النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (٦)
أبي مليكة عن أبيه عن جده عن أبي بكر: أن رجلاً عض يد رجل فأندر ثنيته فأهدرها أبو
بكر، رضي الله تعالى عنه، وقال صاحب (التوضيح): عبد الله بن أبي مليكة هو عبد الله بن
عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان، قاضي الطائف لابن الزبير،
توفي بمكة سنة أربع عشرة ومائة، وقد خالف البخاري ابن منده وأبو نعيم وأبو عمرو فروره
في كتب الصحابة في ترجمة أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان من حديث ابن جريج
عن ابن أبي مليكة عن أبيه عن جده عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه.
قوله: ((بمثل هذه الصفة))، بتشديد الصاد المهملة بعدها الفاء، ويروى: بمثل هذه
القضية، بفتح القاف وكسر الضاد المعجمة وتشديد الياء آخر الحروف.
٦ - بابُ مَنِ اسْتَأْجَرَ أجِيراً فَبَيَّنَ لَهُ الأجَلَ ولَمْ يُبَيِّنُ لَهُ الْعَمَلَ لِقَوْلِهِ ﴿إِنِّي أُرِيدُ أنْ
أَنْكِحَكَ إِحْدَى بِنْتَيَّ هَاتَيْنٍ عَلَى أَنْ تأجُرَنِي﴾ إلى قوله: ﴿والله علَى ما نقولُ
وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٧، ٢٨].
أي: هذا باب في بيان من استأجر أجيراً فبين له الأجل، أي المدة ولم يبين له، أي:
للأجير - العمل، يعني: لم يبين أي عمل يعمله له، وفي رواية أبي ذر: إذا استأجره، وجواب:
من، محذوف تقديره وهل يصح ذلك أم لا؟ وميل البخاري إلى الصحة، فلذلك ذكر هذه
الآية في معرض الاحتجاج. حيث قال: لقوله تعالى: ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتيي﴾
[القصص: ٢٧]. الآية، وجه الدلالة منه أنه لم يقع في سياق القصة المذكورة بيان العمل،
وإنما فيه أن موسى آجر نفسه من والد المرأتين. فإن قلت: كيف يقول لم يقع في سياق
القصة بيان العمل، وقد قال شعيب: إني أريد أن أنكحك إحدى بنتي هاتين؟ قلت: قال
الزمخشري: فإن قلت: كيف يصح أن ينكحه إحدى ابنتيه من غير تمييز؟ قلت: لم يكن ذلك
عقد النكاح، ولكن مواعدة ومواضعة أمر قد عزم عليه، ولو كان عقداً لقال: قد أنكحتك، ولم
يقل: إني أريد أن أنکحك. انتهى.
قلت: حاصله أن شعيباً، عليه الصلاة والسلام، استأجر موسى، لم يبين له العمل أولاً،
لكنه بين له الأجل، فدل ذلك أن الإجارة إذا بين فيها المدة ولم يبين العمل جائزة، لكن هذا
في موضع يكون نفس العمل معلوماً بنفس العقد فلا يجوز إلاَّ ببيان العمل، لأن الجهالة فيه
تفضي إلى المنازعة، وقال المهلب، رحمة الله تعالى عليه: ليس في الآية دليل على جهالة
العمل في الإجارة، لأن ذلك كان معلوماً بينهم من سقي وحرث ورعي واحتطاب. وما
شاكل ذلك من أعمال البادية ومهنة أهلها فهذا متعارف، وإن لم يبين له أشخاص الأعمال،
وقد عرفه المدة وسماها له. انتهى. وأجيب: بأن هذا ظن أن البخاري أجاز أن يكون العمل
مجهولاً وليس كما ظن، إنما أراد البخاري أن التنصيص على العمل باللفظ غير مشروط، وأن
المنبع المقاصد لا الألفاظ، فيكفي دلالة الفوائد عليها.
قلت: يؤيد هذا ما رواه ابن ماجه من حديث عتبة بن الندر، قال: كنا عند رسول

١٢٢
٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (٦)
الله، عٍَّ، ((فقال: إن موسى، عليه الصلاة والسلام، آجر نفسه ثمان سنين أو عشراً على عفة
فرجه وطعام بطنه)). انتهى. وليس فيه بيان العمل من قبل موسى، عليه الصلاة والسلام،
وعتبة، بضم العين المهملة وسكون التاء المثناة من فوق وفتح الباء الموحدة، والندر، بضم
النون وتشديد الدال المهملة. وقال الذهبي: عتبة بن الندر السلمي، صحابي يقال: هو عتبة
ابن عبد السلمي، وليس بشيء، روى عنه علي بن رباح وخالد بن معدان.
فإن قلت: كيف حكم النكاح على أعمال البدن؟ قلت: لا يجوز عند أهل المدينة،
لأنه غرر، وما وقع من النكاح على مثل هذا الصداق لا يؤمر به اليوم لظهور الغرر في طول
المدة، وهو خصوص لموسى، عليه الصلاة والسلام، عند أكثر العلماء، لأنه قال إحدى ابنتي
هاتين، ولم يعينها، وهذا لا يجوز إلاَّ بالتعيين.
وقد اختلف العلماء في ذلك، فقال مالك: إذا تزوجها على أن يؤجرها نفسه سنة أو
أكثر يفسخ النكاح إن لم يكن دخل بها، فإن دخل ثبت النكاح بمهر المثل، وقال أبو حنيفة
وأبو يوسف: إن كان حراً فلها مهر مثلها، وإن كان عبداً فلها خدمة سنة، وبه قال أحمد في
رواية، وقال محمد: يجب عليه قيمة الخدمة سنة لأنها متقومة. وقال الشافعي: النكاح جائز
على خدمته إذا كان وقتاً معلوماً، ويجب عليه عين الخدمة سنة. وكذلك الخلاف إذا تزوجها
على تعليم القرآن.
ثم الكلام في تفسير الآيات الكريمة. قوله: ﴿إني أريد أن أنكحك﴾ [القصص: ٢٧].
أي: أريد أن أزوجك ﴿إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني﴾ [القصص: ٢٨]. نفسك مدة
ثماني حجج أي: على أن تكون أجيراً لي ثماني سنين من أجرته إذا كنت له أجيراً،
كقولك: أبوته إذا كنت له أباً، وثماني حجج ظرفه، ويجوز أن يكون من آجرته كذا إذا أثبته
إياه، ومنه تعزية رسول الله عَّه: ((آجركم الله ورحمكم الله))، وثماني حجج مفعول به، أي:
رعية ثماني حجج، وقال الزمخشري فإن قلت: كيف جاز أن يمهرها إجارة نفسه في رعية
الغنم، ولا بد من تسليم ما هو مال؟ ألا ترى إلى أبي حنيفة كيف منع أن يتزوج امرأة بأن
يخدمها سنة؟ وجوز أن يتزوجها بأن يخدمها عبده سنة أو يسكنها داره سنة، لأنه في الأول
سلم نفسه، وليس بمال وفي الثاني هو مسلم مالاً، وهو العبد أو الدار. قلت: الأمر على
مذهب أبي حنيفة كما ذكرت، وأما الشافعي فقد جوز التزويج على الإجازة ببعض الأعمال
والخدمة إذا كان المستأجر له أو المخدوم فيه أمراً معلوماً، ولعل ذلك كان جائزاً في تلك
الشريعة، ويجوز أن يكون المهر شيئاً آخر، وإنما أراد أن يكون رعي غنمه هذه المدة، وأراد أن
ينكحه ابنته، فذكر له المرادين، وعلق الإنكاح بالرعية على معنى: أني أفعل هذا إذا فعلت
ذلك، على وجه المفاهدة لا على وجه المعاقدة، ويجوز أن يستأجره لرعي غنمه ثماني سنين
بمبلغ معلوم ويوفيه إياه ثم ينكحه ابنته، ويجعل قوله: على أن تأجرني ثماني حجج، عبارة عما
جرى بينهما ﴿فإن أتممت العمل عشراً فمن عندك﴾ [القصص: ٢٧]. فإتمامه من عندك،
والمعنى: فهو من عندك لا من عندي، يعني: لا ألزمك ولا أحتمه عليك، ولكن إن فعلته فهو

١٢٣
٠ ٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (٧)
منك تفضيل وتبرع، وإلاَّ فلا عليك ﴿وما أريد أن أشق عليك﴾ [القصص: ٢٧]. في هذه
المدة فأكلفك ما يصعب عليك: ﴿ستجدني إن شاء الله من الصالحين﴾ [القصص: ٢٧].
في حسن العشرة والوفاء بالعهد، وهذا شرط للأب وليس بصداق، وقيل: صداق، والأول
أظهر لقوله: ﴿تأجرني﴾ [القصص: ٢٧]. ولم يقل: تأجرها، وإنما قال: إن شاء الله، للاتكال
على توفيقه ومعونته. قوله: ﴿قال ذلك﴾ [القصص: ٢٨]. أي: قال موسى لشعيب عليهما
السلام، ذلك مبتدأ ﴿بيني وبينك﴾ [القصص: ٢٨]. خبره، وهو إشارة إلى ما عاهده عليه
شعيب. ثم قال موسى، عليه الصلاة والسلام: ﴿أيما الأجلين﴾ [القصص: ٢٨]. أي: أجل من
الأجلين أطولهما الذي هو العشر وأقصرهما الذي هو ثمان. ﴿قضيت﴾ أي: أوفيتك إياه
وفرغت من العمل فيه ﴿فلا عدان علي﴾ أي: لا سبيل علي، والمعنى: لا تعتد علي بأن
تلزمني أكثر منه. قوله: ﴿والله على ما نقول وكيل﴾ [القصص: ٢٨]. أي: على ما نقول من
النكاح والأجر والإجارة وكيل، أي: حفيظ وشاهد، ولما استعمل وكيل في موضع الشاهد
عدى بعلى، روي عن ابن عباس مرفوعاً: سأل جبريل، عليه الصلاة والسلام: ((أي الأجل
قضى موسى؟ فقال: أتمهما وأكملهما)).
يأجُرُ فُلاَناً يُعْطِيهِ أجْراً ومِنْهُ في التَّعْزِيَةِ آجَرَكَ الله
يأجر، بضم الجيم، والمقصود منه تفسير قوله تعالى: ﴿تأجرني ثماني حجج﴾
[القصص: ٢٧]. وبهذا فسر أبو عبيدة في (المجاز). قوله: ((ومنه)) أي: ومن هذا المعنى
قولهم في التعزية: آجرك الله أي: يعطيك أجره، وهكذا فسر أبو عبيدة أيضاً، وزاد: يأجرك
أي: يثيبك. وقيل: المعنى في قوله: على أن تأجرني أن تكون لي أجيراً، أو التقدير: على أن
تأجرني نفسك، وقال الكرماني: في جواب من قال: ما الفائدة في عقد هذا الباب إذ لم
يذكر فيه حديثاً؟ بأن البخاري كثيراً ما يقصد بتراجم الأبواب بيان المسائل الفقهية، فأراد
هنا بيان جواز مثل هذه الإجارة، واستدل عليه بالآية، ثم قال: قال المهلب: ليس كما
ترجم، لأن العمل كان معلوماً عندهم. انتهى. قلت: قد مر الكلام فيه عن قريب.
٧ - بابٌّ إذَا اسْتَأجَرَ أجيراً علَى أنْ يُقِيمَ حائِطاً يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ جازَ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا استأجر أحد أجيراً لأجل إقامة حائط يريد أن ينقض، أي:
يسقط، يقال: انقض الطائر سقط من الهواء بسرعة. قوله: ((جاز))، جواب: إذا، وقال ابن التين:
تبويب البخاري يدل على أن هذا جائز لجميع الناس، وإنما كان ذلك للخضر، عليه السلام،
خاصة، ولعل البخاري أراد أنه يبني له حائطاً من الأصل، أو يصلح له حائطاً. انتهى. قلت:
ينبغي أن يكون هذا جائزاً لجميع الناس، وتخصيصه بالخضر، عليه السلام، لا دليل عليه،
وجه ذلك على العموم أن حائط رجل إذا أشرف على السقوط، فخيف من سقوطه، فاستأجر
أحداً يعلقه حتى لا يسقط فإنه يجوز بلا خلاف، ثم بعد التعليق إما أن يرمه ويقطع عيبه، أو
يهده ويبنيه جديداً. وقال المهلب: إنما جاز الاستئجار عليه لقول موسى، عليه الصلاة
٠

