النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
٣١ - كِتَابُ التَّرَاوِيحِ / باب (١)
٢٠١٢/١١٨ - حدّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلِ عنِ ابنِ شِهابٍ قال
أخبرني عُرِوَةُ أنَّ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أخبرَتْهُ أنَّ رسولَ الله عَ لَهِّ خرَجَ لَيْلَةً مِنْ جَوْفٍ
اللَّيْلِ فصَلَّى فِي المَسْجِدِ وَصلَّى رِجَالٌ بِصِلاَتِهِ فأصبَحَ النَّاسُ فتَحَدَّثُوا فَاجْتَمَعَ أكثرُ مِنْهُمْ
فصَلُّوا مَعَهُ فَأَصْبَحَ النَّاسُ فتَحَدَّثُوا فَكَثُرَ أَهْلُ المَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ فَخَرَجَ رسولُ اللهِ عَه
فصَلَّى فصلَّوْا بِصَلاتِهِ فَلَمَّا كانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عجَزَ المَسْجِدُ عنْ أَهْلِهِ حَتَّى خَرَجَ لِصَلاَةِ
الصُّبْحِ فلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَتَشَهِدَ ثُمَّ قالَ أمَّا بعدُ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ
مَكَانُكُمْ ولَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْها، فتُؤُفِّيَ رسولُ اللهِ عَُّلَّهِ والأمرُ
علَى ذُلِكَ. [انظر الحديث ٧٢٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة مثل مطابقة الحديث السابق، وهذا الحديث بعين هذا الإسناد والمتن
مضى في كتاب الجمعة في: باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد، قوله: ((فتوفي
رسول الله، عَّله، والأمر على ذلك)) من كلام ابن شهاب والزهري. فافهم.
١١٩/ ٢٠١٣ - حدّثنا إسْمَاعِيلُ قال حدَّثني مالِكٌ عنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ عنْ أبي سلَمَةَ
ابنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ أنَّهُ سَألَ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها كَيْفَ كانَتْ صلاةٌ رَسول الله عَليه
فِي رمَضانَ فقالَتْ ما كانَ يَزِيدُ فِي رمَضَان ولاَ فِي غيرِهَا عَلى إِحْدَى عَشَرَةَ رَكْعَةٌ يُصَلِّي
أربَعاً فَلاَ تسَل عنْ حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعاً فَلاَ تَسَلْ عنْ حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي
ثلاثاً فقُلْتُ يا رسول الله أتَنامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِّرَ قال يا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنَيَّ تَامَانٍ ولا يَنامُ قَلْبِي.
[انظر الحديث ١١٤٧ وطرفه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((ما كان يزيد في رمضان))، وهذا الحديث قد مضى
في كتاب التهجد في: باب قيام النبي عَِّ بالليل في رمضان وغيره، فإنه أخرجه هناك: عن
عبد الله بن يوسف عن مالك، وهنا: عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك، وقد مضى الكلام
فيه هناك مستوفىٍ.
قوله: في الحديث السابق: ((خشيت أن تفرض عليكم))، قيل: يؤخذ منه أن الشروع
ملزم، إذ لا يظهر مناسبة بين كونهم يفعلون ذلك ويفرض عليهم إلاّ ذلك، وقال بعضهم: فيه
نظر، لأنه يحتمل أن يكون السبب في ذلك ظهور اقتدارهم على ذلك من غير تكلف،
فيفرض عليهم. انتهى. قلت: في نظره نظر، لأن السبب في ذلك ليس ما ذكره، لأن ما
ذكره أمر لا يوقف عليه في نفس الأمر، وإنما السبب في ذلك هو أنه عَّه خشي أن يفرض
عليهم لما جرت به عادتهم: أن ما داوم عليه من القرب فرض على أمته، وأيضاً: خاف أن
يظن أحد من أمته بعده إذا داوم عليها أنها واجبة، فتركها شفقة على أمته. قوله: ((ما كان
يزيد في رمضان .. ) إلى آخره. فإن قلت: روى ابن أبي شيبة من حديث ابن عباس: ((كان
رسول الله، عَّه، يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر؟ قلت: هذا الحديث رواه أيضاً أبو
القاسم البغوي في (معجم الصحابة)، قال: حدثنا منصور بن أبي مزاحم حدثنا أبو شيبة عن

١٨٢
٣١ - كِتَابُ التَّرَاوِيحِ / باب (١)
الحكم عن مقسم عن أبي عباس الحديث، وأبو شيبة هو إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي
قاضي واسط، جد أبي بكر بن أبي شيبة، كذبه شعبة، وضعفه أحمد وابن معين والبخاري
والنسائي وغيرهم، وأورد له ابن عدي هذا الحديث في (الكامل) في مناكيره.

٣٢ - كتاب فضل ليلة القدر
١ - بابُ فَضْلٍ لَيْلَةِ الْقَدْرِ
أي: هذا باب في بيان فضل ليلة القدر ثبت في رواية أبي ذر قبل الباب بسملة،
ومعنى ليلة القدر: ليلة تقدير الأمور وقضائها والحكم والفضل، يقضي الله فيها قضاء السنة،
وهو مصدر قولهم: قدر الله الشيء قدراً وقدراً، لغتان، كالنهر والنهر، وقدره تقديراً بمعنى
واحد. وقيل: سميت بذلك لخطرها وشرفها. وعن الزهري: هي ليلة العظمة والشرف، من
قول الناس: فلان عند الأمير قدر، أي: جاه ومنزلة. ويقال: قدرت فلاناً أي عظمته، قال الله
تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾. أي: ما عظموه حق عظمته، وقال أبو بكر الوراق:
سميت بذلك لأن من لم يكن ذا قدر وخطر يصير في هذه الليلة ذا قدر وخطر إذا أدركها
وأحياها. وقيل: لأن كل عمل صالح يوجد فيها من المؤمن يكون ذا قدر وقيمة عند الله،
لكونه مقبولاً فيها. وقيل: لأنه أنزل فيها كتاب ذو قدر. وقال سهل بن عبد الله: لأن الله
تعالى يقدر الرحمة فيها على عباده المؤمنين، وقيل: لأنه ينزل فيها إلى الأرض ثلاثة من
الملائكة أولي قدر وخطر، وعن الخليل بن أحمد: لأن الأرض يضيق فيها بالملائكة من قوله
ويقدر. ﴿ومن قدر عليه رزقه﴾ [الطلاق: ٧]. وقيل: القدر هنا بمعنى: القدر، بفتح الدال
الذي يواخي القضاء، والمعنى: أنه يقدر فيها أحكام تلك السنة، لقوله تعالى: ﴿فيها يفرق
كل أمر حكيم﴾ [الدخان: ٤]. وقيل: إنما جاء القدر بسكون الدال، وإن كان الشائع في
القدر الذي هو يواخي القضاء فتح الدال ليعلم أنه لم يرد به ذلك، وإنما أريد به تفصيل ما
جرى به القضاء، وإظهاره وتحديده في تلك السنة، لتحصيل ما يلقى إليهم فيها مقداراً
بمقدار.
وقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ وما أُدْرَاكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ
مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهاَ بإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أمْرٍ سَلامٌ هِيَ حَتَّى
مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ [القدر: كاملة].
قول الله بالجر عطف على قوله: ((فضل ليلة القدر))، أي: وفي بيان تفسير قول الله
تعالى، وفي رواية أبي ذر: وقال الله تعالى: ﴿إنا أنزلناه .. ﴾ [القدر: ١]. إلى آخره، وفي رواية
كريمة: السورة كلها مذكورة، ومطابقة ذكر هذه السورة عقيب الترجمة في ليلة القدر لكونها
في هذه السورة قد ذكرت مكررة لأجل تفضيلها، وهذه السورة مائة وإثنا عشر حرفاً، وثلاثون
كلمة، وخمس آيات وهي، مدنية، قاله الضحاك ومقاتل، والأكثر على أنها مكية. وقال
الواقدي: هي أول سورة نزلت بالمدينة.
﴿إنا أنزلناه﴾ [القدر: ١]. أي: القرآن جملة واحدة في ليلة القدر، من اللوح المحفوظ
إلى السماء الدنيا، فوضعناه في بيت العزة، وأملاه جبريل، عليه السلام، على السفرة، ثم كان
ينزله جبريل، عليه السلام، على محمد، عَّله، نجوماً، فكان بين أوله إلى آخرة ثلاثة وعشرون
١٨٣

