النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٢١) بالذهب مثلاً بمثل)) إلى أن قال: والتمر بالتمر ... حتى عدد النسئة. ٢١ - بابُ ما قِيلَ فِي اللَّخَّامِ والجَزَّارِ أي: هذا باب في بيان ما قيل في اللحام وهو بياع اللحم والجزار الذي يجزر أي ينحر الإبل وكلاهما على وزن فعال بالتشديد، وهذا الباب وقع ههنا عند الأكثرين ووقع عند ابن السكن بعد خمسة أبواب وقال بعضهم وهو أليق لتتوالى تراجم الصناعات. قلت: توالي التراجم إنما هو أمر مهم والبخاري لا يتوقف غالباً في رعاية التناسب بين الأبواب. ٢٠٨١/٣٣ - حدّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ قال حدَّثنا أبي قال حدَّثنا الأعمَشُ قال حدَّثني شَقِيقٌ عنْ أبِي مَسْعُودٍ قال جاءَ رَجِلٌ مِنَ الأنْصَارِ يُكْنَى أَبَا شُعَيْبٍ فقال لِغُلامِ لَهُ قَصَّابٍ اْعَلْ لِي طَعَاماً يَكْفِي خَمْسَةٌ فَإِنِّي أَرِيدُ أنْ أَدْعُو النبيَّ عَِّ خامِسَ خَمْسَةٍ فإِنِّي قَدْ عَرَفْتُ في وجْهِهِ الجوعَ فَدَعَاهُمْ فَجاءَ معهُمْ رَجُلٌ فقال النبيُّ عَّهِ إِنَّ هذَا قَدْ تَبِعَنا فإِنْ شِئْتَ أَنْ تأذَنَ لَهُ فَاذَنْ لَهُ وإنْ شِئتَ أنْ يَرْجِعَ رَجَعَ فَقال لا بَلْ قَدْ أَذِنْتُ لَهُ. [الحديث ٢٠٨١ - أطرافه في: ٢٤٥٦، ٥٤٣٤، ٥٤٦١]. مطابقته للترجمة في قوله: ((لغلام له قصاب))، قال القرطبي: اللحام هو الجزار، والقصاب على قياس قولهم: عطاء وتمار الذي يبيع ذلك، فهذا كما رأيت جعل اللحام والجزار والقصاب بمعنى واحد، فعلى هذا تحصل المطابقة بين الترجمة والحديث، ولكن في عرف الناس اللحام من يبيع اللحم، والجزار من يجزر الجزور أي: ينحره، والقصاب من يذبح الغنم، وأصله من القصب، وهو القطع يقال قصب القصاب الشاة أي قطعها عضواً عضواً. ذكر رجاله: وهم خمسة ذكروا غير مرة والأعمش هو سليمان وشقيق هو ابن سلمة أبو وائل، وأبو مسعود هو عقبة بن عمرو الأنصاري البدري. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في المظالم عن أبي النعمان، وفي الأطعمة عن محمد بن يوسف وعن عبد الله بن أبي الأسود. وأخرجه مسلم في الأطعمة عن قتيبة وعثمان وعن أبي بكر وإسحاق وعن نصر بن علي وأبي سعيد الأشج وعن عبد الله بن معاذ وعن عبد الله بن عبد الرحمن وعن سلمة بن شبيب. وأخرجه الترمذي في النكاح عن هناد. وأخرجه النسائي في الوليمة عن إسماعيل بن مسعود وعن أحمد بن عبد الله. ذكر معناه: قوله: ((قصاب))، بالجر لأنه صفة لغلام، وسيأتي في المظالم من وجه آخر عن الأعمش بلفظ: كان له ((غلام لحام)). قوله: ((خامس خمسة)) أي: أحد خمسة وقال الداودي: جائز أن يقول: خامس خمسة، وخامس أربعة. وعن المهلب: إنما صنع طعام خمسة لعلمه أن النبي عَّ سيتبعه من أصحابه غيره. قوله: ((فجاء معهم رجل))، أي: سادسهم. قوله: ((إن هذا قد تبعنا))، بكسر الباء الموحدة وفتح العين لأنه فعل ماض، والضمير الذي فيه يرجع ٢٨٢ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٢١) إلى الرجل، و: نا، مفعوله. قوله: ((وإن شئت أن يرجع))، أي: الرجل الذي تبعهم، رجع ولا يدخل معهم. ذكر ما يستفاد منه: فيه: جواز الاكتساب بصنعة الجزارة وأنه لا بأس بذلك، وقال ابن بطال: وإن كان في الجزارة شيء من الضعة لأنه يمتهن فيها نفسه، وأن ذلك لا ينقصه ولا يسقط شهادته إذا كان عدلاً. وفيه: جواز استعمال السيد غلامه في الصنائع التي يطبقها وأخذ كسبه منها. وفيه: بيان ما كانوا فيه من شظف العيش وقلة الشيء. وأنهم كانوا يؤثرون بما عندهم. وفيه: تأكيد إطعام الطعام والضيافة خصوصاً لمن علم حاجته لذلك. وفيه: أن من صنع طعاماً لغيره فلا بأس أن يدعوه إلى منزله ليأكل معه عنده، ولكن هل الأولى أن يدعوه إلى الطعام أو يرسله إليه؟ اختار مالك إرساله إليه ليأكل مع أهله إن كان له أهل، فقال في الرجل يدعو الرجل: يلزمه إذا أراد أن يبعث بمثل ذلك إليه ليأكله مع أهله، فإنه قبيح بالرجل أن يذهب يأكل الطيبات ويترك أهله. وفيه: أنه ينبغي لمن دعا من له منزلة إلى طعامه أن يدعو معه أصحابه الذين هم أهل مجالسته، كما فعل أبو شعيب، رضي الله تعالى عنه. وفيه: أنه ينبغي لمن أراد أن يدعو جماعة أن يصنع لهم من الطعام كفايتهم ولا يضيق عليهم، محتجاً بأن طعام الواحد يكفي الإثنين وطعام الإثنين يكفي الأربعة وطعام الأربعة يكفي الثمانية، لأنه لا ينبغي التقصير على الضيف، وربما جاء من لم يدعه كما وقع في قصة أبي شعيب. وفيه: إجابة المدعو للداعي وأنه لم ينص على اسمه بل ذلك تبعاً لغيره، كجلساء فلان وأصحابه، إذ لم ينقل أنه سمى معه جلساءه، لكن يحتمل أن أبا شعيب حين رأى النبي عَّ وعرف في وجهه الجوع، أنه رأى معه أربعة جالسين، فكان ذلك تخصيصاً لهم. وفيه: أنه لو دعا رجلاً إلى وليمة أو طعام، سواء قلنا بالوجوب أو بالاستحباب وكان مع المدعو حالة الدعوة غيره لم يدخل في الدعوة، وليس كالهدية عند قوم يشركونه فيها، للحديث الوارد في ذلك: من أهدي له هدية عند قوم يشركونه فيها، والحديث غير صحيح. وفيه: أنه لا بأس لمن وجد جماعة يذهبون إلى مكان أن يتبعهم لأنه لو كان هذا ممتنعاً لنهاه النبي، عٍَّ، ولرده، وإنما الممتنع دخوله معه بغير إذن صاحب الدعوة ورضاه. وفيه: أنه لا ينبغي للمدعو أن يرد من تبعه إلى الدعوة، بل يستأذنه عليه لجواز أن يأذن له. وفيه: أنه ينبغي للمدعو أن يستأذن صاحب المنزل فيمن تبعه إلى الدعوة، لئلا ينكسر خاطره ما لم يكن ثمة داع لعدم دخوله. وفيه: أنه ينبغي للمدعو إذا استأذن لمن تبعه أن يتلطف في الاستئذان ولا يتحكم على صاحب المنزل بقوله: إيذن لهذا، ونحو ذلك. وفيه: أنه ينبغي للمدعو إذا استأذن لمن تبعه أن يعلم صاحب الدعوة أن الأمر في الإذن إليه، وأنه ليس للمدعو أن يحتكم عليه ويدعو معه من أراد لقوله، عَّ له: ((وإن شئت رجع هذا)) مع كونه، عَِّ، له أن يتصرف في مال كل من الأمة بغير حضوره وبغير رضاه، ولكنه لم يفعل ذلك إلاَّ بالإذن تطبيباً لقلوبهم. وفيه: أنه ينبغي للداعي إذا استأذن المدعو فيمن تبعه أن يأذن له، كما فعل أبو شعيب. وهذا من مكارم الأخلاق. وفيه: في قوله: ((إن هذا قد تبعنا))، دليل على أنه لو كان ! ٢٨٣ ٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (٢٢) معهم حالة الدعوة لدخل فيها ولم يحتج إلى الإستئذان. وفيه: قال القاضي عياض: فيه: تحريم طعام الطفيليين. وقال أصحاب الشافعي: لا يجوز التطفل إلاّ إذا كان بينه وبين صاحب الدار انبساط، وروى أبو داود الطيالسي، من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَّلِ: ((من مشى إلى طعام لم يدع إليه مشى فاسقاً وأكل حراماً ودخل سارقاً وخرج مغيراً)). وروى البيهقي في (سننه) من حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: قال رسول الله عَّةٍ: ((من دخل على قوم لطعام لم يدع إليه فأكل دخل فاسقاً وأكل ما لا يحل له))، وفي إسناده يحيى بن خالد وهو مجهول. ٢٢ - بابُ ما يَمْحَقُ الكَذِبُ والْكِتْمَانُ فِي الْبَيْعِ أي: هذا باب في بيان ما يمحق، أي: الشيء الذي يمحق أي: يفسد ويبطل الكذب من البائع في مدح سلعته، ومن المشتري في التقصير في وفاء الثمن. قوله: ((والكتمان))، بالرفع عطف على الكذب وهو الإخفاء من البائع عن عيب سلعته ومن المشتري عن وصف الثمن. ٢٠٨٢/٣٤ - حدّثنا بَدَلُ بنُ المُحَبَّرِ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ قَتَادَةَ قال سَمِعْتُ أَبًا الخَلِيلِ يُحَدِّثُ عنْ عَبْدِ الله بنِ الحَارِثِ عنْ حَكِيمٍ بنُ حِزَامٍ رضي الله تعالى عنهُ عن النبيِّ عَ لِّ قَال الْبَيِّعَان بالخيار ما لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ قال حَتَّى يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وإنْ كَتَما وكذَبَا محِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا. [انظر الحديث ٢٠٧٩ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((محقت بركة بيعهما))، والحديث مضى عن قريب في: باب إذا بين البيعان ولم يكتما ونصحا فإنه أخرجه هناك عن سليمان بن حرب عن شعبة، وههنا بدل بن المحبر عن شعبة والتكرار لأجل الترجمة وتعدد الذي يروي عنه، وبدل، بفتح الباء الموحدة والدال المهملة: بن المحبر، بضم الميم وفتح الحاء المهملة والباء الموحدة المشددة وفي آخره راء: ابن منبه اليربوعي البصري الواسطي. ٢٣ _ بابُ قَوْلِ الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تأكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضاعفَةً وَاتَّقُوا اللَّه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠]. أي: هذا باب في بيان النهي عن الربا، خاطب الله تعالى عباده في هذه الآية ناهياً عن تعاطي الربا وأكله أضعافاً مضاعفة، كانوا في الجاهلية إذا حل أجل الدين إما أن يقضى وإما أن يربى، فإن قضاه وإلاَّ زاده في المدة وزاده الآخر في القدر، وهكذا في كل عام، فربما يضاعف القليل حتى يصير كثيراً مضاعفاً، وأمر عباده بالتقوى لعلهم يفلحون في الدنيا والآخرة، ثم توعدهم بالنار وحذرهم منها فقال: ﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾ [آل عمران: ١٣١]. ٢٠٨٣/٣٥ - حدّثنا آدَمُ قال حدثنا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قال حدثنا سعيدٌ المَقْبُرِيُّ عنْ ٢٨٤ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٢٤) أَبِي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ عَّهِ قال ◌َيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمانٌ لاَ يُبَالِي المَرْءُ بِمَا أَخذَ المَالَ أَمِنَ حَلاَلٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ. [انظر الحديث ٢٠٥٩ وأطرافه]. مطابقته للترجمة للآية الكريمة التي في موضع الترجمة من حيث إن آكل الربا لا يبالي من أكله الأضعاف المضاعفة، هل هي من الحلال أم من الحرام؟ وهذا الحديث بعينه إسناداً ومتناً قد ذكره في: باب من لم يبال من حيث كسب المال، غير أن في المتن بعض تفاوت يسير يعلم بالنظر فيه، وهذا بعيد من عادة البخاري، ولا سيما قريب العهد منه على أن في رواية النسفي ليس في الباب سوى هذه الآية. وقال بعضهم: ولعل البخاري أشار بالترجمة إلى ما أخرجه النسائي من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعاً: ((يأتي على الناس زمان يأكلون الربا، فمن لم يأكله أصابه غباره))، قلت: سبحان الله! هذا عجيب. والترجمة هي الآية، فكيف يشير بها إلى حديث أبي هريرة والآية في النهي عن أكل الربا، والأمر بالتقوى، وحديث أبي هريرة يخبر عن فساد الزمان الذي يؤكل فيه الربا؟ قوله: ((بما أخذ))، القياس حذف الألف من كلمة: ما، الاستفهامية إذا دخل عليها حرف الجر، ولكن ما حذف هنا لوجود عدم الحذف في كلام العرب على وجه القلة. ٢٤ - بابُ آكِلِ الرِّبا وشَاهِدِهِ وكاتِهِ أي: هذا باب في بيان حكم آكل الربا، والربا اسم مقصور، وحكي مده وهو شاذ، والأصل فيه الزيادة، من ربا المال يربو ربواً إذا زاد، فيكتب بالألف، ولكن وقع في خط المصحف بالواو على لغة من يفخم، وعن الثعلبي: كتبوه في المصحف بالواو، وأجاز الكوفيون كتبه بالياء بسبب كسرة أوله، وغلطهم البصريون في ذلك، وقال الفراء: إنما كتبوه بالواو لأن أهل الحجاز تعلموا الخط من أهل الحيرة ولغتهم الربو بمضموم، وصورة الخط على لغتهم، وزعم أبو الحسن طاهر ابن غليون أن أبا السماك قرأ: الربو، بفتح الراء وضم الباء ويجعل معها واواً. وقال ابن قتيبة: قرأه أبو السماك وأبو السوار بكسر الراء وضم الباء وواو ساكنة وقراءة الحسن بالمد والهمزة وقراءة حمزة والكسائي بالإمالة وقراءة الباقين بالتفخيم وفي شرح المهذب أنت بالخيار في كتبه بالألف والواو والياء والراء بالمد والميم بالضم، والريبة بالضم والتخفيف لغة فيه، وهو في الشرع: الزيادة على أصل المال من غير عقد تبايع، قاله ابن الأثير: وقال أصحابنا: الربا فضاء مال بلا عوض في معاوضة مال بمال كما إذا باع عشرة دراهم بأحد عشر درهماً، فإن الدرهم، فيه فضل، وليس في مقابله شيء، وهو عين الربا، قوله: ((وشاهده)) أي: وفي حكم شاهده أو في إثم شاهده، وإثم كاتبه وفي رواية الإسماعيلي: ((وشاهديه))، بالتثنية. وقَوْلِهِ تعالى ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وأحَلَّ الله البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فانْتَهَى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إلى اللهِ ومَنْ عادَ فَأُولَئِكَ أصْحابُ الَّارِ هُمْ ٢٨٥ ٣٤ - كِتَابُ البُيُوع / باب (٢٤) فِيهَا خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وقوله بالجر عطف على قوله: ((آكل الربا))، أي: وفي بيان قوله تعالى. وقال الإمام أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر بإسناده إلى سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿الذين يأكلون الربا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. قال: ((يبعث يوم القيامة مجنوناً يخنق نفسه))، ويإسناده إلى أبي حيان: ((آكل الربا يعرف يوم القيامة كما يعرف المجنون في الدنيا))، وفي كتاب أبي الفضل الجوزي، من حديث أبان عن أنسٍ، قال رسول الله، عَّهِ: ((يأتي آكل الربا يوم القيامة مخبلاً يجر شقه، ثم قرأ ﴿لا يقومون إلاَّ كما يقوم الذي يتخطبه الشيطان من المس﴾ [البقرة: ٢٧٥])). وعن السدي: المس الجنون، وعن أبي عبيدة: المس من الشيطان والجن وهو: اللمم، وفي (كتاب الربا) لمحمد بن أسلم السمرقندي: حدثنا علي بن إسحاق عن يوسف ابن عطية عن ابن سمعان عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا﴾ [البقرة: ٢٧٨]. قال: فمن كان من أهل الربا فقد حارب الله، ومن حارب الله فهو عدو الله ولرسوله. وحدثنا علي بن إسحاق أخبرنا يحيى بن المتوكل حدثنا أبو عباد عن أبيه عن جده عن أبي هريرة يرفعه: ((الربا اثنان وسبعون حوباً أدناها باباً بمنزلة الناكح أمه)). وقال الماوردي: أجمع المسلمون على تحريم الربا وعلى أنه من الكبائر. وقيل: إنه كان محرماً في جميع الشرائع. قوله: ﴿لا يقومون﴾ [البقرة: ٢٧٥]. أي: من قبورهم يوم القيامة. وقال الطبري: إنما خص الآكل بالذكر لأن الذين نزلت فيهم الآيات المذكورة كانت طعمتهم من الربا، وإلاَّ فالوعيد حاصل لكل من عمل به سواء أكل منه أو لا. قوله: ﴿ذلك بأنهم قالوا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. أي: الذين جرى لهم بسبب أنهم قالوا: إنما البيع مثل الربا أي: نظيره، وليس هذا قياساً منهم الربا على البيع، لأن المشركين لا يعترفون بمشروعية أصل البيع الذي شرعه الله في القرآن، ولو كان هذا من باب القياس لقالوا: إنما الربا مثل البيع، وإنما قالوا: إنما البيع مثل الربا، فلم حرم هذا وأبيح هذا؟ وهذا اعتراض منهم على الشرع، فرد الله عليهم بقوله: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. فليسا نظيرين. قوله: ﴿فمن جاءه موعظة من ربه﴾ [البقرة: ٢٧٥]. أي: من بلغه نهي الله عن الربا. ﴿فانتهى﴾ [البقرة: ٢٧٥]. حال ٢٧٥]. من المعاملة، كقوله: ﴿عفا الله عما وصول الشرع إليه. ﴿فله ما سلف﴾ [البقرة: سلف﴾ [المائدة: ٩٥]. ولم يأمر الشارع برد الزيادات المأخوذة في الجاهلية، بل عفا عما سلف كما قال تعالى: ﴿فله ما سلف وأمره إلى الله﴾ [المائدة: ٩٥]. وقال سعيد بن جبير والسدي ﴿فله ما سلف﴾ [البقرة: ٢٧٥]. فله ما أكل من الربا قبل التحريم، قوله: ﴿ومن عاد﴾ أي: إلى الربا، ففعله بعد بلوغ نهي الله له عنه فقد استوجب العقوبة وقامت عليه الحجة، ولهذا قال: ﴿فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ [البقرة: ٢٧٥]. واختلف في عقد الربا: هل هو منسوخ لا يجوز بحال أو بيع فاسد إذا أزيل فساده صح بيعه؟ فجمهور العلماء على أنه بيع منسوخ، وقال أبو حنيفة: هو بيع فاسد إذا أزيل عنه ما يفسده انقلب صحيحاً. ٢٨٦ ٣٤ - كِتَابُ البُيُوعِ / باب (٢٤) ٣٦/ ٢٠٨٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قال حدَّثنا غُنْدَرٌ قال حدثنا شُعْبَةُ عنْ مَنْصُورٍ عَنْ أبِي الضُّحَى عنْ مَسْرُوقٍ عن عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ لَمَّا نَزَلَتْ آخِرُ البَقَرَةِ قَرَأْهُنَّ النبيُّ عَّلِ عَلَيْهِمْ فِي المَسْجِدِ ثُمَّ حَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الحَمْرِ. [انظر الحديث ٤٥٩ وأطرافه]. مطابقته للآية التي هي مثل الترجمة من حيث إن آيات الربا التي في آخر سورة البقرة مبينة لأحكامه وذامة لآكليه، فإن قلت: ليس في الحديث شيء يدل على كاتب الربا وشاهده؟ قلت: لما كانا معاونين على الأكل صارا كأنهما قائلان أيضاً: إنما البيع مثل الربا، أو كانا راضيين بفعله، والرضى بالحرام حرام أو عقد الترجمة لهما ولم يجد حديثاً فيهما بشرطه، فلم يذكر شيئاً. والحديث قد مضى في أبواب المساجد في: باب تحريم تجارة الخمر في المسجد، فإنه أخرجه هناك عن عبدان عن أبي حمزة عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عائشة، وأخرجه هنا: عن محمد بن بشار عن غندر، وهو لقب محمد بن جعفر البصري، وأبو الضحى اسمه: مسلم بن صبيح الكوفي، وقد مر الكلام فيه هناك مستوفىّ. ٢٠٨٥/٣٧ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ قال حدَّثنا أبو رجَاءٍ عنْ سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ رضي الله تعالى عنه قال قال النبيُّ عَّهِ رَأيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فأخْرَ جَانِي إِلَّى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَيْنَا عَلَى نَهْرٍ منْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ وعَلَى وسَطِ النَّهْرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهْرِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ فَقُلْتُ ما هَذَا فقال الَّذِي رَأيْتَهُ فِي النَّهْرِ آكِلُ الرِّبَا. [انظر الحديث ٨٤٥ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((الذي رأيته في النهر آكل الربا))، وهذا الحديث قد تقدم في كتاب الجنائز بعد: باب ما قيل في أولاد المشركين في: باب، كذا مجرداً عن ترجمة فإنه أخرجه هناك مطولاً بعين هذا الإسناد، وقد مر الكلام فيه مبسوطاً. وأبو رجاء اسمه عمران العطاردي. قوله: ((رأيت)) من الرؤيا، ويروى: ((أريت))، بضم الهمزة على صيغة المجهول. قوله: ((في أرض مقدسة))، بالتنكير للتعظيم. قوله: ((وعلى وسط النهر)) هكذا بالواو، ويروى: ((على وسط النهر))، بلا: واو، فعلى الرواية الأولى: الواو، للحال ولكن فيه المبتدأ محذوف تقديره: وهو على وسط النهر، وعلى الرواية الثانية يكون: على، متعلقة بقوله: ((قائم)). فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون: رجل، في قوله: ((رجل بين يديه حجارة)) مبتدأ. وقوله: ((وعلى وسط النهر)) يكون خبره مقدماً؟ قلت: لا يجوز، لأنه جاء في رواية: ((ورجل بين يديه حجارة)) بالواو، ولا يجوز دخول الواو بين المبتدأ والخبر، ولأن الرجل الذي بين يديه حجارة هو على شط النهر لا على وسطه، كما تقدم في آخر كتاب الجنائز. ٢٨٧ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٢٥) ٢٥ - بابُ مُوكِلِ الرِّبا أي: هذا باب في بيان إثم موكل الربا أي مطعمه، وهو بضم الميم وكسر الكاف، اسم فاعل من مزيد أكل وهو: أء كل، بهمزتين، فقلبت الهمزة الثانية التي هي من نفس الكلمة ألفاً لانفتاح ما قبلها، فصار: آكل، على وزن: افعل، واسم الفاعل منه: موكل، على وزن: مفعل، وأصله، مؤكل، بهمزة ساكنة بعد ميم فقلبت واواً لضمة ما قبلها. لِقَوْلِهِ تعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأُذَنُوا بحَرْبٍ مِنَ الله ورَسُولِهِ وإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ ولاً تُظْلَمُونَ وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَّةٍ وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ واتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى الله ثُمَّ تُوفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٨١]. لقوله تعالى، وفي بعض النسخ: لقول الله تعالى، اللام فيه للتعليل لأن موكل الربا وآكلها آثمان، لأن الله تعالى نهى عنه بقوله: ﴿وذروا ما بقي من الربا﴾ [البقرة: ٢٧٨]. فأمر الله عباده المؤمنين بتقواه ناهياً لهم عما يقربهم إلى سخطه ويبعدهم عن رضاه، فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله﴾ [البقرة: ٢٧٨]. أي: خافوه وراقبوه فيما تفعلون: ﴿وذروا﴾ [البقرة: ٢٧٨]. أي اتركوا. ﴿ما بقي من الربا﴾ وغير ذلك، وقد ذكر زيد بن أسلم وابن جريج ومقاتل بن حبان والسدي أن هذا السياق نزل في بني عمرو بن عمير من ثقيف، وبني المغيرة من بني مخزوم، كان بينهم رباً في الجاهلية، فلما جاء الإسلام ودخلوا فيه طلب ثقيف أن يأخذه منهم، فتشاجروا، وقال بنو المغيرة: لا نؤدي الربا في الإسلام، فكتب في ذلك عتاب بن أسيد، نائب مكة، إلى رسول الله، عَّ ◌ُلّه، فنزلت هذه الآية، فكتب بها رسول الله عَّ إليه: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأُذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩]. فقالوا: نتوب إلى الله ونذر ما بقي من الربا، فتركه كلهم. قوله: ﴿فَأُذنوا بحرب من الله﴾ [البقرة: ٢٧٩]. قال ابن عباس أي: استيقنوا بحرب من الله ورسوله، وعن سعيد بن جبير، قال: يقال، يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، ثم قرأ: ﴿فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ [البقرة: ٢٧٩]. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ [البقرة: ٢٧٩]. فمن كان مقيماً على الربا لا ينزع منه، فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع وإلاّ ضرب عنقه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الأعلى حدثنا هشام بن حسان عن الحسن وابن سيرين أنهما قالا: والله إن هؤلاء الصيارفة لآكلة الربا، وأنهم قد أذنوا بحرب من الله ورسوله، ولو كان على الناس إمام عادل لاستتابهم، فإن تابوا وإلاّ وضع فيهم السلاح. قوله: ﴿وإن تبتم﴾ [البقرة: ٢٧٩]. أي: عن الربا: ﴿فلكم ٢٨٨ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٢٥) رؤوس أموالكم﴾ [البقرة: ٢٧٩]. من غير زيادة، ﴿ولا تَظلِمون﴾ [البقرة: ٢٧٩]. بأخذ زيادة ﴿ولا تظلمون﴾ [البقرة: ٢٧٨]. بوضع رؤوس الأموال، بل لكم ما بذلتم من غير زيادة عليه ولا نقصان منه. قوله: ﴿وإن كان ذو عسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠]. أي: وإن كان الذي عليه الدين إما أن تقضي وإما أن تربي، ثم ندب الله تعالى إلى الوضع عنه وحرضه على ذلك الخير والثواب الجزيل. بقوله: ﴿وإن تصدَّقوا خير لكم﴾ [البقرة: ٢٨٠]. وروى الطبراني من حديث أبي أمامة أن أسعد بن زرارة قال: قال رسول الله عَّ: ((من سره أن يظله الله في ظله، يوم لا ظل إلاَّ ظله فلييسر على كل معسر أو ليضع عنه)). وروى أحمد من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه، قال: سمعت النبي عَ لَّه يقول: ((من أنظر معسراً فله بكل يوم مثله صدقة، ثم سمعته يقول: من أنظر معسراً فله بكل يوم مثلاه صدقة، قلت: سمعتك يا رسول الله تقول: من أنظر معسراً فله بكل يوم مثله صدقة، ثم سمعتك تقول: من أنظر معسراً فله بكل يوم مثلاه صدقة، قال: له بكل يوم مثله صدقة، قبل أن يحل الدين، فإذا حل الدين فأنظره فله بكل يوم مثلاه صدقة))، وروى الحاكم من حديث سهل بن حنيف أن رسول الله عَِّ قال: ((من أعان مجاهداً في سبيل الله أو غازياً أو غارماً في عسرته أو مكاتباً في رقبته أظله الله في ظله يوم لا ظل إلاَّ ظله)). وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والأحاديث في هذا الباب كثيرة. قوله: ﴿واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله﴾ [البقرة: ٢٨١]. أي: اتقوا عذاب يوم، ويجوز أن يكون على ظاهرة، لأن يوم القيامة يوم مخوف. قوله: ﴿ترجعون فيه﴾ [البقرة: ٢٨١]. أي: تردون فيه ﴿إِلى الله﴾ [البقرة: ٢٨١]. أي: إلى حسابه وجزائه. قوله: ﴿ثم توفَّى كل نفس﴾ [البقرة: ٢٨١]. أي: تُجازى كل نفس بما كسبت من الخير والشر. ﴿وهم لا يظلمون﴾ [البقرة: ٢٨١]. لأن الله عادل لا ظلم عنده، لا يظلم عنده. قال ابنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلى النبيِّ عَ لَّه هذه إشارة إلى آية الربا، وهذا التعليق رواه البخاري مسنداً في التفسير، فقال: ((حدثنا قبيصة حدثنا سفيان عن عاصم عن الشعبي عن ابن عباس: آخر آية نزلت آية الربا)). وقال ابن التين عن الداودي ((عن ابن عباس: آخر آية نزلت ﴿اتقوا يوماً ترجمعون فيه إلى الله﴾ [البقرة: ٢٨١]. قال: فإما أن يكون وهم من الرواة لقربها منها، أو غير ذلك. انتهى. وأجيب: بأنه ليس بوهم، بل هاتان الآيتان نزلتا جملة واحدة، فصح أن يقال لكل منهما آخر آية. وروى عن البراء أن آخر آية نزلت: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ [النساء: ١٧٦]. وقال أبي بن كعب، رضي الله تعالى عنه: آخر آية نزلت: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ [التوبة: ١٢٨]. وقيل: إن قوله تعالى: ﴿واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله﴾ [البقرة: ٢٨١]. إنها نزلت يوم النحر بمنى في حجة الوداع، وروى الثوري عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، قال: آخر آية نزلت: ﴿واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله﴾ [البقرة: ٢٨١]. فكان بين نزولها وبين موت النبي عَ لّهِ أحد وثلاثون يوماً. وقال ابن جريج: يقولون إن النبي عَّه عاش بعدها تسع ليال، وبدىء يوم السبت ومات يوم الإثنين، رواه ابن جرير، وقال مقاتل: توفي النبي ٢٨٩ ٣٤ - كِتَابُ البُوعِ / باب (٢٥) عَِّ بعد نزولها بسبع ليالٍ. ٢٠٨٦/٣٨ - حدّثنا أبُو الوَلِيدِ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَوْنِ بنِ أبِي جُحَيْفَةَ قال رأيتُ أبِي اشْتَرَى عَبْداً حَجَّاماً فأمَرَ بِمَحَاجِمِهِ فَكُسِرَتْ فَسَألْتُهُ فقال نَهَى النبيُّ عَ لّه عن ثَمَنٍ الْكَلْبِ وَثَمَنِ الدَّمِ ونَهَى عنِ الوَاشِمَةِ والمَوْشُومَةِ وآكِل الرِّبَا ومُوكِلِهِ وَلَعَنَ المُصَوِّرَ. [الحديث ٢٠٨٦ - أطرافه في: ٢٢٣٨، ٥٣٤٧، ٥٩٤٥، ٥٩٦٢]. مطابقته للترجمة في قوله: ((وآكل الربا وموكله))، وأبو الوليد اسمه هشام بن عبد الملك الطيالسي البصري، وعون، بفتح العين المهملة وسكون الواو وفي آخره نون، وأبو جحيفة، بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الفاء، واسمه وهب بن عبد الله أبو جحيفة السوائي، وقد مر فيما مضى. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في البيوع عن حجاج بن منهال، وفي الطلاق عن آدم، وفي اللباس عن سليمان بن حرب وعن أبي موسى عن غندر، وهذا الحديث من أفراده وفي بعض طرقه زيادة: كسب الأمة، وفي أخرى: كسب البغي، وتفرد منه بلعن المصور أيضاً. ذكر معناه: قوله: ((بمحاجمه))، بفتح الميم جمع: محجم، بكسر الميم وهو الآلة التي يحجم بها الحجام. قوله: ((فسألته))، أي: فسألت أبي، الظاهر أن سؤاله عن سبب مشتراه، ولكن لا يناسب جوابه بقوله: ((نهى النبي عَّ)). ولكن فيه اختصار بينه في آخر البيوع من وجه آخر عن شعبة بلفظ: ((اشترى حجاماً فأمر بمحاجمه فكسرت فسألته عن ذلك))، ففيه البيان بأن السؤال إنما وقع عن كسر المحاجم، وهو المناسب للجواب، وسأل الكرماني هنا بقوله: فلِمَ اشتراه؟ ثم أجاب: بأنه اشتراه ليكسر محجمه ويمنعه عن تلك الصناعة. قلت: فيه نظر لا يخفى، بل الصواب ما ذكرناه، وهو أيضاً تنبيه على هذا حيث قال: وفي بعض الرواية بعد لفظ حجاماً: ((فأمر بمحاجمه فكسرت فسألته))، يعني: عن الكسر. قوله: ((وثمن الدم))، يعني: أجرة الحجامة، وأطلق الثمن عليه تجوزاً. قوله: ((الواشمة))، هي فاعلة، الوشم، والموشومة مفعوله، والوشم أن يغرز يده أو عضواً من أعضائه بإبرة ثم يذر عليها النيل ونحوه. قوله: ((وآكل الربا))، أي: ونهى آكل الربا عن أكله، وكذا نهى موكله عن إطعامه غيره، ويقال: المراد من الآكل آخذه كالمستقرض، ومن الموكل معطيه كالمقرض، والنهي في هذا كله عن الفعل، والتقدير: عن فعل الواشمة، وفعل الموشومة، وفعل الآكل وفعل الموكل، وخص الآكل من بين سائر الانتفاعات لأنه أعظم المقاصد. قوله: ((ولعن المصور)»، عطف على قوله: ((نهى)، ولولا أن المصور أعظم ذنباً لما لعنه النبي عَ له. ذکر ما يستفاد منه: وهو على وجوه: الأول: فيه جواز شراء العبد الحجام، وسؤال عون بن جحيفة عن أبيه إنما كان عن كسر محاجمه لا عن شرائه إياه، كما ذكرناه. عمدة القاري/ ج١١ م ١٩ ٢٩٠ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٢٥) الثاني: فيه: النهي عن ثمن الكلب. وفيه: اختلاف العلماء، فقال الحسن وربيعة وحماد بن أبي سليمان والأوزاعي والشافعي وأحمد وداود ومالك في رواية: ثمن الكلب حرام. وقال ابن قدامة: لا يختلف المذهب في أن المذهب في أن بيع الكلب باطل على كل حال، وكره أبو هريرة ثمن الكلب، ورخص في كلب الصيد خاصة، وبه قال عطاء والنخعي. واختلف أصحاب مالك، فمنهم من قال: لا يجوز، ومنهم من قال: الكلب المأذون في إمساكه يكره بيعه ويصح ولا تجوز إجارته، نص عليه أحمد، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي. وقال بعضهم: يجوز، وقال مالك في (الموطأ): أكره ثمن الكلب الضاري وغير الضاري لنهيه، عَّه، عن ثمن الكلب. وفي (شرح الموطأ) لابن زرقون: واختلف قول مالك في ثمن الكلب المباح اتخاذه، فأجازه مرة ومنعه أخرى، ويإجازته قال ابن كنانة وأبو حنيفة: قال سحنون: ويحج بثمنه، وروى عنه ابن القاسم أنه كره بيعه. وفي (المدونة): كان مالك يأمر ببيع الكلب الضاري في الميراث والدين والمغانم، ويكره بيعه للرجل ابتداء. قال يحيى ابن إبراهيم. قوله: ((في الميراث))، يعني: لليتيم، وأما لأهل الميراث البالغين فلا يباع إلاَّ في الدين والمغانم، وروى أبو زيد عن ابن القاسم: لا بأس باشتراء كلاب الصيد ولا يجوز بيعها، وقال أشهب في ديوانه عن مالك: يفسخ بيع الكلب إلاّ أن يطول، وحكى ابن عبد الحكم: أنه يفسخ وإن طال. وقال ابن حزم في (المحلى): ولا يحل بيع كلب أصلاً لا كلب صيد ولا كلب ماشية ولا غيرهما. فإن اضطر إليه ولم يجد من يعطيه إياه فله ابتياعه، وهو حلال للمشتري حرام للبائع، ينتزع منه الثمن متى قدر عليه كالرشوة في دفع الظلم. وفداء الأسير ومصانعة الظالم. ثم قال: وهو قول الشافعي ومالك وأحمد وأبي سليمان وأبي ثور وغيرهم انتھی. وقال عطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وابن كنانة وسحنون من المالكية: الكلاب التي ينتفع بها يجوز بيعها وتباح أثمانها. وعن أبي حنيفة: أن الكلب العقور لا يجوز بيعه ولا يباح ثمنه، وفي (البدائع): وأما بيع ذي ناب من السباع سوى الخنزير: كالكلب والفهد والأسد والنمر والذئب والدب والهر ونحوها، جائز عند أصحابنا. وقال الشافعي: لا يجوز بيع الكلب. ثم عندنا: لا فرق بين المعلم وغيره، وفي رواية الأصيلي: فيجوز بيعه كيف ما كان. وعن أبي يوسف أنه: لا يجوز بيع الكلب العقور. وأجاب الطحاوي عن النهي الذي في هذا الحديث وغيره أنه حين كان حكم الكلاب أن تقتل، وكان لا يحل إمساكها، وقد وردت فيه أحاديث كثيرة، فما كان على هذا الحكم فثمنه حرام، ثم لما أبيح الانتفاع بالكلاب للاصطياد ونحوه، ونهى عن قتلها، نسخ ما كان من النهي عن بيعها وتناول ثمنها. فإن قلت: ما وجه هذا النسخ؟ قلت: ظاهر، لأن الأصل في الأشياء الإباحة، فلما ورد النهي عن اتخاذها ورد الأمر بقتلها علمنا أن اتخاذها حرام، وأن بيعها حرام، وما كان الانتفاع به حراماً فئمنه حرام كالخنزير، ثم لما وردت الإباحة بالانتفاع ٢٩١ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٢٦) بها للاصطياد ونحوه، وورد النهي عن قتلها، علمنا أنما كان قبل من الحكمين المذكورين قد انتسخ بما ورد بعده، ولا شك أن الإباحة بعد التحريم نسخ لذلك التحريم، ورفع لحكمه. الثالث: فيه النهي عن ثمن الدم، وهو أجرة الحجامة. فقال الأكثرون: النهي فيه على التنزيه على المشهور، وذلك لأنه، عَّله، احتجم وأعطى الحجام أجره، ولو كان حراماً لم يعطه. ونقل ابن التين عن كثير من العلماء أنه جائز من غير كراهة، كالبناء والخياط وسائر الصناعات. وقالوا: يعني نهيه عن ثمن الدم، أي: السائل الذي حرمه الله. وقال أبو حنيفة، رضي الله تعالى عنه: أجرة الحجام من ذلك، أي: لا يجوز أخذه، وهو قول أبي هريرة والنخعي، واعتلوا بأنه عَّمِ نهى عن مهر البغي وكسب الحجام، فجمع بينهما. ومهر البغي حرام إجماعاً، فكذلك كسب الحجام. وأما الذين حملوا النهي على التنزيه فاستدلوا أيضاً بقوله لمحيصة: أعلفه ناضحك وأطعمه رقيقك. وقال آخرون: يجوز للمحتجم إعطاء الحجام الأجرة ولا يجوز للحجام أخذها، رواه ابن جرير عن أبي قلابة، وعلته أن النبي عَّ له أعطى الحجام أجراً، فجائز لهذا الاقتداء بالنبي عَّله في أفعاله، وليس للحجام أخذها للنهي عن كسبه. وبه قال ابن جرير، إلاَّ أنه قال: إن أخذ الأجرة رأيت له أن يعلف به ناضحه ومواشيه ولا يأكله، فإن أكله لم أرَ بأكله حراماً. وفي (شرح المهذب): قال الأكثرون لا يحرم أكله لا على الحر ولا على العبد، وهو مذهب أحمد المشهور، وفي رواية عنه، وقال بها فقهاء المحدثين يحرم على الحر دون العبد لحديث محيصة المذكور. الرابع: في النهي عن فعل الواشمة والموشومة، لأنه من عمل الجاهلية، وفيه تغيير لخلق الله تعالى، وروى الترمذي من حديث ابن عمر عن النبي عَّ له، قال: ((لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة))، قال نافع: الوشم في اللثة، وأخرجه البخاري أيضاً في اللباس على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى، وعن عبد الله ((أن النبي عَ ◌ّ لعن الواشمات والمستوشمات والمتنمصات مبتغيات للحسن مغيرات خلق الله))، أخرجه الجماعة. الخامس: آكل الربا وموكله، وإنما اشتركا في الإثم، وإن كان الرابح أحدهما لأنهما في الفعل شريكان، وسيأتي في آخر البيوع وفي آخر الطلاق أنه: لعن آكل الربا وموكله. السادس: في التصوير، وهو حرام بالإجماع، وفاعله يستحق اللعنة، وجاء أنه يقال للمصورين يوم القيامة: أحيوا ما خلقتم. وظاهر الحديث العموم، ولكن خفف منه تصوير ما لا روح فيه: کالشجر، ونحوه. ٢٦ - بابٌ ﴿يَمْحَقُ الله الرِّبَا ويُزبي الصَّدَقاتِ والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أثِيم﴾ [البقرة: ٢٧٦]. أي: هذا باب يذكر فيه قوله تعالى: ﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾ [البقرة: ٢٧٦]. الآية. ويمحق: من محق يمحق محقاً من باب فعل يفعل بفتح العين فيهما، والمحق النقصان وذهاب البركة. وقيل: هو أن يذهب كله حتى لا يرى منه أثر. ومنه: ﴿يمحق الله ٢٩٢ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٢٦) الربا﴾ [البقرة: ٢٧٦]. أي: يستأصله ويذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخل فيه. وفي تفسير الطبري عن ابن مسعود: أن النبي، عَّهِ، قال: ((الربا وإن كثر فإلى قل)). وقال المهلب: سئل بعض العلماء، وقيل: نحن نرى صاحب الربا يربو ماله، وصاحب الصدقة إنما كان مقلاً. فقال: يربي الصدقات، يعني: أن صاحبها يجدها مثل أحد يوم القيامة، وصاحب الربا يجد عمله ممحوقاً إن تصدق به أو وصل رحمه، لأنه لم يكتب له بذلك حسنة، وكان عليه إثم الربا. وقال ابن بطال: وقالت طائفة إن الربا يمحق في الدنيا والآخرة على عموم اللفظ. وقال عبد الرزاق عن معمر: أنه قال: سمعنا أنه لا يأتي على صاحب الربا أربعون سنة حتى يمحق. قوله: ﴿يربي الصدقات﴾ [البقرة: ٢٧٦]. أي: يزيدها من الإرباء. قال الطبري: الإرباء: الزيادة على الشيء. يقال منه: أربى فلان على فلان إذا زاد عليه، وقرىء: ويربِّي، بضم الياء وفتح الراء وكسر الباء المشددة من التربية، كما في (الصحيح): ((من تصدق بعدل تمرة ... )) الحديث، وفيه: ((ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوه حتى يكون مثل الجبل)). وفي رواية ابن جرير: ((وأن الرجل ليتصدق باللقمة فتربو في يد الله، أو قال - في كف الله - حتى يكون مثل أحد، فتصدقوا)) وهكذا رواه أحمد أيضاً، وهذا طريق غريب صحيح الإسناد ولكن لفظه عجيب، والمحفوظ ما تقدم. قوله: ﴿والله لا يحب كل كفار أثيم﴾ [البقرة: ٢٧٦]. أي: لا يحب كفور القلب أثيم القول والفعل. ومناسبة ختم هذه الآية بهذه الصفة هي أن المرابي لا يرضى بما أعطاه الله من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من التكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل. وقال الطبري: والله لا يحب كل مصر على كفر مقیم علیه مستحل أكل الربا. ٢٠٨٧/٣٩ - حدّثنا يَحْتِى بِنُ بُكَثِرٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ قال ابنُ المُسَيَّبِ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال سَمِعْتُ رسولَ الله عَلَِّ يَقُولُ: الحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ. مطابقته للترجمة من حيث إنه كالتفسير لها، لأن الربا الزيادة والمحق النقص، فيقال: كيف تجتمع الزيادة والنقص؟ فأوضح الحديث أن الحلف الكاذب، وإن زاد في المال، فإنه يمحق البركة، فكذلك قوله تعالى: ﴿يمحق الله الربا﴾ [البقرة: ٢٧٦]. أي: يمحق البركة من البيع الذي فيه الربا وإن كان العدد زائداً، لكن محق البركة يفضي إلى اضمحلال العدد في الدنيا، كما في حديث ابن مسعود، رواه ابن ماجه وأحمد، وقد ذكرناه عن قريب، وقال الكرماني: وجه تعلق الحديث بالترجمة هو أن المقصود أن طلب المال بالمعصية مذهب للبركة مآلاً وإن كان محصلاً له حالاً. قلت: هذا وجه بعيد، لأن طلب المال بالمعصية هو طلبه بالربا، والحديث في الحلف كاذباً، فمن أين تأتي المناسبة بهذا الوجه؟ والوجه ما ذكرناه، ويحيى بن بكير، بضم الباء الموحدة: هو يحيى بن عبد الله بن بكير المصري، والليث ابن سعد المصري، ويونس ابن يزيد الأيلي، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري ٢٩٣ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوع / باب (٢٧) المدني، وابن المسيب هو: سعيد بن المسيب بن حزن، كان ختن أبي هريرة على ما أبنته، وأعلم الناس بحديث أبي هريرة. والحديث أخرجه مسلم في البيوع أيضاً. عن زهير بن حرب، وعن أبي الطاهر بن السرح وحرملة بن يحيى. وأخرجه أبو داود فيه عن ابن السرح وعن أحمد بن صالح. وأخرجه النسائي فيه عن ابن السرح به. قوله: ((الحلف))، بفتح الحاء المهملة وكسر اللام وعن ابن فارس: بسكون اللام أيضاً، وأراد به اليمين الكاذبة. قوله: ((منفقة))، بفتح الميم وسكون النون وفتح الفاء والقاف على وزن: مفعلة، بلفظ اسم المكان من: نفق المبيع إذا راج ضد كسد. قوله: ((ممحقة))، كذلك بفتح الميم من المحق، وقد مر تفسيره عن قريب، وقال ابن التين: كلاهما بفتح الميم قلت: كلاهما بلفظ اسم المكان للمبالغة، وهما في الأصل مصدران ميميان، والمصدر الميمي يأتي للمبالغة، ويروى كلاهما بصيغة اسم الفاعل، يعني: بضم الميم فيهما وكسر الحاء في ممحقة، والفاء في منفقة. فإن قلت: الحلف مبتدأ ومنفقة خبره، والمطابقة بين المبتدأ والخبر شرط في التذكير والتأنيث. قلت: التاء في منفقة وممحقة ليست للتأنيث بل هي للمبالغة، وقوله: ممحقة خبر بعد خبر. ٢٧ - بابُ ما يُكْرَهُ مِنَ الحَلِفِ فِي البَيْعِ أي: هذا باب في بيان كراهة الحلف في البيع مطلقاً: يعني: سواء كان