النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٦٢) مسلم في البيوع عن أبي الطاهر وحرملة بن يحيى وعن عمرو الناقد. وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن صالح. وأخرجه النسائي فيه عن يونس بن عبد الأعلى والحارث بن مسكين، وعن أبي داود الحراني وعن إبراهيم بن يعقوب. ذكر معناه: قوله: ((المنابذة))، مفاعلة من النبذ، وقد ذكرنا أن المفاعلة تستدعي الفعل من الجانبين، ولا يوجد هذا إلاّ فيما رواه مسلم من طريق عطاء بن ميناء عن أبي هريرة. أما الملامسة فأن يلمس كل واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمل. والمنابذة: أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر لم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه، وقيل: أن يجعل النبذ نفس البيع، وهو تأويل الشافعي. وقيل: يقول: بعتك، فإذا نبذته إليك فقد انقطع الخيار، ولزم البيع. وقيل: المراد نبذ الحصى، ونبذ الحصاة أن يقول: بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة التي أرميها، أو: بعتك من هذه الأرض من هنا إلى ما انتهت إليه الحصاة، أو يقول: منك ولي الخيار إلى أن أرمي هذه الحصاة، أو يجعلا نفس الرمي بالحصاة بيعاً، معناه: أن يقول: إذا رميت هذا الثوب بالحصاة فهو بيع منك بكذا. وهذان البيعان - أعني: الملامسة والمنابذة - عند جماعة العلماء من بيع الغرر والقمار لأنه إذا لم يتأمل ما اشتراه ولا علم صفته يكون مغروراً، ومن هذا بيع الشيء الغائب على الصفة فإن وجد كما وصف لزم المشتري ولا خيار له إذا رآه، وإن كان على غير الصفة فله الخيار، وهو قول أحمد وإسحاق، وهو مروي عن ابن سيرين وأيوب والحارث العكلي والحكم وحماد. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجوز بيع الغائب على الصفة وغير الصفة، وللمشتري خيار الرؤية، وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس والنخعي والشعبي والحسن البصري ومكحول والأوزاعي وسفيان، وقال صاحب (التلويح): كأنهم استندوا إلى ما رواه الدارقطني عن أبي هريرة يرفعه: ((من اشترى شيئاً لم يره فله الخيار)). قلت: هذا الحديث رواه الدارقطني في (سننه) عن داهر بن نوح: حدثنا عمر بن إبراهيم بن خالد الكردي حدثنا وهيب اليشكري عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَّله: ((من اشترى شيئاً لم يره فهو بالخيار إذا رآه))، وقال الدارقطني: عمر بن إبراهيم هذا يقال له الكردي، يضع الأحاديث، وهذا باطل لا يصح لم يروه غيره، وإنما يروى عن ابن سيرين من قوله: ((قلت)) روى الطحاوي عن علقمة بن أبي وقاص أن طلحة اشترى من عثمان بن عفان مالاً، فقيل لعثمان: إنك قد غبنتِ! فقال عثمان: لي الخيار، لأني بعت ما لم أره. وقال طلحة: لأني اشتريت ما لم أره، فحكّما بينهما جبير بن مطعم، فقضى أن الخيار لطلحة ولا خيار لعثمان. ٩٥ /٢١٤٥ _ حدَّثنا قُتَيْبَةُ قال حدَّثنا عَبدُ الوَهَّابِ قال حدَّثنا أيُّوبُ عنْ محَمَّدٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال نُهِيَ عنْ لِبْسَتَيْنِ أنْ يَحْتَبِيّ الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ ثُمَّ يَرْفَعُهُ عَلى مَنْكِبِهِ وعنْ بَيْعَتَيْنِ اللَّمَاسِ وَالنِّبَاذِ. [انظر الحديث ٣٦٨ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((والنباذ))، وهذا الحديث مضى في كتاب الصلاة في: باب ٣٨٢ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٦٣) ما يستر من العورة، فإنه أخرجه هناك: عن قبيصة عن عقبة عن سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. قال: ((نهى رسول الله عَ لّم عن بيعتين، عن اللماس والنباذ، وأن يشتمل الصماء، وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد)). وأخرجه هنا: عن قتيبة بن سعيد عن عبد الوهاب الثقفي عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة. وقد أخرج البخاري حديث أبي هريرة من طرق، ولم يذكر في شيء منها تفسير المنابذة والملامسة. ووقع في تفسيرهما في (صحيح مسلم) والنسائي، وظاهر الطرق كلها أن التفسير من الحديث المرفوع، لكن وقع في رواية النسائي ما يشعر بأنه من كلام من دون النبي، عَّةِ، ولفظه: وزعم أن الملامسة أن يقول ... إلى آخره فالأقرب أن يكون ذلك من الصحابي لبعد أن يعبر الصحابي عن النبي عَّه بلفظ وزعم، ولوقوع التفسير في حديث أبي سعيد الخدري من قوله أيضاً: ((نهى عن لبستين)) اقتصر على لبسة واحدة، قال الكرماني: اختصر الحديث. والنوع الثاني هو اشتمال الصماء، وقد تركه لشهرته. قلت: ما يعجبني هذا الجواب، وليس الموضع مما يقبل الاختصار، لأن المذكور فيه شيئان، فكيف يترك أحدهما اختصاراً لشهرته؟ فلقائل أن يقول: لِمَ ترك النوع الأول وهو أشهر من النوع الثاني؟ وأيضاً ما غرضه من هذا الاختصار هنا؟ نعم، يوجد الاختصار لغرض صحيح فيما يكون غير مخل، والذي يظهر لي أنه من أحد الرواة، وأعجب من هذا قول بعضهم، وقد وقع بيان الثانية عند أحمد في طريق هشام عن محمد بن سيرين، ولفظه: ((أن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء، وأن يرتدي في ثوب يرفع طرفيه على عاتقه)). وقد مضى تفسير هذه الألفاظ في كتاب الصلاة، والاحتباء أن يجمع بين ظهره وساقيه بعمامته. ٦٣ - بابُ بَيْعِ المُنَابَذَةِ أي: هذا باب في بيان حكم بيع المنابذة. صَلىالله وقال أنسٌ نَهَى عَنْهُ النبيُّ أي: نهى عن بيع المنابذة، عَّ له، وهذا التعليق وصله البخاري في: باب بيع المخاصرة، وقد ذكرناه في أول: باب بيع الملامسة. ٢١٤٦/٩٦ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قال حدَّثني مالِكٌ عنْ محَمَّدٍ بنٍ يَخْتَى بنِ حَبَّانَ وعَنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ الله عَد ◌ُلِّ نَهَى عنٍ المُلامَسَةِ والمُنَابَذَةِ. [انظر الحديث ٣٦٨ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((والمنابذة))، هذا طريق آخر عن أبي هريرة عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك عن محمد بن يحيى بن حبان، بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة، وعن أبي الزناد عن عبد الله بن ذكوان عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج. قوله: ((عن الأعرج)) متعلق بمحمد وبأبي الزناد، لأن مالكاً يروي عنهما وهما يرويان ٣٨٣ ٣٤ - كِتَابُ البُيُوع / باب (٦٤) عن الأعرج. وأخرجه النسائي أيضاً في البيوع عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين كلاهما عن ابن القاسم عن مالك. ٩٧ / ٢١٤٧ - حدَّثنا عَبَّاسُ بنُ الوَلِيدِ قال حدثنا عَبْدُ الأعلى قال حدثنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عَطاءِ بنِ يَزِيدَ عنْ أبِي سَعِيدٍ رضي الله تعالى عنهُ قال نَهَى النبيُّ عَ لّه عِنْ لِيْسَتَيْنِ وعِنْ بَيْعَتَيْنِ المُلاَمَسَةِ وَالمُنَابَذَةِ. [انظر الحديث ٣٦٧ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((والمنابذة))، وعياش، بفتح العين المهملة وتشديد الياء آخر الحروف: ابن الوليد الرقام البصري، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى الشامي البصري، ومعمر، بفتح الميمين: ابن راشد، والزهري محمد بن مسلم، وعطاء بن يزيد - من الزيادة - أبو يزيد الليثي، ويقال: الجندعي، من أهل المدينة. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الاستئذان عن علي بن عبيد الله عن سفيان، وأخرجه أبو داود في البيوع أيضاً عن قتيبة وأبي الطاهر بن السرح، كلاهما عن سفيان به، وعن الحسن بن علي عن عبد الرزاق عن معمر به. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به، وعن الحسين بن حريث بالنهي عن لبستين في الزينة، والنهي عن بيعتين في البيوع، وأخرجه ابن ماجه في التجارات عن أبي بكر ابن أبي شيبة، وسهل بن أبي سهل الرازي، كلاهما عن سفيان بالنهي عن بيعتين في اللباس عن أبي بكر، وحده بالنهي عن اللبستين. ٦٤ _ بابُ النَّهْي لِلْبَائِعِ أنْ لاَ يُحَفَّلَ الأَبلَ والْبَقَرَ والْغَتَمُ وكُلَّ مَخْفَلَةٍ والمُضْرَاةُ الَّتِي صُرَّيَ لَبْنُهَا وَحُقِنَ فِيهِ وجُمِعَ فَلَمْ يُحْلَبْ أيَّماً وأصْلُ التَّصْرِيَةِ حَبْسُ المَاءِ يُقالُ مِنْهُ صَرَّيْتُ الماءَ إذَا حَبَسْتَهُ أي: هذا باب في بيان النهي للبائع أن لا يحفل، بضم الياء وتشديد الفاء: من التحفيل، وفي (المحكم): حفل اللبن في الضرع يحفل حفلاً وحفولاً، وتحفل واحتفل واجتمع، وحفله هو وحفله، وضرع حافل، والجمع حفل، وناقة حافلة وحفول، والتحفيل التجميع، قال أبو عبيد: سميت بذلك لأن اللبن يكثر في ضرعها، وكل شيء كثرته فقد حفلته، واحتفل القوم إذا كثر جمعهم، ويقال مجلس حافل إذا كثر الخلق فيه، ومنه المحفل، ووقع في رواية النسفي: باب نهي البائع أن يحفل الإبل والغنم بدون كلمة: لا، وبدون ذكر البقر، وذكره أبو نعيم أيضاً بدون كلمة: لا. وقال بعضهم: لا، زائدة، وجزم به، وقال الكرماني: لا يجب كونها زائدة لاحتمال أن تكون مفسرة، ولا يحفل، بياناً للنهي، وقيد بقوله: للبائع، وهو المالك إشارة إلى أنه لو حفل لأجل عياله، أو لأجل الضيف لم يمنع من ذلك. فإن قلت: ليس للبقر ذكر في الحديث، فلِمَ ذكرها في الترجمة؟ قلت: لأنها في معنى الإبل والغنم في الحكم، وفيه خلاف داود الظاهري على ما يأتي، إن شاء الله تعالى. ٣٨٤ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٦٤) قوله: ((وكل محفلة)) بالنصب، عطف على الإبل، أي: لا يحفل كل ما من شأنها التحفيل، وهو من باب عطف العام على الخاص، وأشار بهذا إلى إلحاق غير النعم من مأكول اللحم بالنعم، للجامع بينهما، وهو تغرير المشتري. وقالت الحنابلة وبعض الشافعية: يختص ذلك بالنعم، واختلفوا في غير المأكول كالأتان، والجارية. فالأصح لا يرد اللبن عوضاً. وبه قالت الحنابلة في الأتان دون الجارية. قوله: ((والمصراة))، مرفوع لأنه مبتدأ وخبره. قوله: ((التي صري لبنها))، والمصراة، بضم الميم وتشديد الراء: اسم مفعول من التصرية، يقال: صريت الناقة بالتخفيف، وصريتها بالتشديد، وأصريتها: إذا حفلتها، وناقة صرياء محفلة، وجمعها، صرايا، على غير قياس. وقال الأزهري: ذكر الشافعي المصراة وفسرها أنها التي تصر أخلافها ولا تحلب أياماً حتى يجتمع اللبن في ضرعها، فإذا حلبها المشتري استغزرها، وقال الأزهري: جائز أن تكون سميت مصراة من صر أخلافها، كما ذكر، إلاَّ أنه لما اجتمعت في الكلمة ثلاث رآآت قلبت إحداها ياءً، كما في: تظنيت، في، تظننت، كراهة اجتماع الأمثال، قال: وجائز أن تكون من الصري، وهو الجمع، وإليه ذهب الأكثرون. انتھی. قلت: إذا كانت المصراة من الصر، بالتشديد، يكون اسم المفعول منه: مصرورة، ولكنها تكون من صرر على وزن: فعل، فيكون اسم المفعول منه مصرر، ولكن لما قلبت الراء الثالثة ياءً لما ذكره، قلبت ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت: مصراة. وإذا كانت من الصري، وهو معتل اللاَّم اليائي، فالقياس أن يكون اسم المفعول منه: مصراة، وأصلها مصرية، قلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، والقياس التصريفي أن يكون أصلها من صرى يصري تصرية من باب التفعيل، ففعل بها ما ذكرنا، ولذلك قال الخطابي: اختلف أهل العلم واللغة في تفسير المصراة، ومن أين أخذت، واشتقت. وقول البخاري: والمصراة التي صري لبنها على القياس الذي ذكرناه، وهو الصحيح. قوله: ((وحقن))، فيه معنى صرى، وعطف عليه على سبيل العطف التفسيري لأنه بمعناه، والضمير في: فيه، يرجع إلى: الثدي، بقرينة ذكر اللبن. قوله: ((وأصل التصرية .. )) إلى آخره تفسير أكثر أهل اللغة، وأبو عبيد أيضاً فسر هكذا، وأشار البخاري بهذا إلى أن الصحيح في تفسير المصراة أن تكون من صرى من باب فعل بالتشديد، ومنه يقال: صريت الماء أي: حبسته وجمعته، ويكون أصل: مصراة، على هذا: مصرية، فقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، وهذا هو الصحيح، وأكثر ما تكلموا فيه خارج عن قانون التصريف. فافهم. ٩٨ /٢١٤٨ _ حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قال حدثنا اللَّيْثُ عنْ جَعْفَرِ بنِ رَبِيعَةَ عنٍ الأَعْرَجِ قال أبُو هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَ لِّ لاَ تَصُرُّوا الإِلَ وَالْغَنَمَ فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَيْنَ أَنْ يَخْتَلِبَهَا إنْ شاءَ أَمْسَكَ وإنْ شَاءَ رَدَّهَا وصاعَ ثَمْرٍ. [انظر الحديث ٢١٤٠ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة. ورجاله قد ذكروا غير مرة، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز. ٣٨٥ ٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (٦٤) وهذا الحديث أخرجه بقية الأئمة الستة من طرق، وقد رواه عن أبي هريرة محمد بن زياد ومحمد بن سيرين والأعرج وهمام وأبو صالح وموسى بن يسار وثابت مولى عبد الرحمن ابن زيد ومجاهد والوليد بن رباح. أما رواية محمد بن زياد فانفرد بها الترمذي، فقال: حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن حماد بن سلمة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: قال النبي عَ لِّ: ((من اشترى مصراة فهو بالخيار)). يعني: إذا حلبها إن شاء ردها ورد معها صاعاً من تمر، وأخرجه الطحاوي أيضاً من رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة. وأما رواية محمد بن سيرين فأخرجها مسلم عن محمد بن عمرو بن حبلة عن أبي عامر العقدي. وأخرجها مسلم وأبو داود والنسائي من رواية أيوب عن محمد بن سيرين. وأما رواية الأعرج فأخرجها الشيخان وأبو داود من طريق مالك عن أبي الزناد عن الأعرج. وأما رواية همام فانفرد بها مسلم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام. وأما رواية أبي صالح فانفرد بها مسلم أيضاً من رواية يعقوب ابن عبد الرحمن عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه. وأما رواية موسى بن يسار فأخرجها مسلم والنسائي من رواية داود بن قيس عنه. وأما رواية ثابت وهو ابن عياض، فأخرجها البخاري وأبو داود من رواية زياد بن سعد عنه. وأما رواية مجاهد والوليد بن رباح فذكرهما البخاري تعليقاً على ما يأتي وأخرج الطحاوي هذا الحديث من ثمان طرق عن ابن سيرين بطريقين أحدهما معه خلاس بن عمرو ومحمد بن زياد وموسى بن يسار والأعرج وعكرمة وأبو إسحاق السبيعي وعبد الرحمن بن سعد مع عكرمة .. قوله: ((لا تصروا الإبل))، بفتح التاء وضم الصاد، وهو نهي للجماعة، والإبل، منصوب ويروى: ((لا تصر))، بضم التاء وفتح الصاد بصيغة الإفراد على بناء المجهول، الإبل مرفوع به، والغنم عطف على الإبل بالوجهين. قوله: ((فمن ابتاعها)) أي: فمن اشترى المصراة. قوله: (بعد))، قال الكرماني: أي بعد هذا النهي، أو: بعد صر البائع. قلت: الوجه الثاني هو الأوجه، والأول فيه البعد. قوله: ((فإنه))، أي: فإن الذي ابتاعها. قوله: ((بخير النظرين))، أي: بخير الرأيين. قوله: ((أن يحتلبها))، بكسر: إن، كذا في الأصل على أنها شرطية، ويحتلبها بالجزم لأنه فعل الشرط، وفي رواية ابن خزيمة والإسماعيلي من طريق أسد بن موسى عن الليث: بعد أن يحلبها، بفتح: أن، ونصب: يحلبها، وظاهر الحديث أن الخيار لا يثبت إلاّ بعد الحلب، والجمهور على أنه إذا علم بالتصرية ثبت له الخيار، ولو لم يحلب. لكن لما كانت التصرية لا تعرف غالباً إلاَّ بعد الحلب ذكر قيداً في ثبوت الخيار، فلو ظهرت التصرية بعد الحلب فالخيار ثابت. قوله: ((وإن شاء ردها))، وفي رواية مالك: ((وإن سخطها ردها)). قوله: ((وصاع تمر))، منصوب بشيء مقدر، والتقدير: ورد معها صاع تمر، قيل: يجوز أن يكون مفعولاً معه، وأجيب: بأن جمهور النحاة على أن شرط المفعول معه أن يكون فاعلاً نحو: جئت أنا وزيداً. ذكر ما يستفاد منه: احتج بهذا الحديث ابن أبي ليلى ومالك والليث والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وأبو سليمان وزفر وأبو يوسف في بعض الروايات، فقالوا: من اشترى مصراة فحلبها فلم يرض بها فإنه يردها إن شاء، ويرد معها صاعاً من تمر، إلاَّ أن عمدة القاري/ ج١١ م٢٥ ٣٨٦ ٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (٦٤) مالكاً قال: يؤدي أهل كل بلد صاعاً من أغلب عيشهم، وابن أبي ليلى قال: يرد معها قيمة صاع من تمر، وهو قول أبي يوسف، ولكنه غير مشهور عنه، وقال زفر: يرد معها صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، أو نصف صاع من تمر. وفي (شرح الموطأ) للأشبيلي: قال مالك: إذا احتلبها ثلاثاً وسخطها لاختلاف لبنها ردها ومعها صاعاً من قوت ذلك البلد، تمراً كان أو براً أو غيره. وبه قال الطبري وأبو علي بن أبي هريرة من أصحاب الشافعي، وعن مالك: يرد مكيلة ما حلب من اللبن تمراً أو قيمته. وقال أكثر أصحاب الشافعي: لا يكون إلاَّ من التمر، وإذا لم يجد المشتري التمر فهل ينتقل إلى غيره؟ حكى الماوردي فيه وجهين: أحدهما: يرد قيمته بالمدينة. والثاني: قيمته بأقرب بلاد التمر إليه. واقتصر الرافعي على نقل الوجه الأول عن الماوردي، والوجهان معاً في (الحاوي). فإن اتفق المتبايعان على غير التمر في رد بدل لبن المصراة، فقد حكى الرافعي عن ابن كج وجهين في إجزاء البر عن التمر إذا اتفقا عليه، فكان كالاستبدال عما في ذمته، وقال أبو حنيفة ومحمد وأبو يوسف في المشهور عنه ومالك في رواية وأشهب من المالكية وابن أبي ليلى في رواية وطائفة من أهل العراق: ليس للمشتري رد المصراة بخيار العيب، ولكنه يرجع بالنقصان، لأنه وجد ما يمنع الرد وهو الزيادة المنفصلة عنها، وفي الرجوع بالنقصان روايتان عن أبي حنيفة في رواية (شرح الطحاوي): يرجع على البائع بالنقصان من الثمن لتعذر الرد، وفي رواية (الأسرار): لا يرجع، لأن اجتماع اللبن وجمعه لا يكون عيباً. وأجابوا عن الحديث بأجوبة. الأول: ما قاله محمد بن شجاع: إن هذا الحديث نسخه حديث: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فلما قطع عَّم بالفرقة الخيار ثبت بذلك أن لا خيار لأحد بعد ذلك إلاَّ لمن استثناه سيدنا رسول الله عَ لَّه في هذا، وهو قوله: ((إلاَّ بيع الخيار المجهول)) ورده الطحاوي بأن الخيار المجهول في المصراة إنما هو خيار عيب، وخيار العيب لا تقطعه الفرقة. الثاني: ما قاله عيسى بن أبان، كان ذلك في أول الإسلام حيث كانت العقوبات في الديون حتى نسخ الله سبحانه وتعالى الربا، فردت الأشياء المأخوذة إلى أمثالها. الثالث: ما قاله ابن التين، ومن جملة ما رووا به حديث المصراة بالاضطراب، قال مرة: صاعاً من تمر، ومرة: صاعاً من طعام، ومرة مثل أو مثلي لبنها. الرابع: أن الحديث، وإن وقع بنقل العدل الضابط عن مثله إلى قائله، لا بد في اعتباره أن يكون غير شاذ ولا معلول، وهذا معلول لأنه يخالف عموم الكتاب والسنة المشهورة، فيتوقف بها عن العمل بظاهره. أما عموم الكتاب فقوله تعالى: ﴿فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤]. وقوله: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم﴾ [النحل: ١٢٦]. وأما الحديث فقوله، عٍَّ: ((الخراج بالضمان))، رواه الترمذي من حديث ابن عباس، وصححه، ورواه الطحاوي من حديث عائشة، ويروى: ((الغلة بالضمان))، والمراد بالخراج ما يحصل من ٣٨٧ ٣٤ - كِتَابُ البُيُوعِ / باب (٦٤) غلة العين المبتاعة، عبداً كان أو أمة أو ملكاً، وذلك أن يشتريه فيستعمله زماناً ثم يعثر منه على عيب قديم لم يطلعه البائع عليه، أو لم يعرفه، فله رد العين المبيعة وأخذ الثمن، ويكون للمشتري ما استعمله، لأن المبيع لو كان تلف في يده لكان من ضمانه، ولم يكن له على البائع شيء. ثم أن هؤلاء قد زعموا أن رجلاً لو اشترى شاة فحلبها ثم أصاب عيباً غير التحفيل والتصرية أنه يردها ويكون اللبن له، وكذلك لو اشترى جارية مثلاً فولدت عنده ثم ردها على البائع لعيب وجد بها، يكون الولد له، قالوا: لأن ذلك من الخراج الذي جعله النبي، عَِّ، للمشتري بالضمان، فإذا كان الأمر كذلك، فالصاع من التمر الذي يوجبه هؤلاء على مشتري المصراة إذا ردها على بايعها بسبب التصرية والتحفيل، لا يخلو إما أن يكون عوضاً من جميع اللبن الذي احتلبه منها، كان بعضه في ضرعها وقت وقوع البيع، وحدث بعضه في ضرعها بعد البيع. وإما أن يكون عوضاً عن اللبن الذي في ضرعها وقت وقوع البيع خاصة، فإن أرادوا الوجه الأول فقد ناقضوا أصلهم الذي جعلوا به اللبن والولد للمشتري بعد الرد بالعيب في الصورتين اللتين ذكرناهما، وذلك لأنهم جعلوا حكمهما كحكم الخراج الذي فعله النبي، عَّهِ، للمشتري بالضمان، وإن أرادوا به الوجه الثاني فقد جعلوا للبائع صاعاً ديناً بدين، وهذا غير جائز لا في قولهم ولا في قول غيرهم، وأي المعنيين أرادوا فهم فيه تاركون أصلاً من أصولهم، وقد كان هؤلاء أولى بالقول بنسخ الحكم في المصراة لكونهم يجعلون اللبن في حكم الخراج، وغيرهم لا يجعلون كذلك، فظهر من ذلك فساد كلامهم وفساد ما ذهبوا إليه. فإن قلت: لا نسلم أن يكون اللبن في حكم الخراج، لأن اللبن ليس بغلة وإنما كان محفلاً فيها، فيلزم رده. قلت: هذا ممنوع، لأن الغلة هي الدخل الذي يحصل، وهي أعم من أن يكون لبناً أو غيره، وأيضاً يلزمهم على هذا أن يردوا عوض اللبن إذا ردت المصراة بعيب آخر غير التصرية، ولم يقولوا به. فإن قلت: هذا حكم خاص في نفسه، وحديث: الخراج بالضمان، عام، والخاص يقضي على العام. قلت: هذا زعمك، وإنما الأصل ترجيح العام على الخاص في العمل به، ولهذا رجحنا قوله، عَّه، في الأرض: ((ما أخرجت ففيه العشر))، على الخاص الوارد، بقوله: ((ليس في الخضراوات صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة))، وأمثال ذلك كثيرة. ويُذْكَرُ عنْ أَبِي صَالِحٍ ومُجاهِدٍ والوَلِيدِ بنِ رَباحٍ ومُوسَى بنِ يَسارٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ عَ لّهِ صِاعْ تَمْرٍ التعليق عن أبي صالح ذکوان الزیات، رواه مسلم، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن القاري عن سهيل عن أبيه أبي صالح عن أبي هريرة: أن رسول الله عَّ الِ قال: ((من ابتاع شاة مصراة فهو فيها بالخيار ثلاث أيام، إن شاء أمسكها، وإن شاء ٣٨٨ ٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (٦٤) ردها ورد معها صاعاً من تمر)). انتهى. وأحاديث المصراة على نوعين. أحدهما: مطلق عن ذكر مدة الخيار، وبه أخذت المالكية وحكموا فيها بالرد مطلقاً. والآخر: منها: مقيد ذكر مدة الخيار كما في رواية مسلم هذه، وبه أخذت الشافعية، واستدل به بعضهم على أن المشتري لو لم يطلع على التصرية إلاَّ بعد الثلاث أنه لا يثبت له خيار الرد لظاهر الحديث. وقال شيخنا: والصحيح عند أصحاب الشافعي ثبوته كسائر العيوب، ولكنه على الفور عندهم بلا خلاف لا يمتد بعد الاطلاع عليه. وأما التعليق عن مجاهد فوصله البزار، حدثنا محمد بن موسى القطان حدثنا عمرو بن أبان حدثنا محمد بن مسلم الطائفي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي هريرة وفيه: من ابتاع مصراة فله أن يردها وصاعاً من طعام، ومحمد بن مسلم فيه مقال، وقال صاحب (التلويح): والذي علقه عن مجاهد لم أره إلاّ ما في مسند البزار. قلت: رواه الطبراني أيضاً في الأوسط والدارقطني في سننه. وأما التعليق عن الوليد بن رباح، بفتح الراء والباء الموحدة، فوصله أحمد بن منيع بلفظ: ((من اشترى مصراة فليرد معها صاعاً من تمر)). وأما التعليق عن موسى بن يسار، بفتح الياء آخر الحروف والسين المهملة فوصله مسلم: حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب حدثنا داود بن قيس عن موسى بن