النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٤٩) جوابه عن قريب. ٢١٢٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ قال حدَّثنا سُفيَانُ عنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ أبِي يَزِيدَ عنْ نافِعِ بنِ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الدَّوْسِي رضي الله تعالى عنهُ قال خَرَجَ النبيُّ عَ له فِيَ طَائِفَةِ النَّهَارِ لاَ يُكَلِّمُنِي ولاَ أكُلِّمِهُ حَتَّى أتى سُوقَ بَنِي قَيْنُقَاعَ فَجَلَسَ بِفَناءِ بَيْتٍ فَاطِمَةً فقال أثمَّ لُكَعُ أَثَمَّ لُكَعُ فَحَبَسَتْهُ شَيْئاً فَظَنَنْتُ أَنَّهَا تُلْبِسُهُ سِخاباً أو تُغَسِّلُهُ فَجاءَ يَشْتَدُّ حَتَّى عائَقَهُ وقَبَلَهُ وقال اللَّهُمَ أخِبْهُ وأحبَّ منْ يحِبُّهُ. [الحديث ٢١٢٢ - طرفه في: ٥٨٨٤]. مطابقته للترجمة في قوله: ((حتى أتى سوق بني قينقاع)). وعلي بن عبد الله هو ابن المديني، وسفيان هو ابن عيينة، وعبيد الله ابن أبي يزيد - من الزيادة - قد مر في: باب وضع الماء عند الخلاء. : ٠ والحديث أخرجه مسلم في الفضائل عن ابن أبي عمر عن سفيان به، وعن أحمد بن حنبل عنه ببعضه. وأخرجه النسائي في المناقب عن حسين بن حرب. وأخرجه ابن ماجه في السنة عن أحمد بن عبدة عن سفيان نحوه مختصراً. ذكر معناه: قوله: ((عن عبيد الله))، وفي رواية مسلم: عن سفيان حدثني عبيد الله. قوله: ((نافع بن جبير))، هو المذكور في الحديث الأول، وليس له عن أبي هريرة في البخاري سوى هذا الحديث. قوله: ((الدوسي))، بفتح الدال المهملة وسكون الواو وبالسين المهملة: نسبة أبي هريرة إلى دوس بن عدنان بن عبد الله، قبيلة في الأزد. قوله: ((في طائفة النهار)) أي: في قطعة منه. قال الكرماني: وفي بعضها: في صائفة النهار، أي: حر النهار، يقال: يوم صائف: أي حار. قلت: هذا هو الأوجه. قوله: ((لا يكلمني ولا أكلمه))، أما من جانب النبي عَِّ فلعله كان مشغول الفكر بوحي أو غيره، وأما من جانب أبي هريرة فللتوقير، وكان ذلك شأن الصحابة إذا لم يروا منه نشاطاً. قوله: ((فجلس بفناء بيت فاطمة، رضي الله تعالى عنها)» الفناء، بكسر الفاء بعدها نون ممدودة: اسم للموضع المتسع الذي أمام البيت. وقال الداودي: سقط بعض الحديث عن الناقل، وإنما أدخل حديث في حديث، إذ ليس بيت فاطمة في سوق بني قينقاع، إنما بيتها بين بيوت النبي عَّ له. قيل: ليس فيه إدخال حديث في حديث، ولكن فيه بعض سقط، ورواية مسلم تبينه، ولفظه عن سفيان: حتى جاء سوق بني قينقاع ثم انصرف حتى أتى فناء فاطمة، رضي الله تعالى عنها، وأخرجه الحميدي في (مسنده) عن سفيان، فقال فيه: حتى إذا أتى فناء بيت عائشة فجلس فيه. والأول أرجح. قوله: ((فقال أثم لكع؟)) أي: قال النبي عَّه، وأراد به الحسن، وقيل: الحسين على ما سيأتي، والهمزة في: أثم؟ للاستفهام، و: ثم، بفتح الثاء المثلثة: اسم يشار به إلى المكان البعيد وهو ظرف لا يتصرف، فلذلك غلط من أعربه مفعولاً لرأيت في قوله تعالى: ﴿وإذا رأيت ثم رأيت﴾ [الإنسان: ٢٠]. ولكع، بضم اللاَّم وفتح الكاف وبالعين المهملة. قال الأصمعي: اللكع العيس الذي لا يتجه لنظر ولا لغيره، مأخوذ من الملاكيع، وهو الذي يخرج ٣٤٢ ٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (٤٩) مع السلا من البطن. وقال الأزهري: القول قول الأصمعي، ألا ترى أن النبي عَّم قال للحسن وهو صغير: أين لكع؟ أراد أنه لصغره لا يتجه لمنطق ولا ما يصلحه، ولم يرد أنه لئيم ولا عبد، وعلم منه أن اللئيم يسمى لكعاً أيضاً، وكذلك العبد يسمى به. وفي (التلويح) الأشبه والأجود أن يحمل الحديث على ما قاله بلال بن جرير الخطفي، وسئل عن اللكع؟ فقال: في لغتنا هو الصغير. قال الهروي: وإلى هذا ذهب الحسن، إذا قال الإنسان: یا لکع، یرید: یا صغير. ويقال للمرأة: لكيعة ولكعاء ولكاع وملكعانة، ذكره في (الموعب). وقال سيبويه: لا يقال ملكعانة إلاَّ في النداء، وعن ابن يزيد، اللكع الغلو، والأنثى لكعة. وفي (المحكم): اللكع المهر. وفي (الجامع): أصل اللكع من الكلع ولكن قلب. قوله: ((فحسبته شيئاً) أي: فحبست فاطمة الحسن، أي: منعته من المبادرة إلى الخروج إليه قليلاً. قوله: ((فظننت))، قائله أبو هريرة. ((أنها))، أي: أن فاطمة ((تلبسه)) بضم التاء من الإلباس أي: تلبس الصغير ((سخاباً)، بكسر السين المهملة وبالخاء المعجمة الخفيفة وبعد الألف باء موحدة، قال الخطابي: هي قلادة تتخذ من طيب ليس فيها ذهب ولا فضة. وقال الداودي: من قرنفل. وقال الهروي: هي قلادة من خيط فيها خرز تلبسه الصبيان والجواري، وروى الإسماعيلي عن ابن أبي عمر - أحد رواة هذا الحديث - قال: السخاب شيء يعمل من الحنظل كالقميص والوشاح. قوله: ((أو تغسله)) بالتشديد، وفي رواية الحميدي: ((وتغسله)) بالواو. قوله: ((فجاء يشتد)) أي: يسرع في المشي، وفي رواية عمر بن موسى عند الإسماعيلي: ((فجاء الحسن أو الحسين)، وقد أخرجه مسلم عن ابن أبي عمر، فقال في روايته: ((أَثَمّ لُكَّع؟)) يعني: حسناً، وكذا قال الحميدي في (مسنده)، وسيأتي في اللباس من طريق ورقاء عن عبيد الله بن أبي يزيد بلفظ: ((فقال: أين لكع؟ أدع لي الحسن بن علي، فقام الحسن بن علي يمشي)). قوله: ((حتى عانقه))، وفي رواية ورقاء عن عبيد الله بن أبي يزيد بلفظ: ((فقال النبي عَّلمه بيده هكذا))، أي: مدها. فقال الحسن بيده هكذا، فالتزمه قوله: ((أللهم أحبه))، بلفظ الدعاء وبالإدغام، وفي رواية الكشميهني: أحببه، بفك الإدغام، وزاد مسلم عن ابن أبي عمر: ((فقال: اللهم إني أحبه فأحبه)). قوله: ((وأحب)) أمر أيضاً. وقوله: ((من يحبه))، في محل النصب مفعوله. ذكر ما يستفاد منه: فيه: بيان ما كان الصحابة عليه من توقير النبي عَ لّه والمشي معه. وفيه: ما كان للنبي عَِّ عليه من التواضع من الدخول في السوق والجلوس بفناء الدار ورحمته الصغير والمزاح معه، وقال السهيلي: وكان عَ ◌ّهِ يمزح ولا يقول إلاَّ حقاً، وههنا أراد تشبيهه بالفلو والمهر، لأنه طفل، وإذا قصد بالكلام التشبيه لم يكن إلاَّ صدقاً. وفيه: جواز المعانقة وفيها خلاف، فقال محمد بن سيرين وعبد الله بن عون وأبو حنيفة ومحمد: المعانقة مكروهة، واحتجوا في ذلك بما رواه الترمذي: حدثنا سويد، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا حنظلة بن عبيد الله ((عن أنس بن مالك، قال: قال رجل: يا رسول الله! الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه، أفينحني له؟ فقال: لا. قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: لا. قال: أفيأخذ بيده ٣٤٣ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٤٩) ويصافحه؟ قال: نعم)). قال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال الشعبي وأبو مجلز: لاحق بن حميد وعمرو بن ميمون والأسود بن هلال وأبو يوسف: لا بأس بالمعانقة. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، واحتجوا في ذلك بما رواه الطحاوي: حدثنا فهد، قال: حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، وقال: حدثنا أسد بن عمرو عن مجالد بن سعيد عن عامر عن عبد الله بن جعفر عن أبيه قال: لما قدمنا على النبي عَ لَّه من عند النجاشي تلقاني فاعتنقني، ورجاله ثقات، ومجالد بن سعيد وثقه النسائي، وروى له الأربعة، وروى الطحاوي عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا يتعانقون، قال: فدل ذلك على أن ما روي عن رسول الله عَّ اللّه من إباحة المعانقة كان متأخراً عما روي عنه من النهي عن ذلك، وفي (التلويح): معانقته عَ لٍ للحسن إباحة ذلك، وأما معانقة الرجل للرجل فاستحبها سفيان وكرهها مالك، قال: هي بدعة، وتناظر مالك وسفيان في ذلك فاحتج سفيان بأن النبي عَِّ فعل ذلك بجعفر، قال مالك: هو خاص له، فقال: ما يخصه بغير ذلك؟ فسكت مالك. وقال صاحب (الهداية): الخلاف في المعانقة في إزار واحد، وأما إذا كان على المعانق قميص أو جبة لا بأس باتفاق أصحابنا، وهو الصحيح. وفيه: جواز التقبيل، قال الفقيه أبو الليث في (شرح الجامع الصغير) القبلة على خمسة أوجه: قبلة تحية، وقبلة شفقة، وقبلة رحمة. وقبلة شهوة، وقبلة مودة. فأما قبلة التحية فكالمؤمنَيْن يقبل بعضهما بعضاً على اليد، وقبلة الشفقة قبلة الولد لوالده أو لوالدته، وقبلة الرحمة قبلة الوالد لولده والوالدة لولدها على الخد، وقبلة الشهوة قبلة الزوج لزوجته على الفم، وقبلة المودة قبلة الأخ والأخت على الخد، وزاد بعضهم من أصحابنا: قبلة ديانة، وهي القبلة على الحجر الأسود، وقد وردت أحاديث وآثار كثيرة في جواز التقبيل، ولكن محل ذلك إذا كان على وجه المبرة والإكرام، وأما إذا كان على وجه الشهوة فلا يجوز إلاَّ في حق الزوجين، وأما المصافحة فلا بأس بها بلا خلاف لأنها سنة قديمة، وروى الطبراني في الأوسط من حديث حذيفة بن اليمان عن النبي، عَ له. قال: ((إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه وأخذ بيده فصافحه تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر)). قال سُفْيانُ قال عُبَيْدُ الله أخبرَنِي أَنَّهُ رَأى نافِعَ بِنَ جُبَيْرٍ أوْتَرَ بِرَكْعَةٍ هذا موصول بالإسناد المذكور، وسفيان هو ابن عيينة، وعبيد الله هو ابن أبي يزيد المذكور في الحديث، وقد تقدم الراوي على قوله: أخبرني أنه، وهذا لا يضر، وفائدة إيراد هذه الزيادة التنبيه على لقي عبيد الله لنافع بن جبير، فلا تضر العنعنة في الطريق الموصول، لأن من ثبت لقاؤه لمن حدث عنه ولم يكن مدلساً حملت عنعنته على السماع اتفاقاً. وإنما الخلاف في المدلس أو فيمن لم يثبت لقيه لمن روى عنه. وقال الكرماني: ما وجه ذكر الوتر في هذا الباب؟ ثم أجاب بأنه لما روى عن نافع انتهز الفرصة لبيان من ثبت منه مما اختلف في جوازه. انتهى. قلت: لا وجه لما ذكره أصلاً. والوجه ما ذكرناه. ٣٤٤ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٤٩) ٧٤/ ٢١٢٣ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ الْمُنْذِرِ قال حدثنا أبو ضَمْرَةَ قال حدثنا مُوسَى عنْ نافِعٍ قال حدثنا ابنُ عُمَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَشْتَرُونَ الطَّعامَ مِنَ الرُّكْبَانِ عَلَى عَهْدِ النّبِيِّ عَ لَّ فِيَبْعَثُ عليْهِمْ منْ يَمْنَعُهُمْ أَنْ يَبِيعُوهِ حَيْثُ اشْتَرَوْهُ حتى يَنْقُلُوهُ حَيْثُ يُباعُ الطَّعامُ. [الحديث ٢١٢٣ - أطرافه في: ٢١٣١، ٢١٣٧، ٢١٦٦، ٢١٦٧، ٦٨٥٢]. ... / ٢١٢٤ - قال وحدَّثنا ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُما قال نَهَى النبيُّ عَّهِ أنْ يُباعَ الطَّعَامُ إِذَا اشْتَرَاهُ حتَّى يَسْتَوْفِيَهُ. [الحديث ٢١٢٤ - أطرافه في: ٢١٢٦، ٢١٣٣، ٢١٣٦]. قيل: ليس لذكر هذا الحديث ههنا وجه. قلت: يمكن أن يؤخذ وجه المطابقة بين هذا الحديث وبين الترجمة من لفظ الركبان، لأن الشراء منهم يكون باستقبال الناس إياهم في موضع، وهذا الموضع يطلق عليه السوق، لأن السوق في اللغة موضع البياعات، وهذا، وإن كان فيه نوع تعسف، فيستأنس به في وجه المطابقة فافهم. وإبراهيم بن المنذر، ـ على لفظ اسم الفاعل من الإنذار - أبو إسحاق الحزامي المدني، وهو من أفراد البخاري، وأبو ضمرة، بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم وبالراء: اسمه أنس بن عياض، وقد مر في: باب التبرز في البيوت، وموسى بن عقبة، بالقاف: ابن عياش المدني مولى الزبير بن العوام، مات سنة إحدى وأربعين ومائة. والإسناد كله مدنيون. والحديث المذكور من أفراده. وحديث بيع الطعام قبل القبض أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي بأسانيد مختلفة وألفاظ متباينة. قوله: ((من الركبان))، وهم الجماعة من أصحاب الإبل في السفر، وهو جمع: راكب، وهو في الأصل يطلق على راكب الإبل خاصة، ثم اتسع فيه فأطلق على كل من ركب دابة. قوله: ((على عهد النبي، عَّله))، أي: على زمنه. قوله: ((فيبعث)) أي: النبي، عَِّ. قوله: ((من يمنعهم))، في محل النصب، لأنه مفعول: يبعث. قوله: ((أن يبيعوه))، أي: بأن يبيعوه، فكلمة: أن، مصدرية، أي: من البيع في مكان اشتروه حتى ينقلوه ويبيعوه حيث يباع الطعام في الأسواق، لأن القبض شرط، وبالنقل المذكور يحصل القبض، ووجه نهيه عن بيع ما يشترى من الركبان إلاّ بعد التحويل إلى موضع يريد أن يبيع فيه، الرفق بالناس، ولذلك ورد النهي عن تلقي الركبان، لأن فيه ضرراً لغيرهم من حيث السعر، فلذلك أمرهم بالنقل عند تلقي الركبان ليوسعوا على أهل الأسواق. قوله: ((ثم قال))، أي: ثم قال نافع: وحدثنا عبد الله ابن عمر، وهذا داخل في الإسناد الأول. قوله: ((حتى يستوفيه)) أي: يقبضه. وفي رواية مسلم: ((حتى يكتاله))، والقبض والاستيفاء سواء. والذي يستفاد من الحديث: أنه عَّلِّ نهى عن بيع الطعام إلاَّ بعد القبض، وهذا الباب فيه خلاف. قال القاضي عياض في (شرح مسلم): اختلف الناس في جواز بيع المشتريات قبل قبضها، فمنعه الشافعي في كل شيء، وانفرد عثمان التيمي فأجازه في كل شيء. ومنعه : ٣٤٥ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٥٠) أبو حنيفة في كل شيء إلاّ العقار وما لا ينقل، ومنعه آخرون في سائر المكيلات والموزونات، ومنعه مالك في سائر المكيلات والموزونات إذا كانت طعاماً، وقال ابن قدامة في (المغني): ومن اشترى ما يحتاج إلى القبض لم يجز بيعه حتى يقبضه، ولا أرى بين أهل العلم فيه خلافاً إلاَّ ما حكي عن عثمان التيمي أنه قال: لا بأس ببيع كل شيء قبل قبضه، وقال ابن عبد البر: هذا قول مردود بالسنة، وأما غير ذلك فيجوز بيعه قبل قبضه في أظهر الروايتين، ونحوه قول مالك وابن المنذر. انتهى. وقال عطاء بن أبي رباح والثوري وابن عيينة وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والشافعي في الجديد، ومالك في رواية وأحمد في رواية وأبو ثور وداود: النهي الذي ورد في البيع قبل القبض قد وقع على الطعام وغيره، وهو مذهب ابن عباس أيضاً، ولكن أبو حنيفة قال: لا بأس يبيع الدور والأرضين قبل القبض لأنها لا تنقل ولا تحول. وقال الشافعي: هو في كل مبيع عقاراً أو غيره، وهو قول الثوري ومحمد بن الحسن، وهو مذهب جابر أيضاً. ٥٠ - بابُ كَرَاهِيَةِ السَّخَبِ فِي السُّوقِ أي: هذا باب فى بيان كراهية السخب، وهو رفع الصوت بالخصام، وهو بفتح السين المهملة والخاء المعجمة والباء الموحدة، ويروى: الصخب، بالصاد المهملة، والصاد والسين يتقاربان في المخرج، ويبدل أحدهما عن الآخر. قوله: ((في السوق))، وفي بعض النسخ: ((في الأسواق». ٧٥ / ٢١٢٥ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ سِنانٍ قال حدثنا فُلَيْحٌ قال حدثنا هِلالٌ عنْ عَطَاءِ بنِ يَسارٍ قال لَقِيتُ عَبْدَ اللهِ بنَ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ رضي الله تعالى عنهما قُلْتُ أخبرني عنْ صِفَةِ رسولِ الله عَّهِ فِي التَّوْرَاةِ قال أجَلْ والله إنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّورَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرآنِ ﴿يَا أَيُّهَا النبيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً ومُبَشِّراً ونَذِيراً﴾ [الأحزاب: ٤٥]. وَحِزْزاً لِلْأُمِّيِّينَ أَنْتَ عَبْدِي ورَسُولِي سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ ليْسَ بِفَظْ ولاَ غَلِيظٍ ولاَ سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ ولاَ يَدْفَعُ بالسَّيِّئَةِ السَّيَّةِ ولَكِنْ يَعْفُو ويَغْفِرُ وَلَنْ يَقْبِضَهُ الله حتَّى يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بأنْ يَقُولُوا لا إله إلاَّ الله ويَفْتَحُ بِهَا أَعْيِناً عُمْياً وآذَاناً صُمَّاً وقُلُوباً غُلْفاً. [الحديث ٢١٢٥ - طرفه في: ٤٨٣٨]. مطابقته للترجمة في قوله: (ولا سخاب في الأسواق))، فالسخب مذموم في نفسه ولا سيما إذا كان في الأسواق، وهي مجمع الناس من كل جنس، ولا يسخب فيها إلاّ كل فاجر شرير، ولو لم يكن السخب مذموماً مكروهاً لما قال الله في التوراة في حق سيد الخلق: ((ولا سخاب في الأسواق)) ولا كان بسخاب في غير الأسواق. ورجاله كلهم تقدموا في أول كتاب العلم، ومحمد بن سنان، بكسر السين المهملة وبالنون: أبو بكر العوفي، وهو من أفراده، وفليح، بضم الفاء وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره حاء مهملة: ابن سليمان أبو يحيى الخزاعي، وكان اسمه: عبد الملك، ٣٤٦ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٥٠) وفليح لقبه وغلب على اسمه، وهلال، بكسر الهاء: ابن علي في الأصح، ويقال: هلال بن أبي هلال الفهري المديني، وعطاء بن يسار - ضد اليمين - أبو محمد الهلالي، وليس لهلال عن عطاء عن عبد الله بن عمرو في الصحيح غير هذا الحديث. ذكر معناه: قوله: ((قال: أخبرني عن صفة رسول الله عَّ في التوراة)). فإن قلت: هل قرأ عبد الله بن عمرو التوراة حتى سأل عنه عطاء بن يسار عن صفة رسول الله عَ لّه فيها؟ قلت: نعم، كما روى البزار من حديث ابن لهيعة عن وهب عنه: أنه رأى في المنام كأن في إحدى يديه عسلاً، وفي الأخرى سمناً، وكأنه يلعقهما، فأصبح فذكر ذلك للنبي، عَ له، فقال: تقرأ الكتابين التوراة والقرآن، فكان يقرؤهما. قوله: ((قال: أجل))، بفتح الهمزة والجيم وباللام، من حروف الإيجاب جواب مثل: نعم، فيكون تصديقاً للمخبر، وإعلاماً للمستخبر، ووعداً للطالب، ومن يجيب عن قول الكرماني شرطه أن يكون تصديقاً للمخبر وهنا ليس كذلك. قوله: ((والله إنه لموصوف)) أكد كلامه بالمؤكدات وهي: الحلف بالله، وبالجملة الإسمية، وبدخول: إن، عليها، وبدخول لام التأكيد على الخبر. قوله: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً﴾ [الأحزاب: ٤٥]. هذا كله في القرآن في سورة الأحزاب وتمام الآية ﴿وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً﴾ [الأحزاب: ٤٦]. قوله: ﴿شاهداً﴾ أي: لأمتك المؤمنين بتصديقهم وعلى الكافرين بتكذيبهم، أي: مقبولاً قولك عند الله لهم وعليهم، كما يقبل قول شاهد العدل في الحكم. فإن قلت: انتصاب: شاهداً، بماذا؟ قلت: على الحال المقدرة، كما في قولك: مررت برجل معه صقر صائداً غداً، أي: مقدراً به الصيد غداً. قوله: ﴿ومبشراً﴾ أي: للمؤمنين. ﴿نذيراً﴾ للكافرين ﴿وداعياً إلى الله﴾ أي: إلى توحيده. قوله: ﴿بإذنه﴾ أي: بأمره لك بالدعاء. وقيل: بإذنه بتوفيقه. ﴿وسراجاً﴾ جلى به الله ظلمات الكفر فاهتدى به الضالون، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير ويهتدي به، وصفه بالإنارة لأن من السراج ما لا يضيء إذا قل سليطه، أي: زيته، ودقت فتيلته. قوله: ((وحرزاً) بكسر الحاء المهملة، أي: حافظاً، والحرز في الأصل الموضع الحصين، فاستعير لغيره. وسمى التعيذ أيضاً حرزاً، والمعنى: حافظاً لدين الأميين، يقال: حرزت الشيء أحرزه حرزاً: إذا حفظته وضممته إليك وصنته عن الأخذ، والأميُّون: العرب، لأن الكتابة كانت عندهم قليلة. قوله: ((سميتك المتوكل)) يعني لقناعته باليسير من الرزق واعتماده على الله تعالى في الرزق والنصر والصبر على انتظار الفرج، والأخذ بمحاسن الأخلاق واليقين بتمام وعد الله، فتوكل عليه فسمي المتوكل. قوله: ((ليس بفظ))، أي: سيىء الخلق. ((ولا غليظ)) أي: شديد في القول، وقول القائل لعمر، رضي الله تعالى عنه، أنت أفظ وأغلظ من رسول. قيل: لم يأت أفعل هنا للمفاضلة بينه وبين من أشرك معه، بل بمعنى: أنت فظ غليظ، على الجملة لا على التفصيل، وههنا التفات لأن القياس يقتضي الخطاب بأن يقال: ولست، ولكن التفت من الخطاب إلى الغيبة. قوله: ((ولا سخاب)) على وزن: فعال، بالتشديد من السخب، وفي (التلويح): وفيه ذم ٣٤٧ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٥٠) الأسواق وأهلها الذين يكونون بهذه الصفة المذمومة من الصخب واللغط. والزيادة في المدحة والذم لما يتبايعونه، والأيمان الحانثة، ولهذا قال عَّله: ((شر البقاع الأسواق))، لما يغلب على أهلها من هذه الأحوال المذمومة. انتهى. قلت: ليس فيه الذم إلاَّ لأهل السوق الموصوفين بهذه الصفات، وليس فيه الذم لنفس الأسواق ظاهراً، وقد مر الكلام فيه عن قريب. قوله: ((ولا يدفع بالسيئة السيئة)) أي: لا يسيء إلى من أساء إليه، على سبيل المجازاة المباحة ما لم تنتهك حرمة الله تعالى، لكن يأخذ بالفضل. قوله: ((حتى يقيم به))، أي: حتى ينقى به الشرك ويثبت التوحيد. قوله: ((الملة العوجاء))، هي ملة العرب، ووصفها بالعوج لما دخل فيها من عبادة الأصنام وتغييرهم ملة إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، عن استقامتها، وإمالتهم بعد قوامها. والمراد من إقامتها: إخراجها من الكفر إلى الإيمان. قوله: ((أعيناً عمياً)، الأعين جمع عين، والعمي، بضم العين جمع عمياء. قال ابن التين: كذا للأصيلي، يعني: جعل عميا صفة للأعين، وفي بعض روايات الشيخ أبي الحسن: أعين عمي، بالإضافة و: عمي، على هذه الرواية جمع أعمى. قوله: ((وآذاناً صماً)) كذلك بالروايتين. إحداهما: يكون الصم جمع صماء صفة للآذان، والأخرى: يكون وآذان صم، بالإضافة. فعلى هذا يكون الصم جمع أصم. قوله: ((وقلوباً غلفاً))، وقع في رواية النسفي والمستملي: والغلف، بضم الغين المعجمة جمع أغلف، سواء كان مضافاً أو غير مضاف، وترك الإضافة فيه بيِّن، والآن يجيء تفسيره. تابَعَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بنُ أَبِي سَلَمَةَ عنْ هِلالٍ أي: تابع فليحاً عبد العزيز بن أبي سلمة عن هلال في روايته عن عطاء، وأخرج البخاري هذه المتابعة مسدنة، فقال: حدثنا عبد الله حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة عن هلال ابن أبي هلال عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمرو بن العاص: إن هذه الآية التي في القرآن: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك .. ﴾ [الأحزاب: ٤٥]. الحديث. أخرجه في سورة الفتح، وعبد الله شيخه هو ابن سلمة، قاله أبو علي بن السكن، وقال أبو مسعود الدمشقي: هو عبد الله بن محمد بن رجاء، وقال الجياني: هو عبد الله بن عبد الله بن صالح كاتب الليث، والحاكم. قطع على أن البخاري لم يخرج في (صحيحه) عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، نعم أخرج هذا الحديث في كتاب (الأدب) عن عبد الله بن صالح. وقال سَعِيدٌ عنْ هِلال عنْ عَطاءِ عنِ ابنِ سَلاَمِ سعيد هذا هو ابن أبي هلال، هو المذكور في سند الحديث عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن سلام الصحابي، وقد خالف سعيد هذا عبد العزيز وفليحاً في تعيين الصحابي، وهذه الطريقة وصلها الدارمي في (مسنده) ويعقوب بن سفيان في (تاريخه) والطبراني جميعاً بإسناد واحد عنه، ولا مانع أن يكون عطاء حمل الحديث عن كل من عبد الله بن عمرو وعبد الله بن سلام، ورواه الترمذي من حديث محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه عن جده، قال: مكتوب في التوراة صفة محمد عَ له. ٣٤٨ ٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (٥١) غُلْفُ كُلُّ شَيْءٍ فِي غِلافٍ وسَيْفٌ أغْلَفُ وقَوْسٌ غَلْفاءُ ورِجُلَ أغْلَفُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَخْتُوناً قالهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ غلف كل شيء، بإضافة: غلف، إلى: كل شيء، وهو مبتدأ، وقوله: في غلاف، خبره يعني: أنه مستور عن الفهم والتمييز، يقال: سيف أغلف إذا كان في غلاف، وكذا يقال: قوس غلفاء، إذا كانت في غلاف يصنع له مثل الجعبة ونحوها. قوله: ((قاله أبو عبد الله))، هو البخاري نفسه. ٥١ - بابٌ الْكَيْلُ عَلَى الْبائِعِ والْمُعْطِي هذا باب في بيان مؤونة الكيل على البائع، وكذا مؤونة الوزن، أي: فيما يوزن على البائع. قوله: ((والمعطي)) أي: ومؤونة الكيل على المعطي أيضاً، سواء كان بائعاً أو موفياً للدين أو غير ذلك. : وقال الفقهاء: إن الكيل والوزن فيما يكال