١٨٤
٣٢ - كتاب فضل ليلة القدر / باب (١)
سنة، ثم عجب نبيه، عَِّ، فقال: ﴿وما أدراك ما ليلة القدر﴾ [القدر: ٢]. يعني: ولم تبلغ
درايتك غاية فضلها، ومنتهى علو قدرها. قوله: ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ [القدر: ٣].
وسبب نزولها ما ذكره الواحدي بإسناده عن مجاهد، قال: ذكر النبي، عَ لّه، رجلاً من بني
إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب المسلمون من ذلك، فأنزل الله تعالى
عز وجل: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر﴾
[القدر: ١-٣]. قال: خير من الذي لبس السلاح فيها ذلك الرجل. انتهى. وذكر بعض
المفسرين، رحمة الله تعالى عليهم، أنه كان في الزمن الأول نبي يقال له: شمسون، عليه
السلام، قاتل الكفرة في دين الله ألف شهر ولم ينزع الثياب والسلاح، فقالت الصحابة: يا
ليت لنا عمراً طويلاً حتى نقاتل مثله؟ فنزلت هذه الآية، وأخبر، عَّة، أن ليلة القدر خير من
ألف شهر الذي لبس السلاح فيها شمسون في سبيل الله، والظاهر أن ذلك الرجل الذي ذكره
الواحدي هو: شمسون هذا، وعن أبي الخطاب: الجارود بن سهيل.
حدثنا مسلم بن قتيبة حدثنا القاسم بن فضل، حدثنا عيسى بن مازن، قال: قلت
للحسن بن علي، رضي الله تعالى عنهما: عمدت لهذا الرجل فبايعت له، يعني: معاوية،
فقال: إن رسول الله، عَ لّه، أري بني أمية يعلون منبره خليفة بعد خليفة، فشق ذلك عليه،
فأنزل الله سورة القدر. قال القاسم: فحسبنا ملك بني أمية فإذا هو ألف شهر. وقيل: ذكر
رسول الله، عَّله، يوماً أربعة من بني إسرائيل عبدوا الله ثمانين سنة لم يعصوا طرفة عين،
فعجبت أصحاب رسول الله عّ لّه، من ذلك، فأتاه جبريل، عليه السلام، فقال: يا محمد
عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة لم يعصوا الله طرفة عين؟ فقد أنزل الله عليك
خيراً من ذلك، ثم قرأ عليه: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر: ١-٥]. الآيات، وقال: هذا
أفضل مما عجبت أنت وأمتك، فسر النبي عَِّ والناس معه.
وذكر في بعض الكتب أن أبا عروة، قال: ذكر رسول الله، عَّله، أربعة من بني
إسرائيل، فقال: عبدوا الله ثمانين عاماً لم يعصوه طرفة عين، فذكر أيوب وزكريا وحزقيل
ويوشع بن نون، عليهم الصلاة والسلام، ثم ذكر الباقي نحو ما ذكرنا. وعن ابن عباس: تفكر
النبي، عَّةِ، في أعمار أمته وأعمار الأمم السالفة، فأنزل الله هذه السورة وخص هذه الأمة
بتضعيف الحسنات لقصر أعمارهم، ويقال: إن الرجل فيما مضى كان لا يستحق أن يقال له:
فلان عابد، حتى يعبد الله ألف شهر، وهي ثلاث وثمانون سنة، وأربعة أشهر، فجعل الله لأمة
محمد عَّ لَّ ليلة خيراً من ألف شهر، كانوا يعبدون فيها. وقيل: معناه عمل صالح في ليلة
القدر خير من عمل ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.
وقال مجاهد: سلام الملائكة والروح عليك تلك الليلة خير من سلام الخلق عليك
ألف شهر. قوله: ﴿تنزل الملائكة والروح﴾ أي: جبريل، عليه الصلاة والسلام، ﴿فیھا﴾
أي: في ليلة القدر. قوله: ﴿من كل أمر﴾ أي تنزل من أجل كل أمر قضاه الله وقدره في تلك
السنة إلى قابل، تم الكلام عند قوله: ((﴿من كل أمر﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿سلام﴾ أي: ما ليلة

١٨٥
٣٢ - كتاب فضل ليلة القدر / باب (١)
القدر إلاَّ سلامة وخير كلها ليس فيها شر. وقال الضحاك: لا يقدر الله في تلك الليلة إلاّ
السلامة كلها، فأما الليالي الأخر فيقضي فيهن البلاء والسلامة. وقيل: هو تسليم الملائكة
ليلة القدر على أهل المساجد من حين تغيب الشمس إلى أن يطلع الفجر، يمرون على كل
مؤمن، ويقولون: السلام عليك يا مؤمن حتى مطلع الفجر، أي إلى مطلع الفجر، قرأ الكسائي
وخلف: مطلع، بكسر اللام فإنه موضع الطلوع، والباقون بفتح اللام، بمعنى: الطلوع.
قال ابنُ عُيَيْنَةَ ما كانَ فِي القُرْآنِ: ما أدْرَاكَ، فَقَدْ أَعْلَمَهُ. وما قالَ وما يُدْرِيكَ، فإنَّهُ
لَمْ يُعْلِمْهُ
هذا التعليق عن سفيان بن عيينة وصله محمد بن يحيى بن أبي عمر في كتاب الإيمان
له من رواية أبي حاتم الرازي عنه، قال: حدثنا سفيان بن عيينة ... فذكره بلفظ: كل شيء في
القرآن ﴿وما أدراك﴾ فقد أخبره به، وكل شيء فيه: ﴿وما يدريك﴾ فلم يخبره به، وقد
اعترض عليه في هذا الحصر بقوله: ﴿وما يدريك لعله يزكى﴾ [عبس: ٣]. فإنها نزلت في
ابن أم مكتوم، وقد علم، عَّه، بحاله وأنه ممن يزكى، ونفعته الذكرى. وقال بعضهم: وعزاه
مغلطاي فيما قرأت بخطه لتفسير ابن عيينة رواية سعيد بن عبد الرحمن عنه، وقد راجعت منه
نسخة بخط الحافظ الضياء فلم أجده فيه. انتهى. قلت: في هذه العبارة إساءة الأدب، لا
يخفى ذلك على المنصف، وعدم وجدانه ذلك في نسخة الحافظ الضياء بخطه لا يستلزم
عدمه بخط غيره.
١٢٠ / ٢٠١٤ _ حدَّثنا عَلَيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ قال حدَّثنا سُفْيانُ قال حَفِظْنَاهُ وَّمَا حَفِظَ مِنَ
الزُّهْرِيِّ عنْ أَبي سلَمَةَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه عنِ النَّبِيِّ عَّ ◌ُلِّ قال منْ صامَ
رَمضَانَ إيماناً واحتساباً غِفِرَ لَهُ ما تقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ومِنْ قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيماناً واحتساباً غُفِرَ لَهُ
ما تقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. [انظر الحديث ٣٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ومن قام ليلة القدر ... )) إلى آخره، وعلي بن عبد الله هو
ابن المديني، وسفيان هو ابن عيينة.
قوله: ((قال حفظناه)) أي: قال سفيان: حفظنا هذا الحديث. قوله: ((وأيما حفظ))
معترض بين قوله: ((حفظناه)) وبين قوله: ((من الزهري)) وقوله: ((من الزهري)) متعلق بقوله:
((حفظناه))، وأيما: بفتح الهمزة وتشديد الياء آخر الحروف، وكلمة: ما، زائدة، وحفظ بكسر
الحاء وسكون الفاء مصدر من: حفظ، يحفظ، و: أي، مرفوع على الابتداء وخبره محذوف
تقديره: وأي حفظ حفظناه. من الزهري، يدل عليه: حفظناه أولاً، وحاصله أنه يصف حفظه
بكمال الأخذ وقوة الضبط، لأن إحدى معاني: أي: للكمال كما تقول: زيد رجل أي رجل،
أي: كامل في صفات الرجال، وروى: أيما حفظ، بنصب: أي: على أنه مفعول مطلق:
لحفظناه، المقدر. ورأيت في نسخة صحيحة مقروءة: وإنما حفظ، بكلمة: إن، التي أضيف
إليها كلمة: ما، للحصر، وحفظ على صيغة الماضي، فإن صحت هذه تكون هذه الجملة من

