النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ ٤١ - كتاب المُزَارَعَةِ / باب (٢٠) لو لم يكن من الأمور التي يحرض فيها بالاستمرار عليه لما تمنى الرجل المذكور فيه الزرع في الجنة مع عدم الاحتیاج إليه فيها. ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: محمد بن سنان، بكسر السين المهملة وتخفيف النون وفي آخره نون أيضاً، وقد تقدم في أول العلم. الثاني: فليح، بضم الفاء وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره حاء مهملة: ابن سليمان، وقد تقدم في أول العلم. الثالث: هلال بن علي، وهو هلال بن أبي ميمونة، ويقال: هلال بن أبي، ويقال: هلال بن أسامة. الرابع: عبد الله بن محمد بن عبد الله المعروف بالمسندي. الخامس: أبو عامر عبد الملك بن عمرو بن قيس العقدي. السادس: عطاء بن يسار - ضد اليمين - تقدم في الإيمان. السابع: أبو هريرة. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ستة مواضع. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: أن فليحاً وهلالاً وعطاءً مدنيون، وأن عبد الملك بصري وأن شيخه عبد الله بن محمد البخاري، وأنه من أفراده، وكذلك محمد بن سنان من أفراده. وفيه: أنه ساق الحديث على لفظ الإسناد الثاني، وفي كتاب التوحيد على لفظ محمد بن سنان. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التوحيد عن محمد بن سنان وهو من أفراده. ذكر معناه: قوله: ((وعنده رجل))، جملة حالية. قوله: ((من أهل البادية))، وفي رواية: من أهل البدو، وهما من غير همز، لأنه من: بدا الرجل يبدو، وإذا خرج إلى البادية، والاسم: البداوة، بفتح الباء وكسرها، هذا هو المشهور، وحكى: بدأ - بالهمز - يبدأ، وهو قليل. قوله: ((أن رجلاً))، بفتح همزة: أن، لأنه في محل المفعولية. قوله: ((استأذن ربه في الزرع)) أي: في مباشرة الزرع، يعني: سأل الله تعالى أن يزرع. قوله: ((ألست فيما شئت؟)) وفي رواية محمد بن سنان: أولست فيما شئت، بزيادة الواو، ومعنى هذا استفهام على سبيل التقرير، يعني: أولست كائناً فيما شئت من التشهيات، قال: بلى، الأمر كذلك، ولكن أحب الزرع. قوله: ((فبذر))، يعني ألقى البذر، وفيه حذف تقديره: فأذن له بالزرع فعند ذلك قام ورمى البذر على أرض الجنة فنبت في الحال واستوى، وأدرك حصاده فكان كل حبة مثل الجبل. قوله: ((فبادر))، وفي رواية محمد بن سنان: فأسرع فتبادر. قوله: ((الطرف))، منصوب بقوله: فبادر، و: نباته، بالرفع فاعله. قال ابن قرقول: الطرف: بفتح الطاء وسكون الراء: هو امتداد لحظ الإنسان حيث أدرك. وقيل: طرف العين، أي: حركتها، أي: تحرك أجفانها. قوله: ((واستحصاده))، من الحصد، وهو قلع الزرع، والمعنى: أنه لما بزرٍ لم يكن بين ذلك وبين استواء الزرع ونجاز أمره كله من القلع والحصد والتذرية والجمع إلاّ قدر لمحة البصر. قوله: ((دونك))، بالنصب على الإغراء، أي: خذه. قوله: ((فإنه))، أي: فإن الشأن لا يشبعك شيء، من الإشباع، وفي رواية محمد بن سنان: لا يسعك، بفتح الياء والسين المهملة وضم العين، وله معنى صحيح. قوله: ((فقال الأعرابي))، هو ذلك الرجل الذي كان عنده من أهل البادية. ٢٦٢ ٤١ - كتاب المُزَارَعَةِ / باب (٢١) ذكر ما يستفاد منه: فيه: أن في الجنة يوجد كل ما تشتهي الأنفس من أعمال الدنيا ولذاتها، قال الله تعالى: ﴿وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين﴾ [الزخرف: ٧١]. وفيه: أن من لزم طريقة أو حالة من الخير أو الشر أنه يجوز وصفه بها ولا حرجٍ على واصفه. وفيه: ما جبل الله نفوس بني آدم عليه من الاستكثار والرغبة في متاع الدنيا إلاّ أن الله تعالى أغنى أهل الجنة عن نصب الدنيا وتعبها. وفيه: إشارة إلى فضل القناعة وذم الشره. وفيه: الإخبار عن الأمر المحقق الآتي بلفظ الماضي، فافهم. ٢١ - بابُ ما جاءَ في الْغَرْسِ أي: هذا باب يذكر فيه ما جاء في غرس ما يغرس من أصول النباتات. ٢٣٤٩/٢٨ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدَّثنا يَعْقوبُ عنْ أَبِي حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سعْدٍ رضي الله تعالى عنه أَنَّهُ قالَ إِنَّا كُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الجُمُعَةِ كانَتْ لَنَا عَجُوزٌ تأخُذُ مِنْ أصُولٍ سِلْقٍ لَنا كُنَّا نَغْرُسُهُ في أَرْبِعَائِنَا فَتَجْعَلُهُ فِي قِذَرٍ لَهَا فَتَجْعَلُ فِيهِ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ لا أَعْلَمُ إلَّ أَنَّهُ قال لَيسَ فِيهِ شَخْمٌ ولاَ ودَكٌ فإِذَا صِلَّيْنَا الجُمُعَةُ زُرْنَاهَا فَقَرَّبَتْهُ إِلَيْنَا فَكُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الجُمُعَةِ مِنْ أجْلِ ذَلِكَ وما كُنَّا نتَغَدَّى ولاَ نَقِيلُ إلَّ بَعْدَ الجُمُعَةِ. [انظر الحديث ٩٣٨ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: كنا نغرسه في أربعائنا، وإدخاله هذا الحديث في كتاب المزارعة من حيث إن الغرس والزرع من باب واحد، وقد مضى الحديث في آخر الجمعة في: باب قول الله عز وجل: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله﴾ [الجمعة: ١٠]. فإنه أخرجه هناك مقطعاً بطريقين، وفيهما اختلاف ببعض زيادة ونقصان. الطريق الأول: عن سعيد بن أبي مريم عن أبي غسان عن أبي حازم عن سهل بن سعد. والثاني: عن عبد الله بن مسلمة عن ابن أبي حازم عن سهل، وههنا أخرجه عن قتيبة بن سعيد عن يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد القاري من قارة، حي من العرب، أصله مدني سكن الاسكندرية، عن أبي حازم، بالحاء المهملة والزاي: سلمة بن دينار الأعرج المدني، وقد مضى الكلام فيه هناك. قوله: ((في أربعائنا))، قد مر عن قريب أن الأربعاء جمع: ربيع، وهو النهر الصغير، ومعناه كنا نغرسه على الأنهار والسلق، بكسر السين المهملة: والودك، بفتحتين، دسم اللحم. قوله: ((لا أعلم إلا أنه قال: ليس فيه شحم ولا ودك))، من قول يعقوب الراوي. ٢٩ / ٢٣٥٠ _ حدَّثنا مُوسى بنُ إسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدِ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنِ الأعْرَجِ عِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال يَقُولُونَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحَدِيثَ والله المَوْعِدُ ويَقولُونَ مَا لِلْمُهَاجرينَ والأَنْصارَ لاَ يُحدِّثونَ مِثْلَ أُحادِيثِهِ وإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بالأُسْوَاقِ وإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الأَنْصَارِ كانَ يَشْغَلهمْ عَمَلُ أمْوَالِهِمْ وكُنْتُ امْرَءًا مِسْكِيناً أَلْزَمُ رسولَ الله عَ لَّه عَلَى ملءِ بَطْنِي فَأَخْضُرُ حِينَ يَغِيبُونَ وأعِي حِينَ يَنْسَوْنَ ٢٦٣ ٤١ - كتاب المُزَارَعَةِ / باب (٢١) وقال النبيُّ عَّهِ يَوْماً لَنْ يَبْسُطَ أحَدٌ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِي مِقَالَتِي هَذِهِ ثُمَّ يَجْمَعَهُ إلَى صَدْرِهِ فَيَنْسَى مِنْ مَقَالَتِي شَيْئاً أبداً فبَسَطْتُ ثَمِرَةً لَيْسَ عَلَيَّ ثَوْبٌ غَيْرُها حتَّى قَضَى النبيُّ عَِّ مِقَالَتَهُ ثُمَّ جَمَعْتُها إِلَى صَدْرِي فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ ما نَسِيتُ مِنْ مَقالَتِهِ تِلْكَ إلَى يَوْمِي هَذا والله لَوْلاَ آيَتَانِ فِي كِتابِ الله ما حَدَّثْتُكُمْ شَيْئاً أبداً ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْثُمُونَ ما أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩]. [انظر الحديث ١١٨ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم))، فإن المراد من ذلك عملهم في الأراضي بالزراعة والغرس، وقد مضى هذا الحديث في كتاب العلم في: باب حفظ العلم، أخصر من ذلك، فيه تقديم