النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (٩٤)
وفي (التوضيح): واختلفوا في بيع القثاء والبطيخ وما يأتي بطناً بعد بطن. فقال مالك: يجوز
بيعه إذا بدا صلاحه، ويكون للمشتري ما ينبت حتى ينقطع ثمره، لأن وقته معروف عند
الناس. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز بيع بطن منه إلاّ بعد طيبه كالبطن الأول، وهو
عندهم من بيع ما لم يخلق، وجعله مالك كالثمرة إذا بدا صلاحها جاز ما بدا صلاحه وما لم
يبدُ لحاجتهم إلى ذلك، ولو منعوا منه لأضرهم، لأن ما يدعو إليه الضرر يجوز فيه بعض
الغرر. ألا يرى أن الظئر يكرى لأجل لبنها الذي لم يخلق ولم يوجد إلاَّ أوله، ولا يدري كم
يشرب الصبي منه، وكذلك لو اكترى عبداً لخدمته فالمنفعة التي وقع عليها العقد لم تخلق،
وإنما تتجدد أولاً فأولاً، حتى لو مات العبد تعذرت المحاسبة على ما حصل من المنفعة، وقد
جرت العادة في الأغلب إذا كان الأصل سليماً من الآفات أن تتتابع بطونها وتتلاحق، وعدم
مشاهدته لا تدل على بطلان بيعه، بدليل بيع الجوز واللوز في قشورهما وفساده يتبين من
خارج.
٢٢٠٨/١٥٠ _ حدَّثنا قُتَيْبَةُ قال حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جَغْفَرٍ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنَسٍ رضي
الله تعالى عنهُ أنَّ النبيَّ عَ لِّ نَهَى عِنْ بَيْعِ ثَمَرِ النَّشْرِ حتَّى تَزْهُو فَقُلْنَا لِأَنَسِ ما زَهْؤُها قال
تَحْمَرُ وتَصْفَرْ أَرَأيْتَ إنْ مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ بِمَ تَسْتَحِلُ مالَ أَخِيكَ. [انظر الحديث ١٤٨٨
وأطرافه].
مطابقته للترجمة من معنى الحديث، لأن الثمرة قبل زهوها خضراء، فتدخل في بيع
المخاضرة، قبل الزهو، وإسماعيل بن جعفر بن كثير أبو إبراهيم الأنصاري المديني. والحديث
أخرجه مسلم في البيوع أيضاً عن يحيى بن أيوب وقتيبة وعلي بن حجر، ثلاثتهم عن
إسماعيل به.
قوله: ((ثمر التمر))، الأول بالثاء المثلثة وفتح الميم، والثاني بالتاء المثناة من فوق
وسكون الميم، ويروى: بيع الثمر، بدون الإضافة إلى شيء. قوله: ((أرأيت))، معناه أخبرني.
قوله: ((إن منع الله الثمرة)) يعني: لم يخرج شيء. قوله: ((بم تستحل؟)) يعني: إذا تلف الثمر
لا يبقى في مقابلة شيء عوض ذلك، فيكون البائع آكلاً لمال غيره بالباطل. واحتمال التلف
بعد الزهو، وإن كان ممكناً، لكن تطرقه إلى الباذي أسرع وأظهر وأكثر.
٩٤ - بابُ بَيْعِ الجُمَّارِ وأْلِهِ
أي: هذا باب في بيان حكم بيع الجمار، بضم الجيم وتشديد الميم، هو قلب
النخلة. ويقال: شحمها. قوله: ((وأكله)) أي: وفي بيان حكم أكله.
٢٢٠٩/١٥١ _ حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ هِشامُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ قال حدَّثنا أَبُو عَوَانَةَ عنْ أَبِي
بِشْرٍ عنْ مُجَاهِدٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُما قال كُنْتُ عِنْدَ النبيِّ عَ لَّهِ وَهْوَ يَأْكُلُ
جَّاراً فقال مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةٌ كالرَّجُلِ المُؤْمِنِ فَأرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ فإذَا أنا أحدٌّتُهُمْ
قال هِيَ النَّخْلَةُ. [انظر الحديث ٦١ وأطرافه].

٢٢
٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (٩٥)
هذه الترجمة لها جزءان. أحدهما: بيع الجمار، والآخر: أكله، وليس في الحديث إلاّ
الأكل. وقال الكرماني: ما الذي يدل على بيع الجمار؟ ثم قال: جواز أكله. ولعل الحديث
مختصر مما فيه ذلك، أو غرضه الإشارة إلى أنه لم يجد حديثاً يدل عليه بشرطه انتهى.
قلت: الجواب الأول أوجه من الآخرين. وعن هذا قال ابن بطال: بيع الجمار وأكله من
المباحات بلا خلاف، وكل ما انتفع به للأكل فبيعه جائز. وقال بعضهم: فائدة الترجمة دفع
توهم المنع من ذلك لكونه قد يظن إفساداً وإضاعة وليس كذلك. قلت: المقصود من
الترجمة أن يدل على شيء في الحديث الذي يورده في بابها، وهذا الذي قاله أجنبي من
ذلك. وليس بشيء على ما لا يخفى.
وهذا الحديث قد مضى في كتاب العلم في: باب طرح الإمام المسألة على أصحابه،
فإنه أخرجه هناك: عن خالد بن مخلد عن سليمان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، وهنا
أخرجه: عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي عن أبي عوانة، بفتح العين المهملة:
الوضاح بن عبد الله اليشكري عن أبي بشر، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة:
جعفر بن أبي وحشية، واسمه: إياس البصري ... إلى آخره، وقد مضى الكلام فيه هناك.
قوله: ((وهو يأكل جماراً) جملة حالية، وهذه الجملة ليست مذكورة هناك فلذلك
هنا ترجم للأكل. قوله: ((فإذا أنا)) كلمة: إذا، للمفاجأة. وقوله: ((أحدثهم)) جوابها، أي:
أصغرهم، فمعنى الصغر في السن أن أتقدم على الأكابر وأتكلم بحضورهم.
وفيه: أكل الشارع بحضرة القوم تواضعاً، ولا عبرة بقول بعضهم: إنه يكره إظهاره، وإنه
يخفى مدخله كما يخفى مخرجه. وفيه: مراعاة الصغار الأدب بحضور الكبار.
٩٥ - بابُ منْ أجْرَى أَمْرَ الأمْصَارِ عَلَى ما يتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ فِي البُيُوعِ وَالإِجَارَةِ
والمِكْيَّالِ والوَزْنِ وَسُتَنِهِمْ عَلِى نِيَّاتِهِمْ ومَذَاهِبِهِمْ المَشْهُورَةِ
أي: هذا باب يذكر فيه من أجرى أمرها إلى الأمصار على ما يتعارفون بينهم، أي:
على عرفهم وعوائدهم في أبواب البيوع والإجارات والمكيال، وفي بعض النسخ: والكيل
والوزن مثلاً بمثل، كل شيء لم ينص عليه الشارع أنه كيلي أو وزني يعمل في ذلك على ما
يتعارفه أهل تلك البلدة مثلاً: الأرز فإنه لم يأت فيه نص من الشارع أنه كيلي أو وزني، فيعتبر
في عادة أهل كل بلدة على ما بينهم من العرف فيه، فإنه في البلاد المصرية يكال، وفي البلاد
الشامية يوزن، ونحو ذلك من الأشياء، لأن الرجوع إلى العرف جملة من القواعد الفقهية.
قوله: ((وسننهم))، عطف على ما يتعارفون بينهم أي: على طريقتهم الثابتة على حسب
مقاصدهم وعاداتهم المشهورة.
وحاصل الكلام أن البخاري قصد بهذه الترجمة إثبات الاعتماد على العرف والعادة.
وقال شُرَيْحٌ لِلْغَزَّالِينَ سَتُكُمْ بَيْنَكُمْ رِئْحاً
شريح، بضم الشين المعجمة: ابن الحارث الكندي القاضي من عهد عمر بن

٢٣
٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (٩٥)
الخطاب، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((للغزالين)) هو جمع: غزال، وهو بياع الغزل. قوله:
((سنتكم))، يجوز فيه الرفع والنصب، أما الرفع فعلى أنه مبتدأ وخبره قوله: ((بينكم))، يعني:
عادتكم وطريقتكم بينكم معتبرة، وأما النصب فعلى تقدير إلزموا سنتكم، وهذا التعليق وصله
سعيد بن منصور من طريق ابن سيرين: أن ناساً من الغزالين اختصموا إلى شريح في شيء كان
بينهم، فقالوا: إن سنتنا بيننا كذا وكذا، فقال: سنتكم بينكم. قوله: ((ربحاً)، قيل: لا معنى له
ههنا، وإنما محله في آخر الأثر الذي بعده. قلت: هكذا وقع في بعض النسخ، ولكنه غير
صحيح، لأن هذه اللفظة هنا لا فائدة لها ولا معنى يطابق الأثر.
وقال عَبْدُ الوهَّابِ عنْ أيّوبَ عن محَمَّدٍ
لاَ بأسَ الْعَشْرَةُ بِأحَدَ عَشَرَ ويأخُذُ لِلْتَّقَةِ رِبحاً
:
مطابقته للترجمة من حيث إن عرف البلد أن المشترى بعشرة دراهم يباع بأحد عشر،
فباعه المشتري على ذلك العرف لم يكن به بأس، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي،
وأيوب هو السختياني، ومحمد هو ابن سيرين، وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة عن عبد
الوهاب، هذا. قوله: ((لا بأس العشرة بأحد عشر))، أي: لا بأس أن يبيع ما اشتراه بمائة دينار
مثلاً كل عشرة منه بأحد عشر، فيكون رأس المال عشرة والربح ديناراً، وقال الكرماني:
العشرة، بالرفع والنصب إذا كان عرف البلد أن المشترى بعشرة دراهم يباع بأحد عشر
درهماً، فيبيعه على ذلك العرب، فلا بأس به. ويأخذ لأجل النفقة ربحاً. قلت: أما وجه الرفع
فعلى أنه مبتدأ وخبره هو قوله: ((بأحد عشر))، والتقدير: تباع بأحد عشر. وأما النصب فعلى
تقدير: بيع العشرة، يعني: المشترى بعشرة، بأحد عشر.
وقال ابن بطال: اختلف العلماء في ذلك فأجازه قوم وكرهه آخرون، وممن کرهه ابن
عباس وابن عمر ومسروق والحسن، وبه قال أحمد وإسحاق. قال أحمد: البيع مردود، وأجازه
ابن المسيب والنخعي، وهو قول مالك والثوري والأوزاعي، وحجة من كرهه لأنه بيع
مجهول، وحجة من أجازه بأن الثمن معلوم والربح معلوم وأصل هذا الباب بيع الصبرة كل
قفيز بدرهم ولا يعلم مقدارها من الطعام، فأجازه قوم وأباه آخرون، ومنهم من قال: لا يلزم إلا
القفيز الواحد. وعن مالك: لا يأخذ في المرابحة أجر السمسار ولا أجر الشد والطي ولا
النفقة على الرقيق، ولا كراء البيت، وإنما يحسب هذا في أصل المال ولا يحسب له ربح،
وأما كراء البز فيحسب له الربح لأنه لا بد منه، فإن أربحه المشتري على ما لا تأثير له جاز
إذا رضي بذلك. وقال أبو حنيفة: يحسب في المرابحة أجرة القصارة والسمسرة ونفقة الرقيق
وكسوتهم، ويقول: قام علي بكذا، ولا يقول: اشتريته بكذا.
قوله: ((ويأخذ للنفقة))، أي: لأجل النفقة ربحاً، هذا محل ذكر الربح، كما ذكرناه عن
قريب، وقد ذكرنا الآن خلاف مالك فيه.
:

