النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ ٣٣ - كِتَابُ الاعتِكَاف / باب (١٤) المذكور فيما مضى هنا أيضاً بهذه الترجمة من ثلاثة أوجه: الأول: عن عبد الرحمن هو ابن بشر، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة العبدي النيسابوري، مات سنة ستين ومائتين، وهكذا وقع عبد الرحمن مجرداً من غير نسبة إلى أبيه في رواية الأصيلي وكريمة، وفي رواية الأكثرين وقع منسوباً: عبد الرحمن بن بشر يروي عن سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج عن سليمان الأحول، وزاد الحميدي ابن أبي مسلم خال عبد الله بن أبي نجيح المكي عن أبي سلمة عبد الرحمن عن أبي سعيد. الوجه الثاني: عن سفيان عن محمد بن عمرو بن علقمة بن أبي وقاص الليثي عن أبي سلمة عن أبي سعيد. الوجه الثالث: عن سفيان عن عبد الله بن أبي لبيد، وهو قوله: قال - أي: سفيان - وأظن أن ابن أبي لبيد حدثنا عن أبي سلمة، و: لبيد، بفتح اللام وكسر الباء الموحدة، وكان عبد الله ابن أبي لبيد هذا يكنى بأبي المغيرة المدني حليف المدنيين، وكان من عباد أهل المدينة، وكان يرى ليلة القدر، مات في أول خلافة أبي جعفر المنصور. وحاصل الكلام أن لسفيان بن عيينة في هذا الحديث ثلاثة أشياخ حدثوه به عن أبي سلمة، وهم: ابن جريج، ومحمد بن عمر، وعبد الله بن أبي لبيد. وقد أخرجه أحمد عن سفيان، قال: حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة وابن أبي لبيد عن أبي سلمة: سمعت أبا سعيد، ولم يقل: وأظن. قوله: ((هاجت السماء)) أي: طلعت السحب. قوله: ((وأرنبته))، إما من باب العطف التأكيدي، وإما أن يراد بالأنف الوسط، وبالأرنبة الطرف. ١٤ - بابُ الاعْتِكَافِ في شَوَّالٍ أي: هذا باب في بيان الاعتكاف في شوال. ٢٠٤١/١٤٥ _ حدَّثنا محَمَّدٌ قال أخبرنا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ بِنِ غَزْوَانَ عنْ يَحْيِى بِنِ سَعِيدٍ عنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمنِ عن عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ كانَ رسولُ الله عَّلِ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَان وإِذَا صَلَّى الغَدَاةَ دَخَلَ مَكَانَهُ الَّذِي اعتَكَفَ فِيهِ قال فاسْتَأْذَنَتْهُ عائِشَةُ أَنْ تَعْتَكِفَ فأذِنَ لَها فَضَرَبَتْ فِيهِ قُبَّةً فسَمِعَتْ بِهَا حَقْصَةُ فَضَرَبَتْ قُبَّةً وَسَمِعَتْ زَيْنَبُ. بِهَا فِضَرَبَتْ قُبَّةً أُخْرَى فَلَمَّا انْصَرَفَ رسولُ اللهِ عَُّلِّ مِنَ الغَدِ أَبْصَرَ أَرْبَعَ قِبابٍ فقال ما هُذَا فَأُخْبِرَ خَبَرَهُنَّ فقال ما حَمَلَهُنَّ عَلى هَذا الْبرُّ انْزِعُوها فَلاَ أَرَاهَا فَنُزِعَتْ فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِي رَمَضانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي آخِرِ الْعَشْرِ مِنْ شَوَّالٍ. [انظر الحديث ٢٠٢٦ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((اعتكف في آخر العشر من شوال))، وقد مضى هذا الحديث في باب اعتكاف النساء، فإنه أخرجه هناك عن أبي النعمان عن حماد بن زيد عن يحيى عن عمرة عن عائشة ... إلى آخره، وهنا أخرجه: عن محمد بن سلام ... إلى آخره. قوله: ((محمد))، هكذا هو مجرداً عند الأكثرين، وفي رواية كريمة: محمد بن سلام. قوله: ((دخل مكانه)) من الدخول، وفي رواية الكشميهني: حل مكانه، من الحلول وهو النزول، ٢٢٢ ٣٣ - كِتَابُ الاعتِكَاف / باب (١٥) ومكانه هو موضعه الخاص من المسجد الذي خصصه منه للاعتكاف، وهو موضع خيمته. قوله: ((أربع قباب))، واحدة منها لرسول الله عَّ له، وثلاث لعائشة وحفصة وزينب. قوله: ((ما حملهن؟)) ما نافية. و: البر، فاعل: حمل، أو: ما، استفهامية وآلبر، بهمزة الاستفهام مرفوع على أنه مبتدأ وخبره محذوف تقديره: آلبر كائن أو حاصل؟ قوله: ((انزعوها)) أي: القباب المذكورة من النزع وهو القلع. قوله: ((أراها)) قال الكرماني: بالرفع والجزم. قلت: لا وجه للجزم، فإن: لا، نافية لا ناهية. ١٥ - بابُ مَنْ لَمْ يَرَ عَلَيْهِ صَوْماً إِذَا اعْتَكَفَ أي: هذا باب في بيان قول من لم ير على الشخص صوماً إذا اعتكف، وصوماً منصوب لأنه مفعول الرؤية: يعني لم يشترط الصوم لصحة الاعتكاف، وقد مر الكلام في هذا الباب عن قريب. ١٤٦ / ٢٠٤٢ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ اللهِ عنْ أَخِيهِ عنْ سُلَيْمَانَ عنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عُمَّرَ عنْ نافِعِ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ عنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله تعالى عنهُ أنَّهُ قالَ يا رسولَ اللهِ إِنِّيَ نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةٌ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ فقال لَهُ النبيُّ عَّم أَوْفٍ نَذْرَكَ فَاعْتَكَفَ لَيْلَةٌ. مطابقته للترجمة في قوله: ((أوف نذرك))، فاعتكف ليلة حيث أمره النبي عَ لّه بوفاء نذره ولم يأمره بصوم، فدل على أن الصوم ليس بشرط للاعتكاف، وقد مر الكلام فيه في باب الاعتكاف ليلاً، فإنه أخرج هذا الحديث هناك: عن مسدد عن يحيى بن سعيد عن عبيد الله عن نافع ... إلى آخره، وهنا أخرجه: عن إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس عن أخيه عبد الحميد عن سليمان بن بلال عن عبيد الله بن عمر العمري عن نافع. ١٦ - بابٌ إِذَا نَذَرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَعْتَكِفَ ثُمَّ أَسْلَمَ أي: هذا باب يذكر فيه إذا نذر ... إلى آخره، وجواب: إذا، محذوف تقديره: هل يلزمه الوفاء بذلك أم لا؟ ١٤٧ / ٢٠٤٣ - حدَّثْنا عُبَيْدُ بنُ إسْمَاعِيلَ قال حدثنا أَبُو أُسَامَةَ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ نافِعِ عِنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُ نَذَرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ قال أَرَاهُ قال لَيْلَةٌ قَال لَهُ رسولُ اللهِ عَّهِ أَوْفٍ بِتَذْرِكَ. [انظر الحديث ٢٠٣٢ وأطرافه]. مطابقته للترجمة من حيث إن عمر نذر في الجاهلية أن يعتكف في المسجد الحرام، ثم أسلم بعد ذلك، فلما ذكر ذلك للنبي عَ ليه قال له: ((أوف بنذرك))، والحديث تكرر ذكره بحسب وضع التراجم، وعبيد بن إسماعيل اسمه في الأصل: عبد الله يكنى أبا محمد الهباري القرشي الكوفي، وهو من أفراده، وأبو أسامة حماد بن أسامة الليثي، وعبيد الله بن عمر العمري، قوله: ((قال أراه)) أي: قال عبيد بن إسماعيل شيخ البخاري: ((أراه))، بضم الهمزة، ٤ ٢٢٣ ٣٣ - كِتَابُ الاعتِكَاف / باب (١٧) أي: أظنه. وقال الكرماني: قوله: ((قال أراه)) الظاهر أنه لفظ البخاري نفسه. والله أعلم. ١٧ - بابُ الاعْتِكَافِ فِي العَشْرِ الأوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ أي: هذا باب في بيان مباشرة الاعتكاف في العشر الأوسط من رمضان، وكأنه أشار بذلك إلى أن الاعتكاف لا يختص بالعشر الأخير، وإن كان فيه أفضل. ١٤٨ / ٢٠٤٤ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ أَبِي شَيْبَةَ قال حدَّثنا أَبُو بَكْرٍ عنْ أبِي حَصِينٍ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضِي الله تعالى عنهُ قال كانَ النبيُّ عَ لّه يَعْتَكِفُ فِي كلِّ رَمضانَ عَشْرَةَ أيَّامٍ فَلَمَّا كانَ العامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْماً. [الحديث ٢٠٤٤ - طرفه في: ٤٩٩٨]. مطابقته للترجمة في قوله: ((عشرين يوماً) لأن فيه العشر الأوسط من رمضان، وعبد الله هو ابن محمد بن أبي شيبة أبو بكر الكوفي، وأبو بكر هو ابن عياش المقري، وأبو حصين، بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين: اسمه عثمان بن عاصم، وأبو صالح ذكوان الزيات السمان. وأخرجه البخاري أيضاً في فضائل القرآن: عن