النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
٤٠ - كَتَابُ الوكالَةِ / باب (٩)
جاز أن يكون ثمناً ومثمناً أو أجرة جاز جعله صداقاً، وبه قال أحمد، ومذهب مالك: أنه لا
يرى فيه عدداً معيناً، بل يجوز بكل ما وقع عليه الاتفاق، غير أنه يكون معلوماً: وعن مالك:
لا يجوز بأقل من ربع دينار، وقال ابن حزم: وجائز أن يكون صداقاً كل ما له نصف، قل أو
كثر، ولو أنه حبة بر أو حبة شعير أو غير ذلك، وعن إبراهيم النخعي: أكره أن يكون المهر
مثل أجر البغي، ولكن العشرة والعشرون. وعنه: السنة في النكاح الرطل من الفضة، وعن
الشعبي: أنهم كانوا يكرهون أن يتزوج الرجل على أقل من ثلاث أواقي. وعن سعيد بن جبير:
أنه كان يحب أن يكون الصداق خمسين درهماً، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز أن يكون
الصداق أقل من عشرة دراهم. لما روى ابن أبي شيبة في (مصنفه): عن شريك عن داود
الزعافري عن الشعبي، قال: قال علي، رضي الله تعالى عنه: لا مهر بأقل من عشرة دراهم،
والظاهر أنه قال ذلك توقيفاً، لأنه باب لا يوصل إليه بالاجتهاد والقياس. قال ابن حزم: الرواية
عن علي باطلة لأنها عن داود بن يزيد الزعافري الأودي وهو في غاية السقوط، ثم هي مرسلة
لأن الشعبي لم يسمع من علي حديثاً. قلت: قال ابن عدي: لم أر حديثاً منكراً جاوز الحد،
إذ روى عنه ثقة، وإن كان ليس بقوي في الحديث فإنه يكتب حديثه ويقبل إذا روى عنه
ثقة، وذكر المزي: أن الشعبي سمع علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، ولئن سلمنا أن
روايته مرسلة فقد قال العجلي: مرسل الشعبي صحيح، ولا يكاد يرسل، إلاَّ صحيحاً. وأما
الجواب عن قوله: ولو خاتماً من حديد، فنقول: إنه خارج مخرج المبالغة، كما قال: تصدقوا
ولو بظلف محرق، وفي لفظ: ولو بفرسن شاة، وليس الظلف والفرسن مما ينتفع بهما ولا
يتصدق بهما ويقال: لعل الخاتم كان يساوي ربع دينار فصاعداً، لأن الصواغ قليل عندهم
كذا قاله بعض المالكية، لأن أقل الصداق عندهم ربع دينار. ويقال: لعل التماسه للخاتم لم
يكن ليكون كل الصداق بل شيء يعجله لها قبل الدخول.
الخامس عشر: احتج به الشافعي وأحمد في رواية، والظاهرية على أن: التزويج على
سورة من القرآن مسماة جائز، وعليه أن يعلمها. وقال الترمذي عقيب الحديث المذكور: قد
:
ذهب الشافعي إلى هذا الحديث، فقال: إن لم يكن شيء يصدقها وتزوجها على سورة من
القرآن فالنكاح جائز، ويعلمها السورة من القرآن. وقال بعض أهل العلم: النكاح جائز ويجعل
لها صداق مثلها. وهو قول أهل الكوفة وأحمد وإسحاق. قلت: وهو قول الليث بن سعد وأبي
حنيفة وأبي يوسف ومحمد ومالك وأحمد في أصح الروايتين وإسحاق. وقال ابن الجووزي:
في هذا الحديث دليل على أن تعليم القرآن يجوز أن يكون صداقاً، وهي إحدى الروايتين عن
أحمد، والأخرى: لا يجوز، وإنما جاز لذلك الرجل خاصة. وأجابوا عن قوله: قد زوجناكها بما
معك من القرآن، أنه إن حمل على ظاهره يكون تزويجها على السورة لا على تعليمها،
فالسورة من القرآن لا تكون مهراً بالإجماع، فحينئذ يكون المعنى: زوجتكها بسبب ما معك
من القرآن وبحرمته وبيركته، فتكون الباء للسببية كما في قوله تعالى: ﴿أنكم ظلمتم أنفسكم
باتخاذكم العجل﴾ [البقرة: ٥٤]. وقوله تعالى: ﴿فكلاً أخذنا بذنبه﴾ [العنكبوت: ٤٠]. وهذا

٢٠٢
٤٠ - كَتَابُ الوكالَةٍ / باب (٩)
لا ينافي تسمية المال. فإن قلت: جاء في رواية: على ما معك من القرآن. وفي مسند أسد
السنة: مع ما معك من القرآن؟ قلت: أما: على، فإنه يجيء للتعليل أيضاً كالباء كما في قوله
تعالى: ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ [البقرة: ١٨٥]. يعني لأجل حرمته وبركته، ولا ينافي
هذا أيضاً تسمية المال. وأما: مع، فإنها للمصاحبة، والمعنى: زوجتكها لمصاحبتك القرآن،
فالكل يعود إلى معنى واحد، وهو أن التزويج إنما كان على حرمة السورة وبركتها لا أنها
صارت مهراً، لأن السورة من القرآن لا تكون مهراً بالإجماع، كما ذكرنا. فإن قلت: الأصل
في: الباء، أن تكون للمقابلة في مثل هذا الموضع، كما في نحو قولك: بعتك ثوبي بدينار.
قلت: لا نسلم أن الأصل في: الباء، أن تكون للمقابلة، بل الأصل فيها أنها موضوعة للإلصاق
حتى قيل: إنه معنى لا يفارقها، ولو كانت للمقابلة ههنا للزم أن تكون تلك المرأة
كالموهوبة، وذلك لا يجوز إلاَّ للنبي معَّه، لأن في إحدى روايات البخاري: فقد ملكتكها بما
معك من القرآن، فالتمليك هبة، والهبة في النكاح اختص بها النبي عَّ لقوله تعالى:
﴿خالصة لك من دون المؤمنين﴾ [الأحزاب: ٥٠]. فإن قلت: معنى قوله عَ لّ: زوجتكها بما
معك من القرآن، بأن تعلمها ما معك من القرآن أو مقداراً منه ويكون ذلك صداقها، أي:
تعليمها إياه، والدليل على ذلك ما جاء في رواية لمسلم: انطلق فقد زوجتكها فعلمها من
القرآن. وجاء في رواية عطاء: فعلمها عشرين آية. قلت: هذا عدول عن ظاهر اللفظ بغير
دليل، ولئن سلمنا هذا، فهذا لا ينافي تسمية المال، فيكون قد زوجها منه مع تحريضه على
تعليم القرآن، ويكون ذلك المهر مسكوتاً عنه إما لأنه عَ لَّه قد أصدق عنه كما كفر عن
الواطىء في رمضان إذ لم يكن عنده شيء، وودى المقتول بخيبر إذ لم يخلف أهله، كل
ذلك رفقاً بأمته ورحمة لهم، أو يكون أبقى الصداق في ذمته وأنكحها نكاح تفويض، حتى
يتفق له صداق، أو حتى يكسب بما معه من القرآن صداقاً، فعلى جميع التقدير لم يكن فيه
حجة على جواز النكاح بغير صداق من المال.
السادس عشر: فيه: أنه لا بأس بلبس خاتم الحديد، وقد اختلفوا فيه، فقال بعض
الشافعية: إنه لا يكره لهذا الحديث، ولحديث معيقيب: كان خاتم النبي عَِّ من حديد
ملوي عليه فضة، رواه أبو داود. وذهب آخرون إلى تحريمه وتحريم الخاتم النحاس أيضاً
الحديث: أن رجلاً جاء إلى النبي عَّهِ وعليه خاتم من شبه، قال: مالي أجد منك ريح
الأصنام؟ فطرحه، ثم جاء وعليه خاتم من حديد، فقال: ما لي أرى عليك حلية أهل النار؟
فطرحه. رواه أبو داود أيضاً.
السابع عشر: استدل به البخاري على ولاية الإمام للنكاح، فقال: باب السلطان ولي،
لقول النبي عَِّ زوجناكها بما معك من القرآن.
الثامن عشر: فيه: دلالة على أنه ليس للنساء أن تمتنع من تزويج أحد أراد رسول الله
عَ للِ أن يزوجها منه، غنياً كان أو فقيراً، شريفاً كان أو وضيعاً، صحيحاً كان أو ضعيفاً.
وروى ابن مردويه في (تفسيره) من حديث ابن عباس: أن قوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا

٢٠٣
٤٠ - كَتَابُ الوكالَةِ / باب (١٠)
مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً ... ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. الآية، نزلت في زينب لما خطبها
رسول الله عَّلِ لزيد بن حارثة، فامتنعت، وفي إسناده ضعف.
التاسع عشر: فيه: دليل على جواز الخطبة على الخطبة ما لم يتراكنا، لا سيما مع ما
رأى من زهد النبي عَِّ فيها.
العشرون: فيه: دليل على جواز النظر للمتزوج وتكراره، والتأمل في محاسنها، فهم
ذلك من قوله: فصعد النظر إليها وصوبه. وأما النظرة الأولى فمباحة للجميع.
الحادي والعشرون: فيه دليل على إجازة إنكاح المرأة دون أن يسأل: هل هي في
عدة أم لا، على ظاهر الحال، والحكام يبحثون عن ذلك احتياطاً، قاله الخطابي.
الثاني والعشرون: قال القاضي: فيه جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وهو مذهب
كافة العلماء، ومنعه أبو حنيفة إلاَّ للضرورة، وعلى هذا اختلفوا في أخذ الأجرة على الصلاة،
وعلى الأذان وسائر أفعال البر، فروي عن مالك كراهة جميع ذلك في صلاة الفرض والنفل،
وهو قول أبي حنيفة وأصحابه إلاَّ أن مالكاً أجازها على الأذان، وأجاز الإجارة على جميع
ذلك ابن عبد الحكم. وهو قول الشافعي وأصحابه، ومنع ذلك ابن حبيب في كل شيء، وهو
قول الأوزاعي، وقال: لا صلاة له، وروي عن مالك إجازته في النافلة، وروي عنه إجازته في
الفريضة دون النافلة.
الثالث والعشرون: قال الإمام: قال بعض الأئمة، فيه: دليل على أن الهبة لا تدخل في
ملك الموهوب له إلّ بالقبول، لأن الموهوبة كانت جائزة للنبي عَّه، وقد وهبت هذه له
نفسها فلم تصر زوجته بذلك، قاله الشافعي.
الرابع والعشرون: قال ابن عبد ربه. فيه: دليل على أن الصداق إذا كان جارية ووطئها
الزوج حد لأنه وطىء ملك غيره. قلت: هو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وعند
أصحابنا: إذا أقر أنه زنى بجارية امرأته حد، وإن قال: ظننت أنها تحل لي لا يحد.
:
١٠ - باب إذَا وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلاً فتَرَكَ الوَكِيلُ شَيْئاً فأجازَهُ المُوَكِّلُ فَهْوَ جَائِزٌ وإنْ
أَقْرَضَهُ إِلَى أجلٍ مُسَمَّى جازَ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا وكل رجل رجلاً فترك الوكيل شيئاً مما وكل فيه فأجازه
الموكل جاز. قوله: ((وإن أقرضه)) أي: وإن أقرض الوكيل شيئاً مما وكل فيه جاز، يعني: إذا
أجازه الموكل. وقال المهلب: مفهوم الترجمة أن الموكل إذا لم يجز ما فعله الوكيل، مما لم
یأذن له فيه، فهو غير جائز.
٢٣١١ _ وقال عثمانُ بنُ الهَيْثَم أبُو عَمْرٍو حدَّثنا عَوْفٌ عن مُحَمَّدٍ بنِ سِيرينَ عن أبِي
هُرَيْرَة رضي الله تعالى عنه قال وكّلَّنِي رسولُ اللهِ عَلَّهِ بِحِفْظِ زَكاةِ رَمَضانَ فأَتَانِي آتٍ
فجعَلَ يَحْثُو منَ الطَّعامِ فأخَذْتُهُ وقُلْتُ والله لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ عَّ له قال إنِّي مُخْتاجٌ

٢٠٤
٤٠ - كَتَابُ الوكالَةِ / باب (١٠)
وعَلَيَّ عِيالٌ ولِي حَاجَةٌ شَدِيدةٌ قال فَخَلَّيْت عَنْهُ فأصْبَحْتُ فقال النبيُّ عَّه يا أبا هُرَيْرَةَ ما
فعَلَ أَسِيرُكَ البارحَةَ قال قُلْتُ يا رسولَ اللهِ شَكا حاجَةٌ شَدِيدَةً وَعِيالاً فَرَحِمْتَهُ فخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ
قال أما أنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وسَيَعُودُ فعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رسول الله عَّلَّلِ أَنَّهُ سَيَعُودُ فرَصَدْتُهُ
فَجاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ لأَرْفَعَنَّكَ إلى رسولِ اللهِ عَلَّهِ قال دَعْنِي فإنِّي مختَاجٌ
وعَلَيَّ ◌ِيَالٌ لا أَعُودُ فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فأصْبَحْتُ فقالَ لِي رسولُ اللهِ عَ لَّه يَا أَبَا هُرَيْرَةَ
ما فَعَلَ أَسِيرُكَ قُلْتُ يا رسولَ اللهِ شَكًا حاجَةً شدِيدَةً وعِيالاً فرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبيلهُ قال أما
أنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وسَيَعُودُ فَرَصَدْتُهُ: الثَّالِثَةَ فجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعامِ فأخَذْتُهُ فَقُلْتُ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى
رسُولِ اللهِ عَ لِ ولهذا آخِرُ ثَلاثِ مََّاتٍ إِنَّكَ تَرْعَمُ لاَ تَعُودُ ثُمَّ تَغُوَدُ قالَ دَعْنِي أُعلِّمْكَ كَلِماتٍ
يَنْفَعُكَ اللهِ بِهَا قُلْتُ ما هْوَ قال إِذَا أَوَيْتَ إلَى فِرَاشِك فاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيَّ ﴿الله لا إلهَ إلاَّ هُوَ
الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] حَتَّى تَخْتِم الآيَةَ فإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ منَ الله حافِظُ ولاَ
يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ فقال لِي رَسُولُ اللهِ عَ لَِّ مَا فَعَلَ إِسِيرُكَ
الْبَارِحَةِ قَلْتُ يا رسولَ الله زَعَمَ أنَّهُ يُعَلِّمُني كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي الله بها فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ قال ما
هِيَّ قُلْتُ قال لِي إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسيَّ مِنْ أَوَّلِها حتَّى تَخْتِمَ ﴿الله لا إله
إِلَّ هُو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [ البقرة: ٢٥٥] وقال لِي لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حافِظُ ولاَ يَقْرَبُكَ
شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ وكانُوا أَخْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الخَيْرِ فقال النبيُّ عَ لّهِ أَمَّا أَنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهْوَ
كَذُوبٌ تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلاثِ لَيَالٍ يا أبا هُرَيْرَةَ قال لاَ قال ذَاكَ شَيْطَانٌ. [الحديث
٢٣١١ - طرفاه في: ٣٢٧٥، ٥٠١٠].
مطابقته للترجمة من حيث إن أبا هريرة كان وكيلاً لحفظ زكاة رمضان، وهو صدقة
الفطر، وترك شيئاً منها حيث سكت حين أخذ منها ذلك الآتي، وهو الشيطان، فلما أخبر
النبي، عَّلِّ، بذلك سكت عنه وهو إجازة منه. فإن قلت: من أين يستفاد جواز الإقراض إلى
أجل مسمى؟ قلت: قال الكرماني: حيث أمهله إلى الرفع إلى النبي، عَّلّه، وأوجه منه ما قاله
المهلب: إن الطعام كان مجموعاً للصدقة، فلما أخذ السارق وقال له: دعني فإني محتاج
وتركه، فكأنه أسلفه ذلك الطعام إلى أجل، وهو وقت قسمته وتفرقته على المساكين: لأنهم
كانوا يجمعونه قبل الفطر بثلاثة أيام للتفرقة، فكأنه أسلفه إلى ذلك الأجل.
ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: عثمان بن الهيثم، بفتح الهاء وسكون الياء آخر
الحروف وفتح الثاء المثلثة وفي آخره ميم: وكنيته أبو عمرو المؤذن البصري، مات قريباً من
سنة عشرين ومائتين، وقد مر في آخر الحج. الثاني: عوف، بالفاء: الأعرابي، وقد مر في
الإيمان. الثالث: محمد بن سيرين. الرابع: أبو هريرة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: أنه ذكره هكذا معلقاً ولم يصرح فيه بالتحديث حتى زعم
ابن العربي أنه منقطع، وكذا ذكره في فضائل القرآن وفي صفة إبليس. وأخرجه النسائي
موصولاً في: اليوم والليلة، عن إبراهيم بن يعقوب عن عثمان بن الهيثم به، ووصله
الإسماعيلي أيضاً من حديث الحسن بن السكن، وأبو نعيم من حديث هلال بن بشر عنه،

٢٠٥
٤٠ - كَتَابُ الوكالَةِ / باب (١٠)
والترمذي نحوه من حديث أبي أيوب وقال: حسن غريب، وصححه قوم وضعفه آخرون ..
وفيه: أن عثمان من مشايخه ومن أفراده، وقال في كتاب اللباس وفي الإيمان والنذور: حدثنا
عثمان بن الهيثم أو محمد عنه. وفيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع. وفيه: العنعنة في
موضعين. وفيه: القول في موضعين.
ذكر معناه: قوله: ((يحفظ زكاة رمضان))، المراد به صدقة الفطر، وقد ذكرناه. قوله:
((آت))، أصله: آتي، فاعل إعلال قاضٍ. قوله: ((يحثو))، قال الطيبي: أي: ينثر الطعام في وعائه.
قلت: يقال: حثا يحثو وحثى يحثي، قال ابن الأعرابي: وأعلى اللغتين حتى يحثي، وكله
بمعنى الغرف، وفي رواية أبي المتوكل عن أبي هريرة: أنه كان على تمر الصدقة فوجد أثر
كف كأنه قد أخذ منه، ولابن الضريس من هذا الوجه، فإذا التمر قد أخذ منه ملء كف.
قوله: ((فأخذته))، وفي رواية أبي المتوكل زيادة وهي: أن أبا هريرة شكا ذلك إلى النبي،
عَّهِ، أولاً، فقال له: ((إن أردت أن تأخذه فقل: سبحان من سخرك لمحمد)). قال: فقلتها فإذا
أنا به قائم بين يدي فأخذته. قوله: ((والله لأرفعنك))، أي: لأذهبن بك أشكوك إلى رسول الله
عَّ ليحكم عليك بقطع اليد، يقال: رفعه إلى الحاكم إذا أحضره للشكوى. قوله: ((وعلي
عيال)) أي: نفقة عيال، كما في قوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢]. وقيل: عليّ،
بمعنى، لي، وفي رواية أبي المتوكل: فقال: إنما أخذته لأهل بيت فقراء من الجن، وفي رواية
الإسماعيلي: ولا أعود. قوله: ((أسيرك))، قال الداودي: قيل له: أسير، لأنه كان ربطه بسير،
وهو الحبل، وهذا عادة العرب، كانوا يربطون الأسير بالقد، وقال ابن التين: قول الداودي: إن
السير الحبل من الجلد لم يذكره غيره، وإنما السير الجلد، فلو كان مأخوذاً مما ذكره لكان .
تصغيره: سيير، ولم تكن الهمزة: فاء. وفي (الصحاح): شده بالإسار وهو القد. قوله: ((قد
كذبك)) أي: في قوله: إنه محتاج، وسيعود إلى الأخذ. قوله: ((فرصدته)) أي: رقبته. قوله:
((فجاء»، هكذا في الموضعين، وفي رواية المستملي والكشميهني وفي رواية غيرهما: فجعل.
قوله: ((دعني))، وفي رواية أبي المتوكل: خلِّ عني. قوله: ((ينفعك الله بها)) وفي رواية أبي
المتوكل: إذا قلتهن لم يقربك ذكر ولا أنثى من الجن، وفي رواية ابن الضريس من هذا
الوجه: لا يقربك من الجن ذكر ولا أنثى صغير ولا كبير. قوله: ((فقلت: ما هو؟» هكذا في
رواية الكشميهني، أي: الكلام أو النافع أو الشيء، وفي رواية غيره: ما هي، وهذا ظاهر، وفي
رواية أبي المتوكل: وما هؤلاء الكلمات؟ قوله: ((إذا أويت))، من الثلاثي يقال: أوى إلى منزله
إذا أتى إليه، وآويت غيري من المزيد. قوله: ((آية الكرسي ﴿الله لا إله إلا هو الحي
القيُّوم﴾ [البقرة: ٢٥٥]))، وفي رواية النسائي والإسماعيلي: ((﴿الله لا إله إلاَّ هو الحي
القيوم﴾ [البقرة: ٢٥٥] من أولها حتى تختمها))، وفي حديث معاذ بن جبل زيادة، وهي
خاتمة سورة البقرة. قوله: ((لن يزال))، وفي رواية الكشميهني: لم يزل، ووقع لهم عكس ذلك
في فضائل القرآن. قوله: ((من الله)) أي: من جهة أمر الله، وقدرته، أو من بأس الله ونقمته،
كقوله تعالى: ﴿له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله﴾ [الرعد: ١١].