٢٤
٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (٩٥)
وقال النبيُّ عَلَّهِ لِهِنْدٍ خُذِي ما يَكْفِيكِ وولَدَكِ بِالمَعْرُوفِ
مطابقته للترجمة من حيث إنه، عَّ له، قال لهند: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف،
وهو عادة الناس، وهذا يدل على أن العرف عمل جار. وقال ابن بطال: العرف عند الفقهاء
أمر معمول به، وهو كالشرط اللازم في الشرع، ومما يدل على ما قاله قضية هند بنت عتبة
زوج أبي سفيان والد معاوية، وهذا التعليق يأتي الآن موصولاً.
وذكر ابن بطال بعض مسائل من الفقه التي يعمل فيها بالعرف. منها: لو وكل رجل
رجلاً على بيع سلعة فباعها بغير النقد الذي هو عرف الناس لم يجز ذلك، ولزمه النقد
الجاري. وكذا: لو باع طعاماً موزوناً أو مكيلاً بغير الوزن أو الكيل المعهود لم يجز، ولزم
الكيل المعهود المتعارف من ذلك.
وقال تعالى: ﴿ومَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلِ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦].
هذا من الترجمة، وكان ينبغي أن يذكر في صدر الباب أو يكتفى بذكره في حديث
عائشة الآتي في هذا الباب، والمراد منه في الترجمة حوالة، وإلى اليتيم في أكله من ماله
على العرف.
واكْتَرَى الحَسَنُ مِنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مِزْدَاسٍ حِمَاراً فقال بِكَمْ قال بِدَانِقَيْنِ فَرَكِبَهُ ثُمَّ جاءَ
مَرَّةً أُخْرَى فقال الحِمَارَ الحِمَارَ فَرَكِبَهُ ولَمْ يُشَارِظْهُ فَبَعَثَ إلَيْهِ بِنِصْفٍ دِرْهَمِ
مطابقته للترجمة من حيث إن الحسن لم يشارط المكاري في المرة الثانية اعتماداً
على الأجرة المتقدمة، وزاد بعد ذلك على الأجرة المتقدمة على سبيل الفضل. وقد جرى
العرف أن شخصاً إذا اكترى حماراً أو فرساً أو جملاً للركوب إلى موضع معين بأجرة معينة،
ثم في ثاني مرة إذا أراد ركوب حمار هذا على العادة لا يشارطه الأجرة لاستغنائه عن ذلك،
باعتبار العرف المعهود بينهما، والحسن هو البصري، وعبد الله بن مرادس، بكسر الميم: هو
صاحب الحمار الذي اكتراه منه الحسن. ووصل هذا التعليق سعيد بن منصور عن هشيم عن
یونس فذ کر مثله.
قوله: ((بدانقین))، تثنية دانق بفتح النون و کسرها: وهو سدس الدرهم. قوله: «فر کبه))،
فيه حذف أي: فرضي الحسن بدانقين فأخذه فركبه. قوله: ((ثم جاء))، أي: الحسن مرة
أخرى إلى عبد الله بن مرداس، فقال: الحمار الحمار، بالتكرار ويجوز فيهما النصب والرفع،
أما النصب فعلى تقدير: هات الحمار، فينصب على المفعولية، وأما الرفع فعلى الابتداء،
والخبر محذوف أي: الحمار مطلوب، أو أطلب، أو نحو ذلك. قوله: ((ولم يشارطه))، يعني
الأجرة اعتماداً على الأجرة المتقدمة للعرف بذلك. قوله: ((فبعث إليه)) أي: بعث الحسن إلى
عبد الله المذكور ((بنصف درهم)) فزاد على الدانقين دانقاً آخر على سبيل الفضل والكرم.
٢٣١٠/١٥٢ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ محُمَيْدِ الطَّوِيلِ عنْ أَنَسٍ

٢٥
٣٤ - كِتَابُ البُيُوع / باب (٩٥)
ابنِ مالِكِ رضي الله تعالى عنهُ قال حَجَمَ رسولَ الله عَّه أَبُو طَيْبَةً فَأمَرَ لَهُ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ
بصاعٍ مِنْ تَمْرٍ وأمَرَ أَهْلَه أنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ. [انظر الحديث ٢١٠٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إنه عَ لّه لم يشارط الحجام المذكور على أجرته اعتماداً
على العرف في مثله، وقد مضى الحديث بعينه إسناداً ومتناً فيما مضى في كتاب البيوع في
باب ذكر الحجام، غير أن هناك: حجم أبو طيبة رسول الله عَ ليه، وهنا: حجم رسول الله عَ ليه
أبو طيبة.
٢٢١١/١٥٣ _ حدَّثنا أَبُو نُعَيْم قال حدثنا سُفْيانُ عنْ هِشَامٍ عنْ عُروَةَ عنْ عَائِشَةَ رضي
الله تعالى عنها قالَتْ هِنْدٌ أَمُّ مُعاوِيَّةٌ لِرَسُولِ اللهِ عَُّلَّهِ إِنَّ أبا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ فَهَلْ عَلَيَّ
جناح أنْ آخُذَ مِنْ مالِهِ سِرّاً قال خُذِي أَنْتِ وبَنُوكِ ما يَكْفِيكِ بالمَعْرُوفِ. [الحديث ٢٢١١
- أطرافه في: ٢٤٦٠، ٣٨٢٥، ٥٣٥٩، ٥٣٦٤١، ٥٣٧٠، ٦٦٤١، ٧١٦١، ٧١٨٠].
مطابقته للترجمة في قوله: ((خذي أنت وبنوك ما يكفيك بالمعروف)) من حيث إنه
عَّ الِ أحالها على العرف فيما ليس فيه تحديد شرعي. وأبو نعيم، بضم النون: هو الفضل بن
دكين، وسفيان هو الثوري، نص عليه المزي في (الأطراف).
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في النفقات عن محمد بن يوسف، وفي الأحكام عن
محمد بن كثير، ثلاثتهم عن سفيان به.
قوله: ((هند)) يصرف ولا يصرف، وهي بنت عتبة، بضم العين المهملة وسكون التاء
المثناة من فوق: ابن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، زوجة أبي سفيان، أسلمت عام
الفتح وماتت في خلافة عمر، رضي الله تعالى عنه. وأبو سفيان اسمه: صخر بن حرب - ضد
الصلح - ابن أمية بن عبد شمس، أسلم يوم فتح مكة، وكان رئيس قريش يومئذ، وقد مر في
حديث هرقل. قوله: ((شحيح))، بفتح الشين المعجمة وبالحاءين المهملتين، والشحيح: هو
البخيل الحريص. قوله: ((جناح))، بضم الجيم: أي: إثم. قوله: ((أن آخذ)) أي: بأن آخذ،
وكلمة: أن، مصدرية. قوله: ((سرا))، نصب على التمييز أي: من حيث السر، ويجوز أن يكون
صفة لمصدر محذوف أي أخذاً سراً غير جهر، قوله: ((وبنوك))، ويروى: وبنيك، بالجر. أما
وجه الأول فعلى أنه معطوف على الضمير المرفوع في: خذي، وإنما ذكر أنت ليصح العطف
عليه، وفيه خلاف بين البصريين والكوفيين، وأما النصب فعلى أنه مفعول معه. وقال
الكرماني: مقتضى المقام أن يقال أيضاً: وما يكفي بنيك، أو: ما يكفيكم. قلت: تقديره: ما
يكفي لنفسك ولبنيك، واقتصر عليها لأنها هي الكافلة لأمورهم. وقال أيضاً: فإن قلت: هذه
القصة بمكة وأبو سفيان فيها، فكيف حكم رسول الله عَ لّم في غيبته وهو في البلد؟ قلت:
هذا لم يكن حكماً بل كان فتوى. انتهى. وقال صاحب (التوضيح): واستدل بحديث هند
على القضاء على الغائب، وبالإفتاء لأن زوجها أبا سفيان كان متوارياً بها. انتهى. قلت: لم
يكن غائباً ولا متوارياً. وقال السهيلي: كان حاضراً سؤالها، فقال: أنت في حل مما أخذت،

