النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤١)
المدني، وعن ابن معين: ثقة حجة، وعن أحمد: كان سفيان يسمي أبا الزناد أمير المؤمنين
في الحديث، مات سنة ثلاثين ومائة، وهو ابن ست وستين سنة، وأبدله ابن بطال بأبي
الدرداء، يعني: قائل هذا الكلام هو أبو الدرداء الصحابي، والمقصود منه أن الأمور
الشرعية التي ترد على خلاف القياس ولا يعلم وجه الحكمة فيها يجب الاتباع بها،
ويكل الأمر فيها إلى الشارع، ويتعبد بها ولا يعترض، ولا يقول: لم كان كذا؟ ألا ترى
أن في حديث قتادة، قال: حدثتني معاذة أن امرأة قالت لعائشة: أتجزىء إحدانا
صلاتها، إذا طهرت؟ قالت: أحرورية أنت؟ كنا نحيض مع النبي عَُّلَّه فلا يأمرنا به، أو
قالت: فلا نفعله، وقد تقدم هذا في باب: لا تقضي الحائض الصلاة في كتاب الحيض،
وقال بعضهم: وقد تقدم في كتاب الحيض سؤال معاذة عن عائشة عن الفرق المذكور،
وأنكرت عليها عائشة السؤال، وخشيت عليها أن تكون تلقته من الخوارج الذين جرت
عادتهم باعتراض السنن بآرائهم، ولم تزدها على الحوالة على النص، فكأنها قالت لها:
دعي السؤال عن العلة إلى ما هو أهم من معرفتها، وهو الانقياد إلى الشارع انتهى. قلت:
قد غلط هذا القائل في قوله: سؤال معاذة عن عائشة عن الفرق إلى آخره، ولم يكن
السؤال من معاذة، وإنما معاذة حدثت أن امرأة قالت لعائشة: فهذه هي السائلة دون معاذة،
والسؤال والجواب إنما كانا بين تلك المرأة وعائشة، ولم تكن بين معاذة وعائشة على ما
لا يخفى.
قوله: ((ووجوه الحق)) أي الأمور الشرعية، واللام في قوله: لتأتي، مفتوحة للتأكيد.
قوله: ((على خلاف الرأي)) أي: العقل والقياس. قوله: ((فما يجد المسلمون بداً)) أي: افتراقاً
وامتناعاً من اتباعها. قوله: ((من ذلك)) أي: من جملة ما هو أتى بخلاف الرأي، قضاء الصوم
والصلاة، فإن مقتضاه أن يكون قضاؤهما متساويين في الحكم، لأن كلاً منهما عبادة تركت
لعذر، لكن قضاء الصوم واجب.
والحاصل من كلامه أن الأمور الشرعية التي تأتي على خلاف الرأي والقياس لا يطلب
فيها وجه الحكمة، بل يتعبد بها، ويوكل أمرها إلى الله تعالى، لأن أفعال الله تعالى لا تخلو
عن حكمة، ولكن غالبها تخفى على الناس ولا تدركها العقول، ومن جملة ما قالوا في الفرق
بينِ الصوم والصلاة على أنواع. منها: ما قال الفقهاء: الفرق بينهما أن الصوم لا يقع في السنة
إلاَّ مرة واحدة فلا حرج في قضائه، بخلاف الصلاة، فإنها متكررة كل يوم ففي قضائها حرج
عظيم. ومنها: ما قالوا: إن الحائض لا تضعف عن الصيام فأمرت بإعادة الصيام عملاً بقوله:
﴿فمن كان منكم مريضاً﴾ [البقرة: ١٨٤]. والنزف مرض بخلاف الصلاة فإنها أكثر الفرائض
ترداداً، وهي التي حطها الله تعالى في أصل الفرض من خمسين إلى خمس، فلو أمرت
بإعادتها لتضاعف عليها الفرض. ومنها: ما قالوا: إن الله تعالى وصف الصلاة بأنها كبيرة في
قوله تعالى: ﴿وإنها لكبيرة﴾ [البقرة: ٥٤]. فلو أمرت بإعادتها لكانت كبيرة على كبيرة،
وقال إمام الحرمين: إن المنع في ذلك النص، وإن كل شيء ذكروه من الفرق ضعيف، وزعم
عمدة القاري/ ج١١ م٦
..

٨٢
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤٢)
المهلب أن السبب في منع الحائض من الصوم أن خروج الدم يحدث ضعفاً في النفس غالباً،
فاستعمل هذا الغالب في جميع الأحوال، فلما كان الضعف يبيح الفطر ويوجب القضاء كان
كذلك الحيض، وفيه نظر، لأن المريض لو تحامل فصام صح صومه، بخلاف الحائض، فإن
المستحاضة في نزف الدم أشد من الحائض، وقد أبيح لها الصوم.
١٩٥١/٥٩ - حدَّثنا ابنُ أبي مَرْيَمَ قال حدَّثَنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قال حدَّثني زَيْدٌ عنْ
عِيَاضٍ عنْ أبِي سَعَيدٍ رضي الله تعالى عنهُ قال قال النبيُّ عَّ أَلَيْسَ إذَا حاضَتْ لَمْ تُصَلِّ
ولَمْ تَصُمْ فَذَلِكَ نُقْصَانُ دِينِهَا. [انظر الحديث ٣٠٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((إذا حاضت لم تصل ولم تصم))، والترجمة في
ترك الصوم والصلاة، والحديث مضى في: باب ترك الحائض الصوم، في كتاب الحيض،
فإنه أخرجه هناك بهذا الإسناد مطولاً، وذكره هنا مقصراً على قوله: ((أليس إذا حاضت لم
تصل؟)) إلى آخره، وزيد هو ابن أسلم، وعياض ابن عبد الله، وقد مر الكلام فيه مستوفىّ
هناك.
٤٢ - بابُ منْ ماتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ
أي: هذا باب في بيان حكم الشخص الذي مات، والحال أن عليه صوماً ولم يعين
الحكم لاختلاف العلماء فيه. على ما يجيء بيانه، إن شاء الله تعالى. ويجوز أن تكون: من،
شرطية، وجواب الشرط محذوف، والتقدير: يجوز قضاؤه عنه عند من يجوز ذلك من الفقهاء
على ما يجيء.
وقال الحَسَنُ إنْ صَامَ عَنْهُ ثَلاثُونَ رَجُلا يَوْماً واحِداً أجازَ
هذا الأثر عن الحسن البصري مما يبين مراده من الترجمة المبهمة، ووجه مطابقته لها
أيضاً، وهذا تعليق وصله الدارقطني في كتاب المذبح من طريق عبد الله بن المبارك عن
سعيد بن عامر وهو الضبعي، وعن أشعث عن الحسن فيمن مات وعليه صوم ثلاثين يوماً،
فجمع له ثلاثون رجلاً فصاموا عنه يوماً واحداً أجزأ عنه. قوله: ((إن صام عنه))، أي: عن
الميت، والقرينة تدل عليه. قوله: ((يوماً واحداً) وفي رواية الكشميهني: ((في يوم واحد))، جاز
أن يقع قضاء صوم رمضان كله في اليوم الواحد للميت الذي فات عنه ذلك. قال النووي في
(شرح المهذب): هذه المسألة لم أر فيها نقلاً في المذهب، وقياس المذهب الإجزاء، وفي
التوضيح أثر الحسن غريب وهو فرع ليس في مذهبنا، وهو الظاهر، كما لو استأجر عنه بعد
موته من يحج عنه من فرض استطاعته، وآخر يحج عنه عن قضائه، وآخر عن نذره في سنة
واحدة فإنه يجوز.
٦٠ / ١٩٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ خالِدٍ قال حدَّثنا محمَّدُ بنُ مُوسَى بِنِ أَعْيَنَ قال
حدَّثنا أبِي عنْ عَمْرِو بنِ الحَارِثِ عَنْ عُبَيْدِ الله بنِ جَعْفَرٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُ عنْ

٨٣
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤٢)
عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أنَّ رسولَ الله عَُّلِّ قال منْ ماتَ وعَلَيْهِ صِيَامٌ صامَ
عَنْهُ ولِئُهُ.
مطابقته للترجمة من حيث إنه بيين الإبهام الذي فيها.
ذكر رجاله: وهم ثمانية: الأول: محمد بن خالد، اختلف فيه فذكر أبو علي الجياني
أن أبا نصر والحاكم قالا: هو الذهلي نسبة إلى جده، فإنه محمد بن يحيى بن عبد الله بن
خالد، وقال ابن عدي: في شيوخ البخاري محمد بن خالد بن جبلة الرافعي. وقال ابن
عساكر: قيل: إن البخاري روى عنه، وقال أبو نعيم في (المستخرج): رواه يعني: البخاري
عن محمد بن خالد بن خلي عن محمد بن موسى بن أعين، وكأنه منفرد بهذا القول، وجزم
الجوزقي بأنه الذهلي، فإنه أخرجه عن أبي حامد بن الشرفي عنه. وقال: أخرجه البخاري عن
محمد بن يحيى، وبذلك جزم الكلاباذي، ووافقه المزي وهو الراجح، وعلى هذا فقد نسبه
البخاري هنا إلى جد أبيه لأنه محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن خلي على وزن
علي. الثاني: محمد بن موسى بن أعين أبو يحيى الجزري. الثالث: أبوه موسى بن أعين
الجزري أبو سعيد، مات سنة خمس، وقيل: سبع وتسعين ومائة. الرابع: عمرو بن الحارث بن
يعقوب الأنصاري أبو أمية المؤدب. الخامس: عبيد الله بن أبي جعفر يسار الأموي القرشي.
السادس: محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام. السابع: عروة بن الزبير. الثامن: عائشة، رضي
الله تعالى عنها، وهذا الحديث من ثمانيات البخاري، ومثل هذا قليل في الكتاب.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع وبصيغة الإفراد
في موضع. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع، وفيه: نسبة الراوي إلى جده. وفيه: رواية الابن
عن الأب. وفيه: رواية الراوي عن عمه وهو محمد بن جعفر يروي عن عمه عروة. وفيه: أن
شيخه نيسابوري ومحمد بن موسى وأبوه حرانيان وعمرو بن الحارث وعبيد الله بن جعفر
مصريان، ومحمد بن جعفر وعروة مدنيان.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم أيضاً في الصوم عن هارون بن سعيد الأيلي،
وعن أحمد بن عيسى. وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن صالح عن ابن وهب. وأخرجه
النسائي فيه عن علي بن عثمان النفيلي وإسماعيل بن يعقوب الحرانيين.
ذكر معناه: قوله: ((من مات))، أي: من المكلفين بقرينة قوله: ((وعليه صيام))، لأن
كلمة: على، للإِيحاب والواو فيه للحال. قوله: ((صام عنه))، أي: عن الميت وليُّه، واختلف
المجيزون الصوم عن الميت في المراد بالولي، فقيل: كل قريب، وقيل: الوارث خاصة،
وقيل: عصبته، وقال الكرماني: الصحيح أن المراد به القريب، سواء كان عصبة أو وارثاً أو
غيرهما. انتهى. ولو صام عنه أجنبي. قال في (شرح المهذب): إن كان بإذن الولي صح وإلّ
فلا، ولا يجب على الولي الصوم عنه، بل يستحب. وأطلق ابن حزم النقل عن الليث بن سعد
وأبي ثور وداود أنه فرض على أوليائه، هم أو بعضهم، وبه صرح القاضي أبو الطيب الطبري