يسار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، عَّ له: ((من اشترى شاة مصراة فلينقلب بها فليحلبها، فإن رضي حلابها أمسكها وإلاَّ ردها ومعها صاع تمر)). وقال بَعْضُهُمْ عنِ ابنِ سِيرِينَ صاعاً منْ طَعَامٍ وهُوَ بِالخَيَارِ ثَلاَثَاً التعليق عن محمد بن سيرين رواه مسلم: حدثنا محمد بن عمرو بن جبلة بن أبي رواد حدثنا أبو عامر - يعني: العقدي - حدثنا قرة عن محمد عن أبي هريرة عن النبي عَّ ◌ُلِّ، قال: ((من اشترى شاة مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردها رد معها صاعاً لا سمراء))، ورواه الترمذي أيضاً، ثم قال: معنى من طعام: لا سمراء، لا بر. وقال البيهقي: المراد بالطعام هنا التمر، لقوله: لا سمراء، قلت: لا يعلم أن المراد من الطعام ههنا التمر، ولا قوله: لا سمراء، يدل عليه لأن الذي يفهم منه أن لا يكون قمحاً وغيره أعم من أن يكون تمراً أو غيره. وقال بعضهم: وروى ابن المنذر من طريق ابن عون عن ابن سيرين أنه سمع أبا هريرة يقول: لا سمراء، تمر ليس بير، فهذه الرواية تبين أن المراد بالطعام التمر، ولما كان المتبادر إلى الذهن أن المراد بالطعام القمح نفاه بقوله: لا سمراء، ورد هذا بما رواه البزار من طريق أشعث بن عبد الملك عن ابن سيرين بلفظ: إن ردها ردها ومعها صاع من بر لا سمراء. قلت: الظاهر من قوله: ((لا سمراء)) نفي لقمح مخصوص، وهي الحنطة الشامية، وقد روى الطحاوي من طريق أيوب عن ابن سيرين: أن المراد بالسمراء الحنطة الشامية، وهي كانت أغلى ثمناً من البر الحجازي فكأنه، عَّله، أمر برد الصاع من البر الحجازي لأن البر الشامي لكونه أغلى ثمناً ٣٨٩ ٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (٦٤) قصد التخفيف عليهم، وجاء في الحديث أيضاً: أن الطعام غير التمر، وهو ما رواه أحمد بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من الصحابة نحو حديث الباب، وفيه: وإن ردها رد معها صاعاً من تمر، فإن ظاهره يقتضي التخيير بين التمر والطعام، وأن الطعام غير التمر. وقال بَعْضُهُمْ عنِ ابنِ سِيرِينَ صاعاً مِنْ تَمْرٍ وَلَمْ يَذْكُرْ ثَلاثاً والتَّمْرُ أكْثَرُ هذا التعليق رواه مسلم حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن أيوب عن محمد عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَّ له: ((من اشترى شاة مصراة فهو بخير النظرين: إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها وصاعاً من تمر لا سمراء)). قوله: ((والتمر أكثر)) من كلام البخاري. أي: أكثر من الطعام، قاله الكرماني، وقيل: أكثر عدداً من الروايات التي لم ينص عليه، أو أبدلته بذكر الطعام. وقال بعضهم: قد أخذ بظاهر هذا الحديث جمهور أهل العلم، وأفتى به ابن مسعود وأبو هريرة، ولا مخالف لهم من الصحابة، وقال به من التابعين ومن بعدهم من لا يحصى عدده، ولم يفرقوا بين أن يكون اللبن الذي احتلب قليلاً أو كثيراً، ولا بين أن يكون تمر تلك البلد أم لا. انتهى. قلت: أبو حنيفة غير منفرد بترك العمل بحديث المصراة، بل مذهب الكوفيين وابن أبي ليلى ومالك في رواية مثل مذهب أبي حنيفة، وقد نهى النبي عَّله عن التصرية، وروى ابن ماجه من حديث ابن مسعود أنه قال: أشهد على الصادق المصدوق أبي القاسم عَ لِّ أنه قال: ((بيع المحفلات خلابة ولا تحل الخلابة لمسلم)). انتهى. قلت: والكل مجمعون على أن التصرية حرام وغش وخداع، ولأجل كون بيعها صحيحاً مع كونها حراماً أجاب عنها بما ذكرناه فيما مضى عن قريب. وأقوى الوجوه في ترك العمل بها مخالفتها للأصول من ثمانية أوجه. أحدها: أنه أوجب من الرد من غير عيب ولا شرط. الثاني: أنه قدر الخيار بثلاثة أيام، وإنما يتقيد بالثلاث خيار الشرط. الثالث: أنه أوجب الرد بعد ذهاب جزء من المبيع. الرابع: أنه أوجب البدل مع قيام المبدل. الخامس: أنه قدره بالتمر أو بالطعام والمتلفات إنما تضمن بأمثالها أو قيمتها بالنقد. السادس: أن اللبن من ذوات الأمثال، فجعل ضمانه في هذا الخبر بالقيمة. السابع: أنه يؤدي إلى الربا فيما إذا باعها بصاع تمر. الثامن: أنه يؤدي إلى الجمع بين العوض والمعوض. وقال هذا القائل أيضاً: لم ينفرد أبو هريرة برواية هذا الأصل، فقد أخرجه أبو داود من حديث عمر، وأخرجه الطبراني من وجه آخر عنه، وأبو يعلى من حديث أنس. وأخرجه البيهقي في (الخلافيات) من طريق عمرو بن عوف المزني. وأخرجه أحمد من رواية رجل من الصحابة لم يسم، وقال ابن عبد البر: هذا الحديث مجمع على صحته وثبوته من جهة النقل. ٣٩٠ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٦٤) قلت: أما حديث ابن عمر فرواه أبو داود من رواية صدقة بن سعيد الجعفي عن جميع ابن عمير التيمي،، قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله، عَ له: ((من ابتاع محفلة فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن رد معها مثل أو مثلي لبنها قمحاً))، قال الخطابي: ليس إسناده بذلك. وقال البيهقي: تفرد به جميع بن عمير، وقال البخاري: فيه نظر، وذكره ابن حبان في الضعفاء، وقال: كان رافضياً يضع الحديث. وقال ابن نمير: كان من أكذب الناس، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه. وقال أبو حاتم: كوفي صالح الحديث من عنق الشيعة. وأما حديث أنس فأخرجه أبو يعلى وفي سنده إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف. وأخرجه البيهقي أيضاً من رواية إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله عَّله: ((من اشترى شاة محفلة فإن لصاحبها أن يحتلبها، فإن رضيها فليمسكها، وإلاَّ فليردها وصاعاً من تمر)). والمحفوظ أنه مرسل. وأما حديث رجل من الصحابة، فأخرجه أحمد عنه عن النبي عَّم قال: ((لا يتلقى الجلب ولا يبيع حاضر لباد، ومن اشترى شاة مصراة أو ناقة)). قال شعبة: إنما قال: ناقة مرة واحدة. ((فهو منها بأحد النظرين، إذا هو حلب، إن ردها رد معها صاعاً من طعام)). قال الحكم: أو صاعاً من تمر، ثم إن بعضهم قد تصدى للجواب عما قالت الحنفية في هذا الموضع، فما قالوا: إن هذا - يعني: حديث المصراة - خبر واحد لا يفيد إلاَّ الظن، وهو مخالف لقياس الأصول المقطوع به، فلا يلزم العمل به. ثم قال هذا القائل وتعقب: بأن التوقف في خبر الواحد إنما هو في مخالفة الأصول لا في مخالفة قياس الأصول، وهذا الخبر إنما خالف قياس الأصول بدليل أن الأصول الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والكتاب والسنة في الحقيقة هما الأصل والآخران مردودان اليهما، فالسنة أصل والقياس فرع، فكيف يرد الأصل بالفرع؟ بل الحديث الصحيح أصل بنفسه فكيف يقال: إن الأصل يخالف نفسه؟ انتهى. قلت: قوله: وهو مخالف لقياس الأصول، لم يقل به الحنفية، كذا، وكيف ينقل عنهم ما لم يقولوا أو قالوا؟ فينقل عنهم بخلاف ما أرادوا منه لعدم التروي وعدم إدراك التحقيق فيه؟ فكيف يقال: وهو مخالف لقياس الأصول، والحال أن القياس أصل من الأصول، لأن الحنفية عدوا القياس أصلاً رابعاً، على ما في كتبهم المشهورة، فيكون معنى ما نقلوا من هذا، وهو مخالف لأصل الأصول، وهو كلام فاسد، وقوله: والقياس فرع، كلام فاسد أيضاً لأنه عد أصلاً رابعاً، فكيف يقول: إنه فرع، حتى يترتب عليه قوله؟ فكيف يرد الأصل بالفرع؟ ثم إنه نقل عن ابن السمعاني من قوله: متى ثبت الخبر صار أصلاً من الأصول، ولا يحتاج إلى عرضه على أصل آخر، لأنه إن وافقه فذاك، وإن خالفه لم يجز رد أحدهما لأنه رد للخبر، وهو مردود باتفاق؟ انتهى. قلت: ثم نقل عن ابن السمعاني من قوله: والأولى عندي في هذه المسألة تسليم الأقيسة، لكنها ليست لازمة، لأن السنة الثابتة مقدمة عليها وعلى تقدير التنزل فلا نسلم أنه مخالف لقياس الأصول، لأن الذي ادعوه عليه من المخالفة بينوها بأوجه: أحدها: أن المعلوم ٣٩١ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٦٤) من الأصول أن ضمان المثليات بالمثل والمتقومات بالقيمة، وههنا إن كان اللبن مثلياً فليضمن باللبن، وإن كان متقوماً فليضمن بأحد النقدين، وقد وقع هنا مضموناً بالتمر فخالف الأصل، والجواب منع الحصر، فإن الحر يضمن في ديته بالإبل، وليست مثلاً له، ولا قيمة، وأيضاً فضمان المثل بالمثل ليس مطرداً، فقد يضمن المثل بالقيمة إذا تعذرت المماثلة، كمن أتلف شاةً لبوناً كان عليه قيمتها، ولا يجعل بإزاء لبنها لبناً آخر، لتعذر المماثلة. انتهى. قلت: قوله: فلا نسلم أنه مخالف لقياس الأصول ... إلى آخره، لأن مخالفته للقاعدة الأصلية ظاهرة، وهي أن ضمان المثل بالمثل وضمان المتقوم بالقيمة، وهذه القاعدة مطردة في بابها، وضمان المثل بالقيمة عند التعذر خارج عن باب القاعدة المذكورة، فلا يرد عليها الاعتراض بذلك، لأن باب التعذر مستثنى عنها، والتعذر تارة يكون بالاستحالة كما في ضمان الحر بالإبل، وتارة يكون بالعدم، كتعذر المماثلة في ضمان لبن الشاة واللبون، وأيضاً في مسألة الشاة اللبون: اللبن جزء من أجزائها، فيدخل في ضمان الكل، ودفع الصاع من التمر أو غيره مع اللبن في المصراة إنما كان في وقت العقوبة في الأموال بالمعاصي، وذلك لأن النبي عَّتِ نص على أن بيع المحفلات خلابة، والخلابة حرام، فكان من فعل هذا وباع صار مخالفاً لما أمر به رسول الله عَّلّهِ، وداخلاً فيما نهى عنه، فكانت عقوبته في ذلك أن يجعل اللبن المحلوب في الأيام الثلاثة للمشتري بصاع من تمر، ولعله يساوي آصعاً كثيرة، ثم نسخت العقوبات في الأموال بالمعاصي، وردت الأشياء إلى ما ذكرناه من القاعدة الأصلية. ثم ذكر ابن السمعاني عن الحنفية أنهم قالوا: إن القواعد تقتضي أن يكون المضمون مقدر الضمان بقدر التالف، وذلك مختلف، وقد قدر ههنا بمقدار واحد وهو الصاع، فخرج عن القياس. والجواب: منع التعميم في المضمونات كالموضحة، فأرشها مقدر مع اختلافها بالكبر والصغر، والغرة مقدرة في الجنين مع اختلافه. انتهى. قلت: لا نسلم منع التعميم في بابه كما ذكرنا، وما مثل به على وجه الإيراد على القاعدة غير وارد لأنا قلنا: إن الذي يفعل من ذلك عند التعذر خارج من باب القاعدة، غير داخل فيها، حتى يمنع اطراد القاعدة، ثم ذكر عنهم أيضاً أن اللبن التالف إن كان موجوداً عند العقد فقد ذهب جزء من المعقود عليه من أصل الخلقة، وذلك مانع من الرد، فقد حدث على ملك المشتري فلا يضمنه، وإن كان مختلطاً، فما كان منه موجوداً عند العقد، وما كان حادثاً لم يجب ضمانه. والجواب: أن يقال: إنما يمتنع الرد بالنقص إذا لم يكن لاستعلام العيب، وإلاّ فلا يمتنع، وهنا كذلك. انتهى. قلت: الذي قالوه كلام واضح صحيح، والجواب الذي أجابه ليس بشيء، فهل يرضى أحد أن يرد هذا الكلام بمثل هذا الجواب؟ وليس العجب منه، وإنما العجب من الذي ينقله في تأليفه ويرضى به. ثم ذكر عنهم فيما قالوا: بأنه خالف الأصول في جعل الخيار فيه ثلاثاً، مع أن خيار العيب لا يقدر بالثلاث، وكذا خيار المجلس عند من يقول به، وخيار الرؤية عند من يثبته. ثم أجاب: بأن حكم المصراة انفرد بأصله عن مماثله، فلا تستغرب أن ينفرد بوصف زائد على : ٣٩٢ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٦٤) غيره، انتهى. قلت: لانفراده بأصله عن مماثله قلنا: إنه منسوخ، كما ذكرنا فيما مضى. : ثم ذكر عنهم أنهم قالوا: يلزم من الأخذ به الجمع بين العوض والمعوض، ثم أجاب: بأن التمر عوض عن اللبن لا عن الشاة. قلت: ليس دفع التمر الإجزاء لما ارتكب من العصيان حين كانت العقوبة بالأموال في المعاصي. ثم ذكر عنهم بأنه مخالف لقاعدة الربا فيما إذا اشترى شاة بصاع، فإذا استرد معها صاعاً فقد استرجع الصاع الذي هو الثمن، فيكون قد باع شاة وصاعاً بصاع. الجواب: أن الربا إنما يعتبر في العقوب لا في الفسوخ، بدليل أنهما لو تبايعا ذهباً بفضة لم يجز أن يتفرقا قبل القبض، فلو تقابلا في هذا العقد بعينه جاز التفرق قبل القبض. انتهى. قلت: ذكره هذه المسألة تأكيداً لما قاله من الجواب لا يفيده، لأن بالإقالة صار العقد كأنه لم يكن، وعاد كل شيء إلى أصله فلا يحتاج إلى أن يقال: جاز التفرق قبل القبض. ثم ذكر عنهم بأنهم قالوا: يلزم منه ضمان الأعيان مع بقائها فيما إذا كان اللبن موجوداً والأعيان لا تضمن بالبدل إلاّ مع فواتها كالمغصوب، والجواب: أن اللبن وإن كان موجوداً لكنه تعذر رده لاختلاطه باللبن الحادث بعد العقد، وتعذر تمييزه، فأشبه الآبق بعد الغصب، فإنه يضمن قيمته مع بقاء عينه لتعذر الرد انتهى. قلت: لما تعذر رد اللبن لاختلاطه باللبن الحادث صار حكمه حكم العدم فيضمن بالبدل، كالعين المغصوبة إذا هلكت عند الغاصب، وتشبيهه بالعبد الآبق غير صحيح، لأنه إذا تعذر رده صار في حكم الهالك، فيتعين القيمة. ثم نقل عنهم بأنه: يلزم منه إثبات الرد بغير عيب ولا شرط، ثم أجاب: بأنه لما رأى ضرعاً مملوءاً لبناً ظن أنه عادة لها، فكأن البايع شرط له ذلك، فتبين له الأمر بخلافه، فثبت له الرد لفقد الشرط المعنوي. انتهى. قلت: البيع بمثل هذا الشرط فاسد إن كان لفظياً، فبالمعنوي بالأولى، ولا يصح من الشروط إلاَّ شرط الخيار بالنص الوارد فيه، وأما العيب فإذا ظهر فإنه يرده ولا يحتاج فيه إلى الشرط. ٢١٤٩/٩٩ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا مُعْتَمِرٌ قال سَمِعْتُ أبِي يَقُولُ حدَّثنا أَبُو عُثْمَانَ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ رضي الله تعالى عنه قالَ مَنِ اشْتَرَى شاةً محَفَّلَةٌ فَرَدَّهَا فَلْيَرُدَّ معَهَا صاعاً ونَهَى النبيُّ عَّهِ أَنْ تُلَقَّى الْبُيُوعُ. [الحديث ٢١٤٩ - طرفه في: ٢١٦٤]. مطابقته للترجمة من حيث إنه داخل في الحديث السابق المطابق للترجمة. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: مسدد. الثاني: معتمر، بضم الميم الأولى وكسر الثانية: ابن سليمان. الثالث: أبوه سليمان بن طرخان. الرابع: أبو عثمان عبد الرحمن بن مل النهدي - بالنون - أسلم في عهد النبي عَّه وأدى إليه الصدقات وغزا غزوات في عهد عمر، رضي الله تعالى عنه، مات في سنة خمس وتسعين وعمره مائة وثلاثون سنة. الخامس: عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في ٣٩٣ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٦٤) موضع. وفيه: السماع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن رجاله كلهم بصريون غير ابن مسعود. وفيه: رواية الابن عن الأب. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري مفرقاً عن مسدد ويزيد بن زريع، وأخرجه مسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة. وأخرجه الترمذي فيه عن هناد بن السري. وأخرجه ابن ماجه في التجارات عن يحيى بن حكيم، ثم إن هذا الحديث رواه الأكثرون عن معتمر بن سليمان موقوفاً. وأخرجه الإسماعيلي من طريق عبيد الله بن معاذ عن معتمر بن سليمان مرفوعاً، وذكر أن رفعه غلط، ورواه أكثر أصحاب سليمان عنه كما هنا موقوفاً حديث المحفلة من كلام ابن مسعود، وحديث النهي عن التلقي مرفوع، وخالفهم أبو خالد الأحمر عن سليمان التيمي، فرواه بهذا الإسناد مرفوعاً. أخرجه الإسماعيلي وأشار إلى وهمه أيضاً. ذكر معناه: قوله: ((فردها فليرد معها صاعاً))، قال الكرماني: هو من قبيل: : علفتها تبناً وماء بارداً بأن يقال: إن ثمة إضماراً أي: وسقيتها ماء، أو يجعل: علفتها، مجازاً عن فعل شامل للتعليف والسقي، نحو: أعطيتها. وقيل: فردها أي أراد ردها فليرد معها، وقال بعضهم: يجوز أن تكون مع بمعنى بعد، فيكون المعنى فليرد بعدها صاعاً. واستشهد لقوله هذا بقوله تعالى: ﴿وأسلمت مع سليمان﴾ [النمل: ٤٤]. قلت: لم يذكر النحاة لمع إلاّ ثلاث معان: أحدها: موضع الاجتماع، ولهذا يخبر بها عن الذوات نحو: ﴿والله معكم﴾ [محمد: ٣٥]. الثاني: زمانه، نحو جئتك مع العصر. والثالث: مرادفة: عند، وما رأيت في كتب