١٨٦
٣٢ - كتاب فضل ليلة القدر / باب (٢)
كلام علي بن عبد الله شيخ البخاري فافهم. قوله: ((من صام رمضان))، قد تقدم في كتاب
الإيمان في: باب صوم رمضان احتساباً من الإيمان. قوله: ((ومن قام ليلة القدر ... )) إلى آخره،
من زيادة سفيان بن عيينة في روايته هنا. وروى الترمذي، فقال: حدثنا هناد، قال: حدثنا عبدة
والمحاربي عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، عَ ليهِ:
((من صام رمضان وقامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً
واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه))، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
تابَعَهُ سُلَيْمانُ بنُ كَثِيرٍ عنِ الزُّهْرِيِّ
أي: تابع سفيان سليمان بن كثير العبدي الواسطي، ويقال البصري في روايته عن
محمد بن مسلم الزهري، وقال بعضهم: وصله الذهلي في الزهريات. ولم يزد عليه شيئاً،
والظاهر أنه لم يورد فيها.
٢ - بابُ الْتِماسِ لَيْلَةِ القَدْرِ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ
أي: هذا باب في بيان أن التماس أي طلب ليلة القدر ينبغي أن يكون في السبع
الأواخر، وفي رواية الكشميهني: باب التمسوا ليلة القدر، بصيغة الأمر، ولفظ: باب، فيه منون
تقديره: هذا باب يذكر فيه التمسوا، وههنا ثلاثة أسباع: السبع الأوائل في العشر الأول من
الشهر، والسبع الأواسط في العشر الثاني، والسبع الأواخر في العشر الأخير منه، ويكون طلبها
في الحادي والعشرين، والثالث والعشرين، والخامس والعشرين، والسابع والعشرين. وجاء:
((اطلبوها في العشر الأواخر)) فتدخل فيها ليلة التاسع والعشرين.
١٢١ / ٢٠١٥ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرَنَا مالِكٌ عنْ نافَعِ عنِ ابنِ عُمرَ
رضي الله تعالى عنهما أنَّ رِجَالاً مِنْ أصْحَابِ النبيِّ عَ لَّهِ أَرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي الْمَنامِ فِي السَّبْعِ
الأواخِرٍ فقال رسولُ اللهِ عَ لَِّ أرى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ فَمَنْ كانَ
مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا في السَّبْعِ الأوَاخِرِ. [انظر الحديث ١١٥٨ وطرفه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فليتحرها في السبع الأواخر)).
والحديث أخرجه مسلم في الصوم أيضاً عن يحيى بن يحيى، وأخرجه النسائي في
الرؤيا عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين، كلاهما عن ابن القاسم عن مالك به.
قوله: ((أروا)) بضم الهمزة، مجهول فعل ماض من الإراءة، وقال بعضهم: أي: قيل لهم
في المنام: في السبع الأواخر. قلت: هذا التفسير ليس بصحيح، لأنه يقتضي أن ناساً قالوا
لهم إن ليلة القدر في السبع الأواخر، وليس هذا تفسير قوله: ((أروا ليلة القدر في المنام))،
بل تفسيره أن ناساً أروهم إياها فرأوا، وعلى تفسير هذا القائل أخبروا بأنها في السبع الأواخر،
ولا يستلزم هذا رؤيتهم. قوله: ((في السبع الأواخر))، ليس ظرفاً للإراءة، قاله الكرماني،
وسكت، ومعناه: إنه صفة لقوله: ((في المنام))، أي: في المنام الواقع أو الكائن في السبع

١٨٧
٣٢ - كتاب فضل ليلة القدر / باب (٢)
الأواخر. قوله: ((قد تواطأت)) أي: توافقت، وأصل الكلمة بالهمزة، وفي رواية البخاري في
التعبير من طريق الزهري ((عن سالم عن أبيه أن ناساً أروا ليلة القدر في السبع الأواخر، وأن
ناساً أروا أنها في العشر الأواخر، فقال النبي عَ لَّه: ((التمسوها في السبع الأواخر))، ولم يقل:
في العشر الأواخر، لأنه كأنه نظر إلى المتفق عليه من الرؤيتين، فأمر به. قوله: ((فمن كان
متحريها)) أي: طالبها وقاصدها، لأن التحري القصد والاجتهاد في الطلب، ثم إن هذا
الحديث دل على أن ليلة القدر في السبع الأواخر لكن من غير تعيين.
وقد اختلف العلماء فيها، فقيل: هي أول ليلة من رمضان. وقيل: ليلة سبع عشرة.
وقيل: ليلة ثمان عشرة. وقيل: ليلة تسع عشرة. وقيل: ليلة إحدى وعشرين. وقيل: ثلاث
وعشرين. وقيل: ليلة خمس وعشرين. وقيل: ليلة سبع وعشرين. وقيل: ليلة تسع وعشرين.
وقيل: آخر ليلة من رمضان. وقيل: في أشفاع هذه الأفراد. وقيل في السنة كلها. وقيل:
جميع شهر رمضان. وقيل: يتحول في ليالي العشر كلها. وذهب: أبو حنيفة إلى أنها في
رمضان، تتقدم وتتأخر. وعند أبي يوسف ومحمد: لا تتقدم ولا تتأخر، لكن غير معينة. وقيل:
هي عندهما في النصف الأخير من رمضان. وعند الشافعي في العشر الأخير لا تنتقل ولا تزال
إلى يوم القيامة. وقال أبو بكر الرازي: هي غير مخصوصة بشهر من الشهور، وبه قال
الحنفيون، وفي (قاضيخان): المشهور عن أبي حنيفة أنها تدور في السنة كلها، وقد تكون
في رمضان، وقد تكون في غيره، وصح ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وعكرمة وغيرهم،
وقد زيف المهلب هذا القول. وقال: لعل صاحبه بناه على دوران الزمان لنقصان الأهلة، وهو
فاسد، لأن ذلك لم يعتبر في صيام رمضان، فلا يعتبر في غيره حتى تنتقل ليلة القدر عن
رمضان انتهى. قلت: تزييفه هذا القول فاسد، لأن قصده تزييف قول الحنفية، ولا يدري أنه
في نفس الأمر تزييف قول ابن مسعود وابن عباس، وهذا جرأة منه، ومع هذا مأخذ ابن
مسعود كما ثبت في (صحيح مسلم) عن أبي بن كعب أنه أراد أن لا يتكل الناس، وقال
الإمام نجم الدين أبو حفص عمر النسفي في منظومته:
وليلة القدر بكل الشهر
دائرة وعيناها فأدر
وذهب ابن الزبير إلى ليلة سبع عشرة، وأبو سعيد الخدري إلى أنها ليلة إحدى
وعشرين، وإليه ذهب الشافعي، وعن عبد الله بن أنيس: ليلة ثلاث وعشرين، وعن ابن عباس
وغيره من جماعة من الصحابة: ليلة سبع وعشرين، وعن بلال: ليلة أربع وعشرين، وعن علي،
رضي الله تعالى عنه: ليلة تسع عشرة. وقيل: هي في العشر الأوسط والعشر الأخير. وقيل:
في أشفاع العشر الأواخر. وقيل: في النصف من شعبان.
وقال الشيعة: إنها رفعت، وكذا حكى المتولي في (التتمة) عن الروافض، وكذا حكى
الفاكهاني في (شرح العمدة) عن الحنفية. قلت: هذا النقل عن الحنفية غير صحيح، وقوله
عَّ اله: ((التمسوها في كذا وكذا)» يرد عليهم، وقد روى عبد الرزاق من طريق داود بن أبي

١٨٨
٣٢ - كتاب فضل ليلة القدر / باب (٢)
عاصم عن عبد الله بن خنيس: قلت لأبي هريرة: زعموا أن ليلة القدر رفعت؟ قال: كذب من
قال ذلك، وقال ابن حزم: فإن كان الشهر تسعاً وعشرين، فهي في أول العشر الأخير بلا
شك، فهي إما في ليلة عشرين أو ليلة إثنين وعشرين أو ليلة أربع وعشرين، أول ليلة ست
وعشرين، أو ليلة ثمان وعشرين. وإن كان الشهر ثلاثين فأول العشر الأواخر بلا شك، إما ليلة
إحدى وعشرين، أو ليلة ثلاث وعشرين، أو ليلة خمس أو ليلة سبع أو ليلة تسع وعشرين في
وترها. وعن ابن مسعود: أنها ليلة سبع عشرة من رمضان، ليلة بدر، وحكاه ابن أبي عاصم
أيضاً عن زيد بن أرقم.
وقيل: إن ليلة القدر خاصة بسنة واحدة، وقعت في زمن النبي عَّهِ، وحكاه الفاكهي.
وقيل: خاصة بهذه الأمة، ولم تكن في الأمم قبلهم، جزم به ابن حبيب وغيره من المالكية،
ونقله عن الجمهور صاحب (العدة) من الشافعية ورجحه، ويرد عليهم ما رواه النسائي من
حديث أبي ذر حيث قال فيه: ((قلت: يا رسول الله! أتكون مع الأنبياء فإذا ماتوا رفعت؟ قال:
بل هي باقية)). فإن قلت: روى مالك في (الموطأ): بلغني أن رسول الله عَظّم تقاصر أعمار
أمته عن أعمار الأمم الماضية. فأعطاه الله تعالى ليلة القدر. قلت: هذا محتمل للتأويل، فلا
يدفع الصريح في حديث أبي ذر، وذكر بعضهم فيها خمسة وأربعين قولاً، وأكثرها يتداخل،
وفي الحقيقة يقرب من خمسة وعشرين. فإن قلت: ما وجه هذه الأقوال؟ قلت: مفهوم العدد
لا اعتبار له، فلا منافاة. وعن الشافعي: والذي عندي أنه عٍَّ كان يجيب على نحو ما يسأل
عنه، يقال له: يلتمسها في ليلة كذا؟ فيقول: التمسوها في ليلة كذا. وقيل: إن رسول الله،
عَّاللّه، لم يحدث بميقاتها جزماً، فذهب كل واحد من الصحابة بما سمعه، والذاهبون إلى سبع
وعشرين هم الأكثرون.
٢٠١٦/١٢٢ - حدَّثْنا مُعَاذُ بنُ فَضالَةَ قال حدَّثنا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عنْ أبي سلَمَةَ قال
سألْتُ أبا سَعِيدٍ وكانَ لِي صَدِيقاً فقال اعْتَكَفْنَا معَ النبيِّ عَ لَّ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ مِنْ رَمضَانَ
فَخَرَجَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَخَطَبَنَا وقالَ إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا أَوْ نُسّيتُهَا فالْتَمِسُوهَا
فِي الْعَشْرِ الأوَاخِرِ فِي الوَثْرِ وإِنِّي رأيْتُ أَنِّي أَسْجُدُ فِي ماءٍ وطِينَ فَمَنْ كانَ اعْتَكَفَ مَعَ
رسولِ الله عَّهِ فَلْيَرْجِعْ وما نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعةٌ فجاءَتْ سَحابَةٌ فمَطَرَتْ حَتَّى سالَ سَقْفُ
الْمَسْجِدِ وكان منْ جَرِيدِ النَّخْلِ وَأَقِيمَتِ الصَّلاةُ فَرَأيْتُ رسولَ الله عَّهِ يَسْجُدُ فِي المَاءِ
والطِّينِ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ. [انظر الحديث ٦٦٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فالتمسوها في العشر الأواخر)).
وهذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع متعددة، منها في كتاب الصلاة في: باب
السجود على الأنف في الطين، فإنه أخرجه هناك: عن موسى عن همام عن يحيى عن أبي
سلمة، وهنا أخرجه: عن معاذ بن فضالة، بفتح الفاء وتخفيف الضاد المعجمة عن هشام
الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وقد مر الكلام فيه في:

١٨٩
٣٢ - كتاب فضل ليلة القدر / باب (٢)
باب السجود على الأنف في الطين، ونتكلم أيضاً زيادة للبيان.
فقوله: ((أبا سعيد))، هو الخدري: واسمه سعد بن مالك، وهنا لم يذكر المسؤول عنه في هذه
الطريق، وفي رواية علي بن المبارك تأتي في الاعتكاف: ((سألت أبا سعيد: هل سمعت رسول
الله، عٍَّ، يذكر ليلة القدر؟ فقال: نعم). فذكر الحديث. وفي رواية مسلم من طريق معمر
عن يحيى: تذاكرنا ليلة القدر في نفر من قريش، فأتيت أبا سعيد ... فذكره، وفي رواية همام:
عن يحيى في: باب السجود في الماء والطين في صفة الصلاة: ((انطلقت إلى أبي سعيد،
فقلت: ألا تخرج بنا إلى النخل نتحدث؟ فخرج، فقلت: حدثني ما سمعت من النبي، عَ ليه،
في ليلة القدر!)) فأفاد بيان سبب السؤال. قوله: ((اعتكفنا مع النبي، عَّ له، العشر الأوسط))،
هكذا وقع في أكثر الروايات، والمراد من العشر الليالي، وكان من حقها أن توصف بلفظ
التأنيث، لأن المشهور في الاستعمال تأنيث العشر، وأما تذكيره فهو باعتبار الوقت أو الزمان،
ووقع في (الموطأ): العشر الوسط، بضم الواو وفتح السين، جمع: وسطى، مثل: كبر و کبرى،
ورواه الباجي في (الموطأ) بإسكانها على أنه جمع: واسط، بازل وبزل، ووقع في رواية
محمد بن إبراهيم في الباب الذي يليه: كان يجاور العشر التي في وسط الشهر، وفي رواية
مالك الآتية، في أول الاعتكاف: كان يعتكف، وفي رواية لمسلم من طريق أبي نضرة: (عن
أبي سعيد: اعتكف العشر الأوسط من رمضان يلتمس ليلة القدر، قبل أن تبان له، قال: فلما
انقضين أمر بالبناء، فقوض ثم أبينت له أنها في العشر الأواخر، فأمر بالبناء فأعيد)). وزاد في
رواية عمارة بن غزية عن محمد بن إبراهيم أنه اعتكف العشر الأول، ثم اعتكف العشر
الأوسط، ثم اعتكف العشر الأواخر. ومثله في رواية همام المذكورة، وزاد فيها: ((إن جبريل،
عليه السلام، أتاه في المرتين فقال له: إن الذي تطلب أمامك)) بفتح الهمزة، أي: قدامك. قال
الطيبي: صف الأول والأوسط بالمفرد، والأخير بالجمع إشارة إلى تصور ليلة القدر في كل
ليلة من ليالي العشر الأخير دون الأولين.
قوله: ((فخرج صبيحة عشرين فخطبنا)). فإن قلت: يشكل على هذا رواية مالك من
حديث أبي سعيد على ما يأتي، فإن فيه: ((كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان،
فاعتكف عاماً حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من
اعتكافه)). قلت: معنى قوله: ((وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها))، أي: من الصبح الذي
قبلها، فيكون في إضافة الصبح إليها تجوز، ويوضحه أن في رواية الباب الذي يليه: ((فإذا
كان حين يمسي من عشرين ليلة تمضي وتستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه)). قوله:
((وقال: إني أريت)) على صيغة المجهول من الرؤيا، أي: أعلمت بها، أو: من الرؤية، أي:
أبصرتها، وإنما أرى علامتها وهو السجود في الماء والطين، كما وقع في رواية همام في: باب
السجود على الأنف في الطين. قوله: ((ثم أنسيتها)) من الإنساء. قوله: ((أو نسيتها))، شك من
الراوي من التنسية، فألأول من، باب الإفعال، والثاني من باب التفعيل، والمعنى: أنه أنسي
علم تعيينها في تلك السنة، وسيأتي سبب النسيان في حديث عبادة بن الصامت، رضي الله

١٩٠
٣٢ - كتاب فضل ليلة القدر / باب (٣)
تعالى عنه، بعد باب. وقال الكرماني: وأنسيتها، وفي بعضها من النسيان، ثم قال فإن قلت:
إذا جاز النسيان في هذه المسألة جاز في غيرها، فيفوت منه التبليغ إلى الأمة؟ قلت: نسيان
الأحكام التي يجب عليه التبليغ لها لا يجوز، ولو جاز ووقع لذكره الله تعالى. قوله: ((في
الوتر)) أي: أوتار الليالي: كليلة الحادي والعشرين، والثالث والعشرين، لا في أشفاعها. قوله:
((إني أسجد))، وفي رواية الكشميهني: ((أن أسجد)). قوله: ((فليرجع)) أي: إلى معتكفه في
العشر الأوسط، لأنهم كانوا معتكفين في العشر المتقدم على العشر الآخر. قوله: ((قزعة))،
بفتح القاف والزاي والعين المهملة: وهي القطعة الرقيقة من السحاب. قوله: ((فمطرت))،
بالفتحات، ويأتي في الباب الذي يليه من وجه آخر: ((فاستهلت السماء فأمطرت)). قوله:
((حتى سال سقف المسجد))، وفيه مجاز من قبيل ذكر المحل وإرادة الحال، كما يقال:
سال الوادي، وفي رواية مالك: ((فوكف المسجد))، أي: قطر الماء من سقفه. قوله: ((وكان
من جريد النخل))، الجريد سعف النخل، سميت به لأنه قد جرد عنه خوصه.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: ترك مسح جبهة المصلي من أثر التراب. وفيه: جواز
السجود في الطين. وفيه: الأمر بطلب الأولى والإرشاد إلى تحصيل الأفضل. وفيه: أن
النسيان جائز على النبي، عَو ◌ّ، لكن لا في الأحكام، كما مر ذكره، وفيه: جواز استعمال
لفظ: رمضان، بدون ذكر: شهر. وفيه: استحباب الاعتكاف وترجيحه في العشر الأخير.
وفيه: ترتب الحكم علىّ رؤيا الأنبياء، عليهم السلام. وفيه: تقديم الخطبة على التعليم.
وتقريب البعيد في الطاعة، وتسهيل المشقة فيها بحسن التلطف والتدريج إليها.
٣ - بابُ تَحَرِّي لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي الوِتْرِ مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ
أي: هذا باب في بيان طلب ليلة القدر بالاجتهاد في الوتر من العشر الأواخر، مثل:
الحادي والعشرين، والثالث والعشرين، والخامس والعشرين، والسابع والعشرين. وأشار بهذه
الترجمة إلى أن ليلة القدر منحصرة في العشر الأخير من رمضان، لا في ليلة منه بعينها،
وروى مسلم والنسائي من حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله، عَ لَّه، قال:
(أريت ليلة القدر ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها، فالتمسوها في العشر الغوابر)). وروى
الطبراني في (الكبير) من رواية عاصم بن كليب عن أبيه أن خاله الفلتان بن عاصم أخبره أن
رسول الله عَ لَّه قال: ((أما ليلة القدر فالتمسوها في العشر الأواخر)). وروى النسائي من حديث
طويل لأبي ذر، وفيه: ((في السبع الأواخر))، وروى الترمذي من حديث أبي بكرة: سمعت
النبي عَ ◌ّه يقول: ((التمسوها في تسع يبقين، أو خمس يبقين، أو ثلاث تبقين، أو آخر ليلة)).
وقال: حديث حسن صحيح، ورواه النسائي أيضاً والحاكم، وقال: صحيح الإسناد ولم
يخرجاه. وروى ابن أبي عاصم بسند صالح عن معاذ بن جبل، رضي الله تعالى عنه: ((سئل
رسول الله، عَّه، عن ليلة القدر؟ فقال: في العشر الأواخر)). في الخامسة أو السابعة)). وعن
أبي الدرداء بسند فيه ضعف، قال رسول الله، عَّير: ((التمسوها في العشر الأواخر من رمضان،
فإن الله تعالى يفرق فيها كل أمر حكيم، وفيها أنزلت التوراة والزبور وصحف موسى والقرآن