٨٤
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤٢)
في تعليقه بأن المراد منه الوجوب، وجزم به النووي في (الروضة) من غير أن يعزوه إلى أحد،
وزاد في (شرح المهذب) فقال: إنه بلا خلاف. وقال شيخنا زين الدين: هذا عجيب منه، ثم
قال: وحكى النووي في (شرح مسلم) عن أحد قولي الشافعي: إنه يستحب لوليه أن يصوم
عنه، ثم قال: ولا يجب عليه.
ذكر ما يستفاد منه: احتج به أصحاب الحديث فأجازوا الصيام عن الميت، وبه قال
الشافعي في القديم، وأبو ثور وطاوس والحسن والزهري وقتادة وحماد بن أبي سليمان والليث
بن سعد وداود الظاهري وابن حزم، سواء كان عن صيام رمضان أو عن كفارة أو عن نذر،
ورجح البيهقي والنووي القول القديم للشافعي لصحة الأحاديث فيه. وقال النووي، رحمه الله
في (شرح مسلم): إنه الصحيح المختار الذي نعتقده، وهو الذي صححه محققو أصحابه
الجامعين بين الفقه والحديث لقوة الأحاديث الصحيحة الصريحة، ونقل البيهقي في
(الخلافيات): من كان عليه صوم فلم يقضه مع القدرة عليه حتى مات صام عنه وليه أو
أطعم عنه على قوله في القديم، وهذا ظاهر أن القديم تخيير الولي بين الصيام والإطعام، وبه
صرح النووي في (شرح مسلم) قلت: ليس القول القديم مذهباً له فإنه غسل كتبه القديمة
وأشهد على نفسه بالرجوع عنها، هكذا نقل ذلك عنه أصحابه.
ثم اعلم أن في هذا الباب اختلافاً كثيراً وأقوالاً. الأول: ما ذكرناه الآن. والثاني: هو
أن يطعم الولي عن الميت كل يوم مسكيناً مداً من قمح، وهو قول الزهري ومالك والشافعي
في الجديد، وأنه لا يصوم أحد عن أحد، وإنما يطعم عنه عند مالك إذا أوصى به. والثالث:
يطعم عنه كل يوم نصف صاع، روى ذلك عن ابن عباس، وهو قول سفيان الثوري. والرابع:
يطعم عنه عن كل يوم صاعاً من غير البر، ونصف صاع من البر، وهو قول أبي حنيفة، وهذا
إذا أوصى به، فإن لم يوصٍ فلا يطعم عنه. الخامس: التفرقة بين صوم رمضان وبين صوم
النذر، فيصوم عنه وليه ما عليه من نذر. ويطعم عنه عن كل يوم من رمضان مداً، وهو قول
أحمد وإسحاق، وحكاه النووي عن أبي عبيد أيضاً. والسادس: أنه لا يصوم عنه الأولياء إلاَّ
إذا لم يجدوا ما يطعم عنه، وهو قول سعيد بن المسيب والأوزاعي.
وحجة أصحابنا الحنفية، ومن تبعهم في هذا الباب، في أن: من مات وعليه صيام لا
يصوم عنه أحد، ولكنه إن أوصى به أطعم عنه وليه كل يوم مسكيناً نصف صاع من بر أو
صاعاً من تمر أو شعير، ما رواه النسائي ((عن ابن عباس: أن رسول الله عَ لّم قال: ((لا يصلي
أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه)). وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله
عَّةٍ: ((من مات وعليه صوم شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكين)). قال القرطبي في
(شرح الموطأ) إسناده حسن. قلت: هذا الحديث رواه الترمذي، وقال: حدثنا قتيبة حدثنا عبثر
ابن القاسم عن أشعث عن محمد عن نافع عن ابن عمر عن النبي عَ لِّ ثم قال: لا نعرفه
مرفوعاً إلاَّ من هذا الوجه، والصحيح عن ابن عمر موقوفاً، ورواه ابن ماجه أيضاً عن محمد
ابن يحيى عن قتيبة، إلاّ أنه قال: عن محمد بن سيرين عن نافع، وقال الحافظ المزي: وهو

٨٥
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤٢)
وهم، وقال شيخنا: وقد شك عبثر في محمد هذا فلم يعرف من هو، كما رواه ابن عدي في
(الكامل) من رواية الوليد بن شجاع عن عبثر بن أبي زبيد عن الأشعث عن محمد، لا يدري
أبو زبيد عن محمد، فذكر الحديث، ثم قال ابن عدي بعده، ومحمد هو ابن عبد الرحمن
ابن أبي ليلى، قال: وهذا الحديث لا أعلمه يرويه عن أشعث غير عبثر، ورواه البيهقي من
رواية يزيد بن هارون عن شريك عن محمد بن عبد الوارث بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن
نافع ((عن ابن عباس عن النبي عَّله في الذي يموت وعليه رمضان ولم يقضه، قال: يطعم عنه
لكل يوم نصف صاع من بر))، قال البيهقي: هذا خطأ من وجهين. أحدهما: رفعه الحديث
إلى النبي عَّه، وإنما هو من قول ابن عمر. والآخر: قوله: نصف صاع، وإنما قال: مداً من
حنطة، وضعفه عبد الحق في أحكامه بأشعث وابن أبي ليلى.
وقال الدارقطني في (علله): المحفوظ موقوف، هكذا رواه عبد الوهاب بن بخت عن
نافع عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، وقال البيهقي في (المعرفة)؛ لا يصح هذا
الحديث، فإن محمد بن أبي ليلى كثير الوهم، ورواه أصحاب نافع عن نافع عن ابن عمر.
قوله: قلت: رفع هذا الحديث قتيبة في رواية الترمذي عن عبثر ابن القاسم، قال أحمد:
صدوق ثقة، وقال أبو داود: ثقة ثقة، وروى له الجماعة. وهو يروي عن الأشعث وهو ابن
سوار الكندي الكوفي، نص عليه المزي، وثقه يحيى في روايته، وروى له مسلم في
المتابعات، والأربعة ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال العجلي: كان فقيهاً صاحب
سنة صدوقاً جائز الحديث، وروى له الأربعة، فمثل هؤلاء إذا رفعوا الحديث لا ينكر عليهم.
لأن معهم زيادة علم، مع أن القرطبي حسن إسناده.
وأما قول البيهقي: هذا خطأ، فمجرد حط ودعوى من غير بيان وجه ذلك، على أن
ابن سيرين قد تابع ابن أبي ليلى على رفعه، فلقائل أن يمنع الوقف. وأما الجواب عن حديث
الباب فقد قال مهنىء: سألت أحمد عن حديث عبيد الله بن أبي جعفر عن محمد بن جعفر
عن عروة عن عائشة مرفوعاً: ((من مات وعليه صيام؟)) فقال أبو عبد الله: ليس بمحفوظ، وهذا
من قبل عبيد الله بن أبي جعفر، وهو منكر الأحاديث، وكان فقيهاً، وأما الحديث فليس هو
فيه بذاك، وقال البيهقي: ورأيت بعض أصحابنا ضعف حديث عائشة بما روي عن عمارة بن
عمير عن امرأة عن عائشة في امرأة ماتت وعليها الصوم، قالت: يطعم عنها. قال: وروي من
وجه آخر عن عائشة أنها قالت: لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم، ثم قال: وفيهما نظر،
ولم يزد علیه. قلت: قال الطحاوي: (حدثنا روح بن الفرج حدثنا یوسف بن عدي حدثنا
عبيد بن حميد عن عبد العزيز بن رفيع عن عمرة بنت عبد الرحمن قلت لعائشة: إن أمي
توفيت وعليها صيام رمضان، أيصح أن أقضي عنها؟ فقالت: لا، ولكن تصدقي عنها مكان
كل يوم على مسكين خير من صيامك)) وهذا سند صحيح.
وقد أجمعوا على أنه لا يصلي أحد عن أحد، فكذلك الصوم، لأن كلاً منهما عبادة
بدنية، وقال ابن القصار: لما لم يجز الصوم عن الشيخ ألهم في حياته فكذا بعد مماته، فيرد