القوم ما يدل على ما ذكره. قوله: ((تلقى))، أي: يستقبل، والتلقي الاستقبال، وهو بضم التاء وفتح اللام وتشديد القاف، ويروى بالتخفيف. قوله: ((البيوع))، أي: أصحاب البيوع، أو المراد من البيوع: المبيعات. ٢١٥٠/١٠٠ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالك عنْ أَبِي الزِّنادِ عن الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أنَّ رسولَ الله عَ لَّلِ قال لاَ تَلَقَّوا الرُّكْبَانَ ولاَ يَبِيغَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ولاَ تَتَاجَشُوا ولاَ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبادٍ ولاَ تُصَرُوا الْغَتَمَ ومَنِ ابْتَاعَهَا فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنَ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا وإنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وصاعاً مِنْ تَمْرٍ. [انظر الحديث ٢١٤٠ وأطرافه]. مطابقته للترجمة أوضح ما يكون. ورجاله قد ذكروا غير مرة، وأبو الزناد، بالزاي والنون: عبد الله بن ذكوان، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز. والحديث أخرجه مسلم في البيوع أيضاً عن يحيى بن يحيى. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي، وأخرجه النسائي فيه عن قيبة، الكل عن مالك. قوله: ((لا تلقوا الركبان))، بفتح القاف، وأصله: لا تتلقوا، بتاءين، فحذفت إحداهما ٣٩٤ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٦٥) أي: لا تستقبلوا الذين يحملون المتاع إلى البلد للاشتراء منهم، قبل قدوم البلد ومعرفة السعر. وقال ابن عبد البر: وأما قوله: ((لا تلقوا الركبان))، فقد روي هذا المعنى بألفاظ مختلفة، فرواه الأعرج عن أبي هريرة: ((لا تلقوا الركبان)) وفي رواية ابن سيرين: ((لا تلقوا الجلب)) وفي رواية أبي صالح وغيره: نهى أن يتلقى السلع حتى يدخل الأسواق، وروى ابن عباس: لا تستقبلوا السوق ولا يتلقى بعضكم لبعض، والمعنى واحد، فحمله مالك على أنه: لا يجوز أن يشتري أحد من الجلب السلع الهابطة إلى الأسواق، سواء هبطت من أطراف المصر أو من البوادي، حتى يبلغ بالسلعة سوقها. وقيل لمالك: أرأيت إن كان تلك على رأس ستة أميال؟ فقال: لا بأس بذلك، والحيوان وغيره في ذلك سواء، وعن ابن القاسم: إذا تلقاها متلق واشتراها قبل أن يهبط بها إلى السوق، وقال ابن القاسم: يفرض، فإن نقصت عن ذلك الثمن لزمت المشتري. قال سحنون، وقال لي غير ابن القاسم: يفسخ البيع، وقال الليث: أكره تلقي السلع وشراءها في الطريق أو على بابك حتى تقف السلعة في سوقها، وسبب ذلك الرفق بأهل الأسواق لئلا ينقطعوا بهم عما له جلسوا يبتغون من فضل الله تعالى، فنهوا عن ذلك، لأن في ذلك إفساداً عليهم. وقال الشافعي: رفقاً بصاحب السلعة لئلا يبخس في ثمن سلعته، وعند أبي حنيفة: من أجل الضرر، فإن لم يضر بالناس تلقي ذلك لضيق المعيشة، وحاجتهم إلى تلك السلعة، فلا بأس بذلك، وقال ابن حزم: لا يحل لأحد أن يتلقى الجلب، سواء خرج لذلك أو كان سائراً على طريق الجلاب، وسواء بَعُدَ موضع تلقيه أو قرُبَ، ولو أنه عن السوق على ذراع فصاعداً، لا لأصحابه ولا لغير ذلك، أضر ذلك بالناس أو لم يضر، فمن تلقى جلباً - أي شيء كان - فإن الجالب بالخيار إذا دخل السوق متى ما دخله، ولو بعد أعوام في إمضاء البيع أو رده. قوله: ((ولا يبيع بعضكم على بيع بعض .. )) إلى آخره، قد مر الكلام فيه فيما مضى مستوفىّ، والله تعالى أعلم. ٦٥ - بابٌ إن شاءَ رَدَّ المُصَرَّاةَ وفِي حَلُبْتِهَا صاعٌ مِنْ تَمْرٍ أي: هذا باب يذكر فيه إن شاء المشتري ترك بيعه رد المصراة، والحال أن الواجب في حلبتها صاع من تمر، الحلبة بسكون اللام اسم الفعل، ويجوز الفتح على أنه بمعنى المحلوب، وأشار بهذا إلى أن الواجب رد صاع من تمر، سواء كان اللبن قليلاً أو كثيراً. قوله: ((رد))، فعل ماض، والمصراة مفعوله، والجملة جواب الشرط. ٢١٥١/١٠١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَمْرٍو قال حدثنا المَكِّيُ قال أخبرنا ابنُ مُجرَيْج قال أخبرَني زِياد أنَّ ثابتاً مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ زَيْدِ أخبَرَهُ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ يَقُولُ قال رسولُ اللهِ عَِّ مِنِ اشْتَرَى غِنَمَاً مُصَرَّةً فاخْتَلَبَهَا فإنْ رَضِيَهَا أُمْسَكَها وإنْ سَخِطَهَا فَفِي حَلْتِهَا صاعٌ مِنْ تَمْرٍ. [انظر الحديث ٢١٤٠ وأطرافه]. مطابقتها للترجمة ظاهرة. ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: محمد بن عمرو، بفتح العين، كذا وقع في رواية ٣٩٥ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٦٦) الأكثرين بغير ذكر جده، ووقع في رواية عبد الرحمن الهمداني عن المستملي: محمد بن عمرو بن جبلة، وكذا قال أبو أحمد الجرجاني في روايته عن الفربري، وفي رواية أبي علي ابن شبويه عن الفربري: حدثنا محمد بن عمرو - يعني: ابن جبلة - وأهمل الباقون ذکر جده، وجزم الدارقطني بأنه: محمد بن عمرو أبو غسان المعروف بزنيج، بضم الزاي وفتح النون وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره جيم، وجزم الحاكم والكلاباذي بأنه: محمد بن عمرو السواق، بفتح السين المهملة وبالقاف: البلخي، وكذا قاله الكرماني، وقال: مات سنة ست وثلاثين ومائتين. الثاني: المكي، على صورة النسبة إلى مكة، وهو اسمه المكي بن إبراهيم، وقد مر في: باب إثم من كذب في كتاب العلم. الثالث: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج. الرابع: زياد، بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف ابن سعد بن عبد الرحمن. الخامس: ثابت، بالثاء المثلثة: ابن عياض بن الأحنف. السادس: أبو هريرة. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: الإخبار كذلك في موضع وبصيغة الإفراد في موضعين. وفيه: السماع. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن المكي هو شيخه ولكنه روى عنه ههنا بواسطة. وفيه: أن شيخه من أفراده وهو البلخي على رواية الحاكم والرازي على رواية الدارقطني، وأن شيخ شيخه وزياداً بلخيان، ولكن زياد أسكن خراسان ثم مكة، وكان شريك ابن جريج، وأن ثابتاً مدني. والحديث أخرجه أبو داود في البيوع أيضاً عن عبد الله بن مخلد التميمي عن المكي. قوله: ((غنما)) هو اسم مؤنث موضوع للجنس يقع على الذكور وعلى الإناث. وقال الكرماني: وهذا الصاع إنما يجب في الغنم وما في حكمها من مأكول اللحم، بخلاف النهي عن التصرية وثبوت الخيار فإنما عامان لجميع الحيوانات. وقال النووي في (شرح مسلم) بردها بدون الصاع، لأن الأصل أنه إذا أتلف شيئاً لغيره رد مثله إن كان مثلياً وإلاَّ فقيمته، وأما جنس آخر من العروض فخلاف الأصول. قلت: هذا بعينه مذهب الحنفية. قوله: ((ففي حلبتها صاع من تمر)) ظاهره أن صاع التمر في مقابل المصراة، سواء كانت واحدة أو أكثر، لقوله: من اشترى غنماً، لأنا قد ذكرنا أنه اسم جنس. ثم قال: ((وفي حلبتها صاع من تمر)) ونقل ابن عبد البر عمن استعمل الحديث، وابن بطال عن أكثر العلماء، وابن قدامة عن الشافعية والحنابلة وعن أكثر المالكية: يرد عن كل واحدة صاعاً. وقال المازري: من المستبشع أن يغرم متلف لبن ألف شاة كما يغرم متلف لبن شاة واحدة، قلت: استغنت الحنفية عن مثل هذه التعسفات، ومذهبهم - كما مر - أن المصراة لا ترد، ولكنه يرجع بنقصان العيب، على أن فيه روايتين عن أبي حنيفة. ٦٦ - بابُ بَيِعِ الْعَبْدِ الزَّانِي أي: هذا باب في جواز بيع العبد الزاني مع بيان عيبه. وقال شُرَيْحَ إنْ شَاءَ رَدَّ مِنَ الزِّنَا شريح هو ابن الحارث الكندي القاضي، وقد مر غير مرة، وهذا التعليق وصله سعيد بن ٣٩٦ ٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (٦٦) منصور بإسناد صحيح من طريق ابن سيرين: أن رجلاً اشترى من