خالد بن يزيد. وأخرجه أبو داود في الصوم: عن هناد بن السري بقصة الاعتكاف. وأخرجه النسائي في فضائل القرآن: عن عمرو ابن منصور، وفي الاعتكاف: عن موسى بن حزام، وأخرجه ابن ماجه في الصوم: عن هناد بتمامه، ويحتمل أن يكون، عَّه، إنما ضاعف اعتكافه في العام الذي قبض فيه من أجل أنه علم بانقضاء أجله، فأراد استكثار عمل الخير ليسن لأمته الاجتهاد في العمل إذا بلغوا أقصى العمر، ليلقوا الله على خير أحوالهم، وقيل: السبب فيه أن جبريل، عليه الصلاة والسلام، كان يعارضه بالقرآن في رمضان، فلما كان العام الذي قبض فيه عارضه به مرتين، فلذلك اعتكف قدر ما كان يعتكف مرتين، وقال ابن العربي: يحتمل أن يكون سبب ذلك أنه لما ترك الاعتكاف في العشر الأخير بسبب ما وقع من أزواجه، واعتكف بدله عشراً من شوال، اعتكف في العام الذي يليه عشرين ليتحقق قضاء العشر في رمضان. وقيل: يحتمل أنه كان في العام الذي قبله كان مسافراً فلم يعتكف، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين. وقال ابن بطال: مواظبته، عَّ له، على الاعتكاف تدل على أنه من السنن المؤكدة. قلت: قاعدة أصحابنا أن مواظبته، عَ ليه، على عمل يدل على الوجوب، والسنة المؤكدة في قوة الواجب، وقال ابن المنذر: روينا عن عطاء الخراساني أنه كان يقول: مثل المعتكف كمثل عبد ألقى نفسه بين يدي ربه، ثم قال: ربِّ لا أبرح حتى تغفر لي، لا أبرح حتى ترحمني. ١٨ - بابُ منْ أَرَادَ أنْ يَعْتَكِفَ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَخْرُجَ أي: هذا باب في بيان شأن من أراد الاعتكاف، ثم بدا له - أي: ظهر له - أن يخرج، ٢٢٤ ٣٣ - كِتَابُ الاعتِكَاف / باب (١٩) ومراده أن يترك ولا يباشر. ١٤٩ /٢٠٤٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ أبُو الحَسَن قال أخبرنا عَبْدُ الله قال أخبرنا الأوْزَاعِيُّ قال حدَّثني يَحْيَى بِنُ سَعِيدٍ قال حدَّثَتْنِي عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمنِ عِنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أنَّ رسولَ الله عَِّ ذَكَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الأوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ فاسْتَأْذَنَتْهُ عائِشَة فأذِنَ لَها وسألَتْ حَفْصَةُ عائِشَةَ أنْ تَسْتَأْذِنَ لَها فَفَعَلَتْ فلمَّا رَأْتْ ذَلِكَ زَيْنَبُ ابنَةُ جَحْشٍ أَمَرَتْ بِناءٍ فَبُنِيَ لَهَا قالَتْ وكانَ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ إِذَا صَلَّى انْصَرَفَ إلَى بِنَائِهِ فِبَصُرَ بِالأَبْنِيَةِ فقال ما هَذَا قالُوا بِناءُ عائِشَةَ وحفْصَةَ وَزَيْتَبَ فقال رسولُ اللهِ عَِّ الْبِرَّ أَوَذْنَ بِهَذَا ما أَنَا بِمُعْتَكِفٍ فَرَجَعَ فَلَمَّا أَفْطَرَ اعْتَكَفَ عَشْراً مِنْ شَوَّالٍ. [انظر الحديث ٢٠٢٦ وأطرافه]. مطابقته للترجمة من حيث إنه، عٍَّ، ذكر أن يعتكف ثم بدا له من جهة أبنية نسائه، فرجع ولم يعتكف. وعبد الله هو ابن المبارك، والأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو، ويحيى بن سعيد الأنصاري. ومباحث هذا الحديث قد مضت مستقصاة. قوله: ((ذكر)) أي: رسول الله عَّلَه، للناس أنه يريد أن يعتكف. قوله: ((فاستأذنته عائشة)) في موافقتها له في الاعتكاف ((فأذن لها)) قوله: ((أمرت ببناء))، أي: بضرب خيمة لها أيضاً في المسجد. قوله: ((بالأبنية)) جمع بناء، والمراد هي: الخيم. قوله: ((آلبر؟)) بهمزة الاستفهام وبالنصب بقوله: ((أردن؟)) أنكر عليهن في ذلك لأحد الأسباب المذكورة في: باب الاعتكاف ليلاً. قوله: ((فرجع))، أي: من الاعتكاف أي: تركه. قال الكرماني: فإن قلت: تقدم أنه اعتكف العشر الأواخر، فما التوفيق بينهما؟ قلت: لا بد من التزام اختلاف الوقتين جمعاً بين الحديثين. وفيه: إشارة إلى الجزم بأنه عَِّ لم يدخل في الاعتكاف ثم خرج منه، بل تركه قبل الدخول فيه وهو ظاهر، خلافاً لمن خالف فيه. ١٩ - بابُ المُعْتَكِفِ يُدْخِلِ رَأْسَهُ البَيْتَ لِلْغُسْلِ أي: هذا باب في بيان شأن المعتكف الذي يدخل رأسه في البيت لأجل غسل الرأس، و: يدخل، بضم الياء من الإدخال، والبيت منصوب على المفعولية، واللام في: الغسل، لام التعليل. ٢٠٤٦/١٥٠ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا هِشَامٌ قال أخبرنا مَعْمَرٌ عنٍ الزُّهْرِيِّ عنْ عُزْوَةَ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أنَّهَا كانَتْ تُرَجِّلُ النبيَّ عَ لَّهِ وَهْيَ حائِضٌ وهْوَ مُعْتَكِفٌ فِي المَسْجِدِ وهْيَ في حُجْرَتِهَا يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ. [انظر الحديث ٢٩٥ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، ومباحثه قد مرت في: باب الحائض ترجل المعتكف في أوائل كتاب الاعتكاف، وعبد الله بن محمد المعروف بابن المديني، وهشام بن يوسف الصنعاني اليماني. ٢٢٥ ٣٣ - كِتَابُ الاعتِكَاف / باب (١٩) قوله: ((ترجل)) أي: تمشط شعر رأسه، عَّله، قوله: ((وهي حائض))، جملة حالية، وكذلك قوله: "وهو معتكف)) أي: النبي، عَ لّه، معتكف. قوله: ((يناولها)) أي: يميل رأسه إليها لتمشطه، وكان باب الحجرة إلى المسجد، وكانت عائشة تقعد في حجرتها من وراء القبة، ويقعد رسول الله عَّه في المسجد خارج الحجرة، فيميل رأسه إليها. والله أعلم بحقيقة الحال. عمدة القاري / ج١١ م١٥ بسم الله الرحمن الرحيم ٣٤ - كِتَابُ البُيُوعِ أي: هذا كتاب في بيان أحكام البيوع، ولما فرغ البخاري من بيان العبادات المقصود منها التحصيل الأخروي، شرع في بيان المعاملات المقصود منها التحصيل الدنيوي، فقدم العبادات لاهتمامها، ثم ثنى بالمعاملات لأنها ضرورية، وأخر النكاح لأن شهوته متأخرة عن الأكل والشرب ونحوهما، وأخر الجنايات والمخاصمات لأن وقوع ذلك في الغالب إنما هو بعد الفراغ من شهوة البطن والفرج، وأغرب ابن بطال فذكر هنا الجهاد، وأخر البيع إلى أن فرغ من الأيمان والنذور. وقال صاحب (التوضيح): ولا أدري لما فعل ذلك، وكذلك قدم الصوم على الحج أيضاً، قلت: لعله نظر إلى أن الجهاد أيضاً من العبادات، لأن المقصود منها التحصيل الأخروي، لأن جل المقصود ذلك لأن فيه إعلاء كلمة الله تعالى وإظهار الدين ونشر الإسلام. وبعض أصحابنا قدم النكاح على البيوع في مصنفاتهم نظراً إلى أنه مشتمل على المصالح الدينية والدنيوية، ألا ترى أنه أفضل من التخلي للنوافل؟ وبعضهم قدم البيوع على النكاح نظراً إلى أن احتياج الناس إلى البيع أكثر من احتياجهم إلى النكاح، فكان أهم بالتقديم. قلت: لما كان مدار أمور الدين بخمسة أشياء، وهي: الاعتقادات، والعبادات، والمعاملات والزواجر، والآداب. فالاعتقادات محلها علم الكلام، والعبادات قد بينها، شرع في بيان المعاملات، وقدم منها البيوع نظراً إلى كثرة الاحتياج إليه، كما ذكرناه الآن. ثم إنه ذكر لفظ الكتاب لأنه مشتمل على الأبواب، وهي كثيرة في أنواع البيوع، وجمع البيع لاختلاف أنواعه، وهي المطلق: إن كان بيع العين بالثمن، والمقايضة: إن كان عيناً بعين، والسلم: إن كان بيع الدين بالعين، والصرف: إن كان بيع الثمن بالثمن، والمرابحة: إن كان بالثمن مع زيادة، والتولية: إن لم يكن مع زيادة، والوضيعة: إن كان بالنقصان، واللازم: إن كان تاماً، وغير اللازم: إن كان بالخيار، والصحيح، والباطل، والفاسد، والمكروه. ثم للبيع تفسير: لغة، وشرعاً، وركن، وشرط، ومحل، وحكم، وحكمة. أما تفسير لغة: فمطلق المبادلة، وهو ضد الشراء والبيع الشراء أيضاً باعه الشيء وباعه منه جميعاً فيهما، وابتاع الشيء اشتراه، وأباعه عرضه للبيع، وبايعه مبايعة وبياعاً عارضه للبيع، والبيعان: البائع والمشتري، وجمعه: باعة عند كراع، والبيع اسم البيع والجمع بيوع، والبياعات الأشياء المتبايعة للتجارة، ورجل بيوع جيد البيع، وبياع كثير البيع، ذكره سيبويه فيما