٨٦
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤٢)
ما اختلف فيه إلى ما أجمع عليه، وحكى ابن القصار أيضاً في (شرح البخاري) عن المهلب
أنه قال: لو جاز أن يصوم أحد عن أحد في الصوم لجاز أن يصلي الناس عن الناس، فلو كان
ذلك سائغاً لجاز أن يؤمن رسول الله عَّ له عن عمه أبي طالب لحرصه على إيمانه، وقد
أجمعت الأمة على أنه لا يؤمن أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد، فوجب أن يرد ما
اختلف فيه إلى ما أجمع عليه. قلت: فيه بعض غضاضة وترك محاسن الأدب ومصادمة
الأخبار الثابتة فيه، والأحسن فيه أن يسلك فيها ما سلكنا من الوجوه المذكورة.
ولنا قاعدة أخرى في مثل هذا الباب، وهي أن الصحابي إذا روى شيئاً ثم أفتى بخلافه
فالعبرة لما رآه، وقال بعضهم: الراجح أن المعتبر ما رواه لا ما رآه، لاحتمال أن يخالف ذلك
الاجتهاد مستنده فيه لم يتحقق؛ ولا يلزم من ذلك ضعف الحديث عنده، وإذا تحققت صحة
الحديث لم يترك به المحقق للمظنون انتهى. قلت: الاحتمال الذي ذكره باطل لأنه لا يليق
بجلالة قدر الصحابي أن يخالف ما رواه من النبي عَّ لّ لأجل اجتهاده فيه، وحاشى الصحابي
أن يجتهد عند النص بخلافه لأنه مصادمة للنص، وذا لا يقال في حق الصحابي، وإنما فتواه
بخلاف ما رواه إنما يكون لظهور نسخ عنده، وقوله: ومستنده فيه لم يتحقق، كلام واهٍ لأنه لو
لم يتحقق عنده ما يوجب ترك العمل به لما أفتى لخلافه، وإلاّ يلزم نسبة الصحابي العدل
الموثوق إلى العمل بخلاف ما رواه. وقوله: وإذا تحققت ... إلى آخره، يستلزم العمل
بالأحاديث الصحيحة المنسوخة الثابت نسخها، ولا يلزم العمل بحديث تحققت صحته
ونسخه حديث آخر، وقوله: للمظنون، يعني لأجل المظنون، قلنا: المظنون الذي يستند به
هذا القائل هو المظنون عنده لا عند الصحابي الذي أفتى بخلاف ما روى، لأن حاله يقتضي
أن لا يترك الحديث الذي رواه بمجرد الظن والله أعلم.
تابَعَهُ ابنُ وَهْبٍ عنْ عَمْرٍو
أي: تابع والد محمد بن موسى عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث المذكور في
سند الحدیث المذکور، ووصل هذه المتابعة مسلم وأبو داود وغيرهما فقال مسلم: حدثنا
هارون بن سعيد الأيلي وأحمد بن عيسى قالا: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن
الحارث عن عبيد الله بن أبي جعفر عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة،
رضي الله تعالى عنها أن رسول الله عَ ليه قال: ((من مات وعليه صيام صام عنه وليه)).
ورَوَاهُ يَخْتَى بِنُ أَيُّوبَ عنِ ابنِ أَبِي جَعْفَرٍ
أي: روى الحديث المذكور يحيى بن أيوب الغافقي المصري أبو العباس عن عبيد الله
ابن أبي جعفر بسنده المذكو، وطريق يحيى هذا رواه البيهقي عن أبي عبد الله الحافظ، وأبي
بكر بن الحسن، وأبي زكريا والسلمي، قالوا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا
محمد بن إسحاق الصغاني، حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق أنبأنا يحيى بن أيوب عن عبيد
الله بن أبي جعفر عن محمد بن جعفر عن عروة ... الحديث، وأخرجه أبو عوانة والدارقطني

٨٧
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤٢)
من طريق عمرو بن الربيع عن يحيى بن أيوب، وأخرجه ابن خزيمة من طريق سعيد بن أبي
مريم عن يحيى بن أيوب، وألفاظهم متوافقة، ورواه البزار من طريق ابن لهيعة عن عبيد الله بن
أبي جعفر، فزاد في آخر المتن: إن شاء الله.
١٩٥٣/٦١ - حدثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيم قال حدَّثنا مُعاوِيةُ بنُ عَمْرٍو قال
حدثنا زَائِدَةُ عنِ الأعْمَشِ عِنْ مُسْلِمِ الْبَطِينِ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرِ عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله
تعالى عنهما قال جاءَ رَجُلٌ إِلَى الْنبيِّ عَ لَِّ فقال يا رسولَ الله إنَّ أَمِّي ماتَتْ وَعَلَيْهَا
صَوْمُ شَهْرٍ أَفْأَقْضِيهِ عَنْها قال نَعَمْ قال فَدَيْنُ الله أحَقُّ أَنْ يُقْضَى.
مطابقته للترجمة مثل مطابقة حديث عائشة لها.
ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى، كان يقال له:
صاعقة، لجودة حفظه، مات سنة خمس وخمسين ومائتين. الثاني: معاوية بن عمرو بن
المهلب الأزدي، مر في أول إقبال الإمام على الناس. الثالث: زائدة بن قدامة أبو الصلت
الثقفي البكري. الرابع: سليمان الأعمش. الخامس: مسلم، بلفظ اسم الفاعل من الإسلام،
البطين، بفتح الباء الموحدة وكسر الطاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره نون:
وهو مسلم بن أبي عمران، ويقال: ابن عمران، يكنى أبا عبد الله. السادس: سعيد بن عباس.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
أربعة مواضع. وفيه: القول في موضع. وفيه: أن شيخه من أفراده وأنه ومعاوية بغداديان وأن
زائدة ومن بعده كوفيون. وفيه: أن معاوية من قدماء شيوخ البخاري، حدث عنه بغير واسطة
في أواخر كتاب الجمعة، وحدث عنه هنا وفي الجهاد وفي الصلاة بواسطة، وكان طلب
معاوية هذا للحديث وهو كبير وإلاَّ فلو كان طلبه على قدر سنه لكان من أعلى شيخ
البخاري، وقد لقي البخاري جماعة من أصحاب زائدة المذكور.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الصوم أيضاً عن أحمد بن عمر الوكيعي،
وعن أبي سعيد الأشج، وعن إسحاق بن منصور وابن أبي خلف وعبد بن حميد وعن إسحاق
ابن إبراهيم. وأخرجه أبو داود في الأيمان والنذور عن مسدد عن يحيى به، وعن محمد بن
العلاء عن أبي معاوية به. وأخرجه الترمذي في الصوم عن أبي سعيد الأشج وأبي كريب.
وأخرجه النسائي فيه عن الأشج بإسناد مسلم، وعن القاسم بن زكريا وعن قتيبة وعن الحسن
ابن منصور وعن عمرو بن يحيى. وأخرجه ابن ماجه فيه عن الأشج بإسناد مسلم.
ذكر معناه: قوله: ((جاء رجل))، لم يدر اسمه، وكذا في رواية مسلم والنسائي من
رواية زائدة عن الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير ((عن ابن عباس: جاء رجل ... ))
إلى آخره نحو رواية البخاري، وزاد مسلم: ((فقال: لو كان على أمك دين أكنت قاضية عنها؟
فقال: نعم)) وفي رواية أخرى لمسلم من رواية عيسى بن يونس عن الأعمش عن سعيد بن
جبير ((عن ابن عباس: أن امرأة أتت النبي، عَّ له، فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر ... ))

٨٨
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤٢)
الحديث وفى رواية أخرى لمسلم والنسائى من رواية عبيد الله بن عمرو الرقي عن زيد بن
أبي أنيسة عن الحكم عن سعيد عن ابن عباس قال: ((جاءت امرأة إلى رسول الله، عَ لّه،
فقالت: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر ... )) الحديث، وفي رواية الترمذي عن
الأشج: حدثنا أبو خالد الأحمر عن الأعمش عن سلمة بن كهيل ومسلم البطين عن سعيد بن
جبير وعطاء ومجاهد ((عن ابن عباس، قال: جاءت امرأة إلى النبي عَّ فقالت: إن أختي
ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين، قال: أرأيت لو كان على أختك دين أكنت تقضيه؟
قالت: نعم. قال: فحق الله أحق أن يُقضى. قوله: ((إن أمي)) خالد أبو خالد جميع من رواه
فقال: ((إن أختي)) كما ذكرناه، واختلف عن أبي بشر عن سعيد بن جبير فقال هشيم عنه:
ذات قرابة لها، وقال شعبة عنه: إن أختها، أخرجهما أحمد. وقال حماد عنه: ذات قرابة لها،
إما أختها وإما ابنتها. قوله: ((وعليها شهر صوم))، هكذا في أكثر الروايات، وفي رواية أبي
جرير: ((خمسة عشر يوماً)، وفي رواية أبي خالد: ((شهرين متتابعين))، وروايته هذه تقتضي أن
لا يكون الذي عليها صوم شهر رمضان بخلاف رواية غيره، فإنها محتملة إلاَّ رواية زيد بن
أبي أنيسة، فقال: ((إن عليها صوم نذر))، وهذا ظاهر في أنه غير رمضان. وبين أبو بشر في
روايته سبب النذر، فروى أحمد من طريق شعبة: ((عن أبي بشر أن امرأة ركبت البحر فنذرت
أن تصوم شهراً، فماتت قبل أن تصوم فأتت أختها إلى النبي عَِّ ... )) الحديث. قوله:
((أَفأقضيه؟)) الهمزة للاستفهام. قوله: ((فدين الله))، تقدير الكلام: حق العبد يُقضى فحق الله
أحق، كما في الرواية الأخرى هكذا: ((فحق الله أحق)).
ذكر ما يستفاد منه: احتج به من ذكرناهم ممن احتج بحديث عائشة السابق في
جواز الصوم عن الميت، وجواب المانعين عن ذلك هو ما قاله ابن بطال: ابن عباس راويه وقد
خالفه بفتواه، فدل على نسخ ما رواه وتشبيهه عَّلِ بدين العباد حجة لنا لأنها قالت: أفأقضيه
عنها؟ وقال: ((أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟)) وإنما سألها هل تقضيه؟ لأنه لا
يجب عليها أن تقضي دين امها. وقال ابن عبد الملك: فيه اضطراب عظيم يدل على وهم
الرواة، وبدون هذا يقبل الحديث. وقال بعضهم، ما ملخصه: إن الاضطراب لا يقدح فيٍ
موضع الاستدلال من الحديث، ورد بأنه كيف لا يقدح والحال أن الاضطراب لا يكون إلاّ
من الوهم؟ كما مر، أو هو مما يضعف الحديث؟ وقال هذا القائل أيضاً في دفع الاضطراب
فيمن قال: إن السؤال وقع عن نذر: فمنهم من فسره بالصوم ومنهم من فسره بالحج، والذي
يظهر أنهما قضيتان ويؤيده أن السائلة في نذر الصوم خثعمية. وعن نذر الحج جهنية، ورد
عليه بقوله أيضاً: وقد قدمنا في أواخر الحج أن مسلماً روى من حديث بريدة أن امرأة سألت
عن الحج وعن الصوم معاً، فهذا يدل على اتحاد القضية.
وأما حديث بريدة فأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه من رواية عبد الله بن
عطاء عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: ((بينما أنا جالس عند النبي، عَّله، إذا أتته امرأة
فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية وأنها ماتت، قال: فقد وجب أجرك، وردها عليك