١٩١
٣٢ - كتاب فضل ليلة القدر / باب (٣)
العظيم، وفيها غرس الله الجنة وجبل طينة آدم، عليه الصلاة والسلام.
وقد ورد لليلة القدر علامات: منها: في (صحيح مسلم): عن أبي بن كعب: ((أن
الشمس تطلع في صبيحتها لا شعاع لها)) ومنها: ما رواه البزار في (مسنده) من حديث جابر
بن سمرة قال: قال رسول الله عَّةٍ: (التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر، فإني قد رأيتها
فنسيتها، وهي ليلة مطر وريح، أو قال: قطر وريح)). وقال أبو عمر في (الاستذكار): هذا يدل
على أنه أراد في ذلك العام. ومنها: ما رواه ابن حبان في (صحيحه) عن جابر بن عبد الله،
قال: قال رسول الله عَّه: ((إني كنت أريت ليلة القدر ثم نسيتها، وهي في العشر الأواخر،
وهي طلقة بلجة لا حارة ولا باردة، كأن فيها قمراً يفصح كواكبها، لا يخرج شيطانها حتى
يضيء فجرها)). ومنها: ما رواه أحمد من حديث عبادة بن الصامت مرفوعاً. ((أنها صافية بلجة
كأن فيها قمراً ساطعاً، ساكنة ضاحية لا حر فيها ولا بدر، ولا يحل لكوكب يرمي به فيها،
وأن من أمارتها أن الشمس في صبيحتها تخرج مستوية ليس لها شعاع، مثل القمر ليلة البدر،
لا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ)). ومنها: ما رواه ابن خزيمة من حديث أبي هريرة
مرفوعاً: ((أن الملائكة تلك الليلة أكثر في الأرض من عدد الحصى)). ومنها: ما رواه ابن أبي
حاتم من طريق مجاهد: ((لا يرسل فيها شيطان ولا يحدث داء))، ومن طريق الضحاك: ((يقبل
الله التوبة فيها من كل تائب، وتفتح فيها أبواب السماء، وهي من غروب الشمس إلى
طلوعها)). وذكر الطبري عن قوم أن الأشجار في تلك الليلة تسقط إلى الأرض، ثم تعود إلى
منابتها، وأن كل شيء يسجد فيها. وروى البيهقي في فضائل الأوقات من طريق الأوزاعي
عن عبدة بن أبي لبابة أنه سمعه يقول: ((إن المياه المالحة تعذب تلك الليلة)). وروى أبو عمر
من طريق زهرة بن معبد نحوه.
فِيهِ عِبَادَةُ
أي: في هذا الباب حديث عبادة بن الصامت، رضي الله تعالى عنه، ويجيء في الباب
الذي يليه، ويروى: فيه عن عبادة.
١٢٣/ ٢٠١٧ - حدَّثْنَا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدَّثنا إِسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ قال حذَّثنا أبُو
سُهَيْلٍ عنْ أَبِيهِ عنْ عائشةَ رضي الله تعالى عنها أنَّ رسولَ الله عَ لِ قال تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ
فِي الْوِتْرِ مِنَ الَعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضانَ. [الحديث ٢٠١٧ - طرفاه في: ٢٠١٩، ٢٠٢٠].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وإسماعيل بن جعفر أبو إبراهيم الأنصاري المؤدب المديني،
وأبو سهيل: اسمه نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المديني، عم مالك بن أنس، وليس
لأبيه في الصحيح عن عائشة غير هذا الحديث.
قوله: ((تحري))، من التحري وهو الطلب بالاجتهاد.
١٢٤/ ٢٠١٨ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ حَمْزَةَ قال حدَّثني ابنُ أبِي حازِمٍ والدَّرَاوَزْدِيُّ عنْ
يَزِيدَ عنْ مُحَمَّدٍ بِنِ إِبْرَاهِيمَ عنْ أَبِي سلَمَةَ عنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ رضي الله تعالى عنهُ قال
١

١٩٢
٣٢ - كتاب فضل ليلة القدر / باب (٣)
كانَ رسولُ اللهِ عَّلِ يُجَاوِرُ فِي رَمَضَانَ الْعَشْرَ الَّتِي في وسَطِ الشَّهْرِ فَإِذَا كَانَ حِينَ يُمْسِي
مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةٌ تَخْضِي ويَشْتَقْبِلُ إحْدَى وعِشْرِينَ رَجَعَ إلَى مَسْكَيْهِ وَرَجَعَ مِنْ كانَ يُجَاوِرُ مَعَهُ
وأَنَّهُ أَقَامَ في شَهْرٍ جاورَ فيهِ اللَّيْلَةَ الَّتِي كَانَ يَرْجِعُ فِيهَا فخَطَبَ الناسَ فَأُمَرَهُمْ ما شاءَ الله ثمّ
قالَ كُنْتُ أَجَاوِرُ هَذِهِ الْعَشْرَ ثُمَّ قَدْ بَدَا لي أنْ أَجَاوِرَ هذِهِ الْعَشْرَ الأُوَاخِرَ فَمَنْ كانَ اعْتَكَفَ
مَعِي فَلْيَثْبُتْ فِي مُعْتَكَفِهِ وقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أَنْسِيتُهَا فابْتَغُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ وَابْتَغُوها
فِي كلِّ وِتْرٍ وقَدْ رأيتُنِي أسْجُدُ في ماءٍ وطِينٍ فاسْتَهلَّتِ السَّمَاءُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فأمْطَرَتْ
فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ فِي مُصَلَّى النّبِيِّ عَُّلِّ لَيْلَةَ إحدَى وَعِشْرِينَ فِبَصُرَتْ عَيْنِي نَظَرْتُ إِلَيْهِ
انْصَرَفَ مِنَ الصُّبْحِ ووَجْهُهِ مُمْتَلِىءٌ طِيناً وماءً. [انظر الحديث ٦٦٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فابتغوها في العشر الأواخر)). وإبراهيم بن حمزة أبو
إسحاق الزبيري الأسدي المديني وهو من أفراده، وابن أبي حازم هو عبد العزيز بن أبي حازم،
واسم أبي حازم: سلمة بن دينار، والدراوردي بالمهملات هو: عبد العزيز بن محمد، فنسبته
إلى دراورد، قرية من قرى خراسان، ويزيد من الزيادة هو ابن الهاد، وهو يزيد بن عبد الله بن
أسامة بن الهاد الليثي، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث أبو عبد الله التيمي القرشي المديني.
قوله: (يجاور))، أي: يعتكف. قوله: ((التي في وسط الشهر))، وفي رواية الكشميهني:
((وسط الشهر)) بدون كلمة: قوله: ((فإذا كان حين يمسي))، بالرفع اسم كان، وبالنصب ظرف.
قوله: ((تمضي)) في محل النصب على أنها صفة لقوله: ((ليلة))، التي هي منصوبة على التمييز.
قوله: ((ويستقبل)) عطف على قوله: ((يمسي))، لا على قوله: ((تمضي))، وهو بالإفراد رواية
الكشميهني، وفي رواية غيره: ((يمضين))، بالجمع. قوله: ((ورجع من كان يجاور معه)) أي: من
كان يعتكف مع النبي عَّهِ، وكلمة: مَن، فاعل قوله: ((رجع)). قوله: ((ثم بدا لي)) أي: ظهر
لي، من الرأي أو من الوحي. قوله: ((العشر الأواخر))، وإنما وصف العشر بالأواخر باعتبار
جنس الأعشار، كما يقال: الدرهم البيض، وأيام العشر الأواخر، فوصفه باعتبار الأيام. قوله:
((فليثبت)) من الثبات، وهو رواية الأكثرين، ويروى: ((فليلبث))، من اللبث وهو المكث. قوله:
((وقد أُريت))، بضم الهمزة على بناء المجهول. قوله: ((ثم أَنسيتها)) بضم الهمزة من الإنساء
من باب الإفعال.
قوله: ((فابتغوها))، بالباء الموحدة والغين المعجمة، ومعناه: اطلبوها. قوله: ((وقد
رأيتُني)) بضم التاء، اجتمع فيه: الفاعل والمفعول ضميران لشيء واحد، وهذا من خصائص
أفعال القلوب، والتقدير: رأيت نفسي. قوله: ((فاستهلت السماء))، من الاستهلال، يقال
استهلت السماء إذا أمطرت بشدة وصوت، ومنه: استهل الهلال، إذا رفع الصوت بالتكبير عند
رؤيته. قوله: ((فأمطرت))، تأكيد لما قبله، لأن: استهلت، تتضمن معنى: أمطرت. قوله:
((فوكف المسجد)) من قولهم: وكف الدمع إذا تقاطر، وكذا وكف البيت. قوله: ((فبصرت
عيني))، هو مثل: أخذت بيدي، وإنما يؤكد بذلك في أمر يعز الوصول إليه إظهاراً للتعجب من
حصول تلك الحالة الغريبة. قوله: ((ثم نظرت إليه)) أي: إلى النبي عَِّ. قوله: ((ووجهه

