النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ ٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (١٦) ويجمع على: أفخاذ، والفصيلة، بالصاد المهملة: وهي ما انقسم فيه أنساب الفخد: كبني العباس. وأكثر ما يدور على الألسنة من الطبقات: القبيلة، ثم البطن، وربما عبر عن كل واحد من الطبق الست بالحي، إما على العموم مثل: أن يقال: حي من العرب، وإما على الخصوص مثل أن يقال: حي من بني فلان. وقال الهمداني في (الأنساب): الشعب والحي بمعنى. قوله: ((فاستضافوهم)) أي: طلبوا منهم الضيافة. قوله: ((فأبوا)) أي: امتنعوا من أن يضيفوهم، بالتشديد من: التضييف، ويروى بالتخفيف. وقال ثعلب: ضفت الرجل إذا أنزلت به، وأضفته إذا أنزلته. وقال ابن التين: ضبطه في بعض الكتب أن يضيفوهم، بفتح الياء والوجه ضمها. قوله: ((فلدغ))، على بناء المجهول من: اللدغ، بالدال المهملة والغين المعجمة: وهو اللسغ، وزناً ومعنىّ. وأما اللذع، بالذال المعجمة والعين المهملة: فهو الإحراق الخفيف، واللدغ في الحديث: ضرب ذات الحمة من حية أو عقرب، وقد بيَّن في الترمذي أنها عقرب. فإن قلت: عند النسائي من رواية هشيم أنه مصاب في عقله أو لديغ. قلت: هذا شك من هشيم، ورواه الباقون أنه: لديغ، ولم يشكوا خصوصاً تصريح الأعمش بأنه لديغ من عقرب، وسيأتي في (فضائل القرآن): من طريق معبد بن سيرين بلفظ: أن سيد الحي سليم، وكذا في (الطب) من حديث ابن عباس: أن سيد القوم سليم، والسليم هو اللديغ، قيل له ذلك تفاؤلاً بالسلامة. وقيل: لاستسلامه بما نزل به. فإن قلت: جاء في رواية أبي داود والنسائي والترمذي، من طريق خارجة بن الصلت عن عمه: أنه مر بقوم وعندهم رجل مجنون موثق في الحديد، فقالوا: إنك جئت من عند هذا الرجل بخير فارقٍ لنا هذا الرجل، وفي لفظ عن خارجة بن الصلت عن عمه - يعني: علاقة بن صحار: أنه رقى مجنوناً موثقاً بالحديد بفاتحة الكتاب ثلاثة أيام، كل يوم مرتين، فبرأ فأعطوني مائتي شاة فأخبرت النبي، عَلِّ، فقال: ((خذها ولعمري من أكل برقية باطل فقد أكلت برقية حق)). قلت: هما قضيتان لأن الراقي هناك أبو سعيد، وهنا علاقة بن صحار وبينهما اختلاف كثير. قوله: ((جعلاً))، بضم الجيم: وهو الأجرة على الشيء، ويقال أيضاً: جعالة، والجعل، بالفتح مصدر، يقال: جعلت لك كذا جَعلاً وجُعلاً. قوله: ((فسعوا له بكل شيء))، أي: مما جرت به العادة أن يتداوى به من لدغة العقرب، وقال الخطابي: يعني: عالجوا طلباً للشفاء. يقال: سعى له الطبيب: عالجه بما يشفيه، أو وصف له ما فيه الشفاء، وفي رواية الكشميهني: فشفوا، بالشين المعجمة والفاء، وعليه شرح الخطابي، فقال: معناه طلبوا له الشفاء. يقال: شفى الله مريضي إذا أبرأه، وشفى له الطبيب أي: عالجه بما يشفيه، أو وصف له ما فيه الشفاء. وادعى ابن التين أن هذا تصحيف. قلت: الذي قاله أقرب. قوله: (لو أتيتم هؤلاء الرهط؟)) قال ابن التين: قال تارة نفراً، وتارة رهطاً. قوله: ((لو أتيتم)، جواب لو محذوف أو هو للتمني. قوله: ((فأتوهم))، وفي رواية معبد بن سيرين أن الذي جاء في الرسلية جارية منهم، فيحمل على أنه كان معها غيرها. قوله: ((وسعينا))، وفي رواية الكشميهني: فشفينا، من الشفاء كما ذكرنا عن قريب. قوله: ((فقال بعضهم))، وفي ١٤٢ ٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (١٦) رواية أبي داود، فقال رجل من القوم: نعم والله إني لأرقي، بكسر القاف. وبين الأعمش أن الذي قال ذلك أبو سعيد، راوي الخبر، ولفظه: قلت: نعم أنا، ولكن لا أرقيه حتى تعطونا غنماً. فإن قلت: في رواية معبد بن سيرين: أخرجها مسلم، فقام منا رجل ما كنا نظنه يحسن رقية، وسيأتي في فضائل القرآن، فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية؟ ففي هذا ما يشعر بأنه غيره. فإن قلت: لا مانع من أن يكني الرجل عن نفسه، وهو من باب التجريد، فلعل أبا سعيد صرح تارة، وكنى أخرى، ووقع في حديث جابر، رواه البزار، فقال رجل من الأنصار: أنا أرقيه، وأبو سعيد أنصاري، وحمل بعض الشارحين ذلك على تعدد القصة، وكان أبو سعيد روى قصتين كان في إحداهما راقياً وفي الأخرى كان غيره، قيل: هذا بعيد جداً لاتحاد مخرج الحديث والسياق والسبب. قوله: ((فصالحوهم))، أي: وافقوهم. قوله: ((على قطيع من الغنم))، والقطيع طائفة من الغنم والمواشي، وقال الداودي: يقع على ما قل وكثر، وفي رواية النسائي: ثلاثون شاة. قوله: ((يتفل عليه))، من تفل، بالتاء المثناة من فوق: يتفل، بكسر الفاء وضمها: تفلاً وهو نفخ معه قليل بصاق، وقال ابن بطال: التفل البصاق، وقيل: محل التفل في الرقية يكون بعد القراءة لتحصيل بركة القراءة في الجوارح التي يمر عليها الريق فتحصل البركة في الريق الذي يتفله. قوله: ((ويقرأ: الحمد لله رب العالمين)) وفي رواية شعبة: فجعل يقرأ عليه بفاتحة الكتاب، وكذا في حديث جابر، وفي رواية الأعمش: فقرأت عليه وأنه سبع مرات، وفي رواية جابر: ثلاث مرات. قوله: ((نشط))، بضم النون وكسر الشين المعجمة من الثلاثي المجرد، وكذا وقع في رواية الجميع، وقال الخطابي: وهو لغة، والمشهور: نشط، إذا عقد، وأنشط: إذا حل. يقال: نشطته إذا عقدته وأنشطته: إذا حللته وفكيته. وعند الهروي: فكأنما نشط من عقال، وقيل: معناه قيم بسرعة، ومنه: يقال: رجل نشيط، والعقال، بكسر العين المهملة وبالقاف: هو الحبل الذي يشد به ذراع البهيمة. قوله: ((يمشي))، جملة وقعت حالاً. قوله: ((قلبة))، بالفتحات، أي: علة وقيل للعلة: قلبة لأن الذي تصيبه يتقلب من جنب إلى جنب ليعلم موضع الداء، وبخط الدمياطي أنه داء مأخوذ من القلاب، يأخذ البعير فيشتكي منه قلبه فيموت من يومه، قاله ابن الأعرابي. قوله: ((فقال الذي رقى))، بفتح القاف. قوله: ((فننظر ما يأمرنا)) أي: فنتبعه ولم يريدوا أن يكون لهم الخيرة في ذلك. قوله: ((وما يدريك أنها رقية؟))، قال الداودي: معناه: وما أدراك؟ وقد روي كذلك، ولعله هو المحفوظ لأن ابن عيينة قال: إذا قال: وما يدريك فلم يعلم؟ وإذا قال: وما أدراك فقد أعلم، واعترض بأن ابن عيينة إنما قال ذلك فيما وقع في القرآن ولا فرق بينهما في اللغة أي: في نفي الدارية، ووقع في رواية هشيم؟ وما أدراك؟ وفي رواية الدارقطني: وما علمك أنها رقية؟ قال: حق ألقي في روعي وهذه الكلمة - أعني: وما أدراك، وما يدريك؟ تستعمل عند التعجب من الشيء وفي تعظيمه. قوله: ((قد أصبتم))، أي: في الرقية. قوله: ((واضربوا لي سهماً) أي: إجعلوا لي منه نصيباً، وكأنه أراد المبالغة في تصويبه إياهم، كما وقع له في قصة الحمار الوحشي، وغير ذلك. ١٤٣ ٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (١٦) ذكر ما يستفاد منه: فيه: جواز الرقية بشيء من كتاب الله تعالى، ويلحق به ما كان من الدعوات المأثورة أو مما يشابهها، ولا يجوز بألفاظ مما لا يعلم معناها من الألفاظ الغير العربية، وفيه خلاف. فقال الشعبي وقتادة وسعيد بن جبير وجماعة آخرون: يكره الرقي، والواجب على المؤمن أن يترك ذلك اعتصاماً بالله تعالى وتوكلاً عليه، وثقة به وانقطاعاً إليه، وعلماً بأن الرقية لا تنفعه، وإن تركها لا يضره، إذ قد علم الله تعالى أيام المرض وأيام الصحة، فلو حرص الخلق على تقليل أيام المرض وزمن الداء، وعلى تكثير أيام الصحة ما قدروا على ذلك، قال الله تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلاَّ في كتاب من قبل أن نبرأه﴾ [الحديد: ٢٢] واحتجوا في ذلك بحديث عمران بن حصين أخرجه الطحاوي من حديث أبي مجلز. قال: كان عمران بن حصين ينهى عن الكي، فابتلي، فكان يقول: لقد اكتويت كية بنار فما أبرأتني من إثم ولا شفتني من سقم. وقال الحسن البصري وإبراهيم النخعي والزهري والثوري والأئمة الأربعة وآخرون: لا بأس بالرقي، واحتجوا في ذلك بحديث الباب وغيره. وفيه: جواز أخذ الأجر، وقد ذكرناه عن قريب مستوفىّ. وفيه: أن سورة الفاتحة فيها شفاء، ولهذا من أسمائها الشافية، وفي الترمذي من حديث أبي سعيد مرفوعاً: فاتحة الكتاب شفاء من كل سقم، ولأبي داود من حديث ابن مسعود: مرض الحسن أو الحسين فنزل جبرئيل، عليه الصلاة والسلام، فأمره أن يقرأ الفاتحة على إناء من الماء أربعين مرة فيغسل يديه ورجليه ورأسه، وقال ابن بطال: موضع الرقية منها: (إياك نستعين﴾،[الفاتحة: ٤] وعبارة القرطبي موضعها ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾، [الفاتحة: ٤] والظاهر أنها كلها رقية، لقوله: وما يدريك أنها رقية؟ ولم يقل فيها: فيستحب قراءتها على اللديغ والمريض وصاحب العاهة. وفيه: مشروعية الضيافة على أهل البوادي والنزول على مياه العرب والطلب مما عندهم على سبيل القرى أو الشرى. وفيه: مقابلة من امتنع من المكرمة بنظير صنيعه، كما صنعه الصحابي من الامتناع من الرقية في مقابل امتناع أولئك من ضيافتهم، وهذا طريقة موسى، عليه السلام، في قوله: لو شئت لاتخذتٍ عليه أجراً ولم يعتذر الخضر عليه السلام عن ذلك إلاَّ بأمر خارج عن ذلك. وفيه: الاشتراك في الموهوب إذا كان أصله معلوماً. وفيه: جواز قبض الشيء الذي ظاهره لحل وترك التصرف فيه إذا عرضت فيه شبه. وفيه: عظمة القرآن في صدور الصحابة خصوصاً الفاتحة. وفيه: أن الرزق الذي قسم لأحد لا يفوته ولا يستطيع من هو في يده منعه منه. وفيه: الاجتهاد عند فقد النص. قال أبو عبدِ الله وقال شُغْبَةُ قال حدثنا أَبُو بِشْر سَمِعْتُ أبا المُتَوَكِّلِ بِهَذَا أبو عبد الله هو البخاري وأبو بشر، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة هو جعفر بن أبي وحشية المذكور، في سند الحديث، وأبو المتوكل علي بن داود المذكور فيه، ووصله الترمذي بهذه الصيغة، والبخاري أيضاً في الطب ولكن وصله بالعنعنة. ١٤٤ ٣٨ - كِتَابُ الإجَارَة / باب (١٧ و١٨) ١٧ - بابُ ضَرِيبَةِ الْعَبْدِ وتَعاهُدِ ضَرَائِبِ الإماءِ أي: هذا باب في النظر في ضريبة العبد، والضريبة، بفتح الضاد المعجمة على وزن فعيلة بمعنى مفعولة: وهي ما يقرره السيد على عبده في كل يوم أن يعطيه. قوله: ((وتعاهد))، أي: وفي بيان افتقاد ضرائب الإماء، والضرائب جمع ضريبة، والإماء جمع أمة، وإنما اختصها بالتعاهد لكونها مظنة لطريق الفساد في الأغلب مع أنه يخشى أيضاً من اكتساب لعبد بالسرقة مثلاً، وقيل: كأنه أراد بالتعاهد التفقد لمقدار ضريبة الأمة لاحتمال أن تكون ثقيلة فتحتاج إلى التكسب بالفجور. ٢٢٧٧/١٧ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قال حدثنا سُفْيَانُ عنْ حُمَيْدِ الطَِّيلِ عنْ أَنَسٍ بنِ مالِكِ رضي الله تعالى عنه قال حَجَمَ أبو طَيْبَةَ النبيَّ عَ لَّهِ فَأَمَرَّ لَهُ بِصَاعٍ أو صَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وكَلَّمَ مَوالِيَّهُ فَخَفَّفَ عنْ غَلَّيْهِ أَوْ ضَرِيبِهِ. [انظر الحديث ٢١٠٢ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فخفف عن غلته))، وهو النظر في ضريبة العبد والحديث مضى بعين هذا الإسناد فيما مضى في كتاب البيوع في: باب ذكر الحجام، غير أن هناك: وأمر أهله أن يخففوا من خراجه، وهناك: من صاع من تمر، وهنا ليس فيه ذكر التمر، بل قال: من طعام، ولا منافاة بينهما، لأن الطعام هو المطعوم، والتمر مطعوم، أو كانت القضية مرتين. قوله: ((أو صاعين))، شك من الراوي. قوله: ((فكلم مواليه)) أي: ساداته، وهم بنو حارثة على الصحيح، ومولى أبو طيبة منهم هو محيصة بن مسعود، وإنما ذكر الموالي بلفظ الجمع إما باعتبار أنه كان مشتركاً بين طائفة؟ وإما مجازاً كما يقال: تميم قتلوا فلاناً، والقاتل هو شخص واحد منهم. قوله: ((فخفف من غلته))، بالغين المعجمة وتشديد اللام وهو الخراج والضريبة والأجر بمعنى واحد. قوله: ((أو ضريبته))، شك من الراوي. فإن قلت: ما فيه ما يدل على ضرائب الإماء، والترجمة مشتملة عليه. قلت: بالقياس على ضريبة العبد. ١٨ - بابُ خَرَاجِ الحَجَّامِ أي: هذا باب في بيان خراج الحجام، أي: أجره. ١٨/ ٢٢٧٨ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا وُهَيْبٌ قال حدثنا ابنُ طاؤُسٍ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال احْتجَمَ النبيُّ عَُّلّه وأعْطَى الحَّامَ أَجْرَهُ. [انظر الحديث ١٨٣٥ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، والحديث مضى في كتاب البيوع في: باب ذكر الحجام، فإنه أخرجه هناك: عن مسدد عن خالد بن عبد الله عن خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس، قال: احتجم النبي، عَّ له، وأعطى الذي حجمه، ولو كان حراماً لم يعطه. وهنا أخرجه: عن موسى بن إسماعيل التبوذ کي عن وهیب بن خالد عن عبد الله بن طاوس. ٢٢٧٩/١٩ _ حدَّثنا مسَدَّدٌ قال حدثنا يَزِيدُ بنُ زُرَئِعِ عنْ خالِدٍ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ ١٤٥ ٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (١٩) عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال احْتَجَم النبيُّ عَّهِ وَأَعْطَى الحَبَّامَ أَجْرَهُ ولَوْ عَلِمَ كَرَاهِيَةً لَمْ يُعْطِهِ. [انظر الحديث ١٨٣٥ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((وأعطى الحجام أجره)) وقد مر الكلام فيه فيما مضى. قوله: ((ولو علم كراهية لم يعطه))، أي: ولو علم النبي عَّةِ كراهية أجر الحجام لم يعطه أجره، ولفظه في الحديث الذي رواه مسدد: ولو كان حراماً لم يعطه، يدل على أن المراد بالكراهية هنا كراهية التحريم. ٢٢٨٠/٢٠ - حدَّثنا أَبُو نُعَيْم قال حدَّثنا مِسْعَرٌ عنْ عَمْرِو بنِ عامرٍ قال سَمِعْتُ أنساً رضي الله تعالى عنه يَقولُ كانَ النبيُّ عَّلَّهِ يَخْتَجِمُ ولَمْ يَكُنْ يَظْلِمُ أَحَداً أَجْرَهُ. [انظر الحديث ٢١٠٢ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وأبو نعيم، بضم النون: الفضل بن دكين: ومسعر، بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح العين المهملة وفي آخره راء: ابن كدام، مر في: باب الوضوء بالمد. وعمرو، بفتحِ العين: ابن عامر الأنصاري مر في الوضوء من غير حدث، وليست له رواية في البخاري إلاّ عن أنس، له حديث في الوضوء وآخر في الصلاة، وهذا المذكور هنا. والحديث أخرجه مسلم في الطب عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب، كلاهما عن و کیع عن مسعر به. قوله: ((ولم يكن يظلم أحداً أجره))، أعم من أجر الحجام وغيره، ممن يستعمل في عمل، والمراد أنه يوفي أجر كل أجير، ولم يكن يظلم أي: ينقص من أجر أحد، ولا يرده بغير أجر. ١٩ - بابُ مَنْ كَلَّمَ مَوَالِيَ العَبْدِ أنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ أي: هذا باب في بيان حكم من كلم موالي العبد أن يخففوا، أي: بأن يخففوا عنه من خراجه، أي: من ضريبته التي وضعها مولاه عليه، وهذا التكليم بطريق التفضيل لا على وجه الإلزام، إلاّ إذا كان العبد لا يطيق ذلك، وإنما جمع: المولى، إما باعتبار كون العبد مشتركاً بين جماعة، وإما باعتبار أنه مجاز، كما ذكرنا عن قريب في الباب الذي قبل الباب السابق. ٢٢٨١/٢١ _ حدَّثنا آدَمُ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ حُمَيْدِ الطَِّيلِ عنْ أنَسِ بنِ مالِكِ رضي الله تعالى عنه قال دعا النبيُّ عَّله غلاَماً حَبَّاماً فحَجَمَهُ وأمَرَ لَهُ بِصَاعٍ أوْ صَاعَيْنِ أَوْ مُدّ أَوْ مُدَّيْنِ وكَلَّم فِيهِ فَخُفِّفَ مِنْ ضَرِيبِهِ. [انظر الحديث ٢١٠٢ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((و كلم فيه فخفف من ضرته))، والحديث عن حميد عن أنس مر عن قريب، وفي رواية الإسماعيلي من هذا الوجه عن حميد: سمعت أنساً. قوله: ((دعا النبي، عَ لّهِ، غلاماً) قال بعضهم: هو أبو طيبة كما تقدم قبل بياب. قلت: عمدة القاري/ ج١٢ م١٠ ١٤٦ ٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (٢٠) من أين علم أنه هو؟ فلم لا يجوز أن يكون غيره؟ ومن ادعى أن النبي عَّه، لم يكن له إلاّ حجام واحد متعين فعليه البيان. وقد روى ابن منده في (معرفة الصحابة) من رواية الزهري قال: كان جابر، رضي الله تعالى عنه، يحدث أن رسول الله عَ لِ احتجم على كاهله من أجل الشاة التي أكلها، حجمه أبو هند مولى بني بياضة بالقرن والشفرة، وروى أبو داود من رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة: أن أبا هند حجم النبي عَّ في اليافوخ ... الحديث. وقال ابن منده: قيل: إسم أبي هند سنان، وقيل: سالم. قوله: ((وكلم فيه))، مفعوله محذوف، أي: كلم النبي ◌َّ له في الغلام المذكور مولاه بأن يخفف عنه من ضريبته، وكلمة: في، للتعليل، أي: كلم لأجله كما في قوله عَّله: ((إن امرأة دخلت النار في هرة حبستها)) أي: لأجل هرة. وفيه: استعمال العبد بغير إذن سيده إذا كان معداً لعمل ومعروفاً به. وفيه: الحكم بالدليل، لأنه استدل على أنه مأذون له في العمل لانتصابه له وعرض نفسه عليه، ويجوز للحجام أن يأكل من كسبه، وكذلك السيد، وقد مر الكلام فيه مستوفىّ. ٢٠ - بابُ كَشْبِ الْبَغِيِّ والإماءِ أي: هذا باب في بيان حكم كسب البغي والإماء البغي الفاجرة، يقال: بغت المرأة تبغي، بالكسر: بغياً إذا زنت، فهي بغي، ويجمع على: بغايا. والإماء جمع: أمة. والبغي أعم من أن تكون أمة أو حرة، والأمة أعم من أن تكون بغية أو عفيفة، ولم يصرح بالحكم تنبيهاً على أن الممنوع من كسب البغي مطلق، والممنوع من كسب الأمة مقيد بالفجور، لأن كسبها بالصنائع الجائزة غير ممنوع. وكَرِهَ إِبْرَاهِيمُ أجْرَ النَّائِحَةِ والمُغَنِّيَّةِ إبراهيم هو النخعي، ووصل هذا التعليق ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن أبي هاشم عنه: أنه كره أجر النائحة والمغنية والكاهن، وكرهه أيضاً الشعبي والحسن، وقال عبد الله بن هبيرة: وأكلهم السحت، قال: مهر البغي، فإن قلت: ما المناسبة في ذكر أثر إبراهيم هذا في هذا الباب؟ قلت: قال بعضهم: كان البخاري أشار بهذا إلى أن النهي في حديث أبي هريرة محمول على ما كانت الحرفة فيه ممنوعة، أو تجر إلى أمر ممنوع. انتهى. قلت: هذا لا يصلح أن يكون جواباً عن السؤال عن المناسبة في ذكر الأثر المذكور، ولكن يمكن أن يقال: إن بين كسب البغي وأجر النائحة والمغنية مناسبة من حيث إن كلاً منهما معصية كبيرة. وأن إجارة كل منهما باطلة، وهذا المقدار كافٍ. وقَوْلُ الله تعالَى: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلى البِغَاءِ إِن يُرِذْنَ تحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَض الحَياةِ الدُّنْيَا ومَنْ يُكْرِهْهَنَّ فإنَّ الله منْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣]. وقول الله، بالجر تقديره: وباب في ذكر قول الله تعالى: ﴿ولا تكرهوا﴾ الآية، ذكر هذه الآية في معرض الدليل لحرمة كسب البغي لأنه نهي عن إكراه الفتيات أي: الإماء على ١٤٧ ٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (٢٠) البغاء، أي: الزنا، والنهي يقتضي تحريم ذلك، وتحريم هذا يستدعي حرمة زناهن وحرمة زناهن تستلزم حرمة وضع الضرائب عليهن، وهي تقتضي حرمة الأجر الحاصل من ذلك. ثم سبب نزول هذه الآية، فيما ذكره مقاتل بن سليمان في تفسيره نزلت هذه الآية في ست جوار لعبد الله بن أبي بن سلول كان يكرههن على الزنا، ويأخذ أجورهن، وهي: معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة، فجاءته إحداهن يوماً بدينار، وجاءت أخرى ببرد، فقال لهما: إرجعا فازنيا، فقالتا: والله لا نفعل، قد جاء الله تعالى بالإسلام وحرم الزنا، فأنتا الرسول عَّهِ وشكتا إليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ذكره الواحدي في (أسباب النزول) وروى الطبري من طريق ابن نجيح عن مجاهد قال: في قوله: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء﴾ [النور: ٣٣]. قال: إماءكم على الزنا، وأن عبد الله بن أبي أمر أمة له بالزنا فزنت فجاءت ببرد، فقال: إرجعي فازني على آخر. قالت: والله ما أنا براجعة، فنزلت. وهذا أخرجه مسلم من طريق أبي سفيان عن جابر مرفوعاً، وروى أبو داود والنسائي من طريق أبي الزبير: سمع جابراً قال: جاءت مسيكة - أمة لبعض الأنصار - فقالت: إن سيدي يكرهني على البغاء .. فنزلت. قوله: ((فتياتكم))، جمع: فتاة، وهي الشابة، والفتى الشاب، وقد فتي، بالكسر، يفتي فهو فتي السن بين الفتا والفتي السخي الكريم، وقد تفتَّى وتفاتى، والجمع: فتيان وفتية، وفتو، على فعول، وفتي مثل عصا، والفتيان: الليل والنهار، واستفتيت الفقيه في مسألة فأفتاني، والاسم الفتيا والفتوى. قوله: ﴿إِن أردن تحصنا﴾ [النور: ٣٣]. أي: تعففاً. وقال بعضهم، قوله: ﴿إِن أردن تحصناً﴾ [النور: ٣٣]. لا مفهوم له، بل خرج مخرج الغالب. قلت: المفهوم لا يصح نفيه لأن كلمة: إن، تقتضي ذلك، ولكن الذي يقال هنا: أن: إن، ليست للشرط، بل بمعنى: إذ، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين﴾ [البقرة: ٢٧٨]. وقوله تعالى: ﴿وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ [آل عمران: ١٣٩]. وقوله تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله﴾ [الفتح: ٢٧]. ومعنى: إن، في هذه كلها بمعنى: إذ، وقال النسفي في تفسير هذه الآية: وليس معناه الشرط لأنه لا يجوز إكراههن على الزنا إن لم يردن تحصناً، ثم قال: وكلمة: إن، وإيثارها على: إذا، إيذان بأن الباغيات كن يفعلن ذلك برغبة وطواعية، وقيل: إن أردن تحصناً. متصل بقوله: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ [النور: ٣٢]. أي: من أراد أن يلزم الحصانة فليتزوج. وقيل: في الآية تقديم وتأخير، والمعنى: ﴿فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم﴾ [النور: ٣٣]. لمن أراد تحصناً. قوله: ((لتبتغوا)) أي: لتطلبوا بإكراههن على الزنا أجورهن على الزنا. قوله: ((غفور رحيم)) أي: لهن، وقيل: لهم، لمن تاب عن ذلك بعد نزول الآية، وقيل: لهن ولهم إن تابوا وأصلحوا. ٢٢/ ٢٢٨٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ عنْ مالِكِ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ أبِي بَكْرِ بنِ عَبْدِ الرَّحمنِ بنِ الحَارِثِ بِنِ هِشَامٍ عنْ أَبِي مَسْعُودِ الأنْصَارِيِّ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ الله عَِّ نَهَى عِنْ ثَمَنِ الكَلْبِ ومَهْرِ الْبَغِيِّ وحُلْوانِ الْكَاهِنِ. [انظر الحديث ٢٢٣٧ وأطرافه]. ١٤٨ ٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (٢١) مطابقته للترجمة في قوله: ((ومهر البغي)). والحديث قد مضى في أواخر البيوع في: باب ثمن الكلب، فإنه أخرجه هناك: عن عبد الله بن يوسف عن مالك ... إلى آخره، وقد مر الكلام فيه مستوفىّ. ٢٢٨٣/٢٣ - حدَّثْنا مُسْلِمُ بن إبْرَاهِيمَ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ مُحَادَةَ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قال نَهى النبيُّ عَّ ◌ُلِّ عن كَسْبِ الإماءِ. [الحديث ٢٢٨٣ - طرفه في: ٥٣٤٨]. مطابقته للترجمة ظاهرة، ومحمد بن جحادة، بضم الجيم وتخفيف الحاء المهملة: الأيامى، بفتح الهمزة وتخفيف الياء آخر الحروف: الكوفي، مات سنة ثلاث ومائة، وأبو حازم، بالحاء المهملة والزاي المعجمة: واسمه سلمان الأشجعي. والحديث رواه البخاري أيضاً في الطلاق عن محمد بن الجعد. وأخرجه أبو داود في البيوع عن عبد الله بن معاذ عن أبيه، وقد ذكرنا أن المراد من كسب الإماء المنهي: هو الكسب الذي تحصله الأمة بالفجور، وأما الذي تحصله بالصناعة المباحة فغير منهي عنه. ٢١ - بابُ عَشْبِ الفَخْلِ أي: هذا باب في بيان النهي عن عسب الفحل، وقال الترمذي: باب ما جاء في كراهية عسب الفحل، وهو بفتح العين وسكون السين المهملتين وفي آخره باء موحدة، وقد اختلف أهل اللغة فيه: هل هو الضراب أو الكراء الذي يؤخذ عليه أو ماء الفحل؟ فحكى أبو عبيد عن الأموي: أنه الكراء الذي يؤخذ على ضراب الفحل، وبه صدر الجوهري كلامه في (الصحاح)، ثم قال: وعسب الفحل أيضاً ضرابه. ويقال: ماؤه، وصدر صاحب (المحكم) كلامه بأن العسب: ضراب الفحل، ثم قال: عسب الرجل يعسبه عسباً أعطاه، وقال أبو عبيد: العسب في الحديث الكراء، والأصل فيه الضراب. قال: والعرب تسمي الشيء باسم غيره إذا كان معه، أو من سببه، كما قالوا للمزادة: راوية، والراوية: البعير الذي يستقى عليه، قال شيخنا: ويدل على ما قاله أبو عبيد رواية الشافعي: ((نهى عن ثمن بيع عسب الفحل))، وقال الرافعي: المشهور في الفقهيات أن العسب الضراب، وقال الغزالي: هو النطفة. وقال صاحب (الأفعال) عسب الرجل عسباً أكرى منه فحلاً ينزيه. وقال أبو علي: ولا يتصرف منه فعل، يقال: قطع الله عسبه أي: ماءه ونسله، ونقل ابن التين عن أصحاب مالك: أن معنى عسب الفحل أن يتعدى عليه بغير أجر. وقالوا: ليس بمعقول أن يسمى الكراء عسباً. ٢٤/ ٢٢٨٤ _ حدَّثْنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ وإِسْمَاعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ عنْ عَلِيٍّ ابن الحَكَمِ عنْ نافِعِ عن ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قال نَهَى النبيُّ عَ لَّه عنْ عَشْبِ الفَحْلِ. مطابقته للترجمة ظاهرة. ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: مسدد. الثاني: عبد الوارث بن سعيد. الثالث: ١٤٩ ٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (٢١) إسماعيل بن إبراهيم، وهو إسماعيل بن علية، وقد تكرر ذكره. الرابع: علي بن الحكم، بالفتحتين: البناني، بضم الباء الموحدة وتشديد النون الأولى. الخامس: نافع مولى ابن عمر. السادس: عبد الله بن عمر. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: أن مسدداً روى عن شيخين. وفيه: أن إسماعيل بن علية ذكر هنا بنسبته إلى أبيه وشهرته باسم أمه عليه أكثر. وفيه: أن الرواة كلهم بصريون ما خلا نافعاً. وفيه: أن علي بن الحكم ثقة عند الجميع إلاَّ أن أبا الفتح الأزدي لينه. قال بعضهم: لينه بلا مستند. قلت: لو لم يظهر عنده شيء لما لينه، وليس له في البخاري غير هذا الحديث. ذكر من أخرجه غيره: أخرجه أبو داود في البيوع عن مسدد عن إسماعيل وحده به. وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن منيع وأبي عمار عن إسماعيل به، وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم بن علية به، وعن حميد بن مسعدة عن عبد الوارث به، وأخرجه ابن ماجه عن حميد بن مسعدة عن عبد الوارث، وفي الباب عن أبي هريرة. أخرجه النسائي وابن ماجه من رواية الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة، قال: نهى رسول الله، عَ لّه، عن ثمن الكلب وعسب الفحل، وفي رواية للنسائي: عسب التيس وعن أنس أخرجه ابن أبي حاتم في (العلل) من رواية ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شهاب، عن أنس أن النبي، عَّهِ، نهى عن أجر عسب الفحل. قال أبو حاتم: إنما يروي من كلام أنس، ويزيد لم يسمع من الزهري، وإنما كتب إليه وأخرجه النسائي أيضاً. وعن أبي سعيد أخرجه النسائي من رواية هشام عن ابن أبي نعيم عنه، قال: نهى عن عسب الفحل، وعن جابر أخرجه مسلم والنسائي من حديث أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: نهى رسول الله، عَّله، عن بيع ضراب الجمل. وعن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، أخرجه عبد الله بن أحمد في (زوائده) على المسند من حديث عاصم بن ضمرة عنه: أن النبي عَِّ نهى عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطيور، وعن ثمن الميتة، وعن لحم الحمر الأهلية، وعن مهر البغي، وعن عسب الفحل، وعن المياثر الأرجوان. : ذكر ما يستفاد منه: احتج به من حرم بيع عسب الفحل وإجارته، وهو قول جماعة من الصحابة: منهم: علي وأبو هريرة، وهو قول أكثر الفقهاء، كما حكى عنهم الخطابي، وهو قول الأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي وأحمد، وجزم أصحاب الشافعي بتحريم البيع لأن ماء الفحل غير متقوم ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه. وحكوا في إجارته وجهين: أصحهما: المنع، وذهب ابن أبي هريرة إلى جواز الإجارة عليه، وهو قول مالك، وإنما يجوز عندهم إذا استأجره على نزوات معلومة وعلى مدة معلومة، فإن آجره على الطرق حتى يحمل لم يصح، ورخص فيه الحسن وابن سيرين، وقال عطاء: لا بأس به إذا لم يجد ما يطرقه. وقال ابن بطال: اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، فكرهت طائفة أن يستأجر الفحل لينزيه مدة معلومة بأجر معلوم، وذلك عن أبي سعيد والبراء، وذهب الكوفيون والشافعي i ١٥٠ ٣٨ - كِتَابُ الإجَارَة / باب (٢٢) وأبو ثور إلى: إنه لا يجوز، واحتجوا بحديث الباب، وروى الترمذي من حديث أنس أن رجلاً من كلاب سأل رسول الله، عَّه، عن عسب الفحل فنهاه، فقال: يا رسول الله! إنا نطرق الفحل فنكرم، فرخص في الكرامة، ثم قال: حسن غريب. وفيه: جواز قبول الكرامة على عسب الفحل وإن حرم بيعه وإجارته، وبه صرح أصحاب الشافعي، وقال الرافعي: ويجوز أن يعطي صاحب الأنثى صاحب الفحل شيئاً على سبيل الهدية، خلافاً لأحمد، انتهى. وما ذهب إليه أحمد قد حكي عن غير واحد من الصحابة والتابعين، فروى ابن أبي شيبة في (مصنفه) بإسناده إلى مسروق، قال: سألت عبد الله عن السحت؟ قال: الرجل يطلب الحاجة فيهدى إليه فيقبلها، وروي عن ابن عمر أن رجلاً سأله أنه تقبل رجلاً أي: ضمنه، فأعطاه دراهم وحمله وكساه، فقال: أرأيت لو لم تقبله أكان يعطيك؟ قال: لا، قال: لا يصلح لك، وروى أيضاً عن أبي مسعود، عقبة بن عمرو، وأنه أتى إلى أهله، فإذا هدية، فقال: ما هذا؟ فقالوا: الذي شفعت له، فقال: أخرجوها أتعجل أجر شفاعتي في الدنيا. وروي عن عبد الله بن جعفر أنه كلم علياً في حاجة دهقان، فبعث إلى عبد الله بن جعفر بأربعين ألفاً، فقال: ردوها عليه، فإنا أهل بيت لا نبيع المعروف. وقد روي نحو هذا في حديث مرفوع، رواه أبو داود في (سننه) من رواية خالد بن أبي عمران عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي، عَّه، قال: من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية عليها، فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا، وهذا معنى ما ورد: كل قرض جر منفعة فهو ربا، وروى ابن حبان في (صحيحه): من حديث أبي عامر الهوزني عن أبي كبشة الأنماري: أنه أتاه فقال: أطرقني فرسك، فإني سمعت رسول الله، عَّ له، يقول: من أطرق فرساً فعقب له كان له كأجر سبعين فرساً حمل عليها في سبيل الله، وإن لم يعقب كان له كأجر فرس حمل عليها في سبيل الله. قوله: ((أطرقني)، أي: أعرني فرسك للإنزاء. ثم الحكمة في كراهة إجارته عند من يمنعها أنها ليست من مكارم الأخلاق. ومن جوزها من الشافعية والحنابلة بمدة معلومة قاسها على جواز الاستئجار لتلقيح النخل، وهو قياس بالفارق، لأن المقصود هنا ماء الفحل وصاحبه عاجز عن تسليمه، بخلاف تلقيح النخل. ٢٢ - بابٌ إذَا اسْتَأْجَرَ أحَدٌ أرضاً فماتَ أحَدُهُمَا أي: هذا باب يذكر فيه إذا استأجر أرضاً فمات أحدهما، أي: أحد المتواجرين، وليس هو بإضمار قبل الذكر لأن لفظ: استأجر، يدل على المؤجر، وجواب: إذا، محذوف تقديره: هل ينفسخ أم لا؟ وإنما لم يجزم بالجواب للاختلاف فيه. وقال ابنُ سِيرِينَ لَيْسَ لِأَهْلِهِ أنْ يُخْرِجُوهُ إِلَى تَمَامِ الأجَلِ أي: قال محمد بن سيرين: ليس لأهله، أي: لأهل الميت، أن يخرجوه أي المستأجر إلى تمام الأجل، أي: المدة التي وقع العقد عليها، قال الكرماني: ليس لأهله: أي: لورثته أن يخرجوه أي: عقد الاستئجار أي: يتصرفوا في منافع المستأجر. قلت: قول الكرماني: أي عقد ١٥١ ٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (٢٢) الاستئجار، بيان لعود الضمير المنصوب في: أن يخرجوه، إلى عقد الاستئجار، وهذا لا معنى له، بل الضمير يعود إلى المستأجر كما ذكرنا، ولكن لم يمض ذكر المستأجر، فكيف يعود إليه؟ وكذلك الضمير في: أهله: ليس مرجعه مذكوراً ففيهما إضمار قبل الذكر، ولا يجوز أن يقال: مرجع الضميرين يفهم من لفظ الترجمة، لأن الترجمة وضعت بعد قول ابن سيرين هذا بمدة طويلة، وليس كله كلاماً موضوعاً على نسق واحد حتى يصح هذا، ولكن الوجه في هذا أن يقال: إن مرجع الضميرين محذوف، والقرينة تدل عليه، فهو في حكم الملفوظ. وأصل الكلام في أصل الوضع هكذا: سئل محمد بن سيرين في رجل استأجر من رجل أرضاً، فمات أحدهما، هل لورثة الميت أن يخرجوا يد المستأجر من تلك الأرض أم لا؟ فأجاب: بقوله: ليس لأهله، أي: لأهل الميت أن يخرجوا المستأجر إلى تمام الأجل، أي: أجل الإجارة، أي: المدة التي وقع عليها العقد، وقال بعضهم: الجمهور على عدم الفسخ، وذهب الكوفيون والليث إلى الفسخ، واحتجوا بأن الوارث ملك الرقبة والمنفعة تبع لها فارتفعت يد المستأجر عنها بموت الذي آجره، وتعقب بأن المنفعة قد تنفك عن الرقبة، كما يجوز بيع مسلوب المنفعة، فحينئذ ملك المنفعة باقٍ للمستأجر بمقتضى العقد، وقد اتفقوا على أن الإجارة لا تنفسخ بموت ناظر الوقف، فكذلك هنا انتهى. : قلت: الذي يتركه الميت ينتقل بالموت إلى الوارث، ثم يترتب الحكم على هذا عند موت المؤجر أو موت المستأجر، أما إذا مات المؤجر فقد انتقلت رقبة الدار إلى الوارث والمستحق من المنافع التي حدثت على ملكه. قد فات بموته فبطلت الإجارة لفوات المعقود عليه، لأن بعد موته تحدث المنفعة على ملك الوارث، فإذا كانت المنفعة على ملك الوارث كيف يقول هذا القائل: فملك المنفعة باق للمستأجر بمقتضى العقد؟ ومقتضى العقد هو قيام الإجارة، وقيام الإجارة بالمتؤاجرين؟ فإذا مات أحدهما زال ذلك الاقتضاء، وأما إذا مات المستأجر فلو بقي العقد لبقي على أن يخلفه الوارث، وذا لا يتصور، لأن المنفعة الموجودة في حياته تلاشت، فكيف يورث المعدوم؟ والتي تحدث ليست بمملوكةٍ له ليخلفه الوارث فيها، إذ الملك لا يسبق الوجود، فإذا ثبت انتفاء الإرث تعين بطلان العقد. وقوله: المنفعة قد تنفك عن الرقبة، كما يجوز بيع مسلوب المنفعة كلام واهٍ جداً لأن المنفعة عرض، والعرض كيف يقوم بذاته، وتنظيره ببيع مسلوب المنفعة غير صحيح، لأن مسلوب المنفعة لم يكن فيها منفعة أصلاً وقت البيع حتى يقال: كانت فيه منفعة، ثم انفكت عنه، وفات بذاتها، وفي الإجارة المنفعة موجودة وقت العقد لأنها تحدث ساعة فساعة، ولكن قيامها بالعين وحين انتقلت العين إلى ملك الوارث انتقلت المنفعة معها لقيامها معها، وتنظيرها بالمسألة الاتفاقية أيضاً غير صحيح. لأن الناظر لا يرجع إليه العقد والعاقد من وقع المستحق عليه. فإن قلت: الموكل إذا مات ينفسخ العقد، مع أنه غير عاقد؟ قلت: نحن نقول: كلما مات العاقد لنفسه ينفسخ، ولم نلتزم بأن كل ما انفسخ يكون بموت العاقد، لأن العكس غير لازم في مثله. وقال الحَكَمُ والحَسَنُ وإِيَاسُ بنُ مُعَاوِيَةَ تُخْضَى الإِجَارَةُ إِلَى أَجَلِهَا ٠ ! ١٥٢ ٣٨ - كِتَابُ الإجَارَة / باب (٢٢) الحكم، بفتحتين: هو ابن عتيبة أحد الفقهاء الكبار بالكوفة، وهو ممن روى عنه الإمام أبو حنيفة، رضي الله تعالى عنه، والحسن هو البصري وإياس بن معاوية بن قرة المزني. قوله: (ُمضي الإجارة)) على صيغة بناء الفاعل أو على صيغة بناء المفعول. قوله: ((إلى أجلها)) أي: إلى مدة الإجارة، والحاصل أن الإجارة لا تنفسخ عندهم بموت أحد المتؤاجرين، ووصل ابن أبي شيبة هذا المعلق من طريق حميد عن الحسن وإياس بن معاوية نحوه، وأيضاً من طريق أیوب عن ابن سیرین نحوه. وقال ابنُ عُمَرَ أعْطَى النبيُّ عَِّ خَيْبَرَ بِالشَّطْرِ فَكَانَ ذَلِك على عَهْدِ النبيِّ عَ لَّه وأبِي بَكْرٍ وصَدْراً مِنْ خِلافَةٍ عُمَرَ ولَمْ يُذْكَزْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ جَدَّدا الإجارةَ بَعْدَ ما قُبِضَ النبيُّ عَ لِ مطابقته للترجمة من حيث إنه عَّ لما أعطى خيبر بالشطر استمر الأمر عليه في حياته وبعده أيضاً، فدل على أن عقد الإجارة لا ينفسخ بموت أحد المتؤاجرين، وهذا تعليق أدرج فيه البخاري كلامه، والتعليق أخرجه مسلم في (صحيحه) على ما نذكره في موضعه، إن شاء الله تعالى، وهذا حجة من يدعي عدم الفسخ بالموت، ولكن هذا لا يفيدهم في الاستدلال، ولهذا قال ابن التين: قول ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، وهو الراوي ليس مما بوب عليه البخاري، لأن خيبر مساقاة والمساقاة سنة على حيالها. انتهى. قلت: قال أصحابنا من جهة أبي حنيفة: إن قضية خيبر لم تكن بطريق المزارعة والمساقاة بل كانت بطريق الخراج على وجه المن عليهم والصلح، لأن النبي عَِّ ملكها غنيمة، فلو كان عَِّ أخذ كلها جاز وتركها في أيديهم بشطر ما يخرج منها فضلاً، وكان ذلك خراج مقاسمة وهو جائز كخراج التوظيف، ولا نزاع فيه، وإنما النزاع أن يوظف في جواز المزارعة والمعاملة، وخراج المقاسمة أن يوظف الإمام في الخارج شيئاً مقدراً عشراً أو ثلثاً أو ربعاً، ويترك الأراضي على ملكهم منّاً عليهم، فإن لم تخرج الأرض شيئاً فلا شيء عليهم، ولم ينقل عن أحد من الرواة أنه تصرف في رقابهم أو رقاب أولادهم، وقال أبو بكر الرازي في (شرحه لمختصر الطحاوي): ومما يدل على أن ما شرط من نصف الثمر أو الزرع كان على وجه الخراج أنه لم يروَ في شيء من الأخبار أن النبي عَّلِ أخذ منهم الجزية إلى أن مات، ولا أبو بكر ولا عمر، رضي الله تعالى عنهما، إلى أن أجلاهم، ولو لم يكن ذلك لأخذ منهم الجزية حين نزلت آية الجزية، وسنذكر بقية الكلام في هذا الباب في باب المزارعة، إن شاء الله تعالى. ٢٥/ ٢٢٨٥ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا مُوَيْرِيَّةُ بنُ أسْمَاءَ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهُ قال أعْطَى رسولُ اللهِ عََّلَِّ خَيْبَرَ أَنْ يَعْمَلوها ويَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ ما يَخْرُجُ مِنْهَا وأَنَّ ابْنَ عُمَرَ حدَّثَهُ أنَّ المَزَارِعَ كانَتْ تُكْرَى على شَيْءٍ سَمَّاهُ نَافِعٌ لا أخْفَظُهُ. [الحديث ٢٢٨٥ - أطرافه في: ٢٣٢٨، ٢٣٢٩، ٢٣٣١، ٢٣٣٨، ٢٤٩٩، ٢٧٢٠، ٣١٥٢، ٤٢٤٨]. ١٥٣ ٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (٢٢) ٢٢٨٦ - وأنَّ رافِعَ بنَ خَدِيج حَدَّثَ أَنَّ النَّبِيَّ عَّهِ نَهَى عنْ كِرَاءِ المَزَارِعِ وقال عُبَيْدُ اللهِ عنْ نَافِعِ عنِ ابنِ عُمرَ حَتَّى أُجْلاَهُمْ عُمَرَ رضي الله تعالى عنه. [الحديث ٢٢٨٦ - أطرافه في: ٢٣٢٧، ٢٣٣٢، ٢٣٤٤، ٢٧٢٢]. هذا أيضاً ليس بداخل فيما ترجم به على ما ذكرنا الآن أن قضية خيبر لم تكن بطريق المزارعة والمساقاة إلى آخره. وقال صاحب (التوضيح): هي إجارة وسكت على ذلك، وسكوته كان خيراً لأنه ربما كان يعلل كلامه بشيء لا يقبله أحد. وقال ابن التين: وما ذكر من حديث رافع ليس مما بوب عليه أيضاً، لأنه قال: كنا نكري الأرض بالثلث والربع وعلى الماديانات. وإقبال الجداول فنهينا عن ذلك. وجويرية - مصغر جارية - ضد الواقفة: ابن أسماء بوزن حمراء، وهو من الأعلام المشتركة، وقد مر غير مرة. قوله: ((وأن ابن عمر)) عطف على: عن عبد الله، أي: عن نافع أن ابن عمر حدثه أيضاً أنه