١٢٤
٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (٧)
والسلام: ﴿لو شئت لاتخذت عليه أجراً﴾ [الكهف: ٧٧]. والأجر لا يؤخذ إلاَّ على عمل
معلوم، وإنما كان يكون له الأجر لو عامله عليه قبل عمله، وأما بعد أن أقامه بغير إذن صاحبه
فلا يجبر صاحبه على غرم شيء، وقال ابن المنذر: وفيه جواز الاستئجار على البناء.
٧/ ٢٢٦٧ - حدَّثْنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قال أخبرنا هِشامُ بنُ يُوسُفَ أنَّ ابنَ جُرَيْجِ
أُخبرَهُمْ قال أخْبَرَنِي يَعْلَى بنُ مُسْلِمٍ وعَمْرُو بنُ دِينارٍ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ يَزِيدُ أحَدُهُمَا عَلَى
صاحِبه وغَيْرُهُما قال قدْ سَمِعتُهُ يُحَدِّثُهُ عنْ سَعِيدٍ قال قال لي ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى
عنهما قال حدَّثني أبيُّ بنُ كَغْبٍ قال قال رسولُ الله عَ لَّهِ فَانْطَلَقَا فوَجَدا جِدَاراً يُرِيدُ أنْ
ينقَضَّ قال سَعِيدٌ بِيَدِهِ هَكَذَا وَرَفَعَ يدَيْهِ فَاسْتَقَامَ قالَ يَعْلَى حَسِبْتُ أنَّ سَعِيداً قال فمَسَحَهُ
بِيَدِهِ فاسْتَقامَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجراً قال سَعيدٌ أجْراً نأكُلُهُ. [انظر الحديث ٧٤
وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ﴿فوجد جداراً يريد أن ينفض فأقامه﴾.
ذكر رجاله: وهم ثمانية: الأول: إبراهيم بن موسى بن يزيد الفراء أبو إسحاق، يعرف
بالصغير. الثاني: هشام بن يوسف أبو عبد الرحمن، قاضي اليمن. الثالث: عبد الملك بن
عبد العزيز بن جريج. الرابع: يعلى بن مسلم بن هرمز. الخامس: عمرو بن دينار القرشي
الأثرم. السادس: سعيد بن جبير. السابع: عبد الله بن عباس. الثامن: أبي بن كعب، رضي
الله تعالى عنهما.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في
موضعين وبصيغة الإخبار بجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضعين. وفيه: السماع. وفيه:
العنعنة في موضعين. وفيه: القول في ستة مواضع. وفيه: أن شيخه رازي وأن هشاماً يماني وأن
ابن جريج وعمر مکیان وسعيد بن جبير کوفي. وفيه: يروي ابن جريج عن شیخین. وفيه:
يزيد أحدهما أي: يعلى أو عمرو.
قوله: ((سمعته))، الضمير فيه يرجع إلى الغير، أي: قال ابن جريج: وسمعت غيرهما
أيضاً يحدث عن سعيد بن جبير، قال الكرماني: يلزم من زيادة أحدهما على صاحبه نوع
محال، وهو أن يكون الشيء مزيداً ومزيداً عليه، ثم أجاب: بأنه إن أراد بأحدهما واحداً معيناً
منهما فلا إشكال وإن أراد كل واحد منهما فمعناه أنه يزيد شيئاً غير ما زاده الآخر، فهو مزيد
باعتبار شيء مزيد عليه، باعتبار شيء آخر، ثم قال: هذا المروي مجهول، إذ لا يعلم الزيادة
منه، ثم أجاب: علم من سياقه زيادة يعلى إذ قال: حسبت.
وقد ذكرنا تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: وما يتعلق به من كل الوجوه في كتاب
العلم في: باب ذهاب موسى في البحر إلى الخضر، وهنا ذكر قطعة من حديث موسى
والخضر، وقد أورده مستوفىّ في التفسير. قوله: ((يريد)) نسبة الإرادة إلى الجدار مجاز. وفيه:
حجة على من ينكر المجاز. قوله: ﴿أن ينقض﴾ وقرىء: ينقاض، أي: ينقلع من أصله،

١٢٥
٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (٨)
ويقال للبئر إذا انهارت: انقاضت، بالضاد المعجمة، وقرىء بالمهملة موضع الألف، أي:
ينشق طولاً. قوله: ((يرفع يديه))، أي: إلى الجدار، فاستقام، وهو تفسير لقوله: فأقامه، وروى:
يده، بالإفراد.
٨ - بابُ الإِجارَةِ إِلَى نِصْفِ النَّهارِ
أي: هذا باب في بيان حكم الإجارة إلى نصف النهار، يعني: من أول النهار إلى
نصفه، ثم قال بعد هذا الباب: باب الإجارة إلى صلاة العصر، ثم قال بعد باب آخر: باب
الإجارة من العصر إلى الليل، وهذا كله في حكم يوم واحد، وأراد بذلك إثبات صحة الإجارة
بأجر معلوم إلى أجل معلوم، إذ لولا جازت ما أقره الشارع في الحديث الذي ضرب به
المثل، كما يأتي، وما اتخذه من هذا الحديث، وقيل: يحتمل أن يكون الغرض من كل ذلك
إثبات جواز الإجارة بقطعة من النهار إذا كانت معلومة معينة دفعاً لتوهم من يتوهم أن أقل
الأجل المعلوم أن يكون يوماً كاملاً.
٨ /٢٢٦٨ _ حدَّثنا سلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ قال حدثنا حمَّادٌ عنْ أَيُّوبَ عنْ نافِعِ عنِ ابنِ
عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما عنِ النبيِّ عَُّلَِّ قال مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أهْلِ الكتابَيْنِ كمَّثَل رَجُلٍ
اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ فقالَ منْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غُدْوَةَ إلَى نِصْفِ النهارِ عَلى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتِ اليَهُوذُ
ثُمَّ قالَ من يَعْمَلُ لِي مِن نِصْفِ النهارِ إلى صلاةِ العَصْرِ علَى قِيراطٍ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى ثُمَّ
قالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنَ العَصْرِ إِلى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ على قِيراطَيْنِ فَأنْتُمْ هُمْ فَغَضِبَتِ
اليَهُودُ والتَّصارَى فَقالوا ما لَناَ أَكْثَرَ عمَلاً وأقَلَّ عطاءً قَالَ هَلْ نَقَصْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُم قالوا لاَ
فَذَلِكَ فَضْلِي أوُتِيهِ مَنْ أشاءُ. [انظر الحديث ٥٥٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((من يعمل لي غدوة إلى نصف النهار)).
ورجاله قد ذكروا غير مرة، وحماد هو ابن زيد، وأيوب هو السختياني.
وهذا الحديث مضى في كتاب الصلاة في: باب من أدركه ركعة من العصر فإنه
أخرجه هناك: عن عبد العزيز بن عبد الله عن إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن سالم بن
عبد الله عن أبيه، وبينهما تفاوت في المتن أيضاً، ولكن الأصل واحد، وقد مضى الكلام فيه،
ولنذكر بعض شيء.
قوله: ((أهل الكتابين))، المراد به اليهود والنصارى. قوله: ((كمثل رجل)) فيه حذف
تقديره: وهو مثلكم مع نبيكم ومثل أهل الكتابين مع أنبيائهم كمثل رجل استأجر، فالمثل
مضروب للأمة مع نبيهم، والممثل به الأجراء مع من استأجرهم. وقال الكرماني: القياسِ
يقتضي أن يقال: كمثل أجراء، ثم قال: هو من تشبيه المفرد بالمفرد فلا اعتبار إلاّ
بالمجموعين، أو التقدير: مثل الشارع معكم كمثل رجل مع أجراء. قوله: ((على قيراط)) وفي
رواية عبد الله بن دينار: على قيراط قيراط، والمراد بالقيراط النصيب، وهو في الأصل نصف
دائق، والدانق سدس درهم قوله: ((فغضبت اليهود والنصارى))، أي: الكفار منهم. قوله:

