النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٣) فقد جدح، وعن القزاز: هو كالملعقة. وفي (المنتهى): شراب مجدوح ومجدح أي مخوض، والمجدح عود ذو جوانب، وقيل: هو عود يعرض رأسه، والجمع مجاديح. قوله: ((الشمس!))، بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه الشمس يعني ما غربت الآن، ويجوز فيه النصب على معنى: انظر الشمس، وهذا ظن منه أن الفطر لا يحل إلاَّ بعد ذلك، لما رأى من ضوء الشمس ساطعاً، وإن كان جرمها غائباً، يؤيده قوله: ((إن عليك نهاراً)، وهو معنى: ((لو أمسيت)) في رواية أحمد، أي: تأخرت حتى يدخل المساء، وتكريره المراجعة لغلبة اعتقاده أن ذلك نهار يحرم فيه الأكل مع تجويزه أن النبي، عَّهِ، لم ينظر إلى ذلك الضوء نظراً تاماً، فقصد زيادة الإعلام، فأعرض، عَّله، عن الضوء واعتبر غيبوبة الشمس، ثم بيَّن ما يعتبرِه من لم يتمكن من رؤية جرم الشمس، وهو إقبال الظلمة من المشرق، فإنها لا تقبل منه إلاَّ وقد سقط القرص، فإن قلت: المراجعة معاندة، ولا يليق ذلك للصحابي؟ قلت: قد ذكرنا أنه ظن، فلو تحقق أن الشمس غربت ما توقف، وإنما توقف احتياطاً واستكشافاً عن حكم المسألة. وقد اختلفت الروايات عن الشيباني في ذلك، فأكثر ما وقع فيها أن المراجعة وقعت ثلاثاً، وفي بعضها مرتين، وفي بعضها مرة واحدة، وهو محمول على أن بعض الرواة اختصر القصة. قوله: ((ثم رمى بيده ههنا))، معناه أشار بيده إلى المشرق، ويؤيد ذلك ما رواه مسلم، (ثم قال بيده: إذا غابت الشمس من ههنا، وجاء الليل من ههنا فقد أفطر الصائم)). وفي لفظ: ((ثم قال: إذا رأيتم الليل قد أقبل من ههنا - وأشار بيده نحو المشرق - فقد أفطر الصائم.)) قوله: (إذا رأيتم الليل أقبل من ههنا)) أي: من جهة المشرق. فإن قلت: ما الحكمة في قوله: ((إذا أقبل الليل من ههنا؟)). وفي لفظ مسلم: ((إذا رأيتم الليل قد أقبل من ههنا؟ وفي لفظ الترمذي، عن عمر بن الخطاب: ((إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغربت الشمس فقد أفطر))، والإقبال والإدبار والغروب متلازمة لأنه لا يقبل الليل إلاَّ إذا أدبر النهار، ولا يدبر النهار إلاّ إذا غربت الشمس. قلت: أجاب القاضي عياض: بأنه قد لا يتفق مشاهدة عين الغروب، ويشاهد هجوم الظلمة حتى يتيقن الغروب بذلك فيحل الإفطار. وقال شيخنا الظاهر إن أريد أحد هذه الأمور الثلاثة فإنه يعرف انقضاء النهار برؤية بعضها، ويؤيده اقتصاره في حديث ابن أبي أوفى على إقبال الليل فقط، وقد يكون الغيم في المشرق دون المغرب أو عكسه، وقد يشاهد مغيب الشمس فلا يحتاج معه إلى أمر آخر. قوله: ((فقد أفطر الصائم)) أي: دخل وقت الإفطار، لا أنه يصير مفطراً بغيبوبة الشمس، وإن لم يتناول مفطراً. ذكر ما يستفاد منه: الحديث يدل على أن الصوم في السفر في رمضان أفضل من الإفطار، وذلك لأن النبي عٍَّ كان صائماً وهو في السفر في شهر رمضان. وقد اختلفوا في هذا الباب. فمنهم من روى عنه التخيير منهم: ابن عباس وأنس وأبو سعيد وسعيد بن المسيب وعطاء وسعيد بن جبير والحسن والنخعي ومجاهد والأوزاعي والليث. وذهب قوم إلى أن الإفطار أفضل، منهم: عمر بن عبد العزيز والشعبي وقتادة ومحمد بن علي والشافعي وأحمد ٦٢ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٣) وإسحاق. وقال ابن العربي: قالت الشافعية: الفطر أفضل في السفر، وقال أبو عمر: قال الشافعي: هو مخير ولم يفصل، وكذلك قال ابن علية، وقال القاضي: مذهب الشافعي أن الصوم أفضل. وممن كان لا يصوم في السفر حذيفة. وذهب قوم إلى أن الصوم أفضل، وبه قال الأسود بن يزيد وأبو حنيفة وأصحابه. وفي (التوضيح): وبه قال الشافعي ومالك وأصحابه وأبو ثور، وكذا روي عن عثمان بن أبي العاص وأنس بن مالك، وروي عن عمر وابنه وأبي هريرة وابن عباس: إن صام في السفر لم يجزه وعليه القضاء في الحضر، وعن عبد الرحمن ابن عوف، قال: الصائم في السفر كالمفطر في الحضر، وبه قال أهل الظاهر. وممن كان يصوم في السفر ولا يفطر عائشة وقيس بن عباد وأبو الأسود وابن سيرين وابن عمر وابنه سالم وعمرو بن ميمون وأبو وائل، وقال علي، رضي الله تعالى عنه، فيما رواه حماد بن يزيد عن أيوب عن محمد بن عبيدة عنه: من أدرك رمضان وهو مقيم ثم سافر فقد لزمه الصوم، لأن الله تعالى قال: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقال أبو مجلز: لا يسافر أحد في رمضان، فإن سافر فليصم، وقال أحمد: يباح له الفطر، فإن صام كره وأجزأه، وعنه: الأفضل الفطر، وقال أحمد: كان عمر وأبو هريرة يأمران بالإعادة، يعني إذا صام. وقال الإسبيجابي في (شرح مختصر الطحاوي): الأفضل أن يصوم في السفر إذا لم يضعفه الصوم، فإن أضعفه ولحقه مشقة بالصوم فالفطر أفضل، فإن أفطر من غير مشقة لا يأثم، وبما قلناه قال مالك والشافعي. قال النووي: هو المذهب. وعن مجاهد في رواية: أفضل الأمرين أيسرهما عليه، وقيل: الصوم والفطر سواء وهو قول للشافعي. وفيه: استحباب تعجيل الفطر. وفيه: بيان انتهاء وقت الصوم، وهو أمر مجمع عليه، وقال أبو عمر في (الاستذكار): أجمع العلماء على أنه إذا حلت صلاة المغرب فقد حل الفطر للصائم فرضاً وتطوعاً. وأجمعوا على أن صلاة المغرب من صلاة الليل، والله، عز وجل، قال: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧]. واختلفوا في أنه: هل يجب تيقن الغروب أم يجوز الفطر بالاجتهاد؟ وقال الرافعي: الأحوط أن لا يأكل إلاَّ بيقين غروب الشمس، لأن الأصل بقاء النهار فيستصحب إلى أن يستيقن خلافه. ولو اجتهد وغلب على ظنه دخول الليل بورد وغيره ففي جواز الأجل وجهان: أحدهما، وبه قال الاستاذ أبو إسحاق الإسفرائني: أنه لا يجوز. وأصحهما: الجواز وإذا كانت البلدة فيها أماكن مرتفعة وأماكن منخفضة فهل يتوقف فطر سكان الأماكن المنخفضة على تحقق غيبة الشمس عند سكان الأماكن المرتفعة؟ الظاهر اشتراط ذلك، وفيه جواز الاستفسار عن الظواهر لاحتمال أن يكون المراد إمرارها على ظواهرها. وفيه: أنه لا يجب إمساك جزء من الليل مطلقاً بل متى تحقق غروب الشمس حل الفطر. وفيه: تذكير العالم بما يخشى أن يكون نسيه. ٦٣ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٣) وفيه: أن الأمر الشرعي أبلغ من الحسي، وأن العقل لا يقضي على الشرع. وفيه: أن الفطر على التمر ليس بواجب، وإنما هو مستحب، لو تركه جاز. وفيه: إسراع الناس إلى إنكار ما يجهلون لما جهل من الدليل الذي عليه الشارع، وأن الجاهل بالشيء ينبغي أن يسمح له فيه المرة بعد المرة والثالثة تكون فاصلة بينه وبين معلمه، كما فعل الخضر بموسى عليهما السلام، وقال: ﴿هذا فراق بيني وبينك﴾ [الكهف: ٧٨]. تَابَعَهُ جَرِيرٌ وَأَبُو بَكْرِ بنُ عَيَّاشِ عنِ الشِّئْبَانِيِّ عنِ ابنِ أبِي أَوْفَى قال كُنْتُ مَعَ النبيِّ عَِّ فِي سَفَرٍ يعني تابع سفيان جرير، بفتح الجيم: ابن عبد الحميد، وتابعه أيضاً أبو بكر بن عياش، بتشديد الياء آخر الحروف وبالشين المعجمة: ابن سالم الأسدي الكوفي الحناط، بالنون: المقرىء، وقد اختلف في اسمه على أقوال، فقيل: محمد، وقيل: عبد الله، وقيل: سالم، وقيل غير ذلك إلى أسماء مختلفة، والأصح أن اسمه كنيته، ومتابعة جرير وصلها في البخاري في الطلاق، ومتابعة أبي بكر تأتي موصولة في: باب تعجيل الإفطار، والمراد من المتابعة: المتابعة في أصل الحديث. ٤٩ / ١٩٤٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدثنا يَحْيَى عنْ هِشَامٍ قال حدَّثني أبِي عنْ عائِشَةَ أنَّ حَمْزَةَ بن عَمْرٍو الأسْلَمِيَّ قال يا رسولَ الله إنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ. [الحديث ١٩٤٢ - طرفه في: ١٩٤٣]. مطابقته للترجمة من حيث إن سرد الصوم يتناول الصوم في السفر أيضاً كما هو الأصل في الحضر، وأخرج هذا الحديث من طريقين: الأول: عن مسدد عن يحيى عن هشام وهو مختصر. والثاني: عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن هشام إلى آخره، وسيأتي عن قريب. ذكر رجاله وهم ستة: الأول: مسدد بن مسرهد. الثاني: يحيى بن سعيد القطان. الثالث: هشام بن عروة. الرابع: أبوه عروة بن الزبير بن العوام. الخامس: عائشة أم المؤمنين. السادس: حمزة بن عمرو الأسلمي أبو صالح، وقيل: أبو محمد. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: رواية الابن عن الأب. وفيه: أن الحديث من مسند عائشة، وهذا ظاهر لأن الحفاظ رووه هكذا: وقال عبد الرحيم ابن سليمان عند النسائي، والدراوردي عند الطبراني، ويحيى بن عبد الله بن سالم عند الدارقطني، ثلاثتهم عن هشام عن أبيه عن عائشة عن حمزة بن عمرو، وجعلوه من مسند حمزة، والمحفوظ أنه من مسند عائشة. وجاء الحديث من رواية حمزة أيضاً، فأخرجها مسلم من رواية عمرو بن الحارث عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير عن أبي مراوح، ((عن حمزة ٦٤ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٤) ابن عمرو الأسلمي، أنه قال: يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر، فهل علي جناح؟ فقال رسول الله عَّه: هو رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه)). وكذلك رواه محمد بن إبراهيم التيمي عن عروة، لكنه أسقط أبا مراوح، والصواب إثباته، وهو محمول على أن لعروة فيه طريقين: سمعه من عائشة، وسمعه من أبي مراوح عن حمزة. ذكر معناه: قوله: ((إني أسرد الصوم)) أي: أتابعه يعني: آتي به متوالياً، وهو من سرد يسرد من: باب نصر ينصر. وقال ابن التين: وضبط في بعض الأمهات بضم الهمزة، ولا وجه له في اللغة إلاَّ أن يريد بفتح السين وتشديد الراء على التكثير. قلت: لا يحتاج إلى هذا التطويل لأنه حين قيل بضم الهمزة علم أنه من: باب التفعيل، تقول: سرد يسرد تسريداً، وصيغة المتكلم وحده لا تجيء إلاّ بضم الهمزة، قالوا: وفيه رد على من يرى أن صوم الدهر مكروه لأنه أخبر بسرده، ولم ينكر عليه، بل أقره وأذن له في السفر، ففي الحضر أولى. وأجيب: بأن التتابع يصدق بدون صوم الدهر فلا دلالة فيه على الكراهة. فإن قلت: يعارضه نهيه عَّ له عبد الله بن عمرو بن العاص. قلت: يحمل نهيه على ضعف عبد الله عن ذلك، وحمزة ذكر قوة لم يذكرها غيره. ١٩٤٣/٥٠ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ هِشَامِ بنِ عُروةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها زَوجَ النبيِّ عَّهِ أنَّ حَمْزَةَ بنَ عَمْرٍو الأسْلَمِيَّ قال للنبيّ عَّهِ أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ وكَانَ كَثِيرَ الصِّيامِ فقال إنْ شِئْتَ فَصُمْ وإِنْ شِئْتَ فافْطِرْ. [انظر الحديث ١٩٤٢]. هذا طريق ثان. قوله: ((أأصوم؟)) بهمزتين الأولى هي همزة الاستفهام والأخرى همزة المتكلم، وكلتاهما مفتوحتان. قيل: ليس فيه تصريح بأنه صوم رمضان، فلا يكون فيه حجة على منع صيام رمضان في السفر. وأجيب: بأن في رواية أبي مراوح في رواية مسلم التي ذكرناها إشعاراً بأنه سأل عن صيام الفريضة، لأن الرخصة إنما تطلق في مقابل ما هو واجب، وأصرح من ذلك وأكثر وضوحاً ما رواه أبو داود والحاكم من طريق محمد بن حمزة بن عمرو عن أبيه أنه قال: ((يا رسول الله! إني صاحب ظهر أعالجه، أسافر عليه وأكريه، وأنه ربما صادفني هذا الشهر - يعني: شهر رمضان - وأنا أجد القوة وأجدني أن أصوم أهون علي من أن أؤخره، فيكون ديناً علي؟ فقال: أي ذلك شئت يا حمزة)). ٣٤ - بابٌ إِذَا صامَ أيَّاماً مِنْ رمَضَانَ ثُمَّ سافَرَ أي: هذا باب يذكر فيه إذا صام شخص أياماً من رمضان ثم سافر هل يباح له الفطر أم لا؟ ولم يذكر جواب إذا اكتفاءً بما ذكره في الباب، تقديره: يباح له الفطر. وقال بعضهم: كأنه أشار إلى تضعيف ما روي عن علي بإسناد ضعيف أن: من استهل عليه رمضان في الحضر ثم سافر بعد ذلك فليس له أن يفطر لقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ ٦٥ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٤) [البقرة: ١٨٥]. انتهى. قلت: قد مر مثل هذا الكلام من هذا القائل غير مرة، وأجبنا عن هذا بأن الإشارة لا تكون إلاَّ للحاضرين، فمن أين علم أنه اطلع على هذا الحديث حتى أشار إليه؟ ولئن سلمنا اطلاعه على هذا، فكيف وجه الإشارة إليه؟ ١٩٤٤/٥١ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عن عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ الله بنِ عُثْبَةً عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أنَّ رسولَ الله عََّلَّ خَرَجَ إِلَى مَكّةَ فِيْ رمَضَانَ فصامَ حَتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ أَقْطَرَ النَّاسُ. [الحديث ١٩٤٤ - أطرافه في: ١٩٤٨، ٢٩٥٣، ٤٢٧٥، ٤٢٧٦، ٤٢٧٧، ٤٢٧٨، ٤٢٧٩]. مطابقته للترجمة من حيث إن النبي معَ ◌ّهِ خرج إلى مكة فصام أياماً ثم أفطر. ورجاله قد ذكروا غير مرة، وعبيد الله بن عبد الله بالتصغير في الابن والتكبير في الأب ابن عتبة بن مسعود، أحد الفقهاء السبعة، رضي الله تعالى عنه. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الجهاد عن علي بن عبد الله، وفي المغازي عن محمود عن عبد الرزاق وعن عبد الله بن يوسف عن الليث. وأخرجه مسلم في الصوم عن يحيى بن يحيى وابن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم وعمرو الناقد، أربعتهم عن سفيان به، وعن محمد بن رافع عن عبد الرزاق، وعن قتيبة ومحمد بن رمح كلاهما عن الليث عنه به، وعن حرملة بن يحيى عن ابن وهب، وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة عن سفيان به. ذكر معناه: قوله: ((خرج إلى مكة))، كان ذلك في غزوة الفتح، خرج يوم الأربعاء بعد العصر لعشر مضين من رمضان، فلما كان بالصلصل، جبل عند ذي الحليفة، نادى منادیه: من أحب أن يفطر فليفطر، ومن أحب أن يصوم فليصم. فلما بلغ الكديد أفطر بعد صلاة العصر على راحلته ليراه الناس. قوله: ((لعشر مضين من رمضان)) رواية ابن إسحاق في المغازي عن الزهري، ووقع في مسلم من حديث أبي سعيد اختلاف من الرواة في ضبط ذلك، والذي اتفق عليه أهل السير أنه خرج في عاشر رمضان ودخل مكة بتسع عشرة خلت منه. قوله: ((حتى بلغ الكديد)) وفي رواية عن ابن عباس، ستأتي قريباً، من وجه آخر: ((حتى بلغ عسفان))، بدل الكديد، ووقع عند مسلم: ((فلما بلغ كراع الغميم))، ووقع في رواية النسائي من رواية الحكم عن مقسم، ((عن ابن عباس: أن النبي عَِّ خرج في رمضان فصام حتى أتى قديداً، ثم أتى بقدح من لبن فشربه فأفطر هو وأصحابه)). وقال القاضي عياض: اختلفت الروايات في الموضع الذي أفطر عَّ له فيه، والكل في قضية واحدة، وكلها متقاربة، والجميع من عمل عسفان. انتهى. قلت: الكديد، بفتح الكاف وبدالين مهملتين أولاهما مكسورة بعدها ياء آخر الحروف ساكنة: وهو موضع بينه وبن المدينة سبع مراحل أو نحوها، وبينه وبين مكة نحو مرحلتين، وهو أقرب إلى المدينة من عسفان. وقال أبو عبيد: بينه وبين عسفان ستة أميال، عمدة القاري/ ج١١ م٥ ٦٦ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٥) وعسفان على أربعة برد من مكة، وبالكديد عين جارية بها نخل كثير، وذكر ابن قرقول: أن بين الكديد ومكة اثنان وأربعون ميلاً. وقال ابن الأثير: وعسفان قرية جامعة بين مكة والمدينة، وكراع الغميم أيضاً موضع بين مكة والمدينة، والكراع جانب مستطيل من الحرة مشتبهاً بالكراع، والغميم، بفتح الغين المعجمة: وادٍ بالحجاز. أما عسفان فبثمانية أميال يضاف إليها هذا الكراع، قيل: جبل أسود متصل به، والكراع: كل أنف سال من جبل أو حرة، وقديد، بضم القاف: موضع قريب من مكة فكأنه في الأصل تصغير: قد. ذكر ما يستفاد منه: فيه: بيان صريح أنه، عَّله، صام في السفر. وفيه: رد على من لم يجوز الصوم في السفر. وفيه: بيان إباحة الإفطار في السفر. وفيه: دليل على أن للصائم في السفر الفطر بعد مضي بعض النهار. وفيه: رد لقول من زعم أن فطره بالكديد كان في اليوم الذي خرج فيه من المدينة، وذهب الشافعي إلى أنه لا يجوز الفطر في ذلك اليوم، وإنما يجوز لمن طلع عليه الفجر في السفر، قال أبو عمر: اختلفوا في الذي يخرج في سفره. وقد بيت الصوم، فقال مالك: عليه القضاء ولا كفارة فيه، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وداود والطبري والأوزاعي، وللشافعي قول آخر: أنه يكفر إن جامع. قال أبُو عَبْدِ الله والْكَدِيدُ ماءٌ بيْنَ عُسْفَانَ وقُدِيدٍ أبو عبد الله هو البخاري نفسه، ونسبة هذا التفسير للبخاري وقعت في رواية المستملي وحده، وسيأتي في المغازي موصولاً من وجه آخر في نفس الحديث. ٣٥ _ باب ١٩٤٥/٥٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال حدَّثني يَحْيِّى بنُ حَمْزَةَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ يَزِيدَ بنِ جابِرٍ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بنَ عُبَيْدِ اللهِ حَدَّثَهُ عنْ أمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله تعالى عنهُ قال خَرَجْنَا مَعَ النبيِّ عَّ ◌ُلّهِ فِي بِعْضَ أسْفَارِهِ فِي يَوْمٍ حارٌ حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ وما فِينَا صَائِمٌ إِلَّ مَا كَانَ مِنَ النبيِّ عَلِّ وابنِ رَوَاحَةَ. مطابقته للترجمة ظاهرة، وهي أن الصوم والإفطار في السفر لو لم يكونا مباحين لما صام النبي، عَّله، وابن رواحة، وأفطر الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، وقد وقع على رأس هذا الحديث لفظ: باب كذا، مجرداً عن ترجمة عند الأكثرين، وسقط من رواية النسفي. ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: عبد الله بن يوسف التنيسي. الثاني: يحيى بن حمزة الدمشقي، مات سنة ثلاث وثمانين ومائة. الثالث: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الشامي، مات سنة ثلاث وخمسين ومائة. الرابع: إسماعيل بن عبيد الله مصغراً، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة. الخامس: أم الدرداء الصغرى، واسمها: هجيمة، وهي تابعية، وأم الدرداء الكبرى اسمها: خيرة، وهي صحابية، وكلتاهما زوجتا أبي الدرداء، وقال ابن الأثير: قد جعل ابن منده وأبو نعيم كلتيهما واحدة، وليس كذلك، وقال أبو مسهر أيضاً: هما واحدة، وهو وهمّ منه، والصحيح ما ذكرناه. السادس: أبو الدرداء، واسمه عويمر بن مالك الأنصاري ٦٧ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٥) الخزرجي. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضع. وفيه: أن شيخه من أفراده. وفيه: أن رواته كلهم شاميون سوى شيخ البخاري، وقد دخل الشام. وفيه: رواية التابعية عن الصحابي والزوجة عن زوجها، وفيه: عن أم الدرداء، وفي رواية أبي داود من طريق سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبيد الله: حدثني أم الدرداء. ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم أيضاً في الصوم عن داود بن رشيد. وأخرجه أبو داود فيه عن مؤمل بن الفضل الحراني. ذكر معناه: قوله: ((خرجنا مع رسول الله عَّ في بعض أسفاره))، وفي رواية مسلم من طريق سعيد بن عبد العزيز: ((خرجنا مع رسول الله عَّهم في شهر رمضان في حر شديد .. )) الحديث، وفي هذه الزيادة فائدتان: أولاهما: أن المراد يتم به من الاستدلال، والأخرى: يرد بها على ابن حزم في قوله: لا حجة في حديث أبي الدرداء لاحتمال أن يكون ذلك الصوم تطوعاً، لا يظن أن هذه السفرة سفرة الفتح، لأن في هذه السفرة كان عبد الله بن رواحة معه، وقد استشهد هو مؤتة قبل غزوة الفتح. قال صاحب (التلويح): ويحتمل أن تكون هذه السفرة سفرة بدر لأن الترمذي روى عن عمر، رضي الله تعالى عنه، غزونا مع رسول الله، عَّه، في رمضان يوم بدر، والفتح، قال: وأفطرنا فيهما، والترمذي بوب بابين: أحدهما: في كراهية الصوم في السفر، والآخر: ما جاء في الرخصة في الصوم في السفر. وأخرج في الباب الأول حديث جابر بن عبد الله: ((أن رسول الله، عَّه، خرج إلى مكة عام الفتح فصام حتى بلغ كراع الغميم، وصام الناس معه، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإن الناس ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر، فشرب والناس ينظرون إليه فأفطر بعضهم وصام بعضهم، فبلغه أن ناساً صاموا، فقال أولئك العصاة)). وأخرجه مسلم والنسائي أيضاً. وأخرج في الباب الثاني حديث عائشة عن حمزة بن عمرو الأسلمي، وقد مر فيما مضى عن قريب، وقال في الباب الأول: وقوله: ((حين بلغ، بلغه أن ناساً صاموا: أولئك العصاة)). فوجه هذا إذا لم يحتمل قلبه قبول رخصة الله تعالى، فأما من رأى الفطر مباحاً وصام وقوي على ذلك فهو أعجب إلي. وقال النووي: هو محمول على أن من تضرر بالصوم، أو أنهم أمروا بالفطر أمراً جازماً لمصلحة بيان جوازه، فخالفوا الواجب. قال: وعلى التقديرين لا يكون الصائم اليوم في السفر عاصياً إذا لم يتضرر به. فإن قلت: كيف صام بعض الصحابة؟ بل أفضلهم وهو أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، على ما في حديث أبي هريرة الذي رواه النسائي من رواية الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة عنه، قال: ((أتى النبي، عَّه، بطعام بمر الظهران، فقال لأبي بكر وعمر: أدنيا فكلا، فقالا: إنا صائمان. قال: أرحِلُوا لصاحبيكم، إعملوا لصاحبيكم)). انتهى. بعد أمره عَ لّه لهم بالإفطار. قلت: ليس في حديث جابر أنه أمرهم بالإفطار، وكذلك الظهران فهو بعد عسفان وكراع الغميم، فليس فيه أن هذا كان في غزوة الفتح، هذه، وإن ٦٨ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٦) كان الظاهر أنه فيها، فإنهما فهما أن فطره عَّلَّه كان ترخصاً ورفقاً بهم، وظناً أن بهما قوة على الصيام، فأراد النبي عَّهِ، والله أعلم، حسم ذلك لئلا يقتدي بهما أحد، فأمرهما بالإفطار. ٣٦ _ بابُ قَولِ النبيِّ عَ لَّ لِمَنْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ وَاشْتَدَّ الحَرَّ لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ أي: هذا باب في بيان قول النبي عَّهِ للرجل الذي ظللوا عليه بشيء مما له ظل لشدة الحر. قوله: ((واشتد الحر))، جملة فعلية وقعت حالاً. قوله: ((ليس من البر)) مقول القول، ولفظ الحديث يظهر من هذا أن السبب لقوله، عَ لّه: ((هذا هو المشقة))، والبر، بكسر الباء: الطاعة، يعني: ليس من الطاعة والعبادة أن تصوموا في حالة السفر، والبر أيضاً الإحسان والخير، ومنه: بر الوالدين، يقال: بر يبر فهو بار، وجمعه: بررة، وجمع البر بفتح الباء: أبرار، والبر، بالفتح: الجيد والخير، ومنه قوله معَّ له: ((صلوا خلف كل بر وفاجر)). ويجيء بمعنى المعطوف، وفي أسماء الله تعالى: البر العطوف على عباده بيره ولطفه، والبر والبار بمعنى، وإنما جاء في إسم الله تعالى: البر، دون: البار، والبر بالفتح أيضاً خلاف البحر، وجمعه: برور، ويقال: إن كلمة: من، في قوله: ((ليس من البر)) زائدة أي: ليس البر، كما في قولهم: ما جاءني من أحد. أي: ما جاءني أحدٌ، ولا خلاف في زيادة: من، في النفي، وإنما الخلاف في الإثبات، فأجازه قوم ومنعه آخرون. ١٩٤٦/٥٣ - حدَّثنا آدمُ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرحمنِ الأنْصَارِي قال سَمِعْتُ محَمَّدَ بنَ عَمْرِو بنِ الحَسَنِ بنِ عَلِيّ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهمْ قال كانَ رسولُ الله عَ لَه فِي سَفَرٍ فَرَأى زِحاماً ورَجُلاً قَدْ ظُلُّلَ عَلَيْهِ فقال مَا هَذا فقالُوا صائِمٌ فقال لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ. مطابقته للترجمة من حيث إن الترجمة قطعة من الحديث ورجاله مشهورون. والحديث أخرجه مسلم من حديث محمد بن عمرو بن الحسن ((عن جابر، قال: كان رسول الله، عَّه، في سفر. فرأى رجلاً قد اجتمع عليه الناس وقد ظلل عليه، فقال: ما له؟ قالوا: رجل صائم. فقال رسول الله، عَّلّه، ليس من البر أن تصوموا في السفر)). وفي لفظ له في آخره، قال شعبة: وكان يبلغني عن يحيى بن أبي كثير أنه كان يزيد في هذا الحديث، وفي هذا الإسناد أنه قال: ((عليكم برخصة الله الذي رخص لكم. قال: فلما سألته لم يحفظه)). ورواه أبو داود أيضاً، وقال: حدثنا أبو الوليد الطيالسي، قال: حدثنا شعبة عن محمد ابن عبد الرحمن، يعني ابن أسعد بن زرارة عن محمد بن عمرو بن الحسن ((عن جابر: أن رسول الله، عَّ له، رأى رجلاً يظلل عليه والزحام عليه، فقال: ليس من البر الصيام في السفر)). ورواه النسائي، وقال: أخبرني شعيب بن شعيب بن إسحاق، قال: حدثنا عبد الوهاب بن سعيد، قال: حدثنا شعيب عن الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: أخبرني ٦٩ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٦) محمد بن عبد الرحمن، قال: أخبرني جابر بن عبد الله ((أن رسول الله عَ ليه مر برجل إلى ظل شجرة يرش عليه الماء، قال: ما بال صاحبكم هذا؟ قالوا: يا رسول الله صائم. قال: ليس من البر أن تصوموا في السفر، وعليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها)). وفي الباب عن ابن عمر رواه الطحاوي من رواية نافع عنه، قال: قال رسول الله عَ له: ((ليس من البر الصيام في السفر))، ورواه ابن ماجه عن محمد بن مصفى الحمصي ... إلى آخره نحوه، وروى الطحاوي أيضاً من حديث كعب بن مالك بن عاصم الأشعري أن رسول الله عَّ قال: ((ليس من البر أن تصوموا في السفر)). ورواه النسائي وابن ماجه والطبراني في (الكبير). وروى الطحاوي أيضاً، قال: حدثنا محمد بن النعمان، قال: حدثنا الحميدي قال: حدثنا سفيان، قال: سمعت الزهري يقول: أخبرني صفوان بن عبد الله ... الحديث. قال سفيان: فذكر لي أن الزهري كان يقول: ولم أسمع أنا منه: ((ليس من أمبرا مصيام في امسفر))، قال الزمخشري هي لغة طيء فإنهم يبدلون اللام ميماً. وروى ابن عدي من حديث عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله عَّه: ((ليس من البر الصوم في السفر))، وفيه مقال. وروى ابن عدي أيضاً من حديث ميمون بن مهران عن أبي هريرة عن النبي عَ لَّه قال: ((ليس من البر الصوم في السفر))، وفيه محمد بن إسحاق العكاشي، وهو منكر الحديث. وقال الطحاوي: ذهب قوم إلى هذه الأحاديث، وقالوا: الإفطار في شهر رمضان في السفر أفضل من الصيام قلت: أراد بالقوم هؤلاء: سعيد بن جبير وابن المسيب وعمر بن عبد العزيز والشعبي والأوزاعي وقتادة والشافعي وأحمد وإسحاق، وقد ذكرنا فيما مضى مذاهب العلماء. ذكر معناه: قوله: ((كان رسول الله عٍَّ في سفر))، ظهر من رواية الترمذي عن جعفر ابن محمد عن أبيه عن جابر أنها غزوة الفتح لأنه صرح فيه بقوله: ((خرج إلى مكة عام الفتح ... )) الحديث. قوله: ((ورجلاً قد ظلل عليه)) وقال صاحب (التلويح): والرجل المجهود في الصوم هنا، قيل: هو أبو إسرائيل، ذكر الخطيب في كتاب (المبهمات): ((أن النبي عَ ◌ّله رآه يهادي بين ابنيه، وقد ظلل عليه، فسأل عنه، فقالوا: نذر أن يمشي إلى بيت الله الحرام، فقال: إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه، مروه فليمش وليركب)). وفي مسند أحمد ما يشعر بأنه غير المظلل عليه، وهو: ((أن النبي، عَِّ، دخل المسجد وأبو إسرائيل يصلي، فقيل للنبي، عَّ له: هو ذا يا رسول الله، لا يقعد ولا يكلم الناس ولا يستظل ولا يفطر، فقال: ليقعد وليتكلم وليستظل وليفطر)). وقال بعضهم: زعم مغلطاي أنه أبو إسرائيل، وعزى ذلك (بمبهمات الخطيب)، ولم يقل الخطيب ذلك في هذه القصة، ثم أطال الكلام بما لا يفيده، فكيف يقول: زعم مغلطاي، وهو لم يزعم ذلك؟ وإنما قال: قيل: هو أبو إسرائيل، ثم قال أيضاً: وفي (مسند) أحمد ما يشعر أنه غيره، وبين ذلك، فهذا مجرد تشنيع عليه مع ترك محاسن الأدب في ذكره بصريح اسمه، وليس هذا من دأب العلماء. وقال صاحب (التوضيح) عندما ينقل عنه شيئاً، قال شيخنا علاء الدين. قوله: ((قد ظلل عليه)) على صيغة المجهول. قوله: ((فقال)) أي: فقال النبي عَ له: ((ما ٧٠ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٧) للرجل؟)) يعني: ما شأنه؟ وفي رواية النسائي: ((ما بال صاحبكم هذا؟)) قوله: ((ليس من البر الصوم في السفر))، قد مر تفسير البر آنفاً، وتمسك بعض أهل الظاهر بهذا، وقال: إذا لم يكن من البر فهو من الإثم، فدل أن صوم رمضان لا يجزىء في السفر. وقال الطحاوي: هذا الحديث خرج لفظه على شخص معين، وهو المذكور في الحديث، ومعناه: ليس البر أن يبلغ الإنسان بنفسه هذا المبلغ، والله قد رخص في الفطر، والدليل على صحة هذا التأويل صومه سَّله في السفر في شدة الحر، ولو كان إثماً لكان أبعد الناس منه، أو يقال: ليس هو أبر البر، لأنه قد يكون الإفطار أبر منه للقوة في الحج والجهاد وشبههما. وقال القرطبي: أي: ليس من البر الواجب. قيل: هذا التأويل إنما يحتاج إليه من قطع الحديث عن سببه وحمله على عمومه، وأما من حمله على القاعدة الشرعية في رفع ما لا يطلق عن هذه الأمة. فبأن للمريض المقيم ومن أجهده الصوم أن يفطر، فإن خاف على نفسه التلف من الصوم عصى بصومه، وعلى هذا يحمل قوله عَّ له: ((أولئك العصاة))، وأما من كان على غير حال المظلل عليه فحكمه ما تقدم من التخير، وبهذا يرتفع التعارض، وتجتمع الأدلة ولا يحتاج إلى فرض نسخ، إذ لا تعارض. فإن قلت: روى النسائي من حديث أبي أمية الضمري فيه: ((فقال رسول الله عَّ له: إن الله وضع عن المسافر الصيام ونصف الصلاة))، وروى أيضاً من حديث ((عبد الله بن الشخير، قال: كنت مسافراً فأتيت النبي عَّ وهو يأكل وأنا صائم، فقال: هلم! فقلت: إني صائم. قال: أتدري ما وضع الله، عز وجل، عن المسافر؟ قلت: وما وضع الله عن المسافر؟ قال: الصوم وشطر الصلاة. قلت: يجوز أن يكون ذلك الصيام الذي وضعه عنه هو الصيام الذي لا يكون له منه بد في تلك الأيام، كما لا بد للمقيم من ذلك. ٣٧ - بابٌ لَمْ يَعِبْ أصْحابُ النبيِّ عَ لَّهِ بَعْضُهُمْ بَعْضاً فِي الصَّوْمِ والإِفْطارِ أي هذا باب يذكر فيه لم يعب إلى آخره أراد يعني في الأسفار. ٥٤/ ١٩٤٧ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكِ عنْ حُمَيْدِ الطَّوِيلِ عنْ أَنَس ابنِ مالِكِ قال كُنَّا نُسَافِرُ معَ النبيِّ عَ لِّ فَلَمْ يَعِب الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلاَ المُفْطِرِ عَلَى الصَّائِمِ. مطابقته للترجمة من حيث إنها بعض متن الحديث. وأخرجه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: أخبرنا أبو خيثمة ((عن حميد، قال: سئل أنس عن صوم رمضان في السفر، فقال: سافرنا مع رسول الله عَّه في رمضان، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم)). وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر ((عن حميد، قال: خرجت فصمت، فقالوا لي: أعد)) فإن قلت: إن أنساً أخبرني: ((أن أصحاب رسول الله عٍَّ كانوا يسافرون فلا يعيب الصائم على المفطر، ولا ٧١ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٨) المفطر على الصائم، فلقيت ابن أبي مليكة فأخبرني عن عائشة بمثله)). وروى مسلم أيضاً ((عن أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله قالا: سافرنا مع رسول الله عَ ليه، فيصوم الصائم ويفطر المفطر فلا يعيب بعضهم على بعض)) وفي لفظ له