النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (٦) فإذا كان الماء مما يحل منعه منع إلاَّ بالثمن، إلاَّ أن لا يكون معهم، وأما المواشي والسقاة التي لا يحل منع مائها فلا يمنعون، فإن منعوا قوتلوا وكان هدراً، وإن أصيب طالب الماء كانت ديته على صاحب الماء مع العقوبة والسجن، كذا قاله الداودي وقال ابن التين: إنها على عاقلته، إن مات عطشاً وإن أصيب أحد من المسافرين أخذ به جميع مانعي الماء وقتلوا به. ٦ - بابُ سَكْرِ الأنْهارِ أي: هذا باب في بيان حكم سكر الأنهار، السكر، بفتح السين المهملة وسكون الكاف: سد الماء وحبسه، يقال: سكرت النهر إذا سددته. وقال صاحب (العين) السكر، اسم ذلك السد، وقال ابن دريد: وأصله من: سكرت الريح: سكن هبوبها، وفي (المغرب): السكر، بالكسر الاسم وقد جاء فيه الفتح على تسميته بالمصدر. ٢٣٥٩/٨ _ ٢٣٦٠ _ حدَّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ قال حدَّثنا اللَّيْثُ قال حدَّثني ابنُ شِهابٍ عنْ عُزوَةَ عنْ عَبد الله بنِ الزُّبَيْرِ رضي الله تعالى عنهما أنَّهُ حدَّثَهُ أنَّ رجلاً مِنَ الأَنْصَارِ خاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ النبيِّ عَِّ فِي شِرَاجِ الحَرَّةِ الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ فقال الأَنْصَارِيُّ سَرِّحِ المَاءَ يُّ فَأَبَى عَلَيْهِ فَاخْتَصَمَا عِنْدَ النبيِّ عَ لَّ فقال رسولُ اللهِ عَّهِ للزُّبَيْرِ اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلِ المَاءَ إلَى جارِكَ فَغَضِبَ الأنْصَارِيُّ فقالَ إنْ كانَ ابنٍ عَمَّتِكَ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رسولِ اللهِ عَّهِ ثُمَّ قال إِسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ اخْبِسِ المَاءَ حتَّى يَرْجِعَ إِلَى الجَدْرِ فقال الزُّبَيْرُ والله إنِّي لأحْسِبُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]. [الحديث ٢٣٦٠ - أطرافه في: ٢٣٦١، ٢٣٦٢، ٢٧٠٨، ٢٥٨٥]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((سرح الماء يمر فأبى عليه)) أي: امتنع عليه ولم يسرح الماء بل سكره. والحديث صورته صورة الإرسال ولكنه متصل في المعنى. وأخرجه مسلم في فضائل النبي عَّله عن قتيبة ومحمد بن رمح. وأخرجه أبو داود في القضايا عن أبي الوليد الطيالسي. وأخرجه الترمذي في الأحكام وفي التفسير عن قتيبة. وأخرجه النسائي في القضاء وفي التفسير عن قتيبة به. وأخرجه ابن ماجه في السنة وفي الأحكام عن محمد بن رمح به. قوله: ((رجلاً من الأنصار خاصم الزبير)) يعني: الزبير بن العوام أحد العشرة المبشرة بالجنة، قال شيخنا: لم يقع تسمية هذا الرجل في شيء من طرق الحديث فيما وقفت عليه، ولعل الزبير وبقية الرواة أرادوا ستره لما وقع منه، وحكى الداودي فيما نقله القاضي عياض . فإن قلت: ذكر فيه أنه من الأنصار؟ قلت: قال النووي: عنه: أن هذا الرجل كان منافقاً لا يخالف هذا قوله فيه: أنه من الأنصار، لأنه يكون من قبيلتهم لا من أنصار المسلمين. قلت: يعكر على هذا قول البخاري في كتاب الصلح: أنه من الأنصار قد شهد بدراً، ويدل عليه أيضاً قوله في الحديث في رواية الترمذي وغيره: فغضب الأنصاري، فقال: يا رسول ٢٨٢ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (٦) الله، ولم يكن غير المسلمين يخاطبونه، عَّ له، بقولهم: يا رسول الله، وإنما كانوا يقولون: يا محمد، ولكن أجاب الداودي عن هذا الرجل بعد أن جزم أنه كان منافقاً، بأنه وقع منه ذلك قبل شهوده بدراً لانتفاء النفاق عمن شهد بدراً، وأما قوله: من الأنصار، فيحمل على المعنى اللغوي، يعني: ممن كان ينصر النبي، عَ لّهِ، لا بمعنى أنه كان من الأنصار المشهورين، وقد أجاب التوربشتي عن هذا بقوله: قد اجترأ جمع بنسبة هذا الرجل إلى النفاق وهو باطل، إذ كونه أنصارياً وصف مدح، والسلف احترزوا أن يطلقوا على من اتهم بالنفاق الأنصاري، فالأولى أن يقال: هذا قول أزله الشيطان فيه عند الغضب، ولا يستبعد من البشر الابتلاء بأمثال ذلك. قلت: هذا اعتراف منه أن الذي خاصم الزبير هو حاطب، ولكنه أبطل اتصافه بالنفاق، واعتراف منه أنه أنصاري، وليس بأنصاري إلاّ إذا حملنا ذلك على المعنى الذي ذكرناه آنفا. وقد سماه الواحدي في (أسباب النزول) وقال: إنه حاطب بن أبي بلتعة، وكذا سماه محمد بن الحسن النقاش ومكي والمهدوي، ورد عليهم بأن حاطباً مهاجري وليس من الأنصار، ولكن يحسن حمله على المعنى الذي ذكرناه، وقال الواحدي: وقيل: إنه ثعلبة بن حاطب، وقال ابن بشكوال في (المبهمات)؛ وقال شيخنا أبو الحسن مغيث مراراً: إنه ثابت ابن قيس بن شماس، قال: ولم يأت على ذلك بشاهد ذكره. وذكر أبو بكر بن المقري في (معجمه) من رواية الزهري عن عروة: أن حميداً رجلاً من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرة ... الحديث. قال أبو موسى المديني: هذا حديث صحيح له طرق ولا أعلم في شيء منها ذكر حميد إلاَّ في هذه الطريق. وقال: حميد، بضم الحاء وفي آخره دال مهملة. قلت: روى ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن عبد العزيز عن الزهري عن سعيد بن المسيب، سمعته من الزهري: ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾ [النساء: ٦٥]. الآية، قال: نزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة اختصما في ماء ... الحديث، فهذا إسناده قوي، وإن كان مرسلاً، وإن كان ابن المسيب سمعه من الزبير يكون موصولاً فهذا يقوي قول من قال: إن الذي خاصم الزبير حاطب بن أبي بلتعة، وهو بدري وليس من الأنصار. وقال النووي: قال العلماء: لو صدر مثل هذا الكلام اليوم من إنسان جرت على قائله أحكام المرتدين فيجب قتله بشرطه، قالوا: وأما ترك النبي، عَّلّهِ، لأنه كان في أول الإسلام يتألف الناس ويدفع بالتي هي أحسن ويصبر على أذى المنافقين الذين في قلوبهم مرض. وقال الثعلبي: فلما خرجا - يعني: الزبير وحاطباً - مرا على المقداد، فقال: لمن كان القضاء يا أبا بلتعة؟ فقال: قضى لابن عمته، ولوى شدقه، فطن له يهودي كان مع المقداد فقال: قاتل الله هؤلاء، يشهدون أنه رسول الله ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم، وأيم الله! لقد أذنبنا مرة في حياة موسى، عليه الصلاة والسلام، فدعانا موسى إلى التوبة منه، فقال: اقتلوا أنفسكم، فقتلنا، فبلغ قتلانا سبعين ألفاً في ربنا حتى رضي عنا. قلت: هذا موضع تأمل. قوله: ((في شراج الحرة))، الشراج، بكسر الشين المعجمة وتخفيف الراء وفي آخره جيم، قيل: هو واحد، وقيل: هو جمع شرج، مثل: رهن ورهان وبحر وبحار. وفي (المنتهى) ٢٨٣ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (٦) لأبي المعاني: الشرج مسيل الماء من الحزن إلى السهل، والجمع شراج وشروج وشرج، وقيل: الشرج جمع شراج والشراج جمع شرج. وفي (المحكم): ويجمع على أشراج، وفي رواية للبخاري: شريج الحرة، وإنما أضيف إلى الحرة لكونها فيها. وقال الداودي: الشراج نهر عند الحرة بالمدينة، وهذا غريب وليس بالمدينة نهر، والحرة، بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء: من الأرض الصلبة الغليظة التي أفنيتها كلها حجارة سود نخرة، كأنها مطرت، والجمع: حرات وحرار، وفي (مثلث) ابن سيده: ويجمع أيضاً على حرون، وبالمدينة حرتان: حرة واقم وحرة لبلي، زاد ابن عديس في (المثنى والمثلث): وحرة الحوض من المدينة والعقيق، وحرة قبا في قبلة المدينة، وزاد ياقوت: وحرة الوبرة بالتحريك، وأوله واو بعدها باء موحدة، على أميال من المدينة، وحرة النار قرب المدينة. قوله: ((التي يسقون بها))، وفي رواية شعيب: كانا يسقين به كلاهما. قوله: ((سرح الماء»، أمر من التسريح: أي: أرسله وسيِّبه، ومنه: سرحوا الماء في الخندق. قوله: ((يمر))، جملة وقعت حالاً من الماء، وقال بعضهم: وضبط الكرماني: فأمره، بكسر الميم وتشديد الراء على أنه فعل أمر من الإمرار. قال: وهو محتمل. قلت: لم أرَ ذلك في شرح الكرماني، فإن كانت النسخ مختلفة فلا يبعد. قوله: ((فأبى عليه))، أي: امتنع الزبير على الذي خاصمه من إرسال الماء، وإنما قال الأنصاري ذلك لأن الماء كان يمر بأرض الزبير قبل أرض الأنصاري فحبسه لإكمال سقي أرضه، ثم يرسله إلى أرض جاره، فالتمس منه الأنصاري تعجيل ذلك فأبى عليه. قوله: ((إسق يا زبير))، بكسر الهمزة: من سقى يسقي، من باب ضرب يضرب، وحكى ابن التين بفتح الهمزة من الثلاثي المزيد فيه من: أسقى يسقي إسقاء، وقال بعضهم: حكى ابن التين بهمزة قطع من الرباعي. قلت: هذا ليس بمصطلح فلا يقال: رباعي إلاَّ لكلمة أصول حروفها أربعة أحرف، وسقى ثلاثي مجرد، فلما زيد فيه الألف صار ثلاثياً مزيداً فيه. قوله: ((إن كان ابن عمتك))، بفتح همزة: أن، وأصله: لأن كان فحذف اللام، ومثل هذا كثير، والتقدير: حكمت له بالتقديم لأجل أنه ابن عمتك؟ وكانت أم الزبير - صفية بنت عبد المطلب ـ وهي عمة النبي عَّه، وقال ابن مالك: يجوز فيه الفتح والكسر لأنها واقعة بعد كلام تام معلل بمضمون ما صدر بها، فإذا كسرت قدر قبلها ألفاً، وإذا فتحت قدر اللام قبلها، وقد ثبت الوجهان في قوله تعالى: ﴿ندعوه إنه هو البر الرحيم﴾ [الطور: ٢٨]. بالفتح، قرأ نافع والكسائي والباقون بالكسر، وقال بعضهم: وحكى الكرماني: إن كان، بكسر الهمزة على أنها شرطية، والجواب محذوف، قال: ولا أعرف هذه الرواية، نعم وقع في رواية عبد الرحمن ابن إسحاق، فقال: إعدل يا رسول الله، وإن كان ابن عمتك؟ والظاهر أن هذه بالكسر. انتهى. قلت: لم يذكر الكرماني هذا في شرحه، وإن ذكره فله وجه موجه يدل عليه رواية عبد الرحمن بن إسحاق، لأن: إن، فيها بالكسر جزماً فلا يحتاج إلاَّ أن يقال: والظاهر أن هذه بالكسر، وأيضاً عدم معرفته بهذه الرواية لا يستلزم العدم مطلقاً. فافهم. قوله: ((فتلون وجه رسول الله عَّ له))، أي: تغير، وهذا كناية عن الغضب، وفي رواية عبد الرحمن بن إسحاق: ٢٨٤ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (٦) حتى عرفنا أن قد ساءه ما قال. قوله: ((ثم احبس الماء))، ليس المرا منه أمسك الماء، بل أمسك نفسك عن السقي حتى يرجع إلى الجدر، أي: حتى يصير إليه، والجدر، بفتح الجيم وسكون الدال المهملة، وهو: جر الجدار الذي هو الحائل بين المشارب وهو الحواجز التي تحبس الماء. وقال أبو موسى المديني: ورواه بعضهم حتى يبلغ الجدر، بضم الجيم والدال: جمع جدار، وقال ابن التين: ضبط في أكثر الروايات بفتح الدال، وفي بعضها بالسكون، وهو الذي في اللغة، وهو أصل الحائط. وقال القرطبي: لم يقع في الرواية إلّ بالسكون، والمعنى: أن يصل الماء إلى أصول النخل، قال: ويروى بكسر الجيم وهو الجدار، والمراد به: جدران الشربات، وهي الحفر التي تحفر في أصول النخل، والشربات، بفتح الشين المعجمة والراء وبالباء الموحدة: جمع شربة بالفتحات، قال ابن الأثير: هي حوض يكون في أصل النخلة وحولها يملأ بماء لتشربه، وحكى الخطابي: الجذر، بسكون الذال المعجمة، وهو جذر الحساب، والمعنى: حتى يبلغ تمام الشرب. قوله: ((فقال الزبير: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ [النساء: ٦٥].)). وزاد شعيب في روايته: ﴿ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ [النساء: ٦٥]. قوله هذه الآية إشارة إلى قوله: ﴿فلا وربك﴾ [النساء: ٦٥]. قوله: ((في ذلك)) أي: فيما ذكر من أمره مع خصمه، وقال بعضهم: الزبير كان لا يجزم بذلك. قلت: قوله: والله، يقتضي الجزم ويرد معنى الظن في قوله: لأحسب، لأنه يجوز أن يكون معناه: لأعد هذه الآية أنها نزلت في ذلك، ولا سيما قال الزبير في رواية ابن جريج التي تأتي عن قريب: والله إن هذه الآية أنزلت في ذلك، فانظر كيف أكد كلامه بالقسم وبأن وبالجملة الإسمية، وكيف لا يكون الجزم بهذه المؤكدات مع أن هذا القائل قال: لكن وقع في رواية أم سلمة عند الطبري والطبراني الجزم بذلك، وأنها نزلت في قصة الزبير وخصمه. قلت: رواه الواحدي أيضاً في (أسباب النزول) من طريق سفيان بن عيينة: عن عمرو ابن دينار، رضي الله تعالى عنهم، عن أبي سلمة، رضي الله تعالى عنه، عن أم سلمة: أن الزبير ابن العوام خاصم رجلاً، فقضى رسول الله عَّلّهِ للزبير، وقال الرجل: إنما قضى له لأنه ابن عمته، فأنزل الله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون ... ﴾ [النساء: ٦٥]. الآية. وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن علي بن دحيم حدثنا أحمد بن حازم حدثنا الفضل بن دكين حدثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن سلمة - رجل من آل أبي سلمة - قال: خاصم الزبير رجلاً إلى النبي عَّ فقضى للزبير، فقال الرجل: إنما قضى له لأنه ابن عمته فنزلت: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ... ﴾ [النساء: ٦٥]. الآية. وهنا سبب آخر غريب جداً قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءة عليه أخبرنا ابن وهب أخبرني عبد الله بن لهيعة عن أبي الأسود، قال: اختصم رجلان إلى رسول الله عَ لَّ فقضى بينهما، فقال الذي قضى عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب، فقال رسول الله ٢٨٥ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (٦) عَ ل: إنطلقا إليه، قال الرجل: يا ابن الخطاب قضى لي رسول الله عَ لٍ على هذا، فقال: ردنا إلى عمر فردنا إليك، فقال: أكذلك؟ فقال: نعم. فقال عمر، رضي الله تعالى عنه: مكانكما حتى أخرج إليكما فأقضي بينكما، فخرج إليهما مشتملاً على سيفه، فضرب الذي قال: ردنا إلى عمر، فقتله وأدبر الآخر فاراً إلى رسول الله عَ ◌ٍّ، فقال: يا رسول الله! قتل عمر والله صاحبي، ولولا أني أعجزته لقتلني، فقال رسول الله عَ له: ما كنت أظن أن يجترىء عمر على قتل رجل مؤمن. فأنزل الله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون ... ﴾ [النساء: ٦٥]. الآية، فهدر دم ذلك الرجل وبرىء عمر من قتله، فكره الله أن يسن ذلك بعد فقال: ﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم﴾ إلى قوله: ﴿وأشد تثبيتاً﴾ [النساء: ٦٦]. وكذا رواه ابن مردويه من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود به، قال ابن كثير: وهو أثر غريب ومرسل، وابن لهيعة ضعيف. طريق أخرى: قال الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن دحيم في (تفسيره): حدثنا شعيب بن شعيب حدثنا أبو المغيرة حدثنا عتبة بن ضمرة حدثني أبي: أن رجلين اختصما إلى النبي عَّ فقضى للمحق على المبطل، فقال المقضي عليه: لا أرضى، فقال صاحبه: فما تريد؟ قال: أن نذهب إلى أبي بكر الصديق،؟، وقد ذهبا إليه فقال الذي قضي له: قد اختصمنا إلى النبي عَّله فقضي لي، فقال أبو بكر: فأنتما على ما قضى به النبي عَّهِ، فأبى صاحبه أن يرضى، قال: فأتيا عمر بن الخطاب فأتياه، فقال المقضي له: قد اختصمنا إلى النبي عَّم فقضى لي عليه فأبى أن يرضى، ثم أتينا أبا بكر فقال: أنتما على ما قضى به النبي عَّهِ، فأبى أن يرضى، فسأله عمر، فقال كذلك، فدخل عمر منزله وخرج والسيف في يده قد سله، فضرب به رأس الذي أبى أن يرضى فقتله، فأنزل الله ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾ [النساء: ٦٥]. إلى آخر الآية. قوله: ﴿فلا وربك﴾ [النساء: ٦٥]. أي: ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك، ثم استأنف القسم فقال: لا يؤمنون، وقيل: هي متصلة بقصة اليهودي. قوله: ﴿فيما شجر بينهم﴾ [النساء: ٦٥]. أي: اختلف واختلط من أمرهم والتبس عليهم حكمه، ومنه الشجر لاختلاف أغصانه. قوله: ﴿حرجاً﴾ [النساء: ٦٥]. أي: شكاً وضيقاً. قوله: ﴿ويسلموا تسليماً﴾ [النساء: ٦٥]. أي: فيما أمرتهم به ولا يعارضوه، ودلت الآية على أن من لم يرض بحكم الرسول فهو غير مؤمن. ذكر ما يستفاد منه: فيه: أن ماء الأودية التي لم تستنبط بعمل فيها مباح، ومن سبق إليه فهو أحق به. وفيه: أن أهل الشرب الأعلى يقدَّم على من هو أسفل منه ويحبس الأول الماء حتى يبلغ إلى جدار حائطه، ثم يرسل الماء إلى من هو أسفل منه فيسقي كذلك ويحبس الماء كذلك، ثم يرسله إلى من هو أسفل منه، وهكذا، وفي حديث الباب: إحبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، وفي حديث عبد