قاله ابن سيده، وحكى النووي عن أبي عبيدة: أباع، بمعنى: باع. قال: وهو غريب شاذ. وفي (الجامع) أبعته أبيعه إباعة إذا عرضته للبيع، ويقال: بعته وأبعته بمعنى واحد. وقال ابن طريف في: باب فعل وأفعل، باتفاق معنى باع الشيء وأباعه عن أبي زيد، وأبي عبيدة. وفي ٢٢٦ ٢٢٧٠ ٣٤ - كِتَابُ الُوعِ (الصحاح): والشيء مبيع وبيوع، والبياعة السلعة، ويقال: بيع الشيء، على ما لم يسم فاعله إن شئت كسرت الباء وإن شئت ضممتها، ومنهم من يقلب الياء واواً فيقول: بوع الشيء. وقال ابن قتيبة: بعت الشيء بمعنى بعته، وبمعنى اشتريته، وشريت الشيء اشتريته، وبمعنى بعته. ويقال: استبعته أي: سألته البيع، قال الخليل: المحذوف من مبيع واو مفعول لأنها زائدة فهي أولى بالحذف. وقال الأخفش: المحذوف عين الكلمة، وقال المازري: كلاهما حسن، وقول الأخفش أقيس، وقيل: سمي البيع بيعاً لأن البائع يمد باعه إلى المشتري حالة العقد غالباً، ورد هذا بأنه غلط، لأن الباع من ذوات الواو، والبيع من ذوات الياء. وأما تفسيره شرعاً فهو مبادلة المال بالمال على سبيل التراضي. وأما ركنه: فالإيجاب والقبول. وأما شرطه: فأهلية المتعاقدين. وأما محله فهو المال، لأنه ينبىء عنه شرعاً. وأما حكمه: فهو ثبوت الملك للمشتري في المبيع، وللبائع في الثمن إذا كان تاماً، وعند الإجازة إذا كان موقوفاً. وأما حكمته: فهي كثيرة. منها: باتساع أمور المعاش والبقاء. ومنها: إطفاء نار المنازعات والنهب والسرق والطر والخيانات والحيل المكروهة. ومنها: بقاء نظام المعاش وبقاء العالم، لأن المحتاج يميل إلى ما في يد غيره، فبغير المعاملة يفضي إلى التقاتل والتنازع وفناء العالم واختلال نظام المعاش وغير ذلك. وثبوته بالكتاب لقوله تعالى: ﴿وأحل لكم البيع وحرم الربا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. والسنة، وهي: أن النبي، عَ لّه، بعث والناس يتعاملون فأقرهم عليه، والإجماع منعقد على شرعيته. وقَوْلِ الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَأَحَلَّ الله البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حاضِرَةٌ تديرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقول الله، بالرفع عطفاً على المضاف في كتاب البيوع، وقيل: ليس فيه واو العطف، وإنما أصل النسخة هكذا: كتاب البيوع: قال الله تعالى ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وقد ذم الله تعالى عز وجل أكلة الربا، بقوله: ﴿الذين يأكلون الربا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. أول الآية، وكانوا اعترضوا على أحكام الله تعالى في شرعه، فقالوا: إنما البيع مثل الربا، فرد الله عليهم بقوله: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وقال ابن كثير قوله: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. يحتمل أن يكون من كلام الله تعالى رداً عليهم. وقال الشافعي: في قوله هذا أربعة أقوال: أحدها: أنه عامة، فإن لفظها لفظ عموم يتناول كل بيع، أو يقتضي إباحة جميعها إلاَّ ما خصه الدليل. قال في (الأم): وهذا أظهر معاني الآية الكريمة، وقال صاحب (الحاوي): والدليل لهذا القول أن النبي، عَّ ◌ُلّه، نهى عن بيوع كانوا يعتادونها ولم يبين الجائز، فدل على أن الآية تناولت إباحة جميع البيوع إلاَّ ما خص منها وبين عَِّ المخصوص. القول الثاني: إن الآية مجملة لا يعتقل منها صحة بيع من فساده إلاَّ ببيان من سيدنا رسول الله عَّله. القول الثالث: يتناولهما جميعاً، فيكون عموماً دخله التخصيص، ومجملاً لحقه التفسير لقيام الدلالة عليهما. القول الرابع: أنها تناولت بيعاً معهوداً، ونزلت بعد أن أحل النبي، عَّله، بيوعاً وحرم بيوعاً فقوله: ﴿أحل الله البيع﴾ [البقرة: ٢٢٨ ٠ ٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (١) ٢٧٥]. أي: البيع الذي بينه عَّلِ من قبل، وعرفه المسلمون منه، فتناولت الآية بيعاً معهوداً، ولهذا دخلت الألف واللام لأنهما للعهد، وأجمعت الأمة على أن المبيع بيعاً صحيحاً يصير بعد انقضاء الخيار ملكاً للمشتري قال الغزالي: أجمعت الأمة على أن البيع سبب لإفادة الملك. ثم إن البخاري ذكر هذه القطعة من الآية الكريمة التي أولها: ﴿الذين يأكلون الربا﴾ [البقرة: ٢٥، ٣٩، ٨١، ٨٢، ٢١٧، ٢٥٧، ٢٧٥. آل عمران: ١٠٧، ١١٦، الأعراف: ٣٦، ٤٢. يونس: ٢٦، ٢٧، هود: ٢٣. الرعد: ٥. المؤمنون: ١١. المجادلة: ٦٧]. إلى قوله: ﴿هم فيها خالدون﴾ [البقرة: ٢٥، ٣٩، ٨١، ٨٢، ٢١٧، ٢٥٧، ٢٧٥. آل عمران: ١٠٧، ١١٦، الأعراف: ٣٦، ٤٢. يونس: ٢٦، ٢٧، هود: ٢٣. الرعد: ٥. المؤمنون: ١١. المجادلة: ٦٧]. إشارة إلى أمور: منها: أن مشروعية البيع بهذه. ومنها: أن البيع سبب للملك. ومنها: أن الربا الذي يعمل بصورة البيع حرام. قوله: وقوله: ﴿إِلاّ أن تكون﴾ [البقرة: ٢٨٢]. إلى آخره، عطف على قوله: ((وقول الله عز وجل)) وهذه قطعة من آية المداينة، وهي أطول آية في القرآن. أولها قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وأخراها: ﴿والله بكل شيء عليم﴾ [البقرة: ٢٨٢، آل عمران: ١٧٦، الأنفال: ٧٥، التوبة: ١١٥، النور: ٣٥، ٦٤، العنكبوت: ١٢٠، الحجرات: ١٦ والتغابن: ١١]. وقال الثعلبي: أي: لكن إذا كانت تجارة، وهو استثناء منقطع، أي: إلاَّ التجارة، فإنها ليست بباطل إذا كان البيع بالحاضر يداً بيد، فلا بأس بعدم الكتابة لانتفاء المحذور في تركها. وقرأ أهل الكوفة: تجارة، بالنصب وهو اختيار أبي عبيد، وقرأ الباقون بالرفع، واختاره أبو حاتم، وقال الزمخشري: قرىء: ﴿تجارة حاضرة﴾ [البقرة: ٢٨٢]. بالرفع على كان التامة. وقيل: هي الناقصة، على أن الاسم: تجارة، والخبر ﴿تديرونها﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وبالنصب على ألاَّ أن تكون التجارة تجارة حاضرة. قوله: ﴿حاضرة﴾ يعني: يداً بيد ﴿تديرونها بينكم﴾ وليس فيها إجمال. أباح الله ترك الكتابة فيها لأن ما يخاف من النساء والتأجيل يؤمن فيه، وأشار بهذه القطعة من الآية أيضاً إلى مشروعية البيع بهذه، والله أعلم. ١ - بابُ ما جاءَ فِي قَوْلِ الله تعَالى ﴿فَإِذَا قُضَيْتِ الصَّلاَةُ فانْتَشِرُوا فِي الأرْضِِ وابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا الله كثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وإِذَا رَأَوْا تجَارَةً أَوْ لَهْوَاَ انْفَضُّوا إلَيْهَا وتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ الله خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجَارَةِ والله خَيْرُ الرَّازِقِين﴾ [الجمعة: ١٠-١١] وقوْلِهِ ﴿لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْتَكُمْ بِالْبَاطلِ إلاَّ أنْ تَكُونَ تِجَارَةً عنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. أي: هذا باب في بيان ما جاء في قوله عز وجل: ﴿فإذا قضيت الصلاة﴾ [الجمعة: ١٠، ١١]. إلى آخر هذه الآية، والتي بعدها من سورة الجمعة، وهي مدنية، وهي سبعمائة وعشرون حرفاً ومائة وثمانون كلمة، وإحدى عشرة آية قوله: ﴿فإذا قضيت الصلاة﴾ [الجمعة: ١٠، ١١]. أي: فإذا أديت، والقضاء يجيء بمعنى: الأداء، وقيل: معناه إذا فرغ ٢٢٩ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (١) منها: ﴿فانتشروا في الأرض﴾ [الجمعة: ١٠، ١١]. للتجارة والتصرف في حوائجكم ﴿وابتغوا من فضل الله﴾ [الجمعة: ١٠، ١١]. أي: الرزق، ثم أطلق لهم ما حظر عليهم بعد قضاء الصلاة من الانتشار وابتغاء الربح مع التوصية بإكثار الذكر، وأن لا يلهيهم شيء من التجارة ولا غيرها عنه، والأمر فيهما للإباحة والتخيير كما في قوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة: ٢]. وقيل: هو أمر على بابه، وقال الداودي، هو على الإباحة لمن له كفاف أو لا يطيق التكسب، وفرض على من لا شيء له ويطيق التكسب، وقيل: من يعطف عليه بسؤال أو