النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ ٣٩ - كتابُ الحَوالاتِ / باب (٤) عليهم وصار لهم بيت مال صلى على من مات وعليه دين ويوفيه منه. ٤ - باب الْكفالة في الْقَرْض والدُّيُونِ بالأَبِدانِ وَغَيْرِها أي هذا باب في بيان حكم الكفالة في القرض والديون أي ديون المعاملات وهو من باب عطف العام على الخاص. قوله: ((بالأبدان)) يتعلق بالكفالة. قوله: ((وغيرهما)) أي وغير الأبدان وهي الكفالة بالأموال وفي بعض النسخ باب الكفالة في القروض والديون، ووجه إدخال هذا الباب في كتاب الحوالة من حيث أن الحوالة من حيث أن الحوالة والكفالة التي هي الضمان متقاربان لأن كلا منهما نقل دين من ذمة إلى ذمة وقد مر الكلام فيه عن قريب. وقال المهلب الكفالة بالقرض الذي هو السلف بالأموال كلها جائزة وحديث الخشبة الملقاة في البحر أصل في الكفالة بالديون من قرض كانت أو بيع. وقال أبوُ الزِّناد عنْ مُحَمَّدٍ بِن عَمرٍو الأَسْلَمِيِّ عن أبيهِ أَنَّ عُمَر رضي الله عنه بَعَثَهُ مُصَدِّقًّا فَوَقَعَ رَجُلٌ على جارِيَةِ امْرَأْتِهِ فَأخَذَ حَمْزَةُ مِنَ الرَّجُلِ كَفيلاً حتَّى قَدِمَ على عُمَرَ وكانَ عُمَرُ قَدْ جَلَدَهُ مِائَةَ جِلْدَةٍ فَصَدَّقَهُمْ وَعَذَرَهُ بالجَهالَةِ. مطابقته للترجمة في قوله: ((فأخذه حمزة من الرجل كفيلاً))، وأبو الزناد، بكسر الزاي وتخفيف النون: عبد الله بن ذكوان وقد تكرر ذكره، ومحمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي حجازي ذكره ابن حبان في (الثقات)، وروى له النسائي في اليوم والليلة، وأبو داود والطحاوي وأبو حمزة بن عمرو بن عويمر بن الحارث الأعرج الأسلمي، يكنى أبا صالح، وقيل: أبا محمد مات سنة إحدى وستين وله صحبة ورواية. وهذا التعليق وصله الطحاوي، فقال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا ابن أبي الزناد، قال: حدثني أبي عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي عن أبيه: أن عمر، رضي الله تعالى عنه، بعثه مصدقاً على سعد بن هذيم، فأتى حمزة بمال ليصدقه، فإذا رجل يقول لامرأته: أدي صدقة مال مولاك، وإذا المرأة تقول له: بل أنت فأدّ صدقة مال أبيك، فسأله حمزة عن أمرها وقولهما: فأخبر أن ذلك الرجل زوج تلك المرأة، وأنه وقع على جارية لها، فولدت ولداً فأعتقته امرأته، قالوا: فهذا المال لابنه من جاريتها، فقال له حمزة لأرجمنك بالحجارة، فقيل له: أصلحك الله، إن أمره قد رفع إلى عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، فجلده عمر مائة ولم ير عليه الرجم، فأخذ حمزة بالرجل كفيلاً حتى يقدم على عمر فيسأله عما ذكر من جلد عمر إياه ولم ير عليه رجماً، فصدقهم عمر بذلك، من قولهم، وقال: إنما درأ عنه الرجم عذره بالجهالة. انتهى. قوله: ((مصدقاً) بتشديد الدال المكسورة على صيغة اسم الفاعل من التصديق، أي: أخذ الصدقة عاملاً عليها، فصدقهم، بالتخفيف أي: صدق الرجل للقوم واعترف بما وقع منه، لكنه اعتذر بأنه لم يكن عالماً بحرمة وطىء جارية امرأته أو بأنها جاريتها، لأنها التبست واشتبهت بجارية نفسه أو بزوجته، أو صدق عمر الكفلاء فيما كانوا يدعونه أنه قد جلده مرة عمدة القاري/ ج١٢ م١١ ١٦٢ ٣٩ - كتابُ الحَوالاتِ / باب (٤) لذلك، ويحتمل أن يكون الصدق بمعنى الإكرام كقوله تعالى: ﴿في مقعد صدق﴾ [القمر: ٥٥]. أي: كريم، فمعناه: فأكرم عمر، رضي الله تعالى عنه، الكفلاء وعذر الرجل بجهالة الحرمة أو الاشتباه. قوله: ((فأخذ حمزة من الرجل كفيلاً)، ليس المراد من الكفالة ههنا الكفالة الفقهية، بل المراد التعهد والضبط عن حال الرجل. وقال ابن بطال: كان ذلك على سبيل الترهيب على المكفول ببدنه والاستيثاق، لا أن ذلك لازم للكفيل إذا زال المكفول به، واستفيد من هذه القصة مشروعية الكفالة بالأبدان، فإن حمزة بن عمرو صحابي، وقد فعله ولم ينكر عليه عمر، رضي الله تعالى عنه، مع كثرة الصحابة حينئذ، وإنما جلد عمر، رضي الله تعالى عنه، للرجل مائة تعزيراً وكان ذلك بحضرة أصحاب رسول الله عَ ليه. وقال ابن التين: فيه شاهد لمذهب مالك في مجاوزة الإمام في التعزير قدر الحد، ورد عليه بأنه فعل صحابي عارضه مرفوع صحيح فلا حجة فيه. قلت: هذا الباب فيه خلاف بين العلماء، فمذهب مالك وأبي ثور وأبي يوسف في قول الطحاوي: إن التعزير ليس له مقدار محدود، ويجوز للإمام أن يبلغ به ما رآه وأن يتجاوز به الحدود. وقالت طائفة: التعزير مائة جلدة فأقل. وقالت طائفة: أكثر التعزير مائة جلدة إلاّ جلدة. وقالت طائفة: أكثره تسعة وتسعون سوطاً فأقل، وهو قول ابن أبي ليلى، وأبي يوسف في رواية. وقالت طائفة: أكثره ثلاثون سوطاً. وقالت طائفة: أكثره عشرون سوطاً. وقالت طائفة: لا يتجاوز بالتعزير تسعة، وهو بعض قول الشافعي. وقالت طائفة: أكثره عشرة أسواط فأقل لا يتجاوز به أكثر من ذلك، وهو قول الليث بن سعد والشافعي وأصحاب الظاهر، وأجابوا عن الحديث المرفوع، وهو قوله، عَّله: ((لا يجلد فوق عشر جلدات إلاَّ في حد من حدود الله))، بأنه في حق من يرتدع بالردع، ويؤثر فيه أدنى الزجر كأشراف الناس وأشراف أشرافهم، وأما السفلة وأسقاط الناس فلا يؤثر فيهم عشر جلدات ولا عشرون، فيعزرهم الإمام بحسب ما يراه، وقد ذكر الطحاوي حديث حمزة بن عمرو المذكور في: باب الرجل يزني بجارية امرأته، فروى في أول الباب حديث سلمة بن المحبق: أن رجلاً زنى بجارية امرأته، فقال النبي، عَّ: ((إن كان استكرهها فهي حرة وعليه مثلها، وإن كانت طاوعته فهي له وعليه مثلها)). ثم قال: فذهب قوم إلى هذا الحديث، وقالوا: هذا هو الحكم فيمن زنى بجارية امرأته. قلت: أراد بالقوم: الشعبي وعامر بن مطر وقبيصة والحسن، ثم قال الطحاوي: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل نرى عليه الرجم إن كان محصناً، والجلد: إن كان غير محصن. قلت: أراد بالآخرين هؤلاء جماهير الفقهاء من التابعين، ومن بعدهم منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأصحابهم، ثم أجابوا عن حديث سلمة بن المحبق أنه منسوخ بحديث النعمان بن بشير، رواه الطحاوي وأبو داود والترمذي وابن ماجه ولفظ أبي داود: أن رجلاً يقال له عبد الرحمن بن حنين وقع على جارية امرأته، فرفع إلى النعمان بن بشير، وهو أمير على الكوفة، فقال: لأقضين فيك بقضية رسول الله، عَُّلّه، إن كانت أحلَّتها لك جلدتك ١٦٣ ٣٩ - كتابُ الحوالاتِ / باب (٤) مائة، وإن لم تكن أحلَّتها لك رجمتك بالحجارة، فوجدوها أحلَّتها له، فجلده مائة. قال الطحاوي: فثبت بهذا ما رواه سلمة بن المحبق، قالوا: قد عمل عبد الله بن مسعود بعد رسول الله عَّ ل مثل ما في حديث سلمة فأجاب عن هذا بقوله: وخالفه في ذلك حمزة بن عمرو الأسلمي، وساق حديثه على ما ذكرناه آنفاً، وقال أيضاً: وقد أنكر علي، رضي الله تعالى عنه، على عبد الله بن مسعود في هذا قضاءه بما قد نسخ، فقال: حدثنا أحمد بن الحسن، قال: حدثنا علي بن عاصم عن خالد الحذاء عن محمد بن سيرين، قال: ذكر لعلي، رضي الله تعالى عنه، شأن الرجل الذي أتى ابن مسعود وامرأته، وقد وقع على جارية امرأته، فلم ير عليه حداً، فقال علي: لو أتاني صاحب ابن أم عبد لرضخت رأسه بالحجارة، لم يدرِ ابن أم عبد ما حدث بعده، فأخبر علي، رضي الله تعالى عنه، أن ابن مسعود تعلق في ذلك بأمر قد كان ثم نسخ بعده، فلم يعلم ابن مسعود بذلك، وقد خالف علقمة بن قيس النخعي عن عبد الله بن مسعود في الحكم المذكور، وذهب إلى قول من خالف عبد الله، والحال أن علقمة أعلم أصحاب عبد الله بعبد الله وأجلهم، فلو لم يثبت نسخ ما كان ذهب إليه عبد الله لما خالف قوله، مع جلالة قدر عبد الله عنده. وقال جرِيرٌ والأشْعَثُ لِعَبْدِ اللهِ بن مَسْعُودٍ في المُزْتَدِّينَ اسْتَتِبْهُمْ وكَفِّلْهُمْ فتابُوا وكَفَلَهُمْ عَشَائِرُهُمْ مطابقته للترجمة في قوله: ((وكفلهم)) ولا خلاف في جواز الكفالة بالنفس، جرير هو ابن عبد الله البجلي، والأشعث بن قيس الكندي الصحابي، وهذا التعليق مختصر من قصة أخرجها البيهقي بطولها