الله بن عمرو الذي أخرجه أبو داود وابن ماجه من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله عَ لّ قضى في سبل المهزور أن يمسك حتى يبلغ الكعبين. ثم يرسل الأعلى إلى الأسفل، والمهزور بالزاي ثم بالراء وادي بني ٢٨٦ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (٦) قريظة، قاله ابن الأثير، وفي حديث عبادة بن الصامت الذي أخرجه ابن ماجه عنه قال: إن رسول الله، عَّليه، قضى في شرب النخل من السيل: أن الأعلى يشرب قبل الأسفل ويترك الماء فيه إلى الكعبين ثم يرسل الماء إلى أسفل الذي يليه، وكذلك حتى تنقضي الحوائط، وفي حديث ثعلبة بن أبي مالك القرظي الذي أخرجه ابن ماجه أيضاً عنه، قال: قضى رسول الله، عَّه، في سيل مهزور الأعلى قبل الأسفل. فيسقي الأعلى إلى الكعبين، ثم يرسل إلى من هو أسفل منه، وقال الرافعي لا مخالفة بين التقديرين، لأن الماء إذا بلغ الكعب بلغ أصل الجدار، وقال ابن شهاب: فقدرت الأنصار والناس قول النبي، عَّهِ: إِسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، كان ذلك إلى الكعبين على ما يجيء، إن شاء الله تعالى، وقال أبو الحسن الماوردي: ليس التقدير بالبلوغ إلى الكعبين على عموم الأزمان والبلدان، لأنه يدور بالحاجة، والحاجة تختلف باختلاف الأرض، وباختلاف ما فيها من زرع وشجر وبوقت الزراعة ووقت السقي وحمل بعض الفقهاء المتأخرين قول الفقهاء في أنه: يسقي الأول أرضه ثم يرسله إلى الثاني ثم يرسله إلى الثالث أن المراد بالأول من تقدم إحياؤه، وبالثاني الذي أحيى بعد الأول، وهكذا قاله صاحب المهمات، وحمل كلام الرافعي عليه قال: وليس المراد الأقرب إلى أصل النهر فالأقرب لا بالسبق، فلذلك اعتبرناه انتهى. قلت: هذا ليس بشيءٌ وليس مراد الرافعي وغيره من الفقهاء بالأول الذي هو أقرب إلى أصل الماء، لأنا إذا اعتبرنا هذا يضيع حق الأول، وذلك لأن الماء إذا نزل من علو فلم يسق الأول حتى نزل الماء إلى الأسفل وسقى به الأسفل، وبعد ذلك كيف يعود الماء إلى الأول ولا سيما إذا كان الماء قليلاً وانقطعٍ بعد سقي الثاني، وقد صرح النووي في (شرح مسلم): بأن المراد بالأول الذي يلي الماء إلاَّ لمحيي الأول، فقال عند ذكر حديث الزبير: فلصاحب الأرض الأولى التي تلي الماء المباح أن يحبس الماء ويسقي أرضه إلى هذا الحد، ثم يرسله إلى جاره الذي وراءه. فإن قلت: ما المراد بقوله: ثم أرسل الماء إلى جارك؟ فهل هو ما فضل عن الماء الذي حبسه أو إرسال جميع الماء المحبوس أو غيره بعد أن يصل في أرضه إلى الكعبين؟ قلت: قال شيخنا: الصحيح الذي ذكره أصحاب الشافعي الأول، وهو قول مطرف وابن الماجشون من المالكية، واختاره ابن وهب، وقد كان ابن القاسم يقول: إذا انتهى الماء في الحائط إلى مقدار الكعبين من القائم أرسله كله إلى من تحته، ولا يحبس منه شيئاً في حائطه. قال ابن وهب: وقول مطرف وابن الماجشون أحب إلي في ذلك، وهما أعلم بذلك، لأن المدينة دارهما وبها كانت القضية وفيها جرى العمل بالحديث. وفيه: حجة على ما حكي عن أبي حنيفة من أن الأعلى لا يقدم على الأسفل، وإنما يسقون بقدر حصصهم، قاله بعض الشافعية. قلت: هذا وجه حكاه الرافعي عن الداركي، وليس مراد أبي حنيفة من قوله: إن الأعلى لا يقدم على الأسفل، أنه يختص بالماء ويحرم الأسفل، بل كلهم سواء في الاستحقاق، غير أن الأول يسقي ثم الثاني ثم الثالث وهلم جراً، والانتفاع في حق كل واحد بقدر أرضه، وقدر حاجته، فيكون بالحصص. وفي (المغني) لابن قدامة: ولو كان ٢٨٧ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (٧) نهيراً صغيراً وسيل فتشاح أهل الأرضين الشاربة عنه، فإنه يبدأ بالأعلى ويسقي حتى يبلغ الكعب، ثم يرسل إلى الذي يليه كذلك إلى انتهاء الأراضي، فإن لم يفضل عن الأول شيء أو الثاني أو الثالث لا شيء للباقين، لأنه ليس لهم إلاَّ ما فضل فهم كالعصبة في الميراث، وهذا قول فقهاء المدينة ومالك والشافعي، ولا نعلم فيه مخالفاً، والأصل فيه حديث الزبير، رضي الله تعالى عنه، وقال القرطبي في حديث الباب: إن الأولى بالماء الجاري الأول فالأول حتى يستوفي حاجته، وهذا ما لم يكن أصله ملكاً للأسفل مختصاً به، فإن كان ملكه فليس للأعلى أن يشرب منه شيئاً وإن كان يمر عليه. وفيه: الاكتفاء للخصوم بما يفهم عنهم مقصودهم أن لا يكلفوا النص على الدعاوي ولا تحرير المدعى فيه ولا حصره بجميع صفاته. وفيه: إرشاد الحاكم إلى الإصلاح، وقال ابن التين: مذهب الجمهور أن القاضي يشير بالصلح إذا رآه مصلحة، ومنع ذلك مالك، وعن الشافعي في ذلك خلاف، والصحيح جوازه. وفيه: أن للحاكم أن يستوعي لكل واحد من المتخاصمين حقه إذا لم يَرَ قبولاً منهما للصلح ولا رضي بما أشار به كما فعل عَ لِّ. وفيه: توبيخ من جفا على الإمام والحاكم ومعاقبته لأنه عَّ الم عاقبه بما قال، بأن استوعى للزبير حقه، ووبخه الله تعالى في كتابه بأن نفى عنهم الإيمان حتى يرضوا بالحكم فقال: ﴿فلا وربك لا يؤمنون ... ﴾ [النساء: ٦٥]. الآية. وقيل: وقعت عقوبته في ماله وقد كانت تقع العقوبات في الأموال، كأمره بشق الزقاق وكسر الجرار عند تحريم الخمر، تغليظاً للتحريم. وفيه: أنه عَ لَّهِ حكم على الأنصاري في حال غضبه مع نهيه أن يحكم الحكم وهو غضبان، لأنه يفارق غيره من البشر، إذ العصمة قائمة في حقه في حال الرضا والسخط أن لا يقول إلاَّ حقاً. وفيه: دليل أن للإمام أن يعفو عن التعزير، كما له أن یقیمه. قال مُحَمَّدُ بنُ العَبَّاسِ قال أبُو عَبْدِ الله: لَيْسَ أحَدٌ يَذْكرُ عُزْوَةَ عنْ عَبْدِ الله إلاَّ اللَّيْثُ فَقَطْ هكذا وقع في رواية أبي ذر عن الحموي وحده عن الفربري، ولم يقع هذا في رواية غيره، ومحمد بن العباس السلمي الأصبهاني، وهو من أقران البخاري وتأخر بعده، مات سنة ست وستين ومائتين، وأبو عبد الله هو البخاري نفسه، يعني: هو الذي صرح بتفرد الليث بذكر عبد الله بن الزبير في إسناده، وفيه نظر، لأن ابن وهب روى عن الليث ويونس جميعاً عن ابن شهاب: أن عروة حدثه عن أخيه عبد الله بن الزبير بن العوام، أخرجه النسائي، وذكر الحميدي في (جمعه): أن الشيخين أخرجاه من طريق عروة عن أخيه عبد الله عن أبيه، وفيه نظر أيضاً، لأنه بهذا السياق في رواية يونس المذكور، ولم يخرجها من أصحاب الكتب الستة إلا النسائي كما ذكرنا والله أعلم، ومنه المن علينا. ٧ - بابُ شُربِ الأعْلَى قَبْلَ الأسْفَلِ أي: هذا باب في بيان حكم شرب الأعلى قبل الأسفل، وفي رواية الحموي ٢٨٨ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (٨) والكشميهني: قبل السفلي، قال بعضهم: والأول أولى. قلت: لا أولوية هنا، لأن معنى السفلي قبل صاحب الأرض السفلى، ويجوز أن يقال في موضع الأعلى: العليا، على تقدير شرب صاحب الأرض العليا، فتذكير الأعلى والأسفل باعتبار الصاحب، وتأنيثهما باعتبار الأرض بالتقدير المذكور. ٢٣٦١/٩ _ حدَّثَنا عَبْدَانُ قال أخبرنا عَبْدُ الله قال أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ قال خاصَّمَ الزُّبَيْرُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ فقال النبيُّ عَلَّهِ يا زُبَيْرُ أسقِ ثُمَّ أَزِسِلْ فقالِ الأنْصَارِيُّ أَنَّهُ ابنُ عَمَّتِكَ فقال عَلَيْهِ السَّلامُ اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ يَبْلُغُ الماءُ الجَدْرَ ثُمَّ أَمْسِكْ قال الزُّبَيْرُ فأحْسِبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلاَ ورِبُّكَ لا يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكَّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]. [انظر الحديث ٢٣٦٠ وأطرافه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فقال النبي عَِّ يا زبير أسق ثم أرسل)) فإنه يعلم منه أن الزبير هو الأعلى، لأن إرسال الماء لا يكون إلاَّ من الأعلى إلى الأسفل، وعبدان هو عبد الله بن عثمان المروزي، وعبد الله هو ابن المبارك المروزي، ومعمر، بفتحتين: هو ابن راشد، والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب. قوله: ((ثم أرسل))، كذا في رواية الأكثرين بغير