٢٠٦
٤٠ - كَتَابُ الوكالَةِ / باب (١٠)
قوله: ((ولا يقربك))، بفتح الراء وضم الباء الموحدة. قوله: ((وكانوا))، أي: الصحابة: ((أحرصٍ
الناس على تعلم الخير)) قيل: هذا مدرج من كلام بعض رواته، قلت: هذا يحتمل، والظاهر
أنه غير مدرج، ولكن فيه التفات، لأن مقتضى الكلام أن يقال: وكنا أحرص شيء عن الخير.
قوله: ((وهو كذوب))، هذا تتميم في غاية الحسن، لأنه لما أثبت الصدق له أوهم المدح،
فاستدركه بصيغة تفيد المبالغة في كذبه، وفي حديث معاذ بن جبل: صدق الخبيث وهو
كذوب، وفي رواية أبي المتوكل: أو ما علمت أنه كذلك؟ قوله: ((منذ ثلاث))، هكذا في
رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: مذ ثلاث. قوله: ((ذاك شيطان))، كذا وقع هنا بدون
الألف واللام في رواية الجميع، أي: شيطان من الشياطين. ووقع في فضائل القرآن: ذاك
الشيطان، بالألف واللام للعهذ الذهني.
وقد وقع مثل حديث أبي هريرة لمعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وأبي أيوب الأنصاري
وأبي أسيد الأنصاري، وزيد بن ثابت، رضي الله تعالى عنهم.
أما حديث معاذ بن جبل، فقد رواه الطبراني عن شيخه يحيى بن عثمان بن صالح
بإسناده إلى بريدة. قال: بلغني أن معاذ بن جبل أخذ الشيطان على عهد رسول الله عَّ له،
فأتيته فقلت: بلغني أنك أخذت الشيطان على عهد رسول الله عَ لّم قال: نعم، ضم إلى
رسول الله، عَّله، تمر الصدقة فجعلته في غرفة لي، فكنت أجد فيه كل يوم نقصاناً، فشكوت
ذلك إلى رسول الله عَّةٍ، فقال لي: هو عمل الشيطان، فارصدْه، قال: فرصدته ليلاً، فلما
ذهب هوى من الليل أقبل على صورة الفيل، فلما انتهى إلى الباب دخل من خلل الباب على
غير صورته، فدنا من التمر فجعل يلتقمه، فشددت على ثيابي فتوسطته، فقلت: أشهد أن لا
إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، يا عدو الله، وثبت إلى تمر الصدقة فأخذته وكانوا أحق
به منك؟ لأرفعنك إلى رسول الله، عَّالله، فيفضحك، فعاهدني أن لا يعود، فغدوت إلى رسول
الله، عَّله، فقال: ما فعل أسيرك؟ فقلت: عاهدني أن لا يعود. قال: إنه عائد، فارصده.
فرصدته الليلة الثانة، فصنع مثل ذلك، وصنعت مثل ذلك، وعاهدني أن لا يعود، فخليت
سبيله، ثم غدوت إلى رسول الله عَّ لأخبره فإذا مناديه ينادي: أين معاذ؟ فقال لي: يا معاذ!
ما فعل أسيرك؟ قال: فأخبرته، فقال لي: إنه عائد فارصده، فرصدته الليلة الثالثة فصنع مثل
ذلك، وصنعت مثل ذلك، فقال: يا عدو الله عاهدتني مرتين وهذه الثالثة، لأرفعنك إلى رسول
الله عَّله فيفضحك، فقال: إني شيطان ذو عيال، وما أتيتك إلا من نصيبين، ولو أصبت شيئاً
دونه ما أتيتك، ولقد كنا في مدينتكم هذه حتى بعث صاحبكم، فلما نزل عليه آيتان أنفرتانا
منها، فوقعنا بنصيبين، ولا تقرآن في بيت إلاَّ لم يلج فيه الشيطان ثلاثاً، فإن خليت سبيلي
علمتكهما. قلت: نعم. قال: آية الكرسي وخاتمة سورة البقرة ﴿آمن الرسول﴾ [البقرة: ٢٨٥]
إلى آخرها، فخليت سبيله ثم غدوت إلى رسول الله عَ آرٍ لأخبره فإذا مناديه ينادي: أين معاذ
بن جبل؟ فلما دخلت عليه قال لي: ما فعل أسيرك؟ قلت: عاهدني أن لا يعود، وأخبرته بما
قال، فقال رسول الله عَّ له: صدق الخبيث وهو كذوب. قال: فكنت أقرؤهما عليه بعد ذلك

٢٠٧
٤٠ - كَتَابُ الوكالَةِ / باب (١٠)
فلا أجد فيه نقصاناً.
وأما حديث أبي بن كعب، رضي الله تعالى عنه، فقد رواه أبو يعلى الموصلي: حدثنا
أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا مبشر عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن عبدة بن أبي
لبابة عن عبد الله بن أبي بن كعب أن أباه أخبره أنه: كان له جرن فيه تمر، فكان يتعاهده
فوجده ينقص، قال: فحرسه ذات ليلة فإذا هو بداية شبه الغلام المحتلم، قال: فسلمت فرد
علي السلام، قال: فقلت: أنت جني أم أنسي؟ قال: جني. قال: قلت: ناولني يدك. قال:
فناولني فإذا يده يد كلب وشعر كلب، فقلت: هكذا خلق الجن؟ قال: لقد علمت الجن ما
فيهم أشد مني. قلت: فما حملك على ما صنعت؟ قال: بلغني أنك رجل تحب الصدقة
فأحببنا أن نصيب من طعامك. قال فقال له أبي: فما الذي يجيرنا منكم؟ قال: هذه الآية، آية
الكرسي، ثم غدا إلى رسول الله عٍَّ فأخبره، فقال النبي عَّ ◌ُله: صدق الخبيث)). ورواه
الحاكم في (مستدركه)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ورواه ابن حبان في (صحيحه)
والنسائي وغيرهم.
وأما حديث أبي أيوب الأنصاري، رضي الله تعالى عنه، فرواه الترمذي في (فضائل
القرآن): ((حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان عن ابن أبي ليلى
عن أخيه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي أيوب الأنصاري أنه كانت له سهوة فيها تمر،
فكانت تجيء فتأخذ منه الغول، قال: فشكا ذلك إلى النبي عَّله، فقال: إذهب فإذا رأيتها
فقل: بسم الله، أجيبي رسول الله عَّله، فأخذها فحلفت أن لا تعود، فأرسلها فجاء إلى رسول
الله عَ لِّ فقال: ما فعل أسيرك؟ قال: حلفت أن لا تعود، فقال: كذبت وهي معاودة للكذب.
قال: فأخذها مرة أخرى فحلفت أن لا تعود، فأرسلها، فجاء إلى النبي عَ ◌ّمِ فقال: ما فعل
أسيرك؟ قال: حلفت أن لا تعود. فقال: كذبت وهي معاودة للكذب، فأخذها فقال: ما أنا
بتاركك حتى أذهب بك إلى النبي، عَ ليه، فقالت: إني ذاكرة لك شيئاً، آية الكرسي اقرأها في
بيتك فلا يقربك شيطان ولا غيره، فجاء إلى النبي، عَّهِ، فقال: ما فعل أسيرك؟ فأخبره بما
قالت. قال: صدقت وهي كذوب))، وهذا حديث حسن غريب.
وأما حديث أبو سعيد الأنصاري فرواه الطبراني من حديث مالك بن حمزة بن أبي
أسيد عن أبيه عن جده أبي أسيد الساعدي الخزرجي، وله بئر في المدينة، يقال لها: بئر
بضاعة، قد بصق فيها النبي، عَّه، فهي ينشر بها ويتيمن بها، قال: فقطع أبو أسيد تمر حائطه
فجعلها في غرفة، وكانت الغول تخالفه إلى مشربته فتسرق تمره وتفسده عليه، فشكا إلى
النبي عَّ له، فقال: إذا قال تلك الغول: يا أبا أسيد، فاستمع عليها، فإذا سمعت اقتحامها، فقل:
بسم الله أجيبي رسول الله عَّ له، فقالت الغول: يا أبا أسيد اعفني أن تكلفني أن أذهب إلى
رسول الله عَ ليه، فأعطيك موثقاً من الله أن لا أخالفك إلى بيتك ولا أسرق تمرك، وأدلك على
آية تقرؤها في بيتك فلا تخالف إلى أهلك، وتقرؤها على إنائك ولا تكشف غطاءه، فأعطاه
الموثق الذي رضي به منها، فقالت: الآية التي أدلك عليها آية الكرسي، ثم حكت أستها