١٩٣
٣٢ - كتاب فضل ليلة القدر / باب (٣)
ممتلىء)) جملة إسمية وقعت حالاً. قوله: ((طيناً)، نصب على التمييز ((وماءً))، عطف عليه.
٢٠١٩/١٢٥ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قال حدَّثنا يَحْيِى عنْ هِشَامٍ قال أخبرني أبي
عن عائشةَ رضي الله تعالى عنها عنِ النبيِّ عَُّلَّه قال الْتَمِسُوا. ح. [انظر الحديث
٢٠١٧ وطرفه].
٠٠٠/ ٢٠٢٠ - وحدّثني محَمَّدٌ قال أخبرنا عَبْدَةُ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أَبِيهِ عنْ
عَائِشَةَ قَالَتْ كانَ رسولُ الله عَلَّهِ يُجاوِرُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رمضَانَ ويَقُولُ تَحَرَّوْا لَيْلَةَ
القَدْرِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضانَ. [انظر الحديث ٢٠١٧ وطرفه].
مطابقته لجزء الترجمة، وهو قوله: ((ليلة القدر)).
وأخرجه من طريقين: أحدهما: عن محمد بن المثنى عن يحيى القطان عن هشام بن
عروة عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، عن النبي عَ لّه قال:
((التمسوا)) كذا أخرجه مختصراً، كأنه أحال بقيته على الطريق الثاني، ومفعول: التمسوا،
محذوف أي: التمسوا ليلة القدر، أي: اطلبوها، وفي بعض النسخ: التمسوها، وعلى هذا
فسره الكرماني. قال: قوله التمسوها، الضمير مبهم مفسره: ليلة القدر. كقوله تعالى:
﴿فسواهن سبع سموات﴾ [البقرة: ٢٩]. وهو غير ضمير الشأن، إذ مفسره لا بد أن يكون
جملة، وهذا مفرد وبهذا الطريق أخرجه أحمد عن يحيى بن سعيد عن هشام بن عروة عن أبيه
((عن عائشة: كان رسول الله عَُّلِّ يعتكف في العشر الأواخر، ويقول: التمسوها في العشر
الأواخر))، يعني: ليلة القدر.
والطريق الثاني: عن محمد بن المثنى أيضاً، وقيل: هو محمد بن سلام، عن عبدة،
بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة: ابن سليمان الكوفي، عن هشام بن عروة ... إلى
آخره.
وأخرجه الترمذي: ((حدثنا هارون بن إسحاق حدثنا عبدة بن سليمان عن هشام بن
عروة عن أبيه عن عائشة، قالت: كان رسول الله عَّله يجاور في العشر الأواخر من رمضان
ويقول: تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان)). انتهى. وهذا كما رأيت في الطريق
الأول: التمسوا، وفي الثاني: تحروا. والفرق بينهما أن كلاً منهما طلب وقصد، ولكن معنى:
التحري، أبلغ لاشتماله على الطلب بالجد والاجتهاد.
٢٠٢١/١٢٦ - حدَّثنا مُوسى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا وُهَيْبٌ قال حدثنا أيُّوبُ عنْ
عِكَرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أنَّ النبيَّ عَِّ قال الْتَمِسُوها في العَشْرِ
الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ لِّيلَةَ القَدْرِ فِي تَاسِعةٍ تَبْقَى فِي سابِعَةٍ تَبْقَى في خامِسَةٍ تَبْقَى.
[الحديث ٢٠٢١ - طرفه في: ٢٠٢٢].
مطابقته للترجمة ظاهرة، ورجاله قد ذكروا غير مرة، ووهيب - تصغير وهب - بن خالد
عمدة القاري/ ج١١ م١٣

١٩٤
٣٢ - كتاب فضل ليلة القدر / باب (٣)
أبو بكر البصري، وأيوب هو السختياني.
قوله: ((التمسوها)) قد مر الكلام فيه عن قريب. قوله: ((ليلة القدر)) بالنصب على البدل
من الضمير الذي في قوله: ((التمسوها))، ويجوز رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هي
ليلة القدر، قوله: ((في تاسعة)) بدل من العشر، وتبقى صفة للتاسعة، وهي: الحادي
والعشرون، لأن المحقق المقطوع بوجوده بعد العشرين من رمضان تسعة أيام لاحتمال أن
يكون الشهر تسعة وعشرين يوماً، ليوافق الأحاديث الدالة على أنها في الأوتار. قوله: ((في
سابعة تبقى)) ليلة ثلاث وعشرين. قوله: ((في خامسة تبقى)) ليلة خمس وعشرين، وإنما يصح
معناه ويوافق ليلة القدر وتراً من الليالي على ما ذكر في الحديث: إذا كان الشهر ناقصاً. فأما
إن كان كاملاً فإنها لا تكون إلاَّ في شفع، فتكون التاسعة الباقية ليلة ثنتين وعشرين،
والخامسة الباقية ليلة أربع وعشرين، فلا يصادف واحدة منهن وتراً، وهذا دال على الانتقال
من وتر إلى شفع، والنبي عَّ ◌ُلِّ لم يأمر أمته بالتماسها في شهر كامل دون ناقص، بل أطلق
طلبها في جميعه التي قدر منها الله تعالى على التمام مرة وعلى النقص أخرى، فثبت انتقالها
في العشر الأواخر. وقيل: إنما خاطبهم بالنقص لأنه ليس على تمام شهر على يقين.
١٢٧/ ٢٠٢٢ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ أبي الأسْودِ قال حدثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قال حدَّثنا
عاصِمٌ عنْ أَبِي مِجْلَزْ وِكْرِمَةَ قال ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال رسولُ الله عَ لَّه
هيٍ في العَشْرِ هِيَ فِي تِسْعٍ يَمْضِينَ أُوْ فِي سَبْعٍ يَبْقِينَ يَعْنِي لَيلَةَ الْقَدْرِ. [انظر الحديث
٢٠٢١].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وعبد الله هو ابن محمد بن أبي الأسود، واسمه حميد
البصري الحافظ، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وهو من أفراده، وعبد الواحد بن زياد
وعاصم هو ابن سليمان الأحول البصري، وأبو مجلز، بكسر الميم وسكون الجيم وفتح اللام
وفي آخره زاي: واسمه لاحق بن حميد بن سعيد السدوسي البصري، وقد مر فيما مضى.
قوله: ((هي))، أي: ليلة القدر في العشر. قوله: ((هي في تسع ... )) إلى آخره، بيان
للعشر، أي: في ليلة التاسع والعشرين. قوله: ((أو سبع بيقين)) أي: ليلة السابع والعشرين، وفي
رواية الأكثرين هنا: ((في تسع))، بالتاء المثناة من فوق قبل السين مقدماً، وبعده: ((في سبح))
بتقديم السين قبل الباء الموحدة، وبلفظ المضي في الأول، ولفظ البقاء في الثاني.
وللكشميهني بلفظ: المضي فيهما، وفي رواية الإسماعيلي بتقديم السين في الموضعين، وقال
الكرماني: وأما رواية: في سبع يبقين، فيحتمل ليلة الثالث والعشرين، أو هي مع سائر الليالي
التي بعدها إلى آخر الشهر كلهن، وقد قيل: إن هذا الحديث الذي ذكره البخاري مرفوعاً
موقوف، رواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة وعاصم أنهما سمعا عكرمة يقول: قال ابن
عباس: دعا عمر، رضي الله تعالى عنه، أصحاب رسول الله، عَّ له، وسألهم عن ليلة القدر؟
فأجمعوا على أنها في العشر الأواخر، قال ابن عباس لعمر: إني لا أعلم - أو أظن - أي ليلة