٢٦
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٩٥)
فلا يصح الاحتجاج به على جواز القضاء على الغائب.
وقال الكرماني: وفيه: نفقة الزوجة والأولاد الصغار، وأنها مقدرة بالكفاية. قال: وفيه:
أخذ الحق من مال الغير بدون إذنه. قلت: ليس هذا على إطلاقه بل هذا إذا ظفر بجنس حقه،
وفي خلاف جنس حقه لا بد من إذنه أو إذن الحاكم. قال: وفيه: إطلاق الفتوى وإرادة
تعليقها بما يقوله المستفتي. وفيه: خروج المزوجة من بيتها لحاجتها إذا علمت رضی الزوج به.
٢٢١٢/١٥٤ _ حدَّثني إسْحَاقُ قال حدثنا ابنُ ثُمَيْرٍ قال أخبرنا هِشامٌ ح وحدَّثني
مُحَمَّدُ قالَ سَمِعْتُ عُثْمَانٍ بِنَ فَرْقَدٍ سَمِعْتُ هِشَامَ بنَ عُزْوَةَ يُحَدِّثُ عنْ أَبِيهِ أنَّهُ سَمِعَ عائِشَةَ
رضي الله تعالى عنها تقُولُ: ﴿ومنْ كانَ غَنِيّاً فلْيَسْتَغفِفْ ومنْ كانَ فَقِيراً فلْيأْكُلْ
بالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]. أُنْزِلَتْ فِي والِي اليَتِيمُ الَّذي يُقِيمُ عَلَيْهِ وَيُصْلِحُ فِي مالِهِ إِنْ كانَ
فَقِيراً أَكَلَ مِنْهُ بالمَعْرُوف. [الحديث ٢٢١٢ - طرفاه في: ٢٧٦٥، ٤٥٧٥].
مطابقته للترجمة في قوله: ((أكل منه بالمعروف)).
ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: إسحاق، قال الغساني: لم أجده منسوباً لأحد من
الرواة، وقال خلف وغيره: في (الأطراف) أنه إسحاق بن منصور، واستخرج أبو نعيم هذا
الحديث من مسند إسحاق بن راهويه عن ابن نمير. وقال: أخرجه البخاري عن إسحاق. وقال
في التفسير: أخرجه البخاري عن إسحاق بن منصور. الثاني: ابن نمير هو عبد الله بن نمير،
بضم النون، وقد مر في التيمم. الثالث: هشام بن عروة. الرابع: محمد بن المثنى المشهور
بالزَّمِن، وقد مر في الإيمان، كذا قاله الكرماني، ويقال: هو محمد بن سلام، والظاهر أنه هو
الأول. الخامس: عثمان بن فرقد، بفتح الفاء وسكون الراء وفتح القاف وفي آخره دال
مهملة، على وزن جعفر، هو العطار، فيه مقال، لكن البخاري لم يخرج له موصولاً إلاَّ هذا
الحديث، وقد قرنه بابن نمير، وذكر له آخر تعليقاً في المغازي. السادس: عروة بن الزبير بن
العوام. السابع: أم المؤمنين عائشة، رضي الله تعالى عنها.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الإفراد في ثلاثة مواضع. وفيه الإخبار
بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: السماع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في موضع واحد.
وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن شيخه إسحاق إن كان ابن منصور فهو مروزي انتقل
إلى نيسابور، وإن كان هو ابن راهويه فكذلك، مروزي انتقل إلى نيسابور. وفيه: أن شيخه
الآخر إن كان ابن المثنى فهو بصري، وإن كان محمد بن سلام فهو البخاري البيكندي.
وفيه: أن عبد الله بن نمير كوفي وأن عثمان بن فرقد بصري، وأن هشاماً وأباه عروة مدنيان.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً من حديث عبد الله بن
نمير عن هشام في التفسير، ومن طريق عثمان بن فرقد، من أفراده. وأخرجه مسلم في آخر
الكتاب عن أبي كريب عن عبد الله بن نمير به.
ذكر معناه: قوله: ﴿ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف﴾

٢٧
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٩٥)
[النساء: ٦]. هذا في سورة النساء، وأول الآية: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن
آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا ومن كان غنياً
فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى
بالله حسيباً﴾ [النساء: ٦]. قوله: ﴿وابتلوا اليتامى﴾ [النساء: ٦]. أي: اختبروهم، قاله ابن
عباس ومجاهد والحسن والسدي، ومقاتل بن حيان. قوله: ﴿حتى إذا بلغوا النكاح﴾
[النساء: ٦]. قال مجاهد: يعني الحلم. قوله: ﴿فإن آنستم منهم رشداً﴾ [النساء: ٦]. يعني:
صلاحاً في دينهم وحفظاً لأموالهم، قاله سعيد بن جبير، ثم نهى الله عن أكل أموال اليتامى
من غير حاجة ضرورية إسرافاً ومبادرة قبل بلوغهم. قوله: ﴿ومن كان غنياً﴾ [النساء: ٦].
أي: من كان في غنية عن مال اليتيم فليستعفف عنه ولا يأكل منه شيئاً. قوله: ((أنزلت)) أي:
هذه الآية ((في والي اليتيم)) وهو الذي يلي أمره ويتولاه. قوله: ((الذي يقيم عليه))، قال
ابن التين: الصواب: يقوم، لأنه من القيام لا من الإقامة. قلت: لا مانع من ذلك، لأن معناه
يلازمه ويعتكف عليه أو يقيم نفسه عليه، وكذا أخرجه أبو نعيم عن هشام من وجه آخر،
وذهل صاحب التوضيح عن هذا المعنى، وقال: الصواب: يقوم، بالواو لأن: يقيم، متعد بغير
حرف جر. قوله: ((أكل منه بالمعروف))، يعني: بقدر قيامه عليه. وقال الفقهاء: له أن يأكل
أقل الأمرين أجرة مثله أو قدر حاجته.
واختلفوا: هل يرد إذا أيسر؟ على قولين:
أحدهما: لأنه أكل بأجرة عمله وكان فقيراً، وهو الصحيح عند أصحاب الشافعي لأن
الآية أباحت الأكل من غير بدل، وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب حدثنا حسين عن
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رجلاً سأل رسول الله عَّله، فقال: ليس لي مال، ولي
يتيم، فقال: ((كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل مالاً، ومن غير أن تقي
مالك))، وقال: تفدي مالك، شك حسين. وروى ابن حبان في (صحيحه) وابن مردويه في
(تفسيره) من حديث علي بن مهدي عن جعفر بن سليمان عن أبي عامر الخراز عن عمرو بن
دينار عن جابر: أن رجلاً قال: يا رسول الله، مما أضرب يتيمي؟ قال: ((ما كنت ضارباً منه
ولدك غير واق مالك بماله ولا متأثل منه مالاً)). وقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن يحيى أخبرنا
عبد الرزاق أخبرنا الثوري عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد قال: جاء أعرابي إلى ابن
عباس، فقال: إن في حجري أيتاماً، وإن لهم إبلاّ ولي إبل، وأنا أمنح في إبلي وأفقر. فماذا
يحل لي من ألبانها؟ فقال: إن كنت تبغي ضالتها وتهنأ جرباها وتلوط حوضها وتسقي عليها
فاشرب غير مضر بنسل ولا ناهك في الحلب، وبهذا القول - وهو عدم البدل - يقول عطاء
ابن أبي رباح وعكرمة وإبراهيم النخعي وعطية العوفي والحسن البصري.
والثاني: نعم، لأن مال اليتيم على الخطر، وإنما أبيح للحاجة فيرد بدله، كأكل مال
الغير للمضطر عند الحاجة. قوله: ﴿ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف﴾ [النساء: ٦].
يعني: القرض، كذا رواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وروى

٢٨
٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (٩٦)
من طريق السدي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: فليأكل بالمعروف، قال: يأكل بثلاث
أصابع. وقال الشعبي: لا يأكل منه إلاّ أن يضطر إليه، كما يضطر إلى الميتة. فإن أكل منه
قضاه، رواه ابن أبي حاتم. وقيل: إن الولي يستقرض من مال اليتيم إذا افتقر، وبه قال عبيدة
وعطاء وأبو العالية، وقيل: فليأكل بالمعروف في مال نفسه لئلا يحتاج إلى مال اليتيم، وقال
مجاهد: ليس عليه أن يأخذ قرضاً ولا غيره، وبه قال أبو يوسف، وذهب إلى أن الآية منسوخة
نسختها: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [البقرة: ١٨٨]. قوله: ﴿فإذا دفعتم إليهم
أموالهم﴾ [النساء: ٦]. يعني: بعد بلوغهم الحلم وإيناس الرشد، فحينئذ سلموهم أموالهم،
فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم لئلا يقع من بعضهم جحود وإنكار لما قبضه
وتسلمه. قوله: ﴿وكفى بالله حسيباً﴾ [النساء: ٦]. أي: محاسباً وشاهداً ورقيباً على الأولياء
في حال نظرهم للأم حال تسلمهم الأموال، هل هي كاملة وفرة أو ناقصة مبخوسة، مدحلسة
مروج حسابها، مدلس أمورها؟ والله عالم بذلك كله، ولهذا ثبت في (صحيح مسلم): أن
رسول الله عَّ له قال: ((يا أبا ذر إني أراك ضعيفاً وإني أحب لك ما أحب لنفسي: لا تأمرنَّ
على اثنين ولا توَلينَّ مال يتيم).
٩٦ - بابُ بَيْعِ الشَّرِيكِ مِنْ شَرِيكِهِ
أي: هذا باب في بيان حكم بيع الشريك من شريكه.
٢٢١٣/١٥٥ _ حدَّثني مَحمُودٌ قال حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قال أخبرنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ
عنْ أبي سَلَمَةَ عنْ جابِرٍ رضي الله تعالى عنهُ قال جعَلَ رسولُ اللهِ عَّهِ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مالٍ
لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وصُرِّفَتِ الطُّرْقُ فَلَا شُفْعَةَ. [الحديث ٢٢١٣ - أطرافه في:
٢٢١٤، ٢٢٥٧، ٢٤٩٥، ٢٤٩٦، ٦٩٧٦].
مطابقته للترجمة من حيث إن الشفعة لا تقوم إلاَّ بالشفيع، وهو إذا أخذ الدار
المشتركة بينه وبين رجل حين باع ما يخصه بالشفعة فكأنه اشتراه من شريكه فصدق عليه أنه
بيع الشريك من الشريك. ومحمود هو ابن غيلان، بالغين المعجمة، وعبد الرزاق ابن همام،
ومعمر ابن راشد، والزهري محمد بن مسلم، وأبو سلمة ابن عبد الرحمن.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً عن محمد بن محبوب وفيه وفي الشركة وفي الشفعة
عن مسدد، وفي الشركة وفي ترك الحيل عن عبد الله بن محمد. وأخرجه أبو داود في
البيوع أيضاً عن أحمد بن حنبل. وأخرجه الترمذي في الأحكام عن عبد بن حميد. وأخرجه
ابن ماجه فيه عن عبد الرزاق به.
ذكر معناه: قوله: ((في كل مال لم يقسم))، وفي رواية للبخاري، - على ما يأتي عن
قريب - في كل ما لم يقسم، ورواه أحمد في (مسنده) عن عبد الرزاق: في كل ما لم
يقسم، ورواه إسحاق بن إبراهيم عنه فقال: في الأموال ما لم يقسم، والمراد من قوله: في
كل ما لم يقسم: العقار وإن كان اللفظ عاماً، قوله: ((فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق

٢٩
٣٤ - كِتَابُ البُوعِ / باب (٩٦)
فلا شفعة))، لأنها حينئذ تكون مقسومة غير مشاعة. قوله: ((صرفت)) على صيغة المجهول،
بتشديد الراء وتخفيفها.
ذكر مذاهب العلماء في هذا الباب: مذهب الأوزاعي والليث بن سعد ومالك
والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور: أن لا شفعة إلاَّ لشريك لم يقاسم، ولا تجب الشفعة
بالجوار، واحتجوا بحديث جابر المذكور، واحتجوا أيضاً بما رواه الطحاوي من حديث أبي
الزبير عن جابر، قال: قال رسول الله، عَّله: ((الشفعة في كل شرك بأرض أو ربع أو حائط
لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه فيأخذ أو يدع)». وأخرجه مسلم وأبو داود
أيضاً، واحتج الثوري والحسن بن حي وإسحاق وأحمد في رواية، وأبو عبيد والظاهرية: أن
أحد الشريكين إذا عرض عليه الآخر فلم يأخذ سقط حقه من الشفعة، وروي ذلك عن الحكم
بن عتيبة أيضاً.
وقال الطحاوي وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأصحابهم: لا يسقط حقه بذلك، بل
له أن يأخذ بعد البيع لأن الشفعة لم تجب بعد، وإنما تجب له بعد البيع، فتركه ما لم يجب
له بعد لا معنى له، ولا يسقط حقه إذا وجب. وقال النخعي وشريح القاضي والثوري وعمرو
ابن حريث والحسن بن حي وقتادة والحسن البصري وحماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة وأبو
يوسف ومحمد: تجب الشفعة في الأراضي والرباع والحوائط للشريك الذي لم يقاسم ثم
للشريك الذي قاسم وقد بقي حق طريقه أو شربه، ثم من بعدهما للجار الملازق وهو الذي
داره على ظهر الدار المشفوعة، وبابه في سكة أخرى، وروي عن عطاء أنه قال: الشفعة في
كل شيء حتى في الثوب، وحكى مقالة عطاء عن بعض الشافعية ومالك، وأنكره القاضي أبو
محمد، وحكى عن مالك وأحمد وجوب الشفعة في السفن، وفي (حاوي) الحنابلة: وكل ما
لا يقسم ولا هو متصل بعقار كالسيف والجوهرة والحجر والحيوان وما في معنى ذلك، ففي
وجوب الشفعة فيه روايتان ذكرهما ابن أبي موسى، ولا تؤخذ الثمار بالشفعة تبعاً، ذكره
القاضي. وقال أبو الخطاب، تؤخذ، وعلى ذلك يخرج الزرع، ولا شفعة فيما يقسم من
المنقولات بحال. وقال النووي في (الروضة)؛ ولا شفعة في المنقولات سواء بيعت وحدها أم
مع الأرض، ويثبت في الأرض سواء بيع الشقص منها وحده أم مع شيء من المنقولات، وما
كان منقولاً ثم أثبت في الأرض للدوام كالأبنية والأشجار، فإن بيعت منفردة فلا شفعة فيها
على الصحيح. ولو كان على الشجر ثمرة مؤبرة وأدخلت في البيع بالشرط لم تثبت فيها
الشفعة، فيأخذ الشفيع الأرض والنخيل بحصتهما، وإن كانت غير مؤبرة دخلت في البيع،
وهل للشفیع أخذها؟ وجهان أو قولان أصحهما: نعم. انتهى.
ثم اختلف من يقول بالشفعة للجار، فقال أصحابنا الحنفية: لا شفعة إلاَّ للجار
الملازق، وقال الحسن بن حي: للجار مطلقاً بعد الشريك، وقال آخرون: الجار الذي تجب
له الشفعة أربعون داراً حول الدار. وقال آخرون: من كل جانب من جوانب الدار أربعون داراً.
وقال آخرون: هو كل من صلى معه صلاة الصبح في المسجد، وقال بعضهم: أهل المدينة

٣٠
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٩٦)
كلهم جيران، وحجة أصحابنا فيما ذهبوا إليه أحاديث رويت عن النبي عَّ له. منها: ما رواه
الطحاوي بإسناد صحيح، فقال: حدثنا إبراهيم بن أبي داود البرنسي، قال: حدثنا علي بن
صالح القطان وأحمد بن حبان، قالا: حدثنا عيسى بن يونس، قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة
عن قتادة عن أنس أن رسول الله عَّ له قال: ((جار الدار أحق بالدار)). وأخرجه البزار أيضاً في
(مسنده). فإن قلت: قال الترمذي: ولا يعرف حديث قتادة عن أنس إلاّ من حديث عيسى بن
يونس؟ قلت: ما لعيسى بن يونس فإنه حجة ثبت، فقال ابن المديني حين سئل عنه: بخٍ بخٍ
ثقة مأمون، وقال محمد بن عبد الله بن عمار عيسى: حجة، وهو أثبت من إسرائيل. وقالّ
العجلي: كان ثبتاً في الحديث، فإذا كان كذلك فلا يضر كون الحديث عنه وحده. ومنها:
حديث سمرة بن جندب أخرجه الترمذي، وقال: حدثنا علي بن حجر، قال: أخبرنا إسماعيل
بن علية عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله عَ لَّهِ:
((جار الدار أحق بالدار)). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وأخرجه الطحاوي من ستة
طرق صحاح أحدها مرسل.
فإن قلت: الحسن لم يسمع من سمرة إلاَّ ثلاثة أحاديث، وهذا ليس منها؟ قلت: قال الترمذي
عن البخاري، رضي الله تعالى عنه: إنه سمع منه عدة أحاديث، وقال الحاكم في أثناء كتاب
البيوع من (المستدرك): قد احتج البخاري بالحسن عن سمرة، وذلك بعد أن روى حديثاً من
رواية الحسن عن سمرة. ومنها: حديث علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود، رضي الله
تعالى عنهما، أخرجه الطحاوي، وقال: حدثنا أبو بكرة حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان
عن منصور عن الحكم عمن سمع علياً وعبد الله بن مسعود يقولان: قضى رسول الله، ێے،
بالجوار. وأخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه) قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد عن منصور
عن الحكم عن علي وعبد الله قالا: قضى رسول الله، عَّلِ، بالشفعة للجوار.
قلت: في سند الطحاوي مجهول، وفي سند ابن أبي شيبة الحكم عن علي، والحكم لم
يدرك علياً ولا عبد الله. ومنها: حديث عمرو بن حريث، أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح مثل
الحديث الذي قبله، وأخرجه ابن أبي شيبة موقوفاً على عمرو بن حريث أنه: كان يقضي
بالجوار، أي يقضي للجار بالشفعة بسبب الجوار، وروى الطحاوي أيضاً بإسناده إلى عمر،
رضي الله تعالى عنه، أنه كتب إلى شريح أن يقضي بالشفعة للجار الملازق، وأخرجه أيضاً
ابن أبي شيبة نحوه، وفيه: فكان شريح يقضي للرجل من أهل الكوفة على الرجل من أهل
الشام، وأجاب الأصحاب عن حديث الباب أن جابراً قال: جعل رسول الله عَّهِ الشفعة في
كل مال لم يقسم، ولفظه في حديثه الثاني الذي يأتي عقيب هذا الباب: قضى النبي عَّغ
بالشفعة في كل ما لم يقسم، وهذان اللفظان إخبار عن النبي عَّم بما قضى، ثم قال بعد
ذلك، فإذا وقعت الحدود ... إلى آخره، وهذا قول من رأى جابراً لم يحكه عن رسول الله
عَ ◌ّهِ، وإنما يكون هذا حجة علينا أن لو كان رسول الله عَ ليه قال ذلك على أنه روى عن جابر
أيضاً أنه قال: قال رسول الله عَّه: الجار أحق بشفعة جاره، فإن كان غائباً انتظر إذا كان