وتأخير، فإنه أخرجه هناك: عن عبد العزيز بن عبد الله عن مالك عن ابن شهاب عن الأعرج عن أبي هريرة، وهنا أخرجه: عن موسى بن إسماعيل بن أبي سلمة المنقري البصري المدني: يقال له: التبوذكي وقد تكرر ذكره عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أبي إسحاق الزهري القرشي المديني، كان على قضاء بغداد عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة، وقد مضى الكلام فيه هناك. قوله: ((والله الموعد))، إما مصدر ميمي، وإما اسم زمان، أو اسم مكان، وعلى كل تقدير لا يصح أن يخبر به عن الله تعالى، ولكن لا بد من إضمار تقديره في كونه مصدراً. والله هو الواعد، وإطلاق المصدر على الفاعل للمبالغة، يعني: الواعد في فعله بالخير والشر، والوعد يستعمل في الخير والشر، يقال: وعدته خيراً ووعدته شراً، فإذا أسقط الخير والشر يقال في الخير: الوعد والعدة، وفي الشر: الإيعاد والوعيد. وتقديره في كونه اسم زمان، و: عند الله الموعد يوم القيامة وتقديره في كونه اسم مكان، و: عند الله الموعد في الحشر، وحاصل المعنى على كل تقدير: فالله تعالى يحاسبني إن تعمدت كذباً، ويحاسب من ظن بي ظن السوء. قوله: ((عمل أموالهم))، أي: الزرع والغرس. قوله: ((على ملء بطني))، بكسر الميم. قوله: ((وأعي))، أي: أحفظ من: وعى يعي وعياً إذا حفظ، وفهم. وأنا واعٍ، والأمر منه: عِ أي: إحفظ. قوله: ((ثم يجمعه))، بالنصب عطفاً على قوله: لن يبسط، وكذا قوله: فينسى، والمعنى: إن البسط المذكور والنسيان لا يجتمعان، لأن البسط الذي بعده الجمع المتعقب للنسيان منفي، فعند وجود البسط ينعدم النسيان، وبالعكس فافهم. قوله: («نمرة))، بفتح النون وكسر الميم: وهي بردة من صوف يلبسها الأعراب، والمراد: بسط بعضها لئلا يلزم كشف العورة. قوله: ((فوالذي بعثه بالحق) أي: فحق الله الذي بعث محمداً عَّله. قوله: ﴿إِن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات﴾ [البقرة: ١٥٩، ١٦٠]. هذه آيتان في سورة البقرة ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلاّ الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم﴾ [البقرة: ١٥٩، ١٦٠]. هذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البينة الصحيحة، والهدي النافع للقلوب من بعد ما بينه الله لعباده في كتبه التي أنزلها على رسله، ٢٦٤ ٤١ - كتاب المُزَارَعَةِ / باب (٢١) قال ابن عباس: نزلت في رؤساء اليهود: كعب بن الأشرف وكعب بن أسيد ومالك بن الضيف وغيرهم، كانوا يتمنون أن يكون النبي منهم، فلما بعث محمد عَّلَّهِ خافوا أن تذهب مأكلتهم من السفلة، فعمدوا إلى صفة النبي عَِّ فغيروها في كتابهم ثم أخرجوها إليها، فقالوا: هذا نعت النبي الذي يبعث في آخر الزمان، وهو لا يشبه نعت النبي الذي بمكة، فلما تطرق السلفة إلى صفة النبي من التي غيروها جحدوه لأنهم وجدوه مخالفاً، فقال الله تعالى: ﴿إن الذين يكتمون﴾ [البقرة: ١٥٩، ١٦٠]. وقال أبو العالية: نزلت في أهل الكتاب كتموا صفة محمد عَّلِ ثم أخبر أنهم يلعنهم كل شيء على صنيعهم ذلك، ولعنة الله على عباده عبارة عن طرده إياهم وإبعاده، ولعنة اللاعنين عبارة عن دعائهم باللعن قوله: ﴿اللاعنون﴾ [البقرة: ١٥٩، ١٦٠]. جمع: لاعن، يعني: دواب الأرض، هكذا قال البراء بن عازب، وقال عطاء بن أبي رباح: اللاعنون كل دابة والجن والإنس، وقال مجاهد: إذا أجدبت الأرض قالت البهائم: هذا من أجل عصاة بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم. وقال قتادة وأبو العالية والربيع بن أنس: ﴿يلعنهم اللاعنون﴾ [البقرة: ١٥٩، ١٦٠]. يعني: يلعنهم ملائكة الله والمؤمنون، ثم استثنى الله تعالى من هؤلاء من تاب إليه بقوله: ﴿إلا الذين تابوا﴾ [البقرة: ١٥٩، ١٦٠]. الآية. وفيه: دلالة على أن الداعية إلى كفر أو بدعة إذا تاب تاب الله عليه. قوله: ﴿وبينوا﴾ أي: رجعوا عما كانوا فيه وأصلحوا أحوالهم وأعمالهم، وبينوا للناس ما كانوا كتموه. وقد ورد أن الأمم السالفة لم تكن تقبل التوبة من مثل هؤلاء، ولكن هذا من شريعة نبي التوبة ونبي الرحمة عَ لَّه. بِسْمِ الله الرحمنِ الرَّحيم ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ أي: هذا كتاب في بيان أحكام المساقاة، ولم يقع لفظ: كتاب المساقاة في كثير من النسخ، ووقع في بعض النسخ: كتاب الشرب، ووقع لأبي ذر التسمية، ثم قوله: في الشرب، ثم قوله تعالى: ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون﴾ [الأنبياء: ٣٠]. وقوله: ﴿أفرأيتم الماء الذي تشربون﴾ [الواقعة: ٦٨]. إلى قوله: ﴿فلولا تشكرون﴾ [الواقعة: ٧٠]. ووقع في بعض النسخ: باب في الشرب، وقوله تعالى: ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون﴾ [الأنبياء: ٣٠]. وقوله: ﴿أفرأيتم الماء الذي تشربون﴾ [الواقعة: ٦٨]. إلى قوله: ﴿فلولا تشكرون﴾ [الواقعة: ٧٠]. ووقع في شرح ابن بطال: كتاب المياة خاصة، وأثبت النسفي لفظ: باب خاصة. أما المساقاة فهى: المعاملة بلغة أهل المدنة، ومفهومها اللغوي هو الشرعي، وهي معاقدة دفع الأشجار والكروم إلى من يقوم بإصلاحهما، على أن يكون له سهم معلوم من ثمرها، ولأهل المدينة لغات يختصون بها، كما قالوا للمساقاة: معاملة، وللمزارعة: مخابرة، وللإجارة: بيع، وللمضاربة: مقارضة، وللصلاة: سجدة. فإن قلت: المفاعلة تكون بين اثنين، وهنا ليس كذلك. قلت: هذا ليس بلازم، وهذا كما في قوله: قاتله الله، يعني: قتله الله، وسافر فلان، بمعنى: سفر، أو لأن العقد على السقي صدر من اثنين، كما في المزارعة، أو من باب التغليب، وأما الشرب، فبكسر الشين المعجمة: النصيب والحظ من الماء، يقال: كم شرب أرضك، وفي المثل آخرها شربا أقلها شرباً، وأصله في سقي الماء، لأن آخر الإبل يرد وقد نزف الحوض، وقد سمع الكسائي عن العرب أقلها شرباً على الوجوه الثلاثة، يعني الفتح والضم والكسر، وسمعهم أيضاً يقولون: أعذب الله شربكم، بالكسر، أي: ماءكم. وقيل: الشرب أيضاً وقت الشرب، وقال أبو عبيدة: الشرب، بالفتح المصدر وبالضم والكسر، يقال: شرب شُرباً وشَرباً وشرباً، وقريء: فشاربون شرب الهيم بالوجوه الثلاثة. وقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]. وقول الله، بالجر عطفاً على قوله: كتاب المساقاة، أو على قوله: في الشرب، أو على قوله: باب الشرب، أو على قوله: باب المياه، على اختلاف النسخ، وفي بعض النسخ: قال الله عزوجل: ﴿وجعلنا من الماء﴾ [الأنبياء: ٣٠]. الآية، وقال قتادة: كل حي مخلوق من الماء. فإن قلت: قد رأينا مخلوقاً من الماء غير حي. قلت: ليس في الآية: لم يخلق من الماء إلاَّ حي، وقيل: معناه أن كل حيوان أرضي لا يعيش إلاَّ بالماء. وقال الربيع بن أنس: من الماء، أي: من النطفة، وقال ابن بطال: يدخل فيه الحيوان والجماد، لأن الزرع والشجر لها موت إذا جفت ويبست، وحياتها خضرتها ونضرتها. وقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ المَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أُمْ نَحْنُ ٢٦٥ ٢٦٦ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (١) المُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْتَاهُ أجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٧٠]. وقول، بالجر عطف على: قوله، الأول لما أنزل الله تعالى: ﴿نحن خلقناكم فلولا تصدقون﴾ [الواقعة: ٥٧]. ثم خاطبهم بقوله: ﴿أفرأيتم ما تمنون﴾ [الواقعة: ٥٨]. إلى قوله: ﴿ومتاعاً للمقوين﴾ [الواقعة: ٧٣]. وكل هذه الخطابات للمشركين الطبيعيين لما قالوا: نحن موجودون من نطفة حدثت بحرارة كامنة، فرد الله عليهم بهذه الخطابات، ومن جملتها قوله: ﴿أفرأيتم الماء الذي تشربون﴾ [الواقعة: ٦٨]. أي: الماء العذب الصالح للشرب، ﴿آأنتم أنزلتموه من المزن﴾ [الواقعة: ٦٩]. أي: السحاب. قوله: ﴿جعلناه﴾ [الواقعة: ٧٠]. أي: الماء ﴿أجاجاً﴾ [الواقعة: ٧٠]. أي: ملحاً شديد الملوحة زعافاً مراً لا يقدرون على شربه. قوله: ﴿فلولا تشكرون﴾ [الواقعة: ٧٠]. أي: فهلا تشكرون. الأُجاجُ: المُرُّ، المُزْنُ: السَّحابُ هذا تفسير البخاري، وهو من كلام أبي عبيدة، لأن الأجاج المر، وأخرجه ابن أبي حاتم عن قتادة مثله، وقد ذكرنا الآن أنه الشديد الملوحة. وقيل: شديد المرارة، وقيل: المالح، وقيل: الحار، حكاه ابن فارس وفي (المنتهى): وقد أج يؤج أجوجاً قوله: ((المزن)) بضم الميم وسكون الزاي، جمع: مزنة، وهي السحاب الأبيض، وهو تفسير مجاهد وقتادة، رضي الله تعالى عنهما، ووقع في رواية المستملي وحده: منصباً، قبل قوله: المزن، ووقع بعد قوله: السحاب فراتاً عذباً، في رواية المستملي وحده، وفسر الثجاج بقوله: منصباً، وقد فسره ابن عباس ومجاهد وقتادة هكذا، ويقال: مطر ثجاج إذا انصب جداً، والفرات أعذب العذوبة، وهو منتزع من قوله تعالى: ﴿هذا عذب فرات﴾ [الفرقان: ٥٣ وفاطر: ١٢]. وروى ابن أبي حاتم عن السدي: العذب الفرات الحلو، ومن عادة البخاري أنه إذا ترجم لباب في شيء يذكر فيه ما يناسبه من الألفاظ التي في القرآن ويفسرها تكثيراً للفوائد. ١ - باب في الشُّزپ أي: هذا باب في بيان أحكام الشرب، وقد مر تفسير الشرب عن قريب. ومنْ رَأَى صَدَقَّةَ المَاءِ وهِبَتَهُ ووَصِيَتَهُ جَائِزَةً مَقْسُوماً كانَ أَوْ غَيْرَ مَقْسُومٍ أي: في بيان من رأى ... إلى آخره، قال بعضهم: أراد البخاري بالترجمة الرد على من قال: إن الماء لا يملك. قلت: من أين يعلم أنه أراد بالترجمة الرد على من قال: إن الماء لا يملك، ويحتمل العكس، وأيضاً فقوله: إن الماء لا يملك، ليس على الإطلاق، لأن الماء على أقسام: قسم منه لا يملك أصلاً، وكل الناس فيه سواء في الشرب وسقي الدواب وكري النهر منه إلى أرضه، وذلك كالأنهار العظام مثل النيل والفرات ونحوهما، وقسم منه يملك، وهو الماء الذي يدخل في قسمة أحد إذا قسمه الإمام بين قوم، فالناس فيه شركاء في الشرب وسقي الدواب دون كري النهر، وقسم منه يكون محرزاً في الأواني كالجباب والدنان والجرار ونحوها، وهذا مملوك لصاحبه بالإحراز، وانقطع حق غيره عنه كما في الصيد ٢٦٧ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (١) المأخوذ حتى لو أتلفه رجل يضمن قيمته، ولكن شبهة الشركة فيه باقية بقوله (المسلمون شركاء في الثلاث: الماء والكلأ والنار))، رواه ابن ماجه من حديث ابن عباس، ورواه الطبراني من حديث عبد الله بن عمر، ورواه أبو داود عن رجل من الصحابة وأحمد في (مسنده) وابن أبي شيبة في (مصنفه) والمراد شركة إباحة لا شركة ملك، فمن سبق إلى أخذ شيء منه في وعاء أو غيره وأحرزه فهو أحق به، وهو ملكه دون سواه، لكنه لا يمنع من يخاف على نفسه من العطش أو مركبه، فإن منعه يقاتله بلا سلاح، بخلاف الماء الثاني فإنه يقاتله فيه بالسلاح. قوله: (من رأى صدقة الماء)) إلى آخره لم يبين المراد منه: هل هو جائز أم لا؟ وظاهر الكلام يحتمل الجواز وعدمه، ولكن فيه تفصيل، وهو: أن الرجل إذا كان له شرب في الماء وأوصى أن يسقي منه أرض فلان يوماً أو شهراً أو سنة أجيزت من الثلث، فإن مات الموصى له بطلت الوصية بمنزلة ما إذا أوصى بخدمة عبده لإنسان فمات الموصى له بطلت الوصية، وإذا أوصى ببيع الشرب وهبته أو صدقته، فإن ذلك لا يصح للجهالة أو للغرر فإنه على خطر الوجود لأن الماء يجيء وينقطع، وكذا لا يصح أن يكون مسمى في النكاح حتى يجب مهر المثل ولا بدل الصلح عن الدعوى، ولا يباع الشرب في دین صاحبه بدون أرض بعد موته، وكذا في حياته، ولو باع الماء المحرز في إناء أو وهبه لشخص أو تصدق به فإنه يجوز، ولو كان مشتركاً بينه وبين آخر فلا يجوز قبل القسمة، فافهم، هذه الفوائد التي خلت عنها الشروح. وقال عُثْمانُ قال النبي عَُّلِّ: مِنْ يَشْتَرِي بِثْرَ رُومَةَ فيَكُونُ دَلْؤُهُ فِيها كَدِلاَءِ المُسْلِمِينَ فاشْتَرَاهَا عُثْمانُ رضي الله تعالى عنهُ أي: قال عثمان بن عفان، رضي الله تعالى عنه، وهذا التعليق سقط من رواية النسفي، ووصله الترمذي: ((حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي، قال: حدثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد هو ابن أبي أنيسة عن أبي إسحاق عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: لما حصر عثمان أشرف عليهم فوق داره، ثم قال: أذكركمٍ بالله! هل تعلمون أن حراء حين انتفض قال رسول الله عَّلى: اثبت حراء فليس عليك إلاَّ نبي أو صديق أو شهيد؟ قالوا: نعم. قال: أذكركم بالله! هل تعلمون أن النبي، عَّ له، قال في جيش العسرة: من ينفق نفقة متقبلة؟ والناس مجهدون معسرون فجهزت ذلك الجيش؟ قالوا: نعم، ثم قال: أذكركم بالله هل تعلمون أن بئر رومة لم يكن يشرب منها أحد إلاّ بثمن فابتعتها فجعلتها الغني والفقير وابن السبيل؟ قالوا: نعم. وأشياء عدها)). ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((بئر رومة)) يإضافة: بئر، إلى: رومة، بضم الراء وسكون الواو وبالميم. ورومة علم على صاحب البئر، وهو رومة الغفاري. وقال ابن بطال: بئر رومة كانت ليهودي، وكان يقفل عليها بقفل ويغيب فيأتي المسلمون ليشربوا منها فلا يجدونه حاضراً فيرجعون بغير ماء، : ٢٦٨ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (١) فشكا المسلمون ذلك، فقال، عَّ له: من يشتريها ويمنحها للمسلمين ويكون نصيبه فيها كنصيب أحدهم فله الجنة؟ فاشتراها عثمان. وهي بئر معروفة بمدينة النبي، عليه الصلاة والسلام، اشتراها عثمان بخمسة وثلاثين ألف درهم فوقفها، وزعم الكلبي أنه كان قبل أن يشتريها عثمان يشتري منها كل قربة بدرهم. قوله: ((فيكون دلوه فيها)) أي: دلو عثمان في البئر المذكور كدلاء كل المسلمين، يعني: يوقفها ويكون حظه منها كحظ غيره من غير مزية، وظاهره أن له الانتفاع إذا شرطه، ولا شك أنه إذا جعلها للسقاة إن له الشرب وإن لم يشترط لدخوله في جملتهم. وفيه: جواز بيع الآبار. وفيه: جواز الوقف على نفسه ولو وقف على الفقراء ثم صار فقيراً جاز أخذه منه. ٢٣٥١ _ حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي مَرْتَمَ قال حدَّثنا أَبُو غسّانَ قال حدَّثني أبو حازِمٍ عنْ سَهْلٍ بنِ سَعْدٍ رضي الله تعالى عنهُ قال أَتِيَ النبيُّ عَ لَّهِ بِقَدَحِ فَشَرِبَ مِنهُ وعنْ يَمِينِهِ غِلاَمٌ أَصْغَرَ الْقَوْمِ والأَشْيَاخُ عنْ يَسارِهِ فقال يا غُلامُ أَتَأْذَنُ لِي أنْ أَعْطِيَّهُ الأَشْياخَ قال ما كُنْتُ لِأُؤْثِرَ بِفَضْلِي مِنْكَ أحداً يا رسولَ الله فأعْطَاهُ إِيَّاهُ. [الحديث ٢٣٥١ - أطرافه في: ٢٣٦٦، ٢٤٥١، ٢٦٠٢، ٢٦٠٥، ٥٦٢٠]. وجه دخول هذا الحديث في هذا الباب من حيث مشروعية قسمة الماء، وأنه يملك، إذ لو كان لا يمكن لما جاءت فيه القسمة. فإن قلت: ليس في الحديث أن القدح كان فيه ماء؟ قلت: جاء مفسراً في كتاب الأشربة كأنه كان شراباً، والشراب هو الماء أو اللبن المشوب بالماء. ورجاله: سعيد بن أبي مريم، وهو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم الجمحي مولاهم المصري، وأبو غسان، بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة وبالنون: واسمه محمد بن مضر الليثي المدني نزل عسقلان، وأبو حازم، بالحاء المهملة والزاي: سلمة بن دينار الأعرج المدني، قال أبو عمرو: روى أبو حازم هذا الحديث عن أبيه، وقال فيه: وعن يساره أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، وذكر أبي بكر فيه عندهم خطأ، وإنما هو محفوظ في حديث الزهري عن عمرو بن حرملة عن ابن عباس، قال: دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله، عَّله، على ميمونة، فجاءتنا بإناء فيه لبن فشرب رسول الله عَّ له وأنا معه، وخالد عن يساره، فقال لي: الشربة لك، وإن شئت آثرت خالداً. فقلت: ما كنت لأوثر بسؤرك أحداً، ثم قال رسول الله، عَّ له: من أطعمه الله طعاماً فليقل: اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيراً منه، ومن سقاه الله لبناً فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه. قوله: ((وعن يمينه غلام))، هو الفضل بن عباس، حكاه ابن بطال، وحكى ابن التين أنه أخوه عبد الله. قوله: ((بفضلي))، ويروى: بفضل. وفيه: فضيلة اليمين على الشمال، وقد أمروا بالشرب بها والمعاطاة دون الشمال. وفيه: .... ٢٦٩ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (١) أن من استحق شيئاً من الأشياء لم يدفع عنه، صغيراً كان أو كبيراً، إذا كان ممن يجوز إذنه. ٢٣٥٢ _ حدَّثْنا أبو اليَمَانِ قال أُخْبَرَنا شُعَيْبٌ عن الزُّهْرِيِّ قال حدَّثني أنَسُ بنُ مالِكِ رضي الله تعالى عنه أنَّها محُلِبَتْ لِرَسُولِ اللهِعَّ ◌َلِ شاةٌ داجِنٌ وهْوَ في دَارِ أنَسٍ بنِ مالِكِ وشِيبَ لَبْنُها بِماءٍ مِنَ البِتْرِ الَّتِي في دَارِ أنَسٍ فَأَعْطِيَ رسولُ اللهِعَّهِ القَدَحَ فَشَرِبَ مِنْهُ حتَّى إِذَا نَزَعَ الْقَدَعَ مِنْ فِيهِ وَعَلَى يَسارهِ أَبُو بَكْرٍ وعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ فقال عُمَرُ وخافَ أنْ يُعْطِيهِ الأعْرَابِيَّ أعْطِ أبًا بَكْرٍ يا رسولَ الله عِنْدَكَ فَأَعْطَاهُ الأعْرَابِيَّ الَّذِي عَلَى يَمِينِهِ ثُمَّ قالَ الأيَمَنَ فالأيمَنَ. [الحديث ٢٣٥٢ - أطرافه في: ٢٥٧١، ٥٦١٢، ٥٦١٩]. أخرجه البخاري في الأشربة عن إسماعيل. وأخرجه مسلم فيه عن يحيى بن يحيى. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي. وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة وعن إسحاق بن موسى عن معن. وأخرجه ابن ماجه عن هشام بن عمار، ستتهم عن مالك عن الزهري عن أنس. قوله: ((شاة داجن))، الداجن شاة ألفت البيوت وأقامت بها، والشاة تذكر وتؤنث، فلذلك قال: داجن، ولم يقل: داجنة. وقال ابن الأثير: الداجن الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم، يقال: دجنت تدجن دجوناً. قوله: ((وشيب)) على صيغة المجهول، أي: خلط من شاب يشوب شوباً، وأصل الشوب الخلط. قوله: ((وعلى يساره)) إنما قال هنا: بعلى، وفي يمينه: بعن، لأن لعل يساره كان موضعاً مرتفعاً فاعتبر استعلاؤه، أو كان الأعرابي بعيداً عن رسول الله، عَّهِ. قوله: ((وعن يمينه أعرابي))، قيل: إنه خالد بن الوليد، رضي الله تعالى عنه، حكاه ابن التين، واعترض عليه بأنه لا يقال له: أعرابي. قيل: الحامل له على ذلك أنه رأى في حديث ابن عباس، الذي مضى ذكره عن قريب، وهو أنه قال: دخلت أنا وخالد بن الوليد على ميمونة ... الحديث، فظن أن القصة واحدة، وليس كذلك، فإن هذه القصة في بيت ميمونة، وقصة أنس في داره، وبينهما فرق. قوله: ((وخاف أن يعطيه))، جملة حالية، والضمير في: خاف، يرجع إلى عمر، رضي الله تعالى عنه، وإنما قال: ((أعط أبا بكر)) تذكيراً لرسول الله عَّه وإعلاماً للأعراب بجلالة أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، وكذا وقع: أعطِ أبا بكر، لجميع أصحاب الزهري، وشذ معمر فيما رواه وهب عنه، فقال: عبد الرحمن بن عوف، بدل: عمر، أخرجه الإسماعيلي والذي في البخاري هو الصحيح. قيل: إن معمراً لما حدث بالبصرة حدث من حفظه فوهم في أشياء، فكان هذا منها. قلت: الأوجه أن يقال: يحتمل أن يكون محفوظاً أن يكون كل من عمر وعبد الرحمن قال ذلك. لتوفر دواعي الصحابة على تعظيم أبي بكر، وهذا أحسن من أن يُنسب معمراً إلى الشذوذ والوهم. قال النسائي: معمر بن راشد الثقة المأمون، وقال العجلي: بصري رحل إلى صنعاء وسكن بها وتزوج، ورحل إليه سفيان وسمع منه هناك، وسمع هو أيضاً من سفيان. قوله: ((الأيمن فالأيمن)) بالنصب على تقدير: أعط الأيمن، وبالرفع على تقدير: الأيمن أحق، ويدل على ترجيح رواية الرفع قوله في بعض طريقه: الأيمنون الأيمنون. قال أنس: فهي سنة فهي سنة فهي سنة. هكذا في رواية أبي طوالة عن أنس، رضي الله تعالى عنهما. : ٢٧٠ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (١) ذكر ما يستفاد منه: فيه: مشروعية تقديم من هو على يمين الشارب في الشرب وإن كان مفضولاً بالنسبة إلى من كان على يسار الشارب، لفضل جهة اليمين على جهة اليسار، وهل هو على جهة الاستحباب أو أنه حق ثابت للجالس على اليمين؟ فقال القاضي عياض: إنه سنة. قال: وهذا مما لا خلاف فيه، وكذا قال النووي: إنها سنة واضحة، وخالف فيه ابن حزم فقال: لا بد من مناولة الأيمن كائناً من كان، فلا يجوز مناولة غير الأيمن إلاَّ بإذن الأيمن. قال: ومن لم يرد أن يناول أحداً فله ذلك. فإن قلت: في حديث ابن عباس، أخرجه أبو يعلى بإسناد صحيح، قال: كان رسول الله عَ لله إذا سقى قال: ((ابدأوا بالكبراء، أو قال: بالأكابر)). فكيف الجمع بين أحاديث الباب؟ قلت: يحتمل هذا الحديث على ما إذا لم يكن على جهة يمينه معَّ بل كان الحاضرون تلقاء وجهه مثلاً، أو وراءه. وقال النووي: وأما تقديم الأفاضل والكبار فهو عند التساوي في باقي الأوصاف، ولهذا يقدم الأعلى والأقرأ على الأسن النسيب في الإمامة في الصلاة. وفيه: أن غير المشروب، مثل: الفاكهة واللحم ونحوهما، هل حكمه حكم الماء؟ فنقل عن مالك تخصيص ذلك بالشرب، وقال ابن عبد البر وغيره: لا يصح هذا عن مالك. وقال القاضي عياض: يشبه أن يكون قول مالك: إن السنة وردت في الشرب خاصة، وإنما يقدم الأيمن فالأيمن في غيره بالقياس، لأن السنة منصوصية فيه وكيف ما كان فالعلماء متفقون على استحباب التيامن في الشرب وأشباهه. وفيه: جواز شوب اللبن بالماء لنفسه ولأهل بيته ولأضيافه، وإنما يمتنع شوبه بالماء إذا أراد بيعه لأنه غش. وفيه: إن الجلساء شركاء في الهدية، وذلك على جهة الأدب والمروءة والفضل والأخوة، لا على الوجوب، لإجماعهم على أن المطالبة بذلك غير واجبة لأحد. فإن قلت: روي أنه، عَّلَّهِ، قال: جلساؤكم شركاؤكم في الهدية. فإن قلت: محمول على ما ذكرنا مع أن إسناده فيه لين. وفيه: دلالة أن من قدم إليه شيء من الأكل أو الشرب فليس عليه أن يسأل من أين هو وما أصله؟ إذا علم طيب مكسب صاحبه في الأغلب. الأسئلة والأجوبة في أحاديث هذا الباب: الأول: ما الحكمة في كون ابن عباس لم يوافق استئذان النبي عَّه له في أن يقدم في الشرب من هو أولى منه بذلك؟ وأجيب: بأنه عَّلِّ لم يأمره بذلك بقوله: أترك له حقك، ولو أمره لأطاعه، فلما لم يقع منه إلاَّ استئذانه له في ذلك فقط لم يفوت نفسه حظه من سؤر صِّىاللّه النبي ◌ِّ. الثاني: ما الحكمة في كونه، عَّله، استأذن ابن عباس أن يعطي خالد بن الوليد، قبله، ولم يستأذن الأعرابي في أن يعطي أبا بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، قبله؟ وأجيب: بأنه إنما استأذن الغلام دون الأعرابي إدلالاً على الغلام، وهو ابن عباس، ثقة بطيب نفسه بأصل الاستئذان، والأشياخ أقاربه، وأما الأعرابي فلم يستأذنه مخافة من إيحاشه في استئذانه في صرفه إلى أصحابه، وربما سبق إلى قلب ذلك الأعرابي شيء يأنف به لقرب عهده بالجاهلية. الثالث: هل من سبق إلى مجلس عالم أو كبير أو إلى موضع من المسجد إو إلى ٢٧١ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (٢) موضع مباح فهو أحق به ممن يجيء بعده أم لا؟ أجيب: بأن الحكمة حكم الشرب، في أن القاعد على اليمين أحق، كائناً من كان، فكذلك هنا السابق أحق كائناً من كان، ولا يقام أحد من مجلس جلسه. ٢ - بابُ منْ قالَ إنَّ صاحِبَ المَاءِ أحَقُّ بالمَاءِ حتَّى يَزْوَى أي: هذا باب في بيان قول من قال ... إلى آخره. قوله: ((يروى))، بفتح الواو: من الري، وقال ابن بطال: لا خلاف بين العلماء أن صاحب الماء أحق بالماء حتى يَروى. لِقَوْلِ النبيِّ عَلِّ لاَ يُْتَعُ فَضْلُ المَاءِ هذا تعليل للترجمة، ووجهه أن منع فضل الماء إنما يتوجه إذا فضل عن حاجة صاحبه، فهذا يدل على أنه أحق بمائه عند عدم الفضل، والمراد من: حاجة صاحبه، حاجة نفسه وعياله وزرعه وماشيته، وهذا في غير الماء المحرز في الإناء، فإن المحرز فيه لا يجب بذل فضله إلاَّ للمضطر، وهو الصحيح. ثم قوله: ((لا يمنع)) على صيغة المجهول، وبالرفع لأنه نفي بمعنى النهي، وذكر عياض أنه في رواية أبي ذر بالجزم بلفظ النهي، وهذا التعليق وصله البخاري عقیبه، كما يجبىء الآن. ٢٣٥٣ _ حدَّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ أَبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عِنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ الله عَ لَّهِ قال لا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الَّكَلاَ. [الحديث ٢٣٥٣ - طرفاه في: ٢٣٥٤، ٦٩٦٢]. مطابقته للترجمة من حيث إن منع فضل الماء يدل على أن صاحب الماء أحق به عند عدم الفضل، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز. والحديث أخرجه البخاري في ترك الحيل عن إسماعيل. وأخرجه مسلم في البيوع عن يحيى بن يحيى. وأخرجه النسائي في إحياء الموات عن محمد بن سلمة عن عبد الرحمن بن القاسم، أربعتهم عن مالك به. وأخرجه أبو داود من رواية جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ البخاري، وكذلك الترمذي من حديث قتيبة عن الليث عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. وأخرجه ابن ماجه من رواية سفيان عن أبي الزناد بلفظ: لا يمنع أحدكم فضل الماء يمنع به الكلا. وفي لفظ بهذا الإسناد: ثلاث لا يمنعن: الماء والكلأ والنار. وأخرج ابن ماجه أيضاً من رواية حارث عن عمرة عن عائشة، قالت: قال رسول الله عَّةٍ: لا يمنع فضل الماء ولا يمنع نفع البشر. وأخرج أحمد في (مسنده): حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله عَّةِ: من منع فضل مائه أو فضل كلائه منعه الله عز وجل فضله. وأخرج أبو يعلى في (مسنده) من حديث سعد بن أبي وقاص، رضي الله تعالى عنه، قال: سمعت رسول الله عَّم يقول: من منع فضل مائه منعه الله فضله يوم القيامة. وروى ابن مردويه في (تفسيره) من رواية مكحول عن واثلة بن الأسقع، قال: قال النبي عَّ له: لا تمنعوا عباد الله فضل الماء ولا كلاً ولا ناراً فإن الله جعلها ٢٧٢ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (٢) متاعاً للمقوين وقوة للمستضعفين. ذكر معناه: قوله: ((لا يمنع)، على صيغة المجهول. قوله: ((ليمنع به))، اللام هذه، وإن كان النحاة يقولون إنها لام كي فهي لبيان العاقبة والمآل، كما في قوله تعالى: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً﴾ [القصص: ٨]. قوله: ((الكلأ))، بفتح الكاف واللام وبالهمزة: العشب، سواء كان يابساً أو رطباً. وفي (المحكم): هو اسم للنوع ولا واحد له، ومعنى هذا الكلام ما قاله الخطابي: هذا في الرجل يحفر البئر في الموات فيملكها بالإحياء، وبقرب البئر موات فيه كلاً ترعاه الماشية، ولا يكون لهم مقام إذا منعوا الماء، فأمر صاحب الماء أن لا يمنع الماشية فضل مائه لئلا يكون مانعاً للكلا. قلت: توضيح ذلك الذي عليه الجمهور: أن يكون حول بئر رجل كلاً ليس عنده ماء غيره، ولا يمكن أصحاب المواشي رعيه إلا إذا مكنوا من سقي بهائمهم من تلك البئر لئلا يتضرروا بالعطش بعد الرعي، فيستلزم منعهم من الماء منعهم من الرعي، وعلى هذا يختص البذل بمن له ماشية، ويلحق به الرعاة إذا احتاجوا إلى الشرب لأنهم إذا منعوا منه امتنعوا من الرعي هناك. وقال ابن بزيزة: منع الماء بعد الزي من الكبائر، ذكره یحیی في (خراجه). ٤ /٢٣٥٤ _ حدَّثنا يَحتَى بنُ بُكَيْرٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلِ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنِ ابنِ المُسَيَّبٍ وأبِي سَلَمَّةَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ الله عَّ ◌ُله قال لا تْتَغُوا فَضْلَ المَاءِ لِتَمْتَعُوا بِهِ فَضْلَ الْكَلأ. [انظر الحديث ٢٣٥٣ وطرفه]. مطابقته للترجمة مثل مطابقة الحديث السابق. ورجاله قد ذكروا غير مرة، وعقيل، بضم العين: ابن خالد الآيلي، ويروي عن محمد بن مسلم بن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة. والحديث أخرجه مسلم من رواية هلال بن أسامة عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: لا يباع فضل الماء ليباع به الكلا. وأخرجه أبو داود من رواية جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلاً. وأخرجه الترمذي من رواية الليث عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، نحو رواية أبي داود. واختلف العلماء في أن هذا النهي للتحريم أو التنزيه؟ فقال الطيبي: وبنوا ذلك على أن الماء يملك أم لا؟ فالأولى حمله على الكراهة. وفي (التوضيح): والنهي فيه على التحريم عند مالك والأوزاعي، ونقله الخطابي وابن التين عن الشافعي، رضي الله تعالى عنه، واستحبه بعضهم وحمله على الندب، والأصح عندنا أنه يجب بذله للماشية لا للزرع. قلت: كذلك مذهب الحنفية: الاختصاص بالماشية، وفرق الشافعي فيما حكاه المزني عنه بين المواشي والزرع بأن الماشية ذات أرواح يخشى من عطشها موتها بخلاف الزرع. ولا خلاف بين العلماء أن صاحب الماء أحق به حتى يُروى لأنه عَِّ نهى عن بيع فضل الماء، فأما من لا يفضل له فلا يدخل في هذا النهي، لأن صاحب الشيء أولى به. ٢٧٣ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (٣) وتأويل المنع عند مالك في (المدونة) وغيره: معناه في آبار الماشية في الصحراء يحفرها المرء وبقربها كلاً مباح، فإذا منع الماء اختص بالكلاً، فأمر أن لا يمنع فضل الماء لئلا يكون مانعاً للكلا. وقال القاضي في (إشرافه) في حافر البئر في الموات: لا يجوز له منع ما زاد على قدر حاجته لغيره بغير عوض، وقال قوم: يلزمه بالعوض، أما حافرها في ملكه فله منع ما عمل من ذلك، ويكون أحق بمائها حتى يروى، ويكون للناس ما فضل إلاَّ من مر بهم لشفاههم ودوابهم فإنهم لا يمنعون كما يمنع من سواهم. وقال الكوفيون: له أن يمنع من دخول أرضه وأخذ مائه لا أن لا يكون لشفاههم ودوابهم ماء فيسقيهم، وليس عليه سقي زرعهم. وقال الطيبي، ناقلاً عن القاضي بعلامة (قض): اختلفت الروايات في هذا الحديث فروى البخاري: لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به فضل الكلأ، معناه: من كان له بثر في موات من الأرض لا يمنع ماشية غيره أن ترد فضل مائه الذي زاد على ما احتاج إليه ليمنعها بذلك عن فضل الكلأ، فإنه إذا منعهم عن فضل ماء من الأرض لا ماء بها، سواء لم يمكن لهم الرعي بها، فيصير الكلأ ممنوعاً بمنع الماء. وروى مسلم: لا يباع فضل الماء ليمنع به الكلاً. والمعنى: لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ، أي: لا يباع فضل الماء ليصير به البائع له كالبائع للكلأ، فإن من أراد الرعي في حوالي مائه إذا منعه من الورود على مائه، إلاَّ بعوض اضطر إلى شرائه، فيكون بيعه للماء بيعاً للكلأ. وقال النووي: لا يجب على صاحب البئر بذل الفاضل عن حاجته لزرع غيره فيما يملكه من الماء، ويجب بذله للماشية، وللوجوب شروط: أحدها: أن لا يجد صاحب الماشية ماءً مباحاً. والثاني: أن يكون البذل لحاجة الماشية. والثالث: أن يكون هناك مرعى، وأن يكون الماء في مستقره، فالماء الموجود في إناء لا يجب بذل فضله على الصحيح، ثم عابروا السبيل يبذل لهم ولمواشيهم، ولمن أراد الإقامة في الموضع وجهان، لأنه لا ضرورة في الإقامة، والأصح الوجوب، وإذا أوجبنا البذل هل يجوز أن يأخذ عليه أجراً كإطعام المضطر؟ وجهان والصحيح: لا، لأنه عَ لّه نهى عن بيع فضل الماء. ٣ - بابٌ منْ حَفَرَ بِثْراً في مِلْكِهِ لَمْ يَضْمَنْ أي: هذا باب في بيان حكم من حفر بئراً في ملكه، فإنه لا يضمن، لأن له التصرف في ملكه. ٢٣٥٥ _ حدَّثنا مَحمُودٌ قال أخبرنا عُبَيْدُ الله عنْ إِسْرَائِيلَ عنْ أَبِي حَصِينٍ عنْ أبِي صالِحٍ عِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال قال رسولُ اللهِعَلَّهِ المَعْدِنُ جُبَارٌ وَالْبِخْرُ مُجُبَّارٌ وَالْعَجْماءُ جبارٌ وفي الرِّكازِ الخُمْسُ. [انظر الحديث ٤٤٩٩ وطرفيه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((والبئر جبار))، يعني: هدر لا شيء فيه، والمراد من جبار البئر أنه إذا حفرها في موضع يسوغ له حفرها، فسقط فيها أحد لا ضمان عليه. وقيل: معناه أن يستأجر من يحفر له بئراً فانهارت عليه البئر فلا ضمان عليه، وقد مر الحديث في كتاب عمدة القاري/ ج١٢ م١٨ ٢٧٤ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (٤) الزكاة في: باب في الركاز الخمس، فإنه أخرجه هناك: عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن رسول الله عَّه: العجماء جبار والبئر جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس، ههنا أخرجه: عن محمود بن غيلان عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي عن أبي حصين، بفتح الحاء وكسر الصاد المهملة: واسمه عثمان بن عاصم، عن أبي صالح ذكوان الزيات السمان ... إلى آخره. وعبيد الله بن موسى هو شيخ البخاري أيضاً، روى عنه بدون واسطة في أول الإيمان، وهنا بواسطة محمود. قوله: ((حدثنا محمود أخبرنا عبيد الله))، وفي بعض النسخ: حدثني محمود وأخبرني عبيد الله، وقد مر الكلام فيه هناك مستوفى. ٤ - بابُ الخُصُومَةِ فِي البِتْرِ والقَضَاءِ فِيها أي: هذا باب في بيان الخصومة في البئر، وفي بيان القضاء، أي: الحكم فيها، أي: في البئر. ٢٣٥٦/٦ - ٢٣٥٧ _ حدَّثنا عَبْدَانُ عن أبي حَمْزَةَ عنِ الأعْمَشِ عنْ شَقيقٍ عنْ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهُ عن النبيِّ عَِّه قال منْ حَلَفَ عَلى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِها مالَ امْرِىءٍ هُوَ عَلَيْها فاجِرٌ لَقِيَ الله وهْوَ عَلَيْهِ غَضْبانُ فأنزلَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وأَيْمانِهِمْ ثَمناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧]. الآية فَجَاءَ الأَشْعَثُ فقال ما حَدَّثَكُمْ أَبُو عبدِ الرَّحْمنِ فيَّ أَنْزِلَتْ هذِهِ الآيةُ كانَتْ لِي بِثْرٌ فِي أَرْضِ ابنِ عَمّ لِي فقال لِي شُهُودَكَ قُلْتُ ما لِي شُهودٌ قال فَيَمِينُهُ قُلْتُ يا رسولَ الله إذاً يَحْلِف فَذَكَرَ النبيُّ عَّ له. [الحديث ٢٣٥٦ - أطرافه في: ٢٤١٦، ٢٥١٥، ٢٦٦٦، ٢٦٦٩، ٢٦٧٣، ٢٦٧٦، ٤٥٤٩، ٦٦٥٩، ٦٦٧٦، ٧١٨٣، ٧٤٤٥]. [الحديث ٢٣٥٧ - أطرافه في: ٢٤١٧، ٢٥١٦، ٢٦٦٧، ٢٦٧٠، ٢٦٧٧، ٤٥٥٠، ٦٦٦٠، ٦٦٧٧، ٧١٨٤]. مطابقته للترجمة من حيث إن النبي عَّ حكم في البئر المذكورة بطلب البينة من المدعي وبيمين المدعى عليه. عند عجز المدعي عن إقامة البينة، وعبدان لقب عبد الله المروزي، وقد مر غير مرة. وأبو حمزة، بالحاء المهملة وبالزاي: محمد بن ميمون السكري، وقد مر في: باب نفض اليدين في الغسل، والأعمش هو سليمان، وشقيق بن سلمة أبو وائل الأسدي الكوفي، وعبد الله هو ابن مسعود، والأشعث بن قيس أبو محمد الكندي، وفد إلى النبي عَّه سنة عشر من الهجرة في وفد كندة، وكانوا ستين راكباً فأسلموا، وكان ممن ارتد بعد موت النبي عَّةِ، ثم أسلم وله قصة طويلة. : والحديث أخرجه البخاري في الأشخاص وفي الشهادات عن محمد بن سلام، وفي الأشخاص أيضاً عن بشر بن خالد، وفي النذور عن موسى، وفي التفسير عن حجاج بن ٢٧٥ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (٤) المنهال، وفي الشركة عن قتيبة، وفي النذور أيضاً عن بندار، وفي الأحكام عن إسحاق بن نصر، وأخرجه مسلم في الأيمان عن أبي بكر وإسحاق وابن نمير، ثلاثتهم عن وكيع وعن ابن نمير عن أبيه وعن إسحاق عن جرير به. وأخرجه النسائي في القضاء عن هناد وفي التفسير عن الهيثم بن أيوب وعن محمد بن قدامة، ولم يذكر حديث عبد الله. وأخرجه ابن ماجه في الأحكام عن محمد بن عبد الله وعلي بن محمد، وفي بعض الألفاظ اختلاف. ذكر معناه: قوله: ((يقتطع بها))، أي: باليمين أي: بسببها، ومعنى يقتطع: يأخذ قطعة بسبب اليمين من مال امرىء. قوله: ((هو عليها فاجر))، أي: كاذب، وهي جملة إسمية وقعت حالاً بلا واو، كما في قولك: كلمته فوه إلى في. قوله: ((لقي الله تعالى))، يعني: يوم القيامة. قوله: ((وهو عليه غضبان))، جملة إسمية وقعت حالاً على الأصل. قال ابن العربي: يعني بالغضب، إرادة عقوبة أو عقوبة نفسها، إذ يعبر بالغضب عن الوجهين جميعاً، وإذا لقيه وهو يريد عقابه أو قد عاقبه جاز بعد ذلك أن لا يريد عقابه وأن يدفع عنه تماديه إن كان أنزله به، بشرط أن لا يكون متعلق إرادته عذاب واصب. وقال شيخنا: الظاهر أن المراد بغضب الله معاملته بمعاملة المغضوب عليه من كونه لا ينظر إليه ولا يكلمه، كما ثبت في (الصحيحين) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم، فذكر منهم: ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال امرىء مسلم ... )) الحديث، وأما كون المراد بالغضب إرادة العقوبة أو العقوبة نفسها فإنه يرده ما رواه الحاكم في (المستدرك) من حديث الأشعث بن قيس مرفوعاً: من حلف على يمين صبراً ليقتطع بها مال امرىء مسلم لقي الله تعالى يوم القيامة وهو مجتمع عليه غضباً، عفا الله عنه أو عاقبه)). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، فهذا يدل على أنه لم يرد بالغضب إرادة العقوبة أو العقوبة، لأنه لو أراد عقوبته لوقعت العقوبة على وفق الإرادة. ذكر اختلاف الألفاظ فيه: ففي حديث ابن مسعود والأشعث بن قيس ومعقل بن يسار: لقي الله وهو عليه غضبان، وفي بعض طرق حديث الأشعث: لقي الله وهو أجذم، وفي رواية عمران بن حصين والحارث بن برصاء وجابر بن عبد الله: فليتبوأ مقعده من النار، وفي حديث أبي أمامة وجابر بن عتيك: أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة. وفي حديث أبي سودة: إن ذلك يعقم الرحم، وفي حديث سعيد بن زيد: إنه لا يبارك له فيها، وفي حديث ثعلبة بن صد مغيرة: نكتة سوداء في قلبه، وكذلك في حديث عبد الله بن أنيس. فإن قلت: ما التوفيق بين هذه الروايات؟ قلت: لا منافاة بين شيء من ذلك، فقد يجتمع له جميع ذلك كله - نعوذ بالله منه - وإنما يشكل منه رواية: حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار، فيحمل ذلك على المستحل لذلك، أو على تقدير: أن ذلك جزاؤه إن جازاه، كما في قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمناً متعمداً﴾﴾ [النساء: ٩٣]. والله أعلم. ذكر بيان من خرج هذه الأحاديث: أما حديث ابن مسعود فقد مضى الآن. وأما حديث الأشعث بن قيس ففي حديث ابن مسعود، وأخرجه بقية الأئمة. وأما حديث معقل ٢٧٦ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (٤) ابن يسار فأخرجه النسائي من رواية شعبة عن عياض عن أبي خالد، قال: رأيت رجلين يختصمان عند معقل بن يسار، فقال معقل: قال النبي، عَّهِ: ((من حلف على يمين ليقتطع بها مال رجل لقي الله وهو عليه غضبان))، وأخرجه الحاكم في (المستدرك) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذا الإسناد. وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه أبو داود من رواية محمد بن سيرين عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله، عَِّ: ((من حلف على يمين مصبورة كاذباً فليتبوأ بوجهه مقعده من النار))، وأخرجه الحاكم في (المستدرك) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ. وأما حديث الحارث ابن برصاء فأخرجه الحاكم من رواية عبيد بن جريج عن الحارث بن برصاء، قال: سمعت رسول الله عَّلَه يقول: ((من اقتطع مال أخيه المسلم بيمين فاجرة فليتبوأ مقعده من النار، ليبلغ شاهدكم غائبكم، مرتين أو ثلاثاً)). وقال: هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذا السياق. وأما حديث جابر بن عبد الله فأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه من رواية عبد الله بن نسطاس عن جابر ابن عبد الله، قال: قال رسول الله عَّهِ: ((من حلف على منبري هذا على يمين آثمة فليتبوأ مقعده من النار ... )) الحديث، وأخرجه الحاكم في (المستدرك) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأما حديث أبي أمامة بن ثعلبة، واسمه: إياس، وقيل: ثعلبة، والأصح أنه إياس، فأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الله بن كعب بن مالك عن أبي أمامة: أن رسول الله عَ لِ قال: ((من اقتطع حق امرىء مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة، فقال له رجل: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ قال: وإن كان قضيباً من أراك)). وأما حديث جابر بن عتيك فأخرجه الحاكم من رواية أبي سفيان بن جابر . ابن عتيك عن أبيه أنه سمع رسول الله، عَّه يقول: ((من اقتطع مال امرىء مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأدخله النار، قالوا: يا رسول الله! وإن كان شيئاً يسيراً؟ قال: وإن كان سواكاً، وإن كان سواكاً)). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأما حديث أبي سودة فأخرجه أحمد من رواية معمر عن شيخ من بني تميم عن أبي سودة، قال: سمعت رسول الله عَ لّم يقول: اليمين الفاجرة التي يقتطع بها الرجل مال المسلم يعقم الرحم. وأما حديث سعيد بن زيد فأخرجه أحمد أيضاً من رواية الحارث بن عبد الرحمن عن أبي سلمة أن مروان قال: إذهبوا فأصلحوا بين هذين، لسعيد بن زيد، وروى الحديث وفيه: من اقتطع مال امرىء مسلم بيمين فلا بارك الله له فيها، وأخرجه الحاكم وصححه. وأما حديث ثعلبة بن مغيرة فأخرجه الحاكم في (المستدرك) من رواية عبد الرحمن بن كعب بن مالك أنه سمع ثعلبة يقول: سمعت رسول الله عَّةٍ يقول: من اقتطع مال امرىء مسلم بيمين كاذبة كانت نكتة سوداء في قلبه لا يغيرها شيء إلى يوم القيامة، وصححه. وأما حديث عبد الله بن أنيس فأخرجه الترمذي في التفسير من رواية محمد بن زيد المهاجر عن أبي أمامة الأنصاري عن عبد الله ابن أنيس الجهني: أن رسول الله عَ ليه قال: من أكبر الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وما حلف حالف بالله ٢٧٧ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (٤) يمين صبر فأدخل فيها مثل جناح البعوضة إلاَّ جعلها الله نكتة في قلبه يوم القيامة، وأخرجه الحاكم وصححه. قلت: وفي الباب عن أبي ذر، وعبد الله ابن أبي أوفى وأبي قتادة، وعبد الرحمن بن شبل، ومعاوية بن أبي سفيان ووائل بن حجر، وأبي أمامة الباهلي - اسمه: صدي بن عجلان وأبو موسى، وعدي بن عميرة. أما حديث أبي ذر فأخرجه مسلم والترمذي من رواية خرشة بن قتيبة الحر عن أبي ذر عن النبي عَّ له، قال: ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. قلت: من هم يا رسول الله فقد خابوا وخسروا؟ فقال: المنان والمسبل إزاره والمنفق سلعته بالحلف الكاذب. وأما حديث عبد الله بن أبي أوفى فرواه البخاري في أفراده على ما يأتي. وأما حديث أبي قتادة فأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه من رواية معبد بن كعب ابن مالك عن أبي قتادة الأنصاري أنه سمع رسول الله عَّه يقول: إياكم وكثرة الحلف في البيع فإنه ينفق ثم يمحق. وأما حديث عبد الرحمن بن شبل فرواه أحمد في (مسنده) والبيهقي في (سننه) من رواية يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن أبي سلام عن أبي راشد عن عبد الرحمن ابن شبل، رجل من أصحاب النبي عَّ له، قال: سمعت رسول الله عَ ليه يقول: إن التجارهم الفجار، فقال رجل: يا رسول الله! ألم يحل الله البيع؟ قال: بلى، ولكنهم يحلفون ويأثمون، وزاد أحمد: ويقولون فيكذبون)). وأما حديث معاوية فأخرجه الطبراني من رواية يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن أبي سلام عن أبي راشد الحبراني عن عبد الرحمن بن شبل: أن معاوية قال: إذا أتيت فسطاطي فقم في الناس فأخبرهم ما سمعت من رسول الله عَّه يقول: إن التجار ... إلى آخر ما ذكرناه الآن، هكذا أسنده الطبراني في مسند معاوية، وكأن الرواية عنده فيه: ما سمعت، بالضم، وأما حديث وائل بن حجر فأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من رواية علقمة بن وائل ((عن أبيه، قال: جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي، عَِّ، فقال الحضرمي: يا رسول الله! إن هذا قد غلبني على أرض لي ... الحديث، وفيه: فقال رسول الله، عَّله، لما أدبر: أما لئن حلف على مال ليأكله ظلماً ليلقين الله وهو عنه معرض)). وأما حديث أبي أمامة الباهلي فأخرجه الأصبهاني في (الترغيب والترهيب) من رواية خصيب الجزري عن أبي غالب عن أبي أمامة: أن رسول الله عَّ له ((قال: إن التاجر إذا كان فيه أربع خصال طاب كسبه: إذا اشترى لم يذم، وإذا باع لم يمدح، ولم يدلس في البيع، ولم يحلف فيما بين ذلك)). وأما حديث أبي موسى فأخرجه البزار من حديث ثابت بن الحجاج عن أبي بردة عن أبي موسى: أن رجلين اختصما إلى رسول الله، عَّه، في أرض، أحدهما من حضرموت فقال رسول الله، عَّه، للمدعى عليه: أتحلف بالله الذي لا إله إلاَّ هو؟ فقال المدعي: يا رسول الله ليس لي إلاَّ يمينه. قال: نعم. قال: إذاً يذهب بأرضي، فقال رسول الله، عَّ له: إن حلف كاذباً لم ينظر الله إليه يوم القيامة ولم يزكه وله عذاب أليم))، قال فتورع الرجل عنها فردها عليه. وأما حديث عدي بن عميرة فأخرجه النسائي عنه، قال: أتى ٢٧٨ ٤٢ - كتابُ المساقاةِ / باب (٤) النبي، عَّدٍ، رجلان يختصمان في أرض ... وفيه، فقال رسول الله، عَ له: (من حلف على مال امرىء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان، قال: فمن تركها؟ قال: له الجنة)). وفي رواية: بين امرىء القيس ورجل من حضرموت، وفيه: فقال امرؤ القيس: يا رسول الله! فما لمن تركها وهو يعلم أنها حق؟ قال: له الجنة)). قوله: ((في))، بكسر الفاء وتشديد الياء. قوله: ((فأنزل الله ﴿إن الذين يشترون ... ﴾ [آل عمران: ٧٧])) الآية، هذه الآية الكريمة في سورة آل عمران: ﴿إن الذين يشترون﴾ [آل عمران: ٧٧]. يعني: إن الذين يعتاضون عما هداهم الله عليه من اتباع محمد وذكر صفته للناس وبيان أمره عن أيمانهم الكاذبة الفاجرة الآئمة بالأثمان القليلة الزهيدة، وهي عروض هذه الحياة الدنيا الفانية الزائلة ﴿أولئك لا خلاق لهم﴾ [آل عمران: ٧٧]. أي: لا نصيب لهم ﴿في الآخرة﴾ [آل عمران: ٧٧]. ولا حظ لهم منها ﴿ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة﴾ [آل عمران: ٧٧]. بعين رحمته ﴿ولا يزكيهم﴾ [آل عمران: ٧٧]. أي: ولا يطهرهم من الذنوب والأدناس، بل يأمر بهم إلى النار ﴿ولهم عذاب أليم﴾ [آل عمران: ٧٧]. ثم سبب نزول هذه الآية في الأشعث بن قيس كما ذكره في حديث الباب، وذكر البخاري لسبب نزولها وجهاً آخر عن عبد الله بن أبي أوفى: أن رجلاً أقام سلعة في السوق، فحلف لقد أُعطي بها ما لم يعطه، ليوقع فيها رجلاً من المسلمين. فنزل ﴿إِن الذين يشترون ... ﴾ [آل عمران: ٧٧]. الآية. وذكر الواحدي أن الكلبي قال: إن ناساً من علماء اليهود أولي فاقة اقتحموا إلى كعب بن الأشرف، لعنه الله، فسألهم: كيف تعلمون هذا الرجل - يعني: سيدنا رسول الله عَّه - في كتابكم؟ قالوا: وما تعلمه أنت؟ قال: لا. قالوا: نشهد أنه عبد الله ورسوله، فقال كعب: لقد حرمكم الله خيراً كثيراً، فقالوا: رويداً فإنه شبه علينا وليس هو بالنعت الذي نعت لنا، ففرح كعب لعنه الله، فمارهم وأنفق عليهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال عكرمة: نزلت في أبي رافع وكنانة بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وغيرهم من رؤوس اليهود، كتموا ما عهد الله، عز وجل، إليهم في التوراة في شأن محمد عَّه وبدلوه وكتبوا بأيديهم غيره، وحلفوا أنه من عند الله، لئلا يفوتهم الرشاء والمأكل التي كانت لهم على أتباعهم. قوله: ((كانت لي بئر في أرض)) زعم الإسماعيلي أن أبا حمزة تفرد بذكر البئر عن الأعمش قال: ولا أعلم فيمن رواه عن الأعمش إلاَّ قال في أرض، والأكثرون أولى بالحفظ من أبي حمزة، ورد عليه بأن أبا حمزة لم ينفرد به، لأن أبا عوانة رواه عن الأعمش في كتاب الأيمان والتفسير عن أبي وائل عن عبد الله، وفيه: قال الأشعث: كانت لي بثر في أرض ابن عم لي، وسيجىء، إن شاء الله تعالى، وكذا رواه أبو نعيم الحافظ من حديث علي بن مسهر عن الأعمش، وقال الطرقي: رواه عن أبي وائل منصور والأعمش، فمنصور لم يرفع قول عبد الله إلى رسول الله عَّله، والأعمش يقول: قال عبد الله، قال رسول الله عَّهِ، وكذا ذكره الحافظ المزي في (الأطراف) وقال الطرقي: رواه عبد الملك بن أيمن وجامع بن أبي راشد ومسلم البطين عن أبي وائل عن عبد الله مرفوعاً، وليس فيه ذكر الأشعث، ورواه كردوس ٢٧٩ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (٥) التغلبي عن الأشعث بن قيس الكندي عن النبي عَّةٍ، وليس فيه ذكر ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه، قال المزي: ومن مسند الأشعث بن قيس أبي محمد الكندي عن النبي عٍَّ، مقروناً بعبد الله بن مسعود، وربما جاء الحديث عن أحدهما مفرداً. قوله: ((ابن عم لي)) واسمه معدان بن الأسود بن سعد بن معدي كرب الكندي، والأشعث بن قيس بن معدي کرب، وقيس والأسود أخوان، ولقبه الجفشيش - على وزن فعليل - بفتح الجيم وسكون الفاء وبالشينين المعجمتين أولاهما مكسورة بينهما ياء آخر الحروف ساكنة. وقيل: بفتح الحاء المهملة، وقيل: بالخاء المعجمة، وبقية الحروف على حالها. وقال الكرماني: وقيل: إسمه جرير، وكنيته أبو الخير. قلت: الأصح هو الذي ذكرناه. قوله: ((فقال لي: شهودك))، أي: فقال رسول الله عَّله، وشهودك، بالنصب على تقدير: أقم أو أحضر شهودك، وكذا: يمينه، بالنصب أي: فاطلب يمينه، ويروى بالرفع فيهما، والتقدير: فالمثبت لدعواك شهودك أو فالحجة القاطعة بينكما يمينه، فيكون ارتفاعهما على أنهما خبرا مبتدأين محذوفين. قوله: ((إذاً يحلف)) قال الكرماني: و: يحلف، بالنصب لا غير. قلت: كلمة إذا حرف جواب وجزاء ينصب الفعل المستقبل، مثل ما يقال: أنا آتيك، فيقول: إذاً أكرمك، وإنما قال: بالنصب لا غير، لأنها تصدرت فيتعين النصب، بخلاف ما إذا وقعت بعد الواو والفاء فإنه يجوز فيه الوجهان. ومما يستفاد من الحديث: أن البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه إذا أنكر، وبه استدل من يقول: إنه إذا اعترف المدعي أنه لا بينة له لم يقبل دعواه بعد ذلك، ورد بأنه: ليس فيه حجة على ذلك لأن الأشعث لم يدع بعد ذلك أن له بينة. وفيه: أن للحاكم أن يطلب المدعى عليه عند عدم البينة، وإن لم يطلبه صاحب الحق، لأن النبي عَّة. أمره بالحلف. وفيه: إبطال مسألة الظفر، لأنه معَّ لِ ردده بين البينة واليمين، فدل على عدم الأخذ بغير ذلك، وأصرح من هذا قوله، عَِّ في حديث وائل بن حجر عند مسلم، وقد ذكرناه: ليس لك منه إلاّ ذلك. ٥ - بابُ إِلْمٍ مِنْ مَنَعَ ابنَ السَّبِيلِ مِنَ المَاءِ أي: هذا باب في بيان إثم من منع ابن السبيل - أي: المسافر - من الماء الفاضل عن حاجته، وهذا القيد لا بد منه، والدليل عليه قوله في حديث الباب: رجل له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل، وقال ابن بطال: فيه دلالة على أن صاحب البئر أولى من ابن السبيل عند الحاجة، فإذا أخذ حاجته لم يجز له منع ابن السبيل. ٧/ ٢٣٥٨ _ حدَّثنا موسَى بنُ إسْماعِيلَ قال حدثنا عبدُ الوَاحِدِ بنُ زياد عنِ الأعْمَشِ قال سَمِعْتُ أَبَا صَالِحِ يَقُولُ سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ يقولُ قال رسولُ الله عَ لَه ثَلاثَةٌ لاَ يَنْظُرُ الله إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامةِ ولا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُم عِذَابٌ ألِيمٌ رجلٌ كانَ لَهُ فَضْلُ ماءٍ بالطِّيقِ فمنَعَهُ مِن ابنِ السَّبِيلِ ورجُلٌ بايَعَ إِمَاماً لا يُبَايِعُهُ إِلاَّ لِدُنْيَا فإنْ أعْطَاهُ مِنْها رَضِيَ وإنْ لَمْ ٢٨٠ ٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (٥) يُغْطِهِ مِنْها سَخِطَ ورَجُلٌ أقامَ سِلْعَتَهُ بَعْدَ العَصْرِ فقال والله الَّذِي لا إلَهَ غَيرُهُ لَقَدْ أعْطَيْتُ بِها كذَا وكَذا فصَدَّقَهُ رَجُلٌ ثُمَّ قَرَأْ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾. [آل عمران: ٧٧][ الحديث ٢٣٥٨ - أطرافه في: ٢٣٦٩، ٢٦٧٢، ٧٢١٢، ٧٤٤٦]. مطابقته للترجمة في قوله: ((رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل)) فإنه أحد الثلاثة الذين أخبر النبي، عَُّلِّ، بأن الله لا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، ولو لم يأثم مانع ابن السبيل من الماء الفاضل عنه لما استحق هذا الوعيد. وعبد الواحد بن زياد، بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف: البصري، والأعمش هو سليمان، وأبو صالح ذكوان الزيات السمان. قوله: ((ثلاثة))، أي: ثلاثة أشخاص، وارتفاعه على أنه مبتدأ، وقوله: ((لا ينظر الله إليهم)) خبره، وهذا عبارة عن عدم الإحسان إليهم. قال الزمخشري: هو كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر، مجاز فيما لا يجوز عليه، والتنصيص على العدد لا ينافي الزائد، فالذي ذكره من الوعيد لا ينحصر في هؤلاء الثلاثة. قوله: ((ولا يزكيهم))، أي: يثني عليهم، أو لا يطهرهم من الذنوب. قوله: ((رجل)، مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: من الثلاثة رجل. قوله: ((كان له فضل ماء)»، جملة في محل الرفع لأنها صفة لرجل. قوله: ((فمنعه))، أي: فمنع الفاضل من الماء. قوله: (ورجل)) أي: الثاني من الثلاثة: رجل بايع إماماً، المراد هو الإمام الأعظم، وهذا هكذا في رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: بايع إمامه، والمراد من المبايعة هنا هو المعاقدة عليه والمعاهدة، فكأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره. قوله: ((إلا الدنيا)) أي: إلاَّ لأجل شيء يحصل له من متاع الدنيا، وكلمة: دنيا، غير منون، واضمحل منها معنى الوصفية لغلبة الإسمية عليها، فلا تحتاج إلى: من، ونحوه. و: الفاء، في قوله: فإن أعطاه، تفسيرية، تفسر مبايعته للإمام للدنيا. قوله: ((أقام) من: قامت السوق إذا نفقت. قوله: ((سلعته))، أي: متاعه. قوله: ((بعد العصر)) هذا ليس بقيد، وإنما خرج هذا مخرج الغالب إذ كانت عادتهم الحلف بمثله، وذلك لأن الغالب أن مثله كان يقع في آخر النهار حيث أرادوا الانعزال عن السوق والفراغ عن معاملتهم، وقيل: خصص العصر بالذكر لما فيه من زيادة الجراءة، إذ التوحيد هو أساس التنزيهات، والعصر هو وقت صعود ملائكة النهار. ولهذا يغلظ في إيمان اللعان به. وقيل: لأن وقت العصر وقت تعظم فيه المعاصي لارتفاع الملائكة بالأعمال إلى الرب تعالى، فيعظم أن يرتفعوا بالمعاصي، ويكون آخر عمله هو المرفوع، فالخواتم هي المرجوة، وإن كانت اليمين الفاجرة محرمة كل وقت. قوله: ((لقد أعطيت))، على صيغة المجهول. وقد أكد يمينه الفاجرة بمؤكدات، وهي بتوحيد الله تعالى وباللام وكلمة قد التي للتحقيق هنا. قوله: ((فصدقه رجل))، أي: المشتري واشتراه بذلك الثمن الذي حلف أنه أعطيه بكذا اعتماداً على حلفه. ومما يستفاد منه: ما ذكرنا أن صاحب الماء أولى به عند حاجته. وفي (التوضيح):