١٩٥
٣٢ - كتاب فضل ليلة القدر / باب (٣)
هي؟ قال عمر، رضي الله تعالى عنه: أي ليلة هي؟ فقلت: سابغة تمضي أو سابعة تبقى من
العشر الأواخر. فقال: من أين علمت ذلك؟ قلت: خلق الله سبع سموات وسبع أرضين وسبعة
أيام، والدهر يدور في سبع، والإنسان خلق من سبع. ويأكل من سبع ويسجد على سبع،
والطواف والجمار وأشياء ذكرها، فقال عمر: لقد فطنت لأمر ما فطنا له، وله طريق آخر
أخرجها إسحاق بن راهويه في (مسنده) والحاكم في (مستدركه) والبيهقي عنه في (سننه)
من رواية عاصم بن كليب الجرمي عن أبيه عن ابن عباس، قال: كان عمر بن الخطاب
يدعوني مع أصحاب محمد عَّةٍ، ويقول لي: لا تتكلم حتى يتكلموا. قال: فدعاهم وسألهم
عن ليلة القدر، فقال: أرأيتم قول رسول الله عَ ليه: التمسوها في العشر الأواخر، أي: ليلة
نزولها؟ قال: فقال بعضهم: ليلة ثلاث، وقال آخر: خمس، وأنا ساكت، فقال: ما لك لا
تتكلم؟ قال: فقلت: أحدثكم برأيي؟ قال: عن ذلك نسألك. قال: فقلت: السبع، رأيت الله
ذكر سبع سموات، ومن الأرض سبعاً، وخلق الإنسان من سبع، ونبات الأرض سبع ... ، وذكر
بقيته، فقال عمر: ما أرى القول إلاَّ كما قلت، وقال في آخره: فقال عمر: أعجزتم أن تكونوا
مثل هذا الغلام الذي ما استوت شؤون رأسه؟ ورواه محمد بن نصر في قيام الليل من هذا
الوجه، وزاد فيه: وأن الله جعل النسب في سبع، والطهر في سبع، ثم تلا: ﴿حرمت عليكم
أمهاتكم﴾ [النساء: ٢٣].
تابَعَهُ عَبْدُ الوَهَّابِ عنْ أَيُّوبَ
أي: تابع وهيباً عبد الوهاب الثقفي في روايته عن أيوب السختياني، ووصل هذه
المتابعة أحمد وابن عمر في (مسنديهما) عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن أيوب
متابعاً لوهيب في إسناده ولفظه، وهذه المتابعة وقعت عند الأكثرين من رواية الفربري، وعند
النسفي وقعت عقيب طريق وهيب عن أيوب.
وعنْ خالِدٍ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسِ الْتَمِسُوا في أرْبَعٍ وعِشْرِينَ
أي: وروى عن خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس، قيل: هذه موصولة بالإسناد
الأول، وإنما حذفها أصحاب المسندات لكونها موقوفة. قلت: جزم الحافظ المزني بأن طريق
خالد هذه معلقة، وروى أنس: ((أنه معَّ للم كان يتحرى ليلة القدر ثلاثة وعشرين وليلة أربع
وعشرين)). وقال ابن حبيب: يتحرى يتم الشهر أو ينقص، فيتحراها في ليلة من السبع.
البواقي، فإن كان تاماً فهي ليلة أربع وعشرين، وإن كان ناقصاً فثلاث. ولعل ابن عباس إنما
قصد في الأربع احتياطاً. وروى أحمد في (مسنده) من طريق سماك بن حرب عن عكرمة
((عن ابن عباس، قال: أتيت وأنا نائم، فقيل لي: الليلة ليلة القدر، فقمت وأنا ناعس، فتعلقت
ببعض أطناب رسول الله، عَّه، فإذا هو يصلي. قال: فنظرت في تلك الليلة فإذا هي ليلة أربع
وعشرين)). وروى الطيالسي من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعاً: «ليلة القدر ليلة أربع
وعشرين)) روى ذلك عن ابن مسعود والشعبي والحسن وقتادة، وحجتهم حديث واثلة: أن

١٩٦
٣٢ - كتاب فضل ليلة القدر / باب (٤)
القرآن نزل لأربع وعشرين من رمضان، وروى أحمد من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن أبي
حبيب عن أبي الخير عن الصنابحي عن بلال مرفوعاً: التمسوا ليلة القدر ليلة أربع وعشرين)).
قال: أخطأ ابن لهيعة في رفعه، فقد رواه عمرو بن الحارث عن يزيد بهذا الإسناد موقوفاً بغير
لفظه.
٤ - بابُ رفْعٍ مَعْرِفَةٍ لَيْلَةِ القَدْرِ لتلاحِي النَّاسِ
أي: هذا باب في بيان رفع معرفة ليلة القدر وإنما قيد بالمعرفة لئلا يظن أنها رفعت
بالكلية وإنما رفعت معرفتها أي معرفة تعيينها. قوله: ((لتلاحي الناس)) أي لأجل مخاصمتهم
والتلاحي والملاحات المخاصمة والمعاولة يقال لحيت الرجل ألحاه لحياً إذا لمته وعذلته
ولاحيته ملاحاة ولحاء إذا نازعته.
٢٠٢٣/١٢٨ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الْمُثَنَّى قال حدثنا خالِدُ بنُ الحَارِثِ قال حدثنا
حُمَيْدٌ قال حدَّثنا أنس عنْ عُبَادةَ بنِ الصَّامِتِ قال خَرَجَ النبيُّ عَُّلِّ لِيُخْبِرَنا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ
فتَلاحَى رَجُلانِ مِنَ المُسْلِمينَ فقال خَرَجْتُ لِأَخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ فَتَلاحَى فُلانٌ وَفُلانٌ
فَرُفِعَتْ وعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْراً لَكُمْ فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعةِ والسَّابِعَةِ والخَامِسَةِ. [انظر
الحديث ٤٩ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، ورجاله قد ذكروا، وخالد بن الحارث الهجيمي مر في
الجمعة.
والحديث مضى في كتاب الإيمان في: باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله، وهو
لا يشعر، فإنه أخرجه هناك: عن قتيبة عن إسماعيل بن جعفر عن حميد عن أنس عن عبادة بن
الصامت، وقد مر الكلام فيه هناك. قوله: ((أنس بن عبادة بن الصامت)) وهناك: أنس أخبرني
عبادة بن الصامت، كذا رواه أكثر أصحاب حميد عن أنس عن عبادة، ورواه مالك فقال: عن
حميد عن أنس، قال: خرج علينا، ولم يقل: عن عبادة، فجعل الحديث من مسند أنس، وقال
أبو عمر والصواب إثبات عبادة، وأن الحديث من مسنده.
قوله: ((فتلاحى رجلان))، وفي رواية أبي نضرة عن أبي سعيد عند مسلم: ((فجاء
رجلان يختصمان معهما الشيطان)). قوله: ((فلان وفلان))، قيل: هما عبد الله بن أبي حدرد
وكعب بن مالك. قوله: ((فرفعت))، أي: من قلبي، فنسيت تعيينها للاشتغال بالمتخاصمين،
وقيل: المعنى رفعت بركتها في تلك السنة، وقيل: التاء في: رفعت، للملائكة، لا: لليلة.
وقال الطيبي: قال بعضهم: رفعت، أي معرفتها، والحامل له على ذلك أن رفعها
مسبوق بوقوعها، فإذا وقعت لم يكن لرفعها معنىّ. قال: ويمكن أن يقال: المراد برفعها أنها
شرعت أن تقع، فلما تخاصما رفعت، فنزل الشروع منزلة الوقوع. انتهى. قلت: هذا القول
الذي نقله الطيبي هو موافق للترجمة على ما لا يخفى. فإن قلت: هذا الحديث يدل على أن
سبب الرفع هو ملاحاة الرجلين، وقد روى مسلم من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة: أن

١٩٧
٣٢ - كتاب فضل ليلة القدر / باب (٥)
رسول الله، عَّ له، قال: ((أريت ليلة القدر ثم أيقظني أهلي فنسيتها))، وهذا يدل على أن
سبب الرفع هو النسيان. قلت: يمكن أن يحمل على التعدد، بأن تكون الرؤيا في حديث أبي
هريرة مناماً فيكون سبب النسيان الإيقاظ، وأن تكون الرؤيا في حديث غيره في اليقظة،
فيكون سبب النسيان ما ذكر من المخاصمة، ويمكن أن يحمل على اتحاد القضية، ويكون
النسيان وقع مرتين عن سببين، فإن قلت: لما تقرر أن الذي ارتفع علم تعيينها في تلك السنة،
فهل أعلم النبي، عَلِّ، بعد ذلك بتعيينها؟ قلت: روي عن ابن عيينة أنه أعلم بعد ذلك
بتعيينها. فإن قلت: روى محمد بن نصر من طريق واهب المعافري أنه سأل زينب بنت أم
سلمة: هل كان رسول الله، عَّه، يعلم ليلة القدر؟ فقالت: لا، لو علمها لما قام الناس في
غيرها. قلت: الذي قالته زينب إنما قالته احتمالاً، وهذا لا ينافي علمه بذلك.
قوله: ((وعسى أن يكون خيراً لكم))، يريد أن البحث عنها والطلب لها بكثير من العمل
هو خير، من هذه الجهة، قاله ابن بطال، وقال ابن التين: لعله يريد أنه لو أخبرهم بعينها لأقلوا
من العمل في غيرها وأكثروه فيها، وإذا غيبت عنهم أكثروا العمل في سائر الليالي رجاء
موافقتها. قوله: ((فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة))، يحتمل أن يريد بالتاسعة: تاسع
ليلة من العشر الأخير، فتكون ليلة تسع وعشرين، ويحتمل أن يريد بها: تاسع ليلة تبقى من
الشهر، فيكون ليله إحدى أو ثنتين، بحسب تمام الشهر ونقصانه.
٥ - بابُ الْعَمَلِ فِي العَشرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضانَ
أي: هذا باب في بيان الاجتهاد في العمل في العشر الأواخر من شهر رمضان وفيه
رواية المستملي: في رمضان.
١٣٩ / ٢٠٢٤ _ حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عنْ أَبِي يَعْفُورٍ
عنْ أبِي الضُّحَى عنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ كانَ النبيُّ عَّهِ إِذَا
دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِثْزَرَهُ وأحيا لَيْلَهُ وَأَنْقَظَ أهْلَهُ.
مطابقته للترجمة من حيث إن شد المئزر وإحياء الليل وإيقاظ الأهل كلها من العمل
في العشر الأواخر.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: علي بن عبد الله المعروف بابن المديني. الثاني:
سفيان بن عيينة. الثالث: أبو يعفور، بفتح الياء آخر الحروف وسكون العين المهملة وضم
الفاء وبالراء، منصرفاً، اسمه عبد الرحمن بن عبيد البكائي العامري. الرابع: أبو الضحى، مسلم
ابن صبيح - مصغر الصبح. الخامس: مسروق بن الأجدع. السادس: عائشة أم المؤمنين.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
أربعة مواضع. وفيه: رواية التابعي عن التابعي، ثلاثة في نسق واحد عن الصحابية، وذلك لأن
أبا يعفور تابعي صغير، ولهم أبو يعفور آخر اسمه: وقدان، تابعي كبير، ومسروق تابعي كبير.
وفيه: عن سفيان عن أبي يعفور، وفي رواية أحمد عن ابن عبيد بن نسطاس، وهو أبو يعفور،

