النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٥) وقال ابنُ سِيرينَ لاَ بَأْسَ بالسِّوَاكِ الرَّطْبِ قِيلَ لَهُ طَعْمٌ قال والمَاءُ لَهُ طَعْمٌ وأنْتَ تُخَضْمِضُ بِهِ ابن سيرين هو محمد بن سيرين، وهذا التعليق رواه ابن أبي شيبة عن عبيد بن سهل الفداني عن عقبة بن أبي حمزة المازني، قال: أتى محمد بن سيرين رجل فقال: ما ترى في السواك للصائم؟ قال: لا بأس به. قال: إنه جريدة وله طعم، قال: الماء له طعم وأنت تمضمض به. فإن قلت: لا طعم للماء لأنه تفه. قلت: قال الله تعالى: ﴿ومن لم يطعمه فإنه مني﴾ [البقرة: ٢٤٩]. وقال صاحب (المجمل): الطعام يقع على كل ما يُطعم حتى الماء. ولم يَرَ أَنَسّ والحَسَنُ وإِبْرَاهِيمُ بالْكُخلِ لِلصَّائِمِ بَأساً أنس هو ابن مالك الصحابي، والحسن هو البصري وإبراهيم هو النخعي ومسألة الكحل للصائم وقعت هنا استطراداً لا قصداً، فلذلك لا تطلب فيها المطابقة للترجمة. أما التعليق عن أنس فرواه أبو داود في (السنن) من طريق عبيد الله أبي بكر بن أنس ((عن أنس: أنه كان يكتحل وهو صائم))، وروى الترمذي عن أبي عاتكة ((عن أنس: جاء رجل إلى النبي، عَ ◌ّله، قال: اشتكت عيني أفأكتحل وأنا صائم؟ قال: نعم). قال الترمذي: ليس إسناده بالقوي، ولا يصح عن النبي عَّهِ في هذا الباب شيء، وأبو عاتكة اسمه: طريف بن سليمان، وقيل: سليمان. وقيل: اسمه سلمان بن طريف. قال البخاري: هو منكر الحديث وقال أبو حاتم الرازي: ذاهب الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وروى ابن ماجه بسند صحيح لا بأس به ((عن عائشة، قالت: اكتحل رسول الله عَّه وهو صائم))، وفي (كتاب الصيام) لابن أبي عاصم بسند لا بأس به من حديث نافع ((عن ابن عمر: خرج علينا رسول الله عَّه وعيناه مملوءتان من الإثمد في رمضان وهو صائم)). فإن قلت: يعارض هذا حديث رواه أبو داود عن عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هودة عن أبيه عن جده عن النبي عَِّ أنه أمر بالإثمد المروح عند النوم، وقال: ليتَّقِهِ الصائم قلت: قال أبو داود: قال لي يحيى بن معين: هذا حديث منكر، وقال الأثرم عن أحمد: هذا حديث منكر فلا معارضة حينئذ. وروى ابن عدي في (الكامل) والبيهقي من طريقه، والطبراني في (الكبير) من رواية حبان بن علي عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده: أن النبي عَِّ كان يكتحل بالإثمد وهو صائم، ومحمد هذا قال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء، وروى الحارث بن أبي أسامة عن أبي زكريا يحيى بن إسحاق: حدثنا سعيد بن زيد عن عمرو بن خالد عن محمد بن علي عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب، وعن حبيب بن ثابت عن نافع ((عن ابن عمر، قال: انتظرنا النبي عَ ◌ّه أن يخرج في رمضان إلينا، فخرج من بيت أم سلمة وقد كحلته وملأت عينيه كحلاً)). وليس هذان الحديثان صريحين في الكحل للصائم إنما ذكر فيهما رمضان فقط، ولعله ٢٢ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٥) كان في رمضان في الليل، والله أعلم. وروى البيهقي في (شعب الإيمان) من حديث ابن عباس، قال: قال رسول الله عٍَّ: ((من اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم يرمد أبداً)). قال البيهقي: إسناده ضعيف. وفيه: روى الضحاك عن ابن عباس، والضحاك لم يلق ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، وروى ابن الجوزي في كتاب (فضائل الشهور) من حديث أبي هريرة في حديث طويل فيه: صيام عاشوراء والاكتحال فيه، قال ابن ناصر: هذا حديث حسن عزيز، رجاله ثقات وإسناده على شرط الصحيح، ورواه ابن الجوزي في (الموضوعات)، وقال شيخنا: والحق ما قاله ابن الجوزي، وأنه حديث موضوع. وروى الطبراني في (الأوسط) من حديث بريرة ((قالت: رأيت النبي عَ لّه يكتحل بالإثمد وهو صائم)). وأما أثر الحسن فوصله عبد الرزاق بإسناد صحيح عنه قال: ((لا بأس بالكحل للصائم)). وأما أثر إبراهيم فاختلف عنه، فروى سعيد بن منصور عن جرير ((عن القعقاع بن يزيد: سألت إبراهيم: أيكتحل الصائم؟ قال: نعم، قلت: أجد طعم الصبر في حلقي؟ قال: ليس بشيء))، وروى عن أبي شيبة عن حفص عن الأعمش عن إبراهيم قال: لا بأس بالكحل للصائم ما لم يجد طعمه. وأما حكم المسألة فقد اختلفوا في الكحل للصائم فلم يَرَ الشافعي به بأساً سواء وجد طعم الكحل في الحلق أم لا، واختلف قول مالك فيه في الجواز والكراهة، قال في (المدونة): يفطر ما وصل إلى الحلق من العين، وقال أبو مصعب: لا يفطر، وذهب الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق إلى كراهة الكحل للصائم، وحكى عن أحمد أنه إذا وجد طعمه في الحلق أفطر، وعن عطاء والحسن البصري والنخعي والأوزاعي وأبي حنيفة وأبي ثور: يجوز بلا كراهة، وأنه لا يفطر به سواء وجد طعمه أم لا. وحكى ابن المنذر عن سليمان التيمي ومنصور بن المعتمر وابن شبرمة وابن أبي ليلى أنهم قالوا: يبطل صومه. وقال ابن قتادة: يجوز بالإثمد، ويكره بالصبر، وفي (سنن) أبي داود عن الأعمش قال: ما رأيت أحداً من أصحابنا يكره الكحل للصائم. ١٩٣٠/٣٨ - حدَّثنا أحمَدُ بنُ صَالِحِ قال حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ قال حدَّثنا يُونُسُ عنِ ابنِ شِهابٍ عن ◌ُروَةَ وأبي بَكْرٍ قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله تعالى عنها كانَ النبيُّ عَّهِ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ جُنُباً في رمَضَانَ مِنْ غَيْرِ حِلُمٍ فَيَعْتَسِلُ ويَصُومُ. [انظر الحديث ١٩٢٥ وطرفه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وقد مضى هذا الحديث قبل هذا الباب ببابين في: باب الصائم يصبح جنباً، وتقدمت المباحث فيه هناك، وابن وهب هو عبد الله بن وهب المصري، ويونس هو ابن يزيد الأيلي، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري، وعروة هو ابن الزبير ابن العوام، وأبو بكر هو ابن عبد الرحمن بن الحارث. قوله: ((من غير حلم)) بضم الحاء، تقديره: من جنابة من غير حلم، فاكتفى بالصفة عن الموصوف لظهوره. ٢٣ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٦) ١٩٣١/٣٩ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قال حدَّثني مالِكٌ عن سُمَيّ مَوْلَى أبِي بَكْرِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ بِنِ المُغِيرَةِ أَنَّهُ سَمِعَ أبَا بَكْرِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ قال كُنْتُ أَنَا وَأَبِي فَذَهَبْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ أَشْهَدُ عَلَى رسولِ الله عَّهِ إِنْ كانَ لَيُصْبِحُ جُنُباً مِنْ جَماعٍ غَيْرِ اخْتِلاَمِ ثُمَّ يَصُومُهُ. [انظر الحديث ١٩٢٥ وطرفه]. ١٩٣٢ - ثُمَّ دَخَلْنَا على أُمَّ سَلَمَةَ فقالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ. [انظر الحديث ١٩٢٦]. هذا الحديث أيضاً مضى في: باب الصائم يصبح جنباً، فإنه أخرجه هناك: عن عبد الله ابن مسلمة عن مالك ... إلى آخره، مطولاً، وتقدم الكلام فيه هناك. ٢٦ - بابُ الصَّائِمِ إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِياً أي: هذا باب في بيان حكم الصائم إذا أكل أو شرب حال كونه ناسياً وإنما لم يذكر جواب إذا لمكان الخلاف فيه، تقديره: هل يجب عليه القضاء أم لا. وقال عَطَاءٌ إنِ اسْتَشَرَ فَدَخَلَ المَاءُ فِي حَلْقِهِ لا بأسَ بِهِ إِنْ لَمْ يَمْلِكْ مطابقته للترجمة من حيث إن حكم دخول الماء في حلق الصائم بعد الاستنثار ولم يملك دفعه كحكم شرب الماء ناسياً في عدم وجوب القضاء، وعطاء هو ابن أبي رباح، وهذا التعليق رواه ابن أبي شيبة عن ابن جريج أن إنساناً قال لعطاء: استنثرت فدخل الماء في حلقي، قال: لا بأس لم تملك، وقال صاحب (التلويح): لا بأس إن لم تملك كذا، في نسخة السماع، وفي غيرها سقوط: إن، وفي نسخة: إذ لم تملك. قلت: وقع في رواية أبي ذر والنسفي: لا بأس لم يملك، بإسقاط: إن، ومعنى قوله: ((إن لم يملك)) يعني: دفع الماء بأن غلبه، فإن ملك دفع الماء فلم يدفع حتى دخل حلقه أفطر، ويروى: إن لم يملك دفعه، وقوله: لم يملك، بدون إن، استئناف كلام، تعليلاً لما تقدم عليه. قال الكرماني: فإن قلت: لا بأس هو جزاء الشرط فلا بد من الفاء. قلت: هو مفسر للجزاء المحذوف، والجملة الشرطية جزاء لقوله: إن استنثر، وعلى نسخة سقوط: إن، الفاء محذوفة كقوله: من يفعل الحسنات الله يشكرها وقوله: إن استنثر، من الاستئثار وهو إخراج ما في الأنف بعد الاستنشاق، وقيل: هو نفس الاستنشاق. وقال الحسَنُ إنْ دَخَلَ حَلْقَهُ الذُّبَابُ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ مطابقته للترجمة من حيث إن حكم دخول الذباب في حلق الصائم كحكم الأكل ناسياً في عدم وجوب القضاء، وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة من طريق وكيع عن الربيع عنه، قال: ((لا يفطر الرجل بدخول حلقه الذباب))، وعن ابن عباس والشعبي: ((إذا دخل الذباب لا يفطر))، وبه قالت الأئمة الأربعة، وأبو ثور، وقال ابن المنذر: ولم يحفظ عن غيرهم خلافه، وفي (المحيط): ولو دخل حلقه الذباب أو الدخان أو الغبار لم يفطره، وكذا لو بقي ٢٤ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٦) بلل في فمه بعد المضمضة وابتلعه مع ريقه لعدم إمكان الاحتراز عنه، بخلاف ما لو دخل المطر أو الثلج حلقه حيث يفطره، وفي (الكتاب) في الأصح، وفي (المبسوط): في الصحيح، وفي (الذخيرة) قيل: يفسد صومه في المطر ولا يفسد في الثلج، وفي بعض المواضع على العكس، وفي (الجامع الأصغر): يفسد فيهما، وهو المختار. ولو خاض الماء فدخل أذنه لا يفطره، بخلاف الدهن، وإن كان بغير صنعه لوجود إصلاح بدنه، ولو صب الماء في أذن نفسه فالصحيح أنه لا يفطره لعدم إصلاح البدن به، لأن الماء يضر بالدماغ، وفي (الخزانة): لو دخل حلقه من دموعه أو عرق جبينه قطرتان ونحوهما لا يضره، والكثير الذي يجد ملوحته في حلقه يفسد صومه لا صلاته، ولو نزل المخاط من أنفه في حلقه على تعمد منه فلا شيء عليه، ولو ابتلع بزاق غيره أفسد صومه ولا كفارة عليه. كذا في (المحيط). وفي (البدائع): لو ابتلع ريق حبيبه أو صديقه، قال الحلواني: عليه الكفارة لأنه لا يعافه بل يلتذ به، وقيل: لا كفارة فيه، ولو جمع ريقه في فيه ثم ابتلعه لم يفطره، ويكره ذكره المرغيناني. وقال الحَسَنُ ومُجَاهِدٌ إِنْ جامَعَ ناسِياً فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ : مطابقته للترجمة من حيث إن حكم الجماع ناسياً كحكم الأكل والشرب ناسياً في عدم وجوب شيء عليه، وتعليق الحسن وصله عبد الرزاق عن الثوري عن رجل عن الحسن، قال: هو بمنزلة من أكل أو شرب ناسياً. وتعليق مجاهد وصله عبد الرزاق أيضاً عن ابن جريج عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال: لو وطىء رجل امرأته وهو صائم ناسياً في رمضان لم يكن عليه فيه شيء، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد وإسحاق وابن المنذر، وهو قول علي وأبي هريرة وابن عمر وعطاء وطاوس ومجاهد وعبيد الله بن الحسن والنخعي والحسن بن صالح وأبي ثور وابن أبي ذئب والأوزاعي والثوري، وكذلك في الأكل والشرب ناسياً. وقال ابن علية وربيعة والليث ومالك: يفطر وعليه القضاء، زاد أحمد: والكفارة في الجماع ناسياً، وهو أحد الوجهين للشافعية. ٤٠ / ١٩٣٣ - حدَّثنا عَبْدَانُ قال أخبرنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْع قال حدَّثنا هِشامٌ قال حدثنا ابنُ سيرِين عِنْ أَبِي هُرَيْرةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَ لِّ قَال إِذَا نَسِيَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ فَلْيِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّا أَطْعَمَهُ الله وسَقَاهُ. [الحديث ١٩٣٣ - طرفه في: ٦٦٦٩]. مطابقته للترجمة ظاهرة. ورجاله قد مروا غير مرة، وعبدان لقب عبد الله بن عثمان المروزي، وهشام هو الدستوائي یروي علی محمد بن سیرین. والحديث أخرجه مسلم من رواية إسماعيل بن علية عن هشام عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ولفظه: ((من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه). وأخرجه أبو داود، وقال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد عن أيوب ٢٥ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٦) وحبيب وهشام عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي عَِّ فقال: يا رسول الله! إني أكلت وشربت ناسياً وأنا صائم، قال: الله أطعمك وسقاك)). وأخرجه الترمذي، وقال: حدثنا أبو سعيد حدثنا أبو خالد الأحمر عن حجاج عن قتادة عن ابن سيرين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَّ له: ((من