٨٩
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤٢)
الميراث. قالت: يا رسول الله! إنه كان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: صومي عنها.
قالت: إنها لم تحج قط، أفأحج عنها؟ قال: حجي عنها)). لفظ مسلم.
وقال القرطبي: إنما لم يقل مالك بحديث ابن عباس لأمور: أحدها: أنه لم يجد عليه
عمل أهل المدينة. الثاني: أنه حديث اختلف في إسناده ومتنه. الثالث: أنه رواه البزار وقال
في آخره: لمن شاء، وهذا يرفع الوجوب الذي قالوا به. الرابع: أنه معارض لقوله تعالى ﴿ولا
تكسب كل نفس إلا عليها﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾
[الأنعام، ١٦٤، الإسراء: ١٥، فاطر: ١٨، والزمر: ٧]. وقوله تعالى: ﴿وإن ليس للإنسان إلا
ما سعى﴾ [النجم: ٣٩]. الخامس: أنه معارض لما أخرجه النسائي عن ابن عباس عن النبي،
عَّهِ، أنه قال: ((لا يصلي أحد عن أحدٍ ولا يصوم أحدٌ عن أحدٍ، ولكن يطعم عنه مكان
كل يوم مداً من طعام)). السادس: أنه معارض للقياس الجلي، وهو أنه عبادة بدنية، فلا
مدخل للمال فيها، ولا يفعل عمن وجب عليه كالصلاة، ولا ينقض هذا بالحج، لأن للمال
فیه مدخلاً انتهى.
وقد اعترض عليه في بعض الوجوه، فمن ذلك في قوله: اختلف في إسناده ومتنه،
قيل: هذا لا يضره، فإن من أسنده أئمة ثقات. وأجيب: بأن الكلام ليس في الرواة، والكلام
في اختلاف المتن فإنه يورث الوهن. ومنه: في قوله: رواه البزار، قيل: الذي زاده البزار من
طريق ابن لهيعة ويحيى بن أيوب، وحالهما معلوم. وأجيب: بما حالهما: فابن لهيعة حدث عنه
أحمد بحديث كثير، وعنه من كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه،
وروى عنه مثل سفيان الثوري وشعبة وعبد الله بن المبارك والليث بن سعد، وهو من أقرانه،
وروى له مسلم مقروناً بعمرو بن الحارث وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وأما يحيى بن أيوب
الغافقي المصري فإن الجماعة رووا له. ومنه في قوله: إنه معارض لقوله تعالى، الآيات
الثلاث، قيل: هذه في قوم إبراهيم وموسى، عليهما الصلاة والسلام، وأجيب: بأن العبرة لعموم
اللفظ. ومنه: في قوله: إنه معارض لما أخرجه النسائي، قيل: ما في (الصحيح) هو العمدة.
وأجيب: بأن ما رواه النسائي أيضاً صحيح، فيدل على نسخ ذاك كما قلنا.
ومما يستفاد من الحديث المذكور أن قوله: ((لو كان على أمك دين أكنت
قاضيته؟)) مشعر بأن ذلك على الندب إن طاعت به نفسه لأنه لا يجب، على ولي الميت أن
يؤدي من ماله عن الميت ديناً بالاتفاق، لكن من تبرع به انتفع به الميت وبرئت ذمته، وقال
ابن حزم: من مات وعليه صوم فرض من قضاء رمضان أو نذر أو كفارة واجبة ففرض على
أوليائه أن يصوموه عنه، هم أو بعضهم، ولا إطعام في ذلك أصلاً، أوصى بذلك أو لم يوصٍ
به، ويبدأ به على ديون الناس. وفيه: صحة القياس. وفيه: قضاء الدين عن الميت، وقد
أجمعت الأئمة عليه، فإن مات وعليه دين لله ودين الآدمي قدم دين الله لقوله: ((فدين الله
أحق))، وفيه: ثلاثة أقوال للشافعي: الأول: أصحها تقديم دين الله تعالى. الثاني: تقديم دين
الآدمي. الثالث: هما سواء فيقسم بينهما.

٩٠
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤٢)
قال سُلَيْمَانُ فقال الحَكَمُ وسَلَمَةُ ونَحْنُ جَمِيعاً جُلُوسٌ حِينَ حدَّثَ مُسْلِمٌ بِهَذَا
الحَدِيثَ قالاَ سَمِعْنا مُجَاهِداً يَذْكُرُ هَذَا عنِ ابنِ عَبَّاسٍ
سليمان الأعمش يعني، قال بالإسناد المذكور في الحديث المذكور. قوله: ((فقال
الحكم))، ويروى: قال، بدون الفاء، و: الحكم، بفتح الكاف: هو ابن عتيبة - تصغير عتبة
الباب - وسلمة، بالفتحات: هو ابن كهيل - مصغر: الكهل - الحضرمي الكوفي. قوله:
((ونحن جلوس)) جملة إسمية وقعت حالاً، وهي في نفس الأمر مقول سليمان، و: جلوس،
بالضم: جمع جالس، والمراد: ثلاثتهم - أعني: سليمان وحكماً وسلمة - والحاصل أن هؤلاء
الثلاثة كانوا حاضرين حين حدث مسلم بن عمران البطين المذكور في سند الحديث
المذكور. قوله: ((قالا)) أي: الحكم وسلمة ((سمعنا مجاهداً يذكر هذا)) الحديث ((عن ابن
عباس)) فآل الأمر إلى أن الأعمش سمع هذا الحديث من ثلاثة أنفس في مجلس واحد، من
مسلم البطين أولاً عن سعيد بن جبير، ثم من الحكم وسلمة عن مجاهد.
ويُذْكَرُ عن أبِي خالِدٍ قال حدَّثنا الأعمشُ عنِ الحَكَمِ ومُسْلِمِ الْبَطِينِ وسلَمَةَ بنِ
كُهَيْلٍ عنْ سَعِيدِ بنِ لُبَيْرٍ وعطاءٍ ومُجَاهِدٍ عنِ ابنِ عَبَّاسَ قالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ عَ لَّه إِنَّ
أُخْتِي ماتَتْ
أبو خالد هو الأحمر - ضد الأبيض - واسمه: سليمان بن حيان، بتشديد الياء آخر
الحروف وفي آخره نون، ذكره بصيغة التمريض، وأشار إلى مخالفة أبي خالد زائدة الذي
يروي عن الأعمش في الحديث المذكور، وفيه أيضاً بين الشيوخ الثلاثة وهم: سعيد بن جبير
وعطاء بن أبي رباح ومجاهد بن جبير. وقال بعضهم: أبو خالد جمع بين شيوخ الأعمش
الثلاثة فحدث به عنهم عن شيوخ ثلاثة، وظاهره أنه عند كل منهم عن كل منهم، ويحتمل أن
يكون أراد به اللف والنشر بغير ترتيب، فيكون: شيخ الحكم عطاء، وشيخ البطين سعيد بن
جبير، وشيخ سلمة مجاهداً. قلت: قال الكرماني فإن قلت: هؤلاء الثلاثة رووا عن الثلاثة وهو
على سبيل التوزيع بأن يروي بعضهم عن بعض؟ قلت: المتبادر إلى الذهن رواية الكل عن
"الكل انتهى. قلت: حق الكلام الذي تقتضيه العبارة ما قاله الكرماني، ووصل هذا الترمذي:
حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو خالد الأحمر عن الأعمش عن سلمة بن كهيل ومسلم
البطين عن سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد ((عن ابن عباس، قال: جاءت امرأة إلى النبي عَّه
فقالت: إن أختي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين، قال: أرأيت لو كان على أختك دين
أكنت تقضيه؟ قالت: نعم. قال فحق الله أحق)). قال الترمذي: حديث حسن صحيح، ورواه
النسائي وابن ماجه وابن خزيمة والدارقطني، كذلك، ورواه مسلم: حدثنا أبو سعيد الأشج،
قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، قال: حدثنا الأعمش عن سلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة
ومسلم البطين عن سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء عن ابن عباس عن النبي عَ ◌ّه بهذا
الحديث، يعني: حديث زائدة الذي رواه قبله فأحاله عليه ولم يسق المتن.