٣١
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٩٧)
طريقهما واحداً، أخرجه الطحاوي من ثلاث طرق صحاح. وأخرجه أبو داود والترمذي
والنسائي وابن ماجه أيضاً، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب ولا نعلم أحداً روى هذا
الحديث غير عبد الملك بن مالك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر، وقد تكلم شعبة في
عبد الملك من أجل هذا الحديث، وعبد الملك ثقة مأمون عند أهل الحديث لا نعلم أحداً
تكلم فيه غير شعبة من أجل هذا الحديث، وقد روى وكيع عن شعبة عن عبد الملك هذا
الحديث، وروى عن ابن المبارك عن سفيان الثوري، قال: عبد الملك بن أبي سليمان ميزان،
يعني: في العلم.
٩٧ - بابُ بَيْعِ الأرْضِ والدُّورِ والعُرُوضِ مُشاعاً غَيْرَ مَفْسُومِ
أي: هذا باب في بيان حكم بيع الأرض ... إلى آخره. قوله: ((الدؤر)) بالهمز والواو
كليهما بالواو فقط جمع دار، والعروض بالضاد المعجمة جمع عرض بالفتح، وهو المتاع.
قوله: ((مشاعاً)، نصب على الحال، وكان القياس أن يقال: مشاعة، لكن لما صار: المشاع
كالاسم، وقطع النظر فيه عن الوصفية جاز تذكيره أن يكون باعتبار المذكور أو باعتبار كل
واحد.
٢٢١٤/١٥٦ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ مَخبُوب قال حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قال حدَّثنا مَعْمَرٌ عنٍ
الزُّهْرِيِّ عنْ أَبِي سلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله تعالى عنهما قال
قَضَى النبيُّ عَّهِ بِالشِّفْعَةِ في كُلِّ مالٍ لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وصُرِّفَتِ الطُّرْقُ فَلاَ
شُفْعَةَ. [انظر الحديث ٢٢١٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: كل ما لا يقسم، وقد ذكرنا أن هذا اللفظ عام، وأريد به
الخاص في العقار، والبحث فيه قد مضى في الباب السابق من أن الشفعة في الأرضين والدور
خاصة. وأما بيع العروض مشاعاً فأكثر العلماء أنه: لا شفعة فيها، كما مر، وإنما ذكر العروض
في الترجمة وليس لها ذكر في الحديث تنبيهاً على الخلاف فيه على الإجمال، فيوقف عليه
من الخارج.
ورجال الحديث كلهم قد مروا، فمحمد بن محبوب ضد - المبغوض - قد مر في
الغسل، وعبد الواحد بن زياد قد مر في باب: ﴿وما أوتيتم من العلم﴾ [الإسراء: ٨٥]. وقال
الخطابي هنا: معنى الشفعة نفي الضرر، وإنما يتحقق مع الشركة ولا ضرر على الجار، فلا
وجه لنزع ملك المبتاع منه بعد استقراره. انتهى. قلت: هذا مدافعة الأحاديث الصحيحة التي
فيها الشفعة للجار، وقد ذكرناها عن قريب. قوله: ((ولا ضرر على الجار)) ممنوع لاحتمال
أن يكون المشتري من شرار الناس، أو ممن يشتغل بالمعاصي فيتضرر به الجار، ولا ضرر
أعظم من هذا لاستمراره ليلاً ونهاراً. وقوله: بعد استقراره، غير صحيح، لأن حق الغير فيه،
فكيف يقال إنه مستقر وهذه كلها معاندة ومكابرة.
حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدثنا عَبْدُ الوَاحِدِ بِهَذَا وقال في كُلِّ ما لَمْ يُقْسَمْ

٣٢
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٩٨)
أشار به إلى أنه أخرج هذا الحديث عن شيخه أحدهما محمد بن محبوب عن عبد
الواحد، والآخر عن مسدد عن عبد الواحد، وأشار به أيضاً إلى اختلاف كل في قوله في كل
ما لم يقسم، فإن في رواية محمد بن محبوب: في كل ما لم يقسم، وفي رواية مسدد. وفي
كل مال لم يقسم. قوله: ((بهذا))، أي: بهذا الحديث، المذكور.
تابَعَهُ هِشَامٌ عنْ مَعْمَرٍ
أي: تابع عبد الواحد هشام بن يوسف اليماني في روايته: في كل مال لم يقسم،
وهذه المتابعة وصلها البخاري - رحمه الله تعالى - في ترك الحيل.
قال عبْدُ الرَّزَّاقِ في كُلِّ مالٍ رَواهُ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ إسْحَاقَ عنِ الزُّهْرِيِّ
أي: قال عبد الرزاق في روايته عن معمر: في كل مال، وكذا قال عبد الرحمن بن
إسحاق القرشي، قال أبو داود: إنه قدري ثقة. قوله: ((عن الزهري))، أي: رواه عن محمد بن
مسلم الزهري، وطريق عبد الرزاق وصله البخاري في الباب السابق، وطريق عبد الرحمن بن
إسحاق وصله مسدد في (مسنده) عن بشر بن المفضل عنه، ووقع عند السرخسي في رواية
عبد الرزاق وفي رواية عبد الواحد في الموضعين: في كل مال، وللباقين: في كل ما لم
يقسم، في رواية عبد الواحد، و: كل مال، في رواية عبد الرزاق، وقال الكرماني: ما الفرق
بين هذه الأساليب الثلاثة؟ قلت: المتابعة هي أن يروي الراوي الآخر الحديث بعينه، والرواية
أعم منها، والقول إنما يستعمل عند السماع على سبيل المذاكرة. انتهى. قلت: هذه فائدة
جليلة وأراد بالأساليب الثلاثة قوله: تابعه، وقوله: قال عبد الرزاق، وقوله: رواه عبد الرحمن.
٩٨ - بابٌ إِذَا اشْتَرَى شَيْئاً لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَرَضِيَ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا اشترى أحد شيئاً لأجل غيره بغير إذن منه، يعني بطريق
الفضول، وأشار به البخاري إلى بيع الفضولي، وكأنه مال إلى جواز بيع الفضولي، فلذلك
عقد هذه الترجمة. قوله: ((فرضي)) أي: فرضي ذلك الغير بذلك الشراء بعد وقوعه بغير إذن
منه.
١٥٨/ ٢٢١٥ _ حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُّ إبراهيم حدَّثنا أبو عاصِمِ أخبرنا ابنُ مجرَيْجٍ قال
أخبرَني مُوسى بنُ عُقْبةَ عنْ نافِعِ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما عن النبيِّ عَ لَه قال
خَرَجَ ثَلاثَةٌ يَمْشُونَ فأصَابَهُمُ المَطِّرُ فَدَخَلُوا في غارٍ في جَبَل فانْحَطَّتْ عَلَيْهِمْ صَحْرَةٌ فقال
بعضُهُمْ لِبَعْضِ ادْعُوا اللهَ بِأَفْضَلِ عَمَلٍ عَمِلْتُمُوهُ فقال أحدُهُمْ اللَّهُمَّ إِنِّي كانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ
كبِيرانٍ فَكْنْتُ أَخْرُجُ فَأرْعَى ثُمَّ أجيءٌ فَأُخْلُبُ فأُجِيءُ بالحِلاَبِ فَآتِي بِهِ أَبَوَي فِيَشْرَبانِ ثُمَّ
أسْقِي الصِّنْيَةَ وأهْلِي وامْرَأْتِي فاحْتَشْتُ لَيْلَةً فَجِئْتُ فَإذَا هُمَا نائِمان قال فَكَرِهْتُ أنْ أُوقِظَهُمَا
والصّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ رِجْلَيَّ فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي ودَأْبَهُمَا حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ
تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وجْهِكَ فافْرُجْ عَنَّا فُرْجَةً نَرِى مِنْهَا السَّماءَ قال فَفُرِجَ عَنْهُمْ وقال

٣٣
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٩٨)
الآخَرُ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أُحِبُّ امْرَأَةٌ منْ بناتِ عَمِّي كأشَدٌ ما يُحِبُّ الَّجُلُ
النِّساءَ فقالَتْ لا تَنالُ ذَلِكَ مِنْها حَتَّى تُعْطِيهَا مائَةَ دِينارٍ فسَعَيْتُ فِيها حتَّى جَمِعْتُها فَلَمَّا
قَعدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتِ اتَّقِ اللَّه ولاَ تَفُض الخَاتَ إلاَّ بِحَقِّهِ فَقُمْتُ وتَرَكْتُهَا فإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ
أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا فُرْجَةٌ قال فَفَرَجَ عَنْهُمُ التُّلْثَيْنِ وقال الآخَرُ اللَّهُمّ إنْ
كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي اسْتَأْجَرْتُ أجِيراً بِفَرَقٍ مِنْ ذرَّةِ وأبى ذاك أنْ يأخُذَ فَعَمَدْتُ إلى ذُلِكَ الْفَرْقِ
فَزَرَعْتُهُ حتَّى اشْتَرَيْتُ مِنْهُ بَقَراً وراعِيهَا ثُمَّ جاءَ فَقال يا عَبْدَ اللهِ أَعْطِنِي حَقِّي فَقُلْتُ انْطَلِقْ
إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ وراعِيها فإِنَّها لَكَ فقالَ أَتَسْتَهْزِىءُ بِي فَقُلْتُ ما أَسْتَهْزِىءُ بِكَ ولُكِنَّها لَكَ
اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا فَكْشِفَ عَنْهُمْ. [الحديث
٢٢١٥ - أطرافه في: ٢٢٧٢، ٢٣٣٣، ٣٤٦٥، ٥٩٧٤].
مطابقته للترجمة في قوله: ((حتى اشتريت منه بقراً) فإنه اشترى شيئاً لغيره بغير إذنه،
ثم لما جاء الأجير المذكور وأخبره الرجل بذلك فرضي وأخذه.
ويعقوب بن إبراهيم بن كثير الدورقي، وأبو عاصم الضحاك بن مخلد، وابن جريج هو
عبد الملك بن عبد العزيز، وموسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي المديني.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المزارعة عن إبراهيم بن المنذر عن أنس بن
عياض. وأخرجه مسلم في التوبة عن المسيبي عن أنس بن عياض وعن إسحاق بن منصور
وعبد بن حميد كلاهما عن أبي عاصم به. وأخرجه النسائي في الرقائق عن يوسف بن سعيد
عن حجاج عن ابن جريج به.
ذكر معناه: قوله: ((خرج ثلاثة)) أي: ثلاثة من الناس، وفي رواية المزارعة: بينما ثلاثة
نفر يمشون. وقوله: ((يمشون)) حال ومحله النصب. قوله: ((أصابهم المطر)) بالفاء، عطف
على: خرج ثلاثة، وفي رواية المزارعة: أصابهم، بدون الفاء لأنه خبر بينما. قوله: ((فدخلوا
في غار))، في رواية المزارعة: فأووا إلى غار، بقصر الهمزة، ويجوز مدها أي: انضموا إلى
الغار وجعلوه لهم مأوى. قوله: ((في جبل)) أي: في غار كائن في جبل. قوله: ((فانحطت
عليهم صخرة))، أي: على باب غارهم، وفي رواية المزارعة: فانحطت على فم الغار صخرة
من الجبل. قوله: ((قال))، أي: النبي، عَّه، ((فقال بعضهم لبعض: أدعوا الله بأفضل عمل
عملتموه)) وفي رواية المزارعة: فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالاً عملتموها صالحة لله تعالى
فادعوا الله بها، لعله يفرجها عنكم. قال أحدهم: أي أحد الثلاثة، وههنا: فقال، بالفاء. قوله:
((أللهم)). إعلم أن لفظ: اللهم، يستعمل في كلام العرب على ثلاثة أنحاء: أحدها: للنداء
المحض وهو ظاهر. والثاني: للإيذان بنذرة المستثنى كقولك بعد كلام: أللهم، إلاَّ إذا كان
كذا. والثالث: ليدل على تيقن المجيب في الجواب المقترن هو به، كقولك لمن قال: أزيد
قائم أللهم نعم أو أللهم لا، كأنه يناديه تعالى مستشهداً على ما قال من الجواب. وأللهم هذا
هنا من هذا القبيل. قوله: ((إني كان لي أبوان شيخان كبيران)). قوله: أبوان، من باب
التغليب لأن المقصود الأب والأم، وفي رواية المزارعة: أللهم إنه كان لي والدان شيخان
عمدة القاري/ ج١٢ م٣