أكل أو شرب ناسياً فلا يفطر، فإنما هو رزق رزقه الله)). وأخرجه النسائي من رواية عيسى بن يونس عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة: ((إذا أكل الصائم أو شرب ناسياً فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه)). وكذلك رواه ابن حبان في (صحيحه) ورواه ابن ماجه من رواية عوف عن خلاس ومحمد بن سيرين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، عَّل: ((من أفطر ناسياً وهو صائم فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه)). وروى ابن حبان أيضاً من رواية محمد بن عبد الله الأنصاري عن محمد عن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي عَّ له، قال: ((من أفطر في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة)»، وفي رواية الدارقطني، من طريق ابن علية عن هشام: ((فإنما هو رزق ساقه الله إليه)). وقال الترمذي، بعد أن أخرج حديث أبي هريرة، وفي الباب عن أبي سعيد وأم إسحاق. فحديث أبي سعيد رواه الدارقطني من رواية الفزاري عن عطية عن أبي سعيد، قال: قال النبي عَ له: ((من أفطر في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه، إن الله أطعمه وسقاه)). قال الدارقطني: الفزاري هذا هو محمد بن عبيد الله العزرمي قلت: هو ضعيف. وحديث أم إسحاق رواه أحمد حدثنا عبد الصمد حدثنا بشار بن عبد الملك قال: ((حدثتني أم حكيم بنت دينار عن مولاتها أم إسحاق أنها كانت عند رسول الله، عَّ له، فأتى بقصعة من تريد فأكلت معه، ومعه ذو اليدين، فناولها رسول الله، عَّه، عرقاً فقال ذو اليدين: يا أم إسحاق: أصيبي من هذا، فذكرت أني كنت صائمة، فبردت يدي لا أقدمها ولا أؤخرها، فقال النبي، عَّ ◌ُله: مالك؟ قالت: كنت صائمة فنسيت، فقال ذو اليدين: الآن بعدما شبعت؟ فقال النبي، عَّ له: أتمي صومك، فإنما هو رزق ساقه الله إليك)). وبشار بن عبد الملك المزني ضعفه يحيى بن معين، وأم حكيم اسمها: خولة. قوله: ((إذا نسي) أي: الصائم. قوله: ((فأكل وشرب))، ويروى: ((أو شرب)). قوله: ((فليتم صومه))، وفي رواية الترمذي: ((فلا يفطر))، قال شيخنا: يجوز أن يكون: لا، في جواب الشرط للنهي، ويفطر، مجزوماً، ويجوز أن تكون: لا، نافية، و: يفطر، مرفوعاً، وهو أولى فإنه لم يرد به النهي عن الإفطار، وإنما المراد أنه لم يحصل إفطار الناسي بالأكل، ويكون تقديره: من أكل أو شرب ناسياً لم يفطر. ((فإنما)) تعليل لكون الناسي لا يفطر، ووجه ذلك أن الرزق لما كان من الله ليس فيه للعبد تحيل، فلا ينسب إليه شبه الأكل ناسياً به، لأنه لا صنع للعبد فيه، وإلاَّ فالأكل متعمداً حيث جاز له الفطر رزق من الله تعالى بإجماع العلماء، وكذلك هو رزق، وإن لم يجز له الفطر على مذهب أهل السنة، وقد يستدل بمفهوم هذا الحديث من يقول: بأن الحرام لا يسمى رزقاً، وهو مذهب المعتزلة، والمسألة مقررة في الأصول. فإن قلت: كيف وجه الاستدلال بهذا الحديث على أن الأكل والشرب ناسياً لا يوجب شيئاً ولا ٢٦ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٧) ينقض صومه؟ قلت: قوله: ((فليتم))، أمر بالإتمام، وسمي الذي يتمه: صوماً، والحمل على الحقيقة الشرعية هو الوجه. ثم لا فرق عندنا وعند الشافعي بين القليل والكثير، وقال الرافعي: فيه وجهان كالوجهين في بطلان الصلاة بالكلام الكثير، وحمل بعض الشافعية الحديث على صوم التطوع حكاه ابن التين عن ابن شعبان، وكذا قال ابن القصار، لأنه لم يقع في الحديث تعيين رمضان، فيحمل على التطوع. وقال المهلب وغيره: لِمَ لَمْ يذكر في الحديث إثبات القضاء فيحمل على سقوط الكفارة عنه وإثبات عذره ورفع الإثم عنه وبقاء نيته التي بيتها؟ والجواب عن ذلك كله بما رواه ابن حبان من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة المذكور آنفاً، فإن فيه تعيين رمضان ونفي القضاء والكفارة. فإن قلت: قال الدارقطني: تفرد ابن محمد بن مرزوق عن محمد بن عبد الله الأنصاري قلت: أخرجه ابن خزيمة أيضاً عن إبراهيم بن محمد الباهلي. وأخرجه الحاكم من طريق أبي حازم الرازي، كلاهما عن الأنصاري. ٢٧ - بابّ السوَاكُ الرَّطْبُ والْيابِسُ لِلصَّائِمِ أي: هذا باب في بيان حكم استعمال السواك الرطب، وبيان حكم استعمال السواك اليابس. قوله: ((الرطب واليابس))، صفتان للسواك، وهكذا هو في رواية الكشميهني، وفي رواية الأكثرين وقع: باب سواك الرطب واليابس، من قبيل قولهم: مسجد الجامع، والأصل فيه أن الصفة لا يضاف إليها موصوفها، فإن وجد ذلك يقدر موصوف كما في هذه الصورة، والتقدير: مسجد المكان الجامع، وكذلك قولهم: صلاة الأولى أي: صلاة الساعة الأولى، وكذلك التقدير في: سواك الرطب، سواك الشجر الرطب. قلت: مذهب الكوفيين في هذا أن الصفة يذهب بها مذهب الجنس، ثم يضاف الموصوف إليها كما يضاف بعض الجنس إليه، نحو: خاتم حديد، فعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير محذوف، وقال بعضهم: وأشار بهذه الترجمة إلى الرد على من كره للصائم الاستياك بالسواك الرطب كالمالكية والشعبي؟ قلت: لم يكن مراده أصلاً من وضع هذه الترجمة ما قاله هذا القائل، وإنما لما أورد في هذا الباب الأحاديث التي ذكرها فيه التي دلت بعمومها على جواز الاستياك للصائم مطلقاً، سواء كان سواكاً رطباً أو سواكاً يابساً ترجم لذلك بقوله: باب السواك الرطب ... إلى آخره. ويُذْكَرُ عنْ عَامِرِ بنِ رَبِيعَةَ قال رَأيْتُ النبيَّ عَلِّ يَسْتَاكُ وهُوَ صَائِمٌ ما لاَ أُخْصِي أوْ أَعُدُّ مطابقته للترجمة من حديث دلالة عموم قوله: ((يستاك)) على جواز الاستياك مطلقاً، سواء كان الاستياك بالسواك الرطب أو اليابس، وسواء كان صائماً فرضاً أو تطوعاً، وسواء كان في أول النهار أو في آخره. وقد ذكر البخاري في: باب اغتسال الصائم، ويذكر عن النبي عَّ أنه استاك وهو صائم، وذكر هنا: ويذكر عن عامر بن ربيعة ... إلى آخره، وذكرنا هناك أن حديث عامر بن ربيعة هذا أخرجه أبو داود والترمذي موصولاً، وإنما ذكر في الموضعين بصيغة التمريض، لأن في سنده: عاصم بن عبيد الله، قال البخاري: منكر ٢٧ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٧) الحديث، وقد استوفينا الكلام فيه هناك، فليرجع إليه من يريد الوقوف عليه. وقال أبُو هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ عَلَّهِ لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لِأَمَرْتُهُمْ بالسّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ مطابقته للترجمة من حيث إن قوله: ((بالسواك)) أعم من السواك الرطب والسواك اليابس، ومضمون الحديث يقتضي إباحته في كل وقت، وفي كل حال، ووصل هذا التعليق النسائي عن سويد بن نصر: أخبرنا عبد الله عن عبيد الله عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، وفي (الموطأ): عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أنه قال: ((لولا أن يشق على أمته لأمرهم بالسواك مع كل وضوء))، قال أبو عمر: هذا يدخل في المسند عندهم لاتصاله من غير ما وجه، وبهذا اللفظ رواه أكثر الرواة عن مالك، ورواه بشر بن عمر وروح بن عبادة عن مالك عن ابن شهاب عن حميد عن أبي هريرة: أن رسول الله عَ لَّم قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء)، وأخرجه ابن خزيمة في (صحيحه) من حديث روح، ورواه الدارقطني في (غرائب مالك) من حديث إسماعيل بن أبي أويس، وعبد الرحمن بن مهدي ومطرف بن عبد الرحمن وابن عتمة بما يقتضي أن لفظهم: ((مع كل وضوء)، ورواه الحاكم في (مستدركه) مصححاً بلفظ: ((لفرضت عليهم السواك مع كل وضوء)، ورواه المثنى عنه: ((مع كل طهارة))، ورواه أبو معشر عنه: ((لولا أن أشق على الناس لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء، ومع الوضوء بسواك)). والله أعلم !!! صَلى الله ويُزْوَى نَحْوُهُ عنْ جابِرٍ وزَيْدِ بنِ خالِدِ عنِ النبيِّ أي: يروى نحو حديث أبي هريرة عن جابر بن عبد الله الأنصاري، وعن زيد بن خالد الجهني أبو عبد الرحمن من مشاهير الصحابة، وهذان التعليقان رواهما أبو نعيم الحافظ. فالأول من حديث إسحاق بن محمد الفروي عن عبد الرحمن بن أبي الموالي عن عبد الله ابن عقيل عنه بلفظ: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة»، والثاني من حديث ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي سلمة عن زيد، ولفظه: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)) وإنما ذكره بصيغة التمريض لأجل محمد بن إسحاق فإنه لم يحتج به، ولكن ذكره في (المتابعات). وأما الأول فضعفه ظاهر بابن عقيل الفروي، فإنه مختلف فيه، وروى ابن عدي حديث جابر من وجه آخر بلفظ: ((لجعلت السواك عليهم عزيمة))، وإسناده ضعيف. فإن قلت: هل فرق بين قوله: ((نحوه))، وبين قوله: ((مثله؟)) قلت: إذا كان الحديثان على لفظ واحد يقال: مثله، وإذا كان الثاني على مثل معاني الأول يقال: نحوه. واختلف أهل الحديث فيما إذا روى الراوي حديثاً بسنده ثم ذكر سنداً آخر ولم يسق لفظ متنه، وإنما قال بعده: مثله، أو: نحوه، فهل يسوغ الراوي عنه أن يروي لفظ الحديث المذكور أولاً لإسناد الثاني أم لا؟ على ثلاثة مذاهب. أظهرها: أنه لا يجوز مطلقاً. وهو قول ٢٨ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٧) شعبة ورجحه ابن الصلاح وابن دقيق العيد. والثاني: أنه إن عرف الراوي بالتحفظ والتمييز للألفاظ جاز، وإلاّ فلا، وهو قول الثوري وابن معين. والثالث: وهو اختيار الحاكم: التفرقة بين قوله: مثله، وبين قوله: نحوه، فإن قال: مثله، جاز بالشرط المذكور، وإن قال: نحوه، لم يجز، وهو قول يحيى بن معين. وقال الخطيب: هذا الذي قاله ابن معين بناء على منع الرواية بالمعنى، فأما على جوازها فلا فرق .. ولَمْ يَخُصَّ الصَّائِمَ مِنْ غَيْرِهِ هذا من كلام البخاري أي: لم يخص النبي عَّ ◌ُلّه فيما رواه عنه من الصحابة أبو هريرة وجابر وزيد بن خالد المذكور الآن الصائم من غير الصائم، ولا السواك اليابس من غيره، فيدخل في عموم الإباحة كل جنس من السواك رطباً أو يابساً، ولو افترق الحكم فيه بين الرطب واليابس في ذلك لبينه، لأن الله عز وجل فرض عليه البيان لأمته. وقالَتْ عَائِشَةُ عِنِ النبيِ عََّلِ السّوَاكُ مَظْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ وقع هذا في بعض النسخ مقدماً فوق حديث أبي هريرة وليس هذا وحده، بل وقع في غير رواية أبي ذر في سياق الآثار، والأحاديث في هذا الباب تقديم وتأخير، وليس يبنى عليه عظيم أمر، وأما التعليق عن عائشة فوصله أحمد والنسائي وابن خزيمة وابن حبان من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن أبيه عنها. قوله: ((مطهرة))، بفتح الميم: إما مصدر ميمي بمعنى اسم الفاعل من التطهير، وإما بمعنى الآلة. وفي (الصحاح): المَطهرة والمطهرة يعني: بفتح الميم وكسرهما، الإداوة، والفتح أعلى، والجمع: المظاهر، ويقال: السواك مطهرة للفم. قوله: ((مرضاة للرب))، المرضاة بالفتح مصدر ميمي بمعنى الرضى، ويجوز أن يكون بمعنى المفعول أي: يحمل السواك الرجل على الطهارة ورضى الرب، وعطف مرضاة يحتمل الترتيب بأن تكون الطهارة به علة للرضى، وأن يكونا مستقلين في العلية، قلت: يؤخذ الجواب من هذا السؤال من يسأل: كيف يكون السواك سبباً لرضى الله تعالى؟ ويمكن أن يقال أيضاً: من حيث إن الإتيان بالمندوب موجب للثواب، ومن جهة أنه مقدمة للصلاة، وهي مناجاة الرب، ولا شك أن طيب الرائحة يقتضي رضى صاحب المناجاة. وقال عَطَاءٌ وقَتَادَةُ يَبْتَلعُ رِيقَهُ أي: قال عطاء بن أبي رباح وقتادة بن دعامة: يبتلع الصائم ريقه: يعني ليس عليه شيء إذا بلع ريقه، وقد ذكرنا عن قريب عن أصحابنا أن الصائم إذا جمع ريقه في فمه ثم ابتلعه لم يفطر، ولكنه يكره. قوله: ((يبتلع))، من باب الافتعال، كذا هو في رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي: يبلغ من البلع، وفي رواية الحموي: يتبلع من باب التفعل الذي يدل على التكلف، وتعليق عطاء وصله سعيد بن منصور عن ابن المبارك ((عن ابن جريج قلت لعطاء: الصائم يمضمض ثم يزدرد ريقه وهو صائم؟ قال: لا يضره، وما بقي في فيه))؟ وكذلك أخرجه ٢٩ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٨) عبد الرزاق عن ابن جريج، ووقع في أصل البخاري: وما بقي فيه؟ وقال ابن بطال: ظاهره إباحة الازدراد لما بقي في الفم من ماء المضمضة، وليس كذلك، لأن عبد الرزاق رواه بلفظ: ((وماذا بقي في فيه؟)) فكأن: ذا، سقطت من رواية البخاري، وأثر قتادة وصله عبد ابن حميد في التفسير عن عبد الرزاق عن معمر عنه نحو ما روى عن عطاء. ٤١/ ١٩٣٤ - حدَّثنا عَبْدَانُ قال أخبرنا عَبْدُ اللهِ قال أخبرنا مَعْمَرٌ قال حدَّثني الزُّهْرِيُّ عنْ عَطاءِ بنِ يَزِيدَ عنْ حُمْرَانَ قال رأيْتُ عُثْمانَ رضي الله تعالى عنهُ تَوَضَّأ فأفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثلاثاً ثمَّ تَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثاً ثُمَّ غسلَ يَدَهُ اليُمْنَى إلَى المِرْفَقِ ثَلاثاً ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى إلى المِرْفَقِ ثَلاثاً ثُمَّ مسَحَ بَرَأْسِهِ ثُمَّ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ثَلاثَاً ثُمَّ الْيُسْرَى ثُمَّ قَالَ رأيْتُ رسولَ الله عَّهِ تَوَضَّأ نَحْوَ وَضُوئِي هِذَا ثُمَّ قال مِنْ تَوَضَّأْ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لاَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا بِشَيْءٍ إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. [انظر الحديث ١٥٩ وأطرافه]. قد مر هذا الحديث في كتاب الوضوء في: باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، فإنه أخرجه هناك: عن عبد العزيز بن عبد الله عن إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب ... إلى آخره، وأخرجه هنا: عن عبدان وهو عبد الله بن عثمان المروزي عن عبد الله بن المبارك المروزي عن معمر بن راشد الأزدي عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ... إلى آخره، ومناسبة ذكره هذا الحديث في هذا الباب قوله: (توضأ))، فإن معناه توضأ وضوءاً كاملاً جامعاً للسنن، ومن جملته السواك، وقال ابن بطال: حديث عثمان حجة واضحة في إباحة كل جنس من السواك رطباً كان أو يابساً، وهو انتزاع ابن سيرين منه حين قال: لا بأس بالسواك الرطب، فقيل: له طعم؟ والماء له طعم، وهذا لا انفكاك منه، لأن الماء أرق من ريق السواك، وقد أباح الله تعالى المضمضة بالماء في الوضوء للصائم. قوله: ((بشيء))، أي: بما لا يتعلق بالصلاة. قوله: ((إلاّ غفر له))، ويروى بدون كلمة الاستثناء، ووجه الاستثناء هو الاستفهام الإنكاري المفيد للنفي، ويحتمل أن يقال: المراد لا يحدث نفسه بشيء من الأشياء في شأن الركعتين إلاَّ بأنه غفر له، وبقية الكلام مرت هناك. ٢٨ _ بابُ قَوْلِ النبيِّ عَّ إذَا تَوَضَّأُ فَلْيَسْتَنْشِقْ بِنْخرِهِ المَاءَ أي: هذا باب فيما جاء من قول النبي عَّله: إذا توضأ ... إلى آخره، وهذه القطعة من حديث لم يوصلها البخاري وأوصلها مسلم، وقال: حدثنا محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق عن همام، قال: حدثنا معمر عن قتادة عن همام بن منبه، قال: حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله عَّه، فذكر أحاديث منها، وقال رسول الله عَ ليه: ((إذا توضأ أحدكم فليستنشق بنخريه من الماء ثم ليستنثر))، وفي لفظ له من رواية الأعرج عن أبي هريرة: (يبلغ به النبي عَّه، قال: إذا استجمر أحدكم فليستجمر وتراً، وإذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم ليستنثر). قوله: ((إذا توضأ)) أي: أحدكم، كما في رواية مسلم. قوله: ((بمنخره))، ٣٠ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٨) المنخر ثقب الأنف، وقد تكسر الميم اتباعاً للخاء. ولَمْ يُمِّزْ بَيْنَ الصَّائِمِ وغَيْرِهِ هذا من كلام البخاري، أي: لم يميز النبي، عَّه، في الحديث المذكور بين الصائم وغيره، بل ذكره على العموم، ولو كان بينهما فرق لميزه النبي عَّه، لكن جاء تمييز الصائم من غيره في المبالغة في ذلك كما ورد في حديث عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه: أن النبي عَّ قال له: ((بالغ في الاستنشاق إلاَّ أن تكون صائماً))، رواه أصحاب (السنن) وصححه ابن خزيمة وغيره. وقال الحَسَنُ لاَ بأسَ بِالسَّعُوطِ لِلصَّائِمِ إِنْ لَمْ يصِلْ إِلَى حَلْقِهِ ويَكْتَحِلُ هذا التعليق رواه ابن أبي شيبة عن هشام عنه نحوه، والسعوط - بفتح السين - وقد يروى بضمها، هو الدواء الذي يصب في الأنف. قوله: ((إن لم يصل)) أي: السعوط إلى حلقه، وقيد به لأنه إذا وصل إلى حلقه يضر صومه ويقضي يوماً. قوله: ((ويكتحل)) من كلام الحسن، أي: يكتحل الصائم، يعني: يجوز للصائم الاكتحال، وقد مر الكلام فيه عن قريب مستقصیّ. وقال عَطَاءٌ إِنْ تَضْمَضٌَ ثُمَّ أَفْرَغَ ما فِيهِ مِنَ المَاءِ لاَ يَضِيرُهُ إِنْ لَمْ يَزْدَرِدْ رِيقَهُ وماذَا بقيَ فِي فِيهِ هذا التعليق وصله سعيد بن منصور عن ابن المبارك عن ابن جريج عنه، وقد مضى الكلام فيه عن قريب عند قوله: وقال عطاء وقتادة: يبتلع ريقه. قوله: ((لا يضيره))، من ضاره يضيره ضيراً، بمعنى: ضره، وهو رواية المستملي، وفي رواية غيره: لا يضره من ضره بالتشديد. قوله: ((إن لم يزدرد)) أي: لم يبلع ريقه. قوله: ((وماذا بقي في فيه؟)) أي: في فمه، وهذه الجملة وقعت حالاً، وقد ذكرنا أن في رواية البخاري: ((وما بقي في فيه))، فكلمة: ما، على رواية البخاري موصولة، وعلى رواية: ((ماذا بقي في فيه)) استفهامية، كأنه قال: وأي شيء يبقى في فيه بعد أن يمج الماء إلاَّ أثر الماء؟ فإذا بلع ريقه لا يضره، وفي نسخة صاحب (التلويح): بخطه: لا يضيره، لأنه لم يزدرد ريقه أي: يبلع ريقه. ولاَ يَمْضَغُ العِلْكَ فَانِ ازْدَرَدَ رِيقَ العِلْكِ لاَ أَقُولُ إِنَّهُ يُفْطِرُ ولُكِنْ يُنْهَى عَنْهُ فإنْ اسْتَنْثَرَ فدَخَلَ المَاءُ حَلْقَهُ لاَ بأسَ لأنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ لا يمضغ العلك بكلمة: لا، رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي: ويمضغ العلك، بدون كلمة لا والأول أولى، وكذلك أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج، قلت لعطاء: يمضغ الصائم العلك؟ قال: لا. قلت: إنه يمج ريق العلك ولا يزدرده ولا يمصه؟ قال: نعم. وقلت له: أيتسوك الصائم؟ قال: نعم. قلت: أيزدرد ريقه؟ قال: لا. قلت: ففعل أيضره؟ قال: لا، ولكن ينهى عن ذلك، والعلك بكسر العين المهملة وسكون اللام، هو الذي يمضغ مثل المصطكى. ٣١ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٩) وقال الشافعي: يكره لأنه يجفف الفم ويعطش، وإن وصل منه شيء إلى الجوف بطل الصوم، وكرهه أيضاً إبراهيم والشعبي، وفي رواية جابر عنه: لا بأس به للصائم ما لم يبلع ريقه، وروى ابن أبي شيبة عن أبي خالد عن ابن جريج عن عطاء إنه سئل عن مضغ العلك، فكرهه، وقال: هو مؤداه، وقال ابن المنذر: رخص مضغ العلك أكثر العلماء إن كان لا يتحلب منه شيء، فإن تحلب فازدرده فالجمهور على أنه يفطر. قوله: ((فان استنثر؟)) أصله من: نثر ينثر بالكسر، إذا امتخط، واستنثر استفعل منه، أي: استنشق الماء ثم استخرج ما في أنفه فينثره، وقيل: الاستئثار تحريك النثرة وهي طرف الأنف. قوله: ((لم يملك)) أي: لم يملك منع دخول الماء في حلقه. ٢٩ - بابّ إذَا جامَعَ فِي رَمَضَانَ أي: هذا باب يذكر فيه إذا جامع الصائم في نهار رمضان عامداً وجبت عليه الكفارة، وجواب إذا محذوف كما قدرناه. ويُذْكَرُ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ مِنْ أَفْطَرَ يَوْماً مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلاَ مَرَضٍ لَمْ يَقْضِهِ صِيامُ الدهْرِ وإِنْ صامَهُ أشار بقوله: يذكر، على صيغة المجهول التي هي صيغة التمريض إلى أن حديث أبي هريرة هذا ليس على شرطه، ونبينه الآن. قوله: ((رفعه)) أي: رفع أبو هريرة حديث: من أفطر يوماً، ومراده أنه ليس بموقوف عليه، بل هو مرفوع إلى رسول الله، عَّ له. فإن قلت: كيف يرجع الضمير المنصوب في رفعه إلى شيء متأخر عنه؟ قلت: رفعه، جملة حالية متأخرة رتبة عن مفعول ما لم يسم فاعله لقوله: يذكر، وهو قوله: من أفطر. قال الكرماني: وفي بعض الرواية: رفعه، بلفظ الإسم مرفوعاً بأنه مفعول: يذكر، وحينئذ يكون الحديث يعني قوله: ((من أفطر يوماً) بدلاً عن الضمير، يعني: الضمير الذي أضيف إليه لفظ الرفع كما في قوله: ((ما متعت به سمعي وبصري إلاَّ بدعاء رسول الله، عَّلَّةٍ)) فإن السمع بدل عن الضمير جوز النحاة مثله. قوله: ((وإن صامه)) أي: وإن صام الدهر، وهو معطوف على مقدر تقديره: إن لم یصمه وإن صامه. ثم هذا التعليق رواه أصحاب السنن الأربعة، فقال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا محمد بن كثير، قال: أخبرنا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت عن عمارة بن عمير عن ابن مطوس عن أبيه، قال ابن كثير: عن أبي المطوس عن أبيه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، عَّهِ: ((من أفطر يوماً في رمضان في غير رخصة رخصها الله له لم يقض عنه صيام الدهر)). وقال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان، قال: حدثنا حبيب عن عمارة عن ابن المطوس، قال: فلقيت ابن المطوس فحدثني عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عٍَّ، فذكر مثل حديث ابن كثير، وسليمان، قال أبو داود: اختلف على سفيان وشعبة عنهما ابن المطوس، وأبو المطوس، وقال الترمذي: حدثنا بندار ٣٢ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٩) حدثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، قالا: حدثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت حدثنا أبو المطوس عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَّله: ((من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقض عنه صوم الدهر كله، وإن صامه))، وقال النسائي: أخبرنا عمرو بن منصور، قال: حدثنا أبو نعيم. قال: حدثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي المطوس عن أبي هريرة عن النبي عَ لّه، قال: ((من أفطر يوماً من رمضان من غير مرض ولا رخصة لم يقضه صيام الدهر كله، وإن صامه)). وقال: أخبرنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا: حدثنا سفيان ثم ذكر كلمة معناها عن حبيب، قال: حدثنا أبو المطوس عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول اللهِ عَُّله: ((من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقض عنه صيام الدهر وإن صامه))، ثم رواه النسائي من طرق كثيرة. وقال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا: حدثنا وكيع عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن المطوس عن أبيه المطوس عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ ليه: ((من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة لم يجزه صيام الدهر)). ذكر بيان حال هذا الحديث: قال أبو داود: اختلف على سفيان وشعبة بن المطوس وأبو المطوس، قال الترمذي: حديث أبي هريرة لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال شيخنا: يريد الحديث المرفوع، ومع هذا فقد روي مرفوعاً من غير طريق أبي المطوس، رواه الدارقطني. قال: حدثنا الحسن بن أحمد بن سعيد الرهاوي حدثنا العباس بن عبيد الله حدثنا عمار بن مطر حدثنا قيس عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مالك عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، عَّ ل: ((من أفطر يوماً من رمضان من غير مرض ولا رخصة لم يقض عنه صيام وإن صام الدهر كله)). قلت: عمار بن مطر هالك، قال أبو حاتم: كان يكذب، وقال ابن عدي: أحاديثه بواطيل. وقال الدارقطني: ضعيف، وقد روي موقوفاً على أبي هريرة من غير طريق أبي المطوس، ورواه النسائي عن زكريا بن يحيى عن عمرو بن محمد بن الحسن عن أبيه عن شريك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، قال: ((من أفطر يوماً من رمضان لم يقضه يوم من أيام الدنيا))، ورواه أيضاً عن هلال بن العلاء عن أبيه عن عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن حبيب بن أبي ثابت عن علي بن حسين. ((عن أبي هريرة: أن رجلاً أفطر في رمضان، فأتى أبا هريرة فقال: لا يقبل منك صوم سنة)). وقال الترمذي: سألت محمداً - يعني: البخاري - عن هذا الحديث فقال: أبو المطوس اسمه: يزيد ابن المطوس، لا أعرف له غير هذا الحديث. وقال البخاري في (التاريخ): تفرد أبو المطوس بهذا الحديث ولا أدري سمع أبوه من أبي هريرة أم لا؟ قلت: أبو المطوس، بضم الميم وفتح الطاء المهملة وتشديد الواو المفتوحة وآخره سين مهملة: من أفراد الكنى، وكذلك أبوه المطوس من أفراد الأسماء. وقد اختلف في اسم أبي المطوس، فقال البخاري وأبو حاتم الرازي وابن حبان: اسمه يزيد. وقال يحيى بن معين: اسمه عبد الله، وأبو داود قال: لا يسمى، وقد اختلف فيه، فقال ٣٣ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٩) ابن معين: ثقة وقال ابن حبان: يروي عن أبيه ما لا يتابع عليه، لا يجوز الاحتجاج بأفراده وقال صاحب (الميزان): ضعيف، قال: ولا يعرف هو ولا أبوه. قلت: ومع هذا صحح ابن خزيمة هذا الحديث ورواه من طريق سفيان الثوري وشعبة، كلاهما عن حبيب ابن أبي ثابت عن عمارة بن عمير عن أبي المطوس عن أبيه عن أبي هريرة .. الحديث، وقال مهنا: سألت أحمد عن هذا الحديث، فقال: يقولون: عن ابن المطوس وعن أبي المطوس، وبعضهم يقول: عن حبيب عن عمارة بن عمير عن أبي المطوس، قال: لا أعرف المطوس ولا ابن المطوس. قلت: أتعرف الحديث من غير هذا الوجه؟ قال: لا، وكذا قاله أبو علي الطوسي، وقال ابن عبد البر: يحمل أن يكون لو صح على التغليظ، وهو حديث ضعيف لا يحتج به. ذكر ما روي عن غير أبي هريرة في هذا الباب: فروي عن ابن عمر قال: قال رسول الله عَّله: ((من أفطر يوماً من رمضان متعمداً في غير سبيل خرج من الحسنات كيوم ولدته أمه)). وأخرجه ابن عدي في (الكامل) وفي سنده محمد بن الحارث، قال ابن معين: ليس هو بشيء، وقال مرة: ليس بثقة، وعن الفلاس: إنه متروك الحديث، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، قال ابن معين: ليس بشيء. وروي عن مصاد بن عقبة عن مقاتل بن حبان عن عمرو بن مرة عن عبد الوارث الأنصاري، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: قال رسول الله عَّل: ((من أفطر يوماً من شهر رمضان من غير رخصة ولا عذر كان عليه أن يصوم ثلاثين يوماً، ومن أفطر يومين كان عليه أن يصوم ستين يوماً، ومن أفطر ثلاثة أيام كان عليه تسعين يوماً)). أخرجه الدارقطني، وقال: لا يثبت هذا الإسناد، ولا يصح عن عمرو ابن مرة، وأعله ابن القطان بعبد الوارث. وعن ابن معين إنه مجهول. وروي عن جابر، رضي الله تعالى عنه، أخرجه الدارقطني من رواية الحارث بن عبيدة الكلاعي عن مقاتل بن سليمان عن عطاء ابن أبي رباح عن جابر بن عبد الله عن النبي عَّه، قال: ((من أفطر يوماً من شهر رمضان في الحضر فليهد بدنة، فإن لم يجد فليطعم ثلاثين صاعاً)). قال الدارقطني: الحارث ابن عبيدة ومقاتل ضعيفان. قوله: ((من غير عذر ولا مرض)) من ذكر الخاص بعد العام، لأن المرض داخل في العذر، وفي رواية الترمذي: ((من غير رخصة ولا مرض))، وهو أيضاً من هذا القبيل، لأن المرض داخل في الرخصة، ثم إنه أطلق الإفطار، فلا يخلو إما أن يكون بجماع أو غيره ناسياً أو عامداً، ولكن المراد منه الإفطار في الأكل أو الشرب عامداً، وأما ناسياً فقد ذكره فيما مضى، وأما بالجماع فسيأتي بيان ذلك، إن شاء الله تعالى. وبِهِ قال ابنُ مَسْعُودٍ رضي الله تعالى عنه أي: وبما روي عن أبي هريرة قال ابن مسعود موقوفاً عليه، وقد وصله البيهقي راوياً من طريقين: أحدهما: من رواية المغيرة بن عبد الله اليشكري، قال: حدثت أن عبد الله بن مسعود قال: ((من أفطر يوماً من رمضان من غير علة لم يجزه صيام الدهر حتى يلقى الله عز عمدة القاري/ ج١١ م٣ ٣٤ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٩) وجل، فإن شاء غفر له، وإن شاء عذبه))، والمغيرة هذا من ثقات التابعين، أخرج له مسلم وذكره ابن حبان في الثقات، ولكنه منقطع فإنه قال: حدثت عنه. والطريق الثاني: من رواية أبي أسامة عن عبد الملك، قال: حدثنا أبو المغيرة الثقفي عن عرفجة، قال: قال عبد الله بن مسعود: ((من أفطر يوماً من رمضان متعمداً من غير علة، ثم قضى طول الدهر لم يقبل منه)). قال البيهقي: عبد الملك هذا أظنه ابن حسين النخعي، ليس بالقوي. فإن قلت: كيف قال: وبه قال ابن مسعود وأبو هريرة رفعه، وابن مسعود وقفه، فكيف يكون ابن مسعود قائلاً بما قال أبو هريرة؟ قلت: لم يثبت رفعه عند البخاري، فلذلك ذكره بصيغة التمريض، وروي عن أبي هريرة بطرق موقوفاً، وقيل: فيه ثلاث علل الإضطراب لأنه اختلف على حبيب بن أبي ثابت اختلافاً كثيراً. والجهالة بحال أبي المطوس والشك في سماع أبيه من أبي هريرة، وهذه الثالثة تختص بطريقة البخاري في اشتراط اللقاء. وقال سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ والشَّعْبِيُّ وابنُ مُجُبَيْرٍ وإِنْرَاهِيمُ وقَتَادَةُ وحَمَّادٌ يَقْضِي يوماً مَكَانَهُ أي: قال هؤلاء فيمن أفطر في نهار رمضان عامداً إن عليه القضاء فقط بغير كفارة، وقال ابن بطال: نظرت أقوال التابعين الذين ذكرهم البخاري في هذا الباب في المصنفات فلم أر قولهم بسقوط الكفارة إلاَّ في الفطر بالأكل لا المجامعة، فيحتمل أن يكون عندهم الأكل والجماع سواء في سقوط الكفارة، إذ كل ما أفسد الصيام من أكل أو شرب أو جماع فاسم الفطر يقع عليه، وفاعله مفطر بذلك من صيامه، وقد قال عَ له: ((يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي))، فدخل أعظم الشهوات وهي شهوة الجماع في ذلك. انتهى. قلت: حكي عن الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير والزهري وابن سيرين أنه: لا كفارة على الواطىء في نهار رمضان، واعتبروه بقضائه. قال الزهري: هو خاص بذلك الرجل، يعني في رواية أبي هريرة: ((جاء رجل إلى النبي، عَِّ، فقال: هلكت .. )) الحديث على ما يأتي، وقال الخطابي: لم يحضر عليه برهان. وقال قوم: هو منسوخ ولم يقم دليل نسخه، وعند الجمهور: يجب عليه القضاء والكفارة لحديث أبي هريرة على ما نبينه، إن شاء الله تعالى، والذين ذكرهم البخاري ستة من التابعين، الأول: سعيد بن المسيب، فوصل أثره مسدد وغيره في قصة المجامع قال يقضي يوماً مكانه ويستغفر الله تعالى. الثاني: عامر بن شراحيل الشعبي، فوصل أثره ابن أبي شيبة: حدثنا شريك عن مغيرة عن إبراهيم وعن أبي خالد عن الشعبي قالا: ((يقضي يوماً كاملاً مكانه)). الثالث: سعيد بن جبير، فوصل أثره ابن أبي شيبة أيضاً: حدثنا عبدة عن سعيد عن يعلى بن حكيم ((عن سعيد بن جبير في رجل أفطر يوماً متعمداً، قال: يستغفر الله من ذلك ويتوب ويقضي يوماً مكانه)). الرابع: إبراهيم النخعي، فوصل أثره ابن أبي شيبة، وقد مر الآن مع الشعبي. الخامس: قتادة فوصل أثر عبد الرزاق عن معمر عن الحسن، وقتادة في قصة المجامع في رمضان. السادس: حماد بن أبي سليمان، ٣٥ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٩) أحد من أخذ عنه الإمام أبو حنيفة، رضي الله تعالى عنه، فوصله عبد الرزاق عن أبي حنيفة عنه. ٤٢ / ١٩٣٥ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مُنِيرٍ قال سَمِعَ يَزِيدَ بنَ هَارُونَ قال حدَّثنا يخْبَى هُوَ ابنُ سَعِيدٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ بِنَ الْقَاسِمِ أُخبرَهُ عنْ محَمَّدٍ بنِ جَعْفَرَ بِنِ الزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ بنِ خُوَيْلِدٍ عنْ عَبَّادِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ قال أخبرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها تَقُولُ إِنَّ رَجُلاً أَتَّى النبيَّ عَِّ فقال إنَّهُ اخْتَرَقَ قال مالَكَ قال أصبْتُ أهْلِي فِي رَمَضَانَ فَأُتِّيَ النبيُّ عَّهِ بِمِكْتَلٍ يُدْعَى الْعَرَقَ فقال أيْنَ الْمُحُتَرِقُ قال أنَا قال تَصَدَّقْ بِهَذَا. [الحديث ١٩٣٥ - طرفه في: ٦٨٢٢]. مطابقته للترجمة في قوله: ((أصبت أهلي في رمضان))، أراد أنه جامع في نهار رمضان. ذكر رجاله وهم سبعة: الأول: عبد الله بن منير، بضم الميم وكسر النون: الزاهد أبو عبد الرحمن. الثاني: يزيد - من الزيادة - ابن هارون أبو خالد. الثالث: يحيى بن سعيد الأنصاري. الرابع: عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه. الخامس: محمد بن جعفر. السادس: عباد، بفتح العين وتشديد الباء الموحدة: ابن عبد الله بن الزبير، رضي الله تعالى عنه. السابع: أم المؤمنين عائشة، رضي الله تعالى عنها. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد في موضعين. وفيه: السماع في موضعين. وفيه: أن شيخه مروزي وأنه من أفراده وأن يزيد بن هارون واسطي والبقية مدنيون. وفيه: أربعة من التابعين في نسق واحد. ويحيى وعبد الرحمن تابعيان صغيران من طبقة واحدة وفوقهما قليلاً محمد بن جعفر. وأما ابن عمه عباد فمن أوساط التابعين. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في المحاربين. وأخرجه مسلم في الصوم عن محمد بن رمح وعن محمد بن المثنى وعن أبي الطاهر. وأخرجه أبو داود فيه عن سليمان بن داود وعن محمد بن عوف. وأخرجه النسائي فيه عن الحارث بن مسكين وعن عيسى بن حماد وعن إسحاق بن إبراهيم وعن يحيى بن حبيب. ذكر معناه: قوله: ((إن رجلاً))، زعم ابن بشكوال أن هذا الرجل هو سلمة صخر البياضي فيما ذكره ابن أبي شيبة في (مسنده)، وعند ابن الجارود: سلمان بن صخر، وفي (جامع الترمذي): سلمة بن صخر، قال: حدثنا إسحاق بن منصور حدثنا هارون بن إسماعيل حدثنا علي بن المبارك حدثنا يحيى بن أبي كثير ((حدثنا أبو سلمة: أن سلمة بن صخر البياضي جعل امرأته عليه كظهر أمه حتى يمضي رمضان، فلما مضى نصف رمضان وقع عليها ليلاً، فأتى رسول الله عَّ فذكر له ذلك، فقال: أعتق رقبة! قال: لا أجدها. قال: فصم شهرين متتابعين، قال لا أستطيع. قال: أطعم ستين مسكيناً، قال: لا. فقال رسول الله عَ ليه ٣٦ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٩) لفروة بن عمرو: أعطه ذلك العرق، وهو مكتل يأخذ خمسة عشر أو ستة عشر صاعاً). وقال صاحب (التلويح) فهذا غير ما ذكره ابن بشكوال فينظر، والله أعلم. قلت: لا شك أنه غيره لأن ابن بشكوال استند إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة وغيره من طريق سلمان بن يسار عن سلمة بن صخر أنه ظاهر من امرأته في رمضان، وأنه وطأها، فقال النبي عَّه: حرر رقبة. قلت: لا أملك رقبة غيرها، وضرب صفحة رقبته، قال: فصم شهرين متتابعين، قال: وهل أصبت الذي أصبت إلاَّ من الصيام؟ قال: فأطعم ستين مسكيناً. قال: والذي بعثك بالحق ما لنا طعام! قال: فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك. انتهى. والظاهر أنهما واقعتان، فإن في قصة المجامع في حديث الباب أنه كان صائماً. وفي قصة سلمة بن صخر أن ذلك كان ليلاً، كما في رواية الترمذي المذكورة آنفاً فافترقا، واجتماعهما في كونهما من بني بياضة، وفي صفة الكفارة وكونها مرتبة، وفي كون كل منهما كان لا يقدر على شيء من خصالها لا يستلزم اتحاد القصتين. والله أعلم. قوله: ((إنه احترق))، وفي رواية أبي هريرة أنه عبر بقوله: ((هلكت))، ورواية الاحتراق تفسر رواية الهلاك، وكأنه لما اعتقد أن مرتكب الإثم يعذب بالنار أطلق على نفسه أنه احترق لذلك، أو مراده أنه يحترق بالنار يوم القيامة، فجعل المتوقع كالواقع، واستعمل بدله لفظ الماضي أو شبه ما وقع فيه من الجماع في الصوم بالاحتراق، وفي رواية البيهقي: ((جاءه رجل وهو ينتف شعره، ويدق صدره، ويقول: هلك الأبعد وأهلكت ... )) وفي رواية ((وهو يدعو بالويل))، وفي رواية: ((يلطم وجهه))، وفي رواية الحجاج ابن أرطأة: ((يدعو ويله))، وفي مرسل سعيد بن المسيب عند الدارقطني: ((ويحثي على رأسه التراب)). قوله: ((قال: ما لك؟)) أي: قال رسول الله عَ ليه: ما شأنك وما جرى عليك؟ قوله: ((أصبت أهلي في رمضان)) كناية عن وطئها، وفي رواية الطحاوي: ((وقعت على امرأتي في رمضان)). قوله: ((فأتي النبي عَّ)) بضم الهمزة وكسر التاء على صيغة المجهول. قوله: ((بمكتل))، بكسر الميم: الزنبيل الكبير، قيل: إنه يسع خمسة عشر صاعاً، كان فيه كتلاً من التمر أي: قطعاً مجتمعة، ويجمع على: مكاتل. وقال القاضي: المكتل والقفة والزبيل سواء، وسمي الزبيل لحمل الزبل فيه، قاله ابن دريد، والزبيل، بكسر الزاي ويقال بفتحها، وكلاهما لغتان وفي (المحكم) الزبيل: الحراب، وقيل: الوعاء يحمل فيه، والزبيل القفة، والجمع: زبل وزبلان. وفي (الصحاح): الزبيل معروف فإذا كسرته شددته، فقلت: زبيل، لأنه ليس في كلام العرب: فعليل، بالفتح وجاء فيه لغة أخرى وهي: زنبيل، بكسر الزاي وسكون النون، قال بعضهم: وقد تدغم النون فتشدد الياء مع بقاء وزنه، وجمعه على اللغات الثلاث: زنابيل. قلت: ليس جمعه على اللغتين الأوليين إلاّ ما نقلنا عن (المحكم): وأما: زنابيل، فليس إلاّ جمع المشدد فقط. قوله: ((يدعى العرق))، ذكر أبو عمر أنه بفتح الراء وهو الصواب عند أهل اللغة، قال: وأكثرهم يروونه بسكون الراء، وفي (شرح الموطأ) لابن حبيب: رواه مطرف عن مالك بتحريك الراء، وقال ابن التين في رواية أبي الحسن بسكون الراء، ورواية أبي ذر ٣٧ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٩) بفتحها، وأنكر بعض العلماء إسكان الراء، وفي كتاب (العين): العرق مثال شجر، والعرقات كل مضفور أو مصطف، والعرق أيضاً السقيفة من الخوص قبل أن يجعل منها زنبيلاً، وسمي: الزنبيل: عرقاً لذلك، ويقال: العرقة أيضاً، وعن أبي عمر: والعرق أكبر من المكتل، والمكتل أكبر من القفة، والعرقة زنبيل من قد بلغه كلب ذكره في (الموعب)، وفي (المحكم): العرق واحدته: عرقة، قال أحمد بن عمران: العرق المكتل العظيم. قوله: ((أين المحترق؟)) يدل على أنه كان عامداً، لأنه عَّ أثبت له حكم العمد، وأثبت له هذا الوصف إشارة إلى أنه لو أصر غير ذلك لاستحق ذلك. قوله: ((