ذكر مفعوله، وفي رواية الكشميهني: (ثم أرسل الماء). قوله: ((ثم يبلغ الماء الجدر))، هكذا هو في رواية كريمة والأصيلي، وفي رواية غيرهما: ((أسق يا زبير حتى يبلغ الماء الجدر)) وسقط من رواية أبي ذر ذكر الماء، وفي رواية للبخاري في الأشربة من وجه آخر عن معمر: ((ثم أرسل الماء إلى جارك))، ومعاني بقية الألفاظ والحكم تقدمت في الباب السابق. ٨ - بابُ شُرْبِ الأعْلى إلى الكَغْبَيْنِ أي: هذا باب في بيان شرب الأعلى إلى الكعبين، وأشار بهذه الترجمة إلى بيان مقدار الماء للأعلى. ٢٣٦٢/١٠ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قال أخبرنا مَخْلَدٌ قال أخبرنِي ابنُ جُرَيْجِ قال حدَّثني ابنُ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ أَنْهُ حَدَّثَهُ أنَّ رجلاً مِنَ الأنصَارِ خاصمَ الزُّبَيْرَ في شِرَاجِ مِنَ الحَرَّةِ يَسْقِي بِها النَّخْلَ فقال رسول الله عَ لَّهِ اسْقِ يا زُبَيْرُ فأمَرَهُ بالمَعْرُوفِ ثُمَّ أَزْسِلْ إلى جَارِكَ فقال الأنْصَارِيُّ إنْ كانَ ابنَ عَمَّتِكَ فَتَلَوَّنَ وجْهُ رسول اللهِ عَُّلِّ ثُمَّ قال اِسْقِ ثُمَّ اخِسْ حَتَّى يَرْجِعَ المَاءُ إلى الجَدْرِ واِسْتَوْعَى لَهُ حَقَّهُ فقال الزُّبَيْرُ والله إنَّ هذِهِ الآيَةَ أَنْزِلَتْ فِي ذُلِكَ ﴿فَلاَ وَرَبُّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]. قال لِي ابنُ شِهَابٍ فَقَدَّرَتِ الأَنْصَارُ والنَّاسُ قَوْلَ النبيِّ عَ لِّ اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الجَدْرِ وكانَ ذَلِكَ إِلَى الکَغْبَيْنِ. [انظر الحديث ٢٣٦٠ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((وكان ذلك إلى الكعبين) يعني: رجوع الماء إلى الجدر وصوله إلى الكعبين، وقد مر الكلام فيه مستقصىّ في الباب الذي قبل الباب الذي قبله، ٢٨٩ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (٩) ومحمد هو ابن سلام، وفي رواية أبي الوقت صرح به، ومخلد، بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام وفي آخره دال مهملة: هو ابن يزيد، وقد مر في الجمعة، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي. قوله: ((فأمره بالمعروف))، قال الخطابي: معناه أمره بالعادة المعروفة التي جرت بينهم في مقدار الشرب، وهي جملة معترضة بين قوله: ((اسق يا زبير)) وبين قوله: ((ثم أرسل)). قوله: ((واستوعى له)) أي: استوفى للزبير حقه، واستوعى، وهو من الوعاء كأنه جمعه له في وعائه، وأبعد من قال أمره ثانياً أن يستوفي أكثر من حقه عقوبة الأنصاري، حكمه ابن الصباغ، والأشبه أنه أمره أن يستوفي حقه ويستقصي فيه تغليظاً على الأنصاري، وقال الخطابي: هذه الزيادة تشبه أن تكون من كلام الزهري، وكانت عادته أن يصل بالحديث من كلامه ما يظهر له من معنى الشرح والبيان، قيل: الأصل في الحديث أن يكون حكمه كله واحداً حتى يرد ما بين ذلك ولا يثبت الإدراج بالاحتمال. قوله: قال ابن شهاب هو الزهري الراوي عن عروة، وهذا إلى آخره من كلام ابن شهاب، حکی عنه ابن جريج الراوي عنه. قوله: ((والناس)) من باب عطف العام على الخاص، أو معهود غير الأنصار. قوله: ((وكان ذلك)) أي: قوله عَّ ◌ُله: اسق ثم احبس حتى يرجع إلى الجدر. قوله: ((إلى الكعبين))، أي: يقدر إلى الكعبين، يعني: يكون مقدار الماء الذي يرجع إلى الجدر يبلغ الكعبين، وقد ذكرنا أحاديث في الباب الذي قبل الباب الذي قبله فيما يتعلق بهذا الحكم، وقال ابن التين: الجمهور على أن الحكم أن يمسك إلى الكعبين، وخصه ابن كنانة بالنخل، والشجر، قال: وأما الزرع فإلى الشراك، وقال الطبري: الأراضي مختلفة، فيمسك لكل أرض ما يكفيها، لأن الذي في قصة الزبير واقعة عين، وقيل: معنى قوله: إلى الجدر، أي: إلى الكعبين. قلت: إن كان مراده الإشارة إلى هذا التقدير فله وجه ما، وإلاّ فلا يصح تفسير الجدر بالكعبين. الجَدْرُ هُوَ الأَضْلُ هذا تفسير لفظ الجدر المذكور في الحديث من عند البخاري، وقد مر الكلام فيه، وهذا هنا وقع في رواية المستملي وحده. ٩ - باب فَضْلِ سَقْيٍ الْمَاءِ أي: هذا باب في بيان فضل سقي الماء لكل من له حاجة إلى ذلك. ١١/ ٢٣٦٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنا مالِكٌ عنْ سُمَيّ عنْ أَبِي صالِحٍ عِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أَنَّ رسولَ الله عَ لِّ قَالَ بَيْنَا رَجُلٌ يَخْشِي فاشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ فَتَزْلَ بِثْراً فَشَرِبَ مِنْهَا ثُمَّ خَرَجَ فإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ النَّرَى مِنَ العَطَشِ فقالَ لَقَدْ بلغَ هذا مثلُ الَّذِي بَلَغَ بِي فَمَلأَ خِفَّهُ ثمَّ رَقِيَ فِسَقَى الكَلْبَ فشَكَرَ الله لَهُ فَغَفَرَ لَهُقالوا يا رسولَ الله وإنَّ لَنا في البَهَائِمِ أَجْراً قالَ في كلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أُخْرٌ. [انظر الحديث ١٧٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وشُمَي، بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد الياء: مولى عمدة القاري/ ج١٢ م١٩ ٢٩٠ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (٩) أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقد مر في كتاب الصلاة، وأبو صالح ذكوان الزيات، ورجال هذا الإسناد مدنيون إلاَّ شيخ البخاري. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المظالم عن القعنبي، وفي الأدب عن إسماعيل. وأخرجه مسلم في الحيوان عن قتيبة. وأخرجه أبو داود في الجهاد عن القعنبي، أربعتهم عن مالك. ذكر معناه: قوله: ((بينا))، قد ذكرنا غير مرة أن أصله: بين، فأشبعت فتحة النون فصار: بينا، ويضاف إلى جملة، وهي هنا قوله: ((رجل يمشي)). قوله: ((فاشتد عليه))، الفاء فيه وقعت هنا موقع: إذا، تقديره: بينا رجل يمشي إذا اشتد عليه العطش، وهو جواب: بينا، ووقع في رواية المظالم: بينما، وكلاهما سواء في الحكم، وفي رواية الدارقطني في الموطآت. من طريق روح عن مالك: يمشي بفلاة، وله من طريق ابن وهب عن مالك: يمشي بطريق مكة، وليس في رواية مسلم هذه: الفاء، وقد ذكرنا فيما مضى أن الأفصح أن يقع جواب: بينا وبينما بلا كلمة، إذ وإذا، ولكن وقوعه بهما كثير. قوله: ((العطش))، كذا في رواية الأكثرين، وكذا في رواية في (الموطأ)، ووقع في رواية المستملي: العطاش، وهو داء يصيب الإنسان فيشرب فلا يروى، وقال ابن التين: والصواب العطش، قال: وقيل: يصح على تقدير أن العطش يحدث منه داء فيكون العطاش إسماً للداء كالزكام. قوله: ((فإذا هو))، كلمة: إذا، للمفاجأة. قوله: ((يأكل الثرى))، بالثاء المثلثة مقصور يكتب بالياء، وهو التراب الندي. قوله: ((يلهث))، جملة وقعت حالاً من الكلب، قال ابن قرقول: لهث الكلب - بفتح الهاء وكسرها - إذا أخرج لسانه من العطش أو الحر، واللهاث، بضم اللام: العطش، وكذلك الطائر. ولهث الرجل إذا أعيى. ويقال: معناه يبحث بيديه ورجليه في الأرض، وفي (المنتهى): هو ارتفاع النفس يلهث لهثاً ولهائاً، ولهث بالكسر يلهث لهثاً ولهائاً مثل: سمع سماعاً إذا عطش. قوله: ((بلغ هذا مثل الذي بلغ بي))، أي: بلغ هذا الكلب مثل الذي، بنصب اللام على أنه صفة لمصدر محذوف، أي: بلغ هذا مبلغاً مثلَ الذي بلغ بي، وضبطه الحافظ الدمياطي بخطه بضم: مثل، قال بعضهم: ولا يخفى توجيهه. قلت: كأنه لم يقف على توجيهه، وهو أن يكون لفظ: هذا، مفعول بلغ، وقوله: مثل الذي بلغ بي، فاعله فارتفاعه حينئذ على الفاعلية. قوله: ((فملأ خفه)) فيه محذوف قبله تقديره: ((فنزل في البئر فملأ خفه))، وفي رواية ابن حبان: ((فنزع أحد خفيه)). قوله: ((ثم أمسكه بفيه))، أي: بغمه. وإنما أمسك خفه بفمه لأنه كان يعالج بيديه ليصعد من البئر، فدل هذا أن الصعود منها كان عسيراً. قوله: ((ثم رقي))، بفتح الراء وكسر القاف على مثال: صعد وزناً ومعنى، يقال: رقيت في السلم بالكسر: إذا صعدت، وذكره ابن التين بفتح القاف على مثال: مضى، وأنكره. وقال عياض في (المشارق): هي لغة طبىء، يفتحون العين فيما كان من