رجل جارية كانت فجرت ولم يعلم بذلك المشتري فخاصمه إلى شريح، فقال: إن شاء رد من الزنا. قلت: وعند الحنفية الزنا عيب في الأمة دون الغلام، لأنه يخل بالمقصود منها، وهو الاستفراش وطلب الولد، والمقصود من الغلام الاستخدام، وكذلك إذا كانت بنت الزنا فهو عيب، وعند محمد في (الأمالي) لو اشترى جارية بالغة وكانت قد زنت عند البائع فللمشتري أن يردها، وإن لم تزن عنده للحوق العار بالأولاد، ولكن المذهب أن العيوب كلها لا بد لها من المعاودة عند المشتري حتى يرد إلاَّ الزنا في الجارية، كما ذكره محمد. ٢١٥٢/١٠٢ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُّ يُوسُفَ قال حدثنا اللَّيْثُ قال حدَّثني سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ عنْ أَبِيهِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ قال النبيُّ عَ لَّهِ إِذَا زَنَتِ الأَمَةُ فَتَبَيَّنَ زِناهَا فَلْيَجْلِدْهَا ولاَ يُقَرِّبْ ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا ولاَ يُقَرِّبْ ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِفَةَ فَلْيَبِغْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعر. [الحديث ٢١٥٢ - أطرافه في: ٢١٥٣، ٢٢٣٣، ٢٢٣٤، ٢٥٥٥، ٦٨٣٧، ٦٨٣٩]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فليبعها))، فإنه يدل على جواز بيع الزاني، وفيه الإشعار بأن الزنا عيب. ورجاله قد ذكروا غير مرة واسم أبي سعيد: کیسان المديني مولى بني ليث، وكان سعيد يسكن المقبرة فنسب إليها. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في البيوع عن عبد العزيز ابن عبد الله، وفي المحاربين عن عبد الله بن يوسف. وأخرجه مسلم في الحدود، وأخرجه النسائي عن عيسى بن حماد، وقال الدارقطني: رواه ابن جريج وإسماعيل بن أمية وأسامة بن زيد وعبد الرحمن بن إسحاق وأيوب بن موسى ومحمد بن عجلان وابن أبي ذئب وعبيد الله ابن عمر، فقالوا: عن سعيد عن أبي هريرة، لم يذكروا أبا سعيد، وفي مسلم کذلك. ذكر معناه: قوله: ((فتبين زناها))، أي: بالبينة أو بالحبل أو بالإقرار. قوله: ((فليجلدها))، وفي رواية أيوب بن موسى: فليجلدها الحد، قال أبو عمر: لا نعلم أحداً ذكر فيه الحد غيره. قوله: ((ولا يثرب)) من التثريب، بالثاء المثلثة بعد التاء المثناة من فوق، وهو التعبير والاستقصاء في اللوم، أي: لا يزيد في الحد، ولا يؤذيها بالكلام، وقال الخطابي: معناه أن لا يقتصر على التثريب، بل يقام عليها الحد. قوله: ((ولو بحبل)) أي: ولو كان البيع بحبل من شعر، وهذا مبالغة في التحريض ببيعها، وذكر الحبل بمعنى التقليل والتزهيد عن الزانية. ذكر ما يستفاد منه فيه: جواز بيع الزاني، وقال أهل الظاهر: البيع واجب. وفيه: أن الزنا عيب في الجارية، وقد ذكرنا أنه ليس بعيب في الغلام إلاَّ إذا كان معتاداً به. وفيه: أن الزانية تجلد، وممن كان يجلدها إذا زنت أو يأمر برجمها ابن مسعود وأبو برزة وفاطمة وابن ٣٩٧ ٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (٦٦) عمر وزيد بن ثابت وإبراهيم النخعي وأشياخ الأنصار وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعلقمة والأسود وأبو جعفر محمد بن علي أبو ميسرة. واختلف العلماء في العبد إذا زنى: هل الزنا عيب فيه يجب رده به أم لا؟ فقال مالك: هو عيب في العبد والأمة، وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور، وقول الشافعي: كل ما ينقص من الثمن فهو عيب. وقالت الحنفية: هو عيب في الجارية دون الغلام، كما ذكرناه، ثم هل يجلدها السيد أم لا؟ فقال مالك والشافعي وأحمد: نعم، وقال أبو حنيفة: لا يقيم الجلد أو الحد إلاَّ الإمام، بخلاف التعزير، واحتج بحديث: أربع إلى الوالي ... فذكر منها الحدود. وهل يكتفي السيد بعلم الزنا أم لا؟ فيه روايتان عند المالكية، ولم يذكر في الحديث عدد الجلد، وروى النسائي: أن رجلاً أتى النبي، عَّهِ، فقال: إن جاريتي زنت وتبين زناها، قال: إجلدها خمسين، ثم أتاه فقال: عادت، وتبين زناها. قال: إجلدها خمسين، ثم أتاه فقال: عادت. قال: بعها ولو بحبل من شعر، والأمة لا ترجم، سواء كانت متزوجة أم لا. والزاني إذا حد ثم زنى ثانياً لزمه حد آخر، على ذلك الأئمة الأربعة، والإحصان في الرجم شرط، والشروط سبعة: الحرية والعقل والبلوغ والإسلام، وعن أبي يوسف أنه ليس بشرط، وبه قال الشافعي وأحمد لأنه عَ لِّ رجم يهوديين، قلنا: كان ذلك بحكم التوراة قبل نزول آية الجلد في أول ما دخل النبي عَّ المدينة وصار منسوخاً بها، ثم نسخ الجلد في حق المحصن. والشرط الخامس: الوطء. والسادس: أن يكون الوطء بنكاح صحيح. والشرط السابع: كونهما محصنين حالة الدخول، حتى لو دخل بالمنكوحة الكافرة أو المملوكة أو المجنونة أو الصبية لم يكن محصناً، وكذلك لو كان الزوج عبداً أو صبياً أو مجنوناً أو كافراً وهي مسلمة عاقلة بالغة. فإن قلت: كيف يتصور أن يكون الزوج كافراً والمرأة مسلمة؟ قلت: صورته أن يكونا كافرين فأسلمت المرأة ودخل بها الزوج قبل عرض الإسلام عليه. ومنه: استنبط قوم جواز البيع بالغبن، قالوا: لأنه بيع خطير بثمن يسير، وقال القرطبي: هذا ليس بصحيح، لأن الغبن المختلف فيه إنما هو مع الجهالة من المغبون، وأما مع علم البائع بقدر ما باع وما قبض فلا يختلف فيه، لأنه عن علم منه ورضيّ، فهو إسقاط لبعض الثمن، لا سيما أن الحديث خرج على جهة التزهيد وترك الغبطة. وفيه: ترك اختلاط الفساق وفراقهم. فإن قلت: فما معنى أمره، عَ لّه، ببيع الأمة الزانية؟ والذي يشتريها يلزمه من اجتنابها ومباعدتها ما يلزم البائع، وكيف يكره شيئاً ويرتضيه لأخيه المسلم قلت: لعل الثاني يصونها بهيبته، أو بالإحسان إليها، أو لعلها تستعف عند الثاني بأن يزوجها أو يعفها بنفسه، ونحو ذلك. ١٠٣/ ٢١٥٣ - ٢١٥٤ - حدّثنا إِسْمَاعِيلُ قال حدَّثني مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وزَيْدِ بنِ خالِدٍ رضي الله تعالى عنهُمَا أنَّ رسولَ الله عَّ سُئِلَ عنِ الأَمَةِ إذَا زَنَتْ ولَمْ تُخْصِنْ قال إنْ زَنَتْ فاجْلِدُوهَا ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فاجْلِدُوهَا ثُمَّ إِنْ ٣٩٨ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٦٦) زَنَتْ فَبِيعُوهَا ولَوْ بِنَفِيرٍ: قال ابنُ شِهَابٍ لاَ أَدْرِي أَبَعْدَ الثَّالِئَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ. [انظر الحديث ٢١٥٢ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة. ورجاله قد ذكروا غير مرة. وإِسْمَاعِيل هو ابنُ أبي أويس، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري، وعبيد الله بن عبد الله - بالتصغير في الإبن والتكبير في الأب - ابن عتبة بن مسعود، وزيد بن خالد الجهني الصحابي المدني: مر في: باب الغضب في الموعظة. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في المحاربين عن عبد الله بن يوسف عن مالك، وفي العتق عن مالك بن إسماعيل عن سفيان بن عيينة، وفي البيوع أيضاً عن زهير بن حرب. وأخرجه مسلم في الحدود عن عمرو الناقد وعن أبي الطاهر، وعن محمد بن حميد. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي عن مالك به. وأخرجه النسائي في الرجم عن قتيبة عن مالك به وعن الحارث بن مسكين عن سفيان به وعن أبي داود الحراني وعن محمد بن بكير وعن أبي الطاهر بن السرح، ولم يذكر أبا هريرة. وأخرجه ابن ماجه في الحدود عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح. وقال أبو عمر: تابع مالكاً على سند هذا الحديث: يونس بن يزيد ويحيى بن سعيد ورواه عقيل والزبيدي وابن أخي الزهري عن عبيد الله عن شبل بن خالد المزني: أن عبد الله ابن مالك الأوسي أخبره أن رسول الله عَ ليه سئل عن الأمة ... الحديث إلاَّ أن عقيلاً وحده قال: مالك بن عبد الله. وقال الآخران: عبد الله بن مالك، و کذا قال يونس بن یزید عن ابن شهاب عن شبل بن خالد عن عبد الله بن مالك الأوسي، فجمع يونس الإسنادين جميعاً في هذا الحديث، وانفرد مالك بإسناد واحد. وعند عقيل والزبيدي وابن أخي الزهري فيه أيضاً بإسناد آخر: عن ابن شهاب عن عبيد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد وشبل أن النبي عَ لّه سئل عن الأمة إذا زنت ... الحديث، هكذا قال ابن عيينة في هذا الحديث، جعل شبلاً مع أبي هريرة وزيد، فأخطأ وأدخل إسناد حديث في آخر، ولم يتم حديث شبل. قال أحمد بن زهير: سمعت يحيى يقول: شبل لم يسمع من النبي عَ له شيئاً. وفي رواية: ليست له صحبة، يقال: شبل بن معبد، وشبل بن حامد، روى عن عبد الله بن مالك عن النبي عَ لَّهِ، قال يحيى: وهذا عندي أشبه. قلت: ذكر الذهبي في (تجريد الصحابة): شبل بن معبد. وقيل: ابن حامد، وقيل: ابن خليد المزني أو البجلي، روى عنه عبيد الله بن عبد الله، وذكر أيضاً مالك ابن عبد الله الأوسي، وقال المستغفري: له صحبة، ويقال: الأويسي، وصوابه: عبد الله بن مالك، رضي الله تعالى عنه. ذكر معناه: قوله: ((ولم تحصن))، بضم التاء وسكون الحاء من الإحصان، ويروى بضم التاء وفتح الحاء وتشديد الصاد من التحصن من باب التفعل: الإحصان: المنع، والمرأة تكون محصنة بالإسلام والعفاف والحرية والتزوج، يقال: أحصنت المرأة فهي محصنة، وكذا الرجل، والمحصن بالفتح يكون بمعنى الفاعل، والمفعول، وهو أحد الثلاثة التي جئن نوادر. ١ ٣٩٩ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوع / باب (٦٧) يقال: أحصن فهو محصن، وأسهب فهو مسهب، وأفلج فهو مفلج، وقال الطحاوي: لم يقل هذه اللفظة غير مالك بن أنس عن الزهري، قال أبو عمر: وهو من رواية ابن عيينة ويحيى بن سعيد عن ابن شهاب، كما رواه مالك، رحمه الله تعالى، ومفهومه أنها: إذا أحصنت لا تجلد بل ترجم كالحرة، لكن الأمة تجلد محصنة كانت أو غير محصنة، ولكن لا اعتبار للمفهوم حيث نطق القرآن صريحاً بخلافه في قوله تعالى: ﴿فإذا أحصنَّ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥]. فالحديث دل على جلد غير المحصن، والآية على جلد المحصن، لأن الرجم لا ينصف فيجلدان عملاً بالدليلين، أو يكون الإحصان بمعنى العفة عن الزنا، كما في قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ [النور: ٤]. أي: العفيفات. وقال الخطابي: ذكر الإحصان في الحديث غريب مشكل جداً إلاَّ أن يقال: معناه العتق، وقيل: معناه ما لم تتزوج، وقد اختلف فيه في قوله تعالى: ﴿فإذا أحصن﴾ [النساء: ٢٥]. هل هو الإسلام أو التزوج؟ فتحد المتزوجة وإن كانت كافرة؟ قاله الشافعي، أو الحرية؟ وحديث علي، رضي الله تعالى عنه: ((أقيموا على أرقائكم الحد، من أحصن منهم ومن لم يحصن)). أخرجه مسلم موقوفاً، والنسائي مرفوعاً، فتحد الأمة على كل حال، أي على أي حالة كانت، ويعتذر عن الإحصان في الآية لأنه أغلب حال الإماء، وإحصان الأمة عند مالك والكوفيين إسلامها، قاله ابن بطال. قوله: ((ثم إن زنت فاجلدوها))، أي: بعد الجلد، أي: إذا جلدت ثم زنت تجلد مرة أخرى، بخلاف ما لو زنت مرّات ولم تجلد لواحدة منهن، فيكفي حد واحد للجميع. قوله: ((بضفير))، بفتح الضاد المعجمة وكسر الفاء، هو: الحبل المنسوج أو المفتول، يقال: أضفر نرج الشعر وفتله، وهو فعيل بمعنى مفعول، وقال ابن فارس: هو الضفر حبل الشعر وغيره، عريضاً وهو مثل تضربه العرب للتقليل، مثل: لو منعوني عقالاً ولو فرسن شاة. قوله: ((قال ابن شهاب))، هو المذكور في سند الحديث، وقد تردد ابن شهاب بقوله: لا أدري، أبعد الثلاثة؟ الهمزة فيه للاستفهام، هل أراد أن بيعها يكون بعد الزنية الثالثة أو الرابعة، وقد جزم أبو سعيد المقبري أنه في الثالثة، كما ذكره البخاري أولاً. ٦٧ - بابُ الْبَيْعِ والشّرَاءِ مَعَ النِّسَاءِ أي: هذا باب في بيان حكم البيع والشراء بالنساء. ١٠٤/ ٢١٥٥ - حدّثنا أبو اليَمانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ قالَتْ عَائِشَةُ رضي الله تعالى عنها دخَلَ رسولُ اللهِ عَ لِ فَذَكَرْتُ لَهُ فقال رسولُ الله عَلَّهِ اشْتَرِي وأعْتِقِيٍ فإنَّ الوَلاَءَ لِمَنْ أَعْتَقَ ثُمَّ قامَ النبيُّ عَ لَّهِ مِنَ الْعَشِيِّ فَأَثْنَى على الله بِما هُوَ أَهْلُهُ ثمّ قال ما بالُ أَنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُروطاً لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ منِ اشْتَرَطَ شرطاً لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهْوَ بَاطِلٌ وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شرطٍ شَرْطُ اللهِ أَحَقُّ وأوْثَقُ. [انظر الحديث ٤٥٦ وأطرافه]. ٤٠٠ ٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (٦٧) مطابقته للترجمة في قوله: ((اشترى))، يخاطب به عائشة، والبيع والشراء كان في بريرة حيث اشترتها عائشة من أهلها وصدق البيع والشراء هنا من النساء مع الرجال، وقال بعضهم: شاهد الترجمة منه قوله: ((ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله؟)) لإشعاره بأن قصة المبايعة كانت مع رجال، وكان الكلام في ذلك مع عائشة زوج النبي، عَّ له. قلت: فيما ذكره بُعد، والأقرب الأوجه ما ذكرناه. وأبو اليمان الحكم بن نافع الحمصي، وشعيب ابن أبي حمزة الحمصي. وهذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع عديدة بيناها في كتاب الصلاة في: باب ذكر البيع والشراء في المسجد. واستقصينا الكلام فيه من سائر الوجوه. وقد أكثر الناس في حديث عائشة في قصة بريرة من الإمعان في بيانه على اختلاف ألفاظه واختلاف رواته، وقد ألف محمد بن جرير فيه كتاباً، وللناس فيه أبواب أكثرها تكلف وتأويلات ممكنة لا يقطع بصحتها. قوله: ((فذكرت له))، أي: للنبي عَّه، والذي ذكرت له عائشة مطويٌّ هنا، يوضحه رواية عمرة عن عائشة، قالت: أتتها بريرة تسألها في كتابتها، فقالت: إن شئت أعطيت أهلك ويكون الولاء لي. وقال أهلها: إن شئت أعطيتها ما بقي. وقال سفيان مرة: إن شئت أعتقيها ويكون الولاء لنا، فلما جاء رسول الله عَّ له ذكرته ذلك، فقال: ((إبتعيها وأعتقيها فإن الولاء لمن أعتق)). الحديث .. فهذا كله مطويٍّ ههنا من أول الكلام إلى قوله: فذكرت له، فإن أردت التحقيق فارجع إلى الباب المذكور في كتاب الصلاة، قوله: ((وأوثق))، أي: أحكم وأقوى. ٢١٥٦/١٠٥ - حدّثنا حسَّانُ بنُ أبي عَبَّادٍ قال حدَّثنا هَمَّامٌ قال سَمِعْتُ نافِعاً يحَدِّثُ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُمَا أنَّ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها ساوَمَتْ بَرِيرَةَ فَخْرَجَ إِلَى الصَّلاةِ فَلَمَّا جاءَ قالَتْ إِنَّهُمْ أَبَوْا أَنْ يَبِيعُوهَا إلاَّ أنْ يَشْتَرِطُوا الوَلاءَ فقال النبيُّ عَِّ إِنَّمَا الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ قُلْتُ لِنافِعِ حُرّاً كانَ زَوْمُجُهَا أَوْ عَبْداً قال ما يُدْرِينِي. [الحديث ٢١٥٦ - أطرافه في: ٢١٦٩، ٢٥٦٢، ٦٧٥٢، ٦٧٥٧، ٦٧٥٩]. مطابقته للترجمة في قوله: ((ساومت))، فإنها ما ساومت إلاَّ أهل بريرة، وهو البيع والشراء بين الرجال والنساء، و: حسان، على وزن فعال بالتشديد: ابن أبي عباد، بفتح العين المهملة وتشديد الباء الموحدة: واسمه أيضاً حسان، مر في العمرة، وهو من أفراد البخاري. قال أبو حاتم: منكر الحديث، وهو بصري سكن مكة، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين وهمام ابن يحيى، والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الفرائض عن حفص بن عمر. قوله: ((ساومت بريرة))، بفتح الباء الموحدة وبراءين أولاهما مكسورة: بنت صفوان: كانت لقوم من الأنصار وكانت قبطية، ذكرها الذهبي في الصحابيات، واختلف في اسم زوجها، والأصح أن اسمه مغيث، بضم الميم وكسر الغين المعجمة وسكون الياء آخر