٣٤
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوع / باب (٩٨)
كبيران ولي صبية صغار وكنت أرعى عليهم، وفي رواية هذا الباب: وكنت أخرج فأرعى،
يعني: كنت أخرج إلى المرعى فأرعى، أي: إبلي. قوله: ((ثم أجيء)) أي: من المرعى
((فأحلب)) أي: التي يحلب منها، وفي رواية المزارعة: فإذا رحت عليهم حلبت. قوله:
((فأجيء بالحلاب))، بكسر الحاء المهملة وتخفيف اللام: وهو الإناء الذي يحلب فيه، ويراد
به ههنا اللبن المحلوب فيه.
قوله: ((فآتي به)) أي: بالحلاب. قوله: ((أبوي))، من باب التغليب، كما ذكرنا عن
قريب، وأصله: أبوان لي، فلما أضيف إلي ياء المتكلم وسقطت النون وانتصب على
المفعولية قلبت ألف التثنية ياءٍ وأدغمت الياء في الياء. قوله: ((فيشربان)) معطوف على
محذوف تقديره: فأناولهما إياه فيشربان. قوله: ((وأسقي الصبية))، بكسر الصاد: جمع صبي
وكذلك الصبوة، والواو القياس والياء أكثر استعمالاً. وفي رواية المزارعة: فبدأت بوالدي
أسقيهما قبل بني، أي: قبل أن أسقي بني، وأصله بنون لي، فلما أضيف إلى ياء المتكلم
وسقطت النون وقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء، فصار: بني، بضم النون، وأبدلت
الضمة كسرة لأجل الياء فصار: بني، قوله: ((وأهلي)، المراد بالأهل ههنا الأقرباء نحو: الأخ
والأخت، حتى لا يكون عطف امرأتي على أهلي عطف الشيء على نفسه. قوله: ((فاحتبست
ليلة)) أي: تأخرت ليلة من الليالي بسبب أمر عرض لي، وفي باب المزارعة: وإني استأخرت
ذات يوم فلم آت حتى أمسيت. قوله: ((استأخرت)) بمعنى تأخرت، يقال: تأخر واستأخر بمعنى،
وليس السين فيه للطلب. قوله: ((ذات يوم)) الإضافة فيه من قبيل إضافة المسمى إلى الإسم
أي: قطعة من زمان هذا اليوم أي: من صاحبة هذا الإسم. قوله: ((فإذا هما نائمان))، كلمة:
إذا، للمفاجأة، وقد ذكر غير مرة أنها تضاف إلى جملة، فقوله: هما، مبتدأ و: نائمان، خبره.
وفي رواية المزارعة: فوجدتهما ناما فحلبت كما كنت أحلب. قوله: ((فكرهت أن أوقظهما»،
وفي رواية المزارعة: فقمت عند رؤوسهما أكره أن أوقظهما وأكره أن أسقي الصبية. قوله:
((والصبية يتضاغون))، أي: يصيحون، وهو من باب التفاعل من: الضغاء، بالمعجمتين وهو:
الصياح بالبكاء، ويقال: ضغا الثعلب ضغاء أي: صاح، وكذلك السنور، ويقال: ضغا يضغو
ضغواً وضغاء: إذا صاح وضج.
قوله: ((عند رجلي))، وفي رواية المزارعة: يتضاغون عند قدمي حتى طلع الفجر.
قوله: ((فلم يزل ذلك دأبي ودأبهما))، الدأب العادة والشأن، وقال الفراء: أصله من دأبت، إلاَّ
أن العرب حولت معناه إلى الشأن. قوله: ((اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك»، وفي رواية
المزارعة: فإن كنت تعلم أني فعلته، وليس فيه لفظة: أللهم. قوله: ((ابتغاء وجهك))، أي: طلباً
لمرضاتك، والمراد بالوجه الذات، وانتصاب ابتغاء على أنه مفعول له، أي: لأجل ابتغاء
وجهك. قوله: ((فأفرج عنا)) أمر من: فرج يفرج، من باب: نصر ينصر، وقال ابن التين: هو
بضم الراء في أكثر الأمهات. وقال الجوهري: إنه بكسرها، وهو دعاء في صورة الأمر، وفي
رواية المزارعة: فأفرج لنا. قوله: ((فرجة))، بضم الفاء وفتحها، والفرجة في الحائط كالشق،

٣٥
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٩٨)
والفرجة انفراج الكروب، وقال النحاس: الفرجة بالفتح في الأمر، والفرجة بالضم فيما يُرى من
الحائط ونحوه، قلت: الفرجة هنا بالضم قطعاً على ما لا يخفى.
قوله: ((ففرج عنهم)) أي: فرج بقدر ما دعاه، وهي التي بها ترى السماء، وفي رواية
المزارعة: ففرج الله لهم فرأوا السماء. قوله: ((وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أني كنت
أحب أمرأة من بنات عمي كأشد ما يحب الرجل النساء)» وفي كتاب المزارعة: أللهم إنها
كانت لي بنت عم أحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء. قوله: ((كأشد)) الكاف زائدة أو أراد
تشبيه محبته بأشد المحبات. قوله: ((فقالت: لا تنال ذلك منها)) أي: قالت بنت عمه: لا
تنال مرادك منها حتى تعطيها مائة دينار، وفيه التفات لأن مقتضى الكلام: لا تنال مني حتى
تعطيني، وفي باب المزارعة: فطلبت منها فأبت حتى أتيتها بمائة دينار. أي: طلبت من بنت
عمي فامتنعت، وقالت: حتى تعطيني مائة دينار، فجمعتها حتى أتيتها بمائة دينار التي طلبتها.
قوله: ((فسعيت فيها)) أي: في مائة دينار ((حتى جمعتها)) وفي رواية المزارعة: فبغيت حتى
جمعتها، أي: فطلبت، من البغي - وهو الطلب - هكذا في رواية السجري، وفي رواية العذري
والسمرقندي وابن ماهان، فبعثت حتى جمعتها. وفي (المطالع): والأول هو المعروف، بالغين
المعجمة والياء آخر الحروف دون الثاني، وهو بالعين المهملة والثاء المثلثة. قوله: «فلما
قعدت بين رجليها)) وفي رواية المزارعة: فلما وقعت بين رجليها. قوله: ((قالت: إتق الله))،
وفي رواية المزارعة: قالت: يا عبد الله إتق الله، أي: خف الله ولا ترتكب الحرام. قوله: ((ولا
تفض الخاتم إلاّ بحقه))، وفي رواية المزارعة: ولا تفتح الخاتم إلاّ بحقه، و: لا تفض، بفتحٍ
الضاد المعجمة وكسرها، و: الخاتم، بفتح التاء وكسرها، وهو كناية عن بكارتها. قوله: ((إلاّ
بحقه)) أي: إلاَّ بالنكاح، أي: لا تُزِلِ البكارةَ إلاَّ بحلال. قوله: ((فقمت)) أي: من بين رجليها
وتركتها، يعني لم أفعل بها شيئاً، وليس في رواية المزارعة: وتركتها. قوله: ((ففرج عنهمٍ
الثلثين)) أي: ففرج الله عنهم ثلثي الموضع الذي عليه الصخرة، وليس في رواية المزارعة إلا
قوله: ففرج، ليس إلاّ.
قوله: ((اللهم إن كنت تعلم أني استأجرت أجيراً بفرق من ذرة)) وفي المزارعة: أللهم
إني استأجرت أجيراً بفرق أرز، الفرق، بفتح الراء وسكونها: مكيال يسع ثلاثة آصع. وقال ابن
قرقول: رويناه بالإسكان والفتح عن أكثر شيوخنا، والفتح أكثر. قال الباجي: وهو الصواب،
وكذا قيدناه عن أهل اللغة، ولا يقال: فرق بالإسكان، ولكن فرق بالفتح، وكذا حكى
النحاس، وذكر ابن دريد أنه قد قيل بالإسكان. قوله: ((ذرة)) بضم الذال المعجمة وفتح الراء
الخفيفة، وهو حب معروف، وأصله ذرو أو ذري، والهاء عوض. و: الأرز، بفتح الهمزة وضم
الراء وتشديد الزاي، وهو معروف، وفيه ست لغات: أرز وأرز فتتبع الضمة الضمة، و: ارز وارز
مثل: رسل ورسل، ورز ورنز، وهو لغة عبد القيس. قوله: ((فأعطيته وأبى ذاك أن يأخذ))، وفي
رواية المزارعة: فلما قضى عمله قال: أعطني حقي، فعرضت عليه فرغب عنه. قوله:
((أعطيته) أي: أعطيت الفرق من ذرة، ((وأبى)) أي: امتنع. قوله: ((ذاك))، أي: الأجير المذكور.