١٢٦
٣٨ - كِتَابُ الإجَارَة / باب (٩ و١٠)
((أكثر)) بالرفع والنصب، أما الرفع فعلى تقدير: ما لنا نحن أكثر، على أنه خبر مبتدأ محذوف،
وأما النصب فعلى الحال. ويجوز أن يكون خبراً كان تقديره: ما لنا كنا أكثر عملاً؟ قوله:
((عملا))، نصب على التمييز. قوله: ((وأقل عطاء» مثله على العطف، وقال الكرماني: كيف
كانوا أكثر عملاً ووقت الظهر إلى العصر مثل وقت العصر إلى المغرب؟ وأجاب بأنه لا يلزم
من أكثرية العمل أكثرية الزمان، وقد مضى البحث فيه هناك. قوله: ((فذلك فضلي))، فيه حجة
لأهل السنة على أن الثواب من الله على سبيل الإحسان منه.
٩ - بابُ الإِجارَةِ إلى صَلاةِ الْعَضْرِ
أي: هذا باب في بيان الإجارة إلى صلاة العصر.
٢٢٦٩/٩ _ حدّثنا إسماعيلُ بنُ أبي أوَیْسٍ قال حدثني مالِكٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ دینارٍ
مَوْلَى عَبْدِ اللهِ ابنِ عُمَرَ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله تعالى عنهما أنَّ رسولَ
الله عَّ قال إنََّاَ مَثَلُكُمْ واليَهُودُ والتَّصارَى كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالاً فقالَ منْ يَعْمَلُ لِي
نِصْفَ النَّهارِ علَى قِيراطٍ قِيراطٍ فَعَمِلَتِ اليَهُودُ علِّى قِيراطٍ قيراطٍ ثُمَّ عَمَلَتِ النَّصارَى
عَلَى قيراطٍ قيراطٍ ثُمَّ أَنْتُمْ الَّذِينَ تَعْمَلُونَ مِنْ صَلاةِ العَصْرِ إِلَى مِغَارِبِ الشِّمْسِ على
قِيراطَيْنِ قَيرَاطَيْنِ فَغَضِبَتِ إِلْيَهُودُ والنَّصَارَى وقالوا نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلاً وَأَقَّلُّ عَطاءً قَالِ هَلْ
ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئاً قالوا لاَ فقالَ فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ. [انظر الحديث ٥٥٧
وأطرافه].
وقال ابن بطال: لفظ نحن أكثر عملاً من قول اليهود خاصة، كقوله تعالى: ﴿نسيا
حوتهما﴾ [الكهف: ٦١]. والناسي هو يوشع. وقوله تعالى: ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾
[الرحمن: ٢٢]. والحال أنه لا يخرج إلاّ من المالج، هذا طريق آخر في الحديث المذكور.
قوله: ((واليهود))، عطف على المضمر المجرور بدون إعادة الخافض، وهو جائز على رأي
الكوفيين، وقيل: يجوز الرفع على تقدير: ومثل اليهود والنصارى، على حذف المضاف
وإعطاء المضاف إليه إعرابه، وقيل: في أصل أبي ذر بالنصب، ووجهه أن تكون الواو بمعنى:
مع. قوله: ((على قيراط قيراط))، بالتكرار ليدل على تقسيم القراريط على جميعهم. قوله:
((إلى مغارب الشمس)) ووقع في رواية سفيان الآتية في (فضائل القرآن) إلى مغرب الشمس،
على الإفراد وهو الأصل، وهنا الجمع كأنه باعتبار الأزمنة المتعددة باعتبار الطوائف المختلفة
الأزمنة إلى يوم القيامة. قوله: ((هل ظلمتكم)) أي: هل نقصتكم فإن قلت: لم كان للمؤمنين
قيراطان؟ قلت: لإيمانهم بموسى وعيسى، عليهما السلام، لأن التصديق أيضاً عمل.
١٠ - بابُ إِثْمٍ مَنْ مَنَعَ أَجْرَ الأجيرِ
أي: هذا باب في بيان إثم الذي يمنع أجر الأجير، وقد أخر ابن بطال هذا الباب عن
الباب الذي بعده، وهو الأوجه، فإن فيه رعاية المناسبة.

١٢٧
٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (١١)
٢٢٧٠/١٠ - حدَّثنا يوسفُ بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثني يَحْيِّى بنُ سُلَيْمٍ عن إِسْمَاعِيلَ بنِ
أمَيَّةَ عنْ سَعِيدَ بنِ أبِي سَعِيد عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه عن النبيِّ عَ لِّ قال قال الله
تعالى ثلاثَةٌ أَنا خَضْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أعطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ ورَجُلٌ باعَ حُرّاً فَأَكَلَ ثَمَنُهُ
ورجلٌ اسْتَأجَرَ أجيراً فاسْتَوْفَى مِنْهُ ولَمْ يُغْطِهِ أَجْرَهُ. [انظر الحديث ٢٢٢٧].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وقد مضى هذا الحديث في كتاب البيوع في: باب إثم من
باع حراً، فإنه أخرجه هناك: عن بشر بن مرحوم عن يحيى بن سليم عن إسماعيل بن علية إلى
آخره، وهنا أخرجه عن يوسف بن محمد بن سابق العصفري، روى عنه البخاري ههنا، وهو
حديث واحد، ويوسف هذا من أفراده.
١١ - بابُ الإِجارَةِ مِنَ الْعَصْرِ إلى اللَّيْلِ
أي: هذا باب في بيان حكم الإجارة من أول وقت العصر إلى أول دخول الليل.
٢٢٧١/١١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ العلاءِ قال حدثنا أبو أُسَامَةَ عنْ بُرَيْدٍ عنْ أَبِي بُرْدَةً عِنْ
أيِي مُوسَى رضي الله تعالى عنه عن النبيِّ عَّله قالَ مِثَلُ المُسْلِمِينَ واليهودِ والنَّصارَى
كمَثَلٍ رجلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْماً يَعْمِلُونَ لَّهُ عَمَلاً يَوْماً إلى اللَّيْلِ على أجْرٍ مَعْلومٍ فَعَمِلُوا لَهُ إلى
نِصْفِ النَّهَارِ فقالوا لاَ حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ الَّذِي شرَطْتَ لَنَا وما عَمِلْنا باطِلٌ فقال لَهُمْ لا
تَفْعَلُوا أَكْمِلُوا بَقِئَّةَ عَمِلِكُمْ وخُذُوا أَجْرِكُمَ كَامِلاً فَأبَوْا وتَرَكوا واسْتَأجرَ أُجِيرَيْنِ بَعْدَهُمْ فقال
لهُمَا أَكْمِلاَ بَقِيَّةِ يَوْمِكُمَا هَذا ولَكُمَا الَّذِي شَرَطْتُ لَهُمْ مِنَ الأُخْرِ فَعَمِلاَ حتَّى إِذَا كانَ حِينَ
صَلاةِ الْعَصْرِ قالاَ لَكَ ما عَمِلْنَا باطِلٌ ولَكَ الأجرُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنا فيهِ فقال لهُمَا أكْمِلاً
بَقِيَّةَ عَمَلِكُمَا فإِنَّ ما بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ شَيْءٌ يَسيرٌ فَأَبَيَا واسْتَأْجَرَ قَوْماً أنْ يَعْمَلُوا لهُ بَقِيَّةَ
يَوْمِهِمْ فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حتَّى غابَتِ الشَّمْسُ واسْتَكْمَلُوا أُجرَ الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِما فَذَلِكَ
مَثَلُهُمْ ومثلُ ما قَبِلُوا مِنْ هذَا النُّورِ. [انظر الحديث ٥٥٨].
مطابقته للترجمة في قوله: ((واستأجر قوماً أن يعملوا)) إلى قوله: ((الشمس)). وقد مضى
هذا الحديث في كتاب الصلاة في: باب من أدرك ركعة من العصر فإنه أخرجه هناك عن
كريب عن أبي أسامة عن بريد إلى آخره بأخصر منه، وهنا أخرجه: عن محمد بن العلاء بن
كريب أي: كريب الهمداني الكوفي عن أبي أسامة حماد بن أسامة عن بريد، بضم الباء
الموحدة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف، عن أبي بردة، واسمه عامر عن أبي موسى
الأشعري عبد الله بن قيس.
قوله: ((كمثل رجل استأجر قوماً))، هو من باب القلب، والتقدير: كمثل قوم استأجرهم
قوم، أو هو من باب التشبيه بالمركب. قوله: ((إلى الليل))، هذا مغاير لحديث ابن عمر لأن
فيه أنه استأجرهم على أن يعملوا إلى نصف النهار. وأجيب: بأن ذلك بالنسبة إلى من عجز
عن الإيمان بالموت قبل ظهور دين آخر، وهذا بالنسبة إلى من أدرك دين الإسلام ولم يؤمن
به، وقد تقدم تمام البحث في ذاك الباب. قوله: ((لا حاجة لنا إلى أجرك))، إشارة إلى أنهم

١٢٨
٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (١٢)
كفروا وتولوا واستغنى الله عنهم، وهذا من باب إطلاق القول وإرادة لازمه، لأن لازمه ترك
العمل المعبر به عن ترك الإيمان. قوله: ((وما عملنا باطل)) إشارة إلى إحباط عملهم بكفرهم
بعيسى، عليه الصلاة والسلام، إذ لا ينفعهم الإيمان بموسى، عليه الصلاة والسلام، وحده بعد
بعثة عيسى، عليه الصلاة والسلام، وكذلك القول في النصارى، إلاَّ أن فيه إشارة إلى أن
مدتهم كانت قدر نصف المدة، فاقتصروا على نحو الربع من جميع النهار. قوله: ((لا تفعلوا))
أي: إبطال العمل وترك الأجر المشروط. فإن قلت: المفهوم منه أن أهل الكتابين لم يأخذوا
شيئاً، ومن السابق أنهم أخذوا قيراطاً قيراطاً. قلت: الآخذون هم الذين ماتوا قبل النسخ،
والتاركون الذين كفروا بالنبي الذي بعد نبيهم. قوله: ((فإنما بقي من النهار شيء يسير)) أي:
بالنسبة لما مضى منه، والمراد ما بقي من الدنيا، حتى إذا كان حين صلاة العصر، هو بنصب
حين، ويجوز الرفع، قاله بعضهم ولم يبين وجهه، ولا وجه النصب. قلت: أما النصب فعلى
الظرفية، وأما الرفع فعلى أنه اسم كان. قوله: ((أجر الفريقين كليهما))، كذا وقع في رواية
أبي ذر وغيره، وحكى ابن التين أن في روايته، كلاهما، بالرفع ثم خطأه. قلت: ليس لما قاله
وجه، لأن: كلاهما، بالألف على لغة من يجعل المثنى في الأحوال الثلاثة بالألف.
قوله: ((فذلك مثلهم)) أي: مثل المسلمين ومثل ما قبلوا من هذا النور، أي: نور الهداية
إلى الحق، وفي رواية الإسماعيلي: فذلك مثل المسلمين الذين قبلوا هدى الله وما جاء به
رسوله، ومثل اليهود والنصارى تركوا ما أمرهم الله به، والمقصد من التمثيلين، من الأول:
بيان أن أعمال هذه الأمة أكثر ثواباً من أعمال سائر الأمم، ومن الثاني: أن الذين لم يؤمنوا
بمحمد رسول الله، عَ ليه، أعمالهم السالفة على دينهم لا ثواب لها، قيل: استدل به على أن
بقاء هذه الأمة تزيد على الألف لأنه يقتضي أن مدة اليهود نظير مدتي النصارى والمسلمين،
وقد اتفق أهل النقل على أن مدة اليهود إلى بعثة النبي، عَّه، كانت أكثر من ألفي سنة،
ومدة النصارى من ذلك ستمائة سنة، وقيل: أقل، فيكون مدة المسلمين أكثر من ألف قطعاً،
قلت: فيه نظر، لأنه صح عن ابن عباس من طرق صحاح أنه قال: الدنيا سبعة أيام، كل يوم
ألف سنة، وبعث رسول الله، عَّه، في اليوم الآخر منها، وقد مضت منه سنون أو مئون، ويؤيد
هذا أيضاً حديث زمل الخزاعي حين قص على رسول الله، عَّله، رؤياه، وقال فيها: رأيتك
على منبر له سبع درجات ... الحديث، وفيه في المنبر ودرجاته الدنيا سبعة آلاف سنة، بعثت
في آخرها ألفاً. وقد صحح أبو جعفر الطبري هذا الأصل بآثار.
١٢ _ بابُ مَنِ اسْتأجرَ أجيراً فَتَرَكَ أَجْرَهُ فَعَمِلَ فِيهِ الْمُسْتأجِرُ فَزَادَ أَوْ مِنْ عَمِلَ
في مالٍ غَيْرِهِ فاسْتَفْضَلَ
أي: هذا باب في ذكر من استأجر أجيراً فترك أجره، وفي رواية الكشميهني فترك
الأجير أجره وغايته أنه أظهر فاعل ترك. قوله: ((فعمل فيه))، ويروى: به، أي: اتجر فيه أو زرع
فزاد أي ربح. قوله: ((من عمل في مال غيره))، عطف على: من استأجر. قوله:
((فاستفضل))، بمعنى: أفضل، يعني: أفضل من مال غيره الشيء، وليس السين فيه للطلب.