من طريق أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب، قال: صليت الغداة مع عبد الله بن مسعود، فلما سلم قام رجل فأخبره أنه انتهى إلى مسجد بني حنيفة، فسمع مؤذن عبد الله بن نواحة يشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال عبد الله: علي بابن النواحة وأصحابه، فجيء بهم، فأمر قريظة بن كعب فضرب عنق ابن النواحة، ثم استشار الناس في أولئك النفر، فأشار إليه عدي بن حاتم بقتلهم، فقام جرير والأشعث فقالا: بل استتبهم وكفلهم عشائرهم، وروى ابن أبي شيبة من طريق قيس بن أبي حازم أن عدة المذكورين كانوا مائة وسبعين رجلاً، ومعنى التكفيل هنا ما ذكرناه في حديث حمزة بن عمرو: الضبط والتعهد حتى لا يرجعوا إلى الارتداد، لا أنه كفالة لازمة. وقال حَمَّادٌ إِذَا تَكَفَّلَ بِنَفْسٍ فَمَات فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ وقال الحَكَمُ يَضْمَن حماد هو ابن أبي سليمان، واسمه مسلم الأشعري أبو إسماعيل الكوفي الفقيه، وهو أحد مشايخ الإمام أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه، وأكثر الرواية عنه، وثقه يحيى بن معين والنسائي وغيرهما، مات سنة عشرين ومائة. والحكم، بفتحتين: هو ابن عتيبة، ومذهبه أن الكفيل بالنفس يضمن الحق الذي على المطلوب، وهو أحد قولي الشافعي. وقال مالك والليث والأوزاعي إذا تكفل بنفسه، وعليه مال فإنه لم يأتِ به غرم المال، ويرجع به على ١٦٤ ٣٩ - كتابُ الحَوالاتِ / باب (٤) المطلوب، فإن اشترط ضمان نفسه أو وجهه وقال: لا أضمن المال فلا شيء عليه من المال. ٢٢٩١ _ قال أبُو عَبْدِ اللهِ وقال اللَّيْثُ حدَّثني جَعْفَرُ بنُ رَبِيعَةَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ هُرْمُزَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنْ رسولِ اللهِ عَِّ أنَّهُ ذَكَرَ رَجُلاً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلٌ سألَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ فقال اثْنِي بالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ فَقال كَفَى بِالله شَهِيداً قال فأُتْنِي بالْكَفِيلِ قال كَفَى بالله كَفِيلاً قال صَدَقْتَ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى فَخَرَجَ فِي البَحْرِ فَقَضَى حاجَتَهُ ثُمَّ التَّمَسَ مَرْكَباً يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلأَجَلِ الَّذِي أَجَلَهُ فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبَاً فأخذَ خَشبةً فنَقَرَها فأدْخَلَ فِيها أَلْفَ دِينَارٍ وصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صاحِبِهِ ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَها ثُمَّ أتى بِها إلى البَحْرِ فقال اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلاناً أَلْفَ دِينَارٍ فَسَأْلَنِي كَفِيلاً فَرَضِيَ بِكَ وسَأَلَنِي شَهِيداً فَرَضِيَ بِكَ وأَنِّي جَهَدْتُ أنْ أَجِدَ مَرْكَباً أَبْعَثُ إِلَيهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أقْدِرْ وإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا فَرَمى بِها فِي الْبَحْرِ حتَّى وَلَجْتْ فِيهِ ثُمَّ انْصَرَفَ وهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَباً يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ فخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أُسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكِباً قَدْ جاءَ بِالِهِ فَإِذَا بالخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا المالُ فَأَخَذَهَا لأَهْلِهِ حَطَباً فَلَمَّا نَشَرَهَا وجدَ المَالَ والصَّحِيفَةَ ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ فأتى بالألفِ دِينَارٍ فقال والله ما زِلْتُ جاهِداً في طلَبٍ مَوْكَبٍ لَآتِيكَ بِمَالِكَ فَما وَجدْتُ مَرْكَباً قَبْل الَّذِي أَتَيثُ فِيهِ قال هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ قال أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَوْكَباً قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ قال فإِنَّ الله قدْ أدَّى عنْكَ الَّذِي بَعَنْتَ فِي الخَشَبَةِ فانصَرِفْ بِالأَلْفِ الدِّينَارِ راشِداً. [انظر الحديث ١٤٩٨ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فسألني كفيلاً)). وأبو عبد الله هو البخاري نفسه، وعلقه عن الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة القرشي المصري عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة، ومضى هذا الحديث في كتاب الزكاة في: باب ما يستخرج من البحر، وعلقه فيه أيضاً عن الليث عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج، ولكنه مختصر، وكذلك ذكره معلقاً عن الليث نحوه مختصراً في كتاب البيوع في: باب التجارة في البحر، وقد ذكرنا هناك أنه أخرجه أيضاً في الاستقراض، واللقطة والشروط والاستئذان، ومر البحث فيه هناك مستقصى، ونذكر هنا أيضاً أشياء لزيادة التوضيح والبيان، وقال بعضهم: إنه ذكر رجلاً من بني إسرائيل لم أقف على اسمه، لكن رأيت في (مسند الصحابة الذين نزلوا مصر) لمحمد بن الربيع الجيزي، له بإسناد له فيه مجهول عن عبد الله بن عمرو بن العاص يرفعه أن رجلاً جاء إلى النجاشي فقال له: أسلفني ألف دينار إلى أجل، فقال: من الحميل بك؟ قال: الله، فأعطاه الألف وضرب بها الأجل، أي: سافر بها في تجارة، فلما بلغ الأجل أراد الخروج إليه فحبسته الريح، فعمل تابوتاً، فذكر الحديث نحو حديث أبي هريرة، قال هذا القائل: واستفدنا منه أن الذي أقرض هو النجاشي، فيجوز أن يكون نسبته إلى بني إسرائيل بطريق الاتباع لهم، لا أنه من نسلهم، انتهى. قلت: انتهى هذا الكلام في البعد إلى حد السقوط، لأن السائل والمسؤول منه كلاهما ١٦٥ ٣٩ - كتابُ الحَوالاتِ / باب (٥) من بني إسرائيل على ما يصرح به ظاهر الكلام، وبين الحبشة وبني إسرائيل بُعد عظيم في النسبة وفي الأرض، ويبعد أن يكون ذلك الانتساب إلى بني إسرائيل بطريق الإتباع، وهذا يأباه من له نظر تام في تصرفه في وجوه معاني الكلام، على أن الحديث المذكور ضعيف لا يعمل به فافهم. قوله: ((مركباً)) أي: سفينة، قوله: ((يقدم))، بفتح الدال، وهو جملة حالية. قوله: ((وصحيفة))، أي: مكتوباً. قوله: ((زجج)) بالزاي والجيم، قال الخطابي: أي: سوى موضع النقر وأصلحه، ومن من تزجيج الحواجب، وهو حذف زوائد الشعر، وقال عياض: ومعناه سمرها بمسامير كالزج، أو حشى شقوق لصاقها بشيء ورقعه بالزج. قوله: ((تسلفت فلاناً)، قال بعضهم: كذا وقع هنا، والمعروف تعديته بحرف الجر، كما وقع في رواية الإسماعيلي: استلفت من فلان. قلت: تنظيره باستلفت غير موجه، لأن: تسلفت، من باب التفعل، واستسلفت من باب الاستفعال، وتفعل يأتي للمتعدي بلا حرف الجر: كتوسد التراب، واستسلفت معناه: طلبت منه السلف، ولا بد من حرف الجر. قوله: ((فرضي بذلك)) هذه رواية الكشميهني وفي رواية غيره ((فرضي به)) ورواية الاسماعيلي ((فرضي بك)). قوله: (جهدت) بفتح الجيم والهاء. قوله: ((حتى ولجت فيه)) بتخفيف اللام أي: حتى دخلت في البحر، من الولوج وهو الدخول. قوله: ((وهو في ذلك))، الواو فيه للحال. قوله: ((يلتمس)) أي: يطلب. قوله: ((ينظر))، جملة حالية. قوله: ((فإذا بالخشبة)) كلمة: إذا، للمفاجأة. قوله: ((حطبا)، نصب على أنه مفعول لفعل محذوف تقديره: فأخذها لأجل أهله يجعلها حطباً للإيقاد. قوله: ((فلما نشرها))، أي: قطعها بالمنشار، وفي رواية النسائي: ((فلما كسرها))، وفي رواية أبي سلمة ((وغدا رب المال يسأل عن صاحبه كما كان يسأل، فيجد الخشبة فيحملها إلى أهله، فقال: أوقدوا هذه، فكسروها فانتثرت الدنانير منها والصحيفة، فقرأها وعرف)). قوله: ((فانصرف بالألف الدينار))، وهذا على مذهب الكوفيين. و: ((راشدَاً)) نصب على الحال من فاعل انصرف. ذكر ما يستفاد منه: فيه: جواز التحدث عما كان في زمن