٣٦
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٩٨)
قوله: ((أن يأخذ))، كلمة: أن، مصدرية تقديره: أبى من الأخذ، وهو معنى قوله: فرغب عنه،
أي: أعرض عنه فلم يأخذه. قوله: ((فعمدت))، بفتح الميم أي: قصدت، يقال: عمدت إليه
وعمدت له أعمد عمداً أي: قصدت. قوله: ((فزرعته)) أي: الفرق المذكور ((حتى اشتريت
منه بقراً وراعيها)) وفي رواية المزارعة: فرغت عنه فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقراً
وراعيها، ويروى: ورعاتها بضم الراء جمع راعي. قوله: ((ثم جاء)) أي: الأجير المذكور،
((فقال: يا عبد الله أعطني حقي)) وفي رواية المزارعة: فجاءني فقال اتق الله قوله: ((فقلت
انطلق إلى تلك البقر وراعيها فإنها لك)). وفي رواية المزارعة: فقلت: إذهب إلى ذلك البقر
ورعاتها فخذ، ويروى: إلى تلك البقر. قوله: ((فقال أتستهزىء بي؟)) من استهزأ بفلان: إذا
سخر منه، وفي رواية المزارعة، فقال: اتق الله ولا تستهزىء بي. قوله: «فقلت: ما أُستهزىء
بك ولكنها لك)» وفي رواية المزارعة: فقال: إني لا أستهزىء بك فخذه، فأخذه. ويروى:
فقلت إني ... إلى آخره. قوله: ((فأفرج عنا، فكشف عنهم)) أي: فكشف باب المغارة، وفي
رواية المزارعة، فأفرج ما بقي، ففرج أي ففرج الله ما بقي من باب المغارة.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: الإخبار عن متقدمي الأمم وذكر أعمالهم لترغيب أمته في
مثلها، ولم يكن عَّ يتكلم بشيء إلاَّ لفائدة، وإذا كان مزاحه كذلك فما ظنك بأخباره؟
وفيه: جواز بيع الإنسان مال غيره بطريق الفضول، والتصرف فيه بغير إذن مالكه إذا أجازه
المالك بعد ذلك، ولهذا عقد البخاري الترجمة، وقال بعضهم: طريق الاستدلال به يبتنى على
أن شرع من قبلنا شرع لنا، والجمهور على خلافه. انتهى. قلت: شرع من قبلنا يلزمنا ما لم
يقض الشارع الإنكار عليه، وهنا طريق آخر في الجواز، وهو: أنه عَّ لل ذكر هذه القصة في
معرض المدح والثناء على فاعلها، وأقره على ذلك، ولو كان لا يجوز لبينه. وقال ابن بطال:
وفيه: دليل على صحة قول ابن القاسم: إذا أودع رجل رجلاً طعاماً فباعه المودع بثمن:
فرضي المودع به، فله الخيار إن شاء أخذ الثمن الذي باعه به، وإن شاء أخذ مثل طعامه،
ومنع أشهب. قال: لأنه طعام بطعام فيه خيار. وفيه: الاستدلال لأبي ثور في قوله: إن من
غصب قمحاً فزرعه أن كل ما أخرجت الأرض من القمح فهو لصاحب الحنطة. وقال
الخطابي: استدل به أحمد على أن المستودع إذا اتجر في مال الوديعة وربح أن الربح إنما
يكون لرب المال، قال: وهذا لا يدل على ما قال، وذلك أن صاحب الفرق إنما تبرع بفعله
وتقرب به إلى الله، عز وجل، وقد قال: إنه اشترى بقراً وهو تصرف منه في أمر لم يوكله به،
فلا يستحق عليه ربحاً، والأشبه بمعناه أنه قد تصدق بهذا المال على الأجير بعد أن اتجر فيه،
وأنماه، والذي ذهب إليه أكثر الفقهاء في المستودع إذا اتجر بمال الوديعة والمضارب إذا
خالف رب المال فربحا أنه ليس لصاحب المال من الربح شيء، وعند أبي حنيفة: المضارب
ضامن لرأس المال والربح له ويتصدق به، والوضيعة عليه. وقال الشافعي: إن كان اشترى
السلعة بعين المال فالبيع باطل، وإن كان بغير عينه فالسلعة ملك المشتري وهو ضامن للمال.
وقال ابن بطال: وأما من اتجر في مال غيره؟ فقالت طائفة: يطيب له الربح إذا رد رأس المال

٣٧
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٩٩)
إلى صاحبه، سواء كان غاصباً للمال أو كان وديعة عنده متعدياً فيه، هذا قول عطاء ومالك
والليث والثوري والأوزاعي وأبي يوسف، واستحب مالك والثوري والأوزاعي تنزهه
عنه، ويتصدق به. وقالت طائفة: يرد المال ويتصدق بالربح كله، ولا يطيب له منه شيء، هذا
قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن وزفر. وقالت طائفة: الربح لرب المال وهو ضامن لما
تعدى فيه، هذا قول ابن عمر وأبي قلابة، وبه قال أحمد وإسحاق وقال ابن بطال: وأصح هذه
الأقوال قول من قال: إن الربح للغاصب والمتعدي والله أعلم. وفيه: إثبات كرامات الأولياء
والصالحين. وفيه: فضل الوالدين ووجوب النفقة عليهما، وعلى الأولاد والأهل، قال
الكرماني: نفقة الفروع متقدمة على الأصول فلم تركهم جائعين؟ قلت: لعل في دينهم نفقة
الأصل مقدمة، أو كانوا يطلبون الزائد على سد الرمق، والصياح لم يكن من الجوع، قلت:
قوله: والصياح لم يكن من الجوع، فيه نظر لا يخفى.
وفيه: أنه يستحب الدعاء في حال الكرب والتوسل بصالح العمل إلى الله تعالى، كما في
الاستسقاء. وفيه: فضل بر الوالدين وفضل خدمتهما وإيثارهما على من سواهما من الأولاد
والزوجة. وفيه: فضل العفاف والانكفاف عن المحرمات بعد القدرة عليها. وفيه: جواز
الإجارة بالطعام. وفيه: فضيلة أداء الأمانة. وفيه: قبول التوبة، وأن من صلح فيما بقي، غفر له،
وأن من هم بسيئة فتركها ابتغاء وجهه كتب له أجرها. ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾
[الرحمن: ٤٦]. وفيه: سؤال الرب جل جلاله بإنجاز وعده، قال تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل
له مخرجاً﴾ [الطلاق: ٢]. وقال: ﴿ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً﴾ [الطلاق: ٤].
٩٩ - بابُ الشِّرَاءِ والبَيْعِ مَعَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الحَربِ
أي: هذا باب في بيان حكم الشراء والبيع مع المشركين. قوله: ((وأهل الحرب))، من
عطف الخاص على العام، وفي بعض النسخ: أهل الحرب، بدون: الواو، فعلى هذا يكون:
أهل الحرب، صفة: للمشركين.
٢٢١٦/١٥٩ - حدَّثنا أبُو التُّعْمَانِ قال حدثنا مُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمَانَ عنْ أَبِيهِ عنْ أبِي
عُثْمَانَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ أبِي بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهما قال كُنَّا مَعَ النبيِّ عَ لَِّ ثُمَّ جاءَ
رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعانٌ طَوِيلٌ بِغَنَمِ يَسُوقُها فقال لَهُ النبيُّ عَلَّهِ بَيْعاً أَمْ عَطِيَّةً أَوْ قال أمْ هِبَةً قال
لاَ بَلْ بَيْعٌ فَاشْتَرَى مِنْهُ شاً. [الحديث ٢٢١٦ - طرفاه في: ٢٦١٨، ٥٣٨٢].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فاشترى منه شاة))، وأبو النعمان محمد بن الفضل
السدوسي، ومعتمر بن سليمان بن طرخان، وأبو عثمان عبد الرحمن بن مل النهدي بالنون.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الهبة عن أبي النعمان أيضاً. وأخرجه في الأطعمة
عن موسى بن إسماعيل. وأخرجه مسلم في الأطعمة عن عبيد الله بن معاذ وحامد بن عمرو
ومحمد بن عبد الأعلى ثلاثتهم عن معتمر.
ذكر معناه: قوله: ((مشعان))، بضم الميم وسكون الشين المعجمة وبعدها عين مهملة

٣٨
٣٤ - كِتَابُ البُيُوعِ / باب (٩٩)
وبعد الألف نون مشددة: أي طويل جداً فوق الطول، وعن الأصمعي: شعر مشعان، بتشديد
النون: متنفش، واشعانّ الشعر اشعيناناً: كاحمارّ احميراراً، وفي (التهذيب): تقول العرب: رأيت
فلاناً مشعانَّ الرأس إذا رأيته شعثاً متنفش الرأس مغبراً، وروى عمرو عن أبيه: أشعن الرجل إذا
نامى عدولا، فاشعان شعره. قوله: ((بيعاً؟))، منصوب على المصدرية أي: أتبيع بيعاً. قيل:
ويجوز الرفع أي: أهذا بيع؟ قوله: ((أم عطية))، بالنصب عطف على: بيعاً. قوله: ((أو قال))
شك من الراوي. قوله: ((قال: لا)) أي: قال الرجل: ليس عطية، أو: ليس هبة ((بل بيع)) أي:
بل هو بيع، وأطلق البيع عليه باعتبار ما يؤول إليه.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: جواز بيع الكافر وإثبات ملكه على ما في يده، وقال
الخطابي في قوله: أم هبة؟ دليل على قبول الهدية من المشرك لو وهب. فإن قلت: قد قال
عَّلِ لعياض بن حمار حين أهدى له في شركه: إنا لا نقبل زبد المشركين، يريد عطاهم.
قلت: قال أبو سليمان: يشبه أن يكون ذلك منسوخاً، لأنه قبل هدية غير واحد من أهل
الشرك، أهدى له المقوقس وأكيدر دومة. قال: إلاَّ أن يزعم أن بين هدايا أهل الشرك وهدايا
أهل الكتاب، فرقاً. انتهى.
قلت: فيه نظر في مواضع.
الأول: أن الزعم بالفرّق المذكور يرده قول عبد الرحمن في نفس هذا الحديث: إن
هذا الرجل كان مشركاً، وقد قال له: أبيع أم هدية؟
الثاني: هدية أكيدر كانت قبل إسلام عبد الرحمن بن أبي بكر، رضي الله تعالى
عنهما، راوي هذا الحديث، لأن إسلامه كان في هدنة الحديبية، وذلك في سنة سبع، وهدنة
أكيدر كانت بعد وفاة سعد بن معاذ، رضي الله تعالى عنه، الذي قال في حقه، عَّهِ، لما
عجب الناس من هدية أكيدر: والذي نفسي بيده، لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من
هذه، وسعد توفي بعد غزوة بني قريظة سنة أربع في قول عقبة، وعند إبن إسحاق: سنة
خمس، وأيّاً ما كان فهو قبل إسلام عبد الرحمن، وبَعْثُ حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس
كان في سنة ست، ذكره ابن منده وغيره، فدل على أنه قبل هذا الحديث.
الثالث: لقائل أن يقول: هذان اللذان قبل منهما هديتهما ليس سوقة، إنما هما ملكان.
فقبل هديتهما تألفاً، لأن في رد هديتهما نوع حصول شيء.
الرابع: نقول: كان قبول هديتهم بإثابته عليهما، وقوله عَِّ لهذا المشرك أيضاً كان
تأنيساً له، ولأن يثيبه بأكثر مما أهدى، وكذا يقال في هدية كسرى المذكورة في كتاب
الحربي من حديث علي، رضي الله تعالى عنه، ورد هدية عياض بن حمار وكان بينه وبين
النبي، عَ ليه، معرفة قبل البعثة، فلما بعث أهدى له فرد هديته، وكذا رد هدية ذي الجوشن،
وكانت فرساً، وكذا رد هدية ملاعب الأسنة، لأنهم كانوا سوقة وليسوا ملوكاً، وأهدى له
ملك أيلة بغلة، وفروة الجذامي هدية فقبلهما وكانا ملكين، ومما يؤيد هذا ما ذكره أبو عبيد