:
٢٠٨
٤٠ - كَتَابُ الوكالَةِ / باب (١١)
تضرط، فأتى النبي عَّله فقص عليه القصة حيث ولت، فقال النبي عَ له: ((صدقت وهي
كذوب».
وأما حديث زيد بن ثابت، رضي الله تعالى عنه، فرواه ابن أبي الدنيا، وفيه: أنه خرج
إلى حائطه فسمع جلبة فقال: ما هذا؟ قال رجل من الجن: أصابتنا السنة فأردت أن أصيب
من ثماركم. قال له: ما الذي يعيذنا منكم؟ قال: آية الكرسي.
قوله: ((جرن))، بضمتين جمع: جرين، بفتح الجيم وكسر الراء، وهو موضع تجفيف
التمر. قوله: ((سهوة))، بفتح السين المهملة وسكون الهاء وفتح الواو، وهي: الطاق في الحائط
يوضع فيها الشيء، وقيل: هي الصفة، وقيل: المخدع بين البيتين، وقيل: هي شبيه بالرف،
وقيل: بيت صغير كالخزانة الصغيرة. قوله: ((الغول))، بضم الغين المعجمة، وهو شيطان
يأكل الناس، وقيل: هو من يتلون من الجن. قوله: ((أبو أسيد))، بضم الهمزة وفتح السين،
واسمه: مالك بن ربيعة. قوله: ((ينشر بها)) من النشرة، وهي ضرب من الرقية والعلاج يعالح به
من كان يظن أن به مساً من الجن، سميت نشرة لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء أي:
یکشف ويزال.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: أن السارق لا يقطع في مجاعة، وأنه يجوز أن يعفى عنه
قبل أن يبلغ الإمام. وفيه: أن الشيطان قد يعلم علماً ينتفع به إذا صدق. وفيه: أن الكذوب قد
يصدق من الندرة. وفيه: علامات النبوة لقوله: ما فعل أسيرك البارحة. وفيه: تفسير لقوله
تعالى: ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾ [الأعراف: ٢٧]. يعني: الشياطين، إن
المراد بذلك ما هم عليه من خلقهم الروحانية، فإذا استحضروا في صورة الأجسام المدركة
بالعين جازت رؤيتهم، كما شخص الشيطان لأبي هريرة في صورة سارق. وفيه: أن الجن
يأكلون الطعام، وهو موافق لقوله عَّةٍ: ((سألوني الزاد)). وقال ابن التين: وفي شعر العرب أنهم
لا يأكلون. وفيه: ظهور الجن وتكلمهم بكلام الإنس. وفيه: قبول عذر السارق. وفيه: وعيد
أبي هريرة برفعه إليه وخدعة الشيطان. وفيه: في الثالثة بلاغ في الإعذار. وفيه: فضل آية
الكرسي. وفيه: أن الشيطان نصيباً ممن ترك ذكر الله تعالى عند المنام. وفيه: أن من أقيم في
حفظ شيء يسمى وكيلاً. وفيه: أن الجن تسرق وتخدع. وفيه: جواز جمع زكاة الفطر قبل
ليلة الفطر، وتوكيل البعض لحفظها وتفرقتها. وفيه: جواز تعلم العلم ممن لم يعمل بعلمه.
١١ - بابٌ إِذَا باعَ الوَكِيلُ شَيْئاً فاسِداً فَبَيعُهُ مَرْدُودٌ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا باع الوكيل شيئاً من الأشياء التي وكل فيها بيعاً فاسداً
فبيعه مردود.
١١/ ٢٣١٢ _ حدَّثنا إسحاقُ قال حدثنا يَحْيَى بنُ صَالِحِ قال حدثنا مُعَاوِيَةُ هوَ ابنُ
سَلاَّمٍ عنْ يَخْتَى قال سَمِعْتُ عُقْبَةَ بنَ عبدِ الْغافِرِ أنَّهُ سَمِعَ أبا سعيدِ الخُذْرِيِّ رضي الله تعالى
عنه قَال جاءَ بِلالٌ إلى النبيِّ عَّهِ بِتَمْرٍ بَرْنِيّ فقال لَهُ النبيُّ عََّّهُ مِنْ أَيْنَ هَذَا قال بِلالٌ كانَ

٢٠٩
٤٠ - كَتَابُ الوكالَةِ / باب (١١)
عِنْدَنا تَمْرٌ رَدِيءٌ فِبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصاع لِنُطْعِمَ النبيَّ عَ لَّهِ فَقال النبيُّ عَ لَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ أَوَّةْ
أُوَّهْ عَيْنُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبا لاَ تَفْعَلْ ولَكِنْ إذَاْ أَرَذْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعِ الثَّمْرَ بِبَيْعِ آخَرَ ثُمّ اشْتَرِهِ.
مطابقته للترجمة تفهم من قوله: ((عين الربا لا تفعل)) لأن من المعلوم أن بيع الربا مما
يجب رده. وقال بعضهم: ليس فيه تصريح بالرد، بل فيه إشعار به، ولعله أشار بذلك إلى ما
ورد في بعض طرقه، فعند مسلم من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد في نحو هذه القصة
فقال: هذا الربا فردوه. انتهى. قلت: الذي يعلم بالرد من الحديث فوق العلم بتصريح الرد،
لأن فيه الرد بمرة واحدة، والمفهوم من متن الحديث بمرات. الأولى: قوله: ((أوه أو٥)،
بالتكرار، والثاني: قوله: ((عين الربا))، والثالثة: قوله: ((لا تفعل))، والرابعة: قوله: ((ولكن ... ))
إلى آخره.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: إسحاق، اختلف فيه، فقال أبو نعيم: هو إسحاق بن
راهويه، وقال أبو علي الجياني: إسحاق هذا لم ينسبه أحد من شيوخنا فيما بلغني، قال:
ويشبه أن يكون إسحاق بن منصور، فقد روى مسلم عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن
صالح هذا الحديث، وقال بعضهم: وجزم أبو علي الجياني بأنه ابن منصور. قلت: من أين
هذا الجزم من أبي علي الجياني؟ بل قوله يدل على أنه متردد فيه لقوله: ويشبه أن يكون
إسحاق بن منصور، ولا يلزم من إخراج مسلم عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن صالح
هذا الحديث أن يكون رواية البخاري أيضاً كذلك. الثاني: يحيى بن صالح أبو زكريا
الوحاظي، ووحاظ بطن من حمير. الثالث: معاوية بن سلام، بتشديد اللام: أبو سلام. الرابع:
يحيى بن أبي كثير، وقد تكرر ذكره. الخامس: عقبة، بضم العين وسكون القاف: ابن عبد
الغافر العوذي، بفتح العين المهملة وسكون الواو وبالذال المعجمة، قتل في الجماجم سنة
ثلاث وثمانين. السادس: أبو سعيد الخدري، واسمه: سعد بن مالك، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضع. وفيه: السماع في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن شيخه إن كان ابن
راهويه فهو مروزي سكن نيسابور، وإن كان ابن منصور فهو أيضاً مروزي انتقل بآخرة إلى
نيسابور، ويحيى بن صالح حمصي ومعاوية بن سلام الحبشي الأسود، ويحيى بن أبي كثير
يمامي طائي. وفيه: أن شيخه ذكر غير منسوب.
والحديث أخرجه مسلم في البيوع عن إسحاق بن منصور عن يحيى. وأخرجه النسائي
فيه عن هشام بن عمار.
ذكر معناه: قوله: ((برني))، بفتح الموحدة وسكون الراء وكسر النون بعدها ياء
مشددة: وهو ضرب من التمر أصفر مدور، وهو أجود التمور، قاله صاحب (المحكم): قال
بعضهم: قيل له ذلك لأن كل تمرة تشبه البرنية. قلت: كلامه يشعر أن الياء فيه للنسبة،
وليست الياء فيه للنسبة، فكأنه موضوع، هكذا مثل کرسي ونحوه. قوله: ((کان عندنا»،
عمدة القاري/ ج١٢ م١٤