٩١
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤٣)
وقالَ يَحْيَى وأَبُو مُعَاوِيَةَ قال حدَّثنا الأعْمَشُ عنْ مُسْلِمِ عنْ سَعِيدٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ
قالتِ امْرَأةٌ لِلنَّبِيِّ عَلَّلِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ
يحيى هو ابن سعيد وأبو معاوية محمد بن خازم، بالمعجمتين، والأعمش: سليمان،
ومسلم هو البطين فأشار بهذا إلى أن يحيى وأبا معاوية وافقا زائدة المذكور على أن شيخ
مسلم البطين فيه هو سعيد بن جبير، ورواه أبو داود وفي رواية أبي الحسن بن العبد من رواية
يحيى وأبي معاوية كلاهما عن الأعمش عن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
وقال عُبَيْدُ اللهِ عنْ زَيْدِ بنِ أبِي أُنَيْسَةَ عِنِ الحَكَمِ عِنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ
عَبَّاسٍ قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ إِنَّ أُمِّيَ ماتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ
عبيد الله هو ابن عمرو الرقي هذا التعليق وصله مسلم، قال: حدثنا إسحاق بن منصور
وابن أبي خلف وعبد بن حميد جميعاً عن زكريا بن عدي، قال عبد: حدثني زكريا بن عدي
قال: أخبرنا عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة قال حدثنا الحكم بن عتيبة عن سعيد
ابن جبير ((عن ابن عباس، قال: جاءت امرأة إلى رسول الله، عَّله، فقالت: يا رسول الله إن
أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ قال: أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان
يؤدى ذلك عنها؟ قالت: نعم. قال: فصومي عن أمك)).
وقالَ أَبُو حَرِيزِ حدَّثنا عِكْرِمَةُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَتِ امْرَأٌ للنبيِّ عَ لِّ مَاتَتْ أُمّي
وعلَيْهَا صَوْمُ خَمسَةً عَشَرَ يَوْماً
أبو حريز، بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره زاي:
واسمه عبد الله بن حسين قاضى سجستان، ضعفه أحمد وابن معين والنسائي وغيرهم، وهذا
التعليق رواه البيهقي عن أبي عبد الله الحافظ أخبرني أبو بكر بن عبد الله أنبأنا الحسن بن
سفيان حدثنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا المعتمر، قال: قرأت على الفضيل عن أبي حريز،
قال: حدثني عكرمة عن ابن عباس به، وفيه امرأة من خثعم.
٤٣ - بابٌ مَتَى يَحِلُّ فِطْرُ الصَّائِمِ
أي: هذا باب يذكر فيه متى يحل فطر الصائم، وجواب الاستفهام تقديره بغروب
الشمس ولا يجب إمساك جزء من الليل لتحقق مضي النهار، وما ذكره في الباب من الأثر
والحديثين يبين ما أبهمه في الترجمة.
وأَقْطَرَ أَبُو سَعيدِ الخُدْرِيُّ حِينَ غَابَ قُرْصُ الشَّمْسِ
مطابقته للترجمة من حيث إنه جواب للاستفهام الذي فيها، وأبو سعيد الخدري سعد
ابن مالك الأنصاري وهذا التعليق وصله سعيد بن منصور وابن أبي شيبة من طريق عبد الواحد
ابن أيمن عن أبيه قال: دخلنا على أبي سعيد فأفطر ونحن نرى أن الشمس لم تغرب وجه
ذلك أن أبا سعيد لما تحقق غروب الشمس لم يطلب مزيداً على ذلك، ولا التفت إلى

٩٢
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤٣)
موافقة من عنده على ذلك، فلو كان يجب عنده إمساك جزء من الليل لاشترك الجميع في
معرفة ذلك.
١٩٥٤/٦٢ - حدّثنا الحُمَيْدِيُّ قال حدَّثنا سُفْيانُ قال حدَّثنا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ قال
سَمِعْتُ أبِي يَقُولُ سَمِعْتُ عَاصِمَ بنَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ عنْ أبيهِ رضي الله تعالى عنهُ قال قال
رسولُ اللهِ عَّهِ إِذَا أَقْبلِ اللَّيْلُ مِنْ هَهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ منْ هَهُنَا وغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ
الصَّائِمُ.
مطابقته للترجمة من حيث إنه يوضح الإبهام الذي فيها بالاستفهام.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: الحميدي هو عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي
الأسدي أبو بكر المكي. الثاني: سفيان بن عيينة. الثالث: هشام بن عروة. الرابع: أبوه عروة
ابن الزبير بن العوام، الخامس: عاصم بن عمر بن الخطاب أبو عمر القرشي. السادس: أبوه
عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضع واحد. وفيه: السماع في موضعين. وفيه: القول في أربعة مواضع. وفيه: أن شيخه من
أفراده وأنه وسفيان مكيان ومن بعدهما مدنيون. وفيه: رواية الابن عن الأب في موضعين.
وفيه: رواية تابعي صغير عن تابعي كبير هشام عن أبيه. وفيه: رواية صحابي صغير عن
صحابي كبير عاصم عن أبيه، وكان مولد عاصم في عهد النبي عَّه لكن لم يسمع منه
شيئاً، كذا قاله بعضهم حيث أطلق على عاصم أنه صحابي صغير قلت: قال الذهبي: ولد قبل
موت النبي عَِّ بعامين، وذكره ابن حبان في الثقات.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم أيضاً في الصوم عن يحيى بن يحيى وعن أبي
كريب وعن ابن نمير. وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن حنبل وعن مسدد. وأخرجه الترمذي
فيه عن هارون بن إسحاق وعن أبي كريب وعن محمد بن المثنى. وأخرجه النسائي فيه عن
إسحاق بن إبراهيم.
ذكر معناه: قوله: ((إذا أقبل الليل من ههنا)) أي: من جهة المشرق. ((وأدبر النهار من
ههنا)) أي: من المغرب، وقد مر الكلام فيه في باب الصوم في السفر والإفطار في آخر
حديث عبد الله بن أبي أوفى. قوله: ((فقد أفطر الصائم))، أي: دخل في وقت الفطر، وقال
ابن خزيمة: لفظه خبر ومعناه الأمر أي: فليفطر الصائم.
٦٣ / ١٩٥٥ - حدّثنا إسْحَاقُ الوَاسِطيُ قال حدَّثنا خالدٌ عنِ الشَّيْبَانِيِّ عنْ عَبْدِ الله بنِ
أبي أوفى رضي الله تعالى عنهُ قال كُنَّا مَعَ رسولِ الله عَ لَّهِ فِي سَفَرٍ وَهْوَ صَائِمٌ فَلَمَّا غَرَبَتِ
الشَّمْسُ قال لِبَعْضِ الْقَوْمِ يا فُلانُ قُمْ فاجْدَخْ لَنَا فقال يا رسولَ اللهِ لَوْ أَمْسَيْتَ قال انْزِلْ
فاجْدَخْ لَنَا قال يا رسولَ اللهِ لوْ أَمْسَيتَ قال انْزِلْ فاجْدَخْ لَنَا قالٍ إِنَّ عَلَيْكَ نَهَاراً قال انْزَلْ
فاجْدَخْ لَنَا فَتَزِلَ فَجَدَعَ لَهُمْ فَشَرِبَ النبيُّ عَِّ ثُمَّ قال إذَا رَأَيْتُمْ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَهُنَا فَقَدْ

٩٣
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤٤)
أَفْطَرَ الصَّائِمُ. [انظر الحديث ١٩٤١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((إذا رأيتم الليل)) إلى آخره، وقد مر هذا الحديث في باب
الصوم في السفر والإفطار، فإنه أخرجه هناك عن علي بن عبد الله عن سفيان ((عن أبي
إسحاق الشيباني سمع ابن أبي أوفى قال: كنا مع رسول الله عَّ ◌ُله في سفر ... )) الحديث، وقد
مر الكلام فيه بجميع تعلقاته مستوفىّ. وإسحاق بن شاهين الواسطي وخالد هو ابن عبد الله بن
عبد الرحمن بن يزيد الطحاوي الواسطي، يكنى أبا الهيثم، ويقال: أبو محمد، يقال: إنه
اشترى نفسه من الله ثلاث مرات، مات سنة تسع وسبعين ومائة، والشيباني هو أبو إسحاق
سليمان بن سليمان. قوله: ((لو أمسيت)) كلمة: لو، إما للتمني وإما للشرط، وجزاؤه محذوف
أي: لكنت متماً للصوم، ونحوه. قوله: ((فقال يا رسول الله))، الضمير المرفوع المستكن فيه
يرجع إلى عبد الله بن أبي أوفى بطريق الالتفات عدل عن حكاية نفسه إلى الغيبة، ويجوز أن
يرجع إلى فلان.
٤٤ _ بابٌ يُفْطِرُ بِمَا تَيَسَّرَ عَلَيْهِ بالمَاءِ وغَيْرِهِ
أي: هذا باب يذكر فيه يفطر الصائم بأي شيء يتهيأ ويتيسر عليه، سواء كان بالماء أو
بغيره، وقال الترمذي: باب ما يستحب عليه الإفطار، ثم قال: حدثنا محمد بن عمر بن علي
المقدمي حدثنا سعيد بن عامر حدثنا شعبة عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك،
قال: قال رسول الله عَّلَّه: ((من وجد تمراً فليفطر عليه ومن لا فليفطر على ماء، فإن الماء
طهور)) وقال: هو حديث غير محفوظ. وأخرجه النسائي، وقال: هذا خطأ، والصواب حديث
سليمان بن عامر أورده في الصوم وفي الوليمة أيضاً، ورواه الترمذي من حديث الرباب عن
سلمان بن عامر الضبي عن النبي عَّ له قال: ((إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم
يجد فليفطر على ماء فإنه طهور)). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، والرباب بنت
صليع وهي أم الرابح، ورواه الترمذي أيضاً من حديث ثابت ((عن أنس بن مالك، قال: كان
النبي عَّ يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم يكن رطبات فتمرات، فإن لم يكن
تمرات حسا حسوات من ماء)). ثم قال: هذا حديث حسن غريب، وقال شيخنا زين الدين،
رحمه الله، هذا مخالف لما يقول أصحابنا من استحباب الإفطار على شيء حلو، وعللوه بأن
الصوم يضعف البصر والإفطار على الحلو يقوي البصر، لكن لم يذكر في الحديث بعد التمر
إلاّ الماء، فلعله خرج مخرج الغالب في المدينة من وجود الرطب في زمنه، ووجود التمر في
بقية السنة، وتيسير الماء بعدهما بخلاف الحلو أو العسل، وإن كان العسل موجوداً عندهم
لكن يحتاج إلى ما يحمل فيه إذا كانوا خارج منازلهم، أو في الأسفار. واستحب القاضي
حسين أن يكون فطره على ماء يتناوله بيده من النهر ونحوه حرصاً على طلب الحلال للفطر
لغلبة الشبهات في المآكل. وروينا عن ابن عمر أنه كان ربما أفطر على الجماع، رواه الطبراني
من رواية محمد بن سيرين عنه، وإسناده حسن، وذلك يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون
ذلك لغلبة الشهوة وإن كان الصوم يكسر الشهوة. والثاني: أن يكون لتحقق الحل من أهله،