صادقاً أو كاذباً، فإن كان صادقاً فكراهة تنزيه، وإن كان كاذباً فكراهة تحريم. ٤٠ / ٢٠٨٨ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ مُحَمَّدٍ قال حدثنا هُشَيْمٌ قال أخبرنا الْعَوَّامُ عنْ إبْرَاهِيمَ ابنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أبِي أوفى رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رَجُلاً أقامَ سِلْعَةٌ وَهْوَ فِي الشُّوقِ فَحَلَفَ بالله لَقَدْ أعْطَى بِهَا ما لَمْ يُعْطَ لِيُوقِعَ فِيها رَجُلاً مِنَ المُسْلِمِينَ فَتَزَلَتْ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧]. [الحديث ٢٠٨٨ - طرفاه في: ٢٦٧٥، ٤٥٥١]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وعمرو بن محمد الناقد البغدادي، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وهشيم، بضم الهاء: ابن بشير، بضم الباء الموحدة: الواسطي، والعوام - على وزن فعال - ابن حوشب الشيباني الواسطي، مات سنة ثمان وأربعين ومائة وإبراهيم بن عبد الرحمن السكسكي أبو إسماعيل الكوفي، وعبد الله بن أبي أوفى - بلفظ أفعل التفضيل - واسم أبي أوفى علقمة الأسلمي، له ولأبيه صحبة، وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة، وهو من جملة من رآه أبو حنيفة من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم. والحديث من أفراد البخاري، وأخرجه أيضاً في التفسير عن علي بن أبي هاشم وفي الشهادات عن إسحاق عن يزيد بن هارون. قوله: ((أقام)) أي: روَّج، يقال: قامت السوق أي: راجت ونفقت. والسلعة: المتاع، ! ٢٩٤ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٢٨) والواو في قوله: وهو، للحال. قوله: ((بالله))، يحتمل أن يكون صلة: لحلف، وأن لا يكون صلة له، بل قسم. وقوله: ((ولقد)) جواب قسم. قوله: ((بها)) أي: بدل سلعته، أي: حلف بأنه أعطى كذا وكذا وما أخذت، ويكذب فيه، ترويجاً لسلعته. قوله: ((ليوقع))، أي: لأن يوقع فيها، أي: في سلعته، رجلاً من المسلمين الذين يريدون الشراء. قوله: ((فنزلت هذه الآية))، وهي: ﴿إِن الذين يشترون﴾ [آل عمران: ٧٧]. الآية نزلت فيمن يحلف يميناً فاجرة لينفق سلعته، وقيل: نزلت في الأشعث بن قيس، نازع خصماً في أرض فقام ليحلف فنزلت. قلت: روى الإمام أحمد، قال: حدثنا يحيى بن آدم حدثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجود عن شقيق بن سلمة حدثنا عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله، عَ له: ((من اقتطع مال امرىء مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان)). قال: فجاء الأشعث بن قيس. فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ فحدثناه، فقال: فيَّ كان هذا الحديث، خاصمت ابن عم لي إلى رسول الله، عَ لّه، في بئر كانت لي في يده، فجحدني، فقال رسول الله، عَ ظله: ببينتك أنها بترك وإلاّ فبيمينه. قال: قلت: يا رسول الله! ما لي بينة، وإن تجعلها بيمينه ويذهب بئري، إن خصمي امرؤ فاجر. فقال رسول الله، عَّ له: ((من اقتطع .. )) الحديث. قال: وقرأ رسول الله، عَّلِ هذه الآية: ﴿إِن الذين يشترون﴾ [آل عمران: ٧٧]. إلى قوله: ﴿ولهم عذاب أليم﴾ [آل عمران: ٧٧]. وفي (تفسير الطبري): نزلت في أبي رافع وكنانة ابن أبي الحقيق وحيي بن أخطب، وقال الزمخشري: نزلت في الذين حرفوا التوراة، وقال مقاتل: نزلت في رؤوس اليهود: كعب بن الأشرف وابن صريا. قوله: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله﴾ [آل عمران: ٧٧]. أي: بما عاهدوه من الإيمان والإقرار بوحدانيته. قوله: ﴿وأيمانهم﴾ [آل عمران: ٧٧]. أي: وأيمانهم الكاذبة ﴿ثمناً قليلاً﴾ [آل عمران: ٧٧]. أي: عوضاً يسيراً ﴿أولئك لا خلاق لهم﴾ [آل عمران: ٧٧]. أي: لا نصيب لهم في الآخرة ولا حظ لهم منها. قوله: ﴿ولا يكلمهم الله﴾ [آل عمران: ٧٧]. أي: كلام لطيف، ولا ينظر إليهم بعين الرحمة، ولا يزكيهم من الذنوب والأدناس، وقيل: لا يثني عليهم، بل يأمر بهم إلى النار ﴿ولهم عذاب أليم﴾ [آل عمران: ٧٧]. وقال ابن أبي حاتم عن أبي العالية: الأليم: الموجع في القرآن كله. قال: وكذلك فسره سعيد بن جبير والضحاك ومقاتل وقتادة وأبو عمران الجوني، وما يتعلق بهذه الآية الكريمة ما رواه الإمام أحمد من حديث أبي ذر، قال: قال رسول الله، عَّ: ((ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. قلت: يا رسول الله! من هم خسروا وخابوا؟ قال، وأعاد رسول الله عَ له ثلاث مرات: المسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، والمنَّان)). ورواه مسلم وأهل السنن من طريق شعبة، وروى أحمد أيضاً من حديث أبي ذر وفيه: «ثلاثة يشنأهم الله: التاجر الحلاف، أو قال البائع الحلاف، والفقير المختال، والبخيل المنان)). ٢٨ - بابُ ما قِيلَ فِي الصَّوَّاغِ أي: هذا باب في بيان ما قيل في حق الصواغ، والمراد بهذه الترجمة والتراجم التي ٢٩٥ ٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (٢٨) بعدها من أصحاب المصانع التنبيه على أن هذه كانت في زمن النبي عَّه، وأنه أقرها مع العلم بها، فكان كالنص على جوازها، وما لم يذكر يعمل فيه بالقياس، والصواغ، بفتح الصاد على وزن فعال بالتشديد، هو الذي يعمل الصياغة، وبضم الصاد جمع صائغ. وقال طاؤسّ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال النبيُّ عَُّلَّه لاَ يُخْتَلَى خَلَها وقالَ الْعَبَّاسُ إلَّ الإِذْخِرَ فإنَّهُ لِقَئِهِمْ وبُيُوتِهِمْ فقال: إلَّ الإذْخِرَ مطابقته للترجمة في قوله: ((لقينهم))، لأن القين يطلق على: الحداد والصائغ، قاله ابن الأثير، وهذان التعليقان أسندهما البخاري في كتاب الحج في: باب لا ينفر صيد الحرم. وقد مر الكلام فيه هناك مستوفىّ. قوله: ((لا يختلى))، بالخاء المعجمة أي: لا يقطع، والخلا بفتح الخاء مقصوراً: الرطب من الحشيش. ٢٠٨٩/٤١ _ حدَّثنا عَبْدَانُ قال أخبرنا عَبْدُ الله قال أخبرنا يُونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ قال أخبرني عَلِيُّ بنُ حُسَيْنٍ أنَّ حُسَيْنَ بنَ عَلِيٍّ رضي الله تعالى عنهما قال أخْبَرَهُ أَنَّ عليّاً عَلَيْهِ السَّلامُ قال كانَتْ لِي شَارِفٌ منْ نَصِيبِي مِنَ المَغْنَمِ وكانَ النبيُّ عَ لّهِ أَعْطَانِي شارِفاً مِنَ الخُمْسِ فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَبْتَنِيَ بِفَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَّمُ بِنْتِ رسولِ اللهِعَ الِ وَاعَدْتُ رَجُلاً صَوَّاغاً مِنْ بِنِي قَيْنُقَاعَ أنْ يَرْتَحِلَ مَعِي فَأْتِي بِإِذْخِرٍ أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ مِنَ الصَّوَّاغِينَ وأُسْتَعِينَ بِهِ في ولِيمَةِ عُرْسِي. [الحديث ٢٠٨٩ - أطرافه في: ٢٣٧٥، ٣٠٩١، ٤٠٠٣، ٥٧٩٣]. مطابقته للترجمة في قوله: ((من الصواغين)). ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: عبدان، لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة الأزدي. الثاني: عبد الله بن المبارك. الثالث: يونس بن يزيد. الرابع: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. الخامس: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنهم. السادس: حسين بن علي بن أبي طالب، أبو عبد الله أخو الحسن بن علي. السابع: علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك في موضعين وبصيغة الإفراد في موضعين. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: رواية ابن شهاب بالإسناد المذكور، يقال: هو أصح الأسانيد. وفيه: أن شيخه وشيخ شيخه مروزيان ويونس أيلي والبقية مدنيون. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في اللباس وفي الخمس عن عبدان به، وأخرجه في المغازي عن أحمد بن صالح وفي الشرب عن إبراهيم بن موسى. وأخرجه مسلم في الأشربة عن محمد بن عبد الله عن عبدان به، وعن يحيى بن يحيى وعن عبد بن حميد وعن أبي بكر بن إسحاق. وأخرجه أبو داود في الخراج عن أحمد بن صالح. ٢٩٦ ٣٤ - كِتَابُ البُيُوعِ / باب (٢٨) ذكر معناه: قوله: ((شارف))، بالشين المعجمة وفي آخره فاء، على وزن فاعل، وهي المسنة من النوق. وعن الأصمعي: شارف وشروف، قال سيبويه: جمع الشارف شرف، كالقول في البازل يعني: خرج نابها. وعن أبي حاتم: شارفة والجمع شوارف. ولا يقال للبعير شارف. وعن الأصمعي أنه يقال للذكر شارف وللأنثى شارفة، ويجمع على شرف، ولم أسمع فعل جمع فاعل إلاَّ قليلاً. قوله: ((من المغنم))، وفي لفظ: ((كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر))، وقال ابن بطال: لم يختلف أهل السير أن الخمس لم يكن يوم بدر، وذكر إسماعيل بن إسحاق القاضي أنه كان في غزوة بني النضير حين حكم سعد قال، وأحسب أن بعضهم قال: نزل أمر الخمس بعد ذلك، وقيل: إنما كان الخمس بعد ذلك يقيناً في غنائم حنين، وهي آخر غنيمة حضر بها رسول الله عَّه، قال: وإذا كان كذلك فيحتاج قول علي، رضي الله تعالى عنه، إلى تأويل قلت: ذكر ابن إسحاق عبد الله بن جحش لما بعثه النبي عَّ في السنة الثانية إلى نخلة في رجب، وقيل: عمرو بن الحضرمي وغيره، واستاقوا الغنيمة، وهي أول غنيمة قسم ابن جحش الغنيمة وعزل لرسول الله عَّه وذلك قبل أن يفرض الخمس، فأخر رسول الله عَّمِ أمر الخمس والأسيرين، ثم ذكر خروج رسول الله عَ لّم إلى بدر في رمضان فقسم غنائمها مع الغنيمة الأولى وعزل الخمس، فيكون قول علي، رضي الله تعالى عنه: شارفاً من نصيبي من الغنم، يريد: يوم بدر، ويكون قوله: وكان رسول الله عَ ليه أعطاني شارفاً قبل ذلك من الخمس، يعني: قبل يوم بدر من غنيمة ابن جحش. وقال ابن التين: فيه دليل على أن آية الخمس نزلت يوم بدر، لأنه لم يكن قبل بنائه بفاطمة، رضي الله تعالى عنها، مغنم إلاّ يوم بدر، وذلك كله سنة ثنتين من الهجرة في رمضان، وكان بناؤه بفاطمة بعد ذلك، وذكر أبو محمد في (مختصره): أنه تزوجها في السنة الأولى. قال: ويقال في السنة الثانية على رأس اثنتين وعشرين شهراً. وهذا كله كان بعد بدر، وذكر أبو عمر عن عبد الله بن محمد بن سليمان الهاشمي: نكحها علي بعد وقعة أحد. وقيل: تزوجها بعد بنائه بعائشة بسبعة أشهر ونصف، وقال ابن الجوزي: بنى بها في ذي الحجة. وقيل: في رجب، وقيل: في صفر من السنة الثانية. قوله: ((أن أبتني)) أي: أدخل بها. قوله: ((من بني قينقاع))، بفتح القافين وسكون الياء آخر الحروف، وضم النون وفي آخره عين مهملة وفي نونه ثلاث لغات: الضم والفتح والكسر، ويصرف على إرادة الحي، ولا يصرف على إرادة القبيلة وهو رهط من اليهود، وقيل: قينقاع أبو سبط من يهود المدينة، وهم أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله عَ لّه وحاربوا فيما بين بدر وأحد، فحاصرهم النبي عَّ حتى نزلوا على حکمه. قوله: ((بإذخر))، بكسر الهمزة والخاء المعجمة، وهي حشيشة طيبة الريح تسقف بها البيوت فوق الخشب، ويستعملها الصواغون أيضاً. قوله: ((في وليمة عرسي)) الوليمة طعام العرس، وقيل: الوليمة اسم لكل طعام، والعرس، بضم الراء وإسكانها بمهملة: الأملاك والبناء أنثى، وقد يذكر وتصغيرها بغير هاء وهو نادر لأن حقه الهاء إذ هو يؤنث على ثلاثة أحرف، ٢٩٧ ٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (٢٩) والجمع أعراس وعرسات، والعروس: نعت الرجل والمرأة، يقال: رجل عروس في رجال أعراس، وامرأة عروس في نسوة عرائس، ذكره ابن سيده، وفي (التهذيب) للأزهري: العرس طعام الوليمة، وهو من أعرس الرجل بأهله إذا بنى عليها ودخل بها، وتسمى الوليمة عرساً، والعرب تؤنث العرس، وعن الفراء والأصمعي وأبي زيد ويعقوب: هي أنثى، وتصغيرها: عريس. وعريسة، وهو طعام الزفاف، والعرس مثل قرط اسم للطعام الذي يتخذ للعروس. ذكر ما يستفاد منه: فيه: جواز بيع الإذخر وسائر المباحات والاكتساب منها للرفيع والوضيع. وفيه: الاستعانة بأهل الصناعة فيما ينفق عندهم. وفيه: جواز معاملة الصائغ ولو كان يهودياً. وفيه: الاستعانة على الولائم والتكسب لها من طيب ذلك الكسب. وفيه: أن طعام الوليمة على الناكح. ٤٢ / ٢٠٩٠ - حدَّثنا إسْحَاقُ قال حدثنا خالِدُ بنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ خَالِدٍ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أنَّ رسولَ الله عَلَِّ قال إنَّ الله حَرَّمَ مَكَّةَ وَلَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلَي ولَاَ لِأحَدٍ بغدِي وإنّما حَلَّتْ لِي سِاعَةً مِنْ نَهارٍ لاَ يُخْتَلَى خلاَها ولاَ يُعْضَدُ شَجَرُها ولاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا ولاَ يُلْتَقَطُ لُقْطَتُها إلاَّ لِمُعَرِّفٍ. وقال عَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ إلَّ الإذْخِرَ لِصَاغَتِنَا ولِسُقُفِ بُيُوتِنا فقال إلاَّ الإذْخِرَ فقال ◌ِكْرِمَةُ هَلْ تَدْرِي ما يُنَفَّرُ صَيْدُهَا هُوَ أَنْ تُنَحِّيَهُ مِنَ الظُّلِّ وتَنْزِلَ مَكَانَه. [انظر الحديث ١٣٤٩ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((لصاغتنا))، وهو جمع صائغ وإسحاق هذا هو ابن شاهين الواسطي، نص عليه ابن ماكولا وابن البيع، وأكد ذلك قول الإسماعيلي: حدثنا ابن عبد الكريم حدثنا إسحاق بن شاهين حدثنا خالد، وقول أبي نعيم: حدثنا أحمد بن عبد الكريم الوزان حدثنا إسحاق بن شاهين حدثنا خالد، وخالد الأول هو الطحان وخالد الثاني هو الحذاء، وقد مضى الحديث في كتاب الحج في: باب لا ينفر صيد الحرم، وقد مضى الكلام فيه هناك مستوفىّ. قال عَبْدُ الوَهَّابِ عنْ خالِدٍ لِصاغَتِنا وقُبُورِنا هذا التعليق وصله البخاري في كتاب الحج، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي. ٢٩ - بابُ ذِكْرِ الْقِينِ والحَدَّادِ أي: هذا باب في بيان ما جاء في ذكر القين، بفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره نون. وقال ابن دريد: أصل القين الحداد، ثم صار لكل صائغ عند العرب قيناً. وقال الزجاج: القين الذي يصلح الأسنة، والقين أيضاً: الحداد. قوله: ((والحداد))، عطف على القين، من عطف التفسير. وقال بعضهم: وكان البخاري اعتمد القول الصائر إلى التغاير بينهما وليس في الحديث الذي أورده في الباب إلاَّ ذكر القين، فكأنه ألحق الحداد به في الترجمة لاشتراكهما في الحكم. قلت: لا يحتاج إلى هذا التكلف الذي لا وجه له، فالوجه ما ذكرناه، لأن القين يطلق على معان كثيرة فيطلق على العبد: قين، وعلى الأمة: ٢٩٨ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٢٩) قينة، وكذلك يطلق على الجارية المغنية وعلى الماشطة قينة، فعطف الحداد على القين ليعلم أن مراده من القين هو الحداد لا غير، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ [يوسف: ٨٦]. وفي الحديث: ((ليليني منكم ذووا الأحلام والنهي))، وقالت النحاة: هذا من عطف الشيء على مرادفه. والتقين التزين بأنواع الزينة، وقالت أم أيمن: أنا قينت عائشة، رضي الله تعالى عنها، أي: زينت، والقين يجمع على أقيان وقيون، وقان يقين قيانةً: صار قيناً، وقان الحديدة قيناً عملها. وقان الإناء قيناً أصلحه. وفي (التلويح) وفي بعض الأصول لم يذكر الحداد. ٢٠٩١/٤٣ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قال حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيّ عن شعْبَةَ عنْ سُلَيْمَانَ عن أبي الضُّحَى عنْ مَسْرُوقٍ عنْ خَّابٍ قال كُنْتُ قَيْناً فِي الجَاهِلِيَّةِ وكانٍ لِي عَلى الْعَاصِ بنِ وائلٍ دَيْنُ فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضاهُ قال لا أُعْطِيكَ حَتِى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ عَ لَّهِ فَقُلْتُ لاَ أَكْفُرُ حَتَّى يُمِيتَكَ اللهِ ثُمَّ تُبْعَثَ قال دغْنِي حَتَّى أَمُوتَ وأَبْعَثَ فَسَأُوتِيَ مالاً ووَلَداً فَأَقْضِيَكَ فَنَزَلَتْ ﴿أَفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وقال لأَوتَيَنَّ مالاً ووَلداً أَطّلَعَ الْغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً﴾. [مريم: ٧٧]. [الحديث ٢٠٩١ - أطرافه في: ٢٢٧٥، ٢٤٢٥، ٤٧٣٢، ٤٧٣٣، ٤٧٣٤، ٤٧٣٥]. مطابقته للترجمة في قوله: ((كنت قيناً في الجاهلية)). ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: محمد بن بشار، قد تكرر ذكره. الثاني: ابن أبي عدي، بفتح العين المهملة وكسر الدال، وهو محمد بن أبي عدي، واسمه: إبراهيم. الثالث: شعبة بن الحجاج. الرابع: سليمان الأعمش. الخامس: أبو الضحى، بضم الضاد المعجمة: واسمه مسلم بن صبيح، وقد مر غير مرة. السادس: مسروق ابن الأجدع. والأجدع - لقب عبد الرحمن - أبوه. السابع: خباب، بفتح الخاء المعجمة وتشديد الباء الموحدة الأولى: ابن الأرت، وقد مر في الصلاة. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في خمسة مواضع. وفيه: أن شيخه يلقب ببندار، ويكنى بأبي بكر، وهو وشيخه بصريان وشعبة واسطي، سكن البصرة والبقية كوفيون. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في المظالم عن إسحاق، وفي التفسير عن بشر بن خالد، وفيه أيضاً: عن الحميدي وعن محمد بن كثير وعن يحيى ابن وكيع وفي الإجارة عن عمرو بن حفص. وأخرجه مسلم في ذكر المنافقين عن أبي بكر وأبي سعيد الأشج وعن أبي كريب وعن ابن نمير وعن إسحاق بن إبراهيم وعن إبراهيم بن أبي عمر به. وأخرجه الترمذي في التفسير عن ابن أبي عمر به، وعن هناد بن السري. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن العلاء به. ذكر معناه: قوله: ((كنت قيناً)) أي: حداداً. قوله: ((على العاص بن وائل))، بالهمزة بعد : ٢٩٩ ٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (٢٩) الألف، وذكر ابن الكلبي عن جماعة في الجاهلية أنهم كانوا زنادقة، منهم العاص بن وائل وعقبة بن أبي معيط والوليد بن المغيرة وأبي بن خلف. قوله: ((فأتيته أتقاضاه))، أي: فأتيت العاص أطلب منه ديني، قال مقاتل: صاغ خباب للعاصي شيئاً من الحلي، فلما طلب منه الأجر قال ألستم تزعمون أن في الجنة الحرير والذهب والفضة والولدان؟ قال خباب: نعم. قال العاص: فميعاد ما بيننا الجنة. وقال الواحدي: قال الكلبي ومقاتل: كان خباب قيناً، وكان يعمل للعاص بن وائل، وكان العاصي يؤخر حقه، فأتاه يتقاضاه، فقال: ما عندي اليوم ما أقضيك، فقال خباب: لست بمفارقك حتى تقضيني، فقال العاصي: يا خباب مالك؟ ما كنت هكذا؟ وإن كنت لحسن الطلب !! قال: ذلك إذا كنت على دينك، وأما اليوم فأنا على الإسلام. قال: أفلستم تزعمون أن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً؟ قال: بلى. قال: فأخرني حتى أقضيك في الجنة، استهزاءً، فوالله إن كان ما تقول حقاً إني لأفضل فيها نصيباً منك، فأنزل الله تعالى الآية. انتهى. قلت: الآية هي قوله تعالى: ﴿أفرأيت الذي كفر بآياتنا﴾ [مريم: ٧٧]. قوله: ((فقال: لا أعطيك)) أي: فقال العاصي: لا أعطيك حقك حتى تكفر بمحمد. قوله: ((فقلت: لا أكفر حتى يميتك الله ثم تبعث))، وفي رواية مسلم: ((فقلت له: لن أكفر به حتى تموت ثم تبعث))، وفي رواية الترمذي: ((فقلت: لا حتى تموت ثم تبعث، قال: وإني لميت ثم مبعوث؟ فقلت: نعم، فقال: إن لي هنالك مالاً وولداً فأقضيك)). فنزلت: ﴿أرأيت الذي كفر ... ﴾ [مريم: ٧٧]. الآية. فإن قلت: من عين للكفر أجلاً فهو كافر الآن إجماعاً، فكيف يصدر هذا عن خباب ودينه أصح وعقيدته أثبت وإيمانه أقوى وآكد؟ قلت: لم يرد به خباب هذا؟ وإنما أراد: لا تعطيني حتى تموت وتبعث، أو أنك لا تعطيني ذلك في الدنيا، فهنالك يؤخذ قسراً منك. وقال أبو الفرج: لما كان اعتقاد هذا المخاطب أنه لا يبعث خاطبه على اعتقاده، فكأنه قال: لا أكفر أبداً. وقيل: أراد خباب أنه إذا بعث لا يبقى كفر، لأن الدار دار الآخرة. قوله: ((حتى أموت))، بالنصب، أي: حتى أن أموت. قوله: ((وأبعث)) عطف على صيغة المجهول. قوله: ((فسأوتي)) على صيغة المجهول. قوله: ((فنزلت: ﴿أفرأيت الذي كفر بآياتنا﴾[مريم: ٧٧].)) أي: فنزلت هذه الآية. وهو قوله تعالى: ﴿أفرأيت الذي ... ﴾ [مريم: ٧٧]. الآية. قوله: ﴿أفرأيت﴾ [مريم: ٧٧]. لما كانت مشاهدة الأشياء ورؤيتها طريقاً إلى الإحاطة بها علماً، وإلى صحة الخبر عنها، استعملوا أرأيت في معنى: أخبر، والفاء جاءت لإفادة معناها الذي هو التعقيب. كأنه قال: أخبر أيضاً بقصة هذا الكافر، واذكر حديثه عقب حديث أولئك، والفاء بعد همزة الاستفهام عاطفة على جملة الذي يعني العاص بن وائل: ﴿كفر بآياتنا﴾ [مريم: ٧٧]. أي: بالقرآن. ﴿وقال لأوتين﴾ [مريم: ٧٧]. أي: لأعطين ﴿مالاً وولدا﴾ [مريم: ٧٧]. يعني في الجنة بعد البعث، وقرأ حمزة والكسائي: ولد، بضم الواو وسكون اللام، وقرأ الباقون بفتحهما، وهما لغتان كالعرب والعرب، وقيس تجعل الولد جمعاً والولد واحداً. وفي (ديوان الأدب) للفارابي في باب فعل بضم الفاء وسكون العين: الولد لغة في الولد، ويكون واحد وجمعاً، وذكره أيضاً في باب فعل بكسر الفاء وسكون العين، وذكره : ٣٠٠ ٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (٣٠) أيضاً في باب فعل بفتح الفاء والعين: الولد. وفي (المحكم): الولد والولد ما ولد أياً ما كان، وهو يقع على الواحد والجمع والذكر والأنثى، وقد يجوز أن يكون الولد جمع ولد: كوثن ووثن. والولد كالولد ليس بجمع، والولد أيضاً الرهط. قوله: ﴿أطلع الجبل الغيب﴾ [مريم: ٧٧]. عن ابن عباس: أنظر في اللوح المحفوظ؟ وعن مجاهد: أعلم علم الغيب حتى يعلم أفي الجنة هو أو لا؟ من قولهم: أطلع الجبل؟ إذا ارتقى إلى أعلاه، وطلع الثنية. قوله: ﴿أم أتخذ عند الرحمن عهداً﴾ [مريم: ٧٧]. عن ابن عباس: أم قال: لا إله إلاّ الله، وعن قتادة أم قدم عملاً صالحاً، فهو يرجوه. ذكر ما يستفاد منه: فيه: أن الحداد لا يضره مهنة صناعته إذا كان عدلاً. قال أبو العتاهية: وحبك للدنيا هو الذل والعدم ألا إنما التقوى هو العز والكرم إذا أسس التقوى وإن حاك أو حجم وليس على حر تقي نقيصة وفيه: «أن الكلمة من الاستهزاء يتكلم بها المرء فيكتب له بها سخطة إلى يوم القيامة))، ألا ترى وعبد الله على استهزائه بقوله: ﴿سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مداً ونرثه ما يقول ويأتينا فرداً﴾ [مريم: ٧٩]. يعني: من المال والولد، بعد إهلاكنا إياه وأتينا فرداً، أي: نبعثه وحده تكذيباً لظنه. وفيه: جواز الإغلاظ في اقتضاء الدين لمن خالف الحق وظهر منه الظلم والعدوان. ٣٠ _ بابُ ذِكْرِ الخَيَّاطِ أي: هذا باب ما جاء فيه من ذكر الخياط، وهو بفتح الخاء المعجمة وتشديد الياء آخر الحروف، ويلتبس هذا بالحناط، بفتح الحاء المهملة وتشديد النون، وهو بياع الحنطة، وبالخباط بفتح الخاء المعجمة وتشديد الباء الموحدة، وهو بياع الخبط، منهم عيسى بن أبي عيسى، كان خباطاً ثم صار حناطاً. ٤٤/ ٢٠٩٢ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْد الله ابنِ أبي طلْحَةَ أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مالِكِ رضي الله تعالى عنهُ يَقُولُ إِنَّ خيَّاطاً دَعا رسولَ الله عَّه لِطَعَامٍ صَنَعَهُ قال أنسُ بنُ مَالِكِ فَذَهَبْتُ مَعَ رسولِ اللهِ عَ لَّهِ إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ فَقَرَّبَ إلى رسولِ اللهِ عَّلِ حُبْزاً ومرَقاً فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ فَرَأيْتُ النبيَّ عَ لَّه يَتَتَبَّعُ الدَُّّاءَ مِنْ حَوَالَى الْقَصْعَةِ قال فَلَمْ أزَلْ احبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ. [الحديث ٢٠٩٢ - أطرافه في: ٥٣٧٩، ٥٤٢٠، ٥٤٣٣، ٥٤٣٥، ٥٤٣٦، ٥٤٣٧، ٥٤٣٩]. مطابقته للترجمة في قوله: ((إن خياطاً)). وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة اسمه: زيد ابن سهل الأنصاري ابن أخي أنس بن مالك.