الأفعال معتل اللام، والأول أفصح وأشهر. قوله: ((فسقى الكلب))، وفي رواية عبد الله بن دينار عن أبي صالح: حتى أرواه من الإرواء من الري، وقد مضت هذه الرواية في كتاب الوضوء في: باب الماء الذي يغسل به ٢٩١ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (٩) شعر الإنسان فإنه أخرجه هناك: عن إسحاق عن عبد الصمد عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي عَّةِ: أن رجلاً رأى كلباً يأكل الثرى من العطش، فأخذ الرجل خفه فجعل يغرف له به حتى أرواه، فشكر الله له حتى أدخله الجنة. قوله: ((فشكر الله له))، أي: أثنى عليه أو قبل عمله، فغفر له، فالفاء فيه للسببية، أي: بسبب قبول عمله غفر له، كما في قولك: إن يسلم فهو في الجنة، أي: بسبب إسلامه هو في الجنة، ويجوز أن تكون الفاء تفسيرية، تفسير قوله: فشكر الله له لأن غفرانه له هو نفس الشكر، كما في قوله تعالى: ﴿فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم﴾ [البقرة: ٥٤]. على قول من فسر التوبة بالقتل، وقال القرطبي: معنى قوله: فشكر الله له، أي: أظهر ما جازاه به عند ملائكته، وقال بعضهم: هو من عطف الخاص على العام. قلت: لا يصح هذا هنا، لأن شكر الله لهذا الرجل عبارة عن مغفرته إياه، كما ذكرناه. قوله: ((قالوا)) أي: الصحابة، من جملتهم سراقة بن مالك بن جعشم، روى حديثه ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، قال: حدثنا محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم عن أبيه عن عمه سراقة بن مالك بن جعشم، قال: سألت النبي عَ لِّ عن الضالة من الإبل تغشى حياضي قد لطتها لإبلي، فهل لي من أجر إن سقيتها؟ فقال: نعم، في كل ذات کبد حری أجر. قوله: ((وإن لنا))، هو معطوف على شيء محذوف تقديره: الأمر كما ذكرت، وإن لنا في البهائم أجراً، أي: في سقيها أو في الإحسان إليها. قوله: ((في كل كبد))، يجوز فيه ثلاثة أوجه: فتح الكاف وكسر الباء وفتح الكاف وسكون الباء للتخفيف، كما قالوا في الفخذ فخذ، وكسر الكاف وسكون الباء، وقال أبو حاتم: الكبد يذكر ويؤنث، ولهذا قال: رطبة، والجمع أكباد وأكبد وكبود. وقال الداودي: يعني كبد كل حي من ذوات الأنفس، والمراد بالرطبة رطوبة الحياة أو هو كناية عن الحياة. قوله: ((أجر))، مرفوع على الابتداء، وخبره مقدماً. قوله: ((في كل كبد))، تقديره: أجر حاصل أو كائن في إرواء كل ذي كبد حي. وأبعد الكرماني في سؤاله هنا حيث يقول: الكبد ليست ظرفاً للأجر، فما معنى كلمة الظرفية؟ ثم قال: تقديره الأجر ثابت في إرواء أو في رعاية كل حي وجه الإبعاد: أن كل من شم شيئاً من علم العربية يعرف أن الجار والمجرور لا بد أن يتعلق بشيء، إما ظاهراً أو مقدراً، فإذا لم يصلح المذكور أن يتعلق به يقدر لفظ: كائن أو حاصل أو نحوهما، فلا حاجة إلى السؤال والجواب، ثم قال: أو الكلمة للسببية، يعني: كلمة: في، للسببية كما في قوله عَّله: في النفس المؤمنة مائة إبل، أي: بسبب قتل النفس المؤمنة، ومع هذا المتعلق محذوف، أي: بسبب قتل النفس المؤمنة الواجب مائة إبل، وكذلك التقدير هنا: بسبب إرواء كل كبد أجر حاصل. وقال الداودي: هذا عام في جميع الحيوانات. وقال أبو عبد الملك: هذا الحديث كان في بني إسرائيل، وأما الإسلام فقد أمر بقتل الكلاب فيه. وأما قوله: ((في كل كبد))، فمخصوص ببعض البهائم مما لا ضرر فيه لأن المأمور ٢٩٢ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (٩) بقتله كالخنزير لا يجوز أن يقوى ليزداد ضرره، وكذا قال النووي: إن عمومه مخصوص بالحيوان المحترم، وهو ما لم يؤمر بقتله فيحصل الثواب بسقيه، ويلتحق به إطعامه وغير ذلك من وجوه الإحسان إليه. قلت: القلب الذي فيه الشفقة والرحمة يجنح إلى قول الداودي، وفي القلب من قول أبي عبد الملك حزازة، ويتوجه الرد على كلامه من وجوه: الأول: قوله: كان في بني إسرائيل، لا دليل عليه، فما المانع أن أحداً من هذه الأمة قد فعل هذا، وكوشف للنبي عَّله بذلك وأخبره بذلك حثاً لأمته على فعل ذلك، وصدور هذا الفعل من أحد من أمته يجوز أن يكون في زمنه، ويجوز أن يكون بعده، بأن يفعل أحد هذا. وأعلم النبي عَّلله بذلك أنه سيكون كذا وأخبره بذلك في صورة الكائن، لأن الذي يخبره عن المستقبل كالواقع لأنه مخبر صادق، وكل ما يخبره من المغيبات الآتية كائن لا محالة. والثاني: قوله: وأما الإسلام، فقد أمر بقتل الكلاب لا يقوم به دليل على مدعاه، لأن أمره عَ ل بقتل الكلاب في أول الإسلام، ثم نسخ ذلك بإباحة الانتفاع بها للصيد وللماشية والزرع، ولا شك أن الإباحة بعد التحريم نسخ لذلك التحريم، ورفع لحكمه. والثالث: دعوى الخصوص تحكم ولا دليل عليه، لأن تخصيص العام بلا دليل إلغاء لحكمه الذي تناوله، فلا يجوز، والعجب من النووي أيضاً أنه ادعى عموم الحديث المذكور للحيوان المحترم، وهو أيضاً لا دليل عليه، وأصل الحديث مبني على إظهار الشفقة لمخلوقات الله تعالى من الحيوانات، وإظهار الشفقة لا ينافي إباحة قتل المؤذي من الحيوانات، ويفعل في هذا ما قاله ابن التيمي: لا يمتنع إجراؤه على عمومه، يعني: فيسقي ثم يقتل، لأنا أمرنا بأن نحسن القتلة ونهينا عن المثلة، فعلى قول مدعي الخصوص: الكافر الحربي والمرتد الذي استمر على ارتداده إذا قدما للقتل، وكان العطش قد غلب عليهما، ينبغي أن يأثم من يسقيهما لأنهما غير محترمين في ذلك الوقت، ولا يميل قلب شفوق فيه رحمة إلى منع السقي عنهما، يسقيان ثم يقتلان. ذكر ما يستفاد منه: قال بعضهم: فيه: جواز السفر منفرداً وبغير زاد. قلت: قد ورد النهي عن سفر الرجل وحده، والحديث لا يدل على أن رجلاً كان مسافراً، لأنه قال: ((بينا رجل يمشي))، فيجوز أن يكون ماشياً في أطراف مدينة أو عمارة، أو كان ماشياً في موضع في مدينته. وكان خالياً من السكان. فإن قلت: قد مضى في أوائل الباب أن في رواية الدارقطني: يمشي بفلاة، وفي رواية أخرى: يمشي بطريق مكة؟ قلت: لا يلزم من ذلك أن يكون الرجل المذكور مسافراً، ولئن سلمنا أنه كان مسافراً لكن يحتمل أنه كان معه قوم فانقطع منهم في الفلاة لضرورة عرضت له، فلا يفهم منه جواز السفر وحده فافهم. وأما السفر بغير زاد، فإن كان في علمه أنه يحصل له الزاد في طريقه فلا بأس، وإن كان يتحقق عدمه فلا يجوز له بغير الزاد. وفيه: الحث على الإحسان إلى الناس، لأنه إذا حصلت المغفرة بسبب سقي الكلب، فسقي بني آدم أعظم أجراً. وفيه: أن سقي الماء من أعظم القربات. قال بعض التابعين: من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء، فإذا غفرت ذنوب الذي سقى كلباً فما ظنكم ٢٩٣ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (٩) بمن سقى مؤمناً موحداً وأحياه بذلك؟ وقال ابن التين: وروي عنه مرفوعاً: أنه دخل على رجل في السياق، فقال له: ماذا ترى؟ فقال: أرى ملكين يتأخران وأسودين يدنوان، وأرى الشر ينمى والخير يضمحل، فأعني منك بدعوة يا نبي الله، فقال: اللهم اشكر له اليسير، واعف عنه الكثير، ثم قال له: ماذا ترى؟ فقال: أرى ملكين يدنوان والأسودين يتأخران، وأرى الخير ينمى والشر يضمحل. قال: فما وجدت أفضل عملك؟ قال: سقي الماء. وفي حديث سئل عَّةٍ: أي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء. وفيه: ما احتج به على جواز الصدقة على المشركين لعموم قوله: أجر. وفيه: أن المجازاة على الخير والشر قد يكون يوم القيامة من جنس الأعمال، كما قال عَّله: من قتل نفسه بحديدة عذب بها في نار جهنم، وقال بعضهم: ينبغي أن يكون محله، ما إذا لم يوجد هناك مسلم، فالمسلم أحق. قلت: هذا قيد لا يعتبر به، بل تجوز الصدقة على الكافر، سواء يوجد هناك مسلم أو لا، وقال بعضهم أيضاً: وكذا إذا دار الأمر بين البهيمة والآدمي المحترم واستويا في الحاجة، فالآدمي أحق. قلت: إنما يكون أحق فيما إذا قسم بينهما، يخاف على المسلم من الهلاك، أو إذا أخذ جزءاً للبهيمة يخاف على المسلم، فأما إذا لم يوجد واحد منهما ينبغي أن لا تحرم البهيمة أيضاً، لأنها ذات كبد رطبة. تابَعَهُ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ والرَّبِيعُ بنُ مُسْلِمٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ زِیادٍ ٢٣٦٤/١٣ _ حدَّثنا ابنُ أبي مزيَمَ حدَّثَنَا نافِعُ بنُ عُمَرَ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ عنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهما أنَّ النبيَّ عَ لِّ صلَّى صَلاةَ الكُسُوفِ فقالَ دَنَتْ مِنِّي النَّارُ حتَّى قُلَّتُ أيْ رَبِّ وَأنَا مَعَهُمْ فَإِذَا امْرَأَةٌ حَسِبْتُ أنَّهُ قال تخْدِثُها هِرَّةٌ قال ما شأنٌ هَذِهِ قالوا حبَسَتْها حتَّى ماتَتْ جوعاً. [انظر الحديث ٧٤٥]. مطابقته للترجمة من حيث إن هذه المرأة لما حبست هذه الهرة إلى أن ماتت بالجوع والعطش فاستحقت هذا العذاب، فلو كانت سقتها لم تعذب، ومن هنا يعلم فضل سقي الماء، وهو المطابق للترجمة. وهذا الحديث بعين هذا الإسناد قد مر في كتاب الصلاة في: باب ما يقرأ بعد التكبير، ولكن بأطول منه. وابن أبي مريم هو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم الجمحي مولاهم المصري، ونافع بن عمر بن عبد الله الجمحي من أهل مكة، وابن أبي مليكة هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي مليكة، بضم الميم: واسمه زهير بن عبد الله الأحول المكي القاضي على عهد ابن الزبير، وقد مر الكلام فيه هناك. قوله: ((دنت)) أي: قربت. قوله: ((أي ربي)) يعني: يا ربي. قوله: ((وأنا معهم))، فيه تعجب وتعجيب واستبعاد من قربه من أهل جهنم، فكأنه قال: كيف قربوا مني وبيني وبينهم غاية المنافاة المقتضية لبعد المشرقين. قوله: ((فإذا امرأة)) كلمة: إذا، للمفاجأة. قوله: ((حسبت)) من كلام أسماء. قوله: ((أنه قال))، أي: أن النبي، عَّه، قال. قوله: ((تخدشها)) ٢٩٤ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (١٠) أي: تكدحها، وأصل الخدش قشر الجلد بعود أو نحوه، من خدش يخدش خدشاً من باب ضرب يضرب. ٢٣٦٥/١٣ _ حدَّثنا إِسْمَاعِيلُ قال حدَّثني مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عبد الله بنِ عُمَرَ رضيٍ الله تعالى عنهُما أنَّ رسولَ الله عَ لَّلِ قال عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ في هِرَّةً حبَسَتْها حتَّى ماتَتْ مجوعاً فدَخَلَتْ فيها النَّارَ قال فقال والله أعْلَمُ لا أَنْتِ أَطْعَمْتِيها ولاَ سَقَيْتِيها حِينَ حَبَسْتِيها ولاَ أَنْتِ أَرْسَلْتِيهَا فأكَلَتْ مِنْ خَشاشِ الأرْضِ. [الحديث ٢٣٦٥ - طرفاه في: ٣٣١٨، ٣٤٨٢]. مطابقته للترجمة مثل مطابقة الحديث السابق. والحديث أخرجه مسلم في الأدب وفي الحيوان عن هارون بن عبد الله وعبد الله بن جعفر البرمكي. قوله: ((في هرة)) أي: في شُأن هرة أو بسبب هرة. قوله: ((فدخلت فيها)) أي: بسببها. قوله: ((قال: فقال)) أي: قال النبي عَّلَّه فقال الله تعالى أو بثلاث مالك خازن النار، قوله: ((والله أعلم)) جملة معترضة بين قوله: فقال، وبين: لا أنت ... إلى آخره. قوله: ((أطعمتيها)) يروي: ((أطعمتيها)) مع أخواتها آلة بإشباع كسراتها ياء، قوله: ((كانت)) ويروى: فتأكل. قوله: ((من خشاش الأرض)) بكسر الخاء المعجمة وخفة الشين الأولى: الحشرات، وقد تفتح الخاء. وقال النووي وقد تضم أيضاً. وقال أبو عبيدة: الخشاش، بالكسر إلاَّ الطير الصغير فإنه بالفتح. وفي (الغريب) للمصنف: الخشاش شرار الطير. قال القرطبي: وظاهر الحديث يدل على تملك الهرة لأنه أضافها للمرأة باللام التي هي ظاهرة في الملك. وفيه: أن النار مخلوقة. وفيه: أن بعض الناس معذب اليوم في جهنم. وفيه: في تعذيبها بسبب الهرة دلالة على أن فعلها كبيرة لأنها أصرت عليه. ١٠ - بابُ مَنْ رَأَى أَنَّ صاحِبَ الحَوْضِ أوْ الْقَرْبَةِ أحَقُّ بِمِائِهِ أي: هذا باب في بيان حكم من رأى إلى آخره، والحكم فيه أن من كان له حوض فيه ماؤه أو معه قربة فيها ماء فهو أحق بذلك الماء من غيره، لأنه ملكه وتحت يده وله التصرف فيه بالبيع والشراء والهبة ونحو ذلك، ولا يجوز لغيره أن يأخذ منه شيئاً إلاَّ بإذنه إلاَّ المضطر في الشرب، كما مر تفصيله فيما مضى. ٢٣٦٦/١٤ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قال حدثنا عبدُ العزِيزِ عنْ أَبِي حازمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ رضي الله تعالى عنه قال أَتِيَ رسولُ الله عَ لّه بِقَدَحِ فَشَرِبَ وعنْ يَمِينِهِ غُلامٌ هُوَ أَحْدَثُ القَوْمِ والأشْيَاُ عنْ يَسَارِهِ قال يا غُلامُ أتأْذَنُ لِي أنْ أُعْطِّيَ الأشْيَاخَ فقال ما كُنْتُ لأُوثِرَ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحدَاً يا رسولَ الله فأعْطَاهُ إِيَّاهُ. [انظر الحديث ٢٣٥١ وأطرافه]. قيل: لا مطابقة هنا بين الحديث والترجمة، لأنه ليس في الحديث إلاَّ أن الأيمن أحق بالقدح من غيره. وأجيب: بأن مراد البخاري أن الأيمن إذا استحق ما في القدح بمجرد جلوسه واختص به، فكيف لا يختص صاحب اليد والمتسبب في تحصيله؟ قلت: فيه نظر، لأن ٢٩٥ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (١٠) الفرق ظاهر بين الاستحقاقين، فاستحقاق الأيمن غير لازم حتى إذا منع ليس له الطلب الشرعي، بخلاف استحقاق صاحب اليد، وهذا ظاهر، وقال الكرماني: وجه تعلقه - أي: تعلق الحديث بالترجمة - قياس ما في القربة والحوض على ما في القدح، وتصرف بعضهم فيه بقوله: ومناسبته للترجمة ظاهرة، إلحاقاً للحوض والقربة بالقدح، فكأن صاحب القدح أحق بالتصرف فيه شرباً وسقیاً. انتهى. قلت: أما قياس الكرماني فقياس بالفارق، وقد ذكرناه، وأما قول بعضهم: إلحاقاً للحوض والقربة بالقدح، فإن كان مراده بالقياس عليه فغير صحيح لما ذكرنا، وإن كان مراده من الإلحاق أن صاحب القدح مثل صاحب القربة في الحكم فليس كذلك على ما لا يخفى. وقوله: فكان صاحب القدح أحق بالتصرف فيه شرباً وسقياً، لا يخلو أن يقرأ قوله: فكان، بكاف التشبيه دخلت على: أن، بفتح الهمزة، أو: كان، بلفظ الماضي من الأفعال الناقصة، وأيّاً ما كان ففساده ظاهر يعرف بالتأمل، فإذا كان الأمر كذلك فلا مطابقة هنا بين الحديث والترجمة إلاَّ بالجر الثقيل، بأن يقال: صاحب الحوض مثل صاحب القدح في مجرد الاستحقاق مع قطع النظر عن اللزوم وعدمه، والحديث مضى قبل هذه بثمانية أبواب في: باب في الشرب، فإنه أخرجه هناك: عن سعيد بن أبي مريم عن أبي غسان عن أبي حازم عن سهل بن سعد، وهنا أخرجه: عن قتيبة بن سعيد عن عبد العزيز عن أبيه أبي حازم سلمة بن دينار عن سهل، وقد مر الكلام فيه هناك. ٢٣٦٧/١٥ _ حدَّثنا محَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قال حدثنا غُنْدَرٌ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ مُحَمَّدٍ بنِ زِيادٍ قال سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه عن النبيِّ عَّهِ قال والَّذِي نفْسِي بِيَدِهِ لِأَذُوَدَنَّ رِجالاً عنْ حَوْضِي كَما تُذَادُ الْغَرِيبَةُ مِنَ الإِبِلِ عنِ الحَوْضِ. مطابقته للترجمة في قوله: ((عن حوضي)) فإنه يدل على أنه أحق بخوضه وبما فيه. والترجمة أن صاحب الحوض أحق به. وغندر، بضم الغين وسكون النون، مر غير مرة، وهو لقبه واسمه: محمد بن جعفر البصري ربيب شعبة، ومحمد بن زياد، بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف: الرشي الجمحي أبو الحارث المدني، مر في: باب غسل الأعقاب، ولا يشتبه عليك بمحمد بن زياد الألهاني، وإن كان كل منهما تابعياً. والحديث أخرجه مسلم في فضائل النبي عَ لّ: عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة به، وفي (التلويح): لما أعاد البخاري هذا الحديث في الحوض ذكره معلقاً من طريق عبيد الله بن أبي رافع عن أبي هريرة، وهذا الحديث مما كاد أن يبلغ مبلغ القطع والتواتر على رأي جماعة من العلماء يجب الإيمان به فيما حكاه غير واحد ورواه عن النبي عَ ليه جماعة كثيرة من الصحابة منهم في الصحيح ابن عمر وابن مسعود وجابر بن سمرة وجندب ابن عبد الله وزيد بن أرقم وعبد الله بن عمرو وأنس بن مالك وحذيفة، وعند أبي القاسم اللألكائي ثوبان وأبو بردة وجابر بن عبد الله وزيد بن أرقم وعبد الله بن عمرو وأنس بن مالك ٢٩٦ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (١٠) وحذيفة، وعند أبي القاسم اللالكائي ثوبان وأبو بردة وجابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري وبريدة وعن القاضي أبي الفضل وعقبة بن عامر وحارثة بن وهب والمستورد وأبو برزة وأبو أمامة وعبد الله بن زيد وسهل بن سعد وسويد بن جبلة وأبو بكر الصديق والفاروق والبراء وعائشة وأختها أسماء وأبو بكرة وخولة بن قيس وأبو ذر والصنابحي في آخرين. ذكر معناه: قوله: ((لأذودن)) أي: لأطردن، من ذاد يذود ذياداً، أي: دفعه وطرده، ويروى: فليذادن رجال، أي: يطردون. وفي (المطالع): كذا رواه أكثر الرواة عن مالك في (الموطأ)، ورواه يحيى ومطرف وابن نافع: فلا يذادن، ورواه ابن وضاح على الرواية الأولى، وكلاهما صحيح المعنى، والنافية أفصح وأعرف، ومعناه: فلا تفعلوا فعلاً يوجب ذلك، كما قال ◌َ له: لا ألفينَّ أحدكم على رقبته بعير، أي: لا تفعلوا ما يوجب ذلك. قوله: ((كما تذاد الغريبة من الإبل))، أي: كما تطرد الناقة الغريبة من الإبل عن الحوض إذا أرادت الشرب مع إبله، وعادة الراعي إذا ساق الإبل إلى الحوض لتشرب أن يطرد الناقة الغريبة إذا رآها بينهم، واختلف في هؤلاء الرجال، فقيل: هم المنافقون، حكاه ابن التين، وقال ابن الجوزي: هم المبتدعون، وقال القرطبي: هم الذين لا سيما لهم من غير هذه الأمة، وذكر قبيصة في (صحيح البخاري) أنهم: هم المرتدون الذين بدلوا، وقال ابن بطال: فإن قيل: كيف يأتون غراً والمرتد لا غرة له؟ فالجواب: أن النبي عَّ الله قال: تأتي كل أمة فيها منافقوها، وقد قال الله تعالى: ﴿يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم﴾ [الحديد: ١٣]. فصح أن المؤمنين يحشرون وفيهم المنافقون الذين كانوا معهم في الدنيا حتى يضرب بينهم بسور، والمنافق لا غرة له ولا تحجيل، لكن المؤمنون سموا غراً بالجملة، وإن كان المنافق في خلالهم. وقال ابن الجوزي: فإن قيل: كيف خفي حالهم على سيدنا رسول الله عٍَّ، وقد قال: تعرض علي أعمال أمتي؟ فالجواب: أنه إنما تعرض أعمال الموحدين لا المنافقين والكافرين. ١٦/ ٢٣٦٨ _ حدَّثنا عبدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قال أخبرنا عبد الرَّزَّاقِ قال أخبرنَا مَعْمَرٌ عنْ أَيُّوبَ وكَثيرٍ بنٍ كَثيرٍ يَزِيدُ أحدُهُما عَلَى الآخَرِ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قال قال ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما قال النبيُّ عَ لَّه يَرْحَمُ الله أُمَّ إسْمَاعِيلَ لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ أَوْ قال لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الماءِ لَكانَتْ عَيْناً معيناً وأقْبَلَ مُجرّهُمُ فقالوا أتأْذَنِينَ أَنْ نَنزِلَ عِنْدَكِ قالَتْ نعَمْ ولاَ حَقَّ لَكُمْ في الماءِ قالوا نَعَمْ. االحديث ٢٣٦٨ - أطرافه في: ٣٣٦٢، ٣٣٦٣، ٣٣٦٤، ٣٣٦٥]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قولها لجرهم: ((ولا حق لكم في الماء)) لأنها أحقٍ من غيرها. وقال الخطابي: فيه أن من أنبط ماءً في فلاة من الأرض ملكه ولا يشاركه فيه إلاّ برضاه، إلاّ أنه لا يمنع فضله إذا استغنى عنه، وإنما شرطت هاجر عليهم أن لا يتملكوه. قوله: وعبد الله بن محمد بن عبد الله أبو جعفر البخاري المعروف بالمسندي، وهو من أفراده، وأيوب هو السختياني، وكثير بن كثير - ضد القليل في اللفظين - ابن المطلب السهمي، ٢٩٧ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (١٠) وهو عطف على: أيوب، قيل: يلزم أن يكون كل منهما مزيداً ومزيداً عليه. أجيب: نعم باعتبارین. والحديث أخرجه البخاري أيضاً مطولاً في أحاديث الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، وفيه أيضاً عن أبي عامر. وأخرجه النسائي في المناقب عن محمد بن عبد الأعلى ومحمد بن عبد الله بن المبارك عن أبي عامر العقدي وعثمان بن عمر، كلاهما عن إبراهيم بن نافع. قوله: ((أم إسماعيل))، هي: هاجر، وكان إبراهيم عَِّ سار إلى مصر لما وقع القحط بالشام للميرة ومعه سارة ولوط، عليهم الصلاة والسلام، وكان بها أول الفراعنة، سنان بن علوان بن عبيد بن ويج بن عملاق بن لاود بن سام بن نوح مَّ ◌َلَّه، وقيل غير ذلك، وكانت سارة من أجمل النساء، وجرى ما جرى بينه وبين إبراهيم عَّ بسبب سارة على ما ذكره أهل السير، فآخر الأمر نجى الله سارة من هذا الفرعون فأخدمها هاجر. واختلف فيها، فقال مقاتل: كانت من ولد هود عَّه، وقال الضحاك: كانت بنت ملك مصر، وكان ساكناً بمنف فغلبه ملك آخر فقتله وسبى ابنته فاسترقها ووهبها لسارة، ثم وهبتها سارة لإبراهيم فواقعها فولدت إسماعيل، ثم حمل إبراهيم إسماعيل وأمه هاجر إلى مكة، وذلك لأمر يطول ذكره، ومكة إذ ذاك عضاه وسلم وسمر، فأنزلهما في موضع الحجر، وكان مع هاجر شنة ماء وقد نفد فعطشت وعطش الصبي، فنزل جبريل عَ ◌ّه وجاء بهما إلى موضع زمزم، فضرب بعقبه ففارت عين، فلذلك يقال لزمزم: ركضة جبريل عَّله، فلما نبع الماء أخذت هاجر شنتها وجعلت تستقي فيها تدخره، وهي تفور، قال عَّ له: يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم لكانت عينا معيناً، فشرب، وقال لها جبريل: لا تخافي الظمأ على أهل هذه البلدة فإنا عين ستشرب منها ضيفان الله، وإن ههنا بين الله يبني هذا الغلام وأبوه، فكان كذلك حتى مرت رفقة من جرهم تريد الشام مقبلين من طريق كذا، فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائراً على الجبل، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على الماء، وعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأشرفوا فإذا هم بالماء، فقالوا لهاجر: إن شئت كنا معك وآنسناك والماء ماؤك، فأذنت لهم فنزلوا هناك، فهم أول سكان مكة، فكانوا هناك حتى شب إسماعيل وماتت هاجر، فتزوج إسماعيل امرأة منهم يقال لها: الجداء ابنة سعد العملاقي، وأخذ لسانهم فتعرب بهم، وحكايته طويلة ليس هذا موضع بسطها. ثم اعلم أن جرهم صنفان: الأولى: كانوا على عهد عاد فبادوا ودرست أخبارهم، وهم من العرب البائدة. وجرهم الثانية من ولد جرهم بن قحطان، وكان جرهم أخا يعرب بن قحطان فملك يعرب اليمن وملك أخوه جرهم الحجاز، وقال الرشاطي: جرهم وابن عمه قطورا هما كانا أهل مكة وكانا قد ظعنا من اليمن فأقبلا سيارة، وعلى جرهم مضاض بن عمر، وعلى قطورا السميدع، رجل منهم، فنزلا مكة وجرهم بن قحطان بن عامر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، عليه السلام. قوله: ((لو تركت زمزم))، بأن لا تغرف منها إلى القربة ولا تشح بها «لكانت عيناً معيناً»، بفتح الميم أي: جارياً. قوله: ((أو قال»، شك من الراوي. ١ ٢٩٨ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (١٠) قوله: ((أتأذنين)) خطاب لهاجر بهمزة الاستفهام على سبيل الاستخبار. قوله: ((أن ننزل)) بنون المتكلم مع الغير، ويروى: أن أنزل باعتبار قول كل واحد منهم. قال الكرماني: فإن قلت: نعم، مقررة لما سبق، وههنا النفي سابق. قلت: يستعمل في العرف مقام: بلى، ولهذا يثبت به الإقرار حيث يقال: أليس لي عليك ألف؟ فقال: نعم. قلت: التحقيق فيه أن: بلى، لا تأتي إلاَّ بعد نفي، وأن: نعم، تأتي بعد نفي وإيجاب، فلا يحتاج أن يقال: يستعمل في العرف مقام: بلى. ٢٣٦٩/١٧ - حدَّثنا عبد الله بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا سُفْيانُ عنْ عَمْرٍو عِنْ أبي صالِحٍ السَّمَّانِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَِّ قال ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهَ يَوْمَ القِيَامَةِ ولاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ رِجُلٌ حَلَفَ علَى سِلْعةٍ لِقَدْ أعْطَى أَكْثَرَ مِمَّا أعْطَى وهْوَ كاذِبٌ ورجُلٌ حَلَفَ عِلَى يَمِينٍ كاذِبَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِها مالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ وَرَجُلٌ منَعَ فَضْلَ ماءٍ فِيَقُولُ الله الْيَوْمَ أَمْتَتُكَ فَضْلِي كَما منَعْتَ فَضْلَ ما لَمْ تَعْمَلْ يَذَاكَ. [انظر الحديث ٢٣٥٨ وأطرافه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((ورجل منع فضل ماء))، لأنه استحق العقاب في الفضل، فدل هذا أنه أحق بالأصل الذي في حوضه، أو في قربته، وسفيان هو ابن عيينة، وعمرو هو ابن دينار، وأبو صالح هو ذكوان السمان، والحديث مضى قبل هذا الباب بأربعة أبواب في: باب إثم من منع ابن السبيل من الماء، فإنه أخرجه هناك: عن موسى بن إسماعيل عن عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، ولكن بينهما بعض اختلاف في المتن بزيادة ونقصان يعلم بالنظر، فإن فيه هناك الرجل المبايع للإمام هو ثالث الثلاثة، ولا منافاة بينهما إذا لم يحصر على هذه الثلاثة ولا على تلك الثلاثة. قوله: ((أكثر مما أعطى))، على صيغة المجهول، ويروى على صيغة المعلوم أي: أكثر مما أعطى فلان الذي يستامه. قوله: ((وهو كاذب)) جملة حالية. قوله: ((اليوم أمنعك فضلي)) أي: إنك إذا كنت تمنع فضل الماء الذي ليس بعملك، وإنما هو رزق ساقه الله إليه أمنعك اليوم فضلي مجازاة لما فعلت. وقيل: قوله: اليوم أمنعك ... إلى آخره، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿آأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون﴾ [الواقعة: ٦٩]. وحكى ابن التين عن أبي عبد الملك أنه قال: هذا يخفي معناه، ولعله يريد أن البئر ليست من حفره، وإنما هو في منعه غاصب ظالم، وهذا لا يرد فيما حازه وعمله، ويحتمل أن يكون هو حفرها ومنعها من صاحب الشفة، أي: العطشان، ويكون معنى: ما لم تعمل يداك، أي: لم تنبع الماء ولا أخرجته. قلت: تقييد هذا بالبئر لا معنى له، لأن قوله: ورجل منع فضل ماء، أعم من أن يكون ذلك الفضل في البئر أو في الحوض أو في القربة ونحو ذلك. وقالَ عَلِيٍّ حدَّثنا سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ عنْ عَمْرٍو قال سَمِعَ أبَا صالِحٍ يَبْلُغُ بِهِ النبيَّ ◌َِه أي: قال علي بن عبد الله المعروف بابن المديني: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو : ٢٩٩ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (١١) ابن دينار سمع أبا صالح ذكوان يبلغ به، أي يرفع الحديث إلى النبي، عَّهِ، وأشار بهذا إلى أن سفيان كان يرسل هذا الحديث كثيراً، ولكنه صحح الموصول لأنه سمعه من الحفاظ موصولاً ووصله أيضاً عمرو الناقد. وأخرجه مسلم عنه عن سفيان عن عمرو عن أبي صالح عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، قال: أراه مرفوعاً، والله أعلم. ١١ - بابٌ لاَ حِمَى إلاَّ لله ولِرَسُولِهِ عَ اله أي: هذا باب في بيان حكم قول النبي، عَّةِ: لا حمى إلا لله ولرسوله، وعقد هذه الترجمة بلفظ حديث الباب من غير زيادة عليه، والحمى، بكسر الحاء وفتح الميم بلا تنوين مقصور، وفي (المغرب): الحمى: موضع الكلأ يحمى من الناس ولا يرعى ولا يقرب، وفي (الصحاح): حميته حماية أي: دفعت عنه، وهذا شيء حمى على فعل أي: محظور لا يقرب. قلت: دل هذا أن لفظ: حمى، اسم غير مصدر، وهو على وزن فعل بكسر الفاء بمعنى مفعول، أي: محمي محظور، هذا معناه اللغوي، ومعناه الاصطلاحي: ما يحمي الإمام من الموات لمواشٍ لعينها ويمنع سائر الناس من الرعي فيها. وقال ابن الأثير: قيل: كان الشريف في الجاهلية إذا نزل أرضاً في حيه استعوى كلباً فحمى مدى عواء الكلب لا يشرك فيه غيره، وهو يشارك القوم في سائر ما يرعون فيه، فنهى النبي عَّ له عن ذلك، وأضاف. الحمى إلى الله ورسوله إلاَّ ما يحمى للخيل التي ترصد للجهاد والإبل التي يحمل عليها في سبيل الله، وإبل الزكاة وغيرها، كما حمى عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، النقيع، بالنون: لنعم الصدقة والخيل المعدة في سبيل الله. قيل: فيه نظر من حيث إن الملوك والأشراف كانوا يحمون بما شاؤوا، فلم يحك أحد أنهم كانوا يحمون بالكلب إلاَّ ما نقل عن وائل بن ربيعة التغلبي، فغلبت عليه اسم كليب، لأنه حمى الحمى بعواء كلب كان يقطع يديه ويدعه وسط مكان يريده، فأي موضع بلغ عواؤه لا يقربه أحد وبسببه، كانت حرب البسوس المشهورة. وقال ابن بطال: أصل الحمى المنع، يعني: لا مانع لما لا مالك له من الناس من أرض أو كلاً إلاَّ الله ورسوله، قال: وذكر ابن وهب أن النقيع الذي حماه سيدنا رسول الله، عَ ليه، قدره ميل في ثمانية أميال، والنقيع بالنون المفتوحة والقاف المكسورة بعدها ياء آخر الحروف ساكنة وفي آخره عين مهملة: على عشرين فرسخاً من المدينة، وقيل: على عشرين ميلاً، ومساحته بريد في بريد، قال ياقوت: وهو غير نقيع الخضمات الذي كان عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، حماه، وعكس ذلك أبو عبيد البكري، وزعم الخطابي أن من الناس من يقوله بالباء الموحدة، وهو تصحيف، والأصل في النقيع أنه: كل موضع يستنقع فيه الماء، وزعم ابن الجوزي أن بعضهم ذهب إلى أنهما واحد، والأول أصح. ١٨/ ٢٣٧٠ _ حدَّثنا يَخْتَى بِنُ بُكَيْرٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عن يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أنَّ الصَّغْبَ بنَ جَثَّامَةَ قال إنَّ رسولَ الله عَ لِّ قال لاَ حِمَى إلاَّ لله ولِرَسُولِهِ. [الحديث ٢٣٧٠ - طرفه في: ٣٠٠ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (١١) ٣٠١٣]. الحديث عين الترجمة فلا مطابقة أقوى من هذا، ورجاله سبعة كلهم قد ذكروا، ويونس بن يزيد الأيلي، والصعب - ضد السهل - ابن جثامة، بفتح الميم وتشديد الثاء المثلثة: الليثي، مر في جزاء الصيد ورواية الليث عن يونس من الأقران، لأن الليث قد سمع من شيخه ابن شهاب أيضاً. وفي هذا الإسناد تابعيان: ابن شهاب وعبيد الله، وصحابيان: عبد الله بن عباس والصعب بن جثامة. وهذا الحديث من أفراده، ووقع في (الإلمام) للشيخ تقي الذين القشيري: أنه من المتفق عليه، وهو وهم، بل ربما يكون من الناسخ، وأخرجه البخاري أيضاً في الجهاد عن علي بن عبد الله عن سفيان. وأخرجه أبو داود في الخراج عن ابن السرح عن ابن وهب عن يونس به. وأخرجه النسائي في الحمى وفي السير عن أبي كريب عن ابن إدريس عن مالك عن ابن شهاب. قوله: ((لا حمى إلاَّ لله ولرسوله))، أي: لا حمى لأحد يخص نفسه يرعى فيه ماشيته دون سائر الناس، وإنما هو لله ولرسوله ولمن ورد ذلك عنه من الخلفاء بعده إذا احتاج إلى ذلك لمصلحة المسلمين، كما فعل الصديق والفاروق وعثمان لما احتاجوا إلى ذلك، وعاب رجل من العرب عمر، رضي الله تعالى عنه، فقال: بلاد الله حميت لمال الله، وأنكر أيضاً على عثمان أنه زاد في الحمى، وليس لأحد أن ينكر ذلك، لأنه عَ لَّه قد تقدم إليه ولخلفائه الاقتداء به والاهتداء، وإنما يحمي الإمام ما ليس بملك لأحد مثل بطون الأودية والجبال والموات، وإن كان ينتفع المسلمون بتلك المواضع فمنافعهم في حماية الإمام أكثر. وقال ابن التين: معنى الحديث: لا حمى إلاَّ على ما أذن الله لرسوله أن يحميه، لا ما كان يحميه العرب في الجاهلية. قيل: الأرجح عند الشافعية أن الحمى مختص بالخليفة، ومنهم من ألحق به ولاة الأقاليم، وقال بعضهم: استدل به الطحاوي لمذهبه في اشتراط إذن الإمام في إحياء الموات، وتعقب بالفرق بينهما، فإن الحمى أخص من الإحياء. انتهى. قلت: حصر الحمى لله ولرسوله يدل على أن حكم الأراضي إلى الإمام، والموات من الأراضي، ودعوى أخصية الحمى من الإحياء ممنوعة لأن كلاً منهما لا يكون إلاَّ فيما لا مالك له، فيستويان في هذا المعنى. وقال أبو عَبْدِ الله بلَغَنَا أنَّ النبيَّ عَّ ◌َلِّ حَمَى النَّقِيعَ وأَنَّ عُمَرَ حَمى السَّرَفَ وَالرَّبَذَةَ وقع للأكثرين من الرواة هكذا، وقال: بلغنا أن النبي عَّهِ بدون لفظ أبو عبد الله، ولم يقع: قال أبو عبد الله، إلاّ في رواية أبي ذر، وقال ابن التين: وقع في بعض روايات البخاري: وقال أبو عبد الله: وبلغنا، فجعله من قول البخاري، وقال بعضهم: فظن بعض الشراح أنه من كلام البخاري المصنف وليس كذلك. قلت: إن كان مراده من بعض الشراح ابن التين فليس كذلك، لان ابن التين لم يقل إنه من كلام البخاري، وإنما هو ناقل وليس بقائل، والضمير