٢١٠
٤٠ - كَتَابُ الوكالَةِ / باب (١٢)
هكذا رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: كان عندي. قوله: ((رديء))، قال بعضهم: رديء،
بالهمزة على وزن: عظيم. قلت: نعم هو مهموز اللام من: ردىء الشيء يردأ رداءة، فهو
رديء، أي: فاسد، وأردأته أي: أفسدته، ولكن لما كثر استعماله حسن فيه التخفيف بأن
قلبت الهمزة ياء لانكسار ما قبلها وأدغمت الياء في الياء فصارت: رديّ بتشديد الياء. قوله:
(لنطعم النبي عَّ له))، أي: لأجل أن نطعم، واللام فيه مكسورة والنون مضمومة من الإطعام،
ولفظ النبي منصوب به، هذا في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره: ليطعم، بفتح الياء آخر
الحروف وفتح العين من: طعم يطعم، ولفظ النبي مرفوع به. قوله: ((عند ذلك))، أي: عند
قول بلال. قوله: ((أوه) مرتين، بفتح الهمزة وتشديد الواو وسكون الهاء، وهي كلمة تقال عند
الشكاية والحزن. وقال ابن قرقول: بالقصر والتشديد وسكون الهاء، وكذا رويناه، وقيل: بمد
الهمزة. وقال الجوهري: وقد يقال بالمد لتطويل الصوت بالشكاية، وقيل بسكون الواو وكسر
الهاء، ومن العرب من يمد الهمزة ويجعل بعدها واوين: آووه، وكله بمعنى: التحزن، وقال ابن
التين: إنما تأوه ليكون أبلغ في الزجر، وقاله إما للتألم من هذا الفعل، وإما من سوء الفهم.
قوله: ((عين الربا))، بالتكرار أيضاً أي: هذا البيع نفس الربا حقيقة، ووقع في مسلم مرة
واحدة. قوله: ((ولكن إذا أردت أن تشتري))، أي: أن تشتري التمر الجيد.
قوله: ((فبع التمر))، أي: فبع التمر الرديء ببيع آخر، أي: ببيع شيء آخر، بأن تبيعه
بحنطة أو شعير مثلاً. قوله: ((ثم اشتره))، أي: ثم اشتر التمر الجيد، ويروى: ثم اشتر به، أي:
بثمن الرديء، فعلى هذه الرواية مفعول: اشترِ محذوف تقديره: ثم اشتر الجيد بثمن الرديء،
ويدل على ما قلناه ما قد روي عن بلال في هذا الخبر: انطلق فرده على صاحبه وخذ تمرك
وبعه بحنطة أو شعير ثم اشتر به من هذا التمر، ثم جئني به، رواه الطبري من طريق سعيد بن
المسيب عن بلال، وفي رواية مسلم: ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعه ببيع آخر ثم
اشترِه، أي: إذا أردت أن تشتري التمر الجيد فبع التمر الرديء ببيع آخر ثم اشتر الجيد، وبين
التركيبين مغايرة ظاهراً، ولكن في الحقيقة يرجعان إلى معنى واحد، وهو أن لا يشتري الجيد
بضعف الرديء، بل إذا أراد أن يشتري الجيد يبيع ذلك الردي، بشيء، ويأخذ ثمنه، ثم
يشتري به التمر الجيد، حتى لا يقع الربا فيه لأن الله تعالى قال في كتابه الكريم: ﴿يا أيها
الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا﴾ [البقرة: ٢٧٨]. إلى قوله: ﴿فلكم من رؤوس
أموالكم﴾ [البقرة: ٢٧٩]. قد أمر الله برد عقد الربا، ورد رأس المال ولا خلاف أيضاً أن من
باع بيعاً فاسداً أن بيعه مردود.
واستفيد من حديث الباب حرمة الربا وعظم أمره، وقد تقدم البحث فيه في: باب ما
إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه، وهو في كتاب البيوع.
١٢ - بابُ الوَكالَةِ فِي الوَقْفِ ونَفَقَتِهِ وأنْ يُطْعِمَ صَدِيقاً لَهُ ويَأْكُلَ بالمَغْرُوفِ
أي: هذا باب في بيان حكم الوكالة في الوقف. قوله: ((ونفقته)) أي: نفقة الوكيل،

٢١١
٤٠ - كَتَابُ الوكالَةِ / باب (١٢)
يدل عليه لفظ الوكالة. قوله: ((وأن يطعم))، كلمة: أن، مصدرية تقديره: وإطعام الوكيل
صديقه من مال الوقف الذي هو وكيل فيه. قوله: ((ويأكل)) أي: الوكيل ((بالمعروف)) يعني:
بما يتعارفه الوكلاء فيه، وذلك لأنه حبس نفسه لتصرف موكله والقيام بأمره قياساً على ولي
اليتيم؟ قال الله تعالى فيه: ﴿ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف﴾ [النساء: ٦]. فهذا مباح عند
الحاجة، والوقف كذلك، وليس هذا مثل من اؤتمن على مال غيره لغير الصدقة فأعطى منه
فقيراً بغير إذن ربه، فإنه لا يجوز ذلك بالإجماع.
١٢/ ٢٣١٣ _ حدَّثْنَا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدَّثنا سُفْيانُ عنْ عَمْرِو قال في صدَقَةٍ عُمَرَ
رضي الله تعالى عنهُ لَيْسَ عَلَى الوَلِيِّ بجناح أن يَأْكُلَ ويُؤْكِلَ صَدِيقاً غَيْرَ مُتَأْثّلٍ فكانَ ابنُ
عُمَرَ هُوَ يَلِي صَدَقَّةَ عُمَرَ يُهْدِي لِلنَّاسِ مِنْ أهْلِ مَكَّةَ كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِم. [الحديث ٢٣١٣ -
أطرافه في: ٢١٣٧، ٢٧٦٤، ٢٧٧٢، ٢٧٧٣، ٢٧٧٧].
مطابقته للترجمة ظاهرة لأن الترجمة تتضمن أربعة أشياء، والحديث يشملها، وسفيان
هو ابن عيينة المكي وعمرو هو ابن دينار المكي.
قوله: ((قال في صدقة عمر ... )) إلى آخره، قال الكرماني، رحمه الله: صدقة، بالتنوين،
وعمر، فاعل، هذا على سبيل الإرسال، إذ هو لم يدرك عمر، رضي الله تعالى عنه، وفي
بعضها: صدقة عمر، بالإضافة، وفي بعضها: عمرو، بالواو، فالقائل به هو ابن دينار، أي: قال
ابن دينار في الوقف العمري ذلك، وقال بعضهم في صدقة عمر، أي: في روايته لها عن ابن
عمر كما جزم بذلك المزي في (الأطراف). قلت: لم يذكر المزي هذا في (الأطراف)
أصلاً، وإنما قال بعد العلامة بحرف الخاء المعجمة: حديث عمرو بن دينار ... إلى آخره، ما
ذكره البخاري، ثم قال: موقوف، والصواب المحقق ما قاله الكرماني، والتقدير الذي قدره
هذا القائل خلاف الأصل، ولا ثمة داع يدعوه إلى ذلك، وقوله، ويوضحه رواية الإسماعيلي
من طريق ابن أبي عمر عن سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عمر: لا يستلزم ما ذكره من
التقدير المذكور بالتعسف. قوله: ((ليس على الولي)) أي: الذي يتولى أمر الوقف، قوله:
((جناح)) أي: إثم، قوله: ((أن يأكل))، أي: بأن يأكل منه. قوله: ((أو يؤكل))، بضم الياء وكسر
الكاف، وهو من الثلاثي المزيد فيه. قوله: ((صديقاً))، نصب على أنه مفعول: يؤكل. قوله:
(له))، أي: للوالي، وهو جملة في محل النصب لأنها صفة لقوله: صديقاً، قوله: ((غير متأثل))،
نصب على الحال من باب التفعل، بالتشديد، أي: غير جامع، يقال: ما مؤثل، ومجد مؤثل
أي: مجموع ذو أصل، وأثلة الشيء أصله، فالمتأثل من يجمع مالاً ويجعله أصرلاً. قوله:
((مالاً) منصوب به. قوله: ((فكان))، أي: ابن عمر إلى آخره، فأشار إليه المزي أنه موقوف،
وقال بعضهم: هو موصول بالإسناد المذكور. قلت: قد ذكرنا أن الكرماني صرح بأنه مرسل،
فكيف يكون المعطوف على المرسل موصولاً؟ قوله: ((يهدي))، بضم الياء من الإهداء. قوله:
(للناس))، ويروى: لناس بدون الألف واللام. قوله: ((كان)) أي: ابن عمر: ((ينزل عليهم)) أي:
على الناس، وهذه الجملة حال بتقدير: قد، كما في قوله: ﴿أو جاؤوكم حصرت﴾ [النساء:

٢١٢
٤٠ - كَتَابُ الوكالَةِ / باب (١٣)
٩٠]. أي: قد حصرت.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: جواز أكل الولي على الوقف وإيكاله غيره بالمعروف، وقد
أخذ هذا من قوله تعالى: ﴿ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف﴾ [النساء: ٩٠]. وهذا في مال
اليتيم، وفي مال الوقف أهون من ذلك، وقال المهلب: هذا مباح عند الحاجة، وهذا سنة
الوقف: أن يأكل منه الولي ويؤكل لأن الحبس لهذا حبس. وقال ابن التين: فيه: أن الناس في
أوقافهم على شروطهم، وأهداه ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، كان على وجهين: أحدهما
للشرط الذي في الوقف أن يؤكل صديقاً له، والآخر: أنه كان ينزل على الذين يهدي إليهم
مكافأة عن طعامهم، فكأنه هو أكله. وفيه: الاستضافة ومكافأة الضيف، وسيأتي الكلام في
هذا الباب مستقصىّ في كتاب الوقف، إن شاء الله تعالى.
١٣ - بابُ الوَكالَة في الحُدودِ
أي: هذا باب في بيان حكم الوكالة في إقامة الحدود.
٢٣١٥ _ حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قال أخبرنا اللَّيْثُ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ
١٣ / ٢٣١٤ _
عُبَيْدِ الله عنْ زَيْدِ بنِ خالِدٍ وأبي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهما عن النبيِّ عَّ ◌ُله قال واعْدُ يا
أَنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هذَا فإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا. [الحديث ٢٣١٤ - أطرافه في: ٢١٢٥، ٢٦٤٩،
٢٦٩٦، ٦٦٣٤، ٦٨٢٨، ٦٨٣١، ٦٨٣٦، ٦٨٤٣، ٦٨٦٠، ٧١٩٤، ٧٢٥٩، ٧٢٧٩].
[الحديث ٢٣١٥ - أطرافه في: ٢٦٩٥، ٢٧٢٤، ٦٦٣٣، ٦٨٢٧، ٦٨٣٣، ٦٨٣٥،
٦٨٤٢، ٦٨٥٩، ٧١٩٣، ٧٢٥٨، ٧٢٦٠، ٧٢٧٨].
مطابقته للترجمة في قوله: ((أغد يا أنيس ... )) إلى آخره، فإن أمره بذلك تفويض له.
ورجاله قد ذكروا غير مرة، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وعبيد الله بن
عبد الله بن عتبة، وزيد بن خالد يكنى أبا طلحة الجهني الصحابي.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري في ثمانية مواضع في الندور
وفي المحاربين وفي الصلح وفي الأحكام وفي الشروط وفي الاعتصام وفي خبر الواحد وفي
الشهادات. وأخرجه مسلم في الحدود عن قتيبة وعن عمرو الناقد وعن أبي الطاهر وحرملة
وعن عبد بن حميد. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي عن مالك به. وأخرجه الترمذي فيه عن
قتيبة به وعن إسحاق بن موسى وعن نصر بن علي وغير واحد كلهم عن سفيان بن عيينة.
وأخرجه النسائي في القضاء وفي الرجم عن قتيبة وفي القضاء والشروط عن يونس بن عبد
الأعلى وعن الحارث بن مسكين وفي الرجم عن محمد بن يحيى وعن محمد بن إسماعيل
وعن عبد العزيز بن سلمة وعن محمد بن رافع. وأخرجه ابن ماجه في الحدود عن أبي بكر
ابن أبي شيبة وهشام بن عمار ومحمد بن الصباح.
ذكر معناه: قوله: ((قال: واغد يا أنيس))، طرف من حديث طويل أخرجه في كتاب