غيره ليس طلب الكفاف عليه بفريضة. قوله: ﴿واذكروا الله كثيراً﴾ [الجمعة: ١٠، ١١]. أي: على كل حال، ولعل من الله واجب، والفلاح: الفوز والبقاء. قوله: ﴿وإذا رأوا تجارة﴾ [الجمعة: ١٠، ١١]. سبب نزولها ما روي ((عن جابر بن عبد الله، قال: أقبلت عير ونحن نصلي مع رسول الله عَّ ليل الجمعة، فانفض الناس إليها، فما بقي غير اثني عشر رجلاً وأنا فيهم، فنزلت: ﴿وإذا رأوا تجارة﴾ [الجمعة: ١٠، ١١]. وروي أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء شديد، فقدم دحية بن خليفة بتجارة من زيت الشام، - والنبي عَ لِّ يخطب يوم الجمعة - فلما رأوه قاموا إليه بالبقيع، خشوا أن يُشْبَقوا إليه، فلم يبق مع رسول الله عٍَّ إلاَّ رهط منهم أبو بكر وعمر، رضي الله تعالى عنهما، قيل: ثمانية، وقيل: أحد عشر، وقيل: اثني عشر، وقيل: أربعون، فقال رسول الله، عَّ: والذي نفس محمد بيده، لو تتابعتم حتى لم يبقَ منكم أحد لسال بكم الوادي ناراً، وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق. فهو المراد باللهو. وعن قتادة: فعلوا ذلك ثلاث مرات في كل مقدم عير. قوله: ﴿انفضوا﴾ [الجمعة: ١٠، ١١]. أي: تفرقوا. قوله: ﴿إِليها﴾ [الجمعة: ١٠، ١١]. أي: إلى التجارة. فإن قلت: المذكور شيئان: التجارة واللهو، وكان القياس أن يقال: إليهما؟ قلت: تقديره: وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهواً انفضوا إليه، فحذفت إحداهما لدلالة المذكور عليه. قوله: ﴿وتركوك﴾ [الجمعة: ١٠، ١١]. الخطاب للنبي عَِّ. ﴿قائماً﴾ [الجمعة: ١٠، ١١]. أي: على المنبر، قل يا محمد: ﴿ما عند الله خير من اللهو﴾ [الجمعة: ١٠، ١١]. الذي لا نفع فيه، بل هو خير من التجارة التي فيها نفع في الجملة. قدم اللهو على التجارة في الآخر، والتجارة على اللهو في الأول فإن المقام يقتضي هكذا. قوله: ﴿والله خير الرازقين﴾ [الجمعة: ١١،١٠] لأنه موجد الأرزاق، فإياه فاسألوا، ومنه فاطلبوا. وقيل: لم يكن يفوتكم الرزق لو أقمتم، لأن الله خير الرازقين. قوله: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [النساء: ٢٩]. أي: بغير حق، وقام الإجماع على أن التصرف في المال بالحرام باطل حرام، سواء كان أكلاً أو بيعاً إلا هبة، وغير ذلك، والباطل اسم جامع لكل ما لا يحل في الشرع: كالربا والغصب والسرقة والخيانة، وكل محرم ورد الشرع به. قوله: ﴿إِلاَّ أَنِ تكون تجارة﴾ [النساء: ٢٩]. فيه قراءتان: الرفع على أن تكون تامة، والنصب على تقدير إلاَّ أن تكون الأموال أموال تجارة، فحذف المضاف، وقيل: الأجود الرفع لأنه أدل ٢٣٠ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (١) على انقطاع الاستثناء، ولأنه يحتاج إلى إضمار. قوله: ﴿عن تراض منكم﴾ [النساء: ٢٩]. أي: يرضى كل واحد منكم بما في يده، وقال أكثر المفسرين: هو أن يخير كل واحد من البائعين صاحبه بعد العقد عن تراض، والخيار بعد الصفقة، ولا يحل لمسلم أن يغش مسلماً. ثم إن الآيات التي ذكرها البخاري ظاهرة في إباحة التجارة إلاَّ قوله: ﴿وإذا رأوا تجارة﴾ [الجمعة: ١٠، ١١]. فإنها عتب عليها، وهي أدخل في النهي منها في الإباحة لها، لكن مفهوم النهي عن تركه قائماً اهتماماً بها يشعر بأنها لو خلت من العارض الراجح لم يدخل في العتب، بل كانت حينئذ مباحة. وقد أباح الله تعالى التجارة في كتابه، وأمر بالابتغاء من فضله، وكان أفاضل الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، كانوا يتجرون ويحترفون في طلب المعاش، وقد نهى العلماء والحكماء عن أن يكون الرجل لا حرفة له ولا صناعة، خشية أن يحتاج إلى الناس فيذل لهم. وقد روي عن لقمان، عليه السلام، أنه قال لابنه: یا بني خذ من الدنيا بلاغك، وأنفق من كسبك لآخرتك، ولا ترفض الدنيا كل الرفض فتكون عيالاً، وعلى أعناق الرجال كلالاً. ٢٠٤٧/١ - حدّثنا أبو اليَمَانِ قال حدَّثنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرنِي سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ وأَبُو سَلَمَةِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قال إنَّكُمْ تَقُولُونَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحَدِيثَ عِنْ رسولِ اللهِ عَلِ وتَقُولُونَ ما بالُ المهاجرينَ والأنْصَارِ لاَ يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسولِ الله عَّهِ بِمِثْلِ حَديثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ وإنَّ إِخْوَانِي مِنَ المُهَاجِرِينَ كانَ يَشْغَلُهُمْ صَفْقٌ بالأسْوَاقِ وكُنْتُ أَلْزَمُ رَسولَ الله عَِّ عَلَى مِلءٍ بَطْنِي فَأَشْهَدُ إذَا غَابُوا وأحْفَظُ إذَا نَسُوا وكانَ يَشْغَلُ إِخْوَانِي مِنَ الأَنْصَارِ عَمَلُ أمْوَالِهِمْ وكُنْتُ امْرَءاً مِسْكِيناً مِنْ مَساكِين الصُّفَّةِ أَعِي حِينَ يَنْسَونَ وقَدْ قالَ رسولُ الله عَ لَّلِ فِي حَدِيثٍ يُحَدِّثُهُ إِنَّهُ لَنْ يَبْسُطَ أحَدٌ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِي مَقَالَتِي هَذِهِ ثُمَّ يَجْمَعُ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ إلاَّ وَعَى ما أَقُولُ فَبَسَطْتُ ثَمِرَةٌ عَلَيَّ حَتَّى إِذَا قَضَى رسولُ الله عَّهِ مِقَالَتَهُ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي فَمَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَةِ رسولِ اللهِ عَّ تِلْكَ مِنْ شَيءٍ. [انظر الحديث ١١٨ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((صفق بالأسواق))، وهو التجارة، والترجمة مشتملة على التجارة بنوعيها: أحدهما: التجارة الحاصلة بالتراضي وهي حلال. والآخر: التجارة الحاصلة بغير التراضي، وهي حرام دل عليه قوله عز وجل: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [النساء: ٢٩] الآية. ورجاله قد ذكروا غير مرة، وأبو اليمان الحكم بن نافع الحمصي، وشعيب بن أبي حمزة الحمصي، والزهري هو محمد بن مسلم. والحديث أخرجه مسلم في الفضائل عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري به. وأخرجه النسائي في العلم عن محمد بن خالد بن خلي بن بشر بن شعيب عن أبي حمزة عن أبيه به. ٢٣١ ٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (١) قوله: ((يكثر الحديث))، بضم الياء من الإكثار. قوله: ((ما بال المهاجرين؟)) أي: ما حالهم؟ قوله: ((وإن إخواني)) ويروى: ((إن إخوتي)) أي: في الدين. قوله: ((يشغلهم)) بفتح الياء وهو فعل متعد. قوله: ((صفق)) بالصاد المهملة، كذا في رواية أبي ذر. وعند غيره: ((سفق))، بالسين. وقال الخليل: كل صاد تجيء قبل الفاء، وكل سين تجيء بعد القاف، فللعرب فيه لغتان: سين وصاد، ولا يبالون اتصلت أو انفصلت بعد أن تكونا في كلمة إلاَّ أن الصاد في بعض أحسن والسين في بعض أحسن. وقال الخطابي: وكانوا إذا تبايعوا تصافقوا بالأكف إمارة لانتزاع البيع، وذلك أن الأملاك إنما تضاف إلى الأيدي، والقبوض تبع لها، فإذا تصافقت الأكف انتقلت الأملاك واستقرت كل يد منها على ما صار لكل واحد منهما من ملك صاحبه، وكان المهاجرون تجاراً والأنصار أصحاب زرع، فيغيبون بها عن حضرة رسول الله عَّ له في أكثر أحواله ولا يسمعون من حديثه إلاَّ ما كان يحدث به في أوقات شهودهم، وأبو هريرة حاضر دهره لا يفوته شيء منها: إلاَّ ما شاء الله، ثم لا يستولي عليه النسيان لصدق عنايته بضبطه وقلة استعماله بغيره، وقد لحقته دعوة رسول الله، عَّةٍ، فقامت له الحجة على من أنكر أمره واستغرب شأنه. قوله: ((على ملء بطني)) بكسر الميم أي: مقتنعاً بالقوت. قوله: ((فأشهد)) أي: فأحضر إذا غابوا. قوله: ((نسوا))، بفتح النون وضم السين المخففة، وأصله: نسيوا، فنقلت ضمة الياء إلى ما قبلها فاجتمع ساكنان فحذفت الياء فصار: نسوا، على وزن: فعوا. قوله: ((وكان يشغل))، بفتح الياء وفاعله قوله: ((عمل أموالهم)) بالرفع، وإخواني في محل النصب على المفعولية. قوله: ((الصفة)) أي: صفة مسجد رسول الله، عدّ التي كانت منزل غرباء فقراء أصحابه، وقال ابن الأثير: أهل الصفة، هم فقراء المهاجرين، ومن لم يكن له منهم منزل يسكنه، فكانوا يأوون إلى موضع يظلل في مسجد المدينة يسكنونه، وكان أبو هريرة رئيسهم. قوله: ((أعي)) أي: أحفظ، من: وعى يعي وعياً، إذا حفظ، وأصله: أوعى، وحذفت الواو منه تبعاً ليعي، إذ أصله: يوعى، حذفت الواو منه لوقوعها بين الياء والكسرة. قيل: أعي، حال عن فاعل: كنت، والحال مقارن له، فكيف يكون هو ماضياً وهذا مستقبلاً؟ وأجيب: بأنه استئناف، مع أنه لو كان حالاً يصح لأن المضارع يكون لحكاية الحال، وإنما اختصر في حق الأنصار بهذا وترك ذكر: أشهد إذا غابوا، لأن غيبة الأنصار كانت أقل، وكيف لا والمدينة بلدهم ومسكنهم، ووقت الزراعة وقت معلوم؟ فلم يعتد بغيبتهم لقلتها أو أن هذا عام للطائفتين، كما: ((أن أشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا)) يعم بأن يقدر في قضية الأنصار أيضاً بقرينة السياق. قوله: ((نمرة))، بفتح النون وكسر الميم، وهي كساء ملون، ولعله أخذ من النمر لما فيه من سواد وبياض. وفي الحديث ((الحرص على التعلم وإيثار طلبه على طلب المال، وفضيلة ظاهرة لأبي هريرة وأنه، عَّلَّةِ، خصه يبسط ردائه وضمه، فما نسي من مقالته شيئاً، قيل: إذا كان أبو هريرة أكثر أخذاً للعلم يكون أفضل من غيره، لأن الفضيلة ليست إلاَّ بالعلم والعمل؟ وأجيب: بأنه لا يلزم من أكثرية الأخذ كونه أعلم، ولا باشتغالهم ٢٣٢ ٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (١) عدم زهدهم، مع أن الأفضلية معناها: أكثرية الثواب عند الله، وأسبابه لا تنحصر في أخذ العلم ونحوه، وقد يكون بإعلاء كلمة الله ونحوه، كذا قيل، والأحسن أن يقال: لا يستلزم الأفضلية في نوع، الأفضلية في كل الأنواع، فافهم. ٢٠٤٨/٢ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ أبيهِ عنْ جَدِّهِ قال قال عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ عَوْفٍ رضي الله تعالى عنهُ لَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ آخى رسولُ الله عَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ فقال سعدُ بنُ الرَّبِيعِ إِنِّي أكثرُ الأنْصَارِ مالاً فَأَقْسِمُ لَكَ نِصْفَ مالِي وانْظُر أيَّ زَوْجَتَيَّ هَوَيْتَ نَزَلْتُ لَكَ عَنْهَا فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا قال فقالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمنِ لاَ حاجَةً لِي فِي ذَلِكَ هِلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجارَةٌ قال سُوقُ قَيِثْقَاعَ قال فَغَدَا إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمنِ فَأَتَّى بِأَقِطِ وسَمْنٍ قال ثُمَّ تابعَ الغُذُوَّ فَمَا لَبِثَ أنْ جاءَ عَبْدُ الرَّحْمُنُ عَلَيْهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ فقال رسولُ الله عَِّ تَزَوَّجْتَ قالَ نَعَمْ قال ومَنْ؟ قالَ امرأةٌ مِنَ الأَنْصَارِ قال كَمْ سُقْتَ قال زِئَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ نَواة مِنْ ذَهَبٍ فقال لَهُ النبيُّ عَّهِ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ. الحديث ٢٠٤٨ - طرفه في: ٣٧٨٠]. مطابقته للترجمة في قوله: ((هل من سوق فيه تجارة))، وعبد العزيز بن عبد الله بن يحيى بن عمرو بن أويس القرشي العامري الأويسي المدني، وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، كان على قضاء بغداد، وأبوه سعد بن إبراهيم أبو إسحاق القرشي المدني، وجده إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أبو إسحاق المدني. ورجال هذا الإسناد كلهم مدنيون، وظاهره الإرسال لأنه إن كان الضمير في جده يعود إلى إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن فيكون الجد فيه إبراهيم بن عبد الرحمن، وإبراهيم لم يشهد أمر المؤاخاة لأنه توفي بعد التسعين بغير خلاف، وعمره خمس وسبعون سنة، وعلى تقدير صحة قول من قال: ولد في حياة النبي عَّه فلم تصح له رواية عنه، وأمر المؤاخاة كان حين الهجرة. وإن عاد الضمير إلى جد سعد، فيكون على هذا سعد روى عن جده عبد الرحمن وهذا لا يصح، لأن عبد الرحمن بن عوف توفي سنة اثنتين وثلاثين، وتوفي سعد سنة ست وعشرين ومائة، عن ثلاث وسبعين سنة، ولكن الحديث المذكور هنا متصل، لأن إبراهيم قال فيه: قال عبد الرحمن بن عوف، يوضح ذلك ما رواه أبو نعيم الحافظ عن أبي بكر الطلحي عن حصين الوادعي حدثنا يحيى بن عبد الحميد حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده عن عبد الرحمن بن عوف، قال: لما قدمنا المدينة ... الحديث، وكذا ذكره أبو العباس الطرقي وأصحاب الأطراف. ذكر معناه: قوله: ((آخى))، من المؤاخاة. قال القرطبي: المؤاخاة مفاعلة من الأخوة ومعناها أن يتعاقد الرجلان على التناصر والمؤاساة حتى يصيرا كالأخوين نسباً. قوله: ((وبين سعد بن الربيع)) - ضد الخريف - الأنصاري الخزرجي النقيب العقبي البدري، استشهد يوم أحد، وهذه المؤاخاة ذكرها ابن إسحاق في أول سنة من سني الهجرة بين المهاجرين ٢٣٣ ٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (١) والأنصار، وقالوا: إن رسول الله عَّ لِ آخى بين أصحابه مرتين، مرة بمكة قبل الهجرة، وأخرى بعد الهجرة. قال أبو عمر: الصحيح أن المؤاخاة في المدينة بعد بناء المسجد، فكانوا يتوارثون بذلك دون القرابات حتى نزلت: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولي بعض﴾ [الأنفال: ٧٥]. وقيل: كان ذلك والمسجد يبنى، وقيل: بعد قدومه المدينة بخمسة أشهر، وفي (تاريخ ابن أبي خيثمة) عن زيد بن أوفى: أنها كانت في المسجد، وكانوا مائة: خمسون من المهاجرين وخمسون من الأنصار، وقال أبو الفرج: والمؤاخاة سببان: أحدهما: أنه أجراهم على ما كانوا ألفوا في الجاهلية من الحلف، فإنهم كانوا يتوارثون به فقال عدّ له: ((لا حلف في الإسلام)، وأثبت المؤاخاة، لأن الإنسان إذا فطم عما يألفه يخنس. والثاني: أن المهاجرين قدموا محتاجين إلى المال وإلى المنزل فنزلوا على الأنصار، فأكد هذه المخالطة بالمؤاخاة، ولم تكن بعد بدر مؤاخاة، لأن الغنائم استغني بها. قوله: ((أي زوجتي؟)) بلفظ المثنى المضاف إلى ياء المتكلم، و: أي، إذا أضيف إلى المؤنث يذكر ويؤنث، يقال: أي امرأة، وأية امرأة. قوله: ((هويت)) أي: أردت من: هوى بالكسر يهوى هوىّ: إذا أحب. قوله: ((نزلت لك عنها)) أي: طلقتها لك. قوله: ((فإذا حلت))، أي: انقضت عدتها. قوله: ((سوق قنيقاع))، بفتح القاف الأولى وسكون الياء آخر الحروف وضم النون وبالقاف وفي آخره عين مهملة، منصرفاً وغير منصرف: وهو بطن من اليهود، والمرأة التي تزوجها عبد الرحمن هي ابنة أبي الحيسر أنس بن رافع بن امرىء القيس بن زيد بن عبد الأشهل. قال الزبير: ولدت له القاسم وأبا عثمان عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف. قوله: ((تابع الغدوّ)) وبلفظ المصدر أي: غدا اليوم الثاني، والمتابعة إلحاق الشيء بغيره، ويروى بلفظ: الغد، ضد الأمس. قوله: ((أثر صفرة))، أي: الطيب الذي استعمل عند الزفاف، وفي لفظ له على ما يأتي: ((وعليه وضر من صفرة))، بفتح الواو والضاد المعجمة: هو التلطخ بخلوق أو طيب له لون، وقد صرح به في بعض الروايات بأنه: أثر زعفران. فإن قلت: جاء النهي عن التزعفر فما الجمع بينهما؟ قلت: كان يسيراً فلم ينكره. وقيل: إن ذلك علق من ثوب المرأة من غير قصد، وقيل: كان في أول الإسلام أن من تزوج لبس ثوباً مصبوغاً لسروره وزواجه. وقيل: كانت المرأة تكسوه إياه. وقيل: إنه كان يفعل ذلك ليعان على الوليمة. وقال ابن العباس: أحسن الألوان الصفرة. وقال عز وجل: ﴿صفراء فاقع لونها تسر الناظرين﴾ [البقرة: ٦٩]. ولما سئل عبد الله عن الصبغ بها، قال: رأيت رسول الله، عَ لَّهِ، يصبغ بها فأنا أصبغ بها وأحبها، وقال أبو عبيد: كانوا يرخصون في ذلك للشاب أيام عرسه. وقيل: يحتمل أن ذلك كان في ثوبه دون بدنه، ومذهب مالك جوازه، وحكاه عن علماء بلده. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يجوز ذلك للرجال. قوله: ((قال: ومن؟)) أي: ومن التي تزوجت بها؟ وفي لفظ له: ((فقال له النبي، عَ له: مهيم؟ قال: تزوجت)) و: مهيم، بميم مفتوحة وهاء ساكنة وفتح الياء آخر الحروف وفي آخره ميم: وهي كلمة يمانية معناها: ما هذا؟ وما أمرك؟ ذكره الهروي وغيره. قوله: ((كم سقت؟)) أي: كم أعطيت؟ يقال: ساقه إليه كذا، أي ٢٣٤ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوع / باب (١) أعطاه. قوله: ((زنة نواة))، بكسر الزاي، أي: وزن نواة من ذهب. قال أبو عبيد: النواة زنة خمسة دراهم. قال الخطابي: ذهباً كان أو فضة. وعن أحمد بن حنبل: زنة ثلاثة دراهم، وقيل: وزن نواة التمر من ذهب. وفي الترمذي عن أحمد: زنة ثلاثة دراهم وثلث، وقيل: النواة ربع دينار. وعن بعض المالكية: هي ربع دينار. قوله: ((أولم)) أمر، أي: اتخذ وليمة، وهي الطعام الذي يصنع عند العرس. ومن ذهب إلى إيجابها أخذ بظاهر الأمر، وهو محمود عند الأكثر على الندب. وفي (التلويح): والوليمة في العرس مستحبة، وبه قال الشافعي، وفي رواية عنه: واجبة، وهو قول داود، وقتها بعد الدخول، وقيل: عند العقد، وعن ابن حبيب: استحبابها عند العقد وعند الدخول، وأن لا ينقص عن شاة. قال القاضي: الإجماع أنه لا حد لقدرها المجزىء. وقال الخطابي: إنها قدر الشاة لمن قدر عليها، فمن لم يقدر فلا حرج عليه، فقد أولم رسول الله عَّله بالسويق والتمر على بعض نسائه، وكرهت طائفة الوليمة أكثر من يومين، وعن مالك أسبوعاً. ٢٠٤٩/٣ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ قال حدثنا زُهَيْرٌ قال حدَّثنا حَمِيدٌ عن أنسٍ رضي الله تعالى عنهُ قال قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمُنُ بنُ عَوْفِ المَدِينَةَ فَآخى النبيُّ عَّ ◌ُلِّ بَيْنَهُ وبَيْنَ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ الأنْصَارِيِّ وكانَ سَعْدٌ ذَا غِنَى فقال لِعَبْدِ الرَّحْمنِ أَقَاسِمُكَ مالِي نِصْفَيْنْ وأُزَوَّجُكَ قال بَارَكَ الله لَكَ فِي أَهْلِكَ ومالِكَ دُلُونِي عَلَى السُّوقِ فَمَا رِجَعَ حَتَّى اسْتَفْضَلَ أقِطاً وسَمْناً فأتى بِهِ أَهْلَ مَنْزِلِهِ فَمَكَثْنَا يَسيراً أُوْ ما شاءَ الله فجاءَ وَعَلَيْهِ وضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ فقال لَهُ النبيُّ عَ لَّه مَهْيَمْ قال يا رسولَ اللهِ تَزَوَّجْتُ امرأةٌ مِنَ الأَنْصَارِ قال ما سُفْتَ إِلَيْهَا قال نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ أوْ وَزْنَ نَواةٍ مِنْ ذَهَبٍ قال أوْلِمْ ولوْ بِشَاةٍ. [الحديث ٢٠٤٩ - أطرافه في: ٢٢٩٣، ٣٧٨١، ٣٩٣٧، ٥٠٧٢، ٥١٤٨، ٥١٥٣، ٥١٥٥، ٥١٦٧، ٦٠٨٢، ٦٣٨٦]. مطابقته للترجمة في قوله: ((دلوني على السوق))، فإنه ما طلب السوق إلاَّ للتجارة، وأحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس بن عبد الله، أبو عبد الله التميمي اليربوعي الكوفي، وزهير - تصغير: زهر - بن معاوية الجعفي، وحميد هو الطويل. ذكر معناه: قوله: ((قدم عبد الرحمن))، ويروى: ((لما قدم)). قوله: ((فآخى))، من المؤاخاة، قوله: ((فما رجع حتى استفضل))، أي: ربح. يقال: أفضلت منه الشيء واستفضلته إذا أفضلت منه شيئاً. قوله: ((وعليه وضر من صفرة))، بفتح الواو والضاد المعجمة: وهو التلطخ بخلوق أو طيب له لون، وقد ذكرناه في الحديث السابق، وكذا مر تفسير: مهيم. قوله: ((أو وزن نواة)). شك من الراوي. : وفي هذا الحديث ما يدل على أنه لا بأس للشريف أن يتصرف في السوق بالبيع والشراء، ويتعفف بذلك عما يبذله من المال وغيره. وفيه: الأخذ بالشدة على نفسه في أمر معاشه. وفيه: أن العيش من الصناعات أولى بنزاهة الأخلاق من العيش من الهبات والصدقات وشبههما. وفيه: البركة للتجارة. وفيه: المؤاخاة على التعاون في أمر الله تعالى، وبذل المال ٢٣٥ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٢) لمن يؤاخى عليه. ٢٠٥٠/٤ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ قال حدثنا سُفْيَانُ عنْ عَمْرِو عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال كانَتْ عُكَاظٌ ومَجِنَّة وذُو المَجَازِ أسْوَاقاً فِي الجاهِلِيَّةِ فَلَمَّا كانَ الإِسْلاَمُ فَكَأَنَّهُمْ تَأَثَّمُوا فِيهِ فَنَزَلَتْ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ مُجُنَاحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ قَرَأْهَا ابْنُ عَبَّاسٍ. [انظر الحديث ١٧٧٠ وأرفيه]. مطابقته للترجمة من حيث إنه يشتمل على أنهم كانوا يتجرون في الأسواق المذكورة بعد نزول قوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح ... ﴾ [البقرة: ١٩٨، ٢٨٢. النساء: ١٠١، النور: ٢٩، ٦١، الأحزاب: ٥]. الآية، وعبد الله بن محمد الجعفي البخاري المعروف بالمسندي، وسفيان هو ابن عيينة، وعمرو، بفتح العين: هو ابن دينار المكي. وقد مضى الحديث في الحج في: باب التجارة أيام الموسم والبيع في أسواق الجاهلية، فإنه أخرجه هناك: عن عثمان بن الهيثم عن أبي جريج عن عمرو بن دينار ... إلى آخره، وعكاظ، بضم العين المهملة وتخفيف الكاف وفي آخره ظاء معجم، و: مجنة، بفتح الميم والجيم وتشديد النون. قوله: ((فلما كان الإسلام)) كان تامة. قوله: ((تأثموا))، يعني: اجتنبوا الإثم، يعني: تركوا التجارة، فيها احتراز عن الإثم، قوله: ((في مواسم الحج))، جمع: موسم، سمي: بالموسم، لأنه معلم يجتمع الناس إليه. وقرأ ابن عباس هذه اللفظة في جملة القرآن زائدة على ما هو المشهور. . ٢ - بابٌ الحَلاَلُ بَيِّنٌ والحَرَامُ بَيِّنٌ وبَيْنَهُمَا مُشَبَّهاتٌ أي: هذا باب يذكر فيه الحلال بيِّنٌ .. إلى آخره. ٢٠٥١/٥ - حدّثني محَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قال حدثنا ابنُ أَبِي عَدِيّ عنِ ابنِ عَوْنٍ عنٍ الشَّعْبِيّ قال سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بنَ بَشِيرٍ رضي الله تعالى عنهُ يَقُولُ سمِعْتُ النبيَّ عَ له ح وحدثنا عليّ بنُ عَبْدِ اللهِ قال حدثنا ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ أَبِي فَرْوَةَ عنِ الشَّعْبِيِّ قال سَمِعْتُ التُّعْمَانَ عنِ النبي عَ لّهح وحدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ أَبِي فَرْوَةَ قال سَمِعْتُ الشَّغْبِي قال سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بنَ بَشيرٍ رضي الله تعالى عنهما عنِ النبيِّ عَ لّهح وحدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ قال أخبرَنَا سُفْيَانُ عنْ أَبِي فَرْوَةَ عنِ الشَّعْبِيِّ عنِ النُّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ رضي الله تعالى عنه قال قال النبيُّ عَّلَّهِ الحَلالُ بَيِّنّ والحرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مَشْتَبَهَةٌ فَمَنْ تَرَكَ ما شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْم كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ أَتْرَكَ ومَنِ اجْتَرأْ عَلَى ما يُشَكُّ فِيهِ مِنَ الإِثْمِ أوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ ما اسْتَبَانَ والمَعَاصِي حِمَى اللهِ منْ يَزْتَغْ حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أنْ يُوَاقِعَهُ. [انظر الحديث ٥٢]. ٢٣٦ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٣) مطابقته للترجمة من حيث إنها جزء من الحديث. ذكر رجاله: وهم أحد عشر رجلاً، لأنه أخرجه من أربع طرق: الأول: عن محمد بن المثنى عن محمد بن أبي عدي، بفتح العين المهملة وكسر الدال: واسم أبي عدي إبراهيم مولى بني سليم بن القساملة عن عبد الله بن عون، بفتح العين المهملة وسكون الواو: ابن أرطبان عن عامر بن شراحيل الشعبي عن النعمان بن بشير. الثاني: ((عن علي بن عبد الله المعروف بابن المديني عن سفيان بن عيينة عن أبي فروة، بفتح الفاء وسكون الراء، واسمه: عروة بن الحارث المشهور بأبي فروة الكبير عن الشعبي عن النعمان بن بشير)). الثالث: عن عبد الله بن محمد المعروف بالمسندي، عن سفيان بن عيينة ... إلى آخره. الرابع: عن محمد بن كثير - ضد القليل - عن سفيان الثوري عن أبي فروة ... إلى آخره. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في خمسة مواضع وبصيغة الإفراد في موضع واحد. وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: العنعنة في ثمانية مواضع. وفيه: السماع في أربعة مواضع. وفيه: القول عن الراوي في موضع. وفيه: أن هذه الطرق والتحويلات للتقوية والتأكيد، سيما إذا كان فيه لفظ: أن محمد بن المثنى وابن أبي عدي ومحمد بن كثير وابن عون بصريون، وعبد الله بن محمد بخاري وابن عيينة مكي والشعبي وأبو فروة وسفيان الثوري كوفيون. وقد ذكرنا تعدد موضعه ومن أخرجه غيره في كتاب الإيمان في: باب من استبرأ لدينه، فإنه أخرجه هناك: عن أبي نعيم عن زكريا عن عامر عن النعمان بن بشير، وقد مر الكلام فيه مستقصى غاية الاستقصاء. ٣ - بابُ تَفْسِير المشبّهات أي: هذا باب في بيان تفسير المشبهات، بضم الميم وفتح الشين المعجمة والباء الموحدة المشددة المفتوحة: جمع مشبهة، وهي التي يأتي فيها من شبه طرفين متخالفين، فيشبه مرة هذا ومرة هذا، ومنه قوله تعالى: ﴿إِن البقر تشابه علينا﴾ [البقرة: ٧٠]. أي: اشتبه، وفي بعض النسخ: باب تفسير المشتبهات، من اشتبه من باب الافتعال، وفي بعضها: باب تفسير الشبهات، بضم الشين والباء، جمع شبهة. وقال الخطابي: كل شيء يشبه الحلال من وجه والحرام من وجه هو شبهة، والحلال اليقين: ما علم ملكه يقيناً لنفسه، والحرام البين ما علم ملكه لغيره يقيناً، والشبهة: ما لا يدري أهو له أو لغيره، فالورع اجتنابه. ثم الورع على أقسام: واجب، كالذي قلناه. ومستحب، كاجتناب معاملة من أكثر ماله حرام، و: مكروه كالاجتناب عن قبول رخص الله والهدايا، ومن جملته أن يدخل الرجل الخراساني مثلاً بغداد ويمتنع من التزوج بها مع الحاجة إليه، يزعم أن أباه كان ببغداد فربما تزوج بها وولد له بنت، فتكون هذه المنكوحة أختاً له. ٢٣٧ ٣٤ - كِتَابُ البُيُوعِ / باب (٣) وقال حسّانُ بنُ أَبِي سِنانٍ ما رأيْتُ شَيئاً أَهْوَنَ مِنَ الوَرَع دَعْ ما يَرِيبِكَ إلى ما لاَ يَرِيئِكَ. حسان بن الحسن - أو الحسين - بن أبي سنان، بكسر السين المهملة وتخفيف النون، ينصرف ولا ينصرف. هذا التعليق رواه أبو نعيم الحافظ، قال: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا محمد بن أحمد بن عمرو حدثنا عبد الرحمن بن عمرو رسته. قال: حدثنا زهير بن نعيم البابي، قال: اجتمع يونس بن عبيد، وحسان بن أبي سنان - يعني: أبا عبد الله - عابد أهل البصرة، فقال يونس: ما عالجت شيئاً أشد علي من الورع، فقال حسان: ما عالجت شيئاً أهون علي منه، قال يونس: كيف؟ قال حسان: تركت ما يريبني إلى ما لا يريبني فاسترحت. وأيضاً، قال: حدثنا أبو بكر بن مالك، حدثنا عبد الله بن أحمد حدثني الحسن بن عبد العزيز الجروي، قال: كتب إلينا ضمة عن عبد الله بن شوذب، قال: قال حسان بن أبي سنان: ما أيسر الورع إذا شككت في شيء فاتركه. قلت: لفظ: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك))، صح من حديث الحسن بن علي، رضي الله تعالى عنهما، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وشاهده حديث أبي أمامة: ((أن رجلاً سأل رسول الله، عَّهِ: ما الإيمان؟ قال: إذا سرتك حسنة وساءتك سيئة. فأنت مؤمن. قال: يا رسول الله! ما الإثم؟ قال: إذا حك في صدرك شيء فدعه)). قوله: ((يريبك))، من الريب وهو الشك، ورابني فلان، إذا رأيت منه ما يريبك. ٦/ ٢٠٥٢ - حدّثنا محمَّدُ بنُ كَثِيرٍ قال أخبرنا سُفْيانُ قال أخبرنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ أبي حُسَيْنٍ قال حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ أبي مُلَيْكَةً عن عُقْبَةَ بنِ الحَارِثِ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ امْرَأةً سَوْدَاءَ جاءَتْ فَزَعَمَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُمَا فَذَكَرَ للنبِيِّ عَُّلّهِ فَأَعْرَضَ عنْهُ وتَبَسَّمَ النبيُّ مَّ له قال كَيْفَ وقَدْ قِيلَ وَقَدْ كانَتْ تَحْتَهُ ابنَةُ إِهَابِ التَّمِيميّ. [انظر الحديث ٨٨ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((كيف وقد قيل)) لأنه مشعر بإشارته عٍَّ إلى تركها ورعاً، ولهذا فارقها، ففيه توضيح الشبهة وحكمها، وهو الاجتناب عنها، وعبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي حسين القرشي النوفلي المكي، وسفيان هو الثوري. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في كتاب العلم في: باب الرحلة في المسألة النازلة. وأخرجه هناك: عن محمد بن مقاتل عن عبد الله عن عمر بن سعيد بن أبي حسين عن عبد الله بن أبي مليكة ... إلى آخره، وقد مر الكلام فيه هناك مستوفىّ. قوله: ((أرضعتهما))، أي أرضعت عقبة وامرأته ابنة أبي إهاب، بكسر الهمزة وتخفيف الهاء وبالباء الموحدة: واسم هذه المرأة غنية بنت أبي إهاب، ذكره الزبير، وروى الترمذي هذا الحديث ولفظه: ((قال عقبة: تزوجت امرأة، فجاءتنا امرأة سوداء فقالت: إني أرضعتكما، فأتيت النبي عَّ ◌ُلّ فقلت: تزوجت فلانة بنت فلان، فجاءتنا امرأة سوداء، فقالت: إني أرضعتكما، وهي كاذبة. قال: فأعرض عني، فقال فأتيته من قِبَلٍ وجهه، فقلت: إنها كاذبة، ٢٣٨ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوع / باب (٣) قال: وكيف بها؟ فقد زعمت أنها أرضعتكما! دعها عنك)) ثم قال الترمذي: والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي، عَّةِ، وغيرهم أجازوا شهادة المرأة الواحدة في الرضاع. ويؤخذ بيمينها، وبه يقول أحمد وإسحاق. وقد قال بعض أهل العلم: لا تجوز شهارة امرأة واحدة في الرضاع حتى يكون أكثر، وهو قول الشافعي. وقال صاحب (التلويح): ذهب جمهور العلماء: إلى أن النبي، عَ لّه، أفتاه بالتحرز من الشبهة، وأمره بمجانبة الريبة خوفاً من الإقدام على فرج يخاف أن يكون الإقدام عليه ذريعة إلى الحرام، لأنه قد قام دليل التحريم بقول المرأة، لكن لم يكن قاطعاً ولا قوياً، لإجماع العلماء على أن شهارة امرأة واحدة لا تجوز في مثل ذلك، لكنه أشار عليه بالأحوط يدل عليه أنه لما أخبره أعرض عنه؛ فلو كان حراماً لما أعرض عنه، بل كان يجيبه بالتحريم، لكنه لما كرر عليه مرة بعد أخرى أجابه بالورع. انتهى. قلت: قوله: لإجماع العلماء على أن شهادة امرأة واحدة لا تجوز في مثل ذلك، غلط يظهر من كلام الترمذي، وأنه متبع في ذلك ابن بطال. ٧/ ٢٠٥٣ - حدَّثنا يَحْيَى بِنُ قَزَعَةَ قال حدَّثنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ كان عُثْبَةُ بنُ أبِي وَقَّاصِ عَهِدَ إلى أَخيهِ سَعْدٍ ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أن ابنَ ولِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي فَاقْبِضْهُ قالَتْ فَلَمَّا كان عام الفَتْحِ أخذَهُ سَعْدُ بنُ أبي وقَّاصٍ وقالَ ابنُ أَخِي قَدْ عَهِدَ إلَيَّ فِيهِ فَقَامَ عَبْدُ بنُ زَمْعَةَ فقال أخِي وابن ولِيدَةِ أبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ فَتَساوَقَا إِلَى النبيِّ عَِّ فقال سعْدٌ يا رسولَ الله ابنُ أَخِي كانَ قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ فقال عَبْدُ بنُ زَمْعَةً أُخِي وابنُ ولِيدَةِ أبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ فقال رسولُ اللهِ عَ ◌ّهِ هُوَ لَكَ يا عَبْدُ بنَ زَمْعَةَ ثُمَّ قال النبيُّ عَِّ الولَدُ لِلْفِرَاشِ ولِلْعَاهِرِ الحَجرُ ثُمَّ قال لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ زَوْجِ النبيِّ عَِّ احْتَجِبِي مِنْهُ يا سَوْدَةَ لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُثْبَةً فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ الله. [الحديث ٢٠٥٣ - أطرافه في: ٢٢١٨، ٢٤٢١، ٢٥٣٣، ٢٧٤٥، ٤٣٠٣، ٦٧٤٩، ٦٧٦٥، ٦٨١٧، ٧١٨٢]. مطابقته للترجمة من حيث إن فيه توضيح الشبهة والاجتناب عنها، ولذلك قال السودة: احتجبي منه. ذكر رجاله: وهم خمسة قد ذكروا كلهم، ويحيى بن قزعة، بالقاف والزاي والعين المهملة المفتوحات، قد مر في آخر الصلاة. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الفرائض عن عبد الله ابن يوسف، وفي الأحكام عن إسماعيل بن عبد الله، وفي الوصايا، وفي المغازي عن القعنبي، كلهم عن مالك به. وأخرجه أيضاً في: باب شراء المملوك من الحربي: عن قتيبة بن سعيد. وأخرجه مسلم: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا ليث وحدثنا محمد بن رمح، قال: أخبرنا الليث عن ابن شهاب عن عروة ((عن عائشة أنها قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن ٢٣٩ ٣٤ - كِتَابُ البُوعِ / باب (٣) زمعة في غلام، فقال سعد: هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص، عهد إلي أنه ابنه، انظر إلى شبهه. وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله! ولد على فراش أبي من وليدته، فنظر رسول الله عَِّ إلى شبهه فرأى شبهاً بينا بعتبة، فقال: هو لك يا عبد، الولد للفراش وللعاهر الحجر. واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة، فلم ير سودة قط)). وأخرجه النسائي في الطلاق عن قتيبة. ذكر بيان الأسامي الواقعة فيه: عتبة، بضم العين وسكون التاء المثناة من فوق وبالباء الموحدة: ابن أبي وقاص، ذكره العسكري في الصحابة. وقال: كان أصاب دماً في قريش، وانتقل إلى المدينة قبل الهجرة، ومات في الإسلام، وكذا قال أبو عمر، وجزم به الذهبي في (معجمه) فأخطأ، ولم يذكره الجمهور في الصحابة، وذكره ابن منده فيهم، واحتج بوصيته إلى أخيه سعد بابن وليدة زمعة، وأنكره أبو نعيم، وقال: هو الذي شج وجه رسول الله عَ ليه وكسر رباعيته يوم أحد، وما علمت له إسلاماً. ولم يذكره أحد من المتقدمين في الصحابة. وقيل: إنه مات كافراً، وروى معمر عن عثمان عن الجزري عن مقسم: أن عتبة لما كسر رباعية رسول الله عَ لِ دعا عليه، فقال: ((اللهم لا يحول عليه الحول حتى يموت كافراً، فما حال عليه الحول حتى مات كافراً))، وأم عتبة هند بنت وهب بنت الحارث بن زهرة، وعتبة هذا أخو سعد بن أبي وقاص لأخيه وأبو وقاص اسمه: مالك بن أهيب، ويقال: وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي أبو إسحاق الزهري، أحد العشرة المبشرة بالجنة، يلتقي مع رسول الله عَّ له في كلاب بن مرة، ويقال له: فارس الإسلام، مات سنة خمس وخمسين وهو المشهور في قصره بالعقيق، وحمل على رقاب الناس إلى المدينة ودفن بالبقيع، وهو آخر العشرة وفاةً، وكان عمره حين مات بضعاً وسبعين سنة. وقيل: ثلاثاً وثمانين، وقيل غير ذلك، وأمه حمنة بنت سفيان بن أبي أمية بن عبد شمس، وقيل: بنت أبي سفيان، وقيل: بنت أبي أسد. وعبد بن زمعة بن قيس بن عبد شمس ابن عبدود بن نصر، وقال أبو نعيم: عبد زمعة بن الأسود العامري أخو سودة أم المؤمنين، كان شريفاً سيداً من سادات الصحابة. قال الذهبي: كذا نسبه أبو نعيم، فوهم إنما هو ابن زمعة بن قيس، وزمعة، بالزاي والميم والعين المهملة المفتوحات. وقيل: بسكون الميم. والولد المتنازع فيه اسمه عبد الرحمن بن زمعة بن قيس، وكانت أمه من موالي اليمن، ولعبد الرحمن هذا عقب بالمدينة، وله ذكر في الصحابة. وقال الذهبي في (تجريد الصحابة): عبد الرحمن بن زمعة بن قيس القرشي العامري، هو ابن وليد زمعة صاحب القصة، وسودة بنت زمعة بن قيس القرشية العامرية أم المؤمنين، يقال: كنيتها أم الأسود، وأمها الشموس بنت قيس، تزوجها رسول الله عَّ له بعد موت خديجة، رضي الله تعالى عنها، وكانت قبله عند السكران بن عمرو أخي سهل بن عمرو، روت عن النبي عَّهِ، وروى عنها عبد الله بن عباس ويحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد، ويقال: ابن أسعد بن زرارة الأنصاري، ماتت في آخر خلافة عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه. ٢٤٠ ٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوع / باب (٣) ذكر معناه: قوله: ((عهد إليه)) أي: أوصى إليه. قوله: ((أن ابن وليدة))، الوليدة الجارية، وجمعها: ولائد. وقال الجوهري: الوليدة الصبية. وقال ابن الأثير: تطلق الوليدة على الجارية والأمة، وإن كانت كبيرة، والوليد الطفل، ويجمع على: ولدان، والأنثى وليدة. وفي الحديث: ((تصدقت أمي بوليدة)) أي: جارية. قوله: ((فاقبضه)) من جملة كلام عتبة لأخيه سعد أي: فاقبض ابن وليدة زمعة. قوله: ((ابن أخي))، أي: هو ابن أخي عتبة قد عهد إلي فيه، أي: في الابن المذكور. قوله: ((فقال عبيد بن زمعة: أخي)) أي: هو أخي وابن وليدة أبي أي: ابن جاريته، ولد على فراشه. قوله: ((فتساوقا))، أي: بعد أن تنازعا وتخاصما فيه ذهبا إلى النبي عَّ الِ سائقين. قوله: ((هو لك)) اختلف في معناه على قولين: أحدهما: هو أخوك قضاء منه عَّه بعلمه لا بالاستلحاق، لأن زمعة كان صهره عَّ له وسودة ابنته، كانت زوجته مَّ لّه، فيمكن أن يكون عَّ اللّه علم أن زمعة كان يمسها. والثاني: معناه هو لك يا عبد ملكاً، لأنه ابن وليدة زمعة، وكل أمة تلد من غير سيدها فولدها عبد، ولم يقر زمعة ولا شهد عليه، والأصول تدفع قول أبيه، فلم يبق إلاَّ أنه عبد تبعاً لأمه. قاله ابن جرير. وقال الطحاوي: معنى ((هو لك)) أي: بيدك لا ملك له، لكنك تمنع منه غيرك، كما قال للملتقط - أي: في اللقطة - هي لك، أي: بيدك، تدفع عنها حتى تأتيها صاحبها، إلا أنها ملك لك. ولا يجوز أن يضاف إلى الرسول أنه جعله ابناً لزمعة، وأمر أخته أن تحتجب منه، لكن لما كان لعبد شريك فيما ادعاه، وهو سودة، لم يجعله أخاها، وأمرها أن تحتجب منه. انتھی. قيل: فيه نظر، لأن في رواية البخاري في المغازي: ((هو لك، هو أخوك يا عبد ابن زمعة، من أجل أنه ولد على فراشه)). قلت: في مسند (أحمد) و(سنن) النسائي: ((ليس لك أخ)). فإن قلت: أعل هذه الزيادة البيهقي والمنذري والمازري؟ قلت: الحاكم استدركها، وصحح إسنادها. قوله: ((يا عبد بن زمعة)) يجوز رفعه على النعت ونصبه على الموضع، ويجوز في: عبد، ضم داله على الأصل وفتحه اتباعاً لنون ابن، وقيل: الرواية فيه: هو لك عبد، بإسقاط حرف النداء الذي هو: يا، ونسب القرطبي هذا القول إلى بعض الحنفية، فقال: قد وقع لبعض الحنفية: عبد، بغير: ياء، ومعناه: هو لك، لأنه ابن أمة أبيك، فترث هذا الولد وأمه، ثم رده القرطبي بقوله: الرواية بإثبات: ياء، النداء، وعبد هنا اسم علم منادى، يريد به عبد الذي هو ابن زمعة. ولئن سلمنا الرواية بغير ياء فالمخاطب هو عبد بن زمعة، وهو بلا شك منادىّ، إلاَّ أن العرب تحذف حرف النداء من الأسماء الأعلام، كما في قوله تعالى: ﴿يوسف أعرض عن هذا﴾ [يوسف: ٢٩]. وهذا كثير. قوله: ((الولد للفراش)»، أي: لصاحب الفراش، إنما قال، مَّ له: ذلك عقيب حكمه لعبد بن زمعة إشارة بأن حكمه لم يكن بمجرد الاستلحاق، بل بالفراش. فقال: ((الولد للفراش))، وأجمعت جماعة من العلماء بأن الحرة فراش بالعقد عليها مع إمكان الوطء، وإمكان الحمل، فإذا كان عقد النكاح يمكن معه الوطء والحمل، فالولد لصاحب الفراش لا ينتفي عنه أبداً بدعوى غيره. ولا بوجه من الوجوه، إلاّ باللعان.