١٢٩
٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (١٢)
١٢/ ٢٢٧٢ - حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عن الزُّهْرِيِّ قال حدَّثني سالِمُ بنُ
عَبْدِ اللهِ أَنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قال سَمِعْتُ رسولَ الله عَّهِ يَقُولُ انْطَلَقَ
ثلاثةُ رَهْطِ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكُمْ حتى أَوَوْا المَبِيتَ إلَى غارٍ فَدَخَلُوهُ فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ
الجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الغَارَ فَقالُوا إِنَّهُ لاَ يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلاَّ أَنْ تَدْعُوا الله بصالِح
أعْمَالِكُمْ فقال رَجُلٌ مِنْهُمْ اللَّهُمَّ كانَ لِي أَبَوانِ شَيْخَانِ كَبِيرانِ وَكُنْتُ لا أَغْبَقُ قَبْلَهُمَا أَهْلاً
ولاَ مالاً فِنأى بِي فِي طَلَبِ شَيْءٍ يوماً فَلَمْ أَرِعْ عَلَيْهِما حتى نامَا فَحَلَبْتُ لَهُما غَبُوقَهُما
فوَجدْتُهُما نائِمَيْنِ وكَرِهْتُ أنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُما أَهْلاً أَوْ مالاً فَلَبِئْتُ والقَدَحُ على يَدَيَّ أَنْتَظِرٍ
اسْتِيقَاظَهُما حَتَّى بَرَق الفَجْرُ فاسْتَيْقَظَا فَشَرِبا غَبُوقَهُما اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ
وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا ما نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ فانْفَرَجَتْ شِيْئاً لا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ قال
النبي عَ لّه وقال الآخرُ اللَّهُمَّ كانَتْ لِي بِنْتُ عَمّ كانَتْ أَحَبَّ النَّاسَ إلَيَّ فَأَرَدْتُها عنْ نَفْسها
فامْتَنَعَتْ مِنِّي حتى أَلَمَّتْ بِها سَنَةٌ مِنَ السِّنينَ فَجَاءَتْنِي فأعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ ومِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ
تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا فَفَعَلتْ حتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا قالتْ لا احلُّ لَكَ أنْ تَفُضَّ الخَاتَمَ إلاَّ
بِحَقِّهِ فتَحَرَّجْتُ مِنَ الوُقُوعِ عَلَيْهَا فانْصَرَفْتُ عَنْهَا وهْيَ أحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ وتَرَكْتُ الذَّهَبَ
الَّذِي أعْطَيْتُهَا اللَّهُمَّ إِنْ كُثَتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا ما نَحْنُ فيهِ فانْفَرَجَتِ
الصَّخْرَةُ غَيْرَ أنَّهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَّ مِنْها قال النبيُّ عَّهِ وقال الثَّالِثُ اللَّهُمَّ إِنِّي
استَأجَرْتُ أُجَرَاءَ فأعْطَيْتُهُمْ أجْرَهُمْ غَيْرَ رجلٍ واحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وذَهَبَ فَتَمَّرْتُ أَجْرَهُ حتَّى
كَثُرَتْ مِنْهُ الأُمْوَالُ فَجَاءَنِي بَعْدَ حِين فقال يا عَبْدَ الله أدِّي إلَيَّ أجْرِي فَقُلْتُ لَهُ كُلُّ مَا تَرَى
مِنْ أجْرِكَ مِنَ الإِبِلِ والْبَقَرِ والغَنَمِ والرَّقِيقِ فقال يا عَبْدَ الله لا تَسْتَهْزِئْ بِي فقُلْتُ إِنِّي لا
أُسْتَهْزِئُ بِكَ فأخَذَهُ كُلَّهُ فاسْتَاقَّهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئاً اللَّهُمَّ فإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ
وَجْهِكَ فافْرُجْ عنَّا ما نَحْنُ فِيهِ فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا يَمْشُونَ. [انظر الحديث ٢٢١٥
وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب))
إلى قوله: ((بعد حين)). قال المهلب: ليس فيه دليل لما ترجم له، وإنما اتجر الرجل في أجر
أجيره ثم أعطاه على سبيل التبرع، وإنما الذي كان يلزمه قدر العمل خاصة. قلت: ورجاله
هكذا قد تقدموا غير مرة، وأبو اليمان: الحكم بن نافع الحمصي، وشعيب بن أبي حمزة
الحمصي، والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب.
وقد مضى هذا الحديث في كتاب البيوع في: باب إذا اشترى شيئاً لغيره بغير إذنه.
فإنه أخرجه هناك: عن يعقوب بن إبراهيم عن أبي عاصم عن ابن جريج عن موسى بن عقبة
عن نافع عن ابن عمر وبينهما تفاوت في المتن يعرف بالنظر.
قوله: ((ثلاثة رهط))، الرهط من الرجال ما دون العشرة، وقيل: إلى الأربعين ولا يكون
فيهم امرأة ولا واحد له من لفظه ويجمع على أرهط وأرهاط وأراهط، جمع الجمع. قوله:
((حتى أووا))، يقال: أوى فلان إلى منزله يأوي أوياً على وزن فعول، وقال أبو زيد: فعلت
عمدة القاري/ ج١٢ م٩

١٣٠
٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (١٢)
وأفعلت بمعنى، يعني: أوى بالقصر وآوى بالمد سواء، والمبيت موضع البيتوتة، وكلمة: إلى،
في: إلى غار، للانتهاء. يعني: انتهى، أويهم لأجل البيتوتة إلى غار، وهو كهف في الجبل.
قوله: ((فانحدرت)) أي: هبطت ونزلت. قوله: ((لا ينجيكم))، بضم الياء، من الإنجاء بالجيم،
وهو التخليص. قوله: ((إلاَّ أن تدعوا الله))، بسكون الواو لأنه جمع، وأصله: تدعون، من
الدعاء فسقطت النون لأجل: أن. قوله: ((أللهم قد ... )) ذكرنا معناه هناك في ذلك الباب.
قوله: ((لا أغبق))، من الغبوق بالغين المعجمة والباء الموحدة وفي آخره قاف، وهو: شرب
العشي، وضبطوا: لا أغبق، بفتح الهمزة من الثلاثي إلاَّ الأصيلي، فإنه يضمها من الرباعي،
وخطؤه فيه. وقال صاحب (الأفعال): يقال: غبقت الرجل، ولا يقال: أغبقته، والغبوق: شرب
آخر النهار مقابل الصبوح، واسم الشراب الغبق. قوله: ((أهلا)) الأهل الزوجات، والمال الرقيق،
وقال الداودي: والدواب أيضاً. وقال ابن التين: وليس للدواب هنا معنى يذكر به. قوله: ((فناء
بي)) بمد بعد النون بوزن جاء في رواية كريمة والأصيلي، وفي رواية غيرهما: فنأى، بفتح
النون والهمزة مقصوراً على وزن: سقى، أي: بعد، وأصل هذه المادة من النأي، بفتح النون
وسكون الهمزة: البعد، يقال: نأى بي طلب شيء، أي: بعد. قوله: ((فلم أرح))، بضم الهمزة
وكسر الراء أي: لم أرجع على أبوي حتى أخذهما النوم. قوله: ((والقدح)) الواو فيه للحال.
قوله: ((حتى برق الفجر)) أي: ظهر الضياء. قوله: ((فأردتها عن نفسها))، كناية عن طلب
الجماع. قوله: ((حتى ألمت بها)) أي: حتى نزلت بها سنة من سني القحط فأحوجتها. قوله:
((عشرين ومائة))، أي: عشرين ديناراً ومائة، ووقع هناك مائة، والتخصيص بالعدد لا ينافي
الزيادة، والمائة كانت بالتماسها والعشرون تبرع منه كرامة لها. قوله: ((لا أجل لك))، بضم
الهمزة من الإحلال.
قوله: ((أن تفض الخاتم)) كناية عن الوطء، يقال: فض الخاتم والختم إذا كسره وفتحه.
قوله: ((فتحرجت))، يقال: تحرج فلان إذا فعل فعلاً يخرج به من الحرج، وهو الإثم والضيق.
قوله: ((وتركت الذهب الذي أعطيتها)) وفي رواية أبي ذر: ((التي أعطيتها))، والذهب يذكر
ويؤنث. قوله: ((فأفرج عنا))، بوصل الهمزة وضم الراء، فإذا قطع الهمزة وكسر الراء. فالأول
أمر من الفرج. والثاني: من الإفراج. قوله: ((أجراء)) جمع أجير. قوله: ((فثمرت)) أي: كثرت
من التثمير. قوله: ((كل ما ترى)) مبتدأ وخبره. قوله: ((من أجرك))، أي: من أجرتك. قوله: ((من
الإبل .. )) إلى آخره، بيان لما ترى، وهنا زاد الإبل والبقر، وهناك بقراً وراعيها، ولا منافاة
بينهما، وقد ذكرنا بعض الخلاف فيمن اتجر في مال غيره، فقال قوم: له الربح إذا أدى رأس
المال إلى صاحبه سواء كان غاصباً للمال أو وديعة عنده متعدياً فيه، وهو قول عطاء ومالك
وربيعة والليث والأوزاعي وأبي يوسف، واستحب مالك والثوري والأوزاعي تنزهه، ويتصدق
به، وقال آخرون يرد المال ويتصدق بالربح كله. ولا يطيب له شيء من ذلك، وهو قول أبي
حنيفة ومحمد بن الحسن وزفر، وقال قوم: الربح لرب المال، وهو ضامن لما تعدى فيه،
وهو قول ابن عمر وأبي قلابة، وبه قال أحمد وإسحاق. وقال الشافعي: إن اشترى السلعة

