا السفهاء ٣٤٦ ٤٣ - كتَابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وأدَاءِ الدُّيُونِ وَالْحَجْرِ والتَّفْلِيسِ / باب (١٩) أموالكم .. ﴾ [النساء: ٥]. الآية. قوله: ((وما ينهى عن الخداع))، عطف على ما قبله، وتقديره أي: باب في بيان كذا وكذا، وفي بيان ما ينهى عن الخداع، أي: في البيوع. ٢١ / ٢٤٠٧ - حدَّثنا أَبُو نُعَيْم قال حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ عِبْدِ الله بنِ دِينارٍ قال سَمِعْتُ ابنَ عُمَّرَ رضي الله تعالى عنهُما قال قالَ رَجُلٌ لِلنَبِيِّ عَّهِ إِنِّي أُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ فقال إذَا بايَعْتَ فَقُلْ لاَ خِلاَبَةَ فَكَانَ الرَّجُلُ يَقُولُهُ. [انظر الحديث ٢١١٧ وأطرافه]. مطابقته للترجمة من حيث إن الرجل كان يغبن في البيوع، وهو من إضاعة المال والحديث قد مر في البيوع في: باب ما يكره من الخداع في البيع، فإنه أخرجه هناك: عن عبيد الله بن يوسف عن مالك عن عبد الله بن دينار إلى آخره، وأخرجه هنا عن أبي نعيم الفضل بن دكين عن سفيان بن عيينة عن عبد الله بن دينار ... إلى آخره، وقد مر الكلام فيه هناك، والخلابة، بكسر الخاء المعجمة: الخداع. ٢٤٠٨/٢٢ - حدَّثنا عُثْمانُ قال حدثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنِ الشَّعْبِيِّ عنْ ورَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ عنِ الْمُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ قال قال النبيُّ عَلَّهِ إِنَّ الله حَرَّمَ عليْكُمْ عُقوقَ الأمَّهَاتِ وَوَأْدِ الْبَنَاتِ ومَنْعَ وهَاتٍ وكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وقالَ وكَثْرَةَ السُّؤالِ وإِضَاعَةً الْمَالِ. [انظر الحديث ٨٤٤ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: وإضاعة المال. ورجاله ذكروا غير مرة، وعثمان هو ابن أبي شيبة، وجرير هو ابن عبد الحميد ومنصور هو ابن المعتمر، والشعبي هو عامر بن شراحيل. وهؤلاء كلهم كوفيون، لكن سكن جرير الري. وفيه: ثلاثة من التابعين على نسق واحد، وهم: منصور والشعبي ووراد. والحديث مر في كتاب الزكاة في: باب قول الله تعالى: ﴿لا يسألون الناس إلحافاً﴾ [البقرة: ٢٧٣]. بأخصر منه، فإنه أخرجه هناك عن يعقوب بن إبراهيم عن إسماعيل بن أمية عن خالد الحذاء عن الشعبي .. إلى آخره. قوله: ((عقوق الأمهات)) أصل العقوق القطع كأن العاق لأمه يقطع ما بينهما من الحقوق، وإنما خص الأمهات بالذكر، وإن كان عقوق الآباء أيضاً حراماً، لأن العقوق إليهن أسرع من الآباء لضعف النساء، وللتنبيه على أن بر الأم مقدم على بر الأب في التلطف والحنو ونحو ذلك، ولأن ذكر أحدهما يدل على أن الآخر مثله بالضرورة، ولكن تعيين الأم لما ذكرنا. قوله: ((ووأد البنات))، الوأد مصدر وأدت الوائدة ابنتها تئدها: إذا دفنتها حية، وقال ابن التين بإسكان الهمزة، وضبط ابن فارس بفتحها، وقال أبو عبيد: كان أحدهم في الجاهلية إذا جاءته البنت يدفنها حية حين تولد، ويقولون: القبر صهر، ونعم الصهر. وكانوا يفعلونه غيرة وأنفة، وبعضهم يفعله تخفيفاً للمؤونة. قوله: ((ومنع))، أي: وحرم عليكم منع ما عليكم إعطاؤه. قوله: ((وهات)) أي: وحرم عليكم طلب ما ليس لكم أخذه، وقيل: نهى عن منع الواجب من ماله وأقواله وأفعاله وأخلاقه من الحقوق اللازمة فيها، ونهى عن استدعاء ما لا يجب عليهم من الحقوق، وتكليفه إياهم ٣٤٧ ٤٣ - كتَابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وَأَدَاءِ الدُّمُونِ وَالْحَجْرِ والتَّغْلِيسِ / باب (١٩) بالقيام بما لا يجب عليهم، فكأنه ينتصف ولا ينصف، وهذا من أسمج الخلال، وقال إسحاق ابن منصور: قلت لأحمد بن حنبل: ما معنى منع وهات؟ قال: أن تمنع ما عندك فلا تتصدق ولا تعطي فتمد يدك فتأخذ من الناس. وقال ابن التين: وضبط منع، بغير ألف، وصوابه: منعاً، بالألف لأنه مفعول حرم. قلت: صرح الكرماني بقوله: منعاً بالألف حيث قال: فإن قلت: كيف صح عطفه - أي: عطف هات على منعاً - ثم أجاب بقوله: تقديره هات وهات، إذ هو باعتبار لازم معناه، وهو الأخذ. انتهى. قلت: لأن معنى هات أعطني، ومن لازم العطاء الأخذ، تقول: هات يا رجل، بكسر التاء، وللإثنين: هاتيا، مثل إيتيا، وللجمع: هاتوا، وللمرأة: هاتي، بالياء، وللمرأتين: هاتيا وللنساء: هاتين، مثل: عاطين. قوله: ((قيل: وقال:)) إما فعلان، وإما مصدران، فإذا كانا فعلين يكون: قيل، مجهول. قال الذي هو ماضٍ، والمعنى على هذا نهي عن فضول ما يتحدث به المجالسون من قولهم، قيل: كذا وقال: كذا، وبناؤهما على كونهما فعلين محكيين متضمنين للضمير، والإعراب على إجرائهم مجرى الأسماء خلوين من الضمير. ومنه قولهم: الدنيا قال وقيل، وإدخال حرف التعريف عليهما لذلك في قولهم: لا تعرف القال من القيل، وإذا كانا مصدرين يكون معناه: نهى عن قيل وقول، يقال: قلت قولاً وقالاً وقيلاً. وأصل: قالاً: قولاً قلبت الواو ألفاً لتحركها، وانفتاح ما قبلها وأصل: قيلاً قولاً قلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها، وقيل: هذا النهي إنما يصح في قول لا يصح ولا يعلم حقيقته، فأما من حكى ما صح ويعرف حقيقته وأسنده إلى ثقة صادق فلا وجه للنهي عنه، ولا ذم، وقيل: هذا الكلام يتضمن بعمومه النميمة والغيبة فإن تبليغ الكلام من أقبح الخصال والإصغاء إليه أقبح وأفحش. قوله: ((وكثرة السؤال)) فيه وجوه: أحدها: السؤال عن أمور الناس وكثرة البحث عنها. والثاني: مسألة الناس من أموالهم. وقال التوربشتي: ولا أدري حمله على هذا، فإن ذلك مكروه وإن لم يبلغ حد الكثرة. والثالث: كثرة السؤال في العلم للامتحان وإظهار المراء. والرابع: كثرة سؤال النبي عَّم قال تعالى: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ [المائدة: ١٠١]. وقال ابن بطال: ((وكثرة السؤال)) إما في العلميات وإما في الأموال. قوله: ((وإضاعة المال))، قد مر تفسيره في أول الباب، وقال الطيبي: التقسيم الحاصر فيه الحاوي لجميع الأقسام أن تقول: إن الذي يصرف إليه المال إما أن يكون واجباً كالنفقة والزكاة ونحوها، وهذا لا ضياع فيه، وهكذا إن كان مندوباً إليه، وإما أن يكون حراماً أو مكروهاً، وهذا قليله وكثيره إضاعة وسرف، وإما أن يكون مباحاً، ولا إشكال إلاَّ في هذا القسم، إذ كثير من الأموال يعده بعض الناس من المباحات، وعند التحقيق ليس كذلك، كتشييد الأبنية وتزيينها والإسراف في النفقة والتوسع في لبس الثياب والأطعمة الشهية اللذيذة، وأنت تعلم أن القسوة وغلظ الطبع تتولد من لبس الرقاق وأكل الشهيات، ويدخل فيه تمويه الأواني والسقوف بالذهب والفضة، وسوء القيام على ما يملكه من الرقيق والدواب حتى يضيع فيهلك، وقسمة ما لا ينتفع الشريك به: كاللؤلؤ والسيف يكسران، وكذا احتمال الغبن ٣٤٨ ٤٣ - كتَابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وأدَاءِ الدُُّونِ وَالْحَجْرِ والتّفْلِيسِ / باب (٢٠) الفاحش في البياعات، وإيتاء المال صاحبه وهو سفيه حقيق بالحجر. ٢٠ _ بابّ العَبْدُ راعٍ في مال سَيِّده ولاَ يَعْمَلُ إلاَّ بإِذْنِهِ أي: هذا باب يذكر فيه العبد ... إلى آخره، وأصل: راعٍ: راعي، فاعل إعلال قاضٍ، قوله: ولا يعمل، أي: العبد في مال سيده إلاَّ بإذنه، إلاَّ فيما كّان من المعروف المعتاد أن يعفى عنه، مثل: الصدقة بالكسرة فلا يحتاج فيه إلي إذنه. ٢٤٠٩/٢٣ _ حدَّثنا أبو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرني سالِمُ بنُ عبدِ الله عنْ عبْدِ الله بنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما أنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله عَلَلِ يَقولُ كُلُّكُمْ راعٍ ومَشؤولٌ عنْ رَعِيَّتِهِ فالإِمَامُ راعٍ وهْوَ مَسْؤولٌ عنْ رِعِيَّتِهِ والرَّجُلُ في أَهْلِهِ راعٍ وَهْوَ مشْؤُولٌ عِنْ رَعِيَّتِهِ والْمَرْأةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا راعِيَةٌ وهْيَ مَسْؤُلَةٌ عنْ رَعِيَّتِها والخادِمُ في مالٍ سَيِّدِهِ راعٍ وهْوَ مَسْؤولٌ عن رَعِيَّتِهِ قال فَسَمِعْتُ هُؤُلاءِ مِنْ رِسولِ اللهِ عَّ ◌ُله وأخْسِبُ النبيَّ عَّه قالَ وَالرَّجُلُ في مالِ أبِيهِ راعٍ وَهْوَ مَسْؤُولٌ عنْ رَعِيِّهِ فَكُلُكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عنْ رعِيَتِهِ. [انظر الحديث ٨٩٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((والخادم في مال سيده راع))، لأن المراد من الخادم هنا هو العبد، وإن كان أعم منه، وجاء في النكاح: والعبد راع على مال سيده، ورجاله بهذا النسق مرت مراراً، وأبو اليمان هو الحكم بن نافع الحمصي، وشعيب هو ابن أبي حمزة الحمصي، والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني. والحديث قد مر في كتاب الجمعة في: باب الجمعة في القرى والمدن، فإنه أخرجه هناك: عن بشر بن محمد عن عبد الله عن يونس عن الزهري عن سالم بن عمر ... إلى آخره، قوله: ((والخادم في مال سيده راع)) كذا هو الأكثرين، وفي رواية أبي ذر: والخادم في مال سیده، وهو مسؤول عن رعيته. ٠ بسم الله الرحمن الرحيم ٤٤ - كِتَابُ الْخُصوماتِ ١ - باب ما يذكر في الإِشخاص، والخصومة بين المسلم واليهودي أي: هذا كتاب في بيان الخصومات، وهو جمع خصومة، وهي اسم، قال الجوهري: خاصمه مخاصمة وخصاماً، والاسم الخصومة، والخصم معروف يستوي فيه الجمع والمؤنث لأنه في الأصل مصدر، ومن العرب من يثنيه ويجمعه، فيقول: خصمان وخصوم، والخصيم أيضاً الخصم، والجمع: خصماء والخصم، بكسر الصاد: شديد الخصومة، ووقع للأكثرین ما يذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهود، ووقع لبعضهم: واليهودي بالإفراد، وفي رواية أبي ذر: ما يذكر في الخصومات والملازمة والأشخاص، وفي بعض النسخ، باب ما يذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهودي، قال ابن التين: يقال: شخص، بفتح الخاء من بلد إلى بلد، أي: ذهب، والمصدر شخوضاً، وأشخصه غيره، وشخص التاجر خرج من منزله، وشخص بكسر الخاء رجع ذكره ابن سيده. ١/ ٢٤١٠ - حدَّثنا أبو الوَلِيدِ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال عبدُ المَلِكِ بنُ مَيْسَرَةَ أخبرني قال سَمِعْتُ النَّزَّلَ قال سَمِعْتُ عبدَ الله يقولُ سَمِعتُ رَجُلاً قرَأَ آيَةً قال سَمِعْتُ مِنَ النبيِّ عَ له خِلافَها فأخذْتُ بِيَدِهِ فَأَتَيْتُ بِهِ رسولَ الله عَ لَّمِ فقال كِلاَّكُما مُحْسِنٌ قال شُعْبَةُ أَظُنُّهُ قال لاَ تَخْتَلِفُوا فإنَّ منْ كانَ قَبْلَكُمْ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا. [الحديث ٢٤١٠ - أطرافه في: ٣٤٠٨، ٣٤١٤، ٢٣٤٧٦، ٤٨١٣، ٥٠٦٣، ٢٦٥١٧، ٦٥١٨، ٧٧٤٢٨، ٧٤٧٧]. مطابقته للترجمة في قوله: ((لا تختلفوا ... )) إلى آخره، لأن الاختلاف الذي يورث الهلاك هو أشد الخصومة، وأشار بعضهم إلى أن الترجمة في قوله: ((فأخذت بيده فأتيت به رسول الله عَّ فقال))، إنه المناسب للترجمة. قلت: الذي قلته هو الأنسب، لأن فيما ذكره احتمال الخصومة، والذي ذكرته فيه الخصومة المحققة على ما لا يخفى. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي. الثاني: شعبة بن الحجاج. الثالث: عبد الملك بن ميسرة الهلالي، يقال له: الزراد، بالزاي وتشديد الراء. الرابع: النزال، بفتح النون وتشديد الزاي: ابن سبرة، بفتح السين وسكون الباء الموحدة: الهلالي. الخامس: عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد في موضع. وفيه: القول في ثلاثة مواضع، وفيه: تقديم الراوي على الصيغة وهو جائز عند المحدثين. وفيه: السماع في أربعة مواضع. وفيه: أن شيخه بصري وشعبة واسطي وعبد الملك كوفي، والنزال صحابي، فيما ذكره أبو عمر، فإنه ذكره في جملة الصحابة، وغيره ذكره في التابعين الكبار، فعلى قول أبي عمر: فيه: رواية الصحابي، وعلى قول غيره: فيه: رواية التابعي عن التابعي، لأن عبد الملك من التابعين. وفيه: أن النزال ليس له في البخاري إلاّ ٣٤٩ ٣٥٠ ٤٤ - كِتَابُ الْخُصوماتِ / باب (١) هذا الحديث عن عبد الله بن مسعود وآخر في الأشربة عن علي، رضي الله تعالى عنه. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في ذكر بني إسرائيل، وفي فضال القرآن عن سفيان ابن حرب، وأخرجه النسائي في فضائل القرآن عن محمد بن عبد الأعلى. ذكر معناه: قوله: ((قرأ آية)) وفي (صحيح ابن حبان): عن عبد الله: أقرأني رسول الله، عَّ الِ، سورة الرحمن، فخرجت إلى المسجد عشية فجلست إلى رهط، فقلت لرجل: اقرأ علي فإذا هو يقرأ أحرفاً لا أقرؤها فقلت: من أقرأك؟ قال: أقرأني رسول الله عَ لَّهِ، فانطلقنا حتى وقفنا على رسول الله عَّ له، فقلت: اختلفنا في قراءتنا فإذا وجه رسول الله عَ لَّم فيه تغيير، ووجد في نفسه حين ذكرت الاختلاف، وقال: إنما هلك من كان قبلكم بالاختلاف، فأمر علياً، رضي الله تعالى عنه، فقال: إن رسول الله عَّله يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما علم، فإنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف، قال: فانطلقنا وكل رجل منا يقرأ حرفاً لا يقرأ صاحبه. انتهى. فهذا يدل على أن كلاً منهما ما خرج عن قراءة السبعة، فلذلك قال رسول الله عَّله: ((كلاكما محسن)) أي: في القراءة، وإفراد الخبر باعتبار لفظ كلا، وأما أصل السبعة فما رواه ابن حبان في (صحيحه) من حديث أبي بن كعب، قال: قرأ رجل آية، وقرأتها على غير قراءته، فقلت: من أقرأك هذه؟ قال: رسول الله عَّله، فانطلقت، فقلت: يا رسول الله أقرأتني آية كذا وكذا، قال: نعم، فقال الرجل له: أقرأتني آية كذا وكذا، قال: نعم، إن جبريل وميكائيل، عليهما الصلاة والسلام، أتياني فجلس جبريل عن يميني وميكائيل، عليه الصلاة والسلام، عن يساري فقال جبريل: يا محمد إقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزده، فقلت: زدني. فقال: إقرأ على حرفين، فقال ميكائيل: استزده، حتى بلغ سبعة أحرف، وقال: كل كافٍ شافٍ، وفي لفظ: أنزل علي القرآن على سبعة أحرف، وعند الترمذي: قال النبي عَّ ◌ُله: جبريل! إني بعثت إلى أمة أمية منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتاباً قط، قال: يا محمد! إن القرآن أنزل على سبعة أحرف. قوله: ((قال شعبة)) هو بالإسناد المذكور. قوله: ((أظنه قال)) أي: قال النبي عَّ ◌ُله: لا تختلفوا أي: لا تختلفوا في القرآن، والاختلاف فيه كفر إذا نفى إنزاله إذا كان يقرأ خلاف ذلك، ولا يخير بين القراءتين، لأنهما كلاهما كلامه قديم غير مخلوق، وإنما التفضيل في الثواب. وفي (معجم) أبي القاسم البغوي: حدثنا عبد الله بن مطيع حدثنا إسماعيل بن جعفر عن يزيد بن خصيفة عن مسلم بن معبد عن أبي جهيم بن الحارث بن الصمة: أن رسول الله عَّلَّه قال: ((إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فلا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر)) ورواه أيضاً أبو عبيد بن سلام في كتاب (القرآآت) تأليفه عن إسماعيل بن جعفر. ٢٤١١/٢ - حدَّثنا يَحْتَى بِنُ قَزَعَةَ قال حدَّثنا إبرَاهِيمُ بنُ سَعْدِ عنِ ابنِ شِهابٍ عن أبي سلَمَّةَ وعبد الرَّحْمنِ الأعْرَجِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال اسْتَبَّ رَبجُلانٍ رجُلٌ مِنَ ٣٥١ ٤٤ - كِتَابُ الْخُصوماتِ / باب (١) الْمُسْلِمينَ ورَجلٌ مِنَ اليَهُودِ قال الْمُسلِمُ والَّذِي اضْطَفى مُحَمَّداً عَلَى الْعَالَمِينَ فقال الْيَهُودِيُّ والَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالَمِينَ فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذلِكَ فَلَطَمَ وجْهَ الْيَهُودِيِّ فَذَهَب الْيَهُودِيُّ إلى النبيِّ عَّلَه فأخبرَهُ بِما كانَ مِنْ أَمْرِهِ وأمْرِ الْمُسلِمِ فدَعا النبيُّ عَ لَّهِ الْمُسلِمَ فَسَأْلَهُ عنْ ذلِكَ فَأُخْبَرَهُ فقال النبي عَّلّهِ لا تُخَيِّرُوني علَى مُوسَىَ فإنَّ النَّاسَ يَضْعَقونَ يومَ القِيامَةِ فَأَضْعَقُ مَعْهُمْ فأكونُ أولَ مَنْ يُفِيقُ فإذَا مُوسَى باطِشٌ جانِبَ العَرْشِ فَلاَ أَذْرِي أَكانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبلي أوْ مِمَّنْ اسْتَشْنى الله .. مطابقته للترجمة في قوله: ((استب رجلان))، فإن الاستباب عن اثنين لا يكون إلاَّ بالخصومة. ورجاله قد ذكروا غير مرة. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التوحيد وفي الرقاق عن يحيى بن قزعة وعبد العزيز بن عبد الله. وأخرجه مسلم في الفضائل عن زهير بن حرب وأبي بكر بن أبي النضر. وأخرجه أبو داود في السنة عن حجاج بن أبي يعقوب ومحمد بن يحيى بن فارس. وأخرجه النسائي في النعوت وفي التفسير عن محمد بن عبد الرحيم. ذكر معناه: قوله: ((عن أبي سلمة وعن عبد الرحمن الأعرج))، يعني: الزهري يروي عنهما جميعاً، وهما يرويان جميعاً عن أبي هريرة، ويروي عن ابن شهاب والأعرج. قوله: ((استب رجلان))، من السب وهو الشتم، من سبه يسبه سباً وسباباً. قوله: ((رجل))، أي: أحدهما رجل من المسلمين، قيل: هو أبو بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، ووقع في (جامع) سفيان: عن عمرو بن دينار أن الرجل الذي لطم اليهودي هو أبو بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((ورجل من اليهود))، أي والآخر رجل من اليهود، ذكر في (تفسير ابن اسحاق) أن اليهودي اسمه: فنخاص، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء﴾ [آل عمران: ١٨١]. قوله: ((والذي اصطفى محمداً)) أي: والله الذي اختار محمداً على العالمين، وأصل اصطفى اصتفى. لأنه من الصفوة، فلما نقل: صفا، إلى باب الافتعال فقيل: اصتفى. قلبت تاؤه طاء، لأن الصاد من المجهورة والتاء من المهموسة فلا يعتدلان. قوله: ((لا تخيروني))، أي: لا تفضلوني على موسى. فإن قلت: نبينا محمد، عَ لَه أفضل الأنبياء والمرسلين، وقال: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر))، فما وجه قوله: ((لا تخيروني))، أي: تفضلوني؟ قلت: الجواب عنه من أوجه: الأول: أنه قبل أن يعلم أنه أفضلهم، فلما علم قال: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر)). الثاني: أنه نهى عن تفضيل يؤدي إلى تنقيص بعضهم، فإنه كفر. الثالث: أنه نهى عن تفضيل يؤدي إلى الخصومة، كما في الحديث من لطم المسلم اليهودي. الرابع: أنه قال تواضعاً ونفياً للكبر والعجب. الخامس: أنه نهى عن التفضيل في نفس النبوة لا في ذوات الأنبياء، عليهم السلام، وعموم رسالتهم وزيادة خصائصهم، وقد قال تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وقال ابن التين: معنى لا تخيروا بين الأنبياء، يعني: من غير علم، وإلاّ فقد قال تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم ٣٥٢ ٤٤ - كِتابُ الْخُصوماتِ / باب (١) على بعض﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وأغرب ابن قتيبة فأجاب بأنه سيد ولد آدم يوم القيامة، لأنه الشافع يومئذ، وله لواء الحمد والحوض. قوله: ((يصعقون))، يعني يخرون صراعاً بصوت يسمعونه يوجب فيهم ذلك، من صعق يصعق من باب علم يعلم، وقال ابن الأثير: الصعق أن يغشى على الإنسان من صوت شديد يسمعه، وربما مات منه ثم استعمل في الموت كثيراً، والصعقة المرة الواحدة منه، وقال النووي: الصعق والصعقة: الهلاك والموت، يقال منه: صعق الإنسان بفتح الصاد وضمها، وأنكر بعضهم الضم، منهم القزاز فإنه قال: لا يقال: صعق ولا هو مصعوق. وقال الطبري، بإسناده عن ابن عباس: ﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا﴾ تراباً. ﴿وخر موسى صعقاً﴾ [الأعراف: ١٤٣]. قال: مغشياً عليه، وفي رواية: ((فلم يزل صعقاً ما شاء الله)). وقال ابن الجوزي: وهو بالموت أشبه، وفي (تفسير الطبري): عن قتادة وابن جريج: ﴿وخر موسى صعقاً﴾ [الأعراف: ١٤٣]. قالا: ميتاً .. وفي (التهذيب) للأزهري: قوله تعالى: ﴿فلما أفاق﴾ [الأعراف: ١٤٣]. دليل الغشي لأنه يقال للمغشي عليه وللذي ذهب عقله: قد أفاق، وفي الميت: بعث ونشر. قوله: ((فأكون أول من يفيق))، وفي لفظ: ((أول من تنشق عنه الأرض))، قيل: هو مشكل، لأن الأحاديث دالة على أن موسى قد توفي، وأنه عَِّ زاره في قبره، وجه الإشكال أن نفخة الصعق إنما يموت بها من كان حياً في هذه الدار، فأما من مات فيستحيل أن يموت ثانياً وإنما ينفخ في الموتى نفخة البعث، وموسى قد مات فلا يصح أن يموت مرة أخرى، ولا يصح أن يكون مستثنى من نفخة الصعق، لأن المستثنين أحياء لم يموتوا ولا يموتون، ولا يصح استثناؤهم من الموتى. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد بهذه الصعقة صعقة فزع بعد الموت حين تنشق السموات والأرض. وقال النووي: يحتمل أن يكون موسى ممن لم يمت من الأنبياء، وهو باطل. وقال القاضي: يحتمل أن يكون المراد بهذه الصعقة صعقة فزع بعد الموت حين تنشق السموات والأرض، وقال النووي: يحتمل أنه، عَّلَّهِ، قال هذا قبل أن يعلم أنه أول من تنشق عنه الأرض، إن كان هذا اللفظ على ظاهره، وأن نبينا، عَِّ، أول من تنشق عنه الأرض، فيكون موسى، عليه الصلاة والسلام، من تلك الزمرة، وهي والله أعلم: زمرة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فإن قلت: إذا جعلت له تلك عوضاً من الصعقة فيكون حياً حالة الصعق، وحينئذ لم يصعق. قلت: الموت ليس بعدم، إنما هو انتقال من دار إلى دار، فإذا كان هذا للشهداء كان الأنبياء بذلك أحق وأولى، مع أنه صح عنه، عَّلَّه، أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، وأن النبي، عَّه، قد اجتمع بهم ليلة الإسراء ببيت المقدس والسماء خصوصاً بموسى عليه الصلاة والسلام، فتحصل من جملة هذا القطع بأنهم غيبوا عنا بحيث لا ندركهم، وإن كانوا موجودين أحياء، وذلك كالحال في الملائكة، عليهم الصلاة والسلام، فإنهم موجودون أحياء لا يراهم أحد من نوعنا إلاَّ من خصه الله تعالى بكرامته. وإذا تقرر أنهم أحياء فهم فيما بين السموات والأرض، فإذا نفخ في الصور نفخة ٠ ٣٥٣ ٤٤ - كِتابُ الْخُصوماتِ / باب (١) الصعق صعق كل من في السموات والأرض إلا من شاء الله فأما صعق غير الأنبياء فموت، وأما صعق الأنبياء فالأظهر أنه غشي، فإذا نفخ في الصور نفخة البعث فمن مات حيي ومن غشي عليه أفاق، فإذا تحقق هذا علم أن نبينا عّ لِّ أول من يفيق وأول من يخرج من قبره قبل الناس كلهم، الأنبياء وغيرهم، إلاَّ موسى، عليه الصلاة والسلام، فإنه حصل له فيه تردد: هل بعث قبله أو بقي على الحالة التي كان عليها، وعلى أي الحالتين كان، فهي فضيلة عظيمة لموسى، عليه الصلاة والسلام، ليست لغيره. قلت: لقائل أن يقول: إن سيدنا محمداً عَّله لما يرفع بصره حين الإفاقة يكون إلى جهة من جهات العرش، ثم ينظر ثانياً إلى جهة أخرى منه فيجد موسى به ويلتئم. قوله: ((أنا أول من تنشق عنه الأرض)). قوله: ((فإذا موسى باطش))، كلمة: إذا، للمفاجأة، ومعنى باطش متعلق به بقوة، والبطش: الأخذ القوي الشديد. قوله: ((فلا أدري ... )) إلى آخره. فإن قلت: يأتي في حديث أبي سعيد عقيب هذا: ((فلا أدري أكان فيمن صعق أم حوسب بصعقته الأولى؟)) فما الجمع بين هذه الثلاثة؟ قلت: المعنى لا أدري - أي: هذه الثلاثة كانت من الإفاقة، أو الاستثناء أو المحاسبة - والمستثنى قد يكون نفس من له الصعقة في الدنيا. قوله: ((ممن استثنى الله))، يعني في قوله تعالى: ﴿فصعق من في السموات ومن في الأرض إلاَّ من شاء الله﴾ [الزمر: ٦٨]. أن لا يصعق، وهم: جبريل وإسرافيل وميكائيل وعزرائيل، وزاد كعب: حملة العرش، وروى أنس مرفوعاً: «ثم تموت الثلاثة الأول، ثم ملك الموت بعدهم، وملك الموت يقبضهم، ثم يميته الله)). وروى أنس مرفوعاً: ((آخرهم موتاً جبريل، عليه الصلاة والسلام، وقال سعيد بن المسيب: ﴿إِلاَّ من شاء الله﴾ [الزمر: ٦٨]. الشهداء متقلدون بالسيوف حول العرش. ٢٤١٢/٣ _ حدَّثنا موسَى بنُ إسْمَاعيلَ قال حدَّثنا وُهَيْبٌ قال حدَّثنا عَمْرُو بنُ يَحْيِى عنْ أبِيهِ عنْ أبي سعيدِ الْخُذْرِيِّ رضي الله تعالى عنهُ قال بَيْنَما رسولُ اللهِ عَ اله جالِسٌ جاءَ يَهُودِيٌّ فقال يا أبَا القَاسِمِ ضَرَبَ وجْهِي رجُلٌ مِنْ أصْحَابِكَ فقالَ مَنْ قال رجلٌ مِنَ الأنْصَارِ قال اذْعوهُ فقال أضرَبْتَهُ قالَ سَمِعْتُهُ بالسُّوقِ يَخْلِفُ والَّذِي اصْطَفى موسَى علَى البَشَرِ قُلْتُ أَيْ خَبِيثُ علَى مُحَمَّدٍ عَُّلِّ فَأخَذَتْنِي غَضْبَةٌ ضرَبْتُ وجْهَهُ فقال النبيُّ عَ لَّهِ لاَ تُخَيِّرُوا بَينَ الأنبِياءِ فإنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ فَأكونُ أوَّلَ منْ تَنشَقُّ عَنْهُ الأرْضُ فإذَا أَنَا يُوسى آخِذٌ بِقائِمَةٍ مِنْ قَوائِم الْعَرْشِ فَلاَ أدْرِي أكانَ فِيمَنْ صَعِقَ أمْ حُوسِبَ بِصَعْقَةٍ الْأُولى. [الحديث ٢٤١٢ - أطرافه في: ٣٣٩٨، ٤٦٣٨، ٦٩١٦، ٦٩١٧، ٧٤٢٧]. مطابقته للترجمة في قوله: ((ادعوه))، فإن المراد به إشخاصه بين يدي النبي، عليه السلام. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: موسى بن إسماعيل أبو سلمة المنقري التبوذكي. الثاني: وهيب ـ مصغر وهب - بن خالد أبو بكر. الثالث: عمرو بن يحيى الأنصاري. الرابع: عمدة القاري/ ج١٢ م٢٣ ٣٥٤ ٤٤ - كِتابُ الْخُصوماتِ / باب (١) أبوه يحيى بن عمارة بن أبي حسن. الخامس: أبو سعيد الخدري، اسمه سعد بن مالك، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: أن شيخه وشيخ شيخه بصريان، وعمراً وأباه مدنيان. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في التفسير وفي الديات، وفي أحاديث الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، وفي التوحيد عن محمد بن يوسف، وفي الديات عن أبي نعيم عن سفيان به مختصراً. وأخرجه مسلم في أحاديث الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعن محمد بن عبد الله بن نمير وعن عمرو الناقد: وأخرجه أبو داود في السنة عن موسى به مختصراً: لا تخيروا بين الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام. ذكر معناه: قوله: ((بينما)) مر الكلام فيه غير مرة. قوله: ((رسول الله)) مبتدأ وخبره. قوله: ((جالس). وقوله: ((جاء يهودي)) جواب: بينما. قوله: ((فقال من؟)) يعني: من ضربك. قوله: ((قال: رجل)) أي: قال اليهودي: ضربني رجل من الأنصار. قوله: ((قال: ادعوه)) أي: قال النبي عَّ ◌ُله: ادعوا أي: اطلبوا هذا الرجل. قوله: ((فقال: أضربته؟)) فيه حذف تقديره، أي: فحضر الرجل فقال له النبي عَّله: هل ضربت الرجل؟ قوله: ((على البشر))، كذا هو في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: على النبيين. قوله: ((أي خبيث))، أي: قلت: يا خبيث! على محمد؟ أي: اصطفى موسى على محمد؟ والاستفهام فيه على سبيل الإنكار. قوله: ((فإذا أنا بموسى))، كلمة: إذا، للمفاجأة، والباء، في: بموسى، للإلصاق المجازي، معناه: فإذا أنا بمكان يقرب من موسى، أي: من رؤيته. قوله: ((آخذ))، على وزن فاعل مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو آخذ، ومن جهة العربية يجوز أن يكون منصوباً على الحال. قوله: ((بقائمه))، القائمة في اللغة واحدة قوائم الدابة، والمراد ههنا ما هو كالعمود للعرش. وقال ابن بطال فيه: أن لا قصاص بين المسلم والذمي، لأنه، عَّهِ، لم يأمر بقصاص اللطمة. ٤ / ٢٤١٣ - حدَّثنا مُوسَى قال حدَّثنا هَكَّامٌ عن قَتَادةَ عنْ أَنَسٍ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ يَهُودياً رضَّ رأسَ جارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ قِيلَ من فَعَلَ هذَا بِكِ أفُلانٌ أفُلانٌ حتَّى سُمِّيَ الْيَهُودِيُّ فَأَوْمَتْ بِرَأْسِها فَأَخِذَ الْيَهُودِيُّ فَاعْتَرَفَ فأمَرَ بِهِ النبيُّ عَ لّهِ فِرْضَّ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ. [الحديث ٢٤١٣ - أطرافه في: ٢٧٤٦، ٥٢٩٥، ٦٨٧٦، ٦٨٧٧، ٦٨٧٩، ٦٨٨٤، ٦٨٨٥]. مطابقته للترجمة من حيث إنه يشتمل على خصومة بين يهودي وجارية من الأنصار، وموسى هو ابن إسماعيل المذكور وهمام - على وزن فعال بالتشديد - ابن يحيى بن دينار البصري. ٣٥٥ ٤٤ - كِتابُ الْخُصوماتِ / باب (١) والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الوصايا عن حسان بن أبي عباد وفي الديات عن حجاج بن منهال وعن إسحاق عن ابن حبان. وأخرجه مسلم في الحدود عن هدبة بن خالد، وأخرجه أبو داود في الديات عن علي بن محمد عن محمد بن كثير. وأخرجه الترمذي فيه والنسائي في القود جميعًا عن علي بن حجر. وأخرجه ابن ماجه في الديات عن علي بن محمد عن وكيع. ذكر معناه: قوله: ((رض))، بتشديد الضاد المعجمة أي: دق يقال: رض الشيء رضاً فهو رضيض ومرضوض، وقال ابن الأثير: الرض الدق الجريش. قوله: ((رأس جارية))، كانت هذه الجارية من الأنصار كما صرح به في رواية أبي داود، واختلفت ألفاظ هذا الحديث فههنا رض رأس جارية بين حجرين، وفي رواية للبخاري، على ما سيأتي: أن يهودياً قتل جارية على أوضاح لها، فقتلها بين حجرين، وفي رواية للطحاوي: ((عدا يهودي في عهد رسول الله عَّلّ على جارية، فأخذ أوضاحاً كانت عليها ورضخ رأسها)). وفي رواية لمسلم: فرضخ رأسها بين حجرين، وفي رواية لأبي داود: أن يهودياً قتل جارية من الأنصار على حلي لها، ثم ألقاها في قليب رضخ رأسها بالحجارة، فأُخِذَ فأُتي به النبي عَّهِ، فأمر به أن يُرجم حتى يموت، فرجم حتى مات، وفي رواية الترمذي: خرجت جارية عليها أوضاح، فأخذها يهودي فرضخ رأسها وأخذ ما عليها من حلي، قال: فأدركت وبها رمق، فأتي بها النبي عَّةُ، فقال: من قتلك؟ الحديث. قلت: الاختلاف في الألفاظ لا في المعاني، فإن الرضخ والرض والرجم كله عبارة ههنا عن الضرب بالحجارة، والأوضاح جمع وضح، بالضاد المعجمة والحاء المهملة، وهو نوع من الحلي يعمل من الفضة، سميت بها لبياضها، والرضخ، بالضاد والخاء المعجمتين: وهو الدق والكسر هنا، ويجيء بمعنى الشدخ أيضاً وبمعنى العطية. قوله: ((أفلان؟ أفلان؟)) الهمزة فيهما للاستفهام على سبيل الاستخبار. قوله: ((فأومت))، كذا ذكره ابن التين، ثم قال: صوابه فأومأت، وثلاثيه: وما، وفي (المطالع): يقال منه: وما وأومأ، وفي (الصحاح): أومأت إليه: أشرت، ولا تقل أوميت وومأت إليه إماء ووماء، لغة وهذا معتل الفاء مهموز اللام. ذكر ما يستفاد منه: احتج به عمر بن عبد العزيز وقتادة والحسن وابن سيرين ومالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وإسحاق وابن المنذر وجماعة من الظاهرية: على أن القاتل يقتل بما قتل به، وقال ابن حزم: قال مالك: إن قتلَه بحجر أو بعصا أو بالنار أو بالتفريق قتل بمثل ذلك، يكرر عليه أبداً حتى يموت. وقال الشافعي: إن ضربه بحجر أو بعصا حتى مات ضرب بحجر أو بعصا أبداً حتى يموت، فإن حبسه بلا طعام ولا شراب حتى مات حبس مثل المدة حتى يموت، فإن لم يمت قتل بالسيف، وهكذا إن غرقه، وهكذا إن ألقاه من مهواة عالي، فإن قطع يديه ورجليه فمات قطعت يدا القاتل ورجلاه، فإن مات وإلاَّ قتل بالسيف. وقال أبو محمد: إن لم يمت ترك كما هو حتى يموت لا يطعم ولا يسقى، وكذلك إن قتله جوعاً أو عطشاً عطّش أو جوّع حتى يموت، ولا تراعى المدة أصلاً. وقال ابن شبرمة: إن غمسه في الماء ٣٥٦ ٤٤ - كِتَابُ الْخُصوماتِ / باب (١) حتى مات غمس حتى يموت، وقال عامر الشعبي وإبراهيم النخعي والحسن البصري وسفيان الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، رحمهم الله: لا يقتل القاتل في جميع الصور إلاّ بالسيف، واحتجوا في ذلك بما رواه أبو داود الطيالسي عنٍ قيس عن جابر الجعفي عن أبي عازب عن النعمان بن بشير عن النبي عَّ لِ قال: لا قود إلاّ بحديدة. ورواه الطحاوي: حدثنا ابن مرزوق، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا سفيان الثوري عن جابر عن أبي عازب عن النعمان. قال: قال رسول الله عَ له: لا قود إلاَّ بالسيف، وأخرجه الدارقطني: حدثنا محمد بن سليمان النعماني حدثنا الحسن بن عبد الرحمن الجرجرائي. حدثنا موسى بن داود عن مبارك عن الحسن، قال: قال رسول الله، عَّله: لا قود إلاَّ بالسيف. قيل للحسن: عمن؟ قال: سمعت النعمان بن بشير يذكر ذلك. وقيل: عن مبارك بن فضلة عن الحسن عن أبي بكرة مرفوعاً، رواه الوليد بن صالح عنه. وأخرجه ابن أبي شيبة مرسلاً: حدثنا عيسى بن يونس عن أشعث وعمرو بن عبيد عن الحسن، قال: قال رسول الله عَُّله: لا قود إلاَّ بالسيف، وجه الاستدلال به أن معناه: لا قصاص حاصل إلاَّ بالسيف، وقد علم أن النكرة في موضع النفي تعم، ويكون المعنى: لا فرد من أفراد القود إلاَّ وهو مستوفّى بالسيف. وقيل: النفي والاستثناء، وهو طريق من طرق القصر، وتحقيق القصر فيه أنه لما قيل: لا قود توجه النفي إلى ذات القود، فانتفى القود المنكر الشامل لكل واحد من أفراد القود، ولما قيل: إلاَّ بالسيف، جاء القصر، وفيه إثبات ذلك القود المنفي بالسيف، وإنما قلنا: توجه النفي إلى ذات القود، لأن القود معنى من المعاني وليس له قيام إلاَّ بالذات، والذات لا يتوجه إليه النفي، ولهذا نقول: المنفي في قولنا إنما زيد قائم، هو اتصاف زيد بالقيام لا ذات زيد، لأن أنفس الذوات أي: الأجسام، يمتنع نفيها، كما بين ذلك في الطبيعيات. فإن قلت: قال البيهقي: هذا حديث لم يثبت له إسناد، وجابر الجعفي مطعون فيه. قلت: الجعفي، وإن طعن فيه، فقد قال وكيع: مهما تشككتم فيه فلا تشكوا في أن جابراً ثقة، وقال شعبة: صدوق في الحديث، وقال الثوري لشعبة: لئن تكلمت في جابر لتكلمت فيك، وقال الذهبي في (الكاشف): إن ابن حبان أخرج له في (صحيحه) وقد تابع الثوري أيضاً قيس بن الربيع، كما ذكرنا في رواية الطيالسي، وقال عفان: كان قيس ثقة وثقه الثوري وشعبة، وقال أبو داود الطيالسي: هو ثقة حسن الحديث، ثم إنا، ولئن سلمنا ما قاله البيهقي، فقد وجدنا شاهداً لحديث النعمان المذكور، وهو ما رواه ابن ماجه: حدثنا إبراهيم بن المستمر حدثنا الحر بن مالك العنبري حدثنا مبارك بن فضالة عن الحسن عن أبي بكرة قال: قال النبي عَّهِ: ((لا قود إلاَّ بالسيف،)) وسنده جيد، وابن المستمر صدوق، كذا قال النسائي، والحر، قال ابن أبي حاتم في كتابه: سألت أبي عنه فقال: صدوق، والمبارك، وإن تكلم فيه، فقد أخرج له البخاري في المبايعات في: باب قول النبي عَّم يخوف الله عباده بالكسوف، وأخرج له ابن حبان في (صحيحه) والحاكم في (مستدر كه) ووثقه، وقال عفان: كان ثقة، ووثقه ابن معين مرة وضعفه أخرى، وكان يحيى القطان يحسن الثناء عليه، وروي أيضاً نحوه ٣٥٧ ٤٤ - كِتابُ الْخُصوماتِ / باب (١) عن أبي هريرة، أخرجه البيهقي في (سننه) من حديث ابن مصفى: حدثنا بقية حدثنا سليمان عن الزهري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَّةٍ: ((لا قود إلاّ بالسيف))، ثم قال البيهقي: ورواه بقية بن الوليد عن أبي معاذ هو سليمان بن أرقم عن الزهري هكذا، وعن أبي معاذ عن عبد الكريم بن أبي المخارق عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله: أن رسول الله عَ لّهِ، قال: ((لا قود إلاّ بسلاح)). ورواه معلى بن هلال عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله عَّ له: ((لا قود إلاَّ بحديدة)). وروى أيضاً عن أبي سعيد الخدري، أخرجه الدارقطني عن عبد الصمد بن علي عن الفضل بن عباس عن يحيى بن غيلان عن عبد الله بن بزيع عن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان عن جابر عن أبي عازب عن أبي سعيد الخدري عن النبي عَّم قال: ((القود بالسيف والخطأ على العاقلة))، وهذا الحديث كما رأيت قد روي عن النعمان