٩٤
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤٥)
وربما يردد في بعض المأكولات. وفي (المستدرك): عن قتادة عن أنس أن النبي عٍَّ كان لا
يصلي المغرب حتى يفطر، ولو على شربة من ماء، وذهب ابن حزم إلى وجوب الفطر على
التمر إن وجده. فإن لم يجده فعلى الماء، وإن لم يفعل فهو عاصٍ، ولا يبطل صومه بذلك.
١٩٥٦/٦٤ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قال حدَّثنا الشَّيْبَانِيُّ قال سَمِعْتُ
عَبْدَ اللهِ بنَ أبِي أَوْفَى رضي الله تعالى عنهُ قال سِرْنَا مَعَ رسولِ اللهِ عَ لَّهِ وَهْوَ صَائِمٌ فَلَمًّا
غَرَبَتِ الشَّمْسُ قال انْزِلْ فَاجْدَخْ لَنا قال يا رسولَ اللهِ لَوْ أَمْسَيْتَ قال انْزِل فاجْدَخْ لَنا قال یا
رسولَ اللهِ إِنَّ عَلَيْكَ نَهَاراً قال انزِلْ فاجْدَخْ لَنَا فَتَزَلَ فَجَدَعَ ثُمَّ قال إذَا رَأَيْتُمْ اللَّيْلَ أقْبَلَ مِنْ
هَهُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ وأَشَارَ بَأصْبُعِهِ قَِلَ المَشْرِقِ. [انظر الحديث ١٩٤١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن الجدح هو تحريك السويق بالماء وتخويضه، وفيه الماء
وغيره، والترجمة بالماء وغيره، والحديث تقدم. قوله: ((فنزل)) أي: عبد الله بن أبي أوفى هذا
الذي يقتضيه سياق الكلام، ولكن رواه أبو داود عن مسدد شيخ البخاري، وفيه: «فقال: يا
بلال إنزل ... )) إلى آخره، وأخرجه الإسماعيلي وأبو نعيم من طرق عبد الواحد بن زياد شيخ
مسدد فيه، فاتفقت رواياتهم على قوله: يا فلان، فلعلها تصحفت بقوله: ((يا بلال))، وقال
بعضهم، في الحديث الذي قبله من رواية خالد عن الشيباني: يا فلان، وجاء في حديث
عمر، رضي الله تعالى عنه، رواه ابن خزيمة قال: قال النبي عَ له: ((إذا أقبل الليل)) إلى آخره.
فيحتمل أن يكون المخاطب بذلك عمر، رضي الله تعالى عنه، فإن الحديث واحد، فلما كان
عمر هو المقول له: إذا أقبل الليل، إلى آخره احتمل أن يكون هو المقول له: اجدح. انتهى.
قلت: هذا احتمال بعيد، لأنه لا يستلزم قوله عَّلَه لعمر: إذا أقبل الليل، أن يكون المأمور
بالجدح لهم عمر، رضي الله تعالى عنه، مع وجود بلال هناك، الذي هو صاحب شرابه
ومتولي خدمته، وقوله أيضاً: فإن الحديث واحد، فيه نظر لا يخفى. قوله: ((فجدح لنا))، كلام
أنس، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((ثم قال: أي: النبي، عَ ل﴾)).
٤٥ - بابُ تَعْجِيلِ الأُفْطَارِ
أي: هذا باب في بيان استحباب تعجيل الإفطار للصائم، وروى عبد الرزاق بإسناد
صحيح عن عمرو بن ميمون الأودي قال: كان أصحاب محمد عَّله أسرع الناس إفطاراً
وأبطأهم سحوراً. وقال أبو عمر: أحاديث تعجيل الإفطار وتأخير السحور صحاح متواترة،
وروى الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله عَّ له: ((قال الله عز وجل: أحب
عبادي إليَّ أعجلهم فطراً))، والعلة فيه أن اليهود والنصارى يؤخرون، وروى الحاكم من
حديث سهل بن سعد، قال: قال رسول الله عَّله: ((لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر
بفطرها النجوم)). وقال: هذا حديث حسن صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
٦٥ / ١٩٥٧ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ سَهْلٍ
ابنِ سَعْدٍ أَنَّ رسولَ الله عَلِ قال لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرِ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ.

٩٥
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤٥)
مطابقته للترجمة ظاهرة، وأبو حازم، بالحاء المهملة وبالزاي: اسمه سلمة بن دينار.
وأخرجه مسلم عن زهير بن حرب وعن محمد بن يحيى. وأخرجه ابن ماجه عن هشام
ابن عمار. وأخرجه الترمذي أيضاً. وفي الباب عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه رواه أبو
داود عنه. قال: قال رسول الله عَّةِ: ((لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر)). وعن ابن
عباس رواه أبو داود الطيالسي في (مسنده) عنه، قال: قال رسول الله عَّ له: ((إنا معاشر
الأنبياء أمرنا أن نعجل إفطارنا ونؤخر سحورنا، ونضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة)).
ومن طريق أبي داود رواه البيهقي في (سننه) قال: هذا حديث يعرف بطلحة بن عمرو المكي
وهو ضعيف.
واختلف عليه فيه فقيل: عنه، هكذا، وقيل: عنه عن عطاء عن أبي هريرة، وروي من
وجه آخر ضعيف عن أبي هريرة، ومن وجه آخر ضعيف عن ابن عمر، وروي عن عائشة من
قولها: ثلاثة من النبوة ... فذكرهن، وهو أصح ما ورد فيه، وعن عائشة رواه مسلم والترمذي
والنسائي من رواية أبي عطية، قال: ((دخلت أنا ومسروق على عائشة فقلنا يا أم المؤمنين!
رجلان من أصحاب النبي عَ ل أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة، والآخر يؤخر الإفطار
ويؤخر الصلاة؟ قالت: أيهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة؟ قلنا: عبد الله بن مسعود! قالت:
هكذا وضع رسول الله عَّه، والآخر أبو موسى)). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح،
وأبو عطية اسمه مالك بن أبي عامر الهمداني، ويقال: مالك بن عامر، وعن ابن عمر رواه ابن
عدي في (الكامل) عنه أن النبي عَّ له قال: ((إنا معاشر الأنبياء أمرنا بثلاث: بتعجيل الفطر،
وتأخير السحور، ووضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة)) قال: وهذا غير محفوظ. وعن
أنس رواه أبو يعلى في (مسنده): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حسين الجعفي عن زائدة
عن حميد ((عن أنس، قال: ما رأيت النبي عَّ له قط صلى صلاة المغرب حتى يفطر، ولو كان
على شربة من ماء)). وإسناده جيد.
قوله: ((ما عجلوا الفطر))، زاد أبو ذر في حديثه: ((وأخروا السحور))، أخرجه أحمد،
وكلمة: ما، ظرفية أي: مدة فعلهم ذلك امتثالاً للسنة، واقفين عند حدها غير متنطعين بعقولهم
ما يغير قواعدها، وزاد أبو هريرة في حديثه: ((لأن اليهود والنصارى يؤخرون))، أخرجه أبو داود
وابن خزيمة. وتأخير أهل الكتاب له أمد. وهو ظهور النجم، وقال المهلب: الحكمة في ذلك
أن لا يزاد في النهار من الليل، ولأنه أرفق للصائم وأقوى له على العبادة، واتفق العلماء على
أن محل ذلك إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية أو بإخبار عدلين، وكذا عدل واحد في
الأرجح عند الشافعية، وقال ابن دقيق العيد: في هذا الحديث رد على الشيعة في تأخيرهم
الفطر إلى ظهور النجوم، قال بعضهم: الشيعة لم يكونوا موجودين عند تحديثه عَّ له بذلك.
قلت: يحتمل أن يكون أنه عٍَّ كان علم بما يصدر في المستقبل من أمر الشيعة في ذلك
الوقت بإطلاع الله عز وجل إياه.

