النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦١) الآخرة ولا من خيور الدنيا إلاَّ دعا لي به. وقوله: ((اللهم ارزقه مالاً وولداً وبارك له)) بيان لدعائه عّلّه له، ويدل عليه رواية أحمد من رواية عبيدة بن حميد عن حميد: ((إلاّ دعا لي به، فكان من قوله: أللهم ... )) إلى آخره. فإن قلت: المال والولد من خير الدنيا، فأين ذكر خير الآخرة في الدعاء له؟ قلت: الظاهر أن الراوي اختصره، يدل عليه ما رواه ابن سعد بإسناد صحيح عن الجعد ((عن أنس، قال: أللهم أكثر ماله وولده وأطل عمره واغفر ذنبه))، ووقع في رواية مسلم عن الجهد ((عن أنس: فدعا لي بثلاث دعوات، قد رأيت منها اثنتين في الدنيا، وأنا أرجو الثالثة في الآخرة»، فلم يبين الثالثة وهي المغفرة، كما بينها ابن سعد في روايته، وقال الكرماني: ولفظ: ((بارك)) إشارة إلى خير الآخرة، والمال والولد الصالحان من جملة خير الآخرة أيضاً لأنهما يستلزمانها. قوله: ((وبارك له)) وفي رواية الكشميهني: ((وبارك فيه))، وإنما أفرد الضمير نظراً إلى المذكور من المال والولد، وفي رواية أحمد فيهم نظراً إلى المعنى. قوله: ((فإني لمن أكثر الأنصار مالاً)) الفاء فيها معنى التفسير فإنها تفسر معنى البركة في ماله، واللام في: لمن، للتأكيد و: مالاً، نصب على التمييز. فإن قلت: وقع عند أحمد من رواية ابن أبي عدي أنه لا يملك ذهباً ولا فضة غير خاتمه، وفي رواية ثابت عند أحمد، ((قال أنس: وما أصبح رجل من الأنصار أكثر مني مالاً، قال: يا ثابت! وما أملك صفراً ولا بيضاً إلاَّ خاتمي؟)) قلت: مراده أن ماله كان من غير النقدين، وفي (جامع الترمذي) قال أبو العالية: كان لأنس بستان يحمل في السنة مرتين، وكان فيه ريحان يجيء منه رائحة المسك، وفي (الحلية) لأبي نعيم من طريق حفصة بنت سيرين ((عن أنس، قال: وإن أرضي لتثمر في السنة مرتين، وما في البلد شيء يثمر مرتين غيرها)). قوله: ((وحدثتني ابنتي أمينة))، بضم الهمزة وفتح الميم وسكون الياء آخر الحروف وفتح النون: وهو تصغير: آمنة، وفيه رواية الأب عن بنته لأن أنساً روى هذا عن بنته أمينة، وهو من قبيل رواية الآباء عن الأبناء. قوله: ((إنه دفن لصلبي)) أي: من ولده دون أسباطه وأحفاده. قوله: ((مقدم الحجاج)) هو: ابن يوسف الثقفي وكان قدومه البصرة سنة خمس وسبعين، وعمر أنس حينئذ نيف وثمانون سنة، وقد عاش أنس بعد ذلك إلى سنة ثلاث ويقال: اثنتين، ويقال: إحدى وتسعين، وقد قارب المائة. فإن قلت: البصرة منصوبة بماذا؟ ولا يجوز أن يكون العامل فيها لفظ مقدم لأنه اسم زمان وهو لا يعمل؟ قاله الكرماني قلت: فيه مقدر تقديره زمان قدومه البصرة، والمقدم هنا مصدر ميمي فالكرماني لما رآه على وزن اسم الفاعل ظن أنه اسم زمان، فلذلك تكلف في السؤال والجواب، وأما لفظ مقدم فإنه منصوب بنزع الخافض تقديره: إلى مقدم الحجاج أي: إلى قدومه، أي: إلى وقت قدومه، حاصله أن من مات في أول أولاده إلى وقت تدوم الحجاج البصرة، بضع وعشرون ومائة، وفق رواية ابن أبي عدي: نيفاً على عشرين ومائة، وفي رواية البيهقي، من رواية الأنصاري عن حميد: تسع وعشرون ومائة، وعند الخطيب في رواية الآباء عن الأولاد، من هذا الوجه: ثلاث وعشرون ١٤٢ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦١) ومائة، وفي رواية حفصة بنت سيرين: ((ولقد دفنت من صلبي سوى ولد ولدي خمسة وعشرين ومائة))، وفي (الحلية) أيضاً من طريق عبد الله بن أبي طلحة ((عن أنس، قال: دفنت مائة لا سقطاً ولا ولد ولد)). ولأجل هذا الاختلاف جاء في رواية البخاري: ((بضع وعشرون ومائة))، فإن البضع ما بين الثلاث إلى التسع، وقال ابن الأثير: البضع في العدد، بالكسر، وقد يفتح: ما بين الثلاث إلى التسع، وقيل: ما بين الواحد إلى العشرة لأنه قطعة من العدد، وقال الجوهري: تقول بضع سنين وبضعة عشر رجلاً فإذا جاوزت لفظ العشر لا تقول: بضع وعشرون. قلت: الذي جاء في الحديث يرد عليه وهو سهو منه، وكيف لا وأنس من فصحاء العرب، وأما الذين بقوا، ففي رواية إسحاق بن أبي طلحة ((عن أنس: وأن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة))، رواه مسلم. ذكر ما يستفاد منه: فيه: حجة لمالك والكوفيين منهم أبو حنيفة، رضي الله تعالى عنه، أن الصائم المتطوع لا ينبغي له أن يفطر بغير عذر ولا سبب يوجب الإفطار. فإن قلت: هذا يعارض حديث أبي الدرداء حين زاره سلمان، رضي الله تعالى عنه، وقد تقدم قلت: لا معارضة بينهما لأن سلمان امتنع أن يأكل إن لم يأكل أبو الدرداء معه، وهذه علة للفطر، لأن للضيف حقاً، كما قال النبي، عَّه: ((إن الصائم إذا دعي إلى طعام فليدع لأهله بالبركة)). ويؤنسهم بذلك لأن فيه جبر خاطر المزور إذا لم يؤكل عنده. وفيه: جواز التصغير على معنى التعطف له والترحم عليه والمودة له، بخلاف ما إذا كان للتحقير فإنه لا يجوز. وفيه: جواز رد الهدية إذا لم يشق ذلك على المهدي، وإن أخذ من ردت عليه ليس من العود في الهبة. وفيه: حفظ الطعام وترك التفريط. وفيه: التلطف بقولها: خادمك أنس. وفيه: جواز الدعاء بكثرة الولد والمال. وفيه: التاريخ بولاية الأمراء، لقوله: مقدم الحجاج، وقد بينا وقت قدومه. وفيه: مشروعية الدعاء عقيب الصلاة. وفيه: تقديم الصلاة أمام طلب الحاجة. وفيه: زيارة الإمام بعض رعيته. وفيه: دخول بيت الرجل في غيبته لأنه لم يقل في طرق هذه القصة: إن أبا طلحة كان حاضراً. قلت: ينبغي أن يكون هذا بالتفصيل، وهو أنه إذا علم أن الرجل لا يصعب عليه ذلك جاز، وإلاَّ لم يجز وليس أحد من الناس مثل سيد الأولين والآخرين. وفيه: التحديث بنعم الله تعالى والإخبار عنها عند الإنسان، والإعلام بمواهبه وأن لا يجحد نعمه، وبذلك أمر الله في كتابه الكريم حيث قال: ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ [الضحى: ١١]. وفيه: بيان معجزة الرسول عَ لَّه في دعائه لأنس ببركة المال وكثرة الولد مع كون بستانه صار يثمر مرتين في السنة دون غيره. وفيه: كرامة أنس، رضي الله تعالى عنه. وفيه: إيثار الولد على النفس وحسن التلطف في السؤال. وفيه: أن كثرة الموت في الأولاد لا تنافي إجابة الدعاء بطلب كثرتهم. وفيه: التاريخ بالأمر الشهير. ٩٠ - حدَّثنا ابنُ أبِي مَرْيَمَ قال أخبرنا يَخْيَى قال حدَّثني حُمَيْدٌ قال سَمِعَ أنَساً رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَ لّه هذا طريق آخر وقع هكذا بقوله: حدثنا، في رواية كريمة والأصيلي، فيكون موصولاً، ١٤٣ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٢) وفي رواية غيرهما وقع هكذا: قال ابن أبي مريم، فيكون معلقاً، وعلى كل تقدير ففائدة ذكر هذا الطريق بيان سماع حميد لهذا الحديث من أنس لأنه قد اشتهر أن حميداً كان ربما دلس عن أنس، رضي الله تعالى عنه، وقال صاحب (التلويح): وقال ابن أبي مريم .. إلى آخره، كذا في بعض النسخ، وكذا نص أصحاب الأطراف عليه، وفي أصل سماعنا وغيره: حدثنا ابن أبي مريم، وهو سعيد بن أبي مريم الجمحي المصري، ويحيى هو ابن أيوب الغافقي المصري أبو العباس، وفي بعض النسخ وقع: يحيى بن أيوب، بنسبته إلى أبيه. ٦٢ - بابُ الصَّوْمِ آخِرَ الشّهْرِ أي: هذا باب في بيان فضل الصوم في آخر الشهر، وفي بعض النسخ: من آخر الشهر، وقوله هذا يطلق على آخر كل شهر من الأشهر، ومع هذا الحديث مقيد بشهر شعبان، والوجه إطلاقه إشارة إلى أن ذلك لا يختص بشعبان، بل يؤخذ من الحديث الندب إلى صيام أواخر كل شهر ليكون عادة للمكلف. فإن قلت: يعارضِ هذا النهي بتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين؟ قلت: لا معارضة لقوله في حديث النهي: ((إلاَّ رجل كان يصوم صوماً فليصمه). ٩١/ ١٩٨٣ - حدّثنا الصَّلْتُ بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا مَهْدِيٌّ عنْ غَيْلاَنَ وحدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قال حدَّثنا مَهْدِيُّ بنُ مَيْمُونٍ قال حدَّثنا غَيْلانُ بنُ جَرِيرٍ عنْ مُطَرِّفٍ عنْ عِمْرَانَ بنِ مُحُصَيْنٍ رضي الله تعالى عنهما عن النبيِّ عَّلَّهِ أَنَّهُ سَأْلَهُ أَوْ سألَ رَجُلاً وعِمْرَانُ يَسْمَعُ فقال يا أَبَا فُلانٍ أَمَا صُمْتَ سَرَرَ هَذا الشَّهْرِ قال أظُنُّهُ قال يَعْنِي رَمَضَانَ قال الرَّجُلُ لاَ يا رسولَ الله قَال فَإِذَا أَقْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ لَمْ يَقُلِ الصَّلْتُ أَظُنُّهُ يَعْنِي رَمَضَانَ. مطابقته للترجمة تؤخذ مما ذكرنا الآن في أول الباب. ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: الصلت، بفتح الصاد المهملة وسكون اللام وفي آخره تاء مثناة من فوق: ابن محمد بن عبد الرحمن أبو همام الخاركي. الثاني: مهدي، بفتح الميم وكسر الدال المهملة: ابن ميمون المعولي الأزدي. الثالث: غيلان، بفتح الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف: ابن جرير المعولي الأزدي. الرابع: أبو النعمان محمد - ابن الفضل السدوسي، الخامس: مطرف - بلفظ اسم الفاعل من التطريف بإهمال الطاء - ابن عبد الله بن الشخير الحرشي العامري. السادس: عمران بن حصين، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في خمسة مواضع. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رواته كلهم بصريون. وفيه: إضافة رواية أبي النعمان إلى الصلت لما وقع فيها من تصريح مهدي بالتحديث من غيلان. ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الصوم أيضاً عن هدبة بن خالد. وأخرجه أبو داود فيه عن موسى بن إسماعيل. وأخرجه النسائي فيه عن زكريا بن يحيى عن عبد الأعلى ابن حماد. ذكر معناه: قوله: ((أنه سأل)) أي: أن رسول الله عَ لَلِ سأل عمران أو سأل رسول الله ١٤٤ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٢) عَّهِ رجلاً. قوله: ((أو سأل رجلاً))، شك من مطرف وثابت، رواه عنه بنحوه على الشك أيضاً، وأخرجه مسلم كذلك، وأخرجه مسلم أيضاً من وجهين آخرين عن مطرف بدون شك على الإبهام أنه: قال لرجل، وزاد أبو عوانة في (مستخرجه): من أصحابه، ورواه أحمد من طريق سليمان التيمي به: قال لعمران، بغير شك. قوله: ((وعمران يسمع))، جملة إسمية وقعت حالاً. قوله: ((فقال: يا أبا فلان))، بالكنية، في رواية أبي ذر وفي رواية الأكثرين: ((يا فلان)) قوله: ((سرر هذا الشهر))، بالسين المهملة وفتحها وفتح الراء، وقال النووي: ضبطوه بفتح السين وكسرها، وحكي ضمها، ويقال أيضاً: سرار، بكسر السين وفتحها، وكله من الاستسرار. وقال الجمهور: المراد به آخر الشهر لاستسرار القمر فيه، وقال بعضهم: هو وسط الشهر، وسرر كل شيء وسطه، والسرة الوسط، وهي الأيام البيض، وروى أبو داود عن الأوزاعي أن سرره أوله، وقال ابن قرقول: سرر، بفتح السين عند الكافة وعند العذري: سرر بضم السين، وقال أبو عبيد: سرار الشهر آخره، حيث يستتر الهلال، وسرره أيضاً، وأنكره غيره، وقال: لم يأت في صوم آخر الشهر فرض، وسرار كل شيء وسطه وأفضله، فكأنه يريد الأيام الغر من وسط الشهر، وقال عبد الملك ابن حبيب: السرر آخر الشهر حين يستسر الهلال لثمان وعشرين ولتسع وعشرين، وإن كان تاماً فليلة ثلاثين، وتبويب البخاري يدل على أنه عنده آخر الشهر، وقال الخطابي: يتأول أمره إياه بصوم السرر على أن الرجل كان أوجبه على نفسه نذراً فأمره بالوفاء أو أنه كان اعتاده، فأمره بالمحافظة عليه، وإنما تأولناه للنهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين. فائدة: أسماء ليالي الشهر عشرة، لكل ثلاث منها اسم. فالثلاث الأولى: غرر، لأن غرة كل شيء أوله. والثانية: نفل على وزن صرد ونغر لزيادتها على الغرر، والنفل الزيادة. وثلاث تسع إذ آخرها تاسع. وثلاث عشر لأن أولها عاشر، وزنهما وزن زحل. وثلاث تبع. وثلاث درع ووزنهما كزحل أيضاً لاسوداد أوائلها وابيضاض أواخرها. وثلاث ظلم لإظلامها. وثلاث حنادس لشدة سوادها. ثلاث دآدىء كسلالم لأنها بقايا. وثلاث محاق بضم الميم، لانمحاق القمر أول الشهر والمحق المحو، ويقال لهما سرر أيضاً عند الجمهور، كما ذكرنا. قوله: ((أظنه))، يعني: هذه اللفظة غير محفوظة، وهذا الظن من أبي النعمان لتصريح البخاري في آخره بأن ذلك لم يقع في رواية الصلت، وكان ذلك وقع من أبي النعمان لما حدث به البخاري وإلاَّ فقد رواه الجوزقي من طريق أحمد بن يوسف السلمي عن أبي النعمان بدون ذلك، وهو الصواب، ونقل الحميدي عن البخاري أنه قال: شعبان أصح، وقيل: إن ذلك ثابت في بعض الروايات في (الصحيح) وقال الخطابي: ذكر رمضان هنا وهم لأن رمضان يتعين صوم جميعه، وكذا قال الداودي وابن الجوزي. فإن قلت: روى مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شعبة قال: حدثنا يزيد بن هارون عن الجريري عن العلاء عن مطرف ((عن عمران بن حصين أن النبي عَّ قال لرجل: هل صمت من سرر هذا الشهر شيئاً؟ قال: لا. فقال رسول الله عَّ له: ((فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين مكانه)). قلت: روى مسلم أيضاً ١٤٥ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٣) من حديث هداب بن خالد ((عن عمران بن حصين أن رسول الله، عَ لله، قال له أو لآخر: أصمت من سرر شعبان؟ قال: لا. قال: فإذا أفطرت فصم يومين)). فهذا يدل على أن المراد من قوله في رواية البخاري: ((أما صمت سرر هذا الشهر إنه شعبان؟)) وقول أبي النعمان: أظنه يعني رمضان، وهم كما ذكرنا، وقيل: يحتمل أن يكون قوله: ((رمضان)) ظرفاً للقول الصادر منه، عَّ ◌ُلّه، لا لصيام المخاطب بذلك، فيوافق رواية الجريري عن العلاء عن مطرف، وقد ذكرناه الآن. قلت: التحقيق فيه أن المراد من قوله، عَّ ◌ُله: ((أصمت سرر هذا الشهر؟)) في رواية البخاري أنه شعبان، يؤيده ويوضحه رواية مسلم من حديث هداب عن عمران، وكذلك يوضح حديث هداب رواية مسلم من حديث مطرف، فإنه ليس فيها ذكر شعبان، والأحاديث يفسر بعضها بعضاً، وبقي الكلام في قوله: ((فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين))، فنقول: هذا ابتداء كلام، معناه: أنك إذا تركت السرر من رمضان الذي هو فرض، فصم يومين عوضه لأن السرر يومان من آخر الشهر، كما ذكرناه، فخلاف سرر شعبان، فإنه ليس بمتعين عليه، فلذلك لم يأمره بالقضاء بعد قول الرجل: يا رسول الله! يعني: ما صمت سرر هذا الشهر الذي هو شعبان، فإنه ليس بمتعين عليه، فلذلك لم يأمره بالقضاء بعد قول الرجل: يا رسول الله! يعني: ما صمت سرر هذا الشهر الذي هو شعبان. فإن قلت: كيف قال: ((فصم يومين))، وفي رواية مسلم بعد قوله: ((فإذا فطرت رمضان؟)) والذي يفطر رمضان هل يكتفي في قضائه بيومين؟ قلت: تقديره من رمضان، وحذفت لفظة: من، وهي مرادة كما في الرواية الأخرى، وهو من قبيل قوله تعالى: ﴿واختار موسى قومه﴾ [الأعراف: ١٥٥]. أي: من قومه، وهذا هو تحرير هذا الموضع الذي لم أر أحداً من شرّاح البخاري ومن شراح مسلم حرر هذا الموضع كما ينبغي، ولا سيما من يدعي في هذا الفن بدعاوى عريضة بمقدمات ليس لها نتيجة. قال أبُو عَبْدِ اللهِ وقال ثابِتْ عنْ مُطَرِّفٍ عنْ عِمْرَانَ عنِ النبيِّ عَّهِ مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ أبو عَبد الله هو البخاري، وليس في بعض النسخ هذا، وأراد بالتعليق أن المراد من قوله: ((أصمت سرر هذا الشهر)) هو سرر شعبان وليس هو برمضان. كما ظنه أبو النعمان، وقد وصل هذا التعليق مسلم: حدثنا هداب بن خالد قال: حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت، ولم أفهم مطرفاً من هداب ((عن عمران بن حصين أن رسول الله عَّلِ قال له أو لآخر ... )) الحديث، وقد ذكرناه عن قريب، والله أعلم. ٦٣ - بابُ صَوْمٍ يَوْمِ الجُمْعَةِ فإِذَا أَصْبَحَ صَائِماً يَوْمَ الجُمْعَةِ فَعَلَيْهِ أنْ يُفْطِرَ يَعْنِي إِذَا لَمْ يَصُمْ قَبْلَهُ وَلا يُرِيدُ أَنْ يَصُومَ بَعْدَهُ أي: هذا باب في بيان حكم صوم يوم الجمعة، وحكمه أنه إذا أصبح صائماً يوم الجمعة فإن كان صام قبله ولا يريد أن يصوم بعده فليصمه، وإن كان لم يصم قبله ولا یرید أن يصوم بعده فليفطر، لورود النهي عن صوم يوم الجمعة وحده على ما يجيء، عن قريب، عمدة القاري/ ج١١ م١٠ ١٤٦ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٣) إن شاء الله تعالى، ووقع في كثير من الروايات: باب صوم يوم الجمعة، وإذا أصبح صائماً يوم الجمعة فعليه أن يصوم، هكذا وقع لا غير، ووقع في رواية أبي ذر وأبي الوقت زيادة، وهي قوله: يعني إذا لم يصم قبله ولا يريد أن يصوم بعده، وقال بعضهم: وهذه الزيادة تشبه أن تكون من الفربري أو من دونه فإنها لم تقع في رواية النسفي عن البخاري، ويبعد أن يعبر البخاري عما يقوله بلفظ: يعني، ولو كان ذلك من كلامه لقال: أعني، بل كان يستغني عنها أصلاً. قلت: عدم وقوع هذه الزيادة في رواية النسفي عن البخاري لا يستلزم عدم وقوعها من غيره، سواء كان من الفربري أو من غيره، والظاهر أنها من البخاري. وقوله: يعني، في محله وليس ببعيد، لأنه يوضح المراد من قوله: ((وإذا أصبح صائماً يوم الجمعة فعليه أن يفطر)) فأوضح بقوله: يعني، أن هذا ليس على إطلاقه، وإنما عليه الإفطار إذا لم يصم قبله ولا يريد أن يصوم بعده، فقوله: ((وإذا أصبح .... )) إلى آخره، إذا كان من كلام غيره فلفظ يعني في محله، وإذا كان من كلامه فكأنه جعل هذا لغيره بطريق التجريد، ثم أوضحه بقوله: يعني، فافهم، فإنه دقیق. ٩٢/ ١٩٨٤ - حدّثنا أبُو عاصِم عنِ ابنِ جُرَيْجِ عنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنْ محَمَّدٍ · ابنِ عَبَّادٍ قال سألتُ جابِراً رضي الله تعالى عنهُ نَهَى النبيُّ عَ له عنْ صَوْمِ يَوْمِ الجُمْعَةِ قال نَعَمْ زَادَ غَيْرُ أَبِي عاصِمٍ أنْ يَنْفَرِدَ بِصَوْمٍ. مطابقته للترجمة من حيث أن صوم يوم الجمعة منفرداً مكروه، لأنه منهي عنه، والترجمة تتضمن معنى الحديث. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد. الثاني: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج. الثالث: عبد الحميد بن جبير - مصغر: الجبر - ابن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة عبد الله الحجبي. الرابع: محمد بن عباد، بفتح العين وتشديد الباء الموحدة: المخزومي. الخامس: جابر بن عبد الله الأنصاري، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: السؤال. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: أن رواته ما خلا شيخه مكيون. وفيه: عبد الحميد وهو تابعي صغير روى عن عمته صفية بنت شيبة، قال بعضهم: وهي من صغار الصحابة. قلت: قال ابن الأثير: اختلف في صحبتها. وقال الدارقطني: لا تصح لها رؤية. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي. وفيه: أن عبد الحميد ليس له في البخاري إلاّ ثلاثة أحاديث، هذا، وآخر في بدء الخلق، وآخر في الأدب. وفيه: رواية ابن جريج عن عبد الحميد. وفي رواية: عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عبد الحميد، وابن جريج، ربما رواه عن محمد بن عباد عن نفسه، ولم يذكر عبد الحميد. كذلك أخرجه النسائي، قال: أخبرنا عمرو بن علي، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا ابن جريج. قال: ((أخبرني محمد بن عباد بن جعفر، قال: قلت لجابر: أسمعت رسول الله عَّهِ ينهى أن يفرد يوم ١٤٧ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٣) الجمعة بصوم؟ قال: أي ورب الكعبة)). وروى النسائي أيضاً عن ابن جريج عن عبد الحميد ابن جبير عن محمد بن عباد. ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم أيضاً في الصوم عن عمرو الناقد وعن محمد بن رافع، وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة وعن يوسف بن سعيد وعن عمرو بن علي وعن سليمان ابن سالم وعن أحمد بن عثمان. وأخرجه ابن ماجه فيه عن هشام بن عمار. ذكر معناه: قوله: ((سألت جابراً) وفي رواية مسلم: ((سألت جابر بن عبد الله وهو يطوف بالبيت، أنَهَى رسول الله عَّلِ عن صيام يوم الجمعة؟ فقال: نعم ورب الكعبة)). قوله: ((زاد غير أبي عاصم)) أي: قال البخاري: زاد غيره من الشيوخ لفظ: أن ينفرد بصومه، أي: يصوم يوم الجمعة، وفي رواية الكشميهني: ((أن ينفرد بصوم))، وغير أبي عاصم هو يحيى بن سعيد القطان، وقال النسائي: حدثنا عمرو بن علي ((عن يحيى عن ابن جريج: أخبرني محمد ابن عباد بن جعفر، قال: قلت لجابر: أسمعت رسول الله عَّ لِ ينهى أن يفرد يوم الجمعة بصوم؟ قال: أي ورب الكعبة)). وروى النسائي أيضاً من طريق النضر بن شميل، ولفظه: ((أن جابر سئل عن صوم يوم الجمعة؟ فقال: نهى رسول الله عَّلِ أن يفرد)). وروى أيضاً من طريق حفص بن غياث، ولفظه: ((نهى رسول الله عَّلم عن صيام يوم الجمعة منفرداً))، وروى النسائي أيضاً من حديث سعيد بن المسيب ((عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله عَّ دخل على جويرية بنت الحارث يوم الجمعة وهي صائمة، فقال لها: ((أصمتِ أمس؟ قالت: لا، قال: أتريدين أن تصومي غداً. قالت: لا، قال: فأفطري)). وروى النسائي أيضاً من حديث محمد بن سيرين ((عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ◌َِّ: يا أبا الدرداء؟ لا تخص يوم الجمعة بصيام دون الأيام، ولا تخص ليلة الجمعة بقيام دون الليالي))، وابن سيرين لم يسمع من أبي الدرداء، وقد اختلف فيه على ابن سيرين، فقيل: هكذا، وقيل: عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة. وروى أحمد عن ابن عباس بلفظ: ((لا تصوموا يوم الجمعة))، وفي إسناده: الحسين بن عبد الله بن عبيد الله، وثقه ابن معين وضعفه الجمهور. وروى الطبراني في (الكبير) من حديث بشير بن الخصاصية بلفظ ((لا تصم يوم الجمعة إلاَّ في أيام هو أحدها))، ورجاله ثقات. وروى الطبراني أيضاً من رواية صالح بن جبلة ((عن أنس: أنه سمع النبي عَّ يقول: من صام الأربعاء والخميس والجمعة بنى الله له في الجنة قصراً من لؤلؤ وياقوت وزبرجد، وكتب له براءة من النار)) وصالح بن جبلة ضعفه الأزدي، ففي هذا صوم يوم الجمعة مع يوم قبله، وروى البزار من حديث عامر بن كدين بلفظ: إن يوم الجمعة فلا تصوموه إلاَّ أن تصوموا يوماً قبله أو بعده)). وروى النسائي من رواية حذيفة البارقي ((عن جنادة الأزدي: أنهم دخلوا على رسول الله عَّلَّه ثمانية نفر، وهو ثامنهم، فقرب إليهم رسول الله عَّلله طعاماً يوم جمعة، قال: كلوا. قالوا: صيام! قال: أصمتم أمس؟ قالوا: لا، قال: فصائمون غداً؟ قالوا: لا. قال: فأفطروا)). فإن قلت: يعارض هذه الأحاديث ما رواه الترمذي من حديث عاصم عن زر ((عن عبد ١٤٨ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٣) الله، قال: كان رسول الله عَّلم يصوم من كل غرة شهر ثلاثة أيام وقل ما كان يفطر يوم الجمعة)؟ وقال: حديث حسن غريب، ورواه النسائي أيضاً، وما رواه ابن أبي شيبة حدثنا حفص حدثنا ليث عن عمير بن أبي عمير ((عن ابن عمر، قال: ما رأيت رسول الله، عَّهِ، مفطراً يوم جمعة قط)). وما أخرجه أيضاً عن حفص عن ليث عن طاوس ((عن ابن عباس قال: ما رأيته مفطراً يوم جمعة قط)). قلت: لا نسلم هذه المعارضة لأنه لا دلالة فيها على أنه عَ لّه صام يوم الجمعة وحده، فنهيه عَّه عن صوم يوم الجمعة في هذه الأحاديث يدل على أن صومه يوم الجمعة لم يكن في يوم الجمعة وحده، بل إنما كان بيوم قبله أو بيوم بعده، وذلك لأنه لا يجوز أن يحمل فعله على مخالفة أمره إلاَّ بنص صريح صحيح، فحينئذ يكون نسخاً أو تخصيصاً، وكل واحد منهما منتف. وأما حكم المسألة فاختلفوا في صوم يوم الجمعة على خمسة أقوال: أحدها: كراهته مطلقاً، وهو قول النخعي والشعبي والزهري ومجاهد، وقد روي ذلك عن علي، رضي الله تعالى عنه، وقد حكى أبو عمر عن أحمد وإسحاق كراهته مطلقاً، ونقل ابن المنذر وابن حزم منع صومه عن علي وأبي هريرة وسلمان وأبي ذر، رضي الله تعالى عنهم، وشبهوه بيوم العيد، ففي الحديث الصحيح: أن النبي، عَّ له، قال: ((إن هذا يوم جعله الله عيداً)) وروى النسائي من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي، عَ لّه، قال: ((لا صيام يوم عید)). القول الثاني: إباحته مطلقاً من غير كراهة، وروي ذلك عن ابن عباس ومحمد بن المنكدر، وهو قول مالك وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن، وقال مالك: لم أسمع أحداً من أهل العلم والفقه ومن يقتدي به ينهى عن صيام يوم الجمعة، قال: وصيامه حسن. القول الثالث: أنه يكره إفراده بالصوم، فإن صام يوماً قبله أو بعده لم يكره، وهو قول أبي هريرة ومحمد بن سيرين وطاوس وأبي يوسف، وفي (كتاب الطراز): واختاره ابن المنذر، واختلف عن الشافعي، فحكى المزني عنه جوازه، وحكى أبو حامد في تعليقه عنه كراهته، وكذا حكاه ابن الصباغ عن تعليق أبي حامد، وهذا هو الصحيح الذي يدل عليه حديث أبي هريرة، وبه جزم الرافعي والثوري في (الروضة). وقال في (شرح مسلم): إنه قال به جمهور أصحاب الشافعي، وممن صححه من المالكية، ابن العربي، فقال: وبكراهته يقول الشافعي وهو الصحيح. القول الرابع: ما حكاه القاضي عن الداودي أن النهي إنما هو عن تحريه واقتصاصه دون غيره، فإنه متى صام مع صومه يوماً غيره فقد خرج عن النهي، لأن ذلك اليوم قبله أو بعده إذ لم يقل اليوم الذي يليه، قال القاضي عياض: وقد يرجح ما قاله قوله في الحديث الآخر: ((لا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، ولا ليلته بقيام من بين الليالي)). قلت: وهذا ضعيف جداً، ويرده حديث جويرية في صحيح البخاري، وقوله لها: ((أصمت أمس؟ ١٤٩ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٣) قالت: لا. قال: تصومين غداً؟ قالت: لا. قال: فأفطري))، فهو صريح في أن المراد به قبله يوم الخميس وما بعده يوم السبت. القول الخامس: أنه يحرم صوم يوم الجمعة إلاَّ لمن صام يوماً قبله أو يوماً بعده، أو وافق عادته بأن كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، فوافق يوم الجمعة صيامه، وهو قول ابن حزم لظواهر الأحاديث الواردة في النهي عن تخصيصه بالصوم، وقال بعضهم: واستدل الحنفية بحديث ابن مسعود: كان رسول الله، عَّ له، يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وقل ما كان يفطر يوم الجمعة، قال: وليس فيه حجة، لأنه يحتمل أن يريد: كان لا يتعمد فطره إذا وقع في الأيام التي كان يصومها. قلت: هذا الحديث رواه الترمذي، وقال: حديث حسن، ورواه النسائي أيضاً وصححه ابن حبان وابن عبد البر وابن حزم، والعجب من هذا القائل يترك ما يدل عليه ظاهر الحديث، ويدع حجيته بالاحتمال الناشىء عن غير دليل الذي لا يعتبر، ولا يعمل به، وهذا كله عسف ومكابرة. ثم اعلم أنهم اختلفوا أيضاً في الحكمة في النهي عن صوم يوم الجمعة مفرداً على أقوال: الأول: ما قاله النووي عن العلماء أنه يوم دعاء وذكر وعبادة من الغسل والتبكير إلى الصلاة وانتظارها واستماع الخطبة، وإكثار الذكر بعدها لقوله تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون﴾ [الجمعة: ١٠]. وغير ذلك من العبادات في يومها، فاستحب الفطر فيه ليكون أعون له على هذه الوظائف وأدائها بنشاط وانشراح لها، والتذاذ بها من غير ملل ولا سآمة. قال: وهو نظير الحاج يوم عرفة فإن السنة له الفطر، ثم قال النووي: فإن قيل: لو كان كذلك لم يزل النهي والكراهة بصوم يوم قبله أو بعده لبقاء المعنى؟ ثم أجاب عن ذلك: بأنه يحصل له بفضيلة الصوم الذي قبله أو بعده ما يجبر ما قد يحصل من فتور أو تقصير فى وظائف يوم الجمعة بسبب صومه. انتهى قلت: فيه نظر، إذ جبر ما فاته من أعمال يوم الجمعة بصوم يوم آخر لا تختص بكون الصوم قبله بيوم أو بعده بيوم، بل صوم يوم الإثنين أفضل من صوم يوم السبت. الثاني: هو كونه يوم عيد، والعيد لا صيام فيه، واعترض على هذا بالإذن بصيامه مع غيره، ورد بأن شبهه بالعيد لا يستلزم استواءه معه من كل جهة، ألا ترى أنه لا يجوز صومه مع يوم قبله ويوم بعده؟. الثالث: لأجل خوف المبالغة في تعظيمه، فيفتتن به كما افتتن اليهود بالسبت، واعترض عليه بثبوت تعظيمه بغير الصيام، وأيضاً فاليهود لا يعظمون السبت بالصيام، فلو كان الملحوظ موافقتهم لتحتم صومه لأنهم لا يصومون، وروى النسائي من حديث أم سلمة: أن النبي عٍَّ كان يصوم يوم الإثنين والخميس، وكان يقول: إنهما يوما عيد للمشركين، فأحب أن أخالفهم، وأخرجه ابن حبان وصححه. ١٥٠ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٣) الرابع: خوف اعتقاد وجوبه، واعترض عليه بصوم الإثنين والخميس. الخامس: خشية أن يفرض عليهم كما خشي رسول الله، عَّه، من قيام الليل. قيل: هو منتقض بإجازة صومه مع غيره، ولأنه لو كان ذلك لجاز بعده عّ لّه لارتفاع السبب. السادس: مخالفة النصارى، لأنه لا يجب عليهم صومه ونحن مأمورون بمخالفتهم، نقله القمولي، قال بعضهم: وهو ضعيف، ولم يبين وجهه قيل أقوى الأقوال وأولاها بالصواب ما ورد فيه صريحاً حديثان: أحدهما ما رواه الحاكم وغيره من طريق عامر بن لدين عن أبي هريرة مرفوعاً، ((يوم الجمعة يوم عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلاَّ أن تصوموا قبله أو بعده)). والثاني: ما رواه ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي، رضي الله تعالى عنه، قال: ((من كان منكم متطوعاً من الشهر فليصم يوم الخميس ولا يصم يوم الجمعة، فإنه يوم طعام وشراب وذكر)». ٩٤/ ١٩٨٥ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِياثٍ قال حدَّثنا أبي قال حدثنا الأعمش قال حدثنا أبُو صالِحِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال سَمِعْتُ النبيَّ عَ لَّهِ يَقُولُ لاَ يَصُومَنَّ أحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِلاَّ يَوْماً قَبِلَهُ أَوْ بَعْدَهُ. مطابقته للترجمة ظاهرة. ورجاله قد ذكروا غير مرة، والأعمش هو سليمان، وأبو صالح ذكوان الزيات السمان. والحديث أخرجه مسلم وابن ماجه جميعاً في الصوم أيضاً عن أبي بكر بن أبي شيبة. قوله: ((لا يصومنَّ)) بنون التأكيد رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: ((لا يصوم)) بدون النون، ولفظ النفي، والمراد به النهي. قوله: ((إلاَّ يوماً قبله))، تقديره: إلاَّ أن يصوم يوماً قبله، لأن يوماً لا يصلح أن يكون استثناء من يوم الجمعة. وقال الكرماني: هو ظرف ليصوم المقدر، أو يوم منصوب بنزع الخافض، وهو باء المصاحبة أي: بيوم، وأخذ بعضهم الوجه الأول من كلام الكرماني وسكت عنه، ثم ذكر الوجه الثاني بقوله: وقال الكرماني، وفي طريق الإسماعيلي من رواية محمد بن أشكاب عن عمر بن حفص، شيخ البخاري، فيه: ((إلا أن تصوموا يوماً قبله أو بعده)). وفي رواية مسلم من طريق أبي معاوية عن الأعمش: لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلاَّ أن يصوم قبله أو يصوم بعده))، ولمسلم من طريق هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة: ((لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من الليالي، ولا يوم الجمعة بصوم من بين الأيام، إلاّ أن يكون في صوم يصومه أحدكم)). ورواه أحمد من طريق عوف عن ابن سيرين بلفظ: ((نهى أن يفرد يوم الجمعة بصوم))، ومن طريق أبي الأوبر زياد الحارثي: ((أن رجلاً قال لأبي هريرة: أنت الذي تنهى الناس عن صوم يوم الجمعة؟ قال: ها، ورب الكعبة - ثلاثاً - لقد سمعت محمداً عَ لَّه يقول: لا يصوم أحدكم يوم الجمعة وحده إلاّ في أيام معه)). وله من طريق ليلى، امرأة بشير بن الخصاصية، أنه ((سأل النبي عَّم فقال: لا تصم يوم الجمعة إلاَّ في أيام هو أحدها)). وهذه الأحاديث تقيد النهي المطلق في حديث جابر ١٥١ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٣) المذكور، ويؤخذ من الاستثناء جوازه لمن صام قبله أو بعده، أو اتفق وقوعه في أيام له عادة يصومها، كمن يصوم أيام البيض أو من له عادة بصوم يوم معين، كيوم عرفة فوافق يوم الجمعة. ١٩٨٦/٩٥ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدثنا يَحْبَى عَنْ شُعْبَةَ ح وحدَّثني محَمَّدٌ قال حدثنا غُنْدَرٌ قال حدَّثنا شعبَةُ عنْ قتَادَةَ عنْ أَبِي أَيُّوبَ عنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحَارِثِ رضي الله تعالى عنها أنَّ النبيَّ عَ لَهِ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وهِيَ صَائِمَةٌ فقال أصُمْتِ أمْسٍ قَالَتْ لاَ قال تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِينَ غَداً قالَتْ لاَ قال فأَفْطِرِي. مطابقته للترجمة ظاهرة، وأخرجه من طريقين: أحدهما: عن مسدد عن يحيى القطان عن شعبة عن قتادة عن أبي أيوب يحيى بن مالك المراغي البصري، عن جويرية - تصغير: الجارية، بالجيم - الخزاعية، كان اسمها برة وسماها النبي عّ لّمه بذلك، وكانت امرأة حلوة مليحة لا يكاد يراها أحد إلاَّ أخذت بنفسه، وهي من سبايا بني المصطلق، ولما تزوج رسول الله، عَّله، بها أرسل كل الصحابة ما في أيديهم من سهم المصطلقين، فلا يعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها، ماتت سنة ست وخمسين. الطريق الثاني: عن محمد، اختلف في محمد هذا عن غندر، فذكر أبو نعيم في (مستخرجه) والإسماعيلي: أنه محمد بن بشار الذي يقال له بندار، وقال الجياني: لا ينسبه أحد من شيوخنا في شيء من المواضع، ولعله محمد بن بشار، وإن كان محمد بن المثنى يروي أيضاً عن غندر، وغندر هو محمد بن جعفر يروي عن شعبة عن قتادة ... إلى آخره. والحديث أخرجه أبو داود أيضاً في الصوم عن محمد بن كثير وحفص بن عمر كلاهما عن هشام عن قتادة به. وأخرجه النسائي فيه عن إبراهيم بن محمد التيمي القاضي عن يحيى القطان به، وليس لجويرية زوج النبي، عَّهِ، في البخاري من روايتها سوى هذا الحديث. ذكر معناه: قوله: ((وهي صائمة))، جملة إسمية وقعت حالاً. قوله: ((أصمت؟)) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار. قوله: ((أن تصومين))، ويروى: ((أن تصومي))، بإسقاط النون على الأصل. قوله: ((فأفطري))، زاد أبو نعيم في روايته: (إذا). وقال حمَّادُ بنُ الجَعْدِ سَمِعَ قَتَادَةَ قال حدَّثني أبُو أَيُّوبَ أَنَّ جُوَيْرِيَّةَ حدَّثته فأمَرَهَا فأفطَرَتْ هذا التعليق وصله أبو القاسم البغوي في (جمع حديث هدبة بن خالد) قال: حدثنا حماد بن الجعد سئل قتادة عن صيام النبي عَّهِ فقال: حدثني أبو أيوب فذكره، وقال في آخره: ((فأمرها فأفطرت))، وحماد بن الجعد، بفتح الجيم وسكون العين المهملة، ويقال له: ابن أبي الجعد، وفي (التوضيح): ضعفوه، وقال أبو حاتم: ما بحديثه بأس، وذكره عبد الغني في (الكمال) وقال: استشهد به البخاري، رضي الله تعالى عنه، بحديث واحد متابعته، ولم يذكر أن غيره أخرج له، وأسقطه الذهبي في (الكاشف) وليس له في البخاري سوى هذا ١٥٢ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٤) الموضع. ٦٤ - بابٌ هَلْ يَخُصُ شَيْئاً مِن الأيَّامِ أي: هذا باب يذكر فيه: هل يخص الشخص الذي يريد الصوم شيئاً من الأيام. وفي رواية النسفي: هل يخص شيء، على صيغة بناء المجهول، وإنما لم يذكر جواب الاستفهام الذي هو الحكم لأن ظاهر حديث الباب يدل على عدم التخصيص، وجاء عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، ما يقتضي نفي المداومة، وهو ما رواه مسلم من طريق أبي سلمة، ومن طريق عبد الله بن شقيق جميعاً، ((عن عائشة أنها سئلت عن صيام رسول الله، عَّ الله؟ فقالت: كان رسول الله، عَِّ، يصوم حتى تقول قد صام قد صام، ويفطر حتى تقول قد أفطر قد أفطر)). فلأجل هذا ذكر الترجمة بالاستفهام، ولينظر فيه إما بالترجيح أو بالجمع بينهما. ٩٦/ ١٩٨٧ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا يختَى عنْ سُفْيانَ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَة قُلْتُ لِعَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها هَلْ كانَ رسولُ الله عَ لَّهِ يَخْتَصُ مِنَ الأَيَّامِ شَيْئاً قالَتْ لاَ كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً وَأَيُّكُمْ يُطِيقُ ما كانَ رسولُ اللهِ عََّلِّ يُطِيقُ. مطابقته للترجمة من حيث إن فيه جواباً للاستفهام المذكور فيها، وهو أنه لا يخص شيئاً من الأيام، وإيراد هذا الحديث بهذه الترجمة يدل على أن ترك التخصيص هو المرجع عنده، ويحيى هو القطان، وسفيان هو الثوري، ومنصور هو ابن المعتمر، وإبراهيم هو النخعي، وعلقمة هو ابن قيس النخعي، وهو خال إبراهيم المذكور وعم الأسود بن زيد. وهذا الإسناد مما يعد من أصح الأسانيد، ومسدد ويحيى بصريان والبقية كوفيون. وفيه: رواية الراوي عن خاله. ٠ ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الرقاق عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير. وأخرجه مسلم في الصوم أيضاً عن إسحاق بن إبراهيم وزهير بن حرب، كلاهما عن جويرية. وأخرجه أبو داود في الصلاة عن عثمان به، وأخرجه الترمذي في (الشمائل) عن الحسين بن حريث عن جويرية به. ذكر معناه: قوله: ((هل كان رسول الله، عَّلَّ، يختص من الأيام شيئاً؟ قالت: لا)) معناه أنه كان لا يخص شيئاً من الأيام دائماً، ولا راتباً إلاَّ أنه كان أكثر صيامه في شعبان، وقد حض على صوم الإثنين والخميس، لكنه كان صومه على حسب نشاطه، فربما وافق الأيام التي رغب فيها، وربما لم يوافقها، وفي أفراد مسلم: ((عن معاذة العدوية أنها سألت عائشة: أكان رسول الله عَّه يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم، فقلت لها: من أي أيام الشهر كان يصوم؟ قالت: لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم)). ونقل ابن التين عن بعض أهل العلم أنه يكره أن يتحرى يوماً من الأسبوع بصيام لهذا الحديث. قوله: ((يختص)) من باب الافتعال، وفي رواية جرير عن منصور في الرقاق: ((يخص))، بغير تاء مثناة من فوق. قوله: ((ديمة)) بكسر الدال وسكون الياء آخر الحروف، أي: دائماً لا ينقطع، ومن ذلك قيل ١٥٣ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٥) للمطر الذي يدوم ولا ينقطع أياماً: الديمة. ٦٥ - بابُ صَوْمٍ يَوْمٍ عَرَفَةَ أي: هذا باب في بيان حكم صوم يوم عرفة، ولما لم تثبت عنده الأحاديث الواردة في الترغيب في صومه على شرطه أبهم ولم يبين الحكم. ٩٨/ ١٩٨٨ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدثنا يَحْيَى عنْ مالِكِ قال حدَّثني عُمَيْرٌ مَوْلَى أُمّ الفَضْلِ أنَّ أَمَّ الفَضْلِ حدَّثَتْهُ ح وحدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عن أبي النَّصْرِ مَوْلَى عُمَرَ بِنِ عُبَيْدِ الله عنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بنِ العَبَّاسِ عنْ أُمَّ الفَضْلِ بِنْتِ الحَارِثِ أنَّ ناساً تمارَوْوا عِنْدَها يَوْمَ عَرَفَة فِي صَومِ النبِي عَُّلَّه فقالَ بَعضُهُم هُوَ صَائِمٌ وقال بعضُهُمْ لَيْسَ بِصائِمٍ فَأرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحٍ لبَنٍ وَهْوَ وَاقِفٌ عَلى بعِيرِهِ فَشَرِبَهُ. [انظر الحديث ١٦٥٨ وأطرافه]. مطابقته للترجمة من حيث إنه يوضح الإبهام الذي في الترجمة، ويكون التقدير: باب صوم يوم عرفة غير مستحب، بل ذهب قوم إلى وجوب الفطر يوم عرفة على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ذكر رجاله: وهم سبعة، لأنه روي من طريقين: الأول: مسدد. الثاني: يحيى القطان. الثالث: مالك بن أنس. الرابع: سالم هو أبو النضر، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة: مولى عمر بن عبيد الله بن معمر القرشي. الخامس: عمير - مصغر عمر - تارة يقال له: إنه مولى أم الفضل أم ابن عباس واسمها لبابة، بضم اللام وتخفيف الباء الموحدة وبعد الألف باء موحدة أخرى، وتارة يقال: إنه مولى عبد الله بن عباس، والظاهر أنه لأم الفضل حقيقة، وينسب إلى أبيها لملازمته له وأخذه عنه، مر في التيمم في الحضر. السادس: أم الفضل المذكورة بنت الحارث بن حزن الهلالية، زوج العباس بن عبد المطلب، وهي أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي عَّه. السابع: عبد الله بن يوسف التنيسي. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع وبصيغة الإفراد كذلك. وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: القول في موضع. وفيه: قال مالك: حدثني سالم ذكره في هذا الطريق باسمه، وفي الثانية بكنيته، وهو بكنيته أشهر، وربما جاء باسمه وكنيته، فيقال: حدثنا سالم أبو النضر. وفيه: أنه ساق الطريق الأول مع نزولها، لما فيه من التصريح بالتحديث في المواضع التي وقعت بالعنعنة في الطريق الثاني مع علوه، وفيه: أن عميراً ليس له في البخاري سوى هذا الحديث، وقد أخرجه في الحج أيضاً في موضعين، وفي الأشربة في ثلاثة مواضع، وحديث آخر تقدم في التيمم. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الحج عن القعنبي وعن علي بن عبد الله أيضاً، وفي الأشربة عن الحميدي وعن مالك بن إسماعيل وعن عمرو ١٥٤ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٥) ابن العباس. وأخرجه مسلم في الصوم عن يحيى بن يحيى عن مالك به، وعن إسحاق بن إبراهيم وابن أبي عمرو عن زهير بن حرب وعن هارون بن سعيد الأيلي، وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي به، وقد مضى هذا الحديث مختصراً في كتاب الحج في موضعين: أحدهما: باب صوم يوم عرفة، والآخر: باب الوقوف على الدابة بعرفة. ذكر معناه: قوله: ((إن ناساً تماروا))، أي: اختلفوا وجادلوا، ووقع عند الدارقطني في (الموطآت) من طريق أبي روح عن مالك: ((اختلف ناس من أصحاب رسول الله عَ لَّه). قوله: ((فأرسلت))، بلفظ المتكلم والغيبة، وفي الحديث الذي يأتي عقيبه أن ميمونة بنت الحارث هي التي أرسلت، فيحتمل التعدد ويحتمل أنهما أرسلتا معاً، فنسب ذلك إلى كل منهما لأنهما أختان، كما ذكرنا، وتكون ميمونة أرسلت بسؤال أم الفضل لها بذلك بكشف الحال في ذلك، ويحتمل العكس. قوله: ((وهو واقف على بعيره))، جملة إسمية وقعت حالاً. وزاد أبو نعيم في (المستخرج) من طريق يحيى بن سعيد عن مالك: ((وهو يخطب الناس بعرفة))، وللبخاري في الأشربة من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة عن أبي النضر، وهو واقف عشية عرفة، ولأحمد والنسائي من طريق عبد الله بن عباس عن أمه أم الفضل: أن رسول الله عَ لَّه أفطر بعرفة. قوله: ((فشربه))، زاد في حديث ميمونة: ((والناس ينظرون)). وفي هذا الحديث: استحباب الفطر للواقف بعرفة والوقوف راكباً، وجواز الشرب قائماً، وإباحة الهدية لرسول الله عَّ له، وقبول هدية المرأة المتزوجة الموثوق بدينها. وجواز تصرف المرأة في مالها، خرج من الثلث أم لا، لأنه عَّ لم يسأل هل هو من مالها أو مال زوجها؟ وقد بسطنا الكلام فيه في: باب صوم يوم عرفة في كتاب الحج. ١٩٨٩/٩٨ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ سُلَيْمانَ قال حدثنا ابنُ وَهْبٍ أَوْ قُرِيءَ عَلَيْهِ قال أخبرني عَمْرٌو عنْ بُكَيْرٍ عنْ مَيْمُونَةَ رضي الله تعالى عنها أنَّ النَّاسَ شَكّوا فِي صِيام النبيِّ عَّه يَوْمَ عَرَفَةَ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِحِلاَبٍ وَهْوَ وَاقِفٌ فِي المَوْقِفِ فَشَرِبَ مِنْهُ والنَّاسُ يَنْظُرُونَ. مطابقته للترجمة مثل ما ذكرنا في وجه مطابقة الحديث الذي قبله. ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: يحيى بن سليمان بن يحيى أبو سعيد الجعفي، قدم مصر وحدث بها وتوفي بها سنة ثمان، ويقال: سبع وثلاثين ومائتين. الثاني: عبد الله بن وهب. الثالث: عمرو بن الحارث. الرابع: بكير بن عبد الله بن الإشج. الخامس: كريب بن أبي مسلم القرشي مولى عبد الله بن عباس. السادس: ميمونة بنت الحارث زوج النبي عليه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين والإخبار بصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: اثنان من الرواة مصغران: بكير وكريب. وفيه: أن شيخه من أفراده وهو كوفي الأصل وابن وهب وعمرو مصريان، والبقية مدنيون، وفيه: قوله: أو قرىء عليه، شك من يحبى في أن الشيخ قرأ، أو قرىء على الشيخ؟. والحديث أخرجه مسلم في الصوم أيضاً عن هارون بن سعيد الأيلي، رحمه الله تعالى. ١٥٥ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٦) ذكر معناه: قوله: ((شكوا))، بتشديد الكاف في صيام النبي، عَ له، منهم من قال: إنه صائم بناء على عادتهم في الحضر، ومنهم من قال: إنه غير صائم لكونه مسافراً، وقد عرف نهيه عن صوم الفرض في السفر فضلاً عن النفل. قوله: ((بحلاب))، بكسر الحاء المهملة وتخفيف اللام، وهو الإناء الذي يحلب فيه اللبن، وقيل: الحلاب اللبن المحلوب، وقد يطلق على الإناء ولو لم يكن فيه لبن. ذكر ما يستفاد منه: استدل بهذين الحديثين على استحباب الفطر يوم عرفة بعرفة، وفيه نظر، لأن فعله المجرد لا يدل على نفي الاستحباب، إذ قد يترك الشيء المستحب لبيان الجواز، ويكون في حقه أفضل لمصلحة التبليغ، نعم يتم الاستدلال بما رواه أبو داود والنسائي من طريق عكرمة: ((أن أبا هريرة حدثهم أن رسول الله، عَّله، نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة))، وصححه ابن خزيمة والحاكم، وأخذ بظاهره بعض السلف فنقل عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه قال: يجب فطر يوم عرفة للحاج، وقال الطبري: إنما أفطر، عَُّلِّ، بعرفة ليدل على الاختيار للحجاج، لكن بأن لا يضعف عن الدعاء والذكر المطلوب يوم عرفة، وقيل: إنما أفطر لموافقته يوم الجمعة، وقد نهى عن إفراده بالصوم، وقيل: لأنه يوم عيد لأهل الموقف لاجتماعهم فيه، ويؤيد ما رواه أصحاب السنن عن عقبة بن عامر مرفوعاً، يوم عرفة ويوم النحر وأيام منىّ وعيدنا أهل الإسلام. وفيه: أن العيان أقطع للحجة، وأنه فوق الخبر. وفيه: أن الأكل والشرب في المحافل مباح، ولا كراهة فيه للضرورة، وفيه: تأسي الناس بأفعال النبي عَّ لِ. وفيه: البحث والاجتهاد في حياته، عَ ◌ّهِ، والمناظرة في العلم بين الرجال والنساء، والتحيل على الاطلاع على الحكم بغير سؤال. وفيه: فطنة ميمونة وأم الفضل أيضاً لاستكشافهما عن الحكم الشرعي بهذه الوسيلة اللائقة بالحال، لأن ذلك كان في يوم حر بعد الظهيرة، قيل: لم ينقل أنه، عَّ له، ناول فضله أحداً، فلعله علم أنها خصته به، فيؤخذ منه مسألة التمليك المقيد، وفيه نظر، وقد وقع في حديث ميمونة ((فشرب منه))، فهذا يدل على أنه لم يستوفِ شربه، والله أعلم. ٦٦ - بابُ صَوْمٍ يَوْمِ الفِطْرِ أي: هذا باب في بيان صوم يوم الفطر ما حكمه؟ لم يصرح بالحكم اكتفاءً بما يذكر في الحديث على عادته، قيل: لعله أشار إلى الخلاف فيمن نذر صوم يوم فوافق يوم العيد، هل ينعقد نذره أم لا؟ قلت: إذا قال: لله علي صوم يوم النحر، أفطر وقضى، فهذا النذر صحيح عندنا مع إجماع الأمة على أن صومه وصوم الفطر منهيان. قال مالك: لو نذر صوم يوم فوافق يوم فطر أو نحر يقضيه في رواية ابن القاسم وابن وهب عنه، وهو قول الأوزاعي، والأصل عندنا أن النهي لا ينفي مشروعية الأصل. وقال صاحب المحصول: أكثر الفقهاء على أن النهي لا يفيد الفساد، وقال الرازي: لا يدل النهي على الفساد أصلاً، وأطال الكلام فيه، وعلى هذا الأصل مشى أصحابنا فيما ذهبوا إليه، ويؤيد هذا ما رواه البخاري من حديث ١٥٦ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٦) زياد بن جبير، قال: ((جاء رجل إلى ابن عمر فقال: نذر رجل صوم الإثنين فوافق يوم عيد؟ فقال ابن عمر: أمر الله بوفاء النذر، ونهى رسول الله، عَّه، عن صوم هذا اليوم، فتوقف في الفتيا)). وسيجيء في الباب الذي بعده، وقال ابن عبد الملك: لو كان صومه ممنوعاً منه لعينه، ما توقف ابن عمر، رضي الله تعالى عنه. وقال الشافعي وزفر وأحمد: لا يصح صوم يومي العيدين ولا النذر بصومهما، وهو رواية أبي يوسف وابن المبارك عن أبي حنيفة، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه إن نذر صوم يوم النحر لا يصح، وإن نذر صوم غد وهو يوم النحر صح، واحتج بحديث أبي سعيد الخدري، رضي الله تعالى عنه، الآتي هنا، إن شاء الله تعالى. ٩٩/ ١٩٩٠ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عن أبي عُبَيْدٍ مولَى ابْنِ أَزْهَرَ قال شَهِدْتُ الْعِيدَ معَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله تعالى عنه فقال هَذَانٍ يَوْمَانِ نَهَى رسولُ اللهِ عَِّ عِنْ صِيَامِهِما يَوْمُ فِطْرِكُمُ مِنْ صِيَامِكُمْ والْيَوْمُ الآخَرُ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُشكِكُمْ. [الحديث ١٩٩٠ - طرفه في: ٥٥٧١]. مطابقته للترجمة من حيث إنه يبين إبهام الترجمة، وهو أن صوم يوم الفطر لا يصح، وأبو عبيد اسمه: سعد، مولى ابن عبد الرحمن بن الأزهر بن عوف - وينسب أيضاً إلى عبد الرحمن بن عوف لأنهما ابنا عم - القرشي الزهري، مات سنة ثمان وتسعين، وقال ابن الأثير: قد غلط من جعله ابن عم عبد الرحمن بن عوف، بل هو عبد الرحمن بن أزهر بن عبد عوف. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الأضاحي عن حبان عن ابن المبارك. وأخرجه مسلم في الصوم أيضاً عن يحيى بن يحيى عن مالك به، وفي الأضاحي عن عبد الجبار بن العلي وعن حرملة بن يحيى، وعن زهير بن حرب، وعن حسن الحلواني وعن عبد بن حميد وأخرجه أبو داود في الصوم عن قتيبة وزهير بن حرب. وأخرجه الترمذي عن محمد بن عبد الملك. وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم، وفي الذبائح عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي. وأخرجه ابن ماجه في الصوم عن سهل بن أبي سهل. ذكر معناه: قوله: ((مولى ابن أزهر))، وفي رواية الكشميهني: ((مولى بني أزهر))، وكذا في رواية مسلم. قوله: ((شهدت العيد))، زاد يونس عن الزهري في روايته التي تأتي في الأضاحي، ((يوم الأضحى)). قوله: ((هذان يومان))، فيه التغليب، وذلك أن الحاضر يشار إليه بهذا والغائب يشار إليه بذاك، فلما أن جمعهما اللفظ قال: هذان، تغليباً، للحاضر على الغائب. قوله: ((يوم فطركم))، مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: أحدهما يوم فطركم، وقال بعضهم: أو على البدل من قوله: ((يومان)). قلت: هذا ليس بصحيح على ما لا يخفى. قوله: ((من صيامكم)) كلمة: من، بيانية، وفي رواية يونس في الأضاحي: ((أما أحدهما فيوم فطركم)). قوله: ((من نسككم))، بضم السين وسكونها أي: أضحيتكم، وفائدة وصف ١٥٧ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٧) اليومين الإشارة إلى العلة، وهي في أحدهما، وجوب الفطر، وفي الآخر الأكل من الأضحية. قال أبُو عَبْدِ الله قال ابنُ عُيَيْنَةَ منْ قالَ مَوْلَى بنِ أَزْهَرَ فقَدْ أصابَ ومَنْ قال مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمنِ فَقَدْ أصابَ هذا ليس بموجود في كثير من النسخ: أبو عبد الله هو البخاري وابن عيينة هو سفيان ابن عيينة، وهذا حكاه عنه علي بن المديني في (العلل) وقد أخرجه ابن أبي شيبة في (مسنده) عن ابن عيينة عن الزهري، فقال: عن أبي عبيد مولى ابن أزهر. وأخرجه الحميدي في (مسنده) عن ابن عيينة: حدثني الزهري سمعت أبا عبيد، فذكر الحديث ولم يصفه بشيء. ورواه عبد الرزاق في (مصنفه): عن معمر عن الزهري، فقال: عن أبي عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف. وقال ابن التين: وجه كون القولين صواباً ما روي أنهما اشتركا في ولائه، وقيل: يحمل أحدهما على الحقيقة، والآخر على المجاز، إما باعتبار كثرة ملازمته لأحدهما للخدمة، أو للأخذ عنه، أو لانتقاله من ملك أحدهما إلى الآخر، وقد مر بعض الكلام فيه عن قریب. ١٩٩١/١٠٠ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا وُهَيْبٌ قال حدَّثنَا عَمْرُو بنُ يَحْبَى عنْ أبِيهِ عنْ أبِي سَعِيدٍ رضي الله تعالى عنهُ قال نَهَى النبيُّ عَ له عِنْ صَوْمِ يَوْمِ الفِطْرِ والنَّخْرِ وعنِ الصَّمَّاءِ وأنْ يخْتَبِيَ الرَّجُلَ فِي ثَوْبٍ واحِدٍ. [انظر الحديث ٣٦٧ وأطرافه]. ١٩٩٢ _ وعَنْ صَلاةٍ بَعْدَ الصُّبْحِ والْعَصْرِ. [انظر الحديث ٥٨٦ وأطرافه]. هذا الحديث قد مر في أوائل كتاب الصلاة في: باب ما يستر من العورة فإنه أخرجه هناك عن قتيبة بن سعيد عن الليث بن سعد عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي سعيد الخدري، وليس فيه صوم يوم الفطر، والنحر، ولا ذكر الصلاة بعد الصبح والعصر، وذكر في: باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس عن أبي سعيد حكم الصلاتين وذكر عن غيره أيضاًفي أبواب متفرقة هناك، وقد بسطنا الكلام فيه هناك مستوفىّ، ووهيب تصغير وهب بن خالد البصري، وعمرو بن يحيى بن عمارة الأنصاري، مر في: باب ما يستر عورته، وأبوه يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازني الأنصاري. ٦٧ - بابُ الصَّوْمِ يَوْمَ النَّخرِ أي: هذا باب في بيان حكم صوم يوم النحر، والكلام في إبهامه الحكم كالكلام في الذي قبله. قوله: ((باب الصوم))، كذا هو في رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: ((باب صوم يوم النحر)). ١٩٩٣/١٠١ - حدَّثنا إبْراهِيمُ بنُ مُوسَى قال أخبرنا هِشامٌ عنِ ابنِ جُرِيجٍ قال أخبرَني عَمْرُو بنُ دِينارٍ عنْ عَطاءِ بنِ مِينَاء قال سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ ١٥٨ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٧) قال يُنْهَى عنْ صِيَامَيْنِ وبَيْعَتَيْنِ الْفِطْرِ والنَّحْرِ والْمُلاَمَسَةِ والْمُنَابِذَةِ. [انظر الحديث ٣٦٨ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((والنحر))، فإن صومه أحد الصيامين المنهيين، وإبراهيم بن موسى بن يزيد الفراء أبو إسحاق الرازي، يعرف بالصغير، وهشام بن يوسف الصنعاني وفي بعض النسخ هو مذكور بنسبته إلى أبيه، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وعطاء بن ميناء، بكسر الميم وسكون الياء آخر الحروف وبالنون، المشهور أنه مقصور: مولى أبي ذباب - الحيوان المعروف - المدني. والحديث أخرجه مسلم في البيوع عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق. قوله: ((ينهى)) كذا هنا بضم أوله على البناء للمجهول، وفي مسلم بلفظ: ((نهى أو نهي عن بيعتين: الملامسة والمنابذة)). ولم يذكر صوماً. قوله: ((عن صيامين)) وفي رواية الإسماعيلي: ((عن أبي هريرة أنه قال: نهى - يعني: النبي عَّهِ - عن صيام يومين وعن لبستين وعن بيعتين، فأما صيام يومين: فالفطر والأضحى، وأما البيعتان: فالملامسة)) ولم يذكر المنابذة. وعند البيهقي: ((نهى عن صيام يوم الأضحى ويوم الفطر))، وعند ابن ماجه: ((أيام منىّ أيام أكل وشرب)). قوله: ((الفطر والنحر))، فيه لف ونشر يرجع إلى صيامين، وقوله: ((الملامسة والمنابذة)). " يرجع إلى البيعتين، وقد روى عن أبي هريرة في: باب ما يستر من العورة. وقال: ((نهى رسول الله عَّ له عن بيعتين، عن الملاس والنباذ)). الحديث، وقد مر بيانه هناك. ١٠٢/ ١٩٩٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قال حدَّثنا مُعاذٌ قال أخبرنا ابنُ عَوْنِ عنْ زِیادٍ بنِ مُجُبَيْرٍ قال جاءَ رجلٌ إلى ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما فقال رجلٌ نذَرَ أنْ يَصُومَ يوماً قال أظُنُّهُ قال الإِثْنَيْنِ فَوافقَ يَوْمَ عِيدٍ فقال ابنُ عُمرَ أمَرَ الله ◌ِوَفاءِ النَّذْرِ ونَهَى النبيُّ عَّ ◌َّه عَنْ صَوْمِ هَذا اليَوْمِ. [الحديث ١٩٩٤ - طرفاه في: ٦٧٠٥، ٦٧٠٦]. مطابقته للترجمة في قوله: ((ونهى النبي عَّ عن صوم هذا اليوم)) وهو يوضح الإبهام الذي في الترجمة. فإن قلت: لم يفسر العيد في الأثر فكيف يكون التطابق؟ قلت: المسؤول عنه يوم النحر لأنه مصرح به في رواية يزيد بن زريع عن يونس (عن زياد بن جبير، قال: كنت مع ابن عمر فسأله رجل، فقال: نذرت أن أصوم كل يوم ثلاثاء، أو أربعاء، ما عشت، فوافقت هذا اليوم يوم النحر، فقال: أمر الله تعالى بوفاء النذر، ونهينا أن نصوم يوم النحر، فأعاد عليه، فقال مثله لا يزيد عليه)). رواه البخاري في كتاب الأيمان والنذور في: باب من نذر أن يصوم أياماً فوافق يوم النحر، على ما يجيء إن شاء الله تعالى. وأخرجه مسلم: ((عن زياد بن جبير، قال: جاء رجل إلى ابن عمر، فقال: إني نذرت أن أصوم يوماً، فوافق يوم أضحى أو فطر .. )) الحديث، وكذلك في رواية أحمد عن إسماعيل بن علية عن يونس، وفي رواية وكيع: فوافق يوم أضحى أو فطر. ١٥٩ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٧) ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: محمد بن المثنى، وقد مر غير مرة. الثاني: معاذ بن معاذ العنبري. الثالث: ابن عون هو عبيد الله بن عون بن أرطبان البصري. الرابع: زياد بن جبير، بضم الجيم وفتح الباء الموحدة: ابن حية، بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف: الثقفي، وقد مر في: باب نحر الإبل المقيدة بالحج. ذكر معناه: قوله: ((جاء رجل)) لم يدر اسمه، وفي رواية أحمد: عن هشيم عن يونس ابن عبيد عن زياد بن جبير: «رأيت رجلاً جاء إلى ابن عمر»، فذكره، وفي رواية له عن إسماعيل عن يونس بسنده: ((سأل رجل ابن عمر، وهو يمشي بمنىّ)). قوله: ((قال: أظنه)) أي: قال الرجال الجائي: أظنه قال يوم الإثنين، فهذا يدل على أن القضية ليست للرجل الجائي، لأنه قال: ((فقال رجل: نذرت))، ورواية مسلم التي ذكرناها الآن تدل على أن القضية للرجل الجائي حيث قال زياد بن جبير: ((كنت مع ابن عمر فسأله رجل، فقال: نذرت أن أصوم ... )) الحديث، وكذلك في رواية البخاري عن يزيد بن زريع، وقد مضى الآن. قوله: ((فوافق ذلك)) أي: وافق نذره بصوم يوم عيد. قوله: ((فقال ابن عمر ... )) إلى آخره: حاصله أن ابن عمر توقف عن الجزم بجوابه، لتعارض الأدلة عنده، ويحتمل أنه عرض للسائل: بأن الاحتياط لك القضاء، فتجمع بين أمر الله وهو قوله: ﴿فليوفوا نذورهم﴾ [الحج: ٢٩]. وبين أمر رسول الله، عَّ له، وهو أمره بترك صوم يومي العيد، وقال الخطابي: قد تورع ابن عمر عن قطع الفتيا فيه. انتهى. وقيل: إذا تلاقى الأمر والنهي في محل قدم النهي. وقيل: يحتمل أن يكون ابن غمر أراد أن كلاً من الدليلين يعمل به، فيصوم يوماً مكان يوم النذر، ويترك صوم يوم العيد. وقيل: إن ابن عمر نبه على أن الوفاء بالنذر عام، والمنع من صوم يوم العيد خاص، فكأنه أفهمه أنه يقضي بالخاص على العام، ورد عليه بأن النهي عن صوم يوم العيد فيه أيضاً عموم للمخاطبين، ولكل عيد، فلا يكون من حمل الخاص على العام. ١٠٣/ ١٩٩٥ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال حدَّثنا عَبْدُ المَلِكِ بنُ عُمَيْرٍ قال سَمِعْتُ قَزَعَةَ قال سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدِ الخُدْرِيَّ رضي الله تعالى عنهُ وكانَ غَزَا مَعَ النبيِّ عَ ◌ّهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً قال سَمِعْتُ أَرْبَعاً مِنَ النبيِّ عَ لَّهِ فَأَعْجَبْنَنِي قال لا تُسَافِرِ المَرأةُ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ إلاّ ومَعَهَا زَوْجُهَا أوْ ذُو مَخْرَمٍ ولاَ صَوْمَ فِي يَوْمَيْنِ الْفِطْرِ والأَضْحَىِ ولاَ صَلاَةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ولاَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ ولاَ تُشَدُّ الرّحَالُ إلَّ إِلَى ثَلاثَةِ مَساجِدَ مَسْجِدِ الحَرَامِ ومَسْجِدِ الأَقْصَى ومَسْجِدي هَذا. [انظر الحديث ٥٨٦ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: (ولا صوم في يومين الفطر والأضحى)) وهذا الحديث : بعينه قد مضى في أواخر الصلاة في: باب مسجد بيت المقدس، فإنه أخرجه هناك عن أبي الوليد عن شعبه عن عبد الملك عن قزعة مولى زيادة، قال: سمعت أبا سعيد الخدري ... إلى آخره. وقوله: ((وكان غزا مع النبي عَّ ثنتي عشرة غزوة))، ليس هناك. وبعد قوله: (فأعجبنني وآنقني)) هناك، والباقي سواء، وقد بسطنا الكلام فيه هناك مستقصى. ١٦٠ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٨) وقزعة، بفتح القاف والزاي والعين المهملة: هو ابن يحيى، وهذا الحديث مشتمل على أحكام، والغرض من إيراده هنا حكم الصوم. وقال بعضهم: واستدل به على جواز صيام أيام التشريق للاقتصار فيه على ذكر يومي الفطر والنحر خاصة! قلت: لا يحتاج إلى هذا الاستدلال، لأن الأصل جواز الصوم في الأيام كلها، ولكن جاء النهي عن صوم يومي الفطر والأضحى وصوم أيام التشريق أيضاً على ما يجيء بيانه مع الخلاف فيه. ٦٨ - بابُ صِيامٍِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أي: هذا باب في بيان صوم أيام التشريق، ولم يذكر الحكم لاختلاف العلماء فيه، واكتفاء مما في الحديث. وأيام التشريق يقال لها: الأيام المعدودات، وأيام منى، وهي: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة، وسميت أيام التشريق لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها، أي: تنشر في الشمس، وإضافتها إلى منىّ لأن الحاج فيها في منى. وقيل: لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس، وقيل: لأن صلاة العيد عند شروق الشمس أول يوم منها، فصارت هذه الأيام تبعاً ليوم النحر، وهذا يعضد قول من يقول: يوم النحر منها. وقال أبو حنيفة: التشريق التكبير دبر الصلاة واختلفوا في تعيين أيام التشريق والأصح أنها ثلاثة أيام بعد يوم النحر. وقال بعضهم: بل أيام النحر، وعند أبي حنيفة ومالك وأحمد: لا يدخل فيها اليوم الثالث بعد يوم النحر. واختلفوا في صيام أيام التشريق على أقوال: أحدها: أنه لا يجوز صيامها مطلقاً وليست قابلة للصوم، ولا للمتمتع الذي لم يجد الهدي ولا لغيره، وبه قال علي بن أبي طالب والحسن وعطاء، وهو قول الشافعي في الجديد، وعليه العمل والفتوى عند أصحابه، وهو قول الليث بن سعد وابن علية وأبي حنيفة وأصحابه، قالوا: إذا نذر صيامها وجب عليه قضاؤها. والثاني: أنه يجوز الصيام فيها مطلقاً، وبه قال أبو إسحاق المروزي من الشافعية، وحكاه ابن عبد البر في (التمهيد) عن بعض أهل العلم، وحكى ابن المنذر وغيره عن الزبير بن العوام وأبي طلحة من الصحابة الجواز مطلقاً. والثالث: أنه يجوز للمتمتع الذي لم يجد الهدي ولم يصم الثلاث في أيام العشر، وهو قول عائشة وعبد الله بن عمر وعروة بن الزبير وبه قال مالك والأوزاعي وإسحاق بن راهويه، وهو قول الشافعي في القديم، وقال المزني: إنه رجع عنه. والرابع: جواز صيامها للمتمتع، وعن النذر: إن نذر صيامها إن قدر صيام أيام قبلها متصلة بها، وهو قول لبعض أصحاب مالك. والخامس: التفرقة بين اليومين الأولين منها واليوم الأخير، فلا يجوز صوم اليومين الأولين إلاَّ للمتمتع المذكور، ويجوز صوم اليوم الثالث له، وللنذر، وكذا في الكفارة: إن صام قبله صياماً متتابعاً، ثم مرض وصح فيه، وهي رواية ابن القاسم عن مالك. والسادس: جواز صيام اليوم الآخر من أيام التشريق مطلقاً، حكاه ابن العربي عن علمائهم، فقال: قال علماؤنا: صوم يوم الفطر ويوم النحر حرام، وصوم اليوم الرابع لا نهي فيه. والسابع: أنه يجوز صيامها للمتمتع بشرطه، وفي كفارة الظهار حكاه ابن العربي عن مالك قولاً له. والثامن: جواز صيامها عن كفارة اليمين، وقال ابن العربي: توقف فيه