۔
١٣١
٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (١٣)
بالمال بعينه فالربح ورأس المال لرب المال، وإن اشتراها بمال بغير عينه قبل أن يستوجبها
بثمن معروف بالعين، ثم نقد المال منه أو الوديعة، فالربح له وهو ضامن لما استهلك من مال
غيره، والله أعلم بالصواب.
١٣ - بابُ من آجَرَ نَفْسَهُ لِيَحْمِلَ على ظَهْرِهِ ثْمَّ تصَدَّقَ بِهِ وَأُجْرَةِ الحَمَّالِ
أي: هذا بأب في بيان حكم من أجر نفسه لغيره ليحمل متاعه على ظهره، ثم تصدق
به أي: بأجره، وفي رواية الكشميهني: ثم تصدق منه. قوله: ((وأجرة الحمال)) أي: وباب في
بيان أجرة الحمال، ويروى: وأجر الحمال.
٢٢٧٣/١٣ _ حدَّثنا سَعِيدُ بنُ يَحيى بنِ سَعِيدٍ قال حدثنا أبي قال حدثنا الأعْمَشُ
عِنْ شَقِيقٍ عنْ أَبِي مَسْعُودِ الأنْصَارِيِّ رضي الله تعالى عنهُ قال كانَ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ إِذَا أَمَرَ
بِالصَّدَقَةِ انْطَلَقَ أحدُنا إلى السُوقِ فَيُحَامِلُ فَيُصِيبُ المُدَّ وإنَّ لبَعْضِهِمْ لَمِائَةَ أَلْفٍ قال ما نَرَاهُ
إلاَّ نَفسَهُ. [انظر الحديث ١٤١٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تعلم من معناه لأن معناه: أن النبي، عَّلَّهِ، إذا كان يأمر بالصدقة
يسمعه فقراء الصحابة ويرغب في الصدقة لما يسمع من الأجر الجزيل فيها، ثم يذهب إلى
السوق فيحمل شيئاً من أمتعة النساء على ظهره بأجره، ثم يتصدق به، وهذا معنى الترجمة
أيضاً، وكذلك في الحديث ما يطابق قوله: وأجر الحمال، لأنه حين يحمل شيئاً بأجرة يصدق
عليه أنه حمال، وأنه يأخذ الأجرة.
ثم الحديث قد مضى في كتاب الزكاة في: باب ((اتقوا النار ولو بشق تمرة))، بعين هذا
الإسناد، وبعين هذا المتن، غير أن فيه هنا زيادة شيء، وهو قوله: ((ما نراه إلاَّ نفسه)).
وسعيد بن يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص القرشي الأموي أبو عثمان
البغدادي، والأعمش هو سليمان، وشقيق أبو وائل، وأبو مسعود عقبة بن عامر الأنصاري
البدري.
قوله: ((فيحامل)) أي: يعمل صنعة الحمالين، من المحاملة من باب المفاعلة التي
تكون من الإثنين، والمراد هنا: أن الحمل من أحدهما والأجرة من الآخر كالمساقاة
والمزارعة، ويروى: تحامل، على وزن: تفاعل، بلفظ الماضي أي: تكلف حمل متاع الغير
ليكتسب ما يتصدق به. قوله: ((فنصيب المد)) أي: من الطعام. وهو أجرته. قوله: ((وأن
لبعضهم لمائة ألف))، أي: من الدراهم أو الدنانير، واللام في: المائة، للتأكيد، تسمى اللام
الابتدائية لدخولها على اسم إن، وهو لفظ: فإنه اسم: إن، وخبرها مقدماً، قوله: لبعضهم، وفي
رواية النسائي: ((وما كان له يومئذ درهم))، أي: في اليوم الذي كان يحمل بالأجرة، لأنهم
كانوا فقراء في ذلك الوقت واليوم هم أغنياء. قوله: ((قال: ما نراه إلا نفسه)) أي: قال شقيق
الراوي: ما أظن أبا مسعود أراد بذلك البعض إلاَّ نفسه، فإنه كان من الأغنياء، وقد جاء ذلك
مبيناً في رواية ابن ماجه من طريق زائدة عن الأعمش: أن قائل ذلك هو أبو وائل الراوي، والله أعلم.

١٣٢
٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (١٤)
١٤ - بابُ أخرِ السَّمْسَرَةِ
أي: هذا باب في بيان حكم السمسرة أي: الدلالة، والسمسار بالكسر: الدلال. وفي
(المغرب) السمسرة مصدر، وهو أن يوكل الرجل من الحاضرة القادمة، فيبيع لهم ما يجلبونه،
وقال الزهري: وقيل في تفسير قوله، عَّهِ: ((لا يبيع حاضر لبادٍ))، أنه لا يكون له سمساراً،
ومنه كان أبو حنيفة يكره السمسرة.
ولَمْ يَرَ ابنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وإبْرَاهِيمُ والحَسَنُ بأجرِ السَّمْسَارِ بأساً
أي: لم يَرَ محمد بن سيرين وعطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي والحسن البصري
بأجر السمسار بأساً، وتعليق ابن سيرين وإبراهيم وصله ابن أبي شيبة: حدثنا حفص عن أشعث
عن الحكم وحماد عن إبراهيم ومحمد بن سيرين، قالا: لا بأس بأجر السمسار إذا اشترى يداً
بيد، وتعليق عطاء وصله ابن أبي شيبة أيضاً: حدثنا وكيع حدثنا الليث أبو عبد العزيز، قال:
سألت عطاء عن السمسرة، فقال: لا بأس بها. وقال بعضهم: وكأن المصنف أشار إلى الرد
على من كرهها، وقد نقله ابن المنذر عن الكوفيين. انتهى. قلت: لم يقصد البخاري بهذا
الرد على أحد، وإنما نقل عن هؤلاء المذكورين أنهم لا يرون بأساً بالسمسرة، وطريقة الرد لا
تكون هكذا.
وهذا الباب فيه اختلاف للعلماء، فقال مالك: يجوز أن يستأجره على بيع سلعته إذا
بين لذلك أجلاً، قال: وكذلك إذا قال له: بع هذا الثوب ولك درهم أنه جائز، وإن لم يوقت
له ثمناً، وكذلك إن جعل له في كل مائة دينار شيئاً، وهو جعل، وقال أحمد: لا بأس أن
يعطيه من الألف شيئاً معلوماً، وذكر ابن المنذر عن حماد والثوري أنهما كرها أجره، وقال أبو
حنيفة: إن دفع له ألف درهم يشتري بها بزاً بأجر عشر دراهم، فهو فاسد، وكذلك لو قال:
اشتر مائة ثوب فهو فاسد، فإن اشترى فله أجر مثله، ولا يجاوز ما سمى من الأجر، وقال أبو
ثور: إذا جعل له في كل ألف شيئاً معلوماً لم يجز، لأن ذلك غير معلوم فإن عمل على ذلك
فله أجره وإن اكتراه شهراً على أن يشتري له ويبيع فذلك جائز. وقال ابن التين أجرة السمسار
ضربان: إجارة وجعالة: فالأول: يكون مدة معلومة فيجتهد في بيعه، فإن باع قبل ذلك أخذ
بحسابه، وإن انقضى الأجل أخذ كامل الأجرة. والثاني: لا يضرب فيها أجل، هذا هو
المشهور من المذهب، ولكن لا تكون الإجارة والجعالة إلاّ معلومين، ولا يستحق في الجعالة
شيئاً إلاَّ بتمام العمل، وهو البيع، والجعالة الصحيحة أن يسمى له ثمناً إن بلغه ما باع، أو
يفوض إليه، فإن بلغ القيمة باع، وإن قال الجاعل: لا تبع إلاَّ بأمري فهو فاسد. وقال أبو عبد
الملك: أجرة السمسار محمولة على العرف يقل عن قوم ويكثر عن قوم، ولكن جوزت لما
مضى من عمل الناس عليه على أنها مجهولة، قال: ومثل ذلك أجرة الحجام، وقال ابن التين:
وهذا الذي ذكره غير جار على أصول مالك، وإنما يجوز من ذلك عنده ما كان ثمنه معلوماً لا
غرر فیه.