٢١٣
٤٠ - كَتَابُ الوكالَةِ / باب (١٣)
المحاربين في: باب الاعتراف بالزنا، حدثنا علي بن عبد الله أخبرنا سفيان، قال: حفظناه من
الزهري، قال: أخبرني عبيد الله أنه سمع أبا هريرة وزيد بن خالد، قال: كنا عند النبي عَّه
فقام رجل فقال: أنشدك الله إلاَّ قضيت بيننا بكتاب الله، فقام خصمه وكان أفقه منه، فقال:
اقض بيننا بكتاب الله وإيذن لي، قال: قل. قال: إن ابني كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته،
فافتديت منه بمائة شاة وخادم، ثم سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب
عام، وعلى امرأته الرجم. فقال النبي عَّه والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، جل
ذكره: المائة شاة والخادم مردود، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، وأغد يا أنيس على
امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها. فغدا عليها فاعترفت فرجمها ... الحديث، وذكر هنا هذه
القطعة لأجل الترجمة المذكورة. قوله: ((واغدُ)) أمر من: غدا يغدو، وبالغين المعجمة من
الغدو، وهو الذهاب وهو عطف على ما تقدم عليه فى الحديث. قوله: ((يا أنيس)) تصغير
أنس، وهو أنيس بن الضحاك الأسلمي، ويقال: مكبراً، ذكر له عمر حديثاً، وإنما خصه من بين
الصحابة قصداً إلى أنه لا يؤمر في القبيلة إلاَّ رجل منهم لنفورهم عن حكم غيرهم، وكانت
المرأة أسلمية.
واختلف العلماء في الوكالة في الحدود والقصاص، فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى
أنه لا يجوز قبولها في ذلك، ولا يقام الحد والقصاص حتى يحضر المدعي، وهو قول
الشافعي، وقال ابن أبي ليلى وجماعة: تقبل الوكالة في ذلك، وقالوا: لا فرق بين الحدود
والقصاص والديون إلاّ أن يدعي الخصم أن صاحبه قد عفا عنه فتوقف عن النظر فيه حتى
يحضر.
٢٣١٦/١٤ - حدَّثنا ابنُ سَلاَّم قال أخبرنا عَبْدُ الوَهَّابِ النَّقَفِيُ عنْ أَيُّوبَ عنِ ابنِ أبِي
مُلَيْكَة عنْ عُقْبَةَ بنِ الحَارِثِ قالَ جِيءَ بِالنُّعَيْمَانِ أوابنِ النُّعَيْمانِ شارِباً فأمرَ رسولُ اللهَ عَ لَه
منْ كانَ في البَيْتِ أنْ يَضْرِبوا قال فكُنتُ أنا فِيمَنْ ضَرَبَهُ فضَرَبناهُ بالنِّعالِ والجَرِيدِ.
[الحديث ٢٣١٦ - طرفاه في: ٦٧٧٤، ٦٧٧٥].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فأمر من كان في البيت أن يضربوه))، لأن الإمام إذا لم
يتول إقامة الحد بنفسه وولى غيره كان ذلك بمنزلة التوكيل.
ورجاله: محمد بن سلام، قال الكرماني: الصحيح البيكندي البخاري، وهو من أفراده،
وأيوب هو السختياني، وابن أبي مليكة، بضم الميم هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة،
وعقبة بن الحارث بن عامر القرشي النوفلي المكي، له صحبة، أسلم يوم فتح مكة، روى له
البخاري ثلاثة أحاديث.
قوله: ((بالنعيمان))، بالتصغير. قوله: ((أو بابن النعيمان))، شك من الراوي، ووقع عند
الإسماعيلي في رواية: جيء بنعمان أو نعيمان، فشك هل هو بالتكبير أو التصغير، وفي رواية:
بالنعيمان، بغير شك، ووقع عند الزبير بن بكار في النسب من طريق أبي بكر بن محمد بن

٢١٤
٤٠ - كَتَابُ الوكالَةِ / باب (١٤ و١٥)
عمرو بن حزم عن أبيه، قال: كان بالمدينة رجل يقال له النعيمان، يصيب الشراب ... فذكر
الحديث نحوه، وروى ابن منده من حديث مروان بن قيس السلمي من صحابة النبي عَّ اللّه.
أن النبي عَّهِ، مر برجل سكران يقال له نعيمان، فأمر به فضرب ... الحديث، وهو: النعيمان
بن عمرو بن رفاعة بن الحارث بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري
الذي شهد بدراً، وكان مزاحاً وقال ابن عبد البر: إنه كان رجلاً صالحاً، وأن الذي حده
النبي، عَّله، كان ابنه. قوله: ((شارب)، حال، يعني: متصفاً بالشرب، لأنه حين جيء به لم
يكن شارباً حقيقة، بل كان سكران، والدليل عليه ما جاء في الحدود، وهو سكران، وزاد
عليه: فشق عليه.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: أن حد الشرب أخف الحدود، وقال الخطابي: وفيه: أن
حد الخمر لا يستأنى فيه الإقامة كحد الحامل لتضع الحمل. وفيه: إقامة الحدود والضرب
بالنعال والجريد، وكان ذلك في زمن النبي عَ له ثم رتبه عمر، رضي الله تعالى عنه، ثمانين.
١٤ - باب الوَكَالَةٍ في الْبُدْنِ وتَعاهُدِها
أي: هذا باب في بيان حكم الوكالة في أمر البدن التي تهدى، وهو بضم الباء
الموحدة جمع: بدنة. قوله: ((وتعاهدها)) أي: وفي بيان تعاهد البدن، وهو افتقاد أمرها.
٢٣١٧/١٥ _ حدَّثُنا إِسْمَاعِيلُ بنُ عبدِ اللهِ قال حدَّثَنِي مالِكٌ عنْ عَبْدِ اللهِ بن أبي
بَكْرِ ابنِ حَزْم عَنْ عَمْرَةَ بِئْتِ عَبْدِ الرَّحْمنِ أنَّها أخبَرَتْهُ قالت عائشةُ رضي الله تعالى عنها أنا
فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَذْي رسولِ اللهِ عَ لَّهِ بِيَدَيَّ ثُمَّ قَلَّدَها رسولُ اللهِعَلَه بِيَدَيْهِ ثُمَّ بعَثَ بِها معَ
أبِي فَلَمْ يَخْرُمْ على رسولِ اللهِ عَّ ◌َلَّهِ شَيْءٌ أَحَلَّهُ الله لَهُ حَتَّى نُحِرَ الهدْيُ. [انظر الحديث
١٦٩٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في كلا جزأيها ظاهرة، أما في الجزء الأول وهو قوله: ((ثم بعث بها
مع أبي) فإنه، عَِّ، فوض أمرها لأبي بكر، رضي الله تعالى عنه، حين بعث بها. وأما في
الثاني، وهو قوله: ((قلدها بيديه))، لأنه تعاهد منه في ذلك. وإسماعيل بن عبد الله هو
إسماعيل بن أبي أويس المدني، ابن أخت مالك بن أنس. والحديث قد مضى في كتاب
الحج في: باب من قلد القلائد بيده، فإنه أخرجه هناك: عن عبد الله بن يوسف عن مالك ...
إلى آخره، بأتم منه وأطول، وقد مر الكلام فيه هناك.
١٥ - بابٌ إذا قال الرَّجُلُ لِوَكِيلِهِ ضِعْهُ حَيْث أرَاكَ الله
وقال الوَكِيلُ قَدْ سَمِعْتُ ما قُلْتَ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا قال الرجل لوكيله الذي وكله: ضع الشيء الفلاني حيث
أراك الله، يعني في أي موضع شئت. وقال الوكيل: قد سمعت ما قلت لي ووضعه حيث
أراد، وجواب: إذا، محذوف، يعني: جاز هذا الأمر.