ويوزن من المبيعات على البائع، ومن عليه الكيل والوزن فعليه أجرة ذلك، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وأبي ثور. وقال الثوري: كل بيع فيه كيل أو وزن أو عدد فهو على البائع حتى يوفيه إياه، فإن قال: أبيعك النخلة فجذاذها على المشتري، وفي (التوضيح): وعندنا أن مؤونة الكيل على البائع ووزن الثمن على المشتري، وفي أجرة النقاد وجهان، وينبغي أن يكون على البائع، وأجرة النقل المحتاج إليه في تسليم المنقول على المشتري، صرح به المتولي. وقال بعض أصحابنا: على الإمام أن ينصب كيالاً ووزاناً في الأسواق ويرزقهما من سهم المصالح. وقالت الحنفية: وأجرة نقد الثمن ووزنه على المشتري، وعن محمد بن الحسن: أجرة نقد الثمن على البائع، وعنه أن أجرة النقد على رب الدين بعد القبض، وقبله على المدين، وأجرة الكيال على البائع فيما إذا كان البيع مكايلة، وكذا أجرة وزن المبيع وذرعه وعده على البائع، لأن هذه الأشياء من تمام التسليم، وهو على البائع، وكذا إتمامه. وقَوْلِ اللهِ تَعَالى ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]. يغْنِي كالُوا لَهُمْ وَوَزَنُوا لَهُمْ كَقَوْلِهِ يَسْمَعُونَكُمْ: يَسْمَعُونَ لَكُمْ قول الله، بالجر عطفاً على قوله: الكيل، والتقدير: باب في بيان الكيل، وفي بيان معنى قوله: ﴿وإذا كالوهم﴾ [المطففين: ٣]. وقد بينه بقوله: يعني: كالوهم ... إلى آخره، وفي بعض النسخ: لقول الله تعالى: ﴿وإذا كالوهم﴾ [المطففين: ٣]. فعلى هذه يقع هذا تعليلاً للترجمة، فوجهه أنه لما كان الكيل على البائع وعلى المعطي، بالتفسير الذي ذكرناه، وجب عليهما توفية الحق الذي عليهما في الكيل والوزن، فإذا خانوا فيهما بزيادة أو نقصان فقد دخلا تحت قوله تعالى: ﴿ويل للمطففين الذين ... ﴾ [المطففين: ١]. إلى قوله: ** يخسرون﴾ [المطففين: ١]. وعلى النسخة المشهورة تكون الآية من الترجمة، وهذه السورة مكية في رواية همام وقتادة ومحمد بن ثور عن معمر، وقال السدي: مدنية. وقال الكلبي: ٣٤٩ ٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (٥١) نزلت على النبي عَّه في طريقه من مكة إلى المدينة، وقال أبو العباس في (مقامات التنزيل): نظرت في اختلافهم فوجدت أول السورة مدنياً، كما قال السدي، وآخرها مكي، كما قال قتادة. وقال الواحدي عن السدي: قدم رسول الله عَّلِ المدينة وبها رجل يقال له: أبو جهينة، ومعه صاعان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر، فأنزل الله هذه الآية. وفي (تفسير) الطبري: كان عيسى بن عمر فيما ذكر عنه يجعلهما حرفين، ويقف على: كالوا وعلى: وزنوا، فيما ذكر ثم يبتدىء فيقول: هم يخسرون، والصواب عندنا في ذلك الوقف على: هم، يعني: كالوهم. قوله: ((يعني: كالوا لهم))، حذف الجار وأوصل الفعل، وفيه وجه آخر، وهو: أن يكون على حذف المضاف وهو المكيل والموزون. أي: كالوا مكيلهم. وقال النبيُّ عَ لِ: اكْتَالُوا حَتَّى تَسْتَوْفُوا هذا التعليق ذكره ابن أبي شيبة من حديث طارق بن عبد الله المحاربي بسند صحيح. قوله: ((اكتالوا))، أمر للجماعة من الاكتيال، والفرق بين الكيل والاكتيال أن الاكتيال إنما يستعمل إذا كان الكيل لنفسه، كما يقال: فلان مكتسب لنفسه وكاسب لنفسه ولغيره، وكما يقال: اشتوى إذا اتخذ الشواء لنفسه، وإذا قيل: شوى، هو أعم من أن يكون لنفسه ولغيره. ويُذْكَرُ عنْ عُثْمَانَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ النبيَّ عَّهِ قال لَهُ إذَا بِعْتَ فَكِلْ وإِذَا ابْتَعْتَ فاكْتَلْ مطابقته للترجمة من حيث إن معنى قوله: ((إذا بعت فكل))، هو معنى قوله في الترجمة: باب الكيل على البائع، وقال ابن التين: هذا لا يطابق الترجمة لأن معنى قوله: ((إذا بعت فكل))، أي: فأوفٍ، وإذا ابتعت فاكتل، أي: استوفِ. قال: والمعنى أنه إذا أعطى أو أخذ لا يزيد ولا ينقص أي: لا لك ولا عليك. قلت: لا ينحصر معناه على ما ذكره، لأنه جاء في حديث رواه الليث ولفظه: أن عثمان، قال: كنت أشتري التمر من سوق بني قينقاع، ثم أجلبه إلى المدينة ثم أفرغه لهم وأخبرهم بما فيه من المكيلة، فيعطوني ما رضيت به من الربح، ويأخذونه بخبري، فبلغ ذلك النبي عَّه، فقال له: ((إذا بعت فكل)) فظهر من ذلك أن معناه: إعطاء الكيل حقه، وهو أن يكون الكيل عليه، وليس المراد منه طلب عدم الزيادة أو نقصانه، فظهر من ذلك أن وجه المطابقة بين الحديث والترجمة ما ذكرناه. وهذا التعليق وصله الدارقطني من طريق عبيد الله بن المغيرة عن منقذ مولى سراقة عن عثمان بهذا، ومنقذ مجهول الحال، لكن له طريق آخر أخرجه أحمد وابن ماجه والبزار من طريق موسى بن وردان عن سعيد بن المسيب عن عثمان به. فإن قلت: في طريقه ابن لهيعة؟ قلت: هو من قديم حديثه، لأن ابن عبد الحكم أورده في (فتوح مصر) من طريق الليث عنه. ٢١٢٦/٧٦ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ نافِعِ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما أنَّ رسولَ الله عَ لّ قالَ منِ ابْتَاعَ طَعَاماً فَلاَ يَبِيعُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَه. [انظر الحديث ٢١٢٤ وطرفيه]. ٣٥٠ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٥١) مطابقته للترجمة من حيث إن فيه النهي عن بيع الطعام إلاّ بعد الاستيفاء، وهو القبض، وإذا أراد البيع بعده يكون الكيل عليه، وهو معنى الترجمة، وقد مضى معنى هذا الحديث في آخر حديث عن ابن عمر أيضاً في آخر: باب ما ذكر في الأسواق. والحديث رواه البخاري أيضاً عن عبد الله بن سلمة عن نافع عن ابن عمر على ما يأتي، إن شاء الله تعالى، وأخرجه مسلم في حديث نافع في لفظ: ((فنهانا رسول الله عَ لِّ أن نبيعه حتى ننقله من مكانه))، وفي لفظ: ((حتى يستوفيه ويقبضه))، وروي من حديث عبد الله ابن دينار عن ابن عمر، ولفظه: ((فلا يبعه حتى يقبضه))، وروي من حديث سالم عن ابن عمر ولفظه: ((أنهم كانوا يضربون على عهد رسول الله، عَّ له، إذا اشتروا طعاماً جزافاً أن يبيعوه في مكانه حتى يحولوه)). وفي لفظ: ((حتى يؤروه إلى رحالهم))، وروي أيضاً من حديث أبي هريرة: أن رسول الله، عَّ له، قالُ: ((من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يكتاله))، وروي أيضاً من حديث جابر بن عبد الله، يقول: ((كان رسول الله، عَّه، يقول: إذا ابتعن الطعام فلا تبعه حتى تستوفيه)). ورواه أبو داود من حديث ابن عمر ولفظه: ((نهى أن يبيع أحد طعاماً اشتراه بكيل حتى يستوفيه))، وروي أيضاً من حديث ابن عباس: ((من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه)). وروي أيضاً من حديث زيد بن ثابت: نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يجوزوها إلى رحالهم. وقد مضى الكلام فيه مستوفىّ في آخر: باب الأسواق. ٧٧ / ٢١٢٧ - حدَّثنا عَبْدَانُ قال أخبرنا جَرِيرٌ عنْ مُغِيرَةَ عنِ الشَّعْبِيِّ عن جابِرٍ رضي الله تعالى عنهُ قال تُؤُفِّيَ عَبْدُ اللهِ بنُ عَمُرٍو بنِ حَرَامٍ وعَلَيْهِ دَيْنٌ فَاسْتَعَنْتُ النبيَّ عَ لَّه عَلَى غُرَمائِهِ أنْ يَضَعُوا مِنْ دَيْنِهِ فَطَلَب النبيُّ عَّله إليْهِمْ فَلَم يَفْعَلُوا فقال لي النبيُّ عَّلِ اذْهَبْ فَصَنِّفْ تَمْرَكَ أَصْنافاً الْعَجْوَةَ عَلى حِدَةٍ وعَذْقَ زَيْدٍ عَلَى حِدَةٍ ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَيَّ فَفَعَلْتُ ثُمَّ أَرْسَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ عَِّ فِجَلَسَ عَلَى أَعْلاهُ أَوْ فِي وَسَطِهِ ثُمَّ قال كِلْ لِلْقَوْمِ فَكِلْتُهُمْ حَتَّى أَوْفَيْتُهُمْ الَّذِي لَهُمْ وبَقِيَ تَمْرِي كأنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيءٌ. [الحديث ٢١٢٧ - أطرافه في: ٢٣٩٥، ٢٣٩٦، ٢٤٠٥، ٢٦٠١، ٢٧٠٩، ٢٧٨١، ٣٥٨٠، ٤٠٥٣، ٦٢٥٠]. مطابقته للترجمة في قوله: ((كِل للقوم)) فإنه يعطي. والترجمة: باب الكيل على البائع والمعطي، وعبدان هو عبد الله بن عثمان وقد تكرر ذكره، وجرير هو ابن عبد الحميد، ومغيرة، بضم الميم وكسرها: هو ابن مقسم، بكسر الميم: أبو هشام الضبي الكوفي، والشعبي هو عامر بن شراحيل. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الاستقراض عن موسى، وفي الوصايا: حدثنا محمد بن سابق أو الفضل بن يعقوب، وفي المغازي عن أحمد بن أبي شريح، وفي علامات النبوة: عن أبي نعيم. وأخرجه النسائي في الوصايا عن القاسم بن زكريا وعن علي بن حجر به وعن عبد الرحمن بن محمد. ذكر معناه: قوله: ((عبد الله بن عمرو بن حرام)): هو والد جابر بن عبد الله الصحابي، ٣٥١ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوع / باب (٥٢) وحرام، بفتح المهملتين. قوله: ((وعليه دين)): الواو فيه للحال. قوله: ((فاستعنت)) من الاستعانة وهو طلب العون. قوله: ((أن يضعوا من دينه))، أي: أن يتركوا منه شيئاً. قوله: ((فلم يفعلوا))، أي: لم يتركوا شيئاً، وكانوا يهوداً. قوله: ((فصنف تمرك أصنافاً .. )) أي: اعزل كل صنف منه على حدة. قوله: ((العجوة على حدة))، منصوب بعامل محذوف تقديره: ضع العجوة وحدها، وهو ضرب من أجود التمر بالمدينة. قوله: ((وعذق زيد على حدة))، بالنصب أيضاً عطف، على العجوة أي: ضع عذق زيد وحده، والعذق: بفتح العين المهملة وسكون الذال المعجمة، وزيد: علم شخص نسب إليه هذا النوع من التمر. وفي (التوضيح): نوع من التمر رديء، وفي (الصحاح) العذق بالفتح النخلة وبالكسر الكباسة. قوله: ((ففعلت))، أي: ما أمر به النبي، عَّله. قوله: ((فجلس على أعلاه) أي: فجلس النبي، عَّ له، أعلى التمر، وفيه حذف وهو: فجاء فجلس. قوله: ((ثم قال: كِلْ))، بكسر الكاف وسكون اللام، لأنه أمر من: كال يكيل. قوله: ((وبقي تمري ... )) إلى آخره، فيه معجزة ظاهرة للنبي، عَّ، وظهور بركته. وقال فِرَاسٌ عنِ الشَّغْبي قال حدَّثني جابِرٌ عنِ النبيِّ عَّ}. فَمَا زَالَ يَكيلُ لَهُمْ حَتَّى أدَّاهُ فراس، بكسر الفاء وتخفيف الراء وفي آخره سين مهملة: ابن يحيى المكتب، وقد مر في الزكاة، وهذا طرف من الحديث المذكور وصله البخاري في آخر أبواب الوصايا بتمامه، وفيه اللفظ المذكور. وقال هِشَامٌ عنْ وهبٍ عنْ جابِرٍ قال النبيُّ عَُّلِّ جَذَّ لَهُ فَأُوْف لَهُ هشام هو ابن عروة، ووهب هو ابن كيسان مولى عبد الله بن الزبير بن العوام، مات سنة تسع وعشرين ومائة، وقد وصل البخاري هذا التعليق في الاستقراض. قوله: ((جذ)»، بضم الجيم وتشديد الذال المعجمة، ويجوز فيها الحركات الثلاث، وهو أمر من الجذاذ وهو قطع العراجين. قوله: ((له)) أي: للغريم في الموضعين. ومما يستفاد من الحديث أن بعض الورثة يقوم مقام البعض. ٥٢ _ بابُ ما يُسْتَحَبُّ مِنَ الکَیْلِ أي: هذا باب في بيان استحباب الكيل في المبيعات، وقال ابن بطال: مندوب إليه فيما ينفقه المرء على عياله. ٧٨ /٢١٢٨ _ حدَّثنا إبرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قال حدثنا الوَليدُ عنْ ثَوْرٍ عن خالِدِ بنِ مَعْدَانَ عِنِ المِقْدَام بنِ مَعْدِيكَرِبَ رضي الله تعالى عنه عنِ النبيِّ عَّه قال كِيلُوا طَعَامَكُمْ يُارَكْ لَكُمْ. مطابقته للترجمة من حيث إن فيه الأمر على وجه الاستحباب في كيل الطعام عند الإنفاق، على ما نذكره في معنى الحديث. وإبراهيم بن موسى بن يزيد أبو إسحاق الرازق، ٣٥٢ ٣٤ - كِتَابُ البُيُوع / باب (٥٢) يعرف بالصغير، والوليد بن مسلم القرشي الدمشقي، وثور - باسم الحيوان المشهور - ابن يزيد - من الزيادة - الحمصي، وخالد بن معدان، بفتح الميم: الكلاعي، بفتح الكاف وتخفيف اللام وبالعين المهملة: أبو كريب الحمصي، والمقدام، بكسر الميم: ابن معدي کرب أبو یحیی الكندي، نزل الشام وسكن حمص. وهذا الحديث من أفراد البخاري. قوله: ((عن ثور))، وفي رواية الإسماعيلي: ((حدثنا ثور)). قوله: ((عن خالد بن معدان عن المقدام)»، هكذا رواه الوليد وغيره، وروى أبو الربيع الزهراني: عن المقدام بن المبارك، فأدخل بين خالد جبير بن نفير، وهكذا رواه الإسماعيلي ورواه ابن ماجه، وفي رواية: عن خالد عن المقدام عن أبي أيوب الأنصاري، فذكره من مسند أبي أيوب، ورجح الدارقطني هذه الزيادة. قوله: ((كيلو))، أمر للجماعة. ((ويبارك لكم))، بالجزم جزابه، ويروى: ((يبارك لكم فیه)). ثم: السر في الكيل لأنه يتعرف به ما يقوته وما يستعده، وقال ابن بطال: لأنهم إذا اكتالوا يزيدون في الأكل فلا يبلغ لهم الطعام إلى المدة التي كانوا يقدرونها، وقال، عليه الصلاة والسلام: ((كيلو))، أي: أخرجوا بكيل معلوم إلى المدة التي قدرتم مع ما وضع الله، عز وجل، من البركة في مد المدينة بدعوته عَ لّه، وقال أبو الفرج البغدادي: يشبه أن تكون هذه البركة للتسمية عليه في الكيل. فإن قلت: هذا يعارضه حديث عائشة: ((كان عندي شطر شعير. فأكلت منه حتى طال علي، فكلته ففني)) قلت: كانت تخرج قوتها بغير كيل وهي متقوتة باليسير، فبورك لها فيه مع بركة النبي، عَّه، الباقية عليها وفي بيتها، فلما كالته علمت المدة التي يبلغ إليها عند انقضائها. فإن قلت: يعارضه أيضاً ما روي أن النبي معد له. دخل على حفصة فوجدها تكتال على خادمها، فقال: ((لا توكي فيوكي الله عليك)). قلت: كان ذلك لأنه في معنى الإحصاء على الخادم والتضييق، أما إذا اكتال على معنى معرفة المقادير وما يكفي الإنسان فهو الذي في حديث الباب. وقد كان عَِّ يدخر لأهله قوت سنة، ولم يكن ذاك إلاّ بعد معرفة الكيل. وقال بعضهم: والذي يظهر لي أن حديث المقدام محمول على الطعام الذي يشترى، فالبركة تحصل فيه بالكيل لامتثال أمر الشارع، وإذا لم يمتثل الأمر فيه بالاكتيال نزعت منه لشؤم العصيان، وحديث عائشة محمول على أنها كالته للاختبار، فلذلك دخله النقص. انتهى. قلت: هذا ليس بظهور، فكيف يقول: حديث المقدام محمول على الطعام الذي يشترى، وهذا غير صحيح، لأن البخاري ترجم على حديث المقدام، رضي الله تعالى عنه، باستحباب الكيل، والطعام الذي يشترى الكيل فيه واجب، فهذا الظهور الذي أداه إلى أن جعل المستحب واجباً، والواجب مستحباً، وقال المحب الطبري: يحتمل أن يكون معنى قوله: ((كيلوا طعامكم))، أي: إذا ادخرتموه طالبين من الله البركة واثقين بالإجابة. فكان ما كاله بعد ذلك إنما يكيله ليتعرف مقداره، فيكون ذلك شكاً بالإجابة، فيعاقب بسرعة نفاده، ٣٥٣ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٥٣) ويحتمل أن تكون البركة التي تحصل بالكيل بسبب السلامة من سوء الظن بالخادم، لأنه إذا أخرج بغير حساب قد يفرغ ما يخرجه وهو لا يشعر، فيتهم من يتولى أمره بالأخذ منه، وقد يكون بريئاً، فإذا كاله أمن من ذلك. ٥٣ - بابُ بَرَكَةٍ صاعِ النبيِّ عَّ ◌ُله ومُدِّهِ أي: هذا باب في بيان بركة صاع النبي عَّلِ قوله: ((ومده)) أي: ومد النبي عَّه، وفي رواية النسفي: ((ومدهم))، بصيغة الجمع، وكذا لأبي ذر عن غير الكشميهني، وبه جزم الإسماعيلي وأبو نعيم. وقال بعضهم: الضمير يعود للمحذوف في صاع النبي ◌َِّ، أي: صاع أهل مدينة النبي عَّه ومدهم، ويحتمل أن يكون الجمع لإرادة التعظيم. قلت: هذا التعسف لأجل عود الضمير والتقدير بصاع أهل مدينة النبي عَ لّه غير موجه، ولا مقبول، لأن الترجمة في بيان بركة صاع النبي عَ له على الخصوص، لا في بيان صاع أهل المدينة. ولأهل المدينة صيعان مختلفة، فروى ابن حبان في (صحيحه) من حديث أبي هريرة: أن رسول الله، عَّله قيل له: يا رسول الله! صاعنا أصغر الصيعان ومدنا أكبر الأمداد. فقال: ((أللهم بارك لنا في صاعنا وبارك لنا في قليلنا وكثيرنا، واجعل لنا مع البركة بركتين)). وفي ترك المصطفى عَ لَّه الإنكار عليهم حيث قالوا: صاعنا أصغر الصيعان، بيان واضح أن صاع المدينة أصغر الصيعان، وروى الدارقطني من حديث إسحاق بن سليمان الرازي، قال: قلت: لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله! كم وزن صاع النبي عَّ له؟ قال: خمسة أرطال وثلث بالعراقي، وروى ابن أبي شيبة في (مصنفه): حدثنا يحيى ابن آدم. قال: سمعت حسن بن صالح يقول: صاع عمر، رضي الله تعالى عنه، ثمانية أرطال. وقال شريك: أكثر من سبعة أرطال وأقل من ثمانية. وروى البخاري في (صحيحه): عن السائب بن يزيد، قال: كان الصاع على عهد رسول الله عَ ليه مداً وثلثاً بمدكم اليوم، فزيد فيه في زمن عمر بن عبد العزيز، رضي الله تعالى عنه، وروى الطحاوي عن ابن عمر أنه قال: حدثنا علي بن صالح وبشر بن الوليد جميعاً عن أبي يوسف، قال: قدمت المدينة فأخرج إلي من أثق به صاعاً، فقال: هذا صاع النبي عَّهِ، فقدرته فوجدته خمسة أرطال وثلث رطل، ثم قال: إن مالكاً سئل عن ذلك، فقال: هو تقدير عبد الملك لصاع عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه. وروى الطحاوي أيضاً من حديث إبراهيم، قال: عبرنا الصاع فوجدنا حجاجياً والحجاجي عندهم ثمانية أرطال بالبغدادي. انتهى. وأيضاً: الأصل خلاف التقدير، وأيضاً فلا ضرورة إليه. وأما وجه الضمير في رواية: مدهم، فهو أن يعود إلى أهل المدينة. وإن لم يمض ذكرهم، لأن القرينة اللفظية تدل على ذلك، وهو لفظ الصاع والمد، ولأن أهل المدينة اصطلحوا على لفظ: الصاع والمد، كما أن أهل العراق اصطلحوا على لفظ: المكوك. قال عياض: المكوك مكيال أهل العراق يسع صاعاً ونصف صاع بالمدني، وكما أن أهل مصر اصطلحوا على: القدح، والربع والويبة، وإذا ذكر الصاع والمد يتبادر أذهان الناس غالباً إلى عمدة القاري/ ج١١ م٢٣ ٣٥٤ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٥٣) أنهما لأجل المدينة. فيهِ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها عن النبيِّ عَ لّم. أي: في صاع النبي عَِّ، أي: في دعائه عَّلّه بالبركة فيه، روي عن عائشة عن النبي عَ ليه، وقد مضى هذا في آخر كتاب الحج في حديث طويل عن عائشة، وفيه: ((أللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا». ٢١٢٩/٧٩ - حدَّثنا مُوسَى قال حدثنا وُهَيْبٌ قال حدثنا عَمْرُو بنُ يَحْيَى عنْ عَبَّادِ بنِ تَمِيمٍ الأَنْصَارِيِّ عنْ عَبْدِ الله بنِ زَيْدٍ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَّهِ قَال إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكّةَ ودَعا لَهَا وَحَرَّمْتُ المَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكّْةَ ودَعَوْتُ لَهَا فِي مُدَّهَا وصاعِهَا مثْلَ ما دَعا إبْرَاهِيمُ عليه الصلاة والسلام لِمَكَّةً. مطابقته للترجمة ظاهرة، لأن ما دعا فيه النبي عّلِّ ففيه البركة. وموسى هو ابن إسماعيل، ووهيب - بالتصغير - ابن خالد البصري، وعمرو بن يحيى بن عمارة الأنصاري المدني، وعبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري النجاري المازني. والحديث أخرجه مسلم في المناسك عن قتيبة وعن أبي كامل الجحدري، وعن أبي بكر بن أبي شيبة وعن إسحاق بن إبراهيم. والكلام في حرم مكة وحرم المدينة قد مضى في كتاب الحج. وفيه: الدعاء لما ذكر وهو علم من أعلام نبوته، عَّ لّه، فما أكثر بركته، وكم يؤكل ويدخر وينقل إلى سائر بلاد الله تعالى؟ والمراد بالبركة في المد والصاع ما يكال بهما، وأضمر ذلك لفهم السامع، وهذا من باب تسمية الشيء باسم ما قرب منه، كذا قيل. قلت: هذا من باب ذكر المحل وإرادة الحال. فافهم. ٨٠/ ٢١٣٠ - حدَّثني عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكِ عنْ إِسْحَاقَ بِنِ عَبْدِ اللهِ بنِ أبي طَلْحَةَ عنْ أَنَسٍ بنِ مالِكٌ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ الله عَ لَِّ قال اللَّهُمَّ بارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ وبارِكُ لَهُمْ فِي صاعِهِمْ ومُدِّهم يَعْنِي أَهْلَ المَدِينَةِ. [الحديث ٢١٣٠ - طرفاه في: ٦٧١٤، ٧٣٣١]. مطابقته للترجمة ظاهرة، ورجاله قد ذكروا غير مرة. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الاعتصام عن القعنبي، وفي كفارات الأيمان عن عبد الله بن يوسف. وأخرجه مسلم والنسائي جميعاً في المناسك عن قتيبة. قوله: ((اللهم بارك لهم))، البركة النماء والزيادة، وتكون بمعنى الثبات واللزوم. وقيل: يحتمل أن تكون هذه البركة دينية، وهي ما يتعلق بهذه المقادير من حقوق الله تعالى في الزكاة والكفارات، فتكون بمعنى الثبات والبقاء بها لبقاء الحكم بها ببقاء الشريعة وثباتها، ويحتمل أن تكون دنيوية من تكثير الكيل والقدر بهذه الأكيال حتى يكفي منه ما لا يكفي ٣٥٥ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٥٤) مثله من غيره في غير المدينة، أو ترجع البركة في التصرف بها في التجارة وأرباحها أو إلى كثرة ما يكال بها من غلاتها وثمارها، أو تكون الزيادة فيما يكال بها لاتساع عيشهم وكثرته بعد ضيقه بما فتح الله عليهم، ووسع من فضله لهم، وملكهم من بلاد الخصب والريف بالشام والعراق ومصر وغيرها، حتى كثر الحمل إلى المدينة، واتسع عيشهم حتى صارت هذه البركة في الكيل نفسه، فزاد مدهم وصار هاشمياً مثل مد النبي عَّ له مرتين أو مرة ونصفاً، وفي هذا كله ظهور إجابة دعوته عَّ له وقبولها هذا كله كلام القاضي عياض، رحمه الله. قوله: ((في مكيالهم))، بكسر الميم: آلة الكيل، ويستحب أن يتخذ ذلك المكيال رجاء لإجابة دعوته عَّ له والاستنان بأهل البلد الذين دعا لهم. ٥٤ - بابُ ما يُذْكَرُ في بَيْعِ الطَّعامِ والحُكْرَةِ أي: هذا باب في بيان ما يذكر في بيع الطعام قبل القبض. قوله: ((والحكرة))، بضم الحاء المهملة وسكون الكاف: حبس السلع عن البيع. وقال الكرماني: الحكرة احتكار الطعام، أي: حبسه يتربص به الغلاء، هذا بحسب اللغة. وأما الفقهاء فقد اشترطوا لها شروطاً مذكورة في الفقه. وقال الإسماعيلي: ليس في أحاديث الباب ذكر الحكرة، وساعد بعضهم البخاري في ذلك فقال: وكأن المصنف استنبط ذلك من الأمر بنقل الطعام إلى الرحال ومنع بيع الطعام قبل استيفائه. قلت: سبحان الله؟ هذا استنباط عجيب، فما وجه هذا الاستنباط وكيف يستنبط منه الاحتكار الشرعي؟ وليس الأمر إلاَّ ما قاله الإسماعيلي؟ أللهم إلاَّ إذا قلنا: إن البخاري لم يرد بقوله: والحكرة، إلاَّ معناها اللغوي، وهو الحبس مطلقاً، فحينئذ يطلق على الذي يشتري مجازفة ولم ينقله إلى رحله أنه محتكر لغة، لا شرعاً، فافهم، فإنه دقيق لا يخطر إلاَّ بخاطر من شرح الله صدره بفيضه. وقد ورد في ذم الاحتكار أحاديث: منها: ما رواه معمر بن عبد الله مرفوعاً: ((لا يحتكر إلاَّ خاطىء))، رواه مسلم. وروى ابن ماجه من حديث عمر، رضي الله تعالى عنه: ((من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس)). وروي أيضاً عنه مرفوعاً: (الجالب مرزوق والمحتكر ملعون))، وأخرجه الحاكم وإسناده ضعيف. وروى أحمد من حديث ابن عمر مرفوعاً: ((من احتكر طعاماً أربعين ليلة فقد برىء من الله تعالى وبرىء منه))، ورواه الحاكم أيضاً، وفي إسناده مقال. وروى الحاكم أيضاً من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((من احتكر حكرة يريد أن يغالي بها على المسلمين فهو خاطىء)). ٢١٣١/٨١ - حدّثنا إِسْحَاقُ بنُ إِبْرَاهيمَ قال أخبرنا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ عنِ الأَوْزَاعِيِّ عنْ الزُّهْرِيِّ عنْ سالِمٍ عنْ أَبِيهِ رضي الله تعالى عنهُ قال رَأيْتُ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ الطَّعامَ مُجَازَفةٌ يُضْرَبُونَ عَلى عَهْدِ رسولِ الله عَ لِ أَنْ يَبِيعُوهُ حَتَّى يُؤْؤُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ. [انظر الحديث ٢١٢٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة من حيث إنه يتضمن منع بيع الطعام قبل القبض، لأن الإيواء ٣٥٦ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٥٤) المذكور فيه عبارة عن القبض، وضربهم على تركه يدل على اشتراط القبض، والترجمة فيما يذكر في الطعام، والذي ذكر في الطعام يعني الذي ذكره في أمر الطعام، هذا يعني منع بيعه قبل الإيواء الذي هو عبارة عن القبض. وإسحاق بن إبراهيم هو إسحاق بن راهويه، والوليد بن مسلم أبو العباس الدمشقي، والأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو، والزهري محمد بن مسلم. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المحاربين عن عياش الرقام. وأخرجه مسلم في البيوع عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبد الأعلى عن معمر عن الزهري ((عن سالم بن عمر: أنهم كانوا يضربون على عهد رسول الله، عَ لله، إذا اشتروا طعاماً جزافاً أن يبيعوه في مكانه حتى يحولوه)). وأخرجه أبو داود فيه عن الحسن بن علي عن عبد الرزاق. وأخرجه النسائي فيه عن نصر بن علي عن يزيد بن زريع. قوله: ((مجازفة))، نصب على أنه صفة لمصدر محذوف، أي: يشترون الطعام شراء مجازفة، ويجوز أن يكون نصباً على الحال، يعني: حال كونهم مجازفين، والجزاف مثلث الجيم، والكسر أفصح وأشهر؛ وهو البيع بلا كيل ولا وزن ولا تقدير. وقال ابن سيده: وهو يرجع إلى المساهلة، وهو دخيل. وقال القرطبي: في حديث الباب دليل لمن سوى بين الجزاف والمكيل من الطعام في المنع من بيع ذاك حتى يقبض، ورأى أن نقل الجزاف قبضه، وبه قال الكوفيون والشافعي وأبو ثور وأحمد وداود، وحمله مالك على الأولى والأحب. ولو باع الجزاف قبل نقله جاز، لأنه بنفس تمام العقد في التخلية بينه وبين المشتري صار في ضمانه، وإلى جواز ذلك صار سعيد بن المسيب والحسن والحكم والأوزاعي وإسحاق. وقال ابن قدامة: إباحة بيع الصبرة جزافاً مع جهل البائع والمشتري بقدرها لا نعلم فيه خلافاً، فإذا اشترى الصبرة جزافاً لم يجز بيعها حتى ينقلها، نص عليه أحمد في رواية الأثرم، وعنه رواية أخرى: بيعها قبل نقلها، اختاره القاضي، وهو مذهب مالك. ونقلها قبضها، كما جاء في الخبر. وفي (شرح المهذب) عند الشافعي: بيع الصبرة من الحنطة والتمر مجازفة صحيح، وليس بحرام. وهل هو مكروه؟ فيه قولان أصحهما مكروه كراهة تنزيه، والبيع بصبرة الدراهم كذلك حكمه، وعن مالك أنه لا يصح البيع إذا كان بائع الصبرة جزافاً يعلم قدرها، كأنه اعتمد على ما رواه الحارث بن أبي أسامة عن الواقدي عن عبد الحميد بن عمر: أن ابن أبي أنس قال: ((سمع النبي، عَّله، عثمان يقول في هذا الوعاء كذا وكذا: ولا أبيعه إلاَّ مجازفة. فقال النبي عَّ: ((إذا سميت كيلاً فكل)). وعند عبد الرزاق، قال: قال ابن المبارك: إن النبي، عَّةٍ، قال: ((لا يحل لرجل باع طعاماً قد علم كيله حتى يعلم صاحبه)). ٢١٣٢/٨٢ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا وُهَيْبٌ عنِ ابنِ طاوُسٍ عنْ أَبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاس رضي الله تعالى عنهما أنَّ رسولَ الله عَُّلَّهِ نَهَى أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ طَعَاماً حَتَّى ٣٥٧ ٣٤ - كِتَابُ البُيُوع / باب (٥٤) يَسْتَوْفِيَّهُ قَلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ كَيْفَ ذَاكَ قال ذَاكَ دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ والطَّعَامُ مُرْجَةٌ. [الحديث ٢١٣٢ - طرفه في: ٢١٣٥]. مطابقته للترجمة ظاهرة، لأنها فيما يذكر في البيع قبل القبض، وأنه لا يصح حتى يقبضه أو يستوفيه، فكذلك الحديث في أنه لا يصح حتى يستوفيه. ورجاله قد ذكروا غير مرة، وابن طاوس هو عبد الله. والحديث أخرجه مسلم في البيوع أيضاً عن إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع وعبد ابن حميد وعن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب وإسحاق بن إبراهيم أيضاً. وأخرجه أبو داود فيه عن أبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن رافع به وعن أحمد بن حرب وقتيبة. قوله: ((حتى يستوفيه)) أي: حتى يقبضه، وقد ذكرنا أن القبض والاستيفاء بمعنى واحد. قوله: ((قلت لابن عباس))، القائل هو طاوس. قوله: ((كيف ذاك؟)) يعني: كيف حال هذا البيع؟ حتى نهى عنه. قوله: ((قال: ذاك)) أي: قال ابن عباس: يكون حال ذاك البيع دراهم بدراهم والطعام غائب، وهو معنى: قوله: ((والطعام مرجأ)) أي: مؤخر مؤجل، معناه: أن يشتري من إنسان طعاماً بدرهم إلى أجل ثم يبيعه منه أو من غيره قبل أن يقبضه بدرهمين مثلاً، فلا يجوز لأنه في التقدير: بيع درهم بدرهم، والطعام غائب، فكأنه قد باعه درهمه الذي اشتري به الطعام بدرهمين، فهو رباً، لأنه بيع غائب بناجز فلا يصح. وقال ابن التين: قول ابن عباس: دراهم بدراهم، تأوله علماء السلف، وهو أن يشتري منه طعاماً بمائة إلى أجل ويبيعه منه قبل قبضه بمائة وعشرين، وهو غير جائز، لأنه في التقدير بيع دراهم بدراهم، والطعام مؤجل غائب. وقيل: معناه أن يبيعه من آخر ويحيله به. قوله: ((والطعام مرجاً))، مبتدأ وخبر وقعت حالاً، ومرجأ: بضم الميم وسكون الراء يهمز ولا يهمز، وأصله: من أرجيت الأمر وأرجأته: إذا أُخرته. فتقول: من الهمز: مرجىء، بكسر الجيم للفاعل، والمفعول: مرجأ، للفاعل، وإذا لم تهمز قلت: مرج ومرجىّ للمفعول، ومنه، قيل: المرجئة، وهم فرقة من فرق الإسلام يعتقدون أنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة، سموا مرجئة لاعتقادهم أن الله تعالى أرجأ تعذيبهم على المعاصي، أي: أخره عنهم، وكذلك المرجئة تهمز ولا تهمز، وقال ابن الأثير، وفي الخطابي على اختلاف نسخه: مرجَّى، بالتشديد. قال أبُو عَبْدُ الله مُرْجَؤُونَ أيْ مُؤْخِّرُونَ أبو عبد الله هو البخاري نفسه، هذا التفسير موافق لتفسير أبي عبيدة حيث قال في قوله تعالى: ﴿وآخرون مرجؤون لأمر الله﴾ [التوبة: ١٠٦]. يقال: أرجأتك أي: أخرتك، وأراد به البخاري شرح قول ابن عباس: والطعام مرجأ، وقد مر الكلام فيه، وهذا في رواية المستملي وحده، وليس في رواية غيره شيء من ذلك. ٢١٣٣/٨٣ _ حدَّثنا أَبُو الوَلِيدِ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ دِينارٍ قال ٣٥٨ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٥٤) سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما يقُولُ قال النبيُّ عَ لَّمِ مِنْ ابْتَاعَ طَعَاماً فَلَ يَبِيعُهُ حَتَّى يِقْبِضَهُ. [انظر الحديث ٢١٢٤ وطرفيه]. مطابقته للترجمة مثل ما ذكرنا في مطابقة الحديث السابق، وهذا الحديث عن ابن عمر قد مر في: باب الكيل على البائع، غير أن رجاله هناك: عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن نافع عن ابن عمر، وههنا: عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي عن شعبة ابن الحجاج عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما، وقد مر الكلام فيه هناك مستوفى. ٢١٣٤/٨٤ _ حدَّثنا عَليٍّ قال حدَّثنا سُفْيانُ قال كانَ عَمْرُو بنُ دِينَارٍ يُحَدِّثُهُ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ مالِكِ بنِ أوْسٍ أَنَّهُ قال مَنْ عِندَهُ صَرْفٌ فقال طَلْحَةُ أنا حتَّى يَجيءَ خازِنُنا مِنَ الغَابَةِ قال سُفْيَانُ هُوَ الَّذِي حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ لَيْسَ فِيهِ زِيادَةٌ فقال أُخْبَرَنِي مالِكُ بنُ أوْسٍٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بِنَ الخَطَّابِ رضي الله تعالى عنهُ يُخْبِرُ عِنْ رَسُولِ اللهِ عَ لَّلِ قَالِ الذَّهَبُ بالذَّهَبِ رِباً إِلَّ هاءَ وهاءَ والْبُرُ بالْعُرُ رِباً إلاَّ هاءَ وهاءَ والتَّمْرُ بالَّمْرِ رِباً إلاَّ هاءَ وهاءَ والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ رِباً إلاَّ هاءَ وهاءَ. [الحديث ٢١٣٤ - طرفاه في: ٢١٧٠، ٢١٧٤]. مطابقته للترجمة من حيث إن فيه اشتراط القبض لما فيه من الربويات. وفي الترجمة ما يشعر باشتراط القبض في الطعام. وزعم ابن بطال: أنه لا مطابقة بين الحديث والترجمة هنا، فلذلك أدخله في: باب بيع ما ليس عندك، وهو مغاير للنسخ المروية عن البخاري، وعلي هو ابن المديني وسفيان هو ابن عيينة، ومالك بن أوس، بفتح الهمزة وسكون الواو، وفي آخره سين مهملة: ابن الحدثان، بفتح المهملتين وبالمثلثة التابعي عند الجمهور. قال البخاري: قال بعضهم: له صحبة ولا يصح. وقال بعضهم: ركب بخيل في الجاهلية، وقيل: إنه رأى أبا بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، وروى عن النبي، عَّه، مرسلاً. والحديث أخرجه البخاري أيضاً عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن الزهري، وأخرجه مسلم في البيوع أيضاً عن قتيبة ومحمد بن رمح، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم وزهير بن حرب. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي عن مالك به. وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة به. وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم به. وأخرجه ابن ماجه في التجارات عن محمد بن رمح به وعن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد وهشام بن عمار ونصر بن علي ومحمد بن الصباح، خمستهم عن سفيان عن الزهري به. ذكر معناه: قوله: ((من عنده صرف))، أي: من عنده دراهم يعوضها بالدنانير، لأن الصرف بيع أحد النقدين بالآخر. قوله: ((فقال طلحة))، هو ابن عبد الله أحد العشرة المبشرة، فأنا أعطيك الدراهم لكن إصبر حتى يجيء الخازن من الغابة، والغابة: بالغين المعجمة والباء الموحدة في الأصل: الأجمة ذات الشجر، المتكاثف، سميت بها لأنها تغيَّب ما فيها، وجمعها: غابات، ولكن المراد بها هنا غابة المدينة، وهي موضع قريب منها من عواليها، وبها i ٣٥٩ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٥٤) أموال أهل المدينة، وهي المذكورة في عمل منبر النبي عَّةٍ. قوله: ((قال سفيان))، هو ابن عيينة، قال بالإسناد المذكور. قوله: ((هو الذي حفظناه عن الزهري)) أي: الذي كان عمرو يحدثه عن الزهري هو الذي حفظناه عن الزهري بلا زيادة فيه، قال الكرماني: وغرضه منه تصديق عمرو، وقال بعضهم: أبعد الكرماني في قوله: ((هذا!)) قلت: ما أبعد فيه، بل غرضه هذا وشيء آخر، وهو الإشارة إلى أنه حفظه من الزهري بالسماع. قوله: ((فقال: أخبرني)) أي: قال الزهري: أخبرني مالك بن أوس. قوله: ((بخبر)) جملة حالية. قوله: ((الذهب بالذهب)) ويروى: ((الذهب بالورق)»، بكسر الراء، وهو رواية أكثر أصحاب ابن عيينة عن الزهري، وهي رواية أكثر أصحاب الزهري. ثم معنى قوله: ((الذهب بالذهب))،أي: بيع الذهب بالذهب رباً إلاَّ أن يقول كل واحد من المتصارفين لصاحبه: هاء، يعني: خذ أو: هات، فإذا قال أحدهما: خذ، يقول الآخر: هات، والمراد أنهما يتقابضان في المجلس قبل التفرق منه، وأن يكون العوضان متماثلين متساويين في الوزن، كما في حديث أبي بكرة، سيأتي: ((نهانا رسول الله عَّ لِ أن نبيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة إلا سواء بسواء». ثم الكلام في الذهب: هل مذكر أم مؤنث؟ فقال في (المنتهى): ربما أنث في اللغة الحجازية، والقطعة منه ذهبة، ويجمع على أذهاب وذهوب، وفي (تهذيب الأزهري): لا يجوز تأنيثه إلاَّ أن يجعل جمعاً لذهبة، وفي (الموعب) عن صاحب (العين): الذهب التبر، والقطعة منه: ذهبة، يذكر ويؤنث. وعن ابن الأنباري: الذهب أنثى، وربما ذكر، وعن الفراء، وجمعه ذهبان. وأما قوله: ((هاء وهاء))، فقال صاحب (العين): هو حرف يستعمل في المناولة، تقول: هاء وهاك، وإذا لم تجىء بالكاف مددت فكأن المدة في: هاء، خلف من. كاف المخاطبة، فنقول للرجل: هاء، وللمرأة: هائي، وللاثنين: هاؤما، وللرجال: هاؤموا، وللنساء هاؤن. وفي (المنتهى): تقول: هاء يا رجل، بهمزة ساكنة، مثال: هع، أي: خذ. وفي (الجامع): فيه لغتان بألف ساكنة وهمزة مفتوحة، وهو اسم الفعل، ولغة أخرى: ها يا رجل: كأنه من هاي يهاي،، فحذفت الياء للجزم، ومنهم من يجعله بمنزلة الصوت: ها يا رجل، وها يا رجلان، وها يا رجال، وها يا امرأة، وها يا امرأتان، وها يا نسوة. وفي (شرح المشكاة): فيه لغتان المد والقصر، والأول أفصح وأشهر. وأصله: هاك، فأبدلت من الكاف، معناه: خذ، فيقول صاحبه مثله، والهمزة مفتوحة. ويقال بالكسر ومعناه التقابض، وقال المالكي: وحق ها أن لا يقع بعدها إلاّ كما لا يقع بعدها: خذ، وبعد أن وقع يجب تقدير قول قبله يكون به محكياً، فكأنه قيل: ولا الذهب بالذهب إلاَّ مقول عنده من المتبايعين هاء وهاء، وقال الطيبي: ومحله النصب على الظرفية، والمستثنى منه مقدر. يعني: بيع الذهب بالذهب رباً في جميع الأزمنة إلاّ عند الحضور والتقابض. قوله: ((والبر بالبر))، أي: وبيع البر بالبر، وهكذا يقدر في البواقي. ذكر ما يستفاد منه: أجمع المسلمون على تحريم الربا في هذه الأشياء الأربعة التي ذكرت في حديث عمر، رضي الله تعالى عنه، وشيئان آخران وهما: الفضة والملح، فهذه الأشياء الستة مجمع عليها، واختلفوا فيما سواها، فذهب أهل الظاهر ومسروق وطاوس ٣٦٠ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٥٤) والشعبي وقتادة وعثمان البتي فيما ذكره الماوردي: إلى أنه يتوقف التحريم عليها. وقال سائر العلماء: بل يتعدى إلى ما في معناها. فأما الذهب والفضة، والعلة فيهما عند أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه، الوزن في جنس واحد، فألحق بهما كل موزون. وعند الشافعي: العلة فيهما جنس الأثمان وأما الأربعة الباقية ففيها عشرة مذاهب. الأول: مذهب أهل الظاهر أنه: لا ربا في غير الأجناس الستة. الثاني: ذهب أبو بكر الأصم: إلى أن العلة فيها كونها منتفعاً بها، فيحرم التفاضل في كل ما ينتفع به، حكاه عنه القاضي حسين. الثالث: مذهب ابن سيرين وأبي بكر الأودي الشافعي: أن العلة الجنسية، فحرم كل شيء بيع بجنسه: كالتراب بالتراب متفاضلاً، والثوب بالثوبين والشاة بالشاتين. الرابع: مذهب الحسن بن أبي الحسن: أن العلة المنفعة في الجنس، فيجوز عنده بيع ثوب قيمته دينار بثوبين قيمتهما دينار، ويحرم عنده بيع ثوب قيمته دينار بثوب قيمته ديناران. الخامس: مذهب سعيد بن جبير: أن العلة تفاوت المنفعة في الجنس، فيحرم التفاضل في الحنطة بالشعير لتفاوت منافعهما، وكذلك الباقلاء بالحمص والدخن بالذرة. السادس: مذهب ربيعة بن أبي عبد الرحمن: أن العلة كونه جنساً تجب فيه الزكاة، ويحرم الربا في جنس تجب فيه الزكاة من المواشي والزروع وغيرهما، ونفاه عما لا زكاة فيه. السابع: مذهب مالك: كونه مقتاتاً مدخراً، فحرم الربا في كل ما كان قوتاً مدخراً، ونفاه عما ليس بقوت: كالفواكه، وعما هو قوت لا يدخر: كاللحم. الثامن: مذهب أبي حنيفة: أن العلة الكيل مع جنس، أو الوزن مع جنس، فحرم الربا في كل مكيل وإن لم يؤكل: كالجص والنورة والأشنان، ونفاه عما لا يكال ولا يوزن وإن كان مأكولاً: كالسفرجل والرمان. التاسع: مذهب سعيد بن المسيب، وهو قول الشافعي في القديم: أن العلة كونه مطعوماً يكال أو يوزن فحرمه في كل مطعوم يكال أو يوزن، ونفاه عما سواه، وهو كل ما لا يؤكل ولا يشرب، أو يؤكل ولا يوزن: كالسفرجل والبطيخ. العاشر: أن العلة كونه مطعوماً فقط، سواء كان مكيلاً أو موزوناً أم لا، ولا ربا فيما سوى المطعوم غير الذهب والفضة، وهو مذهب الشافعي في الجديد. وفي (شرح المهذب): وهو مذهب أحمد وابن المنذر. قلت: مذهب مالك في الموطأ أن العلة هي الادخار للأكل غالباً، وإليه ذهب ابن نافع، وفي (التمهيد) قال مالك: فلا تجوز في الفواكه التي تيبس وتدخر إلاَّ مثلاً بمثل يداً بيد، إذا كانت من صنف واحد، ويجيء على ما روي عن مالك: أن العلة الادخار للاقتيات أن لا يجري الربا في الفواكه التي تيبس، لأنها ليست بمقتات، ولا يجري الربا في البيض، لأنها - وإن كانت مقتاتة - فليست بمدخرة، وذكر صاحب (الجواهر): ينقسم ما يطعم إلى ثلاثة أقسام: إحداها: ما اتفق على أنه طعام يجري فيه حكم الربا: كالفواكه والخضر والبقول والزروع التي تؤكل غداء أو يعتصر منها ما يتغدى من الزيت: كحب القرطم وزريعة الفجل الحمراء وما أشبه ذلك. والثاني: ما اتفق على أنه ليس بغداء بل هو دواء، وذلك: كالبر والزعفران والشاهترج وما يشبهها. والثالث: ما اختلف فيه للاختلاف في أحواله وعادات