١٩٨
٣٢ - كتاب فضل ليلة القدر / باب (٥)
لأنه عبد الرحمن بن عبيد كما ذكرنا وعبيد بن نسطاس. وفيه: اثنان مذكوران باسمهما من
غير نسبة واثنان مذكوران بالكنى أحدهما: بيعفور، وهو الظبي، وقيل: الخشف. والآخر:
بالضحى، وهو فوق الضحوة، وهو ارتفاع أول النهار. وفيه: أن شيخه بصري وسفيان مكي
والبقية كوفيون.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم أيضاً في الصوم عن إسحاق بن إبراهيم وابن أبي
عمر. وأخرجه أبو داود في الصلاة عن نصر بن علي وداود بن أمية. وأخرجه النسائي فيه وفي
الاعتكاف عن محمد بن عبد الله بن يزيد المقرىء. وأخرجه ابن ماجه في الصوم عن عبد
الله بن محمد الزهري.
ذكر معناه: قوله: ((إذا دخل العشر))، أي: العشر الآخر، وصرح به في حديث علي
عند ابن أبي شيبة. قوله: ((شد مئزره)) أي: إزاره، كقولهم: ملحفة ولحاف، وهو كناية إما عن
ترك الجماع، وإما عن الاستعداد للعبادة، والاجتهاد لها زائداً على ما هو عادته، عَّ له، وأما
عنهما كليهما معاً، ولا ينافي إرادة الحقيقة أيضاً بأن شد مئزره ظاهراً أيضاً وجزم عبد الرزاق
عن الثوري أن المراد به الاعتزال من النساء، واستشهد بقول الشاعر:
عن النساءِ ولو باتت بأطهار
قوم إذا حاربوا شدوا مازرهم
وذكر ابن أبي شيّة عن أبي بكر بن عياش نحوه، وفي (التلويح): المئزر والإزار ما
يأتزر به الرجل من أسفله، وهو يذكر ويؤنث، وهو كناية عن الجد والتشمير في العبادة، وعن
الثوري أنه من ألطف الكنايات عن اعتزال النساء، وقال القرطبي: وقد ذهب بعض أئمتنا إلى
أنه عبارة عن الاعتكاف. قال: وفيه بعد. لقوله: ((أيقظ أهله))، وهذا يدل على أنه كان معهم
في البيت، وهو كان في حال اعتكافه في المسجد، وما كان يخرج منه إلاّ لحاجة الإنسان،
على أنه يصح أن يوقظهن من موضعه من باب الخوخة التي كانت له إلى بيته في المسجد.
وقال صاحب (التلويح): يحتمل أيضاً أن يكون قوله: ((يوقظ أهله))، أي: المعتكفة معه في
المسجد، ويحتمل أن يوقظهن إذا دخل البيت لحاجته. قوله: ((وأحيا ليله))، يعني باجتهاده
في العشر الآخر من رمضان، لاحتمال أن يكون الشهر إما تاماً وإما ناقصاً فإذا أحيى ليالي
العشر كلها لم يفته منها شفع ولا وتر، وقيل: لأن العشر آخر العمل فينبغي أن يحرض على
تجويد الخاتمة، ونسبة الإحياء إلى الليل مجاز، فإذا سهر فيه للطاعة فكأنه أحيا، لأن النوم
أخو الموت. ومنه قوله: ((لا تجعلوا بيوتكم قبوراً)، أي: لا تناموا فتكونوا كالأموات، فتكون
بيوتكم کالقبور.
قال شيخنا: وفي حديث عائشة في (الصحيح) إحياء الليل كله، والظاهر - والله أعلم
- معظم الليل، بدليل قولها في الحديث الصحيح: ((ما علمته قام ليلة حتى الصباح)). وقال
النووي: وقولها: ((أحيا الليل)) أي: استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها، قال: وفيه استحباب
إحياء لياليه بالعبادات. قال: وأما قول أصحابنا: يكره قيام الليل، فمعناه الدوام عليه، ولم

١٩٩
٣٢ - كتاب فضل ليلة القدر / باب (٥)
يقولوا بكراهة ليلة وليلتين والعشر، ولهذا، اتفقوا على استحباب إحياء ليلتي العيد وغير ذلك.
قوله: ((وأيقظ أهله)) أي: للصلاة والعبادة، وروى الترمذي من حديث علي، رضي الله تعالى
عنه: ((أن النبي عَّلِ كان يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان)). وقال: هذا حديث حسن
صحيح، وروى أيضاً من حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: ((كان رسول الله، معێ}،
يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها)) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وروى
محمد بن نصر من حديث زينب بنت سلمة: ((لم يكن النبي، عَِّ، إذا بقي من رمضان
عشرة أيام يدع أحداً من أهله يطيق القيام إلاَّ أقامه)).

بسم الله الرحمن الرّحيم
٣٣ - كِتَابُ الاعتِگاف
أي: هذا كتاب في بيان الاعتكاف وأحواله، وهذا بالبسملة، ولفظ: الكتاب، في رواية
النسفي، ولم يقع هذا في رواية غيره إلاّ في رواية المستملي، وقعت البسملة بعد قوله: أبواب
الاعتكاف، وهو في اللغة: اللبث مطلقاً. ويقال: الاعتكاف والعكوف: الإقامة على الشيء،
وبالمكان ولزومها في اللغة، ومنه يقال لمن لازم المسجد: عاكف ومعتكف، هكذا ذكره ابن
الأثير. في (النهاية). وفي (المغني): هو لزوم الشيء وحبس النفس عليه براً كان أو غيره،
ومنه قوله تعالى: ﴿ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون﴾ [الأنبياء: ٥٢]. وقوله تعالى:
﴿يعكفون على أصنام لهم﴾ [الأعراف: ١٣٨]. وقوله تعالى: ﴿وانظر إلى إلهك الذي ظلت
عليه عاكفاً﴾ [طه: ٩٧]. وفي الشرع: الاعتكاف الإقامة في المسجد واللبث فيه على وجه
التقرب إلى الله تعالى على صفة يأتي ذكرها، قال الجوهري: عكفه أي: حبسه، يعكفه بضم
عينها وكسرها عكفاً، وعكف على الشيء يعكف عكوفاً، أي: أقبل عليه مواظباً يستعمل
لازماً، فمصدره عكوف، ومتعدياً فمصدره عكف، والاعتكاف مستحب. قاله في بعض كتب
أصحابنا. وفي (المحيط): سنة مؤكدة. وفي (المبسوط): قربة مشروعة. وفي (منية المفتي):
سنة. وقيل: قربة. وفي (التوضيح): قام الإجماع على أن الاعتكاف لا يجب إلاّ بالنذر.
فإن قلت: كان الزهري يقول: عجباً من الناس كيف تركوا الاعتكاف، ورسول الله،
عَّهِ، كان يفعل الشيء ويتركه، وما ترك الاعتكاف حتى قبض؟ قلت: قال أصحابنا: إن أكثر
الصحابة لم يعتكفوا. وقال مالك: لم يبلغني أن أبا بكر وعمر وعثمان وابن المسيب، ولا
أحداً من سلف هذه الأئمة اعتكف، إلاَّ أبا بكر بن عبد الرحمن، وأراهم تركوه لشدته، لأن
ليله ونهاره سواء، وفي (المجموعة) للمالكية: تركوه لأنه مكروه في حقهم، إذ هو كالوصال
المنهي، وأقل الاعتكاف نفلاً يوم عند أبي حنيفة، وبه قال مالك، وعند أبي يوسف: أكثر
اليوم، وعند محمد: ساعة، وبه قال الشافعي وأحمد في رواية. وحكى أبو بكر الرازي عن
مالك: أن مدة الاعتكاف عشرة أيام. فيلزم بالشروع ذلك، وفي (الجلاب): أقله يوم،
والاختيار عشرة أيام. وفي (الإكمال): استحب مالك أن يكون أكثره عشرة أيام، وهذا يرد
نقل الرازي عنه. وقال أبو البركات بن تيمية الحنبلي: وقالت الأئمة الأربعة وأتباعهم: الصوم
من شرط الاعتكاف الواجب، وهو مذهب علي وابن عمر وابن عباس وعائشة والشعبي
والنخعي ومجاهد والقاسم بن محمد ونافع وابن المسيب والأوزاعي والزهري والثوري
والحسن بن حي. وقال عبد الله بن مسعود وطاوس وعمر بن عبد العزيز وأبو ثور وداود
وإسحاق وأحمد، في رواية: إن الصوم ليس بشرط في الواجب والنفل، وبه قال الشافعي
وأحمد، وما ذكره أبو البركات قول قديم للشافعي، واحتجوا بما روي عن ابن عباس أنه قال:
٢٠٠