٢١٥
٤٠ - كَتَابُ الوكالَةِ / باب (١٦)
١٦/ ٢٣١٨ - حدَّثني يَخْتَى بنُ يَحْتَى قال قَرَأْتُ علَى مالِكِ عنْ إِسْحاقَ بنِ عَبْدِ الله
أَنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مالِكِ رضي الله تعالى عنه يقُولُ كانَ أَبُو طَلْحَةَ أكْثَرَ الأنْصَارِ بِالمَدِينَةِ مالاً
وكانَ أحَبَّ أُمْوالِهِ إِلَيْهِ بِيرُحاءَ وكانت مُستَقْبِلَةَ المَسْجِدِ وكانَ رسولُ الله عَلَّهِ يَدْخُلُها
ويَشْرَبُ من ماءٍ فِيها طَيِّبٍ فلمَّا نَزَلَتْ ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حتَّى تُنْفِقُوا مَمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:
٩٢] قامَ أَبُو طَلْحَةَ إلَى رسولِ اللهِ عَّ] فقالَ يا رسولَ الله إنَّ الله تعَالى يَقولُ في كِتَابِهِ
﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مَمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وإِنَّ أَحَبَّ أُمْوالِي إِلَيَّ بِبِرَحَاءَ
وإِنَّهَا صَدَقَةٌ لله أرْجُو بِرَّها وذَخْرَها عِنْدَ اللهِ فَضَغْهَا يا رسولَ اللهِ حَيْثُ شِئْتَ فقال ◌َبَخِ ذِلِكَ
مالٌ رَائِحٌ قَدْ سَمِعْتُ ما قُلْتَ فِيها وأرَى أنْ تَجْعَلَها في الأَقْرَبِينَ قال أَفْعَلُ يا رسولَ الله
فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ ويَنِي عَمِّه. [انظر الحديث ١٤٦١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قول أبي طلحة للنبي عَّ له: إنها صدقة فضعها يا رسول الله حيث
شئت، فإنه لم ينكر عليه ذلك، وإن كان ما وضعها بنفسه بل أمره أن يضعها في الأقربين،
ويفهم منه أن الوكالة لا تتم إلاَّ بالقبول، ألا ترى أن أبا طلحة قال لرسول الله عَ له: ضعها يا
رسول الله حيث شئت! فأشار عليه أن يجعلها في الأقربين، بعد أن قال: قد سمعت ما قلت
فيها، وقد مضى الحديث في كتاب الزكاة في: باب الزكاة على الأقارب، فإنه أخرجه هناك:
عن عبد الله بن يوسف عن مالك ... إلى آخره نحوه، وأخرجه هنا: عن يحيى بن يحيى بن
بكر بن زياد التميمي الحنظلي شيخ مسلم أيضاً، مات يوم الأربعاء سلخ صفر سنة ست
وعشرين ومائتين، وقد مر الكلام فيه هناك.
قوله: ((رائج)، بالجيم: من الرواج، وقيل: بالحاء، وقيل: بالباء الموحدة.
ومما يستفاد منه: دخول الشارع حوائط أصحابه وشربه من الماء العذب. وفيه: رواية
الحديث بالمعنى.
تابَعَهُ إسْماعِيلُ عنْ مالِكِ
يعني: تابع يحيى بن يحيى إسماعيل بن أبي أويس عن مالك عن أنس، وسيأتي
موصولاً في تفسير آل عمران.
وقال رزځ عن مالِك رابخ
يعني: قال روح بن عبادة في روايته عن مالك: رابح، بالباء الموحدة من الربح، وقد
ذكرنا الآن أن فيه ثلاث روايات.
١٦ - بابُ وَكالةِ الأَمِينِ في الخِزَانَةِ ونَخْوِها
أي: هذا باب في بيان حكم وكالة الرجل الأمين في الخزانة ونحوها.
٢٣١٩/١٧ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ العَلاَءِ قال حدَّثنا أبو أُسَامَةَ عنْ بُرَيْدِ بنِ عَبْدِ اللهِ عنْ
أَبِي بُرْدَةَ عنْ أبِي مُوسَى رضي الله تعالى عنه عن النبيِّ عَّهِ قال الخَازِنُ الأَمِينُ الَّذِي يُنْفِقُ

٢١٦
٤٠ - كَتَابُ الوكالَةِ / باب (١٦)
وزُّمَا قال الَّذِي يُغْطِي ما أُمِرَ بِهِ كامِلاً مُوَفَّراً طَيْبٌ نَفْسُهُ إلى الَّذِي أُمِرَ بِهِ أحَدُ
المُتَصَدِّقِينِ. [انظر الحديث ١٤٣٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، لأن الخازن الأمين مفوض إليه الإنفاق والإعطاء بحسب أمر
الآمر به، ومحمد بن العلاء أبو كريب الهمداني الكوفي شيخ مسلم أيضاً، وأبو أسامة
حماد ابن أسامة، وبريد، بضم الباء الموحدة، وأبو بردة كذلك بضم الباء الموحدة، واسمه
عامر، وقيل: الحارث بن أبي موسى الأشعري، واسم أبي موسى: عبد الله بن قيس،
والحديث ذكره البخاري في كتاب الزكاة في: باب أجر الخادم، بهذا الإسناد والمتن
بعينهما، ومضى الكلام فيه هناك مستوفئ.

بسم الله الرحمن الرحيم
٤١ - كتاب المُزَارَعَةِ
أي: هذا كتاب في بيان أحكام المزارعة، وهي مفاعلة من الزرع، والزراعة هي الحرث
والفلاحة، وتسمى: مخابرة ومحاقلة، ويسميها أهل العراق: القراح، وفي المغرب: القراح من
الأرض كل قطعة على حيالها ليس فيها شجر ولا شائب سبخ، وتجمع على: أقرحة، كمكان
وأمكنة. وفي الشرع: المزارعة عقد على زرع ببعض الخارج، وفي رواية المستملي: كتاب
الحرث، وفي بعض النسخ: كتاب الحرث والزراعة.
١ - بابُ فَضْلِ الزَّرْعِ والْغَرْسِ إِذَا أُكِلَ مِنه
أي: هذا باب في بيان فضل الزراعة وغرس الأشجار إذا أكل منه، أي: من كل واحد
من الزرع والغرس، وهذا القيد لا بد منه لحصول الأجر، وهذه الترجمة كذا في في رواية
النسفي والكشميهني بعد قوله: كتاب المزارعة، إلاَّ أنهما أخرا البسملة عن كتاب المزارعة،
وفي بعض النسخ: باب ما جاء في الحرث والمزارعة، وفضل الزرع، ولم يذكر فيه كتاب
المزارعة، قيل: هو للأصيلي وكريمة.
وقَوْلِهِ تعالَى: ﴿أَفَرَأيْتُمْ ما تَخْرُثُونَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نخنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ
[الواقعة: ٦٣، ٦٥].
خطاما﴾
وقوله، بالجر عطف على قوله: فضل الزرع، وذكر هذه الآية لاشتمالها على الحرث
والزرع، وأيضاً تدل على إباحة الزرع من جهة الامتنان به، وفيها وفي الآيات التي قبلها رد
وتبكيت على المشركين الذين قالوا: نحن موجودون من نطفة حدثت بحرارة كائنة، وأنكروا
البعث والنشور بأمور ذكرت فيها، من جملتها قوله: أفرأيتم ما تحرثون؟ أي تثيرون في الأرض
وتعملون فيها وتطرحون البذار، آآنتم تزرعونه أي تنبتونه وتردونه نباتاً ينمي إلى أن يبلغ الغاية.
قوله تعالى: ﴿لو نشاء لجعلناه حطامً﴾ [الواقعة: ٦٥]. أي: هشيماً لا ينتفع به ولا تقدرون
على منعه، وقيل: نبتاً لا قمح فيه، ﴿فظلتم تفكهون﴾. [الواقعة: ٦٥] أي: تفجعون، وقيل:
تحزنون، وهو من الأضداد، تقول العرب: تفكهت أي تنعمت وتفكهت، أي: حزنت، وقيل:
التفكه التكلم فيما لا يعنيك، ومنه قيل للمزاح: فكاهة، وأخذوا من قوله: أم نحن الزارعون؟
أن لا يقول أحد: زرعت، ولكن يقول: حرثت، وفي (تفسير النسفي) عن رسول الله عَ ليه:
((لا يقولن أحدكم: زرعت، وليقل: حرثت)). قال أبو هريرة: ((ألم تسمعوا قول الله تعالى:
﴿أفرأيتم ما تحرثون أنتم تزرعونه أم نحن الزارعون﴾ [الواقعة: ٦٣، ٦٤]. قلت: هذا
الحديث أخرجه ابن أبي حاتم من حديث أبي هريرة مرفوعاً، وفي تفسير عبد بن حميد عن
أبي عبد الرحمن، يعني السلمي، أنه كره أن يقال: زرعت، ويقول حرثت.
٢٣٢٠/١ _ حدَّثنا قُتَئِيَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدثنا أبو عَوَانَةً ح وحدَّثني عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ
٢١٧

٢١٨
٤١ - كتاب المُزَارَعَةِ / باب (١)
المُبَارَكِ قال حدَّثنا أبو عَوانَةَ عنْ قَتَادَةَ عنْ أَنَسِ رضي الله تعالى عنهُ قال قال رسولُ الله
عَِّ ما مِنْ مُسلِمٍ يَغْرِسُ غَرْساً أوْ يَزْرَعُ زَرْعاً فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إلاَّ كانَ
لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ. [الحديث ٢٣٢٠ - طرفه في: ٦٠١٢].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وأخرجه بطريقين عن شيخين: أحدهما: عن قتيبة عن أبي
عوانة، بفتح العين المهملة الوضاح بن عبد الله اليشكري عن قتادة. والآخر: عن عبد الرحمن
ابن المبارك بن عبد الله العبسي، وهو من أفراده، ويروي عن قتادة.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الأدب عن أبي الوليد. وأخرجه مسلم في البيوع
عن يحيى بن يحيى. وأخرجه الترمذي في الأحكام عن قتيبة.
وقال: وفي الباب عن أبي أيوب، وأم مبشر، وجابر، وزيد بن خالد. قلت: أما حديث:
أبي أيوب فأخرجه أحمد في (مسنده) من رواية الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي
أيوب الأنصاري عن رسول الله عَ لَّه أنه قال: ((ما من رجل يغرس غرساً إلاَّ كتب الله له من
الأجر قدر ما يخرج من ثمر ذلك الغرس)). وأما حديث أم مبشر فأخرجه مسلم في أفراده من
رواية أبي معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن أم مبشر عن النبي عَّه بنحو حديث
عطاء، وأبي الزبير وعمرو بن دينار عن جابر، ولم يسق لفظه. وأما حديث جابر فأخرجه مسلم
أيضاً في أفراده من رواية عبد الملك بن سليمان العزرمي عن عطاء عن جابر، قال: قال رسول
الله عٍَّ: ((ما من مسلم يغرس غرساً إلاَّ كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له
صدقة، وما أكل السبع فهو له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة، ولا يزراه أحد إلاَّ
كان له صدقة)). وأخرجه أيضاً من رواية الليث عن أبي الزبير عن جابر: أن النبي عَّه دخل
على أم معبد - أو أم مبشر - الأنصارية في نخل لها، فقال لها النبي عَّةٍ: ((من غرس هذا
النخل أمسلم أم كافر؟ فقالت: بل مسلم، فقال: ((لا يغرس مسلم غرساً، ولا يزرع زرعاً
فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلاَّ كانت له صدقة)). وأخرجه أيضاً من رواية زكريا ابن
إسحاق أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع جابر بن عبد الله، يقول: دخل النبي عَّله على أم
معبد ولم يشك، فذكر نحوه، قلت: أم مبشر هذه هي امرأة زيد بن حارثة، كما ورد في
(الصحيح) في بعض طرق الحديث، وقال أبو عمرو: يقال: إنها أم بشر بنت البرار بن معرور،
وقال النووي: ويقال: إن فيها أيضاً أم بشير، قال: فحصل أنه يقال لها أم مبشر وأم معبد وأم
(١)
بشير، قيل: اسمها خليدة، بضم الخاء ولم يصح. وأما حديث زيد بن خالد ..
وقال شيخنا في شرح هذا الحديث: وفي الباب مما لم يذكره الترمذي عن أبي
الدرداء والسائب بن خلاد ومعاذ بن أنس وصحابي لم يسم. وأما حديث أبي الدرداء فرواه
أحمد في (مسنده) عنه: أن رجلاً مر به وهو يغرس غرساً بدمشق، فقال: أتفعل هذا وأنت
صاحب رسول الله، عَّه؟ قال: لا تعجل علي، سمعت رسول الله عَ لّه يقول: ((من غرس
(١) هكذا بياض في جميع الأصول.