بن بشير وأبي بكرة وأبي هريرة وعبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري، رضي الله تعالى عنهم، ولا شك أن بعضها يشهد لبعض، وأقل أحواله أن يكون حسناً، فإذا كان حسنًا صح الاحتجاج به .. وأجابوا عن حديث الباب بأنه عّ لّ رأى أن ذلك القاتل يجب قتله لله تعالى إذا كان إنما قتل على مال، قد بين ذلك في الحديث الذي فيه الأوضاح، كما يجب دم قاطع الطريق لله تعالى، فكأن له أن يقتله كيف شاء، بسيف أو بغيره، وأيضاً روي في هذا الحديث، فيما رواه مسلم وأبو داود، أنه عّلِّ أمر به أن يرجم حتى يموت، فرجم حتى مات، وقد مر عن قريب، فدل ذلك أن قتل القاتل لا يتعين أن يكون بما قتل به. وجواب آخر: أن ذلك كان حين كانت المثلة مباحة، كما فعل عَّ ◌ُلّه بالعرنيين، ثم نسخت بعد ذلك، ونهى عنها عَِّ. وفيه: إيماء تلك الجارية، واختلف العلماء في إشارة المريض، فذهب الليث ومالك والشافعي إلى أنه إذا ثبتت إشارته على ما يعرف من حضره جازت وصيته، وقال أبو حنيفة والأوزاعي والثوري: إذا سئل المريض عن الشيء فأوماً برأسه أو بيده فليس بشيء حتى يتكلم. قال أبو حنيفة: وإنما تجوز إشارة الأخرس أو من لحقته سكتة لا يتكلم، وأما من اعتقل لسانه ولم يوم به ذلك فلا تجوز إشارته. وقال صاحب (التوضيح): قلت: الحديث حجة عليه. قلت: لو أدرك ما ذكرناه آنفاً لما اجترأ بإبراز هذا الكلام، فلا يكثر مثل هذا على قاصر الفهم وفائت الإدراك، والنبي معَّ له لم يكتف بإشارة الجارية في قتل اليهودي، وإنما قتله باعترافه. وقال الإسماعيلي: من أطاق الإبانة عن نفسه لم تكن إشارته فيما له أو عليه واقعة موقع الكلام، لكن تقع موقع الدلالة على ما يراد، لا فيما يؤدي إلى الحكم على إنسان بإشارة غيره، ولو كان كذلك لقبلت شهادة الشاهدين بالإشارة والإيماء. وقال بعض الشافعية: في هذا الحديث حجة على أبي حنيفة حيث لم يوجب القصاص فيمن قتل بمثقل عمداً، وإنما يجب عنده دية مغلظة، والحديث حجة عليه، وخالفه غيره من الأئمة: مالك والشافعي وأحمد وجماهير العلماء، والجواب عن هذا: أن عادة ذلك اليهودي كانت قتل الصغار بذلك الطريق، فكان ساعياً في الأرض بالفساد، فقتل سياسة. واعترضوا بأنه لو قتل لسعيه في الأرض ٣٥٨ ٤٤ - كِتابُ الْخُصوماتِ / باب (٢) بالفساد لما قتل مماثلة برض رأسه بين الحجرين، ورد بأن قتله مماثلة كان قبل تحريم المثلة، فلما حرمت نسخت، فكان القتل بعد ذلك بالسيف. وفيه: بيان أن الرجل يقتل بالمرأة، وهو مجمع عليه عند من يعتد بإجماعه. وفيه: خلاف شاذ. وفيه: قتل الكافر بالمسلم، والله أعلم. ٢ - بابُ منْ رَدَّ أَمْرَ السَّفِيهِ والصَّعِيفِ العَقْلِ وإنْ لَمْ يَكُنْ حَجَرَ عَلَيْهِ الإِمَامُ أي: هذا باب في بيان حكم من رد أمر السفيه، وهو - ضد: الرشيد - وهو الذي يصلح دينه ودنياه، والسفيه هو الذي يعل بخلاف موجب الشرع، ويتبع هواه ويتصرف لا لغرض، أو لغرض لا يعده العقلاء من أهل الديانة غرضاً، مثل دفع المال إلى المغني واللعاب وشراء الحمام الطيارة بثمن غال وغير ذلك. قوله: ((والضعيف العقل)) أعم من السفيه. قوله: ((وإن لم يكن)) وأصل بما قبله: يعني: حجر الإمام عليه أو لم يحجر، فإِن بعضهم يرد تصرف السفيه مطلقاً، وهو قول ابن القاسم أيضاً، وعند أصبغ: لا يرد عليه إلاّ إذا ظهر سفهه، وقال غيرهما من المالكية: لا يرد مطلقاً إلاَّ ما تصرف فيه بعد الحجر، وبه قالت الشافعية، وعند أبي حنيفه. لا يحجر بسبب سفه ولا يرد تصرفه مطلقاً، وعند أبي يوسف ومحمد: يحجر عليه في تصرفات لا تصح مع الهزل: كالبيع والهبة والإجارة والصدقة، ولا يحجر عليه في غيرها، كالطلاق ونحوه، وقال الشافعي: يحجر عليه في الكل ولا يحجر عليه أيضاً عند أبي حنيفة بسبب غفلة وهو عاقل غير مفسد، ولا يقصده ولكنه لا يهتدي إلى التصرفات الرابحة، وعندهما يحجر عليه كالسفيه. ويُذْكَرُ عنْ جابِرٍ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَ لَّه ردِّ عَلَى الْمُتَصَدِّقِ قَبْلَ النَّهْيِ ثُمَّ نَهَاهُ هذا التعليق ذكره البخاري في كتاب البيوع في: باب بيع المزايدة موصولاً عن جابر ابن عبد الله: أن رجلاً أعتق غلاماً له عن دبر فاحتاج الحديث، ورواه النسائي موصولاً، أيضاً، ولفظه: أعتق رجل من بني عذرة عبداً له عن دبر، فبلغ ذلك النبي عَِّ فقال له: ألك مال غيره؟ قال: لا. قال رسول الله عَّ له: من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله العدوي بثمانمائة درهم، فجاء بها رسول الله عَ ليه فدفعها إليه، ثم قال: إبدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك فإن فضل عن ذي قرابتك شيء، فهكذا وهكذا، يقول: بين يديك وعن يمينك وشمالك. فإن قلت: الذي ذكره البخاري في الباب المذكور صحيح، فكيف ذكر هنا بصيغة التمريض؟ قلت: هذا المقدار الذي ذكره هنا ليس على شرطه، فلذلك ذكره بصيغة التمريض، ومن عادته غالباً أنه لا يجزم إلاَّ ما كان على شرطه، فإن قلت: ما المطابقة بين هذا المعلق والترجمة؟ قلت: هي أنه معَّ له إنما رد على المتصدق المذكور صدقته مع احتياجه إليها لأجل ضعف عقله، لأنه ليس من مقتضى العقل أن يكون الشخص محتاجاً فيتصدق على غيره، فلذلك أمر في الحديث المذكور أن يتصدق ٣٥٩ ٤٤ - كِتابُ الْخُصوماتِ / باب (٣) على نفسه أولاً، ثم: إن فضل من ذلك شيء فيتصدق به على أهله، فإن فضل شيء فيتصدق به على قرابته، فإن فضل شيء يتصدق به على من شاء من غير هؤلاء. قوله: ((رد على المتصدق)) أي: رد على المتصدق المذكور في حديث جابر: صدقته مع احتياجه إليها. قوله: ((ثم نهاه)) أي: عن مثل هذه الصدقة بعد ذلك. وقال مالِكٌ إِذَا كانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ مالٌ ولَهُ عَبْدٌ لا شيْءَ لَهُ غَيْرُهُ فأعْتَقَهُ لَمْ يَجُزْ عِنْقُهُ هكذا ذكره مالك في (موطئه) أخرجه عنه عبد الله بن وهب، واستنبط مالك ذلك عن قضية المدير الذي باعه النبي عَّم على صاحبه، واختلف العلماء في السفيه قبل الحكم: هل ترد عقوده؟ فاختار البخاري ردها، واستدلَّ بحديث المدبر، وذكر قول مالك في رد عتق المديان قبل الحجر إذا أحاط الدين بماله، ويلزم مالكاً رد أفعال سفيه الحال لأن الحجر في السفيه والمديان مطرد. ٣ - ومنْ باعَ عَلى الضَّعِيفِ ونَحْوِهِ فَدَفَعَ ثَمنَهُ إلَيْهِ وأمَرَهُ بالإِصْلاحِ والقِيامِ بِشَأْنِهِ فإِنْ أَفْسَدَ بَعْدُ مَنَعَهُ لأنَّ النبيَّ عَِّ نَهَى عنْ إِضَاعَةِ المالِ وقال لِلَّذِي يُخْدَّعُ فِي الْبَيْعِ إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لا خِلابَةَ وَلَمْ يَأْخُذِ النبيُّ عَلِ مَالَهُ هكذا وقع قوله: ((ومن باع ... )) إلى آخره بالعطف على ما قبله في رواية الأكثرين، ووقع في رواية أبي ذر: باب من باع على الضعيف ... إلى آخره، وذكر لفظ: باب، ليس له فائدة أصلاً. قوله: ((على الضعيف)) أي: ضعيف العقل، والألف واللام فيه للعهد، وهو المذكور في الترجمة. قوله: ((ونحوه)) هو السفيه. قوله: ((فدفع))، ویروی: ودفع، بالواو، وهذا حاصل ما فعله النبي، عَّةٍ، في بيع المدبر المذكور، لأنه لما باعه دفع ثمنه إليه ونبهه على طريق الرشد، وأمره بالإصلاح والقيام بشأنه، وما كان سفهه حينئذ في ذلك إلاَّ ناشئاً عن الغفلة وعدم البصيرة بمواقع المصالح، ولهذا سلم إليه الثمن، ولو كان منعه لأجل سفهه حقيقة لم يكن يسلم إليه الثمن. قوله: ((فإن أفسد بعد))، بضم الدال لأنه مبني على الضم وإضافته منوية أي: وإن أفسد هذا الضعيف الحال بعد ذلك منعه، أي: حجر عليه من التصرف. قوله: ((لأن النبي عَّ ... )) إلى آخره، تعليل لما ذكره من منعه بعد ذلك، والنهي عن إضاعة المال قد مر عن قريب في: باب إضاعة المال. قوله: ((وقال للذي)) أي: وقال النبي عَّ للرجل الذي كان يخدع في البيع ... إلى آخره، قد مر في: باب ما يكره من الخداع في البيع. قوله: ((ولم يأخذ النبي عَّلِ ماله))، أي: مال الرجل الذي باع النبي عَّه. غلامه، إنما لم يأخذ لأنه لم يظهر عنده سفهه حقيقة، إذ لو ظهر لمنعه من أخذ الثمن، وقد مر. ٢٤١٤/٥ - حدَّثنا موسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا عبدُ العَزِيزِ بنُ مُسْلِم قال حدَّثنا عبدُ الله بنُ دِينارٍ قال سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُما قال كانَ رَجُلٌ يُخْدَعُ فِي ٣٦٠ ٤٤ - كِتَابُ الْخُصوماتِ / باب (٤) الْبَيْعِ فقال لَهُ النبيُّ عَ لَّ إِذَا بايَعْتَ فَقُلْ لا خِلاَبَةَ فكانَ يَقُولُهُ. [انظر الحديث ٢١١٧ وأطرافه]. بين بهذا قوله الذي مضى الآن، وهو قوله: ((وقال للذي يخدع)) إلى آخره، وقد مر في: باب ما يكره من الخداع في البيع، فإنه أخرجه هناك: عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن عبد الله بن دينار إلى آخره، وهنا أخرجه: عن موسى بن إساعيل المنقري البصري التبوذكي عن عبد العزيز بن مسلم أبي زيد، القسملي المروزي، ثم البصري، والخلابة، بكسر الخاء المعجمة وبعد الألف باء موحدة: وهو الخداع، وقد مر الكلام فيه هناك مستقصى. ٦ / ٢٤١٥ - حدَّثنا عاصِمُ بنُ علِيّ قال حدثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ عنْ مُحَمَّدٍ بنِ الْمُنكَدِرِ عن جابر رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رجلاً أعْتَقَ عَبْدَاً لَهُ لَيْسَ لَهُ مالٌ غَيْرُهُ فَرَدَّهُ النبيُّ عَله فابْتَاعَهُ مِنْهُ نُعَيْمُ بنُ النَّحَّامِ. [انظر الحديث ٢١٤١ وأطرافه]. قد مر هذا في كتاب البيوع في: باب بيع المزايدة، أخرجه هناك: عن بشر بن محمد عن عبد الله عن حسين المكتب عن عطاء بن أبي رباح عن جابر ... إلى آخره، وأخرجه هنا: عن عاصم بن علي بن عاصم بن صهيب الواسطي، وهو من أفراد البخاري عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وقد مر غير مرة. ٤ - بابُ كَلاَمِ الْخُصُومِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ أي: هذا باب في بيان كلام الخصوم بعضهم مع بعض فيما لا يوجب شيئاً من الحد والتعزير، وأراد بهذا أن كلام بعض الخصوم مع بعض من غير إفحاش لا يوجب شيئاً، لأن الكلام لا بد منه، ولكن لا يتكلم بعضهم لبعض بكلام يجب فيه الحد أو التعزير. ٢٤١٦/٧ -٢٤١٧ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ أخبرنا أبو مُعَاوِيَةَ عنِ الأعْمَشِ عنْ شَقِيقٍ عنْ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهُ قال قال رسولُ اللهِ صَ لّ مَنْ حَلَفَ علَى يَمِينٍ وَهْوَ فِيها فاجِرٌ لِيَقْتَطِعَ مالَ امْرِىءٍ لَقِيَ الله وهوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ قال فقال الأشْعَثُ فِيَّ والله كانَ ذُلِكَ كانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ أرْضّ فَجَحَدَنِي فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّعَّالمه فقال لي رسولُ اللهِ عَلَّه أَلَكَ بَيْنَةٌ قَلْتُ لَاَ قال فقال لِلْيَهُودِيِّ اخْلِفْ قال قلْتُ يا رسولَ الله إذاً يخلِفَ ويَذْهَبَ بِمَالِي فَأَنْزَلَ الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمناً قلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧] إلى آخر الآية. [انظر الحديثين ٢٣٥٦ و٢٣٥٧ وأطرافهما]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((إذاً يحلف وليذهب بمالي))، فإنه نسب اليهودي إلى الحلف الكاذب، ولم يجب عليه شيء لأنه أخبر بما كان يعلمه منه، ومثل هذا الكلام مباح فيمن عرف فسقه، كما عرف فسق اليهودي الذي خاصم الأشعث وقلة مراقبته لله تعالى. وأما القول بذلك في رجل صالح، أو من لا يعرف له فسق، فيجب أن ينكر عليه ويؤخذ له بالحق، ولا يبيح له النيل من عرضه، وقد مضى هذا الحديث في كتاب المساقاة في: باب الخصومة في البئر والقضاء فيها، فإنه أخرجه هناك: عن عبدان عن أبي حمزة عن :