كانت المزارع تكری على شيء من حاصلها. قوله: ((سماه نافع)) أي: قال جويرية: سمى نافع مقدار ذلك الشيء، لكن أنا لا أحفظ مقداره. قوله: ((وأن رافع بن خديج حدث)) إنما قال: وأن ابن عمر حدثه، بالضمير، وقال هذا: حدث، بلا ضمير، لأن ابن عمر حدث نافعاً بخلاف نافع، فإنه لم يحدث له خصوصاً ويحتمل أن يكون الضمير محذوفً، وسيجيء بيان حكم هذا الباب في المزارعة، إن شاء الله تعالى. قوله: ((وقال عبيد الله ... )) إلى آخره، تعليق وصله مسلم فقال: حدثنا أحمد بن حنبل وزهير بن حرب، واللفظ لزهير، قال: حدثنا يحيى وهو القطان عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع عن ابن عمر: ((أن رسول الله، عَّله، عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع)) ورواه أيضاً من وجوه أخرى، وفي آخره: قال لهم رسول الله، عَ له: ((نقركم بها على ذلك ما شئنا)). فَقَروا بها حتى أجلاهم عمر، رضي الله تعالى عنه، إلى تيماء وأريحاء، وقال الكرماني: وقال عبيد الله، هو كلام موسى ومن تتمة حديثه، ومنه تحصل الترجمة. قلت: ليس هو من كلام موسى بل هو كلام مستأنف معلق، ولا هو من تتمة حديثه ولا منه تحصل الترجمة، لأنها في الإجارة وهذا ليس بإجاره، وإنما هو خارج، على ما ذكرنا عن قريب. وعبيد الله، بتصغير العبد: ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. بِسمِ الله الرحمنِ الرَّحِيم ٣٩ - كتابُ الحَوالاتِ أي: هذا كتاب في بيان أحكام الحوالات، وهي جمع: حوالة، بفتح الحاء وكسرها، مشتقة من التحول والانتقال، قال ثعلب: تقول: أحلت فلاناً على فلان بالدين إحالة، قال ابن طريف: معناه أتبعته على غريم ليأخذه. وقال ابن درستويه: يعني: أزال عن نفسه الدين إلى غيره، وحوله تحويلاً، وفي (نوادر) اللحياني: أحيله إحالة وإحالاً، وهي عند الفقهاء: نقل دين من ذمة إلى ذمة. قوله: ((كتاب الحوالة)) بعد البسملة وقع كذا في رواية النسفي والمستملي، وفي رواية الأكثرين لم يقع إلاَّ لفظ: باب الحوالة، لا غير. ١ - بابٌ في الحَوالَةِ وَهَلْ يَرْجِعُ في الحَوَالَةِ؟ أي: هذا باب في بيان حكم الحوالة، وهل يرجع المحيل في الحوالة أم لا؟ وإنما لم يجزم بالحكم لأن فيه خلافاً، وهو أن الحوالة عقد لازم عند البعض، وجائز عند آخرين، فمن قال: عقد لازم فلا يرجع فيها، ومن قال عقد جائز فله الرجوع. وقال الحَسَنُ وقَتَادَةُ إِذَا كَانَ يَوْمَ أحَالَ عَلَيْهِ مَليّاً جازَ أي: إذا كان المحال عليه يوم أحال المحيل عليه. أي: على المحال عليه، ملياً، يعني: غنياً، من ملىء الرجل إذا صار ملياً. وهو مهموز اللام، وليس هو من معتل اللام، وأصل: ملياً: مليئاً على وزن: فعيلاً، فكأنهم قلبوا الهمزة ياءً وأدغموا الياء في الياء. قوله: (جاز))، جواب: إذا، يعني: جاز هذا الفعل وهو الحوالة، ومفهومه أنه إذا كان مفلساً فله أن يرجع، وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة والأثرم، واللفظ له، من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة والحسن أنهما سئلا عن رجل احتال على رجل فأفلس، قال: إذا كان ملياً يوم احتال عليه فليس له أن يرجع، وجمهور العلماء على عدم الرجوع. وقال أبو حنيفة: يرجع صاحب الدين على المحيل إذا مات المحال عليه مفلساً أو حكم بإفلاسه أو جحد الحوالة، ولم يكن له بينة، وبه قال شريح وعثمان البتي والشعبي والنخعي وأبو يوسف ومحمد وآخرون، وقال الحكم: لا يرجع ما دام حياً حتى يموت ولا يترك شيئاً، فإن الرجل يوسر مرة ويعسر أخرى. وقال الشافعي وأحمد وعبيد والليث وأبو ثور: لا يرجع عليهِ وإن توى وسواء غره بالفلس أو طول عليه أو أنكره. وقال مالك: لا يرجع على الذي أحاله إلاَّ أن يغره بفلس. وقال ابنُ عبَّاسٍ يَتَخَارَجُ الشَّرِيكَانِ وأهلُ المِيرَاثِ فيَأْخُذُ هَذا عَيْناً وهذا دَيْناً فإنْ تَوِيَ لِأَحَدِهِمَا لَمْ يَرْجِعْ عَلى صاحِبِهِ. يتخارج الشريكان أي: يخرج هذا الشريك مما وقع في نصيب صاحبه، وذلك الآخر كذلك أراد أن ذلك في القسمة بالتراضي بغير قرعة مع استواء الدين وإقرار من عليه وحضوره فأخذ أحدهما عيناً والآخر الدين، ثم إذا توى الدين - أي: إذا هلك - لم تنقضِ القسمة لأنه 1 ١٥٥ ٣٩ - كتابُ الحَوالاتِ / باب (١) رضي بالدين عوضاً فتوى في ضمانه، فالبخاري أدخل قسمة الديون والعين في الترجمة، وقاس الحوالة عليه، وكذلك الحكم بين الورثة أشار إليه بقوله: ((وأهل الميراث)) قوله: («فإن توى))، بفتح التاء المثناة من فوق وكسر الواو على وزن: قوى، من: توى المال يتوى من باب علم: إذا هلك، ويقال: توى حق فلان على غريمه إذا ذهب توى وتواء، والقصر أجود فهو: تو وتاو، ومنه: لا توى على مال امرىء مسلم، وتفسيره في حديث عمر، رضي الله تعالى عنه، في المحتال عليه يموت مفلساً، قال: يعود الدين إلى ذمة المحيل. ١/ ٢٢٨٧ _ حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عن أبِي الزِّناد عنِ الأعْرَجِ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ الله عَِّ قال مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ فَإِذَا أُتْبِغَ أحَدُكُمْ على مَلِيّ فَلْيَتْبَعْ. [الحديث ٢٢٨٧ - طرفاه في: ٢٢٨٨، ٢٤٠٠]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فإذا أتبع ... )) إلى آخره، وأبو الزناد، بكسر الزاي وتخفيف النون: هو عبد الله بن ذكوان، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز، وقد تكرر ذكرهما. والحديث أخرجه مسلم في البيوع عن يحيى بن يحيى. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين كلاهما عن عبد الرحمن بن القاسم أربعتهم عن مالك : به. وأخرجه البخاري أيضاً في الحوالة عن محمد بن يوسف عن سفيان. وأخرجه الترمذي في البيوع عن بندار عن ابن مهدي عن سفيان. وأخرجه النسائي أيضاً وابن ماجه من رواية سفيان بن عيينة، وفي الباب عن ابن عمر رواه ابن ماجه من رواية يونس بن عبيد عن نافع عن ابن عمر: أن النبي عَ لِّ قال: ((مطل الغني ظلم وإذا أحيل أحدكم على ملي فليحتل)). وعن الشريد بن سويد أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه من رواية محمد بن ميمون بن مسيكة عن عمرو بن الشريد عن أبيه، قال: قال رسول الله عَ لّمٍ لي: الواجد يحل عرضه وعقوبته، وعن جابر أخرجه البزار من رواية محمد بن المنكدر عنه: أن النبي عٍَّ قال: ((مطل الغني ظلم وإذا أتبع أحدكم على ملي فليتبع)). ذكر معناه: قوله: ((مطل الغني ظلم))، المطل في الأصل من قولهم: مطلت الحديدة أمطلها إذا مددتها لتطول. وفي (المحكم): المطل التسويف بالعدة والدين، مطله حقه وبه يمطله مطلاً فأمطل. قال القزاز: والفاعل ماطل ومماطل، والمفعول: ممطول ومماطل. تقول: ماطلني ومطلني حقي. وقال القرطبي: المطل عدم قضاء ما استحق أداؤه مع التمكن منه. وقال الأزهري: المطل المدافعة، وإضافة المطل إلى الغني إضافة المصدر للفاعل هنا وإن كان المصدر قد يضاف إلى المفعول، لأن المعنى أنه يحرم على الغني القادر أن يمطل بالدين بعد استحقاقه، بخلاف العاجز، ومنهم من قال: إنه مضاف للمفعول، والمعنى: أنه يجب وفاء الدين ولو كان مستحقه غنياً، ولا يكون غناه سبباً لتأخيره حقه عنه، فإذا كان كذلك في حق الغني فهو في حق الفقير أولى، وفيه تكلف وتعسف، وفي رواية ابن عيينة عن أبي الزناد عند النسائي وابن ماجه: المطل ظلم الغني، والمعنى: أنه من الظلم، أطلق ذلك للمبالغة في ١٥٦ ٣٩ - كتابُ الحَوالاتِ / باب (١) التنفير عن المطل، وقد رواه الجوزقي من طريق همام عن أبي هريرة بلفظ: إن من الظلم مطل الغني. وقال القرطبي: الظلم وضع الشيء في غير موضعه لغة، وفي الشرع: هو محرم مذموم، وعن سحنون: ترد شهادة الملي إذا مطل لكونه سمي ظالماً. وعند الشافعي: بشرط التكرار. قوله: ((فإذا أتبع))، قال القرطبي: هو بضم الهمزة وسكون التاء المثناة من فوق وكسر الباء الموحدة مبنياً لما لم يسم فاعله عند الجميع. وقوله: ((فليتبع))، بالتخفيف من تبعت الرجل بحقي أتبعه تباعة، بالفتح: إذا طلبته، وقيل: فليتبع، بالتشديد والأول أجود عند الأكثر. وقال الخطابي: إن أكثر المحدثين يقولونه بالتشديد، والصواب التخفيف، ومعناه: إذا أحيل فليحتل، وقد رواه بهذا اللفظ: أحمد عن وكيع عن سفيان الثوري عن أبي الزناد، وفي رواية ابن ماجه من حديث ابن عمر بلفظ: فإذا أحلت على ملي فأتبعه وهذا بتشديد التاء بلا خلاف. وقال الرافعي: الأشهر في الروايات، وإذا اتبع، يعني بالواو، ولأنهما جملتان لا تعلق لأحداهما بالأخرى. وغفل عما في (صحيح البخاري) هنا فإنه بالفاء في جميع الروايات، وهو كالتوطئة والعلة لقبول الحوالة. فإن قلت: رواه مسلم بالواو، وكذا البخاري في الباب الذي بعده. قلت: نعم لكن قال: ومن أتبع، وقوله: لي الواجد، قال ابن التين: لي الواجد بفتح اللام وتشديد الياء أي: مطله، يقال: لواه بدينه لياً ولياناً وأصل: لي لوى، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء، والواجد، بالجيم: الغني الذي يجد ما يقضي به دينه. قوله: يحل عرضه، أي: لومه وعقوبته، أي: حبسه، هذا تفسير سفيان، والعرض موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو في سلفه أو من يلزمه أمره، وقيل: هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه ويحامي عنه أن ينتقص ويثلب، وقال ابن قتيبة: عرض الرجل نفسه وبدنه لا غير، وفي (الفصيح): العرض ريح الرجل الطيبة أو الخبيثة. ويقال: هو نقي العرض، أي: بريء من أن يشتم أو يعاب. وقال ابن خالويه: العرض الجلد، يقال: هو نقي العرض، أي: لا يعاب بشيء. وقال ابن المبارك: يحل عرضه: يغلظ عليه وعقوبته يحبس به. ذكر ما يستفاد منه: فيه: الزجر عن المطل. واختلف: هل يعد فعله عمداً كبيرة أم لا؟ فالجمهور على أن فاعله يفسق، لكن هل يثبت فسقه بمطله مرة واحدة أم لا؟ قال النووي: مقتضى مذهبنا اشتراط التكرار، ورد عليه السبكي في (شرح المنهاج): بأن مقتضى مذهبنا عدمه، واستدل بأن منع الحق بعد طلبه وانتفاء العذر عن أدائه كالغصب، والغصب كبيرة، وتسميته ظلماً يشعر بكونه كبيرة، والكبيرة لا يشترط فيها التكرار. نعم، لا يحكم عليه بذلك إلاَّ بعد أن يظهر عدم عذره انتهى. وفيه: أن العاجز عن الأداء لا يدخل في المطل. وفيه: أن المعسر لا يحبس ولا يطالب حتى يوسر، وقيل: لصاحب الحق أن يحبسه، وقيل: يلازمه. وفيه: أمر بقبول الحوالة، فمذهب الشافعي: يستحب له القبول. وقيل: الأمر فيه للوجوب، وهو مذهب داود، وعن أحمد روايتان الوجوب والندب، والجمهور على أنه ندب لأنه من ١٥٧ ٣٩ - كتابُ الحَوالاتِ / باب (٢) باب التيسير على المعسر، وقيل: مباح، ولما سأل ابن وهب مالكاً عنه! قال: هذا أمر ترغيب وليس بإلزام، وينبغي له أن يطيع سيدنا رسول الله، عَلَّه، بشرط أن يكون بدين وإلاَّ فلا حوالة لاستحالة حقيقتها إذ ذاك، وإنما يكون حمالة. وفي (التوضيح)؛ ومن شرطها تساوي الدينين قدراً ووصفاً وجنساً كالحلول والتأخير، وقال ابن رشد: ومنهم من أجازها في الذهب والدراهم فقط، ومنعها في الطعام، وأجاز مالك إذا كان الطعامان كلاهما من قرض إذا كان دين المحال حالاً، وأما إن كان أحدهما من سلم فإنه لا يجوز إلا أن يكون الدينان حالين، وعند ابن القاسم وغيره من أصحاب مالك: يجوز ذلك إذا كان الدين المحال به حالاً، ولم يفرق بين ذلك الشافعي لأنه كالبيع في ضمان المستقرض. وأما أبو حنيفة، فأجاز الحوالة بالطعام وشبهه بالدراهم، وفي (التلويح): وجمهور العلماء على أن الحوالة ضد الحمالة في أنه إذا أفلس المحال عليه لم يرجع صاحب الدين على المحيل بشيء، وعند أبي حنيفة: يرجع صاحب الدين على المحيل إذا مات المحال عليه مفلساً أو حكم بإفلاسه أو جحد الحوالة ولا بينة له، وبه قال ابن شريح وعثمان البتي وجماعة، وقد مر في أول الباب وفي الروضة للنووي: أما المحال عليه فإن كان عليه دين للمحيل لم يعتبر رضاه على الأصح، وإن لم يكن لم يصح بغير رضاه قطعاً وبإذنه وجهان، وفي الجواهر للمالكية أما المحال عليه فلا يشترط رضاه، وفي بعض كتب المالكية: يشترط رضاه إذا كان عدواً وإلاَّ فلا، وأما المحيل فرضاه شرط عندنا وعندهم لأنه الأصل في الحوالة وفي العيون والزيادات ليس بشرط، وقال صاحب (التلويح): ورئي بخط بعض الفضلاء في قوله: مطل الغني ظلم، دلالة على أن الحوالة إنما تكون بعد حلول الأجل في الدين، لأن المطل لا يكون إلا بعد الحلول. وفيه: ملازمة المماطل وإلزامه بدفع الدين والتوصل إليه بكل طريق وأخذه منه قهراً. ٢ - بابٌ إذا أحالَ على مُلِيّ فَلَيْسَ لَهُ رَدِّ هذا الباب وقع في نسخة الفربري لا غير أي: هذا باب يذكر فيه إذا أحال صاحب الحق على رجل ملي فليس له رد. ٢٢٨٨/٢ _ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يوسُفَ قال حدثنا سُفْيَانُ عنِ ابنٍ ذَكْوَانَ عِنِ الأعْرَجِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه عنِ النبيِّ عَ لِّ قال مَطْلُ الغَنِيّ ظُلْمٌ ومَنْ أُتْبَعَ عَلَىّ مَلِيّ فَلْيَتَبغ. [انظر الحديث ٢٢٨٧ وطرفه]. مطابقته للترجمة ظاهرة ومحمد بن يوسف أبو أحمد البخاري البيكندي، وهو من أفراده، وليس هذا محمد بن يوسف ابن واقد أبو عبد الله الفريابي، وهو أيضاً شيخ البخاري، روى عنه في الكتاب، وذكر ابن مسعود أن البخاري رواه عن محمد بن يوسف في كتاب الحوالة، وكذا ذكره خلف وأبو العباس الطرقي ومن طريقه أخرجه الترمذي عن الثوري وأخرجه النسائي عن سفيان بن عيينة. قوله: ((عن ابن ذكوان))، هو عبد الله بن ذكوان، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز، والكلام فيه قد مر عن قريب. : ١٥٨ ٣٩ - كتابُ الحَوالاتِ / باب (٣) ٣ - بابّ إذا أحالَ دَيْنَ المَيِّتِ على رَجُلٍ جازَ أي: هذا باب يذكر فيه إن أحال دين الميت على رجل جاز، أي: هذا الفعل، وقال ابن بطال: إنما ترجم بالحوالة، فقال: إن أحال دين الميت، ثم أدخل حديث سلمة، وهو في الضمان لأن الحوالة والضمان متقاربان، وإليه ذهب أبو ثور لأنهما ينتظمان في كون كل منهما نقل ذمة إلى ذمة آخر، في هذا الحديث نقل ما في ذمة الميت إلى ذمة الضامن، فصار کالحوالة. ٢٢٨٩/٣ - حدَّثنا المَكْيُ بنُ إِبْراهِيمَ قال حدثنا يَزِيدُ بِنُ أَبِي عُبَيْدٍ عنْ سَلَّمَةَ بنِ الأْوَعِ رضي الله تعالى عنهُ قال كُنَّا جلوساً عنْدَ النَّبِيِّ عَ لَّهِ إِذْ أَتَيَ بِجَنَازَةٍ فَقَالُوا صَلِّ عليْهَا فَقالَ عَلَيْهِ دَيْنٌ قالُوا لا قال فَهَلْ ترَكَ شَيْئاًقالوا لاَ فَصَلَّى عليهِ ثُمَّ أَتِيَّ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فقالوا يا رسولَ اللهِ صلٌّ عَلَيْهَا قال هلْ عَلَيْها دَيْنٌ قال نعَمْ قالْ فِهَلْ تَرَكَ شَيْئاًقالوا ثَلاثَةَ دَنانِيرَ فصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ أُتِيَ بِالنَّلِئَةِ فقالوا صَلِّ عَلَيْها قال هَلْ تَرَكَ شَيْئاًقالوا لاَ قال فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قالوا ثَلاثَةُ دَنانِير قال صلُّوا عَلَى صاحِبِكُمْ قال أبو قَتَادَةَ صلِّ عَلَيْهِ يا رسولَ الله وعلَيَّ دَيْنَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ. [الحديث ٢٢٨٩ - طرفه في: ٢٢٩٥]. مطابقته للترجمة تفهم مما نقلناه عن ابن بطال الآن. ورجاله ثلاثة، وهذا سابع ثلاثيات البخاري. الأول: مكي بن إبراهيم بن بشير بن فرقد البلخي أبو السكن، وروى مسلم عنه بواسطة. الثاني: يزيد - من الزيادة - ابن أبي عبيد، بضم العين: مولى سلمة بن الأكوع، مات سنة ست أو سبع وأربعين ومائة. الثالث: سلمة بن الأكوع، هو سلمة بن عمرو بن الأكوع، ويقول: سلمة بن وهب بن الأكوع، واسمه: سنان ابن عبد الله المدني، شهد بيعة الرضوان تحت الشجرة وبايع رسول الله عَّ ثلاث مرات، وكان يسكن الربذة، وكان شجاعاً رامياً، مات بالمدينة سنة أربع وسبعين وهو ابن ثمانين سنة. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الكفالة عن أبي عاصم. وأخرجه النسائي في الجنائز عن عمر وعلي ومحمد بن المثنى. ذكر معناه: قوله: ((جلوساً))، جمع: جالس وانتصابه على أنه خبر: كان. قوله: ((إذ))، كلمة مفاجأة. قوله: ((أتي)) بضم الهمزة على صيغة المجهول وكذلك آتي، في الموضعين الآخرين. وذكر ثلاثة أحوال: الأول: لم يترك مالاً ولا ديناً. الثاني: عليه دين وترك مالاً. الثالث: عليه دين ولم يترك مالاً، ولم يذكر الرابع وهو: الذي لا دين عليه وترك مالاً، وهذا حكمه أن يصلي عليه أيضاً، ولم يذكره إما لأنه لم يقع، وإما لأنه كان كثيراً. قوله: ((ثلاثة دنانير)) في الأخير، وروى الحاكم من حديث جابر: وفيه ديناران، وكذلك في رواية أبي داود عن جابر، وفي رواية الطبراني من حديث أسماء بنت يزيد. فإن قلت: كيف التوفيق بين رواية الثلاث ورواية الإثنين؟ قلت: يحمل بأنه كان دينارين ونصفاً، فمن قال: ثلاثة، جبر الكُسر، ومن قال: دينارين، ألغى النصف، أو كان أصل ذلك ثلاثة فوفى الميت قبل موته ١٥٩ ٣٩ - كتابُ الحَوالاتِ / باب (٣) ديناراً وبقي عليه ديناران فمن قال ثلاثة فباعتبار الأصل ومن قال دينارين فباعتبار ما بقي من الدين قوله: ((قال أبو قتادة)) الحارث بن ربعي الخزرجي الأنصاري فارس رسول الله صلى الله عليه تعالى وآله وسلم مر في الوضوء وأخرجه الترمذي عن نفس أبي قتاده فقال حدثنا محمود بن غيلان قال حدثنا داود أخبرنا شعبة عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال سمعت عبد الله بن أبي قتادة يحدث عن أبيه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أُتي برجل ليصلي عليه فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ((صلوا على صاحبكم فإن عليه ديناً)) فقال: أبو قتادة هو علي فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالوفاء فصلى عليه. وفي رواية الدار قطني فجعل رسول الله تعالى عليه وسلم يقول هما عليك وفي مالك وحق الرجل عليك والميت منهما بريء فقال نعم فصلى عليه وجعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا لقي أبو قتادة يقول ما صنعت في الدينارين حتى إذا كان آخر ذلك قال قد قضيتهما يا رسول الله قال الآن حين بردت عليه جلدته. وفي رواية الطبراني من حديث أسماء بنت يزيد فقال: على صاحبكم دين قالوا ديناران قال أبو قتادة أنا بدينه يا رسول الله. وروى الدار قطني من حديث ابن عباس عن عطاء بن عجلان عن أبي إسحق عن عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله تعالى عنه كان رسول الله عَّه إذا أتي بجنازة لم يسأل عن شيء من عمل الرجل ويسأل عن دينه فإن قيل عليه دين كف وإن قيل ليس عليه دين صلى فأتي بجنازة فلما قام ليكبر سأل هل عليه دين؟ قالوا ديناران فعدل عنه وقال: صلوا على صاحبكم فقال علي رضي الله تعالى عنه هما عليَّ وهو بريء منهما فصلى عليه ثم قال لعلي: ((جزاك الله خيراً أو فك الله رهانك کما فککت رهان أخيك إنه ليس من میت یموت وعلیه دین إلا وهو مرتهن بدينه ومن فك رهان ميت فك الله رهانه يوم القيامة فقال بعضهم هذا لعلي خاصة أم للمسلمين عامة قال بل للمسلمين عامة)). وروي عن أبي سعيد الخدري نحوه وفيه أن علياً قال أنا ضامن لدينه، وفي رواية الطحاوي من حديث شريك عن عبد الله بن عقيل قال أن رجلاً مات وعليه دين فلم يصل عليه النبي عَّ لِ حتى قال أبو اليسر أو غيره هو عليَّ فصلى عليه فجاءه من الغد يتقاضاه فقال أما كان ذلك أمس ثم أتاه من بعد الغد فأعطاه فقال النبي عَّةٍ: الآن بردت عليه جلدته. ذكر ما يستفاد منه: فيه الكفالة من الميت وقال ابن بطال اختلف العلماء فيمن تكفل عن ميت بدين فقال ابن أبي ليلى ومحمد وأبو يوسف والشافعي الكفالة جائزة عنه وإن لم يترك الميت شيئاً ولا رجوع له في مال الميت إن ثاب للميت مال وكذلك إن كان للميت مال وضمن عنه لم يرجع في قولهم لأنه متطوع، وقال مالك له أن يرجع في ماله كذلك إن قال إنما أديت لأرجع في مال الميت وإن لم يكن للميت مال وعلم الضامن بذلك فلا رجوع له إن ثاب للميت، قال ابن القاسم لأنه بمعنى الهدية وقال أبو حنيفة إن لم يترك الميت شيئاً فلا تجوز له الكفالة وإن ترك جازت بقدر ما ترك، وقال الخطابي فيه أن ضمان الدين عن الميت يبريه إذا كان معلوماً سواء خلف الميت وفاء أو لم يخلف وذلك أنه عَ ◌ّه إنما امتنع : ١٦٠ ٣٩ - كتابُ الحَوالاتِ / باب (٣) من الصلاة لارتهان ذمته بالدين فلو لم يبرأ بضمان أبي قتادة لما صلى عليه والعلة المانعة قائمة. وفيه فساد قول مالك أن المؤدي عنه الدين يملكه أولاً عن الضامن لأن الميت لا يملك وإنما كان هذا قبل أن يكون للمسلمين بيت مال إذ بعده كان القضاء عليه، وقال القاضي البيضاوي لعله عَّللم امتنع عن الصلاة عن المديون الذي لم يترك وفاء تحذيراً عن الدين وزجراً عن المماطلة أو كراهة أن يوقف دعاؤه عن الإجابة بسبب ما عليه من مظلمة الخلق وقال الكرماني الحديث حجة على أبي حنيفة حيث قال لا يصلح الضمان عن الميت إذا لم يترك وفاء، وقال ابن المنذر وخالف أبو حنيفة الحديث قلت هذا إساءة الأدب وحاشا من أبي حنيفة أن يخالف الحديث الثابت عن رسول الله عَِّ عند وقوفه عليه وكان الأدب أن يقول ترك العمل بهذا الحديث ثم تركه في الموضع الذي ترك العمل به إما لأنه لم يثبت عنده أو لم يقف عليه أو ظهر عنده نسخه. وحديث أبي هريرة الذي يأتي بعد أربعة أبواب يدل على النسخ وهو قوله: ((أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي من المؤمنين فترك ديناً فعليَّ قضاؤه ومن ترك مالاً فلورثته)). وفي رواية أبي حازم عن أبي هريرة أن النبي عَ لِّ قال: ((من ترك كلاًّ فلي ومن ترك مالاً فللوارث)) قال أبو بشر يونس بن حبيب سمعت أبا الوليد يقول هذا نسخ تلك الأحاديث التي جاءت في ترك الصلاة على من عليه الدين، وقال أبو بكر عبد الله بن أحمد الصفار حدثنا محمد بن الفضل الطبري أنبأنا أحمد بن عبد الرحمن المخزومي أنبأنا محمد بن بكير الحضرمي حدثنا خالد بن عبد الله عن حسين بن قيس عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ((كان رسول الله عَّلِ لا يصلي على من مات وعليه دين فمات رجل من الأنصار فقال عليه دين قالوا نعم فقال صلوا على صاحبكم)) فنزل جبريل عليه الصلاة والسلام فقال إن الله عز وجل يقول أنما الظالم عندي في الديون التي حملت في البغي والإسراف والمعصية فأما المتعفف ذو العيال فأنا ضامن أن أؤدي عنه فصلى النبي عٍَّ وقال بعد ذلك من ترك ضياعاً أو ديناً فإليَّ أو عليَّ ومن ترك ميراثاً فلأهله فصلى عليه. وقال القرطبي التزامه عَّ بدين الموتى يحتمل أن يكون تبرعاً على مقتضى كرم أخلاقه لا أنه أمر واجب عليه قال وقال بعض أهل العلم يجب على الإمام أن يقضي من بيت المال دين الفقراء اقتداء بالنبي عَّهِ فإنه قد صرح بوجوب ذلك عليه حيث قال: ((فعلي قضاؤه)) ولأن الميت المديون خاف أن يعذب في قبره على ذلك الدين لقوله: ((الآن حين بردت جلدته)) وكما أن على الإمام أن يسد رمقه ويراعي مصلحته الدنيويه فالأخروية أولى، وقال ابن بطال فإن لم يعط الإمام عنه شيئاً وقع القصاص منه في الآخرة ولم يحبس الميت عن الجنة بدين له مثله في بيت المال إلا أن يكون دينه أكثر مما له في بيت المال، وفي شرح المهذب قيل أنه عَّهم كان يقضيه من مصالح المسلمين وقيل من ماله وقيل كان هذا القضاء واجباً عليه وقيل لم يصل عليه لأنه لم يكن للمسلمين يومئذ بيت مال فلما فتح الله