٩٦
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤٦)
٦٦ / ١٩٥٨ - حدَّثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ قال حدَّثنا أَبُو بَكْرٍ عنُّ سُلَيْمَانَ عنِ ابنِ أبي
أُوْفَى رضي الله تعالى عنهُ قال كُنتُ مِعَ النبيِّ عَّ ◌ُلّهِ فِي سَفَرٍ فِصَامَ حَتَّى أَمْسى قال لِرَجُلٍ
انْزِلْ فاجْدَعْ لِي قال لوِ انْتَظَرْتَ حَتَّى تُمْسي قَال انْزِلْ فاجْدَعْ لِي إِذَا رَأْيِتَ اللَّيْلَ قَدْ أَقْلَ مِنْ
هَهُنَا فَقَدْ أَقْطَرَ الصَّائِمُ. [انظر الحديث ١٩٤١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إنه عَّلِ قال للرجل المذكور فيه: انزل فاجدح لي، لأنه
لما تحقق غروب الشمس عجل الإفطار، والترجمة في تعجيل الإفطار، ولهذا كرر عليه
بالجدح، وقد مر الكلام فيه عن قريب، وعن بعيد. وأبو بكر هو ابن عياش المقرىء،
وسليمان هو الشيباني.
٤٦ - بابٌ إِذَا أفطَرَ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا أفطر الصائم وهو يظن غروب الشمس ثم طلعت عليه
الشمس، وجواب: إذا، محذوف، ولم يذكره لمكان الاختلاف في وجوب القضاء عليه.
٦٧ /١٩٥٩ - حدّثني عَبْدُ اللهِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ قال حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ عنْ هِشَامٍ بِنِ عُرْوَةَ
عنْ فَاطِمَةَ عَنْ أسْمَاءَ بنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهما قالَتْ أَفْطَرْنا عَلَى عَهْدِ النبيِّ
عَّهِ يَوْمَ غَيْمِ ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ قِيلَّ لِهِشَامٍ فَأُمِرُوا بالْقَضاءِ قال لا بُدَّ مِنْ قَضَاءِ، وقال مَعْمَرٌ
سَمِعْتُ هِشاماً لا أدْرِي أَقَضَوْا أَمْ لاَ.
مطابقته للترجمة في قوله: ((فأمروا بالقضاء)) ويقدر من هذا جواب لكلمة: إذا، في
الترجمة، والتقدير: إذا أفطر في رمضان ثم طلعت الشمس عليه القضاء، لأن مقتضى قوله:
((فأمروا بالقضاء»: عليهم القضاء.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عبد الله بن أبي شيبة هو عبد الله بن محمد بن أبي
شيبة أبو بكر، واسم أبي شيبة: إبراهيم بن عثمان. الثاني: أبو أسامة حماد بن أسامة الليثي.
الثالث: هشام بن عروة بن الزبير بن العوام. الرابع: فاطمة بنت المنذر، وهي ابنة عم هشام
وزوجته. الخامس: أسماء بنت أبي بكر الصديق.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الإفراد أولاً وبصيغة الجمع ثانياً. وفيه:
العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: أن شيخه وأبا أسامة كوفيان والبقية مدنيون. وفيه: رواية
الراوي عن زوجته هو هشام فإن فاطمة امرأته وروايته أيضاً عن ابنة عمه كما ذكرنا. وفيه:
رواية الراوية عن جدتها لأن أسماء جدة فاطمة. وفيه: رواية التابعية عن الصحابية.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه أبو داود في الصوم أيضاً عن هارون بن عبد الله
ومحمد بن العلاء، وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة.
ذكر معناه: قوله: ((يوم غيم))، بنصب يوم على الظرفية، وفي رواية أبي داود وابن

٩٧
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤٦)
خزيمة: ((في يوم))، قوله: ((على عهد النبي عَّ ◌ُلّ)) أي: على زمنه وأيام حياته. قوله: ((قيل
لهشام)) وفي رواية أبي داود: ((قال أسامة: قلت لهشام)). وكذا أخرجه ابن أبي شيبة في
(مصنفه) وأحمد في (مسنده) قوله: ((لا بد من قضاء)) يعني لا يترك، وهذه رواية أبي ذر،
وفي رواية الأكثرين ((بد من قضاء؟)) قال بعضهم: هو استفهام إنكار محذوف الأداة،
والمعنى: لا بد من قضاء. قلت: هذا كلام مخبط وليس كذلك، بل الصواب أن يقال: هنا
حرف استفهام مقدر، تقديره: هل بد من قضاء؟ وقال هذا القائل أيضاً: لا يحفظ في حديث
أسماء إثبات القضاء ولا نفيه. قلت: إن كان كلامه هذا من جهة الشارع صريحاً فمسلم،
وإلاَّ فهشام، يقول: فأمروا بالقضاء، ويقول: لا بد من القضاء. وقوله: ((فأمروا)) يستند إلى أمر
الشارع، لأن غير الشارع لا يستند إليه الأمر.
ذكر ما يستفاد منه: دل الحديث على أن من أفطر وهو يرى أن الشمس قد غربت
فإذا هي لم تغرب أمسك بقية يومه، وعليه القضاء ولا كفارة عليه، وبه قال ابن سيرين وسعيد
ابن جبير والأوزاعي والثوري ومالك وأحمد والشافعي وإسحاق، وأوجب أحمد الكفارة في
الجماع وروى عن مجاهد وعطاء وعروة بن الزبير أنهم قالوا: لا قضاء عليه وجعلوه بمنزلة من
أكل ناسياً، وعن عمر بن الخطاب روايتان في القضاء، وعن عمر أنه قال: من أكل فليقض
يوماً مكانه، رواه الأثرم، وروى مالك في (الموطأ): عن عمر، رضي الله تعالى عنه، فيه أنه
قال: الخطب يسير واجتهدنا. وعن عمر أنه أفطر وأفطر الناس، فصعد المؤذن ليؤذن، فقال:
أيها الناس، هذه الشمس لم تغرب، فقال عمر: من كان أفطر فليصم يوماً مكانه، وفي رواية
أخرى عن عمر: ((لا نبالي والله نقضي يوماً مكانه)) رواهما البيهقي. وقال البيهقي: روى زيد
ابن وهب قال: ((بينما نحن جلوس في مسجد المدينة في رمضان، والسماء متغيمة قد
غابت، وإنا قد أمسينا، فأخرجت لنا عساس من لبن من بيت حفصة فشرب وشربنا، فلم نلبث
أن ذهب السحاب وبدت الشمس، فجعل بعضنا يقول لبعض: نقضي يومنا هذا، فسمع عمر
ذلك، فقال: والله لا نقضيه، وما تجانفنا الإثم))، وغلطوا زيد بن وهب في هذه الرواية
المخالفة لبقية الروايات، وقال المنذري: في هذه الرواية إرسال ويعقوب بن سفيان كان
يحمل على زيد بن وهب بهذه الرواية المخالفة لبقية الروايات، وزيد ثقة إلاَّ أن الخطأ غير
مأمون. قلت: عساس، بكسر العين المهملة وبسينين مهملتين، جمع عس، بضم العين وتشديد
السين: وهو القدح، ومنهم من وفق فقال: ترك القضاء إذا لم يعلم، ووقع الفطر على الشك،
والقضاء فيما إذا وقع الفطر في النهار بغير شك، وهو خلاف ظاهر الأثر. وفي (المبسوط) في
حديث عمر، بعدما أفطر: وقد صعد المؤذن المأذنة، قال: الشمس يا أمير المؤمنين! قال:
بعثناك داعياً ولم نبعثك راعياً، ما تجانفنا الإثم، وقضاء يوم علينا يسير. وروى البيهقي أن
صهيباً أفطر في رمضان في يوم غيم، فطلعت الشمس فقال: طعمة الله، أتموا صيامكم إلى
الليل واقضوا يوماً مكانه، روي هذا القول عن محمد بن سيرين وسعيد بن جبير، وبه قال
مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو حنيفة، وحكي عن إسحاق
عمدة القاري/ ج١١ م٧

٩٨
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤٧)
أنه: لا قضاء عليه وأحب إلينا أن نقضيه.
قوله: ((وقال معمر))، بفتح الميمين هو ابن راشد الأزدي الحراني البصري، وهذا
التعليق وصله عبد بن حميد، قال: أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر سمعت هشام بن عروة
فذكر الحديث، وفي آخره، فقال إنسان لهشام: أقضوا أم لا؟ فقال: لا أدري، والله أعلم.
٤٧ - بابُ صَوْمَ الصِّبْیَانِ
أي: هذا باب في بيان صوم الصبيان: هل يشرع أم لا؟ والجمهور على أنه لا يجب
على من دون البلوغ، واستحب جماعة من السلف، منهم ابن سيرين والزهري، وبه قال
الشافعي: أنهم يؤمرون به للتمرين عليه إذا أطاقوه، وحد ذلك عند أصحاب الشافعي بالسبع
والعشر كالصلاة، وعند إسحاق: حده اثنتي عشرة سنة، وعند أحمد في رواية: عشر سنين،
وقال الأوزاعي: إذا أطاق صوم ثلاثة أيام تباعاً لا يضعف فيهن حمل على الصوم، والمشهور
عند المالكية: أنه لا يشرع في حق الصبيان. وقال ابن بطال: أجمع العلماء أنه لا تلزم
العبادات والفرائض إلاَّ عند البلوغ، إلاَّ أن أكثر العلماء استحسنوا تدريب الصبيان على
العبادات رجاء البركة، وأنهم يعتادونها فتسهل عليهم إذا ألزمهم، وأن من فعل ذلك بهم
مأجور. وفي (الأشراف): اختلفوا في الوقت الذي يؤمر فيه الصبي بالصيام، فكان ابن سيرين
والحسن والزهري وعطاء وعروة وقتادة والشافعي يقولون: يؤمر به إذا أطاقه، ونقل عن
الأوزاعي مثل ما ذكرنا الآن، واحتج بحديث ابن أبي لبيبة عن أبيه عن جده عن النبي عَ لّه
أنه قال: ((إذا صام الغلام ثلاثة أيام متتابعة فقد وجب عليه صيام رمضان)). وقال ابن
الماجشون: إذا أطاقوا الصيام ألزموه، فإذا أفطروا بغير عذر ولا علة فعليهم القضاء. وقال
أشهب: يستحب لهم إذا أطاقوه. وقال عروة: إذا أطاقوا الصوم وجب عليهم. قال عياض:
وهذا غلط يرده قوله عَّهِ: ((رفع القلم عن ثلاثة))، فذكر: الصبي حتى يحتلم، وفي رواية:
((حتى يبلغ)).
وقال عُمَرُ رضي الله تعالى عنهُ لِتَشْوَانَ فِي رَمَضَانَ وَيْلَكَ وَصِبْيَانُنَا صِيَامٌ فَضَرَبَهُ
مطابقته للترجمة في قوله: ((وصبياننا صيام))، وإنما كانوا يصومونهم لأجل التمرين
ليتعودوا بذلك ويكونوا على نشاط بذلك بعد البلوغ. قوله: ((لنشوان))، أي: لرجل سكران،
بفتح النون وسكون الشين المعجمة، من نشى الرجل من الشراب نشواً ونشوة، وتنشى
وانتشى كله: سكر، ورجل نشوان ونشيان على العاقبة، والأنثى نشواء، وجمعه نشاوى
كسكارى، وزاد القزاز: والجمع النشوات، وقال الزمخشري: وهو نش، وامرأة نشئة ونشوانة،
وفعلانة قليل إلاَّ في بني أسد، هكذا ذكر الفراء، وفي (نوادر اللحياني): يقال: نشئت من
الشراب أنشأ نشوة ونشوة، وقال ابن خالويه: سكر الرجل وانتشى، وثمل ونزف وانزف، فهو
سكران ونشوان، وقال ابن التين: النشوان السكر الخفيف، قيل: كأنه من كلام المولدين.
قوله: ((صيام)) جمع صائم، ويروى: ((صوام))، ثم هذا التعليق وهو أثر عمر، رضي الله تعالى