١٣٣
٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (١٤)
وقالَ ابنُ عَبَّاسٍ لا بَأْسَ أَنْ يَقولَ بِعْ هذَا الثَّوْبَ فَمَا زَاد عَلَى كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لَكَ
هذا التعليق وصله ابن أبي شيبة عن هشيم عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس
نحوه.
وقال ابنُ سِيرِينَ إِذَا قالَ بِعْهُ بِكَذَا فَما كانَ مِنْ رِبْحِ فَهْوَ لَكَ أُوْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فَلاَ
بأسَ بِهِ
هذا التعليق أيضاً وصله ابن أبي شيبة عن هشيم عن يونس عن ابن سيرين، وفي
(التلويح): وأما قول ابن عباس وابن سيرين فأكثر العلماء لا يجيزون هذا البيع، وممن كرهه:
الثوري والكوفيون، وقال الشافعي ومالك: لا يجوز، فإن باع فله أجر مثله، وأجازه أحمد
وإسحاق، وقالا: هو من باب القراض، وقد لا يربح المقارض.
وقال النبيُّ عَلَّهُ المؤمنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ
مطابقته للترجمة من حيث إن السمسرة إذا شرطت بشيء معين ينبغي أن يكون
السمسار وصاحب المتاع ثابتين على شرطهما لقوله عَّةٍ: ((المؤمنون عند شروطهم))، وهذا
التعليق وصله أبو داود في القضاء من حديث الوليد بن رباح، بالباء الموحدة، عن أبي هريرة،
وروى ابن أبي شيبة من طريق عطاء: بلغنا أن النبي عَّم قال: ((المؤمنون عند شروطهم))
وروى الدارقطني والحاكم من حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، مثله وزاد: ما وافق
الحق، وروى إسحاق في (مسنده) من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه
عن جده مرفوعاً: المسلمون على شروطهم إلاَّ شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً، وكثير بن
عبد الله ضعيف عند الأكثرين إلاَّ أن البخاري قوى أمره وكذلك الترمذي وابن خزيمة، وفي
بعض نسخ البخاري وقال النبي معَ له: ((المسلمون على شروطهم))، وقيل: ظن ابن التين أن
قوله: وقال النبي عَّ له: ((المسلمون على شروطهم)) بقية كلام ابن سيرين، فشرح على ذلك،
فوهم وقد اعترض عليه الشيخ قطب الدين الحلبي وغيره.
١٤/ ٢٢٧٤ - حدَّثنا مُسَدَّد قال حدثنا عبْدُ الوَاحِدِ حدثنا مَعْمَرٌ عنِ ابنِ طاؤُسٍ عنْ
أبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال نَهَى رسولُ اللهِ عَ لَّهِ أَنْ يُتَلَّقَّى الوُكْبَانُ ولاَ
يَبِيعَ حاضِرٌ لِبَادٍ قُلْتُ يا ابنَ عبَّاسٍ ما قَوْلُهُ لاَ يَبِيعُ حاضِرٌ لِبادٍ قال لاَ يَكُونُ لَهُ سَمْساراً.
[انظر الحديث ٢١٥٨ وأطرافه].
مضى هذا الحديث في كتاب البيع في باب النهي عن تلقي الركبان فإنه أخرجه هناك
عن عياش بن الوليد عن عبد الأعلى عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه .. إلى آخره، وأخرجه
هنا عن مسدد عن عبد الواحد بن زياد عن معمر بن راشد عن عبد الله بن طاوس عن أبيه
طاوس عن عبدالله بن عباس، وقد مضى الكلام فيه هناك مستقصى. قوله: ((لا يبيع)) بالنصب
على أن لا زائدة، وبالرفع بتقدير: قال قبله عطفاً على نهي، وقال ابن بطال: قال لا يكون له
سمساراً يعني من أجل المضرة الداخلة على الناس لا من أجل أجرته، والله أعلم.

١٣٤
٣٨ - كِتَابُ الإجَارَة / باب (١٥ و١٦)
١٥ - بابٌ هَلْ يُؤْاجِرُ الرَّجُلُ نَفْسَهُ مِنْ مُشْرِكٍ في أُرْضِ الحَربِ
أي: هذا باب يذكر فيه: هل يؤجر الرجل المسلم نفسه من رجل مشرك في دار
الحرب؟ ولم يذكر جواب الاستفهام، لأن حديث الباب يتضمن إجارة خباب نفسه، وهو
مسلم إذ ذاك في عمله للعاص بن وائل وهو مشرك، وكان ذلك بمكة، وكانت مكة إذ ذاك
دار حرب، وأطلع النبي عَُّلِّ على ذلك فأقره، ولكنه يحتمل أن يكون كان ذلك لأجل
الضرورة، أو كان ذلك قبل الإذن في قتال المشركين ومنابذتهم، وقبل الأمر بمنع إذلال
المؤمن نفسه. وقال المهلب: كره أهل العلم ذلك إلاَّ للضرورة بشرطين: أحدهما: أن يكون
عمله فيما يحل للمسلم، والآخر: أن لا يعينه على ما هو ضرر على المسلمين، وقال ابن
المنير: استقرت المذاهب على أن الصناع في حوانيتهم يجوز لهم العمل لأهل الذمة، ولا
يعتد ذلك من الذلة، بخلاف أن يخدُمه في منزله وبطريق التبعية له.
٢٢٧٥/١٥ _ حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ قال حدثنا أبي قال حدثنا الأعمَشُ عنْ مُسْلِم
عنْ مَشْرُوقٍ قال حدثنا خَبَّابٌ قال كُنْتُ رَجُلاً قِيناً فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِ بنِ وائِلٍ فَاجْتَمَعَ لِي عِنْدَهُ
فأَيْتُه أَتَقاضَاهُ فقال لا والله لاَ أَقْضِيكَ حتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ فَقُلْتُ أَما والله حتَّى تَمُوتَ ثُمَّ
تُبْعَثَ فَلا قالَ وإِنِّي لَمَيِّتْ ثُمَّ مَبْعُوثٌ قُلْتُ نَعَمْ قال فإِنَّهُ سَيَكُونُ لِي ثَمَّ مَالٌ وَوَلَدٌ فَأَقْضِيكَ
فأنزلَ الله تعالى ﴿أَفَرَّأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وقال لأُوْتِيَنَّ مَالاً وَوَلَدَا﴾. [مريم: ٧٧] [انظر
الحديث ٢٠٩١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، والحديث قد مضى في كتاب البيوع في: باب ذكر القين
والحداد، فإنه أخرجه هناك: عن محمد بن بشار عن ابن أبي عدي عن شعبة عن سليمان
عن أبي الضحى عن مسروق عن خباب ... إلى آخره، وأخرجه هنا عن عمر بن حفص عن
أبيه حفص بن غياث بن طلق النخعي الكوفي، قاضيها، عن سليمان الأعمش عن أبي الضحى
مسلم عن مسروق إلى آخره، وقد مر الكلام فيه هناك. والقين، بفتح القاف وسكون الياء آخر
الحروف: الحداد.
قوله: ((أما))، حرف التنبيه وجواب القسم محذوف تقديره: لا أكفر. قوله: ((حتى
تموت)) غاية له، والغرض التأييد كما في قولك: إبليس عليه اللعنة إلى يوم القيامة، وبعد
البعث لا يمكن الكفر. قوله: ((فلا)) أي: فلا أكفر، ويروى هكذا: فلا أكفر. فإن قلت: الفاء لا
تدخل جواب القسم. قلت: المذكور مفسر للمقدر، ويروى: أمَّا، بتشديد الميم، وتقديره: أمَّا
أنا فلا أكفر، والله، وأمّا غيري فلا أعلم حاله، قوله: ((وإني)) همزة الاستفهام مقدرة فيه، وإنما
أكد بأن واللام مع أن المخاطب هو خباب غير منكر ولا متردد في ذلك، لأن العاص فهم
منه التأكيد في مقابلة إنكاره، فكأنه قال: أتقول هذا الكلام المؤكد؟
١٦ - بابُ ما يُعْطَى في الرقَيَّةِ عَلى أخْياءِ الَعَرَبِ بِفاتِحَةِ الْكِتابِ
أي: هذا باب في بيان حكم ما يعطى في الرقية بفاتحة الكتاب، ولم يبين الحكم

١٣٥
٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (١٦)
اكتفاء بما في الحديث على عادته في ذلك. والرقية، بضم الراء وسكون القاف وفتح الياء
آخر الحروف: من رقاه رقياً ورقية ورقياً، فهو راقٍ: إذا عوذه، وصاحبه رقاه. وقال الزمخشري:
وقد يقال: استرقيته، بمعنى: رقيته. قال: وعن الكسائي: ارتقيته، بهذا المعنى، وقال ابن
درستويه: كل كلام استشفي به من وجع أو خوف أو شيطان أو سحر فهو رقية، وفي معظم
نسخ البخاري وأكثرها هكذا: باب ما يعطى في الرقية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب،
واعترض عليه بتقييده بأحياء العرب بأن الحكم لا يختلف باختلاف المحال ولا الأمكنة،
وأجاب بعضهم بأنه ترجم بالواقع ولم يتعرض لنفي غيره. قلت: هذا الجواب غير مقنع لأنه
قيده بأحياء العرب، والقيد شرط إذا انتفى ينتفي المشروط، وهذا القائل لم يكتف بهذا
الجواب الذي لا يرضى به حتى قال: والأحياء جمع حي، والمراد به: طائفة مخصوصة،
وهذا الكلام أيضاً يشعر بالتقييد، والأصل في الباب الإطلاق، فافهم.
وقال ابنُ عَبَّاسٍ عن النبيِّ عَّالِ أحَقُّ ما أخَذْتُمْ عَلَيْهِ أجْراً كِتَابُ اللهِ
مطابقته للترجمة من حيث إن فيه جواز أخذ الأجرة لقراءة القرآن وللتعليم أيضاً وللرقيا
به أيضاً لعموم اللفظ، وهو يفسر أيضاً الإبهام الذي في الترجمة، فإنه ما بين فيه حكم ما
يعطى في الرقية بفاتحة الكتاب، وهذا الذي علقه البخاري طرف من حديث وصله هو في
كتاب الطب في: باب الشرط في الرقية بقطيع من الغنم، حدثني سيدان بن مضارب ... إلى
آخره وفي آخره: إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله.
وقد اختلف العلماء في أخذ الأجر على الرقية بالفاتحة، وفي أخذه على التعليم،
فأجازه عطاء وأبو قلابة، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وأبي ثور، ونقله القرطبي عن أبي
حنيفة في الرقية، وهو قول إسحاق. وكره الزهري تعليم القرآن بالأجر. وقال أبو حنيفة
وأصحابه: لا يجوز أن يأخذ الأجر على تعليم القرآن، وقال الحاكم من أصحابنا في كتابه
(الكافي): ولا يجوز أن يستأجر رجل رجلاً أن يعلم ولده القرآن والفقه والفرائض أو يؤمهم
رمضان أو يؤذن، وفي (خلاصة الفتاوى) ناقلاً عن الأصل: لا يجوز الاستئجار على الطاعات
كتعليم القرآن والفقه والأذان والتذكير والتدريس والحج والغزو، يعني: لا يجب الأجر، وعند
أهل المدينة: يجوز، وبه أخذ الشافعي ونصير وعصام، وأبو نصر الفقيه وأبو الليث رحمهم
الله. والأصل الذي بنى عليه حرمة الاستئجار على هذه الأشياء: أن كل طاعة يختص بها
المسلم لا يجوز الاستئجار عليها، لأن هذه الأشياء طاعة وقربة تقع على العامل. قال تعالى:
﴿وأن ليس للإنسان إلاَّ ما سعى﴾ [النجم: ٣٩]. فلا يجوز أخذ الأجرة من غيره كالصوم
والصلاة، واحتجوا على ذلك بأحاديث: منها: ما رواه أحمد في (مسنده): حدثنا إسماعيل بن
إبراهيم عن هشام الدستوائي حدثني يحيى بن أبي كثير عن أبي راشد الحبراني قال: قال عبد
الرحمن بن شبل: سمعت رسول الله، عَّ اليه، يقول: إقرأوا القرآن ولا تأكلوا به، وعنه: ولا تجفوا
ولا تقلوا فيه ولا تستكثروا به، ورواه إسحاق بن راهويه أيضاً في (مسنده) وابن أبي شيبة
وعبد الرزاق في (مصنفيهما). ومن طريق عبد الرزاق رواه عبد بن حميد وأبو يعلى الموصلي