بني إسرائيل، وقد جاء: ((تحدَّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج عليكم)). وفيه: جواز التجارة في البحر وجواز ركوبه. وفيه: جواز أجل القرض، احتج به من يرى بذلك، ومن منعه يقول: القرض إعارة والتأجيل فيها غير لازم، لأنها تبرع، وأما الذي في الحديث فكان على سبيل المسامحة لا على طريق الإلزام. وفيه: طلب الشهود في الدين وطلب الكفيل به. وفيه: فضل التوكل على الله، وأن من صح توكله تكفل الله بنصره وعونه قال عز وجل: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ [الطلاق: ٣]. وفيه: أن جميع ما يوجد في البحر فهو لواجده ما لم يعلمه ملكاً لأحد. ٥ - بابُ قَوْلِ الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣]. أي: هذا باب في بيان معنى قول الله تعالى: ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾ [النساء: ١٦٦ ٣٩ - كتابُ الحَوالاتِ / باب (٥) ٣٣]. وكأنه أشار بهذه الترجمة إلى أن الكفالة التزام بغير عوض تطوعاً فتلزم كما لزم استحقاق الميراث بالحلف الذي وجد على وجه التطوع، وأول الآية: ﴿ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيداً﴾ [النساء: ٣٣]. قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو صالح وقتادة وزيد بن أسلم والسدي والضحاك ومقاتل بن حيان: ﴿ولكل جعلنا موالي﴾ [النساء: ٣٣]. أي: ورثة. وعن ابن عباس في رواية: أي عصبة، وقال ابن جرير: العرب تسمي ابن العم مولى، وقال الزجاج: المولى كل من يليك وكل من والاك في محبة فهو مولى لك. قلت: لفظ المولى مشترك يطلق على معانٍ كثيرة، يطلق على المنعم والمعتِق والمعتَق والجار والناصر والصهر والرب والتابع، وزاد ابن الباقلاني في (مناقب الأئمة): المكان والقرار، وأما بمعنى الولي فكثير، ولا يعرف في اللغة بمعنى الإمام. قوله: ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾ [النساء: ٣٣]. قال البخاري في التفسير: عاقدت، هو مولى اليمين وهو الحلف، وذكر ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب والحسن البصري وجماعة آخرين أنهم الحلفاء، وقال عبد الرزاق: أنبأنا الثوري عن منصور عن مجاهد في قوله: ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾ [النساء: ٣٣]. قال: كان هذا حلفاً في الجاهلية. قوله: ﴿عاقدت﴾ [النساء: ٣٣]. من المعاقدة، مفاعلة من عقد الحلف، وقرىء: عقدت، هو حلف الجاهلية كانوا يتوارثون به ونسخ بآية المواريث. وفي (تفسير) عبد بن حميد من حديث موسى بن عبيدة عن عبد الله بن عبيدة: العقد خمسة: عقدة النكاح، وعقدة الشريك لا يخونه ولا يظلمه، وعقدة البيع، وعقدة العهد. قال الله عز وجل: ﴿أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١]. وعقدة الحلف، قال الله عز وجل: ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾ [النساء: ٣٣]. وفي (تفسير) مقاتل: كان الرجل يرغب في الرجل فيحالفه ويعاقده على أن يكون معه وله من ميراثه كبعض ولده، فلما نزلت آية المواريث جاء رجل إلى النبي عَِّ فذكر له ذلك، فنزلت: ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾ [النساء: ٣٣]. الآية، يعني: أعطوهم الذي سميتم له من المواريث، وعن عكرمة: ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾ [النساء: ٣٣]. الآية ... كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب، فيرث أحدهما الآخر، فنسخ ذلك في الأنفال: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ [الأنفال: ٧٥]. وفي رواية أحمد أنها نزلت في أبي بكر وابنه عبد الرحمن، رضي الله تعالى عنهما، حين أبى الإسلام، فحلف أبو بكر أن لا يورثه. فلما أسلم أمره الله عز وجل: أن يورثه نصيبه. وقال أبو جعفر النحاس: الذي يجب أن يحمل عليه حديث ابن عباس المذكور في الباب أن يكون ﴿ولكل جعلنا موالي﴾ [النساء: ٣٣]. ناسخاً لما كانوا يفعلونه، وأن يكون ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾ [النساء: ٣٣]. غير ناسخ ولا منسوخ. وقال الحسن وقتادة: إنها منسوخة، ومثله يروى عن ابن عباس. وممن قال: إنها محكمة: مجاهد وسعيد بن جبير، وبه قال أبو حنيفة: وقال: هذا الحكم باقٍ غير منسوخ، وجمع بين الآيتين بأن جعل أولي الأرحام أولى من أولياء المعاقدة، فإذا فقد ذوو الأرحام ورث المعاقدون وكانوا أحق به من بيت المال. قوله: ﴿إن الله كان على كل شيء ١٦٧ ٣٩ - كتابُ الحَوالاتِ / باب (٥) شهيدا﴾ [النساء: ٣٣]. يعني: إن الله شاهد بينكم في تلك العهود والمعاقدات ولا تنشئوا بعد نزول هذه الآية معاقدة. ٢٢٩٢/١ - حدَّثنا الصَّلْتُ بنُ مُحَمَّدٍ قال حدثنا أبو أُسامَةَ عنْ إذْرِيسَ عنْ طَلْحَةَ بنِ مُصَرِّفٍ عنْ سَعِيدِ بنِ مُجُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما ﴿وَلِكُلِّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ [النساء: ٣٣]. قال ورَثَةٌ ﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣]. قال كانَ المُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا المَدِينَةَ يَرِثُ المُهَاجِرُ الأنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلأُخُوَّةِ الَِّي أَخَى النبيُّ عَلَه بَيْنَهُمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَلِكُلِّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ [النساء: ٣٣]. نَسَخَتْ ثُمَّ قال ﴿وَالَّذِينَ عاقَدَتْ أَمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣]. إلّ النَّصْرَ والرِّفَادَةَ والنَّصِيحَةَ وقَدْ ذَهَبَ المِيرَاثُ ويُوصَى لَهُ. [الحديث ٢٢٩٢ - طرفاه في: ٤٥٨٠، ٦٧٤٧]. وجه دخول هذا الحديث في الكفالة والحوالة ما قيل: إن الكفيل والغريم الذي وقعت الحوالة عليه ينتقل الحق عليه كما ينتقل ههنا حق الوارث عنه إلى الحلف، فشبه انتقال الحق على المكلف بانتقاله عنه، أو باعتبار أن أحد المتعاقدين كفيل عن الآخر، لأنه كان من جملة المعاقدة، لأنهم كانوا يذكرون فيها: تطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عنك، وأما وجه المطابقة بين الترجمة والحديث فظاهر. ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: الصلت، بفتح الصاد المهملة وسكون اللام وفي آخره تاء مثناة من فوق: ابن عبد الرحمن أبو همام الخارقي، مر في: باب إذا لم يتم السجود. الثاني: أبو أسامة حماد بن أسامة، وقد تكرر ذكره. الثالث: إدريس بن يزيد - من الزيادة - الأودي، بفتح الهمزة وسكون الواو وبالدال المهملة. الرابع: طلحة بن مصرف، بلفظ اسم الفاعل من التصريف، بمعنى: التغيير: ابن عمرو اليامي من بني يام، مر في كتاب البيوع في: باب ما يتنزه من الشبهات. الخامس: سعيد بن جبير. السادس: عبد الله بن عباس، رضي الله تعالى عنهما. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: أن شيخه بصري والبقية كوفيون. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي، وطلحة بن مصرف روى عن عبد الله بن أبي أوفى. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن الصلت ابن محمد أيضاً، وفي الفرائض عن إسحاق بن إبراهيم. وأخرجه أبو داود والنسائي جميعاً في الفرائض عن هارون بن عبد الله. ذكر معناه: قوله: ((قال: ورثة)) أي: فسر ابن عباس الموالي بالورثة، وكذا فسرها جماعة من التابعين، كما ذكرناه عن قريب. قوله: ((قال))، أي: ابن عباس: كان المهاجرون .. إلى آخره. قوله: ((دون ذوي رحمه))، أي: ذوي أقربائه. قوله: ((للأخوة)) أي: لأجل الأخوة التي آخى النبي عَّمه بمد الهمزة، يقال: آخاه يؤاخيه مؤاخاة وإخاء بالكسر: إذا جعل بينهما ١٦٨ ٣٩ - كتابُ الحَوالاتِ / باب (٥) أخوة، والأخوة مصدر يقال: أخوت تأخوا إخوة. قوله: ((بينهم)) أي: بين المهاجرين والأنصار. قوله: ((فلما نزلت))، أي: الآية التي هي قوله تعالى: ﴿ولكل جعلنا موالي﴾ [النساء: ٣٣]. نسخت آية الموالي آية المعاقدة. قوله: ((إلا النصر))، مستثنى من الأحكام المقدرة في الآية المنسوخة، أي: تلك الآية حكم نصيب الإرث لا النصر والرفادة، بكسر الراء أي: المعاونة، والرفادة أيضاً شيء كان تتوافد به قريش في الجاهلية، يخرج مالاً يشترى به للحاج طعام وزبيب للنبيذ، ويجوز أن يكون هذا استثناء منقطعاً أي: لكن النصر ونحوه باقٍ ثابت. قوله: ((وقد ذهب الميراث)) أي: من المتعاقدين. قوله: ((ويوصي له))، على صيغة المعلوم والمجهول، والضمير في: له، يرجع إلى الذي كان يرث الميت بالأخوة، وعن ابن المسيب: نزلت هذه الآية: ﴿ولكل جعلنا موالي﴾ [النساء: ٣٣]. في الذين كانوا يتبنون رجالاً غير أبنائهم ويورثونهم، فأنزل الله تعالى فيهم أن يجعل لهم نصيب في الوصية، ورد الميراث إلى الموالي من ذوي الرحم والعصبة، وأبى أن يجعل للمدعين ميراث من أدعاهم وتبناهم، ولكن جعل لهم نصيباً في الوصية. ٢/ ٢٢٩٣ _ حدَّثنا قُتَئِبَةُ قال حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أَنَسٍ رضي الله تعالى عنه قال قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ عَوْفٍ فَآخَى رسولُ اللهِ عَُّلِّ بَيْنَهُ وبَيْنَ سَعْدِ بنِ الرّبيع. [انظر الحديث ٢٠٤٩ وأطرافه]. هذا الحديث قد مضى في أوائل كتاب البيوع، فإنه أخرجه هناك: عن أحمد بن يونس عن زهير عن حميد عن أنس، وهنا أخرجه: عن قتيبة بن سعيد عن إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير أبي إبراهيم الأنصاري المؤدب المديني عن حميد الطويل ... إلى آخره، وقد مر الكلام فيه هناك. ٢٢٩٤/٣ _ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الصَّبَّاح قال حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ زَكَرِيَّاءَ قالَ حدَّثنا عاصِمٌ قال قُلْتُ لِأَنَسٍ رضي الله تعالى عنهُ أَبْلُغَكَ أنَّ النّبِيَّ عَِّ قال لاَ حِلْفَ فِي الإسلامِ فقال قَدْ حالَفَ النبيُّ عَّلَّهِ بَيْنَ قُرَيْشٍ والأنصَارِ فِي دارِي. [الحديث ٢٢٩٤ - طرفاه في: ٦٠٨٣، ٧٣٤٠]. ٠ لذكر هذا الحديث فى هذا الباب وجه ظاهر، ومحمد بن الصباح، بتشديد الباء الموحدة: أبو جعفر الدولابي، أصله هروي نزل بغداد وإسماعيل بن زكريا أبو زياد الأسدي الخلقاني الكوفي، وعاصم هو ابن سليمان الأحول. والحديث أخرجه البخاري في الاعتصام عن مسدد عن عباد بن عباد. وأخرجه مسلم في الفضائل عن محمد بن الصباح عن حفص بن غياث، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وأخرجه أبو داود في الفرائض عن مسدد عن سفيان بن عيينة. قوله: ((أبلغك؟)) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار. قوله: ((لا حلف))، بكسر الحاء المهملة وسكون اللام، وفي آخره فاء، وهو العهد يكون بين القوم، والمعنى: أنهم لا ١٦٩ ٣٩ - كتابُ الحَوالاتِ / باب (٦) يتعاهدون في الإسلام على الأشياء التي كانوا يتعاهدون عليها في الجاهلية، ويدل عليه ما رواه مسلم من حديث سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جبير بن مطعم مرفوعاً: لا حلف في الإسلام، وإنما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلاَّ شدة، وقال ابن سيده: معنى لا حلف في الإسلام أي: لا تعاهد على فعل شيء كانوا في الجاهلية يتعاهدون، والمحالفة في حديث أنس هي الإخاء، قاله ابن التين. قال: وذلك أن الحلف في الجاهلية هو بمعنى النصرة في الإسلام. وقال الطبري في (التهذيب): فإن قيل: قد قال عَ لَّهِ: ((لا حلف في الإسلام))، وهو يعارض قول أنس: حالف رسول الله عَّ له بين قريش والأنصار في داري بالمدينة، قيل له: هذا كان في أول الإسلام، آخى بين المهاجرين والأنصار. قال: والذي قال فيه ما كان من حلف فلن يزيده الإسلام إلاَّ شدة، يعني: ما لم ينسخه الإسلام ولم يبطله حكم القرآن، وهو التعاون على الحق والنصرة والأخذ على يد الظالم. ٦ - بابُ مَنْ تَكَفَّلَ عنْ مَيْتٍ دَيْناً فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ أي: هذا باب في بيان من تكفل عن ميت ديناً كان عليه فليس له أن يرجع عن الكفالة لأنها لزمته واستقر الحق في ذمته. قيل يحتمل أن يريد فليس له أن يرجع في التركة بالقدر الذي تكفل به. قلت: قد ذكرنا أن فيه اختلاف العلماء، فقال ابن أبي ليلى: الضمان لازم سواء ترك الميت شيئاً أم لا. وقال أبو حنيفة: لا ضمان عليه، فإن ترك الميت شيئاً ضمن بقدر ما ترك، وإن ترك وفاء ضمن جميع ما تكفل به. ولا رجوع له في التركة لأنه متطوع. وقال مالك: له الرجوع إذا دعاه. وبه قالَ الحَسَنُ أي: بعدم الرجوع قال الحسن البصري، وهو قول الجمهور من العلماء. ٢٢٩٥/٤ _ حدَّثنا أبو عاصِم عنْ تَزِيدَ بنِ أبِي عُبَيْدٍ عنْ سَلَمَةَ بنِ الأْوَع رضي الله تعالى عنهُ أنَّ النبيَّ عَّلْهِ أَتِي بِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّ عَلَّيْهَا فقال هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ قالوا لا فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فقال هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ قالوا نَعَمْ قال صَلُّوا عَلى صاحِبِكُمْ. قال أَبُو قَتَادَةَ عَلَيَّ دَيْنُهُ يا رسول الله فَصَلَّى عليْهِ. [انظر الحديث ٢٢٨٩]. مطابقته للترجمة في قوله: ((قال أبو قتادة علي دينه))، والحديث قد مضى بأتم منه في: باب إذا أحال دين الميت على رجل جاز، قبل هذا الباب ببابين، فإنه أخرجه هناك: عن المكي بن إبراهيم عن يزيد بن أبي عبدة عن سلمة إلى آخره، وهنا أخرجه: عن أبي عاصم وهو الضحاك بن مخلد النبيل، قال الكرماني: هذا الحديث ثامن ثلاثيات البخاري. قلت: هذا الحديث قد مر مرة كما ذكرناه الآن فلا يكون هذا ثامناً، بل سابعاً، وذكر هذا الحديث هناك في الحوالة وذكره ههنا في الكفالة لأنهما متحدان عند البعض أو متقاربان، ثم إنه اقتصر في هذا الطريق على ذكر جنازتين من الأموات، وهنا ذكر ثلاثة، وقد ساقه الإسماعيلي هنا أيضاً تاماً وزاد فيه: أنه معَّلَّم قال: ثلاث كيات، وكأنه ذكر ذلك لكونه كان من أهل ١٧٠ ٣٩ - كتابُ الحَوالاتِ / باب (٦) الصفة فلم يعجبه أن يدخر شيئاً. ٢٢٩٦/٥ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عبدِ الله قال حدَّثنا سُفْيانُ قال حدَّثنا عَمْرٌو وقال سَمِعَ محَمَّدَ بنَ عَلِيّ عنْ جابرِ بنِ عَبدِ اللهِ رضي الله تعالى عنهم قال قال النبيُّ عٍَّ لَوْ قدْ جاءَ مالُ البَحْرَيْنِ قَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وهَكِذَا فَلَمْ يَجِيءٍ مالُ البَحْرَيْنِ حتَّى قِبِضَ النبيُّ عَ لِّ فَلَمَّا جاءَ مالُ البَحْرَيْنِ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ فَنَادَى منْ كانَ لَهُ عِنْدَ النبيِّ عَّهِ عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ إِنَّ النبيَّ عَ لِ قال لي كَذَا وكذَا فَحَثَى لِي حَثْيَهُ فَعَدَدْتُها فإذَا هِيَ خَمْسُمِائَةٍ وقال خُذْ مِثْلَيْهَا. [الحديث ٢٢٩٦ - أطرافه في: ٢٥٩٨، ٢٦٨٣، ٣١٢٧، ٣١٦٤، ٤٣٨٣]. مطابقته للترجمة من حيث إن أبا بكر، رضي الله تعالى عنه، كما قام مقام النبي، عَ ◌ّه، تكفل بما كان عليه من واجب أو تطوع، فلما التزم ذلك لزمه أن يوفي جميع ما عليه من دين وعدة، وكان عَّ ◌ُله يحب الوفاء بالوعد، ونفذ أبو بكر ذلك. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: علي بن عبد الله المعروف بابن المديني. الثاني: سفيان بن عيينة. الثالث: عمرو بن دينار. الرابع: محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه. الخامس: جابر بن عبد الله. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: السماع. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: أن شيخه وشيخ شيخه مدنيان وسفيان وعمرو مكيان. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي وعمرو بن دينار روى كثيراً عن جابر، وههنا كان بينهما واسطة هو: محمد بن علي. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري في الخمس عن علي بن عبد الله أيضاً، وفي المغازي عن قتيبة وفي الشهادات عن إبراهيم بن موسى. وأخرجه مسلم في فضائل النبي عَِّ عن إسحاق بن إبراهيم وعن محمد بن يحيى وعن محمد بن حاتم وعن محمد بن المنكدر. ذكر معناه: قوله: ((لو قد جاء))، ومعنى: قد، ههنا لتحقق المجيء. قوله: ((مال البحرين))، والمراد بالمال مال الجزية، والبحرين على لفظ تثنية البحر، موضع بين البصرة وعمان، وكان العامل عليها من جهة النبي عَّهِ العلاء بن الحضرمي. قوله: ((قد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا)) وفي الشهادات: فبسط يده ثلاث مرات. قوله: ((عدة)) أي: وأصل عدة وعد، فلما حذفت الواو عوضت عنها الياء في آخره فوزنه على هذا علة. قوله: ((فحثى لي حثية))، بفتح الحاء المهملة، والحثية ملء الكف، وقال ابن قتيبة: هي الحفنة. وقال ابن فارس: هي ملء الكفين والفاء في: فحثى، عطف على محذوف تقديره: خذ هكذا، وأشار بيديه، وفي الواقع هو تفسير لقوله: خذ هكذا. قوله: ((وقال خذ مثليها))، أي: قال أبو بكر: خذ أيضاً مثلي خمسمائة، فالجملة ألف وخمسمائة، وذلك لأن جابراً لما قال: إن النبي عَّه. قال لي: كذا وكذا، وكان النبي عَّه قال له: لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا ١٧١ ٣٩ - كتابُ الحَوالاتِ / باب (٧) وهكذا، ثلاث مرات، حتى له أبو بكر حثية، فجاءت خمسمائة، ثم قال: خذ مثليها، ليصير ثلاث مرات تنفيذاً لما وعده النبي، عَّه، بقوله: هكذا، ثلاث مرات، وكان ذلك وعداً من النبي، عَّهِ، وكان من خلقه الوفاء بالعهد، ونفذه أبو بكر بعد وفاته، عَّه. وقال بعضهم: وفيه: قبول خبر الواحد العدل من الصحابة ولو جر ذلك نفعاً لنفسه، لأن أبا بكر لم يلتمس من جابر شاهداً على صحة دعواه. انتهى. قلت: إنما لم يلتمس شاهداً منه لأنه عدل بالكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران: ١٠]. ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً﴾ [البقرة: ١٤٣]. فمثل جابر إن لم يكن من خير أمة فمن يكون. وأما السنة: فقوله عَّله: ((من كذب علي متعمداً .. )) الحديث، ولا يظن ذلك لمسلم. فضلاً عن صحابي، فلو وقعت هذه المسألة اليوم فلا تقبل إلاَّ ببينة. وقال هذا القائل أيضاً: ويحتمل أن يكون أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، علم بذلك فقضى له بعلمه فيستدل به على جواز مثل ذلك للحاكم. انتهى. قلت: هذا الباب فيه تفصيل وليس على الإطلاق، لأن علم القاضي على أنواع. منها: ما يعلم به قبل البلوغ وقبل الولاية من الأقوال التي يسمعها والأفعال التي يشاهدها. ومنها: ما يعلمها بعد البلوغ قبل الولاية. ومنها: ما يعلمه بعد الولاية ولكن في غير عمله الذي وليه. ومنها: ما يعلمه بعد الولاية في عمله الذي وليه. ففي الفصل الأول: لا يقضي بعلمه مطلقاً. وفي الفصل الثاني: خلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه، فعند أبي حنيفة: لا يقضي، وعندهما: يقضي إلاّ في الحدود والقصاص، وعن الشافعي قولان، وفي الثاني: لا يقضي أيضاً، وفي الرابع: يقضي بلا خلاف. وقال ابن التين: في الحديث جواز هبة المجهول والآبق والكلب، وفي (حاوي) الحنابلة: وتصح هبة المشاع، وإن تعذرت قسمته، وفي (الروضة) للشافعية: تجوز هبة المشاع سواء المنقسم أو غيره، وسواء وهبه للشريك أو غيره، ويجوز هبة الأرض المزروعة مع زرعها ودون زرعها وعكسه. انتهى، وعندنا: لا تجوز الهبة فيما لا يقسم إلاَّ محوزة أي: مفرغة عن أملاك الواهب حتى لا تصح هبة الثمر على الشجر والزرع على الأرض بدون الشجر والأرض، وكذا العكس، وهبة المشاع فيما لا يقسم جائزة. وفيه: العدة، فجمهور العلماء منهم أبو حنيفة والشافعي وأحمد على أن إنجاز العدة مستحب، وأوجه الحسن وبعض المالكية، وقد استدل بعض الشافعية بهذا الحديث على وجوب الوفاء بالوعد في حق النبي عَّم لأنهم زعموا أنه من خصائصه، ولا دلالة فيه أصلاً لا على الوجوب ولا على الخصوصية. ٧ - بابُ جُوَارٍ أبِي بَكْرٍ فِي عَهْدِ النبيِّ عَلَه وعَقْدِهِ أي: هذا باب في بيان جوار أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، بضم الجيم وكسرها والمراد به: الزمام والأمان. قوله: ((في عهد النبي، عَّلِ))، أي: في زمنه. قوله: ١٧٢ ٣٩ - كتابُ الحَوالاتِ / باب (٧) ((وعقده)» أي: عقد أبي بكر، رضي الله تعالى عنه. ٦/ ٢٢٩٧ _ حدَّثنا يَخيَى بنُ بُكَيْرٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلِ قال ابنُ شِهابٍ فأخبَرَنِيٍ عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها زَوْجَ النبيِّ عَلَّهِ قَالَتْ لَمْ أَعْقل أَبَوَيَّ إلاَّ وهُمَا يَدِينانِ الدِّين. وقال أبو صالحِ حدَّثني عبدُ الله عنْ يُونُسَ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرني عُزْوَةُ بنُ الزُّبِيْرِ أنَّ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ لَمْ أَعْقَلْ أَبَوَيَّ قَطُّ إلاَّ وهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ وَلَمْ يَمُوَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلاَّ يأْتِينَا فِيهِ رسولُ اللهِ عَلّ طَرَفَيّ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً فَلَمَّا ابْتُلِيَ المُسْلِمُونَ خرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِراً قِبَلَ الحَبَشَةِ حتَّى إِذا بلَغَ بَرِكَ الْغِمَادِ لَقِيَّهُ ابنُ الدَّغِنَةِ وهْوَ سَيِّدُ الْقَارَةِ فقال أَيْنَ تريدُ يا أَبًا بَكْرٍ فقال أبو بَكْرٍ أُخْرَجَنِي قَوْمِي فأنا أَرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الأَرْضِ فأعْبُدَ رَبِّي قال ابنُ الدَّغِنَةِ إِنَّ مِثْلَكَ لاَ يَخْرُجُ ولاَ يُخْرَجُ فإنَّكَ تَكْسِبُ المَعْدُومَ وتصِلَّ الرَّحِمَ وتَحْمِلُ الْكَلَّ وتَقْرِي الضَّيْفَ وتُعينُ علَى نَوائِبِ الحَقِّ وأنا لَكَ جارٌ فَارْجِعْ فاعْبُدْ رَبَّكَ بِيِلادِكَ فَارْتَحَلَ ابنُ الدَّغِنَةِ فَرَجَعَ معَ أَبِي بَكْرٍ فَطافَ في أَشْرَافٍ كُفَّارٍ قُرَيْشٍ فقال لَهُمْ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لاَ يَخْرُجُ مِثْلَهُ ولاَ يُخْرَجُ أَتُخْرِ جُونَ رجُلاً يَكْسِبُ المَعْدُومَ وَيَصِلُ الرَّحِمَ ويَحْمِلُ الْكَلَّ ويقْرِي الصَّيْفَ ويُعِينُ علَى نَوائِبِ الحَقِّ فَأَنْفَذَتْ قُرَيْشٌ جوَارَ ابنِ الدَّغِنَةِ وَآمَنُوا أبَا بَكْرٍ وقالُوا لابنِ الدَّغِنَةِ مُرْ أبًا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَلْيُصلِّ ولْيَقْرأ ما شاءً ولاَ يُؤْذِينا بِذَلِكَ وَلاَ يَسْتَعْلِنْ بِهِ فَإِنَّا قَدْ خَشِينَائِي أَنْ يَفْتَنَ أَبْنَاءَنا ونساءَنا قال ذَلِكَ ابنُ الدَّغِنَةِ لأَبِي بَكْرٍ فِطَفِقَ أبو بَكْرٍ يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي دَارِهِ وَلا يَسْتَعْلِنُ بِالصَّلاةِ وَلاَ القِرَاءَةِ فِي غَيْرِ دَارِهِ ثُمَّ بِدَا لأَبِي بِكْرٍ فابْتَنِى مَسْجِداً بِفِناءِ دَارِهِ وبَرَزَ فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأَ القُرْآنَ فَيَتَقَصَّفُ عَلَيْهِ نِساءُ المُشْرِكِينَ وأبناؤُهُمْ يَعْجَبُونَ ويَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وكانَ أَبُو بَكْرٍ رَجلاً بَكَّاءٌ لاَ يَمْلِكُ دَمْعَهُ حِينَ يقرَأُ القُرآنَ فأفْزِعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ فَأرْسَلُوا إلى ابنِ الدَّغِنَةِ فَقَدِم عَلَيْهِمْ فقالُوا لَهُ إِنَّا كُنَّا أجرْنا أبَا بَكْرٍ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ وإنَّهْ جاوَزَ ذَلِكَ فَابْتَنَى مَسْجِداً بِفناءِ دَارِهِ وأعْلَنَ الصَّلاَةَ والْقِراءَةَ وقدْ خَشِينا أنْ يَفْتِنَ أَبْنَاءَنا ونِسَاءَنا فأَتِهِ فإنَّ أحَبَّ أنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فَي دَارِهِ فَعَلَ وإِنْ أَبَى إلاَّ أن يُعْلِنَ ذَلِكَ فَسَلْهُ أَنْ يَرُدِّ إلَيْكَ ذِمَّتِكَ فإِنَّا كَرِهْنَا أنْ نُخْفِرَكَ ولَسْنا مُقِرِّينَ لأَبِي بَكْرِ الاسْتِعْلانَ قالتْ عَائِشَةُ فَأَتَى ابنُ الدَّغِنَةِ أبَا بَكْرٍ فقال قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ فإمّا أنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ وإِمَّا أنْ تَرُدَّ إِلَيَّ ذِمَّتِي فإِنِّي لا أُحِبُّ أنْ تَسْمَعَ العَرَبُ أَنِّي أُخْفِرْتُ فِي رَبّجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ قال أبُو بَكْرٍ إِنِّي أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ وأَرْضَى بِجَوَارِ الله ورَسولُ اللهِ عَلِ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ فقال رسولُ اللهِ عَ لَّ قَدْ أُرِيتُ دَارَ مِجْرَتِكُمْ رَأيْتُ سَبْخَةً ذاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لاَبَتَيْنِ وَهُما الحَرَّتَانِ فَهَاجَرَ منْ هاجَرَ قِبَلَ المَدِينَةِ حِينَ ذَكَرَ ذَلِكَ رسولُ اللهِ عَّهِ وَرَجَعَ إلى المَدِينَةِ بَعْضُ منْ كانَ هاجَرَ إِلَى أَرْضِ الحَبَشَةِ وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ مُهاجِراً فقال له رسولُ اللهِ عَّهِ عَلَى رِسْلِكَ فإِنِّي أَرْجُو أن يُؤْذَنَ لِي قال أَبُو بَكْرٍ هَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأبِي أَنْتَ قال نَعَمْ فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رسولِ الله عَ لَه لِيَصْحَيَهُ وعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كانَا عِنْدَهُ ورَقَ السَّمُرِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. [انظر الحديث ٤٧٦ وأطرافه]. ١٧٣ ٣٩ - كتابُ الحَوالاتِ / باب (٧) مطابقته للترجمة من حيث إن المجير ملتزم للمجار أن لا يؤذي من جهة من أجار منه وكان ضمن له أن لا يؤذي وأن تكون العهدة في ذلك عليه، وبهذا يحصل الجواب عما قيل، كان المناسب أن يذكر هذا في كفالة الأبدان كما ناسب ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾ [النساء: ٣٣]. كفالة الأموال. ذكر رجاله: وهم تسعة: الأول: يحيى بن بكير، هو يحيى بن عبد الله بن بكير أبو زكريا المخزومي. الثاني: الليث بن سعد. الثالث: عقيل، بضم العين: ابن خالد. الرابع: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. الخامس: عروة بن الزبير بن العوام. السادس: أبو صالح، واختلف في اسمه، فقال أبو نعيم والأصيلي والجيان وآخرون: إنه سليمان بن صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث وقال الدمياطي: هو أبو صالح محبوب بن موسى الفراء. قيل: المعتمد على الأول لأنه وقع في رواية ابن السكن عن الفربري عن البخاري، قال: قال أبو صالح سلمويه: حدثنا عبد الله بن المبارك. السابع: عبد الله بن المبارك. الثامن: يونس بن يزيد. التاسع: أم المؤمنين عائشة، رضي الله تعالى عنها. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: القول في ستة مواضع. وفيه: أن شيخه مذكور بنسبته إلى جده، وأنه والليث وأبا صالح على قول من يقول: إنه كاتب الليث مصريون، وعقيل إيلي والزهري وعروة مدنيان وعبد الله بن المبارك وأبو صالح، على قول من يقول: إنه سلمويه، مروزيان، وعبد الله على قول من يقول: أبو صالح كاتب الليث، هو عبد الله بن وهب، مصري. وقد مضى صدر هذا الحديث في أبواب المساجد في: باب المسجد يكون في الطريق، فإنه أخرجه هناك: عن يحيى بن بكير عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة زوج النبي، عَّه، قالت: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان ... الحديث مختصراً. ذكر معناه: قوله: ((قال ابن شهاب: فأخبرني عروة))، فيه محذوف. وقوله: ((فأخبرني))، عطف عليه تقديره: قال ابن شهاب: أخبرني كذا وكذا، وعقيب ذلك أخبرني بهذا. قوله: ((قال أبو عبد الله))، هو البخاري نفسه. قوله: ((وقال أبو صالح: حدثني عبد الله)، هذا تعليق سقط من رواية أبي ذر، وساق الحديث عن عقيل وحده. قوله: ((لم أعقل أبوي))، أي: لم أعرف، يعني ما وجدتهما منذ عقلت إلاَّ متدينين بدين الإسلام. قوله: ((قط))، بتشديد الطاء المضمومة للنفي في الماضي، تقول ما رأيته قط. وقال أبو علي: وقد تجزم إذا كانت بمعنى التعليل، وتضم وتثقل إذا كانت في معنى الزمن والحين من الدهر، تقول: لم أر هذا قط، وليس عندي إلاّ هذا فقط. قوله: ((وهما يدينان الدين)، أي: يطيعان الله، وذلك أن مولدها بعد البعث بسنتين، وقيل: بخمس، وقيل: بسبع، ولا وجه له لإجماعهم أنها كانت حين هاجر النبي، عَّهِ، بنت ثمان، وأكثر ما قيل أن مقامه بمكة بعد البعث ثلاث عشرة سنة، وإنما يصح خمس على قول من يقول: أقام ثلاث عشرة سنة، وسنتين على قول من يقول: أقام ١٧٤ ٣٩ - كتابُ الحَوالاتِ / باب (٧) عشراً بها، وتزوجها وهي بنت ست، وقيل: سبع، وبنى بها وهي بنت تسع، ومات عنها وهي بنت ثماني عشر سنة، وعاشت بعده ثمان وأربعين سنة. قوله: ((فلما ابتلى المسلمون)) أي: بإيذاء المشركين. قوله: ((خرج أبو بكر مهاجراً) أي: حال كونه مهاجراً. وقال الأزهري: أصل المهاجرة عند العرب خروج البدوي من البادية إلى المدن، يقال: هاجر البدوي إذا حضر وأقام كأنه ترك الأولى للثانية. قوله: ((حتى إذا بلغ برك الغماد))، بفتح الباء الموحدة على الأكثر، ويروى بكسرها وبسكون الراء وبالكاف، وفي (المطالع): وبكسر الباء، وقع للأصيلي والمستملي وأبي محمد الحموي، قال: وهو موضع بأقاصي هجر، والغماد، بكسر الغين وضمها. كذا ذكره ابن دريد. وفي (معجم) البكري، قال أحمد بن يعقوب الهمداني: برك الغماد في أقصى اليمن. قال أبو محمد: برك ونعام موضعان في أطراف اليمن. وقال الهجري: برك من اليمامة. وقيل:' إن البرك - والبريك - مصغراً لبني هلال بن عامر. قوله: ((ابن الدغنة))، بفتح الدال المهملة وكسر الغين المعحجمة وفتح النون المخففة، على مثال الكلمة، ويقال: بضم الدال والغين وتشديد النون، ويقال: بفتح الدال وسكون الغين، وفي المطالع عند المروزي: الدغنة، بفتح الدال وبفتح الغين. قال الأصيلي: كذا قرأناه، وعند القابسي: الدغنة، بفتح الدال وكسر الغين وتخفيف النون، وحكى الجياني فيه الوجهين، ويقال: ابن الدثنة أيضاً، وتسكن الثاء أيضاً، والدغنة: اسم أمه، ومعناه لغة: الغيم الممطر، والدثنة الكثيرة اللحم المسترّخية. وقال ابن إسحاق: واسمه ربيعة بن رفيع. قوله: ((وهو سيد القارة))، بالقاف وتخفيف الراء: قبيلة موصوفة بجودة الرمي. وفي (المطالع): القارة بنو الهون ابن خزيمة. قلت: خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر، سموا بذلك لأنهم في بعض حربهم لبني بكر صفوا في قارة، وقال ابن دريد: القارة أكمة سوداء فيها حجارة. قوله: ((أن أسيح))، أي: أن أسير، يقال: ساح في الأرض يسيح سياحة إذا ذهب فيها، وأصله من السيح، وهو الماء الجاري المنبسط على الأرض. قوله: ((لا يَخرُج))، على بناء الفاعل ((ولا يُخرج))، على بناء المفعول. قوله: ((تكسب المعدوم)) أي: تكسب معاونة الفقير، وتحقيقه مر في كتاب الإيمان. قوله: ((وتحمل الكل))، بفتح الكاف وتشديد اللام، وهو الثقل، أي: ثقل العجزة، كذا فسره الكرماني. وفي (المغرب): الكل اليتيم، ومن هو عيال وثقل على صاحبه. قوله: ((وتقري الضيف))، بفتح التاء من: قرى يقري، من باب: ضرب يضرب، تقول: قريت قرّى، مثل: قليته قلّى، وقراءً: أحسنت إليه، إذا كسرت القاف قصرت، وإذا فتحت مددت. وفي (المطالع): القرى، بالكسر مقصوراً ما يهيأ للضيف من طعام، ونزل. وقال القالي: إذا فتحت أوله مددته. قوله: ((على نوائب الحق))، النوائب: جمع نائبة. وهي ما ينوب الإنسان، أي: ينزل به من المهمات والحوادث، من نابه ينوبه شيء إذا نزل به واعتراه. قوله: ((وأنا لك جار))، أي مجير، وفي (الصحاح): الجار الذي أجرته من أن يظلمه ظالم. وقال تعالى: ﴿وإني جار لكم﴾ [الأنفال: ٤٨]. والمعنى هنا: أنا مؤمنك ممن أخافك منهم، وفي (المغرب): أجاره يجيره إجارة: إغاثة، والهمزة للسلب، والجار المجير والمجار. ١٧٥ ٣٩ - كتابُ الحَوالاتِ / باب (٧) قوله: ((فرجع مع أبي بكر، رضي الله تعالى عنه))، وكان القياس أن يقال: رجع أبو بكر معه، عكس المذكور، ولكن هذا من إطلاق الرجوع وإرادة لازمه الذي هو المجيء، أو: هو من قبيل المشاكلة، لأن أبا بكر كان راجعاً، وأطلق الرجوع باعتبار ما كان قبله بمكة. قوله: ((فطاف))، أي: ابن الدغنة ((في أشراف كفار قريش)) أي: ساداتهم، وهم جمع شريف، وشريف القوم سيدهم وكبيرهم. قوله: ((أتخرجون؟))