عن أبي سعيد مطولاً. وفيه: ((فقال: إنكم مصبحوا عدوكم، والفطر أقوى لكم فأفطروا، وكانت عزيمة، فأفطرنا. ثم لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله عَّه بعد ذلك في السفر)). وقوله: ((لقد رأيتنا)) أي: رأيت أنفسنا. وهذا الحديث حجة على من زعم أن الصائم في السفر لا يجزيه صومه لأن تركهم لإنكار الصوم والفطر يدل على أن ذلك عندهم من المتعارف المشهور الذي تجب الحجة به. ٣٨ - بابُ منْ أَفْطَرَ فِي السَّفَرِ لِيَرَاهُ الناسُ أي: هذا باب في بيان شأن الذي أفطر في السفر ليراه الناس فيقتدوا به، ويفطرون بفطره، ويفهم منه أن أفضلية الفطر لا تختص بمن تعرض له المشقة إذا صام، أو بمن يخشى العجب، والرياء، أو بمن يظن به أنه رغب عن الرخصة. بل إذا رأى من يقتدي به أفطر يفطر هو أيضاً، وذلك لأن النبي عَِّ إنما أفطر في السفر ليراه الناس فيقتدوا به، ويفطرون، لأن الصيام كان أضرهم، فأراد عَ لِّ الرفق بهم والتيسير عليهم أخذاً بقوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥]. فأخبر الله تعالى أن الإفطار في السفر أراده للتيسير على عباده، فمن اختار رخصة الله فأفطر في سفره أو مرضه لم يكن معنفاً، ومن اختار الصوم وهو يسير عليه فهو أفضل لورود الأخبار بصومه عَ ◌ّةٍ في السفر. ١٩٤٨/٥٥ - حدَّثنا موسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ مَنْصُورٍ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ طَاؤُوسٍ عنِ ابنِ عِبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال خرَجَ رسُولُ اللهِ عَّهِ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكّةَ فصَامَ حَتَّى بلَغَ عُسْفَانَ ثُمَّ دَعا بِمَاءٍ فَرَفَعَهُ إِلَى يَدَيْهِ لِيُرِيِهِ النَّاسَ فَأَفْطَرَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةً وذَلِكَ فِي رَمَضَانَ فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ قَد صامَ رَسُولُ اللهِ عَّ ◌َلَّهِ وَأَفْطِرَ فَمَنْ شَاءَ صامَ ومَنْ شاءَ أَفْطَرَ. [انظر الحديث ١٩٤٤ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((ثم دعا بماء فرفعه إلى يديه ليريه الناس فأفطر)). ذكر رجاله وهم ستة كلهم قد ذكروا غير مرة، وأبو عوانة، بالفتح: الوضاح اليشكري. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع، وفيه: القول في موضع. وفيه: أن شيخه بصري وأن أبا عوانة واسطي وأن منصوراً كوفي وأن مجاهداً مكي وأن طاوساً يماني. وفيه: مجاهد عن طاوس من رواية الأقران. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي. وفيه: عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس وأخرجه النسائي من طريق شعبة عن منصور، فلم يذكر طاوساً في الإسناد، وكذا أخرجه من طريق الحكم عن مجاهد عن ابن عباس، والوجه فيه أن مجاهداً أخذه أولاً عن طاوس ثم لقي ابن عباس فأخذه عنه. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن علي بن ٧٢ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٩) عبد الله، وأخرجه مسلم في الصوم عن إسحاق بن إبراهيم، وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد عن أبي عوانة به. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن قدامة عن جرير به وعن محمد بن رافع. ذكر معناه: قوله: ((عسفان))، قد مر تفسيره عن قريب. قوله: ((فرفعه إلى يديه)) أي: رفع الماء إلى غاية طول يديه، وهو حال. أو فيه تضمين أي: انتهى الرفع إلى أقصى غايتها. وقال بعضهم: فرفعه إلى يديه كذا في الأصول التي وقفت عليها من البخاري، وهو مشكل لأن الرفع إنما يكون باليد، ثم نقل ما قاله الكرماني وهو ما ذكرناه، ثم قال: وقد وقع عند أبي داود عن مسدد عن أبي عوانة بالإسناد المذكور في البخاري: ((فرفعه إلى فيه)). وهذا أوضح، ولعل الكلمة تصحيف. انتهى. قلت: لا إشكال ههنا أصلاً ولا تصحيف. وهذا وهم فاسد، وذلك لأن المراد من الرفع ههنا هو أن يرفعه جداً طول يديه حتى يعلو إلى فوق ليراه الناس، وليس المراد مجرد الرفع باليد من الأرض، أو من يد الأكبر، لأنه بمجرد الرفع لا يراه الناس. قوله: ((ليراه الناس))، برفع: الناس، لأنه فاعل: يرى، والضمير المنصوب فيه مفعوله، وهكذا هو في رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي: ((ليريه الناس))، واللام فيه للتعليل في الوجهين. و: الناس، منصوب لأنه مفعول ثانٍ لأن: ليريه، بضم الياء من الإراءة وهي تستدعي مفعولين كما عرف في موضعه. وقصة هذا الحديث أنه عَّ خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان، فصام الناس، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصوم، وإنما ينتظرون إلى فعلك. فدعا بقدح من ماء، فرفعه حتى ينظر الناس إليه فيقتدوا به في الإفطار، لأن الصيام أضر بهم، فأراد رسول الله عَ لِّ التيسير عليهم، وكان لا يؤمن عليهم الضعف والوهن في حربهم حين لقاء عدوهم. ٣٩ - بابٌ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]. أي: هذا باب في بيان حكم قوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ [البقرة: ١٨٤]. أي: وعلى الذين يطيقون الصوم الذين لا عذر بهم إن أفطروا: ﴿فدية طعام مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤]. نصف صاع من بر، أو صاع من غيره عند أهل العراق، وعند أهل الحجاز مد، وكان في بدء الإسلام فرض عليهم الصوم، فاشتد عليهم فرخص لهم في الإفطار والفدية. وقال معاذ: كان في ابتداء الأمر: من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً حتى نزلت الآية التي بعدها، فنسختها وارتفاع فدية، على الابتداء وخبره مقدماً وهو قوله: ﴿طعام مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤]. بيان: لفدية، أو: بدل منها، وفي قراءة نافع: ﴿طعام مساكين﴾ بالجمع، وقالت طائفة: بل هذا خاص بالشيخ والعجوز الكبير اللذين لم يطيقا الصوم رخص لهما الإفطار ويفديان، والفدية الجزاء، والبدل من قولك: فديت الشيء بالشيء أي: هذا بهذا. وقال الزمخشري: وقرأ ابن عباس: يطوقونه، تفعيل من الطوق، إما بمعنى الطاقة أو القلادة، أي: يكلفونه أو يقلدونه، وعن ابن عباس: يتطوقونه بمعنى: يتكلفونه، أو يتقلدونه ويطوقونه بإدغام ٧٣ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٩) التاء في الطاء، ويطيقونه ويطيقونه بمعنى يتطقونه، وأصلهما: يطيقونه ويتطيوقونه، على أنهما من فعيل، وتفعيل من الطوق، فأدغمت الياء في الواو بعد قلبها ياء، وهم الشيوخ والعجائز، فعلى هذا لا نسخ بل هو ثابت، والله أعلم. قال ابنُ عُمَرَ وسَلَمَة بِنُ الأَكْوَعِ نَسخَتْها ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى والفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ومِنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّه بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيُّدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّه عَلى ماَ هَدَاكُمْ ولَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. أي: قال عبد الله بن عمر بن الخطاب وسلمة بن الأكوع، وهو سلمة بن عمرو بن الأكوع أبو إياس الأسلمي المدني. قوله: ((نسختها)) أي: نسخت آية: ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ [البقرة: ١٨٤]. آية ﴿شهر رمضان﴾ [البقرة: ١٨٥]. أما حديث ابن عمر فوصله في آخر الباب عن عياش بتشديد الياء آخر الحروف والشين المعجمة، وقد أخرجه عنه أيضاً في التفسير. وأما حديث أم سلمة فوصله في تفسير البقرة بلفظ: ((لما نزلت ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤]. كان من أراد أن يفطر أفطر وافتدى، حتى نزلت الآية التى