٣٩
٣٤ - كِتَابُ البُوعِ / باب (٩٩)
في (كتاب الأموال): أنه عَِّ إنما قبل هدية أبي سفيان بن حرب لأنها كانت في مدة
الهدنة، وكذا هدية المقوقس إنما كان قبلها لأنه أكرم حاطباً وأقر بنبوته عَّلمه ولم يؤيسه من
إسلامه، وقبول هدية الأكيدر لأن خالداً، رضي الله تعالى عنه، قدم به فحقن عَّ له دمه
وصالحه على الجزية، لأنه كان نصرانياً ثم خلى سبيله، وكذا ملك أيلة لما أهدى كساه
عَ لَّه برداً له، وهذا كله يرجع إلى أنه عَِّ كان لا يقبل هدية إلاَّ ويكافىء.
ثم اعلم أن الناس اختلفوا فيما يهدى للأئمة، فروي عن علي، رضي الله تعالى عنه، أنه
كان يوجب رده إلى بيت المال، وإليه ذهب أبو حنيفة. وقال أبو يوسف: ما أهدى إليه أهل
الحرب فهو له دون بيت المال، وأما ما يهدى للنبي عَّةِ خاصة فهو في ذلك بخلاف
الناس، لأن الله تعالى اختصه في أموال أهل الحرب بخاصة لم تكن لغيره، قال تعالى:
﴿ولكن الله يسلط رسله على من يشاء﴾ [الحشر: ٦]. بعد قوله: ﴿ما أفاء الله على
رسوله﴾ [الحشر: ٦]. فسبيل ما تصل إليه يده من أموالهم على جهة الهدية والصلح سبيل
الفيء يضعه حيث أراه الله، فأما المسلمون إذا أهدوا إليه فكان من سجيته أن لا يردها بل
یثیبهم علیھا.
وفيه: أن ابتياع الأشياء من المجهول الذي لا يعرف جائز حتى يطلع على ما يلزم
التورع عنه، أو يوجب ترك مبايعته غصب أو سرقة أو شبههما، وقال ابن المنذر: من كان
بيده شيء فظاهره أنه مالكه، ولا يلزم المشتري أن يعلم حقيقة ملكه.
واختلف العلماء في مبايعة من الغالب على ماله الحرام وقبول هديته وجائزته،
فرخصت فيه طائفة، فكان الحسن بن أبي الحسن لا يرى بأساً أن يأكل الرجل من طعام
العشار والصراف والعامل، ويقول: قد أحل الله طعام اليهود والنصارى، وقد أخبر أن اليهود
أكالون للسحت. قال الحسن: ما لم يعرفوا شيئاً منه حراماً، يعني: معيناً. وعن الزهري
ومكحول: إذا كان المال فيه حرام وحلال فلا بأس أن يؤكل منه، إنما يكره من ذلك الشيء
الذي يعرف بعينه، وقال الشافعي: لا أحب مبايعة من أكثر ماله رباً أو كسبه من حرام، فإن
بويع لا يفسخ البيع. وقال ابن بطال: والمسلم والذمي والحربي في هذا سواء، وحجة من
رخص حديث الباب، وحديث رهنه عَّ ل درعه عند اليهودي، وكان ابن عمر وابن عباس،
رضي الله تعالى عنهم، يأخذان هدايا المختار، وبعث عمرو بن عبيد الله بن معمر إلى ابن
عمر بألف دينار، وإلى القاسم بن محمد بألف دينار فأخذها ابن عمر وقال: لقد جاءتنا على
حاجة، وأبى أن يقبلها القاسم، فقالت امرأته: إن لم تقبلها فأنا ابنة عمه كما هو ابن عمه،
فأخذتها. وقال عطاء: بعث معاوية إلى عائشة، رضي الله تعالى عنها، بطوق من ذهب فيه
جوهر قوم بمائة ألف، وقسمته بين أمهات المؤمنين. وكرهت طائفة الأخذ منهم روي ذلك
عن مسروق وسعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وبشر بن سعيد وطاوس وابن سيرين
والثوري وابن المبارك ومحمد بن واسع وأحمد، وأخذ ابن المبارك قذاة من الأرض وقال: من
أخذ منهم مثل هذه فهو منهم.

٤٠
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (١٠٠)
١٠٠ - بابُ شِرَاءِ المَمْلُوكِ مِنَ الحَزْبِيِّ وهِبَتِهِ وعِنْقِهِ
أي: هذا باب في بيان حكم شراء المملوك من الحربي، وحكم هبته وعتقه. وقال ابن
بطال: غرض البخاري بهذه الترجمة إثبات ملك الحربي وجواز تصرفه في ملكه بالبيع والهبة
والعتق وغيرها، إذا أقر عَّ سلمان عند مالكه من الكفار وأمره أن يكاتب، وقبل الخليل، عليه
الصلاة والسلام، هبة الجبار وغير ذلك مما تضمنه أحاديث الباب.
وقال النبيُّ عَّ ◌ُلِّ لِسَلْمَانَ كاتِبْ وكانَ حُرّاً فَظَلَمُوهُ وباعُوهُ
مطابقته للترجمة من حيث إنه يعلم من قضية سلمان تقرير أحكام الحربي على ما
كان عليه، وسلمان هو الفارسي، رضي الله تعالى عنه، وقصته طويلة على ما ذكره ابن
إسحاق وغيره، وملخصها: أنه هرب من أبيه لطلب الحق وكان مجوسياً، فلحق براهب ثم
براهب ثم بآخر، وكان يصحبهم إلى وفاتهم حتى دله الأخير إلى الحجاز وأخبره بظهور
رسول الله، عَ لّه، فقصده مع بعض الأعراب فغدروا به وباعوه في وادي القرى ليهودي، ثم
اشتراه منه يهودي آخر من بني قريظة، فقدم به المدينة، فلما قدم رسول الله، عٍَّ، ورأى
علامات النبوة أسلم، فقال له رسول الله عٍَّ: كاتب عن نفسك، عاش مائتين وخمسين سنة،
وقيل: مائتين وخمس وسبعين سنة، ومات سنة ست وثلاثين بالمداين.
ثم هذا التعليق الذي علقه البخاري أخرجه ابن حبان في (صحيحه). والحاكم من
حديث زيد بن صوحان عن سلمان. وأخرجه أحمد والطبراني من حديث محمود بن لبيد
عن سلمان. قال: كنت رجلاً فارسياً ... فذكر الحديث بطوله، وفيه: ثم مر بي نفر من بني
كلب تجار، فحملوني معهم حتى إذا قدموا وادي القرى ظلموني فباعوني من رجل
يهودي ... الحديث، وفيه: فقال رسول الله عَّ لّ: كاتب يا سلمان. قال: فكاتب صاحبي
على ثلاثمائة ودية ... الحديث، وفي حديث الحاكم ما يدل أنه هو ملك رقبته لهم، وعنده
من حديث أبي الطفيل عن سلمان وصححه، وفيه: فمر ناس من أهل مكة فسألتهم عن
النبي، عَّهِ، فقالوا نعم، ظهر منا رجل يزعم أنه نبي، فقلت لبعضهم: هل لكم أن أكون عبداً
لبعضكم على أن تحملوني عقبة وتطعموني من الكسر، فإذا بلغتم إلى بلادكم فمن شاء أن
يبيع باع ومن شاء أن يستعبد استعبد؟ فقال رجل منهم: أنا، فصرت عبداً له حتى أتى بي
مكة فجعلني في بستان له ... الحديث.
قوله: ((كاتب)) أمر من المكاتبة. قوله: ((وكان حراً))، جملة وقعت حالاً من: قال، لا
من قوله: ((كاتب))، وقال الكرماني: فإن قلت: كيف أمره رسول الله عَ له بالكتابة وهو حر؟
قلت: أراد بالكتاب صورة الكتابة لا حقيقتها، فكأنه قال: أفد عن نفسك وتخلص من ظلمه.
انتهى. قلت: هذا السؤال غير وارد، فلا يحتاج إلى الجواب، فكان الكرماني اعتقد أن قوله
عَّ اته: وكان حراً، يعني في حال الكتابة، فإنه في ذلك الوقت كان في ملك الذي اشتراه لأنه
غلب عليه بعض الأعراب في وادي القرى فملكه بالقهر، ثم باعه من يهودي، واشترى منه