، بضم التاء: من الإخراج، والهمزة للاستفهام على سبيل الإنكار. قوله: ((يكسب المعدوم)) جملة في محل النصب لأنها صفة لقوله: رجلاً، وما بعده عطف عليها. قوله: ((فأنفذت))، بالذال المعجمة أي: أمضوا جواره ورضوا به ((وآمنوا أبا بكر)) أي: جعلوه في أمن - ضد الخوف - قوله: ((مُر))، أمر من: يأمر. قوله: ((فليعبد))، قيل: الفاء، لا معنى لها هنا، وقيل: تقديره: مر أبا بكر ليعبد ربه، فليعبد ربه، قاله الكرماني قلت: هذا الذي ذكره أيضاً لا معنى له، لأنه لا يفيد زيادة شيء، بل تصلح الفاء أن تكون جزاء شرط، تقديره: مر أبا بكر إذا قبل ما تشترط عليه فليعبد ربه في داره. قوله: ((بذلك))، إشارة إلى ما ذكر من الصلاة والقراءة. قوله: ((ولا يستعلن به))، أي: بالمذكور من الصلاة والقراءة، والاستعلان: الجهر، ولكن مرادهم الجهر بدينه وصلاته وقراءته. قوله: ((أن يفتن))، بفتح الياء آخر الحروف من الفتنة، يقال: فتنته أفتنه فتناً وفتوناً. ويقال: أفتنه، وهو قليل، والفتنة تستعمل على معانٍ كَثِيرة، وأصلها الامتحان، والمراد هنا أن يخرج أبناءهم ونساءهم مما هم فيه من الضلال إلى الدين. وقوله: ((أبناءنا)) منصوب لأنه مفعول لقوله: أن يفتن ((قال ذلك)) أي: قال ابن الدغنة: وذلك إشارة إلى ما شرط أشراف قريش عليه. قوله: ((فطفق أبو بكر))، بكسر الفاء، يقال: طفق يفعل كذا، مثل جعل يفعل كذا، وهو من أفعال المقاربة، ولكنه من النوع الذي يدل على الشروع فيه، ويعمل عمل كان، وقال صاحب (التوضيح): يقال: طفق يفعل كذا، مثل: ظل. قلت: ليس كذلك، لأن ظل من الأفعال الناقصة، وقال صاحب (الأفعال): طفق ما نسي طفوقاً إذا دام فعله ليلاً ونهاراً، ومنه قوله تعالى: ﴿فطفق مسحاً﴾ [ص: ٣٣]. الآية، وفيه نظر ((ثم بدا لأبي بكر))، أي: ظهر له رأي في أمره بخلاف ما كان يفعله. قوله: ((فابتنى مسجداً بفناء داره))، بكسر الفاء، وهو ما امتد من جوانب الدار وهو أول مسجد بني في الإسلام، قاله أبو الحسن. قال الداودي: بهذا يقول مالك وفريق من العلماء إن من كانت لداره طريقاً متسعاً له أن يرتفق منها بما لا يضر بالطريق. قوله: ((وبرز))، أي: ظهر من البروز. قوله: ((فكان يصلي فيه))، أي: في المسجد الذي بناه بفناء داره. قوله: ((فيتقصف))، أي: يزدحم حيضاً حتى يكسر بعضهم بعضاً بالوقوع عليه، وأصل القصف الكسر ومنه ريح قاصفة، أي: شديدة تكسر الشجر. قوله: ((بكّاء))، مبالغة باكي من البكاء. قوله: ((فأفزع ذلك))، من الفزع وهو الخوف، وذلك في محل الرفع، فاعله: وهو إشارة إلى ما فعله أبو بكر من قراءة القرآن جهراً وبكائه. وقوله: ((أشراف قريش))، كلام إضافي منصوب لأنه مفعول أفزع. قوله: ((وإن جاوز ذلك))، أي: ما شرطنا عليه. قوله: ((وإن أبى إلاّ ١٧٦ ٣٩ - كتابُ الحَوالاتِ / باب (٧) أن يعلن ذلك))، أي: وإن امتنع إلاَّ أن يجهر بما ذكر من الصلاة وقراءة القرآن. قوله: ((ذمتك))، أي: عهدك، قوله: ((أن نخفرك))، بضم النون وسكون الخاء المعجمة وبالفاء: من الإخفار، بكسر الهمزة، وهو نقض العهد، يقال: خفرته إذا أجرته وحميته، وأخفرته إذا نقضت عهده ولم تف به، والهمزة فيه للسلب. قوله: ((إني أخفرت)) على بناء المجهول. قوله: ((أرضى بجوار الله))، أي: حماه. قوله: ((قد أريت))، على بناء المجهول. قوله: ((سبخة))، بفتح السين المهملة وسكون الباء الموحدة وفتح الخاء المعجمة وهي الأرض تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت شيئاً إلاَّ بعض الشجر. قوله: ((بين لابتين))، اللابتان تثنية لابة بالتخفيف وهي أرض فيها حجارة سود كأنها احترقت بالنار، وكذلك الحرة، بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء. قوله: ((مهاجراً)) حال، أي: طالب الهجرة من مكة. قوله: ((على رسلك))، بكسر الراء: على هينتك من غير عجلة، يقال: إفعل كذا على رسلك، أي اتئد، وفي (التوضيح): الرسل، بفتح الراء: السير السهل، وضبطه في الأصل بكسر الراء، وبعض الروايات بفتحها. قوله: ((أن يؤذن)) على بناء المجهول من الإذن. قوله: ((بأبي))، أي: مفدى بأبي. قوله: ((أنت)) مبتدأ وخبره: بأبي، أو: أنت، تأكيد لفاعل ترجو، و: بأبي، قسم. قوله: ((ورق السمر))، بفتح السين المهملة وضم الميم، قال الكرماني: شجر الطلح، وقال ابن الأثير: هو ضرب من شجر الطلح، الواحد سمرة. وفي (المغرب): السمر من شجر العضاه، وهو كل شجر يعظم وله شوك وهو على ضربين: خالص وغير خالص، فالخالص: الغرف والطلح والسلم والسدر والسيال والسمر والينبوت والقتاد الأعظم والكهبل والغرب والعوسج، وما ليس بخالص: فالشوحط والنبع والشريان والسراء والنشم والعجرم والتالب، وواحد العضاه عضاهة وعضهة وعضة، بحذف الهاء الأصلية، كما في الشفة. ذكر ما يستفاد منه: فيه: الجواز، وكان معروفاً بين العرب، وكان وجوه العرب يجيرون من لجأ إليهم واستجار بهم، وقد أجار أبو طالب رسول الله عَلَّهِ، ولا يكون الجوار إلاَّ لمن ظلم. وفيه: أنه إذا خشي المؤمن على نفسه من ظالم أنه مباح له وجائز أن يستجير بمن يمنعه ويحميه من الظلم، وإن كان يجيره كافراً، إن أراد الأخذ بالرخصة، وإن أراد الأخذ بالشدة فله ذلك، كما رد الصديق الجوار ورضي بجوار الله ورسوله، والصديق يومئذ كان من المستضعفين، فآثر الصبر على ما ناله من الأذى محتسباً على الله تعالى وإيفاء به فوفاه الله له ما وثق به فيه ولم ينله مكروه حتى أذن له في الهجرة فخرج مع حبيبه ونجاهما الله من كيد أعدائهما حتى بلغ مراده من الله من إظهار النبوة وإعلاء الدين. وفيه: ما كان للصديق من الفضل والصدق في نصرة رسوله وبذله نفسه وماله في ذلك مما لم يخف مكانه ولا جهل موضعه. وفيه: أن كل من ينتفع بإقامته لا يخرج من بلده ويمنه منه إن أراده، حتى قال محمد بن سلمة: إن الفقيه ليس له أن يغزو لأن ثمة من ينوب عنه فيه وليس يوجد من يقوم مقامه في التعليم، ويمنع من الخروج أن أراده واحتج بقوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ [التوبة: ١٢٢] الآية. ٠ ١٧٧ ٣٩ - كتابُ الحَوالاتِ / باب (٨) ٨ - بابُ الدَّێْنِ أي: هذا باب في بيان حكم الدين، هذا هكذا وقع في رواية الأصيلي وكريمة وليس في رواية أبي ذر وأبي الوقت لا باب ولا ترجمة، وسقط الحديث أيضاً من رواية المستملي، ووقع في رواية النسفي وابن شبويه: باب، بغير ترجمة وبه جزم الإسماعيلي وذكر ابن بطال هذا الحديث المذكور هنا في آخر: باب من تكفل عن ميت بدين، وهذا هو اللائق، لأن الحديث لا تعلق له بترجمة جوار أبي بكر حتى يكون منها أو يثبت: باب، بلا ترجمة لأنه حينئذ يكون كالفصل منها وليس كذلك، وأما الترجمة: بباب الدين فمحلها أن يكون في كتاب الفرض. فافهم. ٧/ ٢٢٩٧ _ حدَّثنا يَخْبَى بِنُ بُكَيْرٍ قال حدثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عِنْ أبِي سلَمَةَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أنَّ رسولَ الله عَ لِ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجل المُتَوَّنَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيَسْألَ هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلًا فإِنْ حُدِّثَ أنَّهُ تَرَكَ لِدِينِهِ وفاءً صلَّى وإلاَّ قال لِلْمُسْلِمِينَ صلُوا على صاحِبِكُمْ فَلَمَّا فَتَحَ الله عَليْهِ الفُتُوحَ قال أنا أُوْلَى بالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِم فَمَنْ تُؤُفِّيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَتُرِكَ دَيْناً فعَلَيَّ قَضَاؤُهُ ومِنْ تَرَكَ مالاً فَلِوَرَثَتِهِ. الحديث ٢٢٩٨ - أطرافه في: ٢٣٩٨، ٢٣٩٩، ٤٧٨١، ٥٣٧١، ٦٧٣١، ٦٧٤٥، ٦٧٦٣]. مطابقته للترجمة ظاهرة وهي أنه في بيان حكم الدين. ورجاله قد تكرر ذكرهم ولا سيما بهذا السند. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في النفقات عن يحيى بن بكير. وأخرجه: مسلم في الفرائض عن عبد الملك بن شعيب، وأخرجه الترمذي في الجنائز عن أبي الفضل مكتوم بن العباس. قوله: ((عن أبي سلمة عن أبي هريرة))، هكذا رواه عقيل، وتابعه يونس وابن أخي ابن شهاب وابن أبي ذئب، كما أخرجه مسلم، وخالفهم معمر فرواه عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر، أخرجه أبو داود والترمذي. قوله: ((المتوفى))، أي: الميت. قوله: ((عليه الدين))، جملة حالية. قوله: ((فيسأل) أي: رسول الله. عَّ قوله: ((هل ترك لدينه فضلاً)) أي: قدراً زائداً على مؤونة تجهيزه، وفي رواية الكشميهني: قضاء، بدل: فضلاً، وكذا هو عند مسلم وأصحاب السنن. قوله: ((وفاء)) أي: ما يوفي به دينه. قوله: ((وإلاَّ) أي: وإن لم يترك وفاء، قال إلى آخره، قوله: ((الفتوح))، يعني: من الغنائم وغير ذلك. قوله: ((أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم)، لأنه، عَّله: تكفل بدين من مات من أمته معدماً. وهو قوله: ((فعلي قضاؤه))، قوله: ((فترك ديناً))، وفي رواية مسلم عن أبي هريرة: ((فترك ديناً أو ضيعة))، أي: عيالاً، وفي رواية أخرى: ((ضياعاً))، وأصله مصدر: ضاع يضيع ضياعاً، بفتح الضاد فسمى العيال بالمصدر، كما يقال: من مات وترك فقراً أي فقراء. قوله: ((فعلي قضاؤه))، أي: مما أفاء الله تعالى عليه من الغنائم والصدقات. قوله: ((فلورثته))، وفي رواية مسلم: ((فهو لورثته))، عمدة القاري/ ج١٢ م١٢ ٠ ١٧٨ ٣٩ - كتابُ الحوالاتِ / باب (٨) وفي رواية عبد الرحمن ابن عمرة: ((فليرثه عصبته)). وفيه من الفوائد: تحريض الناس على قضاء الديون في حياتهم والتوصل إلى البراءة منها، ولو لم يكن أمر الدين شديداً لما ترك النبي، عَّه، الصلاة على المديون، واختلف في أن صلاته على المديون كانت حراماً عليه أو جائزة؟ حكى فيه وجهان، وقال الثوري: الصواب الجزم بجوازه مع وجود الضامن، وقال ابن بطال: قوله: ((من ترك ديناً فعلي))، ناسخ لتركه الصلاة على من مات وعليه دين. وفيه: إن الإمام يلزمه أن يفعل هكذا فيمن مات وعليه دين، فإن لم يفعله وقع القصاص منه يوم القيامة والإثم عليه في الدنيا إن كان حق الميت في بيت الميت بقي بقدر ما عليه من الدين وإلاَّ فبقسطه. بسم الله الرحمن الرحيم ٤٠ - كَتَابُ الوكالَةِ أي: هذا كتاب في بيان أنواع الوكالة وأحكامها وفي بعض النسخ: كتاب في الوكالة، ووقعت التسمية عند أبي ذر بعد كتاب الوكالة، بفتح الواو، وجاء بكسرها وهي التفويض، يقال: وكلت الأمر إليه وكلاً ووكولاً إذا فوضته إليه، وجعلته نائباً فيه، والوكالة هي الحفظ في اللغة، ومنه الوكيل في أسماء الله تعالى، والتوكيل تفويض الأمر والتصرف إلى الغير، والوكيل القائم بما فوض إليه، والله أعلم. ١ - بابٌ فِي وَكَالَةِ الشَّرِيكِ الشَّرِيكِ فِي الْقِسْمَةِ وغَيْرِها أي: هذا باب في بيان حكم وكالة الشريك في القسمة. قوله: ((الشريك في القسمة)) بدل من: الشريك، الأول. قوله: ((أو غيرها))، أي: الشريك في غير القسمة، ولم يقع عند النسفي لفظ: باب، وإنما الذي عنده: كتاب الوكالة ووكالة الشريك، بواو العطف. وقدْ أَشْرَكَ النبيُّ عَ لَِّ عِلِيّاً في هَذِيهِ ثُمَّ أُمَرَهُ بِقِسْمَتِهَا مطابقته للترجمة من حيث إنه عَّ لِ أشرك علياً في قسمة الهدي. فإن قلت: ليس من الباب ما يدل على الشركة في غير القسمة. قلت: يؤخذ هذا بطريق الإلحاق، ثم في الحديث شيئان: أحدهما: التشريك في الهدي، والآخر: التشريك في القسمة. أما الأول: فرواه جابر، رضي الله تعالى عنه، أن النبي عَّةِ أمر علياً أن يقيم على إحرامه وأشرك في الهدي، وسيأتي موصولاً في الشركة. والآخر: حديث علي أن النبي عَِّ أمره أن يقوم على بدنه وأن يقسم بدنه كلها، وقد مضى في كتاب الحج موصولاً في: باب لا يعطي الجزار من الهدي شيئاً، فإنه أخرجه هناك: عن محمد بن كثير عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي، رضي الله تعالى عنه، قال: يعني: النبي، عَّ الله: فقمت على البدن فأمرني فقسمت لحومها، ثم أمرني فقسمت جلالها وجلودها. ٢٢٩٩/١ - حدَّثنا قَبيصَةُ قال حدثنا سُفْيانُ عنِ ابنِ أبي نجيح عنْ مُجاهِدٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ أبِي لَيْلى عنْ عَلِيٍّ رضي الله تعالى عنه قال أمَرَني رسولُ اللهِ عَِّ أنْ أَتَصَدَّقَ بِجِلالِ الْبُدْنِ الَّتي نُحِرَتْ وبِجُلُودِها. [انظر الحديث ١٧٠٧ وأطرافه]. مطابقته للترجمة من حيث إنه علم أنه، عَِّ، أشركه في هديه. والحديث مر في الباب الذي ذكرناه الآن الذي أخرجه عن محمد بن كثير، وهنا أخرجه عن قبيصة، بفتح القاف وكسر الباء الموحدة: ابن عقبة العامري الكوفي عن سفيان الثوري عن عبد الله بن أبي نجيح إلى آخره، وقد مر الكلام فيه هناك مستوفى، والجلال، بكسر الجيم: جمع جل، والبدن، بضم الباء الموحدة وسكون الدال وضمها: جمع بدنة، وقال ابن بطال: وكالة الشريك جائزة كما تجوز شركة الوكيل، وهو بمنزلة الأجنبي في أن ذلك مباح منه. ١٧٩ ١٨٠ ٤٠ - كَتَابُ الوكالةِ / باب (٢) ٢/ ٢٣٠٠ _ حدَّثنا عَمْرُو بنُ خالِدٍ قال حدثنا اللَّيْثُ عنْ يَزِيدَ عنْ أبي الخَيْرِ عنْ عُقْبَة بنِ عامِرٍ رضي الله تعالى عنه أنَّ النبيَّ مَّ ◌ُلِّ أعطاهُ غنَماً يَقْسِمُها علَى صَحابَتِهِ فَبَقِي عَتُودٌ فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ عَّ ◌َلِ فِقال ضَحُّ أَنْتَ. [الحديث ٢٣٠٠ - أطرافه في: ٢٥٠٠، ٥٥٤٧، ٥٥٥٥]. مطابقته للترجمة من حيث إنه معَّمِ إنما وكله على قسمة الضحايا وهو شريك للموهوب إليهم، فتوكيله على ذلك كتوكيل شركائه الذين قسم بينهم الأضاحي. قيل: يحتمل أن يكون عَِّ وهب لكل واحد من المقسوم فيهم ما صار إليه فلا تتجه الشركة. وأجيب: بأنه سيأتي حديث في الأضاحي من طريق آخر بلفظ: أنه قسم بينهم ضحايا، فدل على أنه عين تلك الغنم للضحايا فوهب لهم جملتها، ثم أمر عقبة بقسمتها، فيصح الاستدلال به لما ترجم له. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عمرو، بفتح العين: ابن خالد بن فروخ، مات بمصر في سنة تسع وعشرين ومائتين. الثاني: الليث بن سعد. الثالث: يزيد - من الزيادة - ابن أبي حبيب أبو الرجاء. الرابع: أبو الخير - ضد الشر - مرثد، بفتح الميم وسكون الراء وفتح الثاء المثلثة: ابن عبد الله. الخامس: عقبة بن عمرو. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه: أن شيخه من أفراده وكل الرواة مصريون غير أن شيخه حراني حزى لكنه سكن مصر ومات فيها كما ذكرنا. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً عن عمرو بن خالد، في الشركة عن قتيبة، وأخرجه مسلم في الضحايا عن قتيبة ومحمد بن رمح. وأخرجه الترمذي والنسائي جميعاً فيه عن قتيبة، وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد بن رمح. قوله: ((عتود)) بفتح العين المهملة وضم التاء المثناة من فوق وفي آخره دال مهملة، وهو من أولاد المعز صغير إذا قوي، وفي (الصحاح): العتود ما رعى وقوي وأتى عليه حول، وقيل: إذا قدر على السفاد، وجمعه: أعتدة وعتان وعدان قوله: ((ضحّ أنت))، ويروى: ضح به أي: بالعتود، وهو أمر من: ضحى يضحي تضحية. وفيه: الأضحية بما يعطى. وفيه: الاختصار بالأضحية بالجذع من المعز، لأن العتود من أولاد المعز. وفيه: التوكيل بالقسمة. ٢ - بابٌ إذا وَكَّلَ المُسْلِمُ حَرْبياً في دارِ الحَربِ أوْ فِي دارِ الإسْلامِ جازَ أي: هذا باب يذكر فيه إذا وَّل ... إلى آخره. قوله: «وفي دار الإسلام)» أي: أو وّل حربياً كائناً في دار الإسلام، يعني: كان الحربي في دار الإسلام بأمان ووكّله مسلم. قوله: ((جاز))، أي: التوكيل، يدل عليه قوله: ((وكل)) كما في قوله: ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ [المائدة: ٨]. أي: العدل أقرب ...