بعدها، فنسختها)). وقد اختلف السلف في قوله عز وجل: ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ [البقرة: ١٨٤]. فقال قوم: إنها منسوخة، واستدلوا بحديث سلمة وابن عمر ومعاذ، وهو قول علقمة والنخعي والحسن والشعبي وابن شهاب، وعلى هذا تكون قراءتهم ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ [البقرة: ١٨٤]. بضم الياء وكسر الطاء وسكون الياء الثانية، وعند ابن عباس: هي محكمة، وعليه قراءة: ﴿يطوقونه﴾ بالواو المشددة، وروى عنه: ﴿يطيقونه﴾ بضم الطاء والياء المشددتين. ثم إن الشيخ الكبير والعجوز إذا كان الصوم يجهدهما ويشق عليهما مشقة شديدة، فلهما أن يفطرا ويطعما لكل يوم مسكيناً، وهذا قول علي وابن عباس وأبي هريرة وأنس وسعيد بن جبير وطاوس وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل، وقال مالك: لا يجب عليه شيء، لأنه لو ترك الصوم لعجزه ما تجب فدية، كما تركه لمرض اتصل به الموت، وهو مروي عن ربيعة وأبي ثور وداود، واختاره الطحاوي وابن المنذر، وللشافعي قولان كالمذهبين: أحدهما: لا تجب الفدية عليهما لعدم وجوب الصوم عليهما. والثاني: وهو الجديد: تجب الفدية لكل يوم مد من طعام. وقال البويطي: هي مستحبة، ولو أحدث الله تعالى للشيخ الفاني قوة حتى قدر على الصوم بعد الفدية يبطل حكم الفدية، وفي كتب أصحابنا: فإن أخر القضاء حتى دخل رمضان آخر صام الثاني لأنه في وقته، وقضى الأول بعده لأنه وقت القضاء ولا فدية عليه، وقال سعيد بن جبير وقتادة يطعم ولا يقضي. وقضاء رمضان إن شاء فرقه وإن شاء تابعه، وإليه ذهب الشافعي ومالك. وفي (شرح المهذب): فلو قضاه غير مرتب أو مفرقاً جاز عندنا، وعند الجمهور، لأن اسم الصوم يقع ٧٤ ٠ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٩) على الجميع، وفي (تفسير ابن أبي حاتم): وروي عن أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وأبي هريرة ورافع بن خديج وأنس بن مالك وعمرو بن العاص وعبيدة السلماني والقاسم وعبيد بن عمير وسعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي جعفر محمد بن علي ابن الحسين وسالم وعطاء وأبي ميسرة وطاوس ومجاهد وعبد الرحمن بن الأسود وسعيد بن جبير والحسن وأبي قلابة وإبراهيم النخعي والحاكم وعكرمة وعطاء بن يسار وأبي الزناد وزيد ابن أسلم وقتادة وربيعة ومكحول والثوري ومالك والأوزاعي والحسن بن صالح والشافعي وأحمد وإسحاق أنهم قالوا: يقضي مفرقاً، وروي عن علي وابن عمر وعروة والشعبي ونافع بن جبير بن مطعم ومحمد بن سيرين: أنه يقضي متتابعاً وإلى هذا ذهب أهل الظاهر. وقال ابن حزم: المتابعة في قضاء رمضان واجبة لقوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ [آل عمران: ١٣٣]. ولم يجد لذلك وقتاً يبطل القضاء بخروجه. وفي (الاستذكار) عن مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول: يصوم قضاء رمضان متتابعاً من أفطره من مرض أو سفر، وعن ابن شهاب أن ابن عباس وأبا هريرة اختلفا. فقال أحدهما: يفرق، وقال الآخر: لا يفرق. وعن يحيى بن سعيد سمع ابن المسيب يقول: أحب أن لا يفرق قضاء رمضان، وإن تواتر. قال أبو عمر: صح عندنا عن ابن عباس وأبي هريرة أنهما أجازا أن يفرقا قضاء رمضان، وصحح الدارقطني إسناد حديث عائشة، نزلت: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٥]. متتابعات، فسقطت متتابعات، وقال ابن قدامة: لم تثبت عندنا صحته، ولو صح حملناه على الاستحباب، والأفضلية. وقيل: ولو ثبتت كانت منسوخة لفظاً وحكماً، ولهذا لم يقرأ بها أحد من قراء الشواذ. قلت: وفي المنافع قرأ بها أبي ولم يشتهر. فكانت كخبر واحد غير مشهور، فلا يجوز الزيادة على الكتاب بمثله، بخلاف قراءة ابن مسعود في كفارة اليمين فإنها قراءة مشهورة غير متواترة. وقال عياض: اختلف السلف في قوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ [البقرة: ١٨٤]. هل هي محكمة أو مخصوصة أو منسوخة؟ كلها أو بعضها؟ فقال الجمهور: إنها منسوخة، ثم اختلفوا: هل بقي منها ما لم ينسخ؟ فروي عن ابن عمر والجمهور: أن حكم الإطعام باقٍ على من لم يطق الصوم لكبره، وقال جماعة من السلف ومالك وأبو ثور وداود: جميع الإطعام منسوخ، وليس على الكبير إذا لم يطق الصوم إطعام، واستحبه له مالك، وقال قتادة: كانت الرخصة لمن يقدر على الصوم ثم نسخ فيه، وبقي فيمن لا يطيق. وقال ابن عباس وغيره: نزلت في الكبير والمريض اللذين لا يقدران على الصوم، فهي عنده محكمة، لكن المريض يقضي إذا برأ، وأكثر العلماء على أنه لا إطعام على المريض. وقال زيد بن أسلم والزهري ومالك: هي محكمة، ونزلت في المريض يفطر ثم يبرأ فلا يقضي حتى يدخل رمضان آخر، فيلزمه صومه، ثم يقضي بعدما أفطر ويطعم عن كل يوم مداً من حنطة، فأما من اتصل مرضه برمضان آخر فليس عليه إطعام، بل عليه القضاء فقط. وقال الحسن وغيره: الضمير في: يطوقونه، عائد على الإطعام لا على الصوم، ثم نسخ ذلك فهي عنده عامة. ٧٥ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٩) ٥٦ - وقال ابنُ ثُمَيْرِ حدَّثنا الأعْمَشُ قال حدَّثنا عَمْرُو بنُ مُرَّةَ قال حدَّثنا ابنُ أبي لَيْلَى قال حدثنا أصحابُ مُحَمَّدٍ عَّ نَزَلَ رمَضانُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَكَانَ مَنْ أَطْعَمَ كُلُّ يَوْمٍ مِسْكِيناً تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَّنْ يُطِيقُهُ ورُخِّصَ لَهُمُ فِي ذَلِكَ فَتَسَخَتْها ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَأُمِرُوا بِالصَّوْمِ مطابقته للترجمة في قوله: ((فكان من أطعم)) إلى قوله: ((فنسختها)). وابن نمير، بضم النون: اسمه عبد الله، مر في: باب ما ينهى من الكلام في الصلاة، والأعمش هو سليمان، عمرو بن مرة، بضم الميم وتشديد الراء. وابن أبي ليلى هو عبد الرحمن، رأى كثيراً من الصحابة مثل: عمر وعثمان وعلي وغيرهم، وهذا تعليق وصله البيهقي من طريق أبي نعيم في (المستخرج): ((قدم النبي، عَّه، المدينة ولا عهد لهم بالصيام، فكانوا يصومون ثلاثة أيام من كل شهر حتى نزل رمضان، فاستكثروا ذلك وشق عيهم، فكان من أطعم مسكيناً كل يوم ترك الصيام ممن يطيقه، رخص لهم في ذلك، ثم نسخة ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ [البقرة: ١٨٤]. فأمروا بالصيام. وهذا الحديث أخرجه أبو داود من طريق شعبة والمسعودي عن الأعمش مطولاً في الأذان والقبلة والصيام، واختلف في إسناده اختلافاً كثيراً، وطريق ابن نمير هذا أرجحها. قوله: ((حدثنا أصحاب محمد عَّلَّ)) أشار به إلى أنه روي هذا الحديث عن جماعة من الصحابة، ولا يقال لمثل هذا رواية مجهول لأن الصحابة كلهم عدول. قوله: ((فنسختها)) ﴿وأن تصوموا﴾ [البقرة: ١٨٤]. الضمير في نسختها يرجع إلى الإطعام الذي يدل عليه أطعم، والتأنيث باعتبار الفدية، وقوله ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ [البقرة: ١٨٤]. في محل الرفع على الفاعلية، والتقدير قوله: وأن تصوموا. وكلمة: أن، مصدرية تقديره: وصومكم خير لكم، وقال الكرماني: فإن قلت: كيف وجه نسخها لها والخيرية لا تقتضي الوجوب؟ قلت: معناه الصوم خير من التطوع بالفدية، والتطوع بها سنة، بدليل أنه خير، والخير من السنة لا يكون إلاَّ واجباً. انتهى. قلت: إن كان المراد من السنة هي سنة النبي عَّله، فسنة النبي كلها خير، فيلزم أن تكون كل سنة واجبة وليس كذلك. وقال السدي: عن مرة عن عبد الله، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤]. وقال: والله يقول: ﴿الذين يطيقونه﴾ [البقرة: ١٨٤]. أي: يتجشمونه، قال عبد الله: فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً. ﴿فمن تطوع﴾ [البقرة: ١٨٤]. قال: أطعم مسكيناً آخر ﴿فهو خير له وأن تصوموا خير لكم﴾ [البقرة: ١٨٤]. فكانوا كذلك حتى نسختها: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥]. ١٩٤٩/٥٧ - حدَّثنا عَيَّاشٌ قال حدَّثنا عبْدُ الأَعْلَى قال حدثنَا عُبَيْدُ اللهِ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عنهُمَا قَرَأ: ﴿فِذْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ،﴾ [البقرة: ١٨٤] قال: هِيَ مَنْسُوخَةٌ. ! ٧٦ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤٠) [الحديث ١٩٤٩ - طرفه في: ٤٥٠٦]. أشار بهذه الرواية إلى وصل التعليق الذي علقه في أول الباب بقوله: قال ابن عمر، وأشار أيضاً إلى بيان قراءة عبد الله بن عمر في قوله: ﴿فدية طعام مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤]. فإنه قرأ: مسكين، وبصيغة الإفراد، ولكن لما ذكر في التفسير، قال: طعام مساكين، بصيغة الجمع، وكذا رواه الإسماعيلي في (صحيحه) وأشار أيضاً إلى أن ﴿فدية طعام مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤]. منسوخة غير مخصوصة ولا محكمة. وعياش، بالياء آخر الحروف المشددة والشين المعجمة، وعبد الأعلى هو ابن عبد الأعلى، وعبيد الله بن عمر العمري المدني. ٤٠ - بابٌ مَتَى يُقْضَى قَضَاءُ رَمَضَانَ أي: هذا باب يبين فيه متى يقضى، أي: متى يؤدى قضاء رمضان، والقضاء بمعنى الأداء، قال تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة﴾ [الجمعة: ١٠]. أي: فإذا أديت الصلاة، وليس المراد من الأداء معناه الشرعي، وهو تسليم عين الواجب، ولكن المراد معناه اللغوي وهو الإيفاء، كما يقال: أديت حق فلان أي: أوفيته، وفسره بعضهم بقوله: متى يصام الأيام التي تقضى عن فوات رمضان؟ وليس المراد: بقضاء القضاء على ما هو ظاهر اللفظ. انتهى. قلت: ظن هذا أن المراد من قوله: متى يقضى؟ معناه الشرعي، وليس كذلك، فظنه هذا هو الذي ألجأه إلى ما تعسف فيه، ثم أنه ذكر كلمة الاستفهام ولم يذكر جوابه لتعارض الأدلة الشرعية والقياسية، فإن ظاهر قوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٥]. أعم من أن تكون تلك الأيام متتابعة أو متفرقة، والقياس يقتضي التتابع لأن القضاء يحكي الأداء، وذكر البخاري هذه الآثار في هذا الباب يدل على جواز التراخي والتفريق. وقال ابنُ عَبَّاسٍ لاَ بَأْسَ أنْ يُفَرَّقَ لِقَوْلِ الله تعَالَى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤ - ١٥٨]. هذا التعليق وصله مالك عن الزهري أن ابن عباس وأبا هريرة اختلفا في قضاء رمضان، فقال أحدهما: يفرق، وقال الآخر: لا يفرق، وهذا منقطع مبهم لأنه لم يعلم المفرق من غير المفرق، وقد أوضحه عبد الرزاق ووصله عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس فيمن عليه قضاء رمضان، قال: يقضيه مفرقاً قال الله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤ - ١٨٥]. وأخرجه الدارقطني من وجه آخر عن معمر بسنده، قال: صمه كيف شئت. وقال سعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ فِي صَوْمِ الْعَشْرِ لاَ يَصْلُحُ حَتَّى يَبْدَأُ بِرَمَضَانَ معنى هذا الكلام أن سعيداً لما سئل عن صوم العشر؟ والحال أن على الذي سأله قضاء رمضان، فقال: لا يصلح حتى يبدأ أولاً بقضاء رمضان، وهذه العبارة لا تدل على المنع ٧٧ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤٠) مطلقاً، وإنما تدل على الأولوية، والدليل عليه ما رواه ابن أبي شيبة: عن عبدة عن سفيان عن قتادة عن سعيد أنه كان لا يرى بأساً أن يقضي رمضان في العشر، وقال بعضهم: عقيب ذكر الأثر المذكور عن سعيد، وصله ابن أبي شيبة عنه نحوه، وقال صاحب (التلويح): هذا التعليق رواه ابن أبي شيبة، ثم ذكره نحو ما ذكرنا، وليس الذي ذكره ابن أبي شيبة عنه أصلاً نحو الذي ذكره البخاري عنه، وهذا ظاهر لا يخفى. وقال إبْرَاهِيمُ: إذا فَرَّطَ حَتَّى جاءَ رَمَضانٌ آخرُ يَصُومُهُمَا وَلَم يَرَ عَلَيْهِ طَعَاماً إبراهيم هو النخعي. قوله: ((إذا فرط)) من التفريط، وهو التقصير، يعني: إذا كان عليه قضاء رمضان ولم يقضه حتى جاء رمضان ثان فعليه أن يصومهما، وليس عليه فدية. قوله: ((حتى جاء))، من المجيء، ووقع في رواية الكشميهني: ((حتى جاز))، بزاي في آخره من الجواز، ويروى: ((حتى حان))، بحاء مهملة ونون: من الحين، وهذا التعليق وصله سعيد بن منصور من طريق يونس عن الحسن، ومن طريق الحارث العكلي عن إبراهيم قالا: إذا تتابع عليه رمضانان صامهما، فإن صح بينهما فلم يقضِ الأول فبئس ما صنع، فليستغفر الله، وليصم. ويُذْكَرُ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُرْسلاً. وعنْ ابْنِ عَبَّاسِ أنَّهُ يُطْعِم وَلَمْ يَذْكُرِ اللهِ الإِطْعَامَ إِنََّا قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامِ أَخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤ - ١٨٥]. أشار بصيغة التمريض إلى أن الذي روى عن أبي هريرة حال كونه مرسلاً فيمن مرض ولم يصم رمضان، ثم صح فلم يقضه حتى جاء رمضان آخر، فإنه يطعم بعد الصوم عن رمضانين. وأخرجه عبد الرزاق موصولاً عن ابن جريج: أخبرني عطاء عن أبي هريرة، قال: أي إنسان مرض رمضان ثم صح فلم يقضه حتى أدركه رمضان آخر فليصم الذي حدث، ثم يقضي الآخر، ويطعم من كل يوم مسكيناً. قلت لعطاء: كم بلغك يطعم؟ قال: مداً، زعموا، وأخرجه عبد الرزاق أيضاً عن معمر عن أبي إسحاق عن مجاهد عن أبي هريرة نحوه، وقال فيه: ((وأطعم عن كل يوم نصف صاع من قمح)). وأخرج الدارقطني حديث أبي هريرة مرفوعاً من طريق مجاهد ((عن أبي هريرة عن النبي، عَّه، في رجل أفطر في شهر رمضان، ثم صح ولم يصم حتى أدركه رمضان آخر، قال: يصوم الذي أدركه ثم يصوم الشهر الذي أفطر فيه ويطعم مكان كل يوم مسكيناً)). وفي إسناده إبراهيم بن نافع وعمر بن موسى بن وجبة، قال الدارقطني: هما ضعيفان. وقد ذكر البرديجي أن مجاهداً لم يسمع من أبي هريرة، فلهذا سماه البخاري مرسلاً. قوله: ((وابن عباس))، أي: ويروى أيضاً عن ابن عباس أنه يطعم، ووصله سعيد بن منصور عن هشيم، والدارقطني من طريق ابن عيينة كلاهما عن يونس بن أبي إسحاق عن مجاهد عن ابن عباس، قال: ((من فرط في صيام شهر رمضان حتى أدركه رمضان آخر فليصم هذا الذي أدركه ثم ليصم ما فاته ويطعم مع كل يوم مسكيناً). قيل: عطف ابن عباس على . ٧٨ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤٠) أبي هريرة يقتضي أن يكون المذكور عن ابن عباس أيضاً مرسلاً، وأجيب بالخلاف في أن القيد في المعطوف عليه هل هو قيد في المعطوف أم لا؟ فقيل: ليس بقيد، والأصح اشتراكهما، وكذلك الأصوليون اختلفوا في أن عطف المطلق على المقيد هل هو مقيد للمطلق أم لا؟ قوله: ((ولم يذكر الله الإطعام ... )) إلى آخره، من كلام البخاري إنما قال لأن النص ساكت عن الإطعام، وهو الفدية لتأخير القضاء. وظن بعضهم أنه بقية كلام إبراهيم النخعي وهو وهم، فإنه مفصول من كلامه بأثر أبي هريرة وابن عباس، ثم إن البخاري استدل فيما قاله بقوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤ - ١٨٥]. ولا يتم استدلاله بذلك لأنه لا يلزم من عدم ذكره في الكتاب أن لا يثبت بالسنة، فقد جاء عن جماعة من الصحابة الإطعام منهم: أبو هريرة وابن عباس، كما ذكر، ومنهم عمر بن الخطاب ذكره عبد الرزاق، ونقل الطحاوي عن يحيى بن أكثم، قال: وجدته عن ستة من الصحابة لا أعلم لهم فيه مخالفاً، انتهى، وهو قول الجمهور، وخالف في ذلك إبراهيم النخعي وأبو حنيفة وأصحابه، ومال الطحاوي إلى قول الجمهور في ذلك، وقال البيهقي: وروينا عن ابن عمر وأبي هريرة في الذي لم يصم حتى أدرك رمضان يطعم، ولا قضاء عليه، وعن الحسن وطاوس والنخعي يقضي ولا كفارة عليه. ١٩٥٠/٥٨ - حدّثنا أحمدُ بنُ يُونُسَ قال حدَّثنا زُهَيْرٌ قال حدَّثنا يحيى عنْ أبِي سلَمَةَ قال سَمِعْتُ عَائِشَةٌ رضي الله تعالى عنها تقُولُ كانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضانَ فَما أُسْتَطِيعُ أن أَقْضيَ الآنَ إلاَّ فِي شَعْبَانَ قال يخْتَى الشُّغْلُ مِنَ النبيِّ عَ لّهِ أَوْ بِالنَّبِيِّ عَِّ. مطابقته للترجمة من حيث إنه يفسر الإبهام الذي في الترجمة، لأن الترجمة: متى يقضي قضاء رمضان، والحديث يدل على أنه يقضي في أي وقت كان، غير أنه إذا أخره حتى دخل رمضان ثان يجب عليه الفدية عند الشافعي، وقد ذكرنا الخلاف فيه مستقصى، وعند أصحابنا: لا يجب عليه شيء غير القضاء لإطلاق النص. ذکر رجاله: وهم خمسة: الأول: أحمد بن يونس، وهو أحمد بن عبد الله بن يونس أبو عبد الله التربوعي التميمي. الثاني: زهير بن معاوية أبو خيثمة الجعفي. الثالث: يحيى، قال صاحب (التلويح): اختلف في يحيى هذا، فزعم الضياء المقدسي أنه يحيى القطان، وقال ابن التين: قيل: إنه يحيى بن أبي كثير. قلت: وبه قال الكرماني وجزم به، والصحيح أنه: يحيى ابن سعيد الأنصاري، نص عليه الحافظ المزي عند ذكر هذا الحديث، وقال بعضهم منكراً على الكرماني وابن التين في قولهما، إنه يحيى بن أبي كثير، قال: وغفل الكرماني عما أخرجه مسلم عن أحمد بن يونس شيخ البخاري فيه، فقال في نفس السند: عن يحيى بن سعيد. قلت: هو أيضاً غفل عن إيضاح ما قاله، لأن المذكور في حديث مسلم يحيى بن سعيد، ولقائل أن يقول: يحتمل أن يكون يحيى هذا هو يحيى بن سعيد القطان، كما قاله الضياء، ولو قال مثل ما قلنا لكان أوضح وأصوب. الرابع: أبو سلمة بن عبد الرحمن. الخامس: أم المؤمنين عائشة، رضي الله تعالى عنها. ٧٩ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤٠) ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: السماع وفيه: يحيى عن أبي سلمة، وفي رواية الإسماعيلي: من طريق أبي خالد عن يحيى بن سعيد سمعت أبا سلمة. وفيه: أن شيخه وزهيراً كوفيان، وأن يحيى وأبا سلمة مدنيان. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابية. ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم أيضاً في الصوم عن أحمد بن يونس به، وعن محمد بن المثنى وعن عمرو الناقد وعن إسحاق بن إبراهيم وعن محمد بن رافع. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي عن مالك. وأخرجه النسائي فيه عن عمرو عن علي عن يحيى بن سعيد القطان. وأخرجه ابن ماجه فيه عن علي بن المنذر. ذكر معناه: قوله: ((كان يكون))، وفي (الأطراف) للمزي: إن ((كان يكون)) وفائدة اجتماع كان مع يكون يذكر أحدهما بصيغة الماضي والآخر بصيغة المستقبل تحقيق القضية وتعظيمها، وتقديره: وكان الشأن يكون كذا، وأما تغير الأسلوب فلإرادة الاستمرار، وتكرر الفعل. وقيل: لفظة يكون زائدة كما قال الشاعر: وجيران لنا كانوا كرام وأما رواية: أن كان، فإن كلمة: أن تكون مخفقة من المثقلة، قوله: ((أن أقضي)) أي: ما فاتها من رمضان. قوله: ((قال يحيى))، أي: يحيى المذكور في سند الحديث المذكور إليه فهو موصول. قوله: ((الشغل من النبي عَّ)) مقول يحيى، وارتفاع: الشغل، يجوز أن يكون على أنه فاعل: فعل، محذوف تقديره: قالت يمنعني الشغل، ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، أي: قال يحيى الشغل هو المانع لها، والمراد من الشغل أنها كانت مهيئة نفسها لرسول الله عَّ له، مترصدة لاستمتاعه في جميع أوقاتها إن أراد ذلك، وأما في شعبان فإنَّهُ عَ لَّه. كان يصومه فتتفرغ عائشة لقضاء صومها. قال الكرماني: فإن قلت: شغل منه، بمعنى: فرغ عنه، وهو عكس المقصود، إذ الفرض أن الاشتغال برسول الله عٍَّ هو المانع من القضاء لا الفراغ منه؟ قلت: المراد الشغل الحاصل من جهة رسول الله عَّةٍ، ولم يقع في رواية مسلم عن أحمد عن يونس شيخ البخاري قال يحيى: الشغل إلى آخره، ووقع في روايته عن إسحاق بن إبراهيم، قال يحيى بن سعيد بهذا الإسناد، غير أنه قال: وذلك لمكان رسول الله عَ لّه، وفي رواية عن محمد بن رافع، قال: فظننت أن ذلك لمكانها من رسول الله عَ لّه، يحيى يقوله، وفي روايته عن عمرو الناقد لم يذكر في الحديث الشغل برسول الله عَّ له، وروايته عن يونس بدون ذكر يحيى، يدل على أن قوله: الشغل من رسول الله أو برسول الله عَ ◌ّم من كلام عائشة، أو من كلام من زوى عنها. وأخرجه أبو داود من طريق مالك والنسائي من طريق يحيى القطان بدون هذه الزيادة، وكذلك في رواية مسلم في روايته عن عمرو الناقد كما ذكرناه، وقال بعضهم: وأخرجه مسلم من طريق محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة بدون الزيادة، لكن فيه ما ٨٠ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤١) يشعر بها، فإنه قال فيه: فما أستطيع قضاءها مع رسول الله عَّ الِ. انتهى. قلت: ليس متن حديث هذا الطريق مثل الذي ذكره، وإنما قال مسلم: حدثني محمد بن أبي عمر المكي، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة أنها قالت: إن كانت إحدانا لتفطر في زمان رسول الله عَّه، فما تستطيع أن تقضيه مع رسول الله عَّ له حتى يأتي شعبان. وروى الترمذي وابن خزيمة من طريق عبد الله البهي عن عائشة: ما قضيت شيئاً مما يكون علي من رمضان إلاَّ في شعبان، حتى قبض رسول الله عَّهِ. قيل: مما يدل على ضعف الزيادة أنه، عَِّ، كان يقسم لنسائه فيعدل، وكان يدنو من المرأة في غير نوبتها فيقبّل ويلمس من غير جماع، فليس في شغلها بشيء من ذلك مما يمنع الصوم، اللهم إلاَّ أن يقال: كانت لا تصوم إلاّ بإذنه ولم يكن يأذن لاحتمال حاجته إليها، فإذا ضاق الوقت أذن لها. وكان، عَِّ لّه، يكثر الصوم في شعبان، فلذلك كانت لا يتهيأ لها القضاء إلاَّ في شعبان. قلت: وكانت كل واحدة من نسائه، عَّةٍ، مهيئة نفسها لرسول الله، عَ له، لاستمتاعه من جميع أوقاته إن أراد ذلك، ولا تدري متى يريده، ولا تستأذنه في الصوم مخافة أن يأذن وقد يكون له حاجة فيها فتفوتها عليه، وهذا من عادتهن، وقد اتفق العلماء على أن المرأة يحرم عليها صوم التطوع وبعلها حاضر إلاَّ بإذنه، لحديث أبي هريرة الثابت في مسلم: ((ولا تصوم إلاّ بإذنه))، وقال الباجي: والظاهر أنه ليس للزوج جبرها على تأخير القضاء إلى شعبان، بخلاف صوم التطوع، ونقل القرطبي عن بعض أشياخه، أن لها أن تقضي بغير إذنه لأنه واجب، ويحمل الحديث على التطوع. ومما يستفاد من هذا الحديث: أن القضاء موسع، ويصير في شعبان مضيقاً، ويؤخذ من حرصها على القضاء في شعبان أنه لا يجوز تأخير القضاء حتى يدخل رمضان، فإن دخل فالقضاء واجب أيضاً، فلا يسقط. وأما الإطعام فليس في الحديث له ذكر، لا بالنفي ولا بالإثبات، وقد تقدم بيان الخلاف فيه. وفيه: أن حق الزوج من العشرة والخدمة يقدم على سائر الحقوق ما لم يكن فرضاً محصوراً في الوقت، وقيل: قول عائشة: فما أستطيع أن أقضيه إلاَّ في شعبان، يدل على أنها كانت لا تتطوع بشيء من الصيام، لا في عشر ذي الحجة، ولا في عاشوراء ولا في غيرهما، وهو مبني على أنها ما كانت ترى جواز صيام التطوع لمن عليه دين من رمضان، ولكن من أين ذلك لمن يقول به، والحديث ساكت عن هذا؟ ٤١ - بابُ الخَائِضِ تَتْرُكُ الصَّوْمَ والصَّلاةَ أي: هذا باب تذكر فيه: الحائض تترك الصوم والصلاة، إنما قال: تترك للإشارة إلى أنه ممكن حساً ولكنها تتركهما اختياراً لمنع الشرع لها من مباشرتهما. وقال أبُو الزِّنادٍ: إنَّ السُّنُنَ وَوُجُوهِ الحَقِّ لَتَأْتِي كَثيراً عَلَى خِلافِ الرَّأيٍ فَمَا يَجِدُ المُسْلِمُونَ بُدّاً مِنِ اتَّبَاعِهَا مِنْ ذلِكَ أنَّ الحَائِضَ تَقْضِي الصِّيَامَ ولاَ تَقْضِي الصَّلاةَ أبو الزناد، بكسر الزاي وبالنون: اسمه عبد الله بن ذكوان القرشي أبو عبد الرحمن