٩٩
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤٧)
عنه، وصله سعيد بن منصور والبغوي في: الجعديات، من طريق عبد الله بن أبي الهدير ((أن
عمر بن الخطاب أتى برجل شرب الخمر في رمضان، فلما دنا منه جعل يقول: للمنخرين
والفم))، وفي رواية البغوي: ((فلما رفع إليه عثر، فقال عمر: على وجهك ويحك وصبياننا
صيام؟. ثم أمر فضرب ثمانين سوطاً، ثم سيره إلى الشام)). وفي رواية البغوي: ((فضربه الحد -
وكان إذا غضب على إنسان سيره إلى الشام - فسيره إلى الشام)) وقال أبو إسحاق: من شرب
الخمر في رمضان ضرب مائة. انتهى. هذا كان في مستنده ما ذكره سفيان عن عطاء بن أبي
مروان، عن أبيه أن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، أتى بالنجاشي الشاعر، وقد
شرب الخمر في رمضان فضربه ثمانين، ثم ضربه من الغد عشرين، وقال: ضربناك العشرين
لجرأتك على الله تعالى وإفطارك في رمضان.
٦٨ /١٩٦٠ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا بِشْرُ بنُ المُفَضَّلِ قال حدَّثنا خالِدُ بنُ ذَكْوَانَ
عنِ الرُّبَيْعِ بِنْتِ مُعَوَّدٍ قَالَتْ أَرْسَلَ النبيُّ عَّ ◌ُلِ غَدَاةَ عاشُورَاءَ إِلَى قُرى الأنْصَارِ مَنْ أَصْبَحَ
مُفْطِراً فَلْيَتِمَّ بَقِيَّةً يَوْمِهِ ومَنْ أَصْبَحَ صائِماً فَلْيَصُمْ قالَتْ فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْد ونُصَوِّمُ صِبْيَانَنا
ونَجْعَلُ لَهُمُ اللُّغْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ
الإِقْطَارِ.
:
مطابقته للترجمة في قوله: ((ونصوم صبياننا)).
ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: مسدد. الثاني: بشر، بكسر الباء الموحدة وسكون
الشين المعجمة: ابن الفضل، بلفظ المفعول من التفضيل بالضاد المعجمة، مر في العلم،
الثالث: خالد بن ذكوان أبو الحسن. الرابع: الربيع، بضم الراء وفتح الباء الموحدة وتشديد
الياء آخر الحروف وفي آخره عين مهملة: بنت معوذ، بلفظ الفاعل من التعويذ بالعين المهملة
والذال المعجملة: الأنصارية من المبايعات تحت الشجرة، ولها قدر عظيم، وقال الغساني:
معوذ، بفتح الواو، ويقال بكسرها.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضع واحد. وفيه: أن مسدداً وشيخه بصريان وأن خالداً من أهل المدينة، سكن البصرة.
وفيه: رواية التابعي عن الصحابية وخالد تابعي صغير ليس له من الصحابة سوى الربيع هذه
وهي أيضاً من صغار الصحابة ولم يخرج البخاري من حديثه عن غيره.
والحديث أخرجه مسلم أيضاً في الصوم عن أبي بكر بن نافع، وعن يحيى بن يحيى.
ذكر معناه: قوله: ((عن الربيع))، في رواية مسلم من وجه آخر: عن خالد سألت
الربيع. قوله: ((إلى قرى الأنصار)) وزاد مسلم: ((التي حول المدينة)). قوله: ((صبياننا)) زاد
مسلم: ((الصغار ونذهب بهم إلى المسجد)). قوله: ((فليصم)) أي: فليستمر على صومه. قوله:
((كنا نصومه)) أي: نصوم عاشوراء. قوله: ((اللعبة))، بضم اللام وهي التي يقال لها: لعب
البنات. قوله: ((من العهن))، بكسر العين المهملة وسكون الهاء وهو الصوف، وقد فسره
:

١٠٠
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤٨)
البخاري في رواية المستملي في آخر الحديث: قيل: العهن الصوف المصبوغ. قوله:
((أعطيناه ذلك حتى يكون عند الإفطار))، وهكذا رواه ابن خزيمة وابن حبان، ووقع في رواية
مسلم: ((أعطيناها إياه عند الإفطار)). وقال القرطبي: وصنيع اللعب من العهن وهو الصوف
الأحمر لصوم الصبيان، ولعل النبي ◌َّه لم يعلم بذلك، وبعيد أن يكون أمر بذلك، لأنه
تعذيب صغير بعبادة شاقة غير متكررة في السنة، ورد عليه بما رواه ابن خزيمة من حديث رزينة
((أن النبي ◌َّ كان يأمر برضعائه في عاشوراء، ورضعاء فاطمة، فيتغل في أفواههم ويأمر
أمهاتهم أن لا يرضعن إلى الليل)). ورزينة، بفتح الراء وكسر الزاي، كذا ضبطه بعضهم وضبطه
شيخنا بخطه بضم الراء، وقال الذهبي في (تجريد الصحابة): رزينة، خادمة رسول الله عَ ليه
ومولاة زوجته صفية، روت عنها ابنتها أمة الله، وروى أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبد الله بن
عمر القواريري ((حدثتنا علية عن أمها، قالت: قلت لأمة الله بنت رزينة يا أمة الله حدثتك أمك
رزينة أنها سمعت رسول الله عَّ ◌ُلم يذكر صوم عاشوراء؟ قالت: نعم، و کان یعظمه حتى يدعو
برضعائه ورضعاء ابنته فاطمة، فيتفل في أفواههن ويقول للأمهات: لا ترضعونهن إلى الليل)).
ورواه الطبراني فقال علية بنت الكميت عن أمها أمنية.
ومما يستفاد منه: أن صوم عاشوراء كان فرضاً قبل أن يفرض رمضان. وفيه: مشروعية
تمرين الصبيان. وفيه: أن الصحابي إذا قال فعلنا كذا في عهد النبي عَّ ◌ُلِّ، كان حكمه الرفع
لأن سكوته عَّه عن ذلك يدل على تقريرهم عليه، إذ لو لم يكن راضياً بذلك لأنكر عليهم.
٤٨ - بابُ الوِصالِ
أي: هذا باب في بيان وصال الصائم صومه بالنهار وبالليل جميعاً، ولم يذكر حكمه
اكتفاء بما ذكره في الباب من الأحاديث.
ومن قَالَ لَيْسَ فِي اللَّيْلِ صِيَامٌ لِقَوْلِهِ تَعَالى ﴿ثُمَّ أَنُوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:
١٨٧]. ونَهَى النبيُّ عَ لَّهِ عَنْهُ رَحْمَةً لَهُمْ وإِنْقَاءَ عَلَيْهِمْ ومَا يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ
كل هذا من الترجمة، وهي تشتمل على ثلاثة فصول:
الأول: قوله: ((ومن قال))، وهو في محل الجر عطفاً على لفظ الوصال، تقديره: وباب
في بيان من قال ليس في الليل صيام، يعني: الليل ليس محلاً للصوم، لأن الله تعالى جعل
حد الصوم إلى الليل فلا يدخل في حكم ما قبله، واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿ثم أتموا
الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧]. وقد ورد فيه حديث مرفوع رواه أبو سعيد الخير: ((إن الله
لم يكتب الصيام بالليل، فمن صام فقد بغى ولا أجر له))، أخرجه ابن السكن وغيره من
الصحابة، والدولابي وغيره وفي (الكنى) كلهم من طريق أبي فروة الرهاوي عن معقل الكندي
عن عبادة سمع من أبي سعيد الخير، وقال شيخنا زين الدين: حديث أبي سعيد الخير لم
أقف عليه، وقد اختلف في صحبته، فقال أبو داود: أبو سعيد الخير صحابي، روى عن النبي
عٍَّ، وروى عنه قيس بن الحارث الكندي وفراس الشعباني، وقال شيخنا: وروى عنه ممن