٢١٩
٤١ - كتاب المُزَارَعَةِ / باب (١)
غرساً لم يأكل منه آدمي ولا خلق من خلق الله إلاَّ كان له به صدقة)). وأما حديث
السائب ابن خلاد فأخرجه أحمد أيضاً من رواية خلاد بن السائب عن أبيه، قال: قال رسول
الله عَّلِ: ((من زرع زرعاً فأكل منه الطير أو العافية كان له صدقة)). وأما حديث معاذ بن
أنس، فأخرجه أحمد أيضاً عنه عن رسول الله عَ لَّم أنه قال: ((من بنى بيتاً في غير ظلم ولا
اعتداء، أو غرس غرساً في غير ظلم ولا اعتداء، كان له أجراً جارياً ما انتفع من خلق الرحمن
تبارك وتعالى أحد))، ورواه ابن خزيمة في كتاب التوكل. وأما حديث الصحابي الذي لم
يسم، فرواه أحمد أيضاً من رواية: فنج، بفتح الفاء وتشديد النون وبالجيم، قال: كنت أعمل
في الدينباد وأعالج فيه، فقدم يعلى بن أمية أميراً على اليمن، وجاء معه رجال من أصحاب
النبي عَّه، فجاءني رجل ممن قدم معه، وأنا في الزرع، وفي كمه جوز، فذكر الحديث،
وفيه فقال رجل: سمعت رسول الله عَّم بأذني هاتين يقول: ((من نصب شجرة فصبر على
حفظها والقيام عليها حتى تثمر كان له في كل شيء يصاب من ثمرها صدقة، عند الله، عز
وجل)). قلت: وعند يحيى بن آدم: حدثنا عبد السلام بن حرب حدثنا إسحاق بن أبي فروة
عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن أبي أسيد، يرفعه: ((من زرع زرعاً أو غرس غرساً فله أجر ما
أصابت منه العوافي)) وذكر علي بن عبد العزيز في (المنتخب) بإسناد حسن عن أنس، رضي
الله تعالى عنه، قال رسول الله عَ ل: ((إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فاستطاع أن لا
تقوم حتى يغرسها فليغرسها)).
ذكر ما يستفاد منه: فيه: فضل الغرس والزرع، واستدل به بعضهم على أن الزراعة
أفضل المكاسب، واختلف في أفضل المكاسب، فقال النووي: أفضلها الزراعة، وقيل: أفضلها
الكسب باليد، وهي الصنعة، وقيل: أفضلها التجارة، وأكثر الأحاديث تدل على أفضلية
الكسب باليد. وروى الحاكم في (المستدرك) من حديث أبي بردة، قال: ((سئل رسول الله
عَ لَّه: أي الكسب أطيب؟ قال: عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور)). وقال: هذا حديث
صحيح الإسناد، وقد يقال: هذا أطيب من حيث الحل، وذاك أفضل من حيث الانتفاع العام،
فهو نفع متعد إلى غيره، وإذا كان كذلك فينبغي أن يختلف الحال في ذلك باختلاف حاجة
الناس، فحيث كان الناس محتاجين إلى الأقوات أكثر، كانت الزراعة أفضل، للتوسعة على
الناس، وحيث كانوا محتاجين إلى المتجر لانقطاع الطرق كانت التجارة أفضل، وحيث
كانوا محتاجين إلى الصنائع أشد، كانت الصنعة أفضل، وهذا حسن. وفيه: أن الثواب
المترتب على أفعال البر في الآخرة يختص بالمسلم دون الكافر، لأن القرب إنما تصح من
المسلم، فإن تصدق الكافر أو بنى قنطرة للمارة أو شيئاً من وجوه البر لم يكن له أجر في
الآخرة، وورد في حديث آخر: أنه يطعم في الدنيا بذلك، ويجازى به من دفع مكروه عنه،
ولا يدخر له شيء منه في الآخرة.
فإن قلت: قوله عَّلَّم في بعض طرق هذا الحديث: ما من عبد وهو يتناول المسلم والكافر.
قلت: يحمل المطلق على المقيد. وفيه: أن المرأة تدخل في قوله: ما من مسلم، لأن هذا

٢٢٠
٤١ - كتاب المُزَارَعَةِ / باب (١)
اللفظ من الجنس الذي إذا كان الخطاب به يدخل فيه المرأة، لأنه معَّلِ لم يرد بهذا اللفظ أن
المسلمة إذا فعلت هذا الفعل لم يكن لها هذا الثواب، بل المسلمة في هذا الفعل في استحقاق
الثواب مثل المسلم سواء. وفيه: حصول الأجر للغارس والزارع، وإن لم يقصدا ذلك، حتى لو
غرس وباعه أو زرع وباعه كان له بذلك صدقة لتوسعته على الناس في أقواتهم، كما ورد الأجر
للجالب، وإن كان يفعله للتجارة والاكتساب. فإن قلت: في بعض طرق حديث جابر عند
مسلم: إلاَّ كانت له صدقة إلى يوم القيامة، فقوله: إلى يوم القيامة، هل يريد به أن أجره لا
ينقطع إلى يوم القيامة، وإن فني الزرع والغراس؟ أو يريد ما بقي من ذلك الزرع والغراس
منتفعاً به، وإن بقي إلى يوم القيامة؟ قلت: الظاهر أن المراد الثاني. وزاد النووي: أن ما يولد
من الغراس والزرع كذلك، فقال فيه: إن أجر فاعل ذلك مستمر ما دام الغراس والزرع وما
يولد منه إلى يوم القيامة. وفيه: أن الغرس والزرع واتخاذ الصنائع مباح وغير قادح في الزهد،
وقد فعله كثير من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، وقد ذهلب قوم من المتزهدة إلى أن
ذلك مكروه وقادح في الزهد، ولعلهم تمسكوا في ذلك بما رواه الترمذي عن ابن مسعود
مرفوعاً: ((لا تتخذوا الضيعة فتركنوا إلى الدنيا))، وقال: حديث حسن، ورواه ابن حبان أيضاً
في (صحيحه). وأجيب بأن هذا النهي محمول على الاستكثار من الضياع والانصراف إليها
بالقلب الذي يفضي بصاحبه إلى الركون إلى الدنيا. وأما إذا اتخذها غير مستكثر وقلل منها،
وكانت له كفافاً وعفافاً، فهي مباحة غير قادحة في الزهد، وسبيلها كسبيل المال الذي استثناه
النبي عَ لّه بقوله: ((إلاَّ من أخذه بحقه ووضعه في حقه)). وفيه: الحض على عمارة الأرض لنفسه
ولمن يأتي بعده .. وفيه: جواز نسبة الزرع إلى الآدمي، والحديث الذي ورد فيه المنع غير قوي،
وفيه: قال الطيبي: نكر مسلماً فأوقعه في سياق النفي، وزاد: من، الاستغراقية، وعم الحيوان
ليدل على سبيل الكناية، على أن أي مسلم كان حراً أو عبداً مطيعاً أو عاصياً يعمل أي عمل من
المباح ينتفع بما عمله أي حیوان كان، يرجع نفعه إليه ويثاب عليه.
وقال لَنَا مُسْلِمٌ قال حدَّثنا أبانُ قال حدَّثُنا أنَسّ عنِ النبيِّ عَّ}.
كذا وقع: قال لنا مسلم، في رواية أبي ذر والأصيلي وكريمة، وفي رواية النسفي
وآخرين: وقال مسلم، بدون لفظ: لنا، ومسلم هو ابن إبراهيم الأزدي الفراهيدي مولاهم
القصاب البصري، وهو من أفراده، وأبان بن يزيد العطار، وقال صاحب (التلويح): كذا ذكره
عن شيخه مسلم بغير لفظ التحديث حتى قال بعض العلماء: إنه معلق، وأبى ذلك الحافظ أبو
نعيم، فزعم أن البخاري روى عنه هذا الحديث. وأتى به لتصريح قتادة فيه بسماعه من أنس
ليسلم من تدليس قتادة. وأخرجه مسلم أيضاً عن عبد بن حميد: حدثنا مسلم بن إبراهيم
حدثنا أبان بن يزيد العطار حدثنا قتادة ((حدثنا أنس بن مالك: أن نبي الله عَ ليه دخل نخلاً
لأم مبشر - امرأة من الأنصار - فقال رسول الله عَّةٍ: من غرس هذا النخل؟ مسلم أو كافر؟
قالوا: مسلم). بنحوهم، يعني: بنحو حديث جابر وأنس وأم معبد، وقد ذكرناه عن قريب،
وقيل: إن البخاري لا يخرج لأبان إلاَّ استشهاداً. وأجيب: بأنه ذكر هنا إسناده ولم يسق متنه،