١٣٦
٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (١٦)
والطبراني. ومنها: ما رواه البزار في (مسنده) عن حماد بن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة
ابن عبد الرحمن عن أبيه عبد الرحمن بن عوف مرفوعاً نحوه. ومنها: ما رواه ابن عدي في
(الكامل) عن الضحاك بن نبراس البصري عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي
هريرة عن رسول الله عَّلِ نحوه. ومنها: حديث رواه أبو داود من حديث المغيرة بن زياد
الموصلي عن عبادة بن نسي عن الأسود بن ثعلبة عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه،
قال: علَّمتُ ناساً من أهل الصفة القرآن فأهدى إليَّ رجل منهم قوساً، فقلت: ليست بمال،
وأرمي بها في سبيل الله. فسألت النبي عَِّ عن ذلك؟ فقال: إن أردت أن يطوقك الله طوقاً
من نار فاقبلها. ورواه ابن ماجه والحاكم في (المستدرك) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وأخرجه أبو داود من طريق آخر من حديث جنادة بن أبي أمية عن عبادة بن الصامت، قال:
كان النبي، عَ ◌ّهِ، إذا قدم الرجل مهاجراً دفعه إلى رجل منا يعلمه القرآن، فدفع إليَّ رجلاً
كان معي وكنت أقرئه القرآن، فانصرفت يوماً إلى أهلي فرأى أن عليه حقاً، فأهدى إلي قوساً
ما رأيت أجود منها عوداً، ولا أحسن منها عطاء، فأتيت رسول الله، مَّلّه، فاستفتيته، فقال:
جمرة بين كتفيك تقلدتها - أو تعلقتها. وأخرجه الحاكم في (كتاب الفضائل) عن أبي
المغيرة عبد القدوس بن الحجاج عن بشر بن عبد الله بن يسار به سنداً ومتناً. وقال: حديث
صحيح الأسناد ولم يخرجاه. ومنها: ما رواه ابن ماجه من حديث عطية الكلاعي عن أبي بن
كعب، رضي الله تعالى عنه، قال: علمت رجلاً القرآن فأهدى إليَّ قوساً، فذكرت ذلك للنبي،
عَ لِّ، فقال: إن أخذتها أخذت قوساً من نار. قال: فرددتها.
ومنها: ما رواه عثمان بن سعيد الدارمي من حديث أم الدرداء عن أبي الدرداء أن
رسول الله، عٍَّ، قال: (من أخذ قوساً على تعليم القرآن قلده الله قوساً من نار)). ومنها: ما
رواه البيهقي في (شعب الإيمان) من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله،
عَ الى: ((من قرأ القرآن يأكل به الناس جاء يوم القيامة ووجهه عظمة ليس عليه لحم)). ومنها:
ما رواه الترمذي من حديث عمران بن حصين يرفعه: ((اقرأوا القرآن وسلوا الله به، فإن من
بعد كم قوم يقرأون القرآن يسألون الناس به)). وذكر ابن بطال من حديث حماد بن سلمة عن
أبي جرهم عن أبي هريرة، قلت: ((يا رسول الله! ما تقول في المعلمين؟ قال! أجرهم حرام))
وذكر ابن الجوزي من حديث ابن عباس، مرفوعاً: ((لا تستأجروا المعلمين)) وهذا غير صحيح،
وفي إسناده أحمد بن عبد الله الهروي، قال ابن الجوزي: دجال يضع الحديث، ووافقه
صاحب التنقيح، وهذه الأحاديث، وإن كان في بعضها مقال، لكنها يؤكد بعضها بعضاً، ولا
سيما حديث القوس، فإنه صحيح كما ذكرنا، وإذا تعارض نصان أحدهما مبيح والآخر محرم
يدل على النسخ كما نذكره عن قريب، وكذلك الكلام في حديث أبي سعيد الخدري الذي
يأتي عن قريب، إن شاء الله تعالى، في هذا الباب.
وأجاب ابن الجوزي ناقلاً عن أصحابه عن حديث أبي سعيد، رضي الله تعالى عنه،
ثلاثة أجوبة: أحدها: أن القوم كانوا كفاراً فجاز أخذ أموالهم. والثاني: أن حق الضيف

١٣٧
٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (١٦)
واجب ولم يضيفوهم. والثالث: أن الرقية ليست بقربة محضة، فجاز أخذ الأجرة عليها.
وقال القرطبي: ولا نسلم أن جواز أخذ الأجر في الرقي يدل على جواز التعليم بالأجر، وقال
بعض أصحابنا: ومعنى قوله عَّ له: ((إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله))، يعني: إذا رقيتم
به، وحمل بعض من منع أخذ الأجر على تعليم القرآن الأجر في الحديث المذكور على
الثواب، وبعضهم ادعوا أنه منسوخ بالأحاديث المذكورة التي فيها الوعيد، واعترض عليه
بعضهم بأنه إثبات النسخ بالاحتمال، وهو مردود.
قلت: منع هذا بدعوى الاحتمال مردود، ومن الذي قال هذا الحديث يحتمل النسخ،
بل الذي ادعى النسخ إنما قال: هذا الحديث يحتمل الإباحة، والأحاديث المذكورة تمنع
الإباحة قطعاً، والنسخ هو الحظر بعد الإباحة، لأن الإباحة أصل في كل شيء، فإذا طرأ
الحظر يدل على النسخ بلا شك، وقال بعضهم: الأحاديث المذكورة ليس فيها ما تقوم به
الحجة فلا تعارض الأحاديث الصحيحة. قلت: لا نسلم عدم قيام الحجة فيها. فإن حديث
القوس صحيح، وفيه الوعيد الشديد. وقال الطحاوي: ويجوز الأجر على الرقي وإن كان
يدخل في بعضه القرآن، لأنه ليس على الناس أن يرقي بعضهم بعضاً، وتعليم الناس بعضهم
بعضاً القرآن واجب، لأن في ذلك التبليغ عن الله تعالى، وقال صاحب (التوضيح): قول
الطحاوي هذا غلط، لأن تعلمه ليس بفرض، فكيف تعليمه؟ وإنما الفرض المعين منه على كل
أحد ما تقوم به الصلاة، وغير ذلك فضيلة ونافلة، وكذلك تعليم الناس بعضهم بعضاً، ليس
بفرض متعين عليهم، وإنما هو على الكفاية، ولا فرق بين الأجرة في الرقي وعلى تعليم القرآن،
لأن ذلك كله منفعة. انتهى.
قلت: هذا كلام صادر بقلة الأدب وعدم مراعاة أدب البحث، سواء كان هذا الكلام
منه أو هو نقله من غيره، وكيف يقول: لأن تعلمه ليس بغرض فكيف تعليمه؟ فإذا لم يكن
تعليمه وتعلمه فرضاً فلا يفرض قراءة القرآن في الصلاة. وقد أمر الله تعالى بالقراءة فيها بقوله:
((فاقرأوا)) فإذا أسلم أحد من أهل الحرب أفلا يفرض عليه أن يعلم مقدار ما تجوز به صلاته؟
وإذا لم يجد إلاَّ أحداً ممن يقرأ القرآن كله أو بعضه، أفلا يجب عليه أن يعلمه مقدار ما
تجوز به الصلاة؟ وقوله: وإنما الفرض المعين منه ما تقوم به الصلاة، يدل على أن تعلمه فرض
عليه، لأنه لا يقدر على هذا المقدار إلاَّ بالتعليم، إذ لا يقدر عليه من ذاته، فإذا كان ما تقوم
به الصلاة من القراءة فرضاً عليه يكون تعلمه هذا المقدار فرضاً عليه، لأن ما يقوم به الفرض
فرض، والتعلم لا يحصل إلاَّ بالتعليم، فيكون فرضاً على كل حال، سواء كان على التعيين أو
على الكفاية، وكيف لا يكون فرضاً وقد أمر رسول الله عَ له بالتبليغ من الله تعالى؟ ولو كان
آية من القرآن؟ وأوجب التبليغ عليه، عَّله: بلغوا عني ولو آية من كتاب الله تعالى.
وقال الشّغْبِيُّ لاَ يَشْتَرِطُ المُعَلِّمُ إِلاَّ أَنْ يُعْطِى شَيْئاً فَلْيَقْبَلْهُ
الشعبي هو عامر بن شراحيل، ووصل تعليقه ابن أبي شيبة عن مروان بن معاوية عن

١٣٨
٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (١٦)
عثمان بن الحارث، قال: حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن أيوب بن عائذ الطائي عنه، وقول
الشعبي هذا يدل على أن أخذ الأجر بالاشتراط لا يجوز فإن اعطى من غير شرط فإنه يجوز
أخذه لأنه إمَّا هبة أو صدقة، وليس بأجرة، وأصحابنا الحنفية قائلون بهذا أيضاً. قوله: ((إلا أن
يعطى))، الاستثناء فيه منقطع، معناه: لكن الإعطاء بدون الاشتراط جائز فيقبله، ويروى: إن،
بكسر الهمزة أي: لكن إن يعطى شيئاً بدون الشرط فليقبله، وإنما كتب يعطى، بالألف على
قراءة الكسائي: ﴿من يتقٍ ويصبر﴾ [ يوسف: ٩٠] أو الألف حصلت من إشباع الفتحة.
وقال الحَكَمُ لَمْ أسْمَغْ أحداً كَرِهَ أجْرَ المُعَلِّمِ
الحكم، بفتح الحاء والكاف: ابن عتيبة، ووصل تعليقه البغوي في (الجعديات):
حدثنا علي بن الجعد عن شعبة سألت معاوية بن قرة عن أجر المعلم، فقال: أرى له أجراً،
قال: وسألت الحكم، فقال: ما سمعت فقيها يكرهه. انتهى. قلت: نفي الحكم سماعه من
أخذ كراهة أجر المعلم لا يستلزم النفي عن الكل، لأن النبيي عَّم كره لعبادة بن الصامت
حين أهدى له من كان يعلمه قوساً ... الحديث، وقد مر عن قريب، وقال عبد الله بن شقيق:
يكره أرش المعلم، فإن أصحاب رسول الله عَلَِّ كانوا يكرهونه ويرونه شديداً، وقال إبراهيم
النخعي: كانوا يكرهون أن يأخذوا على الغلمان في الكتاب أجراً، وذهب الزهري وإسحاق
إلى: أنه لا يجوز أخذ الأجر عليه.
وأعْطَى الحَسَنُ دَراهِمَ عَشْرَةً
أي: أعطى الحسن البصري عشرة دراهم أجر المعلم، ووصل تعليقه محمد بن سعد
في (الطبقات) من طريق يحيى بن سعيد بن أبي الحسن، قال: لما حذقت قلت لعمي: يا
عماه! إن المعلم يريد شيئاً. قال: ما كانوا يأخذون شيئاً. ثم قال: أعطه خمسة دراهم، فلم
أزل به حتى قال: أعطوه عشرة دراهم، وروى ابن أبي شيبة: حدثنا حفص عن أشعث عن
الحسن أنه قال: لا بأس أن يأخذ على الكتابة أجراً، وكره الشرط. انتهى، والكتابة غير
التعلیم.
ولَمْ يَرَ ابنُ سِيرِينَ بأجْرِ الْقَشَّام بأساً. وقال كانَ يُقالُ السُّختُ الرَّشْوَةُ في الحُكْمِ
وكانُوا يُعْطَوْنَ عَلى الخَرْصِ
قيل: وجه ذكر القسام والخارص في هذا الباب الاشتراك في أن جنسهما وجنس
تعليم القرآن والرقية واحد. انتهى. قلت: هذا وجه فيه تعسف، ويمكن أن يقال: وقع هذا
استطراداً لا قصداً، وابن سيرين هو محمد بن سيرين، والقسام، بالفتح والتشديد، مبالغة قاسم،
وقال الكرماني: القسام جمع القاسم، فعلى قوله: القاف مضمومة. قلت: السحت، بضم
السين وسكون الحاء المهملتين، وحكى ضم الحاء وهو شاذ، وقد فسره بالرشوة في الحكم،
وهو بتثليث الراء، وقيل بفتح الراء المصدر، وبالكسر الاسم. وقيل: السحت ما يلزم العار
بأكله، وقال ابن الأثير: الرشوة الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة وأصله من الرشاء الذي توصل

١٣٩
٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (١٦)
به إلى الماء. وقال: السحت الحرام الذي لا يحل كسبه لأنه يسحت البركة أي يذهبها،
واشتقاقه من السحت بالفتح، وهو الإهلاك والاستئصال. قوله: ((وكانوا يعطون)) أي: الأجرة،
على الخرص، بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء وبالصاد المهملة، وهو الحرز وزناً ومعنىّ.
ومضى الكلام فيه في البيوع.
ثم اعلم أن قول ابن سيرين: في أجرة القسام، مختلف فيه، فروى عبد بن حميد في
(تفسيره): من طريق يحيى بن عتيق عن محمد وهو ابن سيرين: أنه كان يكره أجور القسام،
ويقول: كان يقال: السحت الرشوة على الحكم، وأرى هذا حكماً يؤخذ عليه الأجر، وروى
ابن أبي شيبة من طريق قتادة، قال: قلت لابن المسيب: ما ترى في كسب القسام؟ فكرهه،
وكان الحسن يكره كسبه، وقال ابن سيرين: إن لم يكن حسناً فلا أدري ما هو، وجاءت عنه
رواية جمع بها ما بين هذا الاختلاف، قال ابن سعد: حدثنا عارم حدثنا حماد عن يحيى عن
محمد هو ابن سيرين، أنه كان يكره أن يشارط القسام، فكأنه كان يكره له أخذ الأجرة على
سبيل المشاركة ولا يكرهها إذا كانت بغير اشتراط. وأما قول ابن سيرين: السحت الرشوة في
الحكم، فأخذه مما جاء عن عمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت، رضي الله تعالى عنهم،
من قولهم في تفسير السحت: إنه الرشوة في الحكم، أخرجه الطبري بأسانيده عنهم، ورواه
من وجه آخر مرفوعاً برجال ثقات، ولكنه مرسل ولفظه: كل جسم أنبته السحت فالنار أولى
به. قيل: يا رسول الله! وما السحت؟ قال: ((الرشوة في الحكم)).
٢٢٧٦/١٦ - حدَّثنا أبو النُعْمانِ قال حدَّثنا أبو عَوانَةَ عنْ أبِي بِشْرٍ عنْ أبِي المُتَوَكِّلِ
عنْ أبِي سَعِيدٍ رضي الله تعالى عنهُ قال انْطَلَقَ نفَرٌ مِنْ أصْحَابِ النبيِّ عَّهِ فِي سَفْرَةٍ
سافَرُوهَا حتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيّ مِنْ أحْياءِ الْعَرَبِ فاسْتَضَافُوهُمْ فأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُمْ فَلُدِعَ سَيِّدُ
ذلِكَ الحَيِّ فسِعَوُا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ فقال بَعْضُهُمْ لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلاءِ الرَّهْطِ الَّذِينَ
نَزَّلُوا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٍ فَأَتَوْهُمْ فقالُوا يَاأَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سيّدَنِ لُدِغَ وسَعَيْنَا لَه
بِكُلِّ شَيءٍ لاَ يَنْفَعُهُ فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شِيْءٍ فقال بَعْضُهُمْ نعَمْ إِنِّي لأَرْقَى وَلَكِنْ واللهِ
لَقَدِ اسْتَضَفْتَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونا فَما أنا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنا جُعْلاً فَصَالَحُوهُمْ عَلى قَطِيعِ
مِنَ الغَنَمِ فَانْطَلَقِ يَتْفِلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ١] فَكَأْمَا نُشِطَ مِنْ
عِقالٍ فَانْطَلقَ يَمْشِي وما بِهِ قَلَبَةٌ قَالَ فأوْفُوهُمْ بُعْلَهُمُ الذي صالَحُوهُمْ عَلَيْهِ فقالَ بَعْضُهُمْ
أَقْسِمُوا فقال الذِي رَقَى لاَ تَفْعَلُوا حتَّى نأتِي النبيَّ عَلِّ فَتَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ فَتَنْظُرَ ما يَأْمُؤُنَا
فَقَدِمُوا عَلَى رسولِ اللهِ عَلِ فَذَكَرُوا لَهُ فقال وما يُدْرِيكَ أنَّها رُقْيَةَثُمَّ قال قَدْ أَصَبْتُمْ أَقْسِمُوا
واضْرِبُوا لِي معَكُمْ سَهْماً فضَحِكَ رسولُ اللهِ عَِّ. [الحديث ٢٢٧٦ - أطرافه في: ٥٠٠٧،
٥٧٣٦، ٥٧٤٩ ].
مطابقته للترجمة افي قوله: ((فانطلق يتفل عليه ويقرأ الحمد لله رب العالمين)) وهو
الرقية بفاتحة الكتاب.

١٤٠
٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (١٦)
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي، الثاني: أبو
عوانة، بفتح العين: الوضاح بن عبد الله اليشكري. الثالث: أبو بشر، بكسر الباء الموحدة
وسكون الشين المعجمة: هو جعفر بن أبي وحشية، وهو مشهور بكنيته أكثر من اسمه واسم
أبيه أبو وحشية إياس. الرابع: أبو المتوكل واسمه: علي بن داود، بضم الدال المهملة
وتخفيف الواو، وقيل: داود الناجي، بالنون والجيم، السامي، بالسين المهملة، مات سنة
إثنتين ومائة. الخامس: أبو سعيد الخدري، واسمه سعد بن مالك مشهور باسمه وكنيته.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
ثلاثة مواضع. وفيه: أن رجال هذا الحديث كلهم مذكورون بالكنى، وهذا غريب جداً. وفيه:
أن شيخه ومن بعده كلهم بصريون غير أبي عوانة فإنه واسطي. وفيه: عن أبي بشر عن أبي
المتوكل عن أبي سعيد، وقد ذكر البخاري في آخر الباب بتصريح أبي بشر بالسماع منه،
وتابع أبو عوانة على هذا الإسناد شعبة كما في آخر الباب، وهشيم كما أخرجه مسلم
والنسائي وخالفهم الأعمش فرواه عن جعفر بن أبي وحشية عن أبي نضرة عن أبي سعيد،
جعل بدل: أبي المتوكل أبا نضرة. وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه من طريقه، وقال
الترمذي: طريق شعبة أصح من طريق الأعمش، وقال ابن ماجه: هو الصواب، وقال ابن
العربي: فيه اضطراب وليس بشيء.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الطب عن موسى بن
إسماعيل وفيه عن بندار عن غندر. وأخرجه مسلم في الطب عن بندار وأبي بكر بن نافع عن
غندر به، وعن يحيى بن يحيى. وأخرجه أبو داود فيه وفي البيوع عن مسدد. وأخرجه
الترمذي فيه عن محمد بن المثنى. وأخرجه النسائي فيه وفي اليوم والليلة عن بندار به وعن
زياد بن أيوب. وأخرجه ابن ماجه في التجارات عن أبي كريب وأوله: ((بعثنا في ثلاثين راكباً».
ذكر معناه: قوله: ((انطلق نفر))، النفر رهط الإنسان وعشيرته، وهو اسم جمع يقع على
جماعة الرجال خاصة ما بين الثلاثة إلى العشرة ولا واحد له من لفظه، قال ابن الأثير: ويجمع
على أنفار، وهذا يدل على أنهم ما كانوا أكثر من العشرة. وفي (سنن ابن ماجه): بعثنا في
ثلاثين راكباً. وفي رواية الأعمش عند الترمذي: بعثنا رسول الله، عٍَّ، ثلاثين رجلاً فنزلنا
بقوم ليلاً فسألناهم القرى - أي: الضيافة - وفيه عدد السرية ووقت النزول، وفي رواية
الدارقطني: بعث سرية عليها أبو سعيد، وفيها تعيين أمير السرية، والسرية طائفة من الجيش
يبلغ أقصاها أربعمائة تبعث إلى العدو وتجمع على السرايا. قوله: ((حي))، اعلم أن طبقات
أنساب العرب ست: الشعب، بفتح الشين؛ وهو النسب الأبعد: كعدنان مثلاً، وهو أبو القبائل
الذين ينسبون إليه، ويجمع على شعوب، والقبيلة: وهي ما انقسم به الشعب: كربيعة ومضر،
والعمارة، بكسر العين: وهي ما انقسم من أنساب القبيلة: كقريش وكنانة، ويجمع على
عمارات وعمائر، والبطن: وهي ما انقسم فيه أنساب العمارة: كبني عبد مناف وبني مخزوم،
ويجمع على بطون وأبطن، والفخذ: وهي ما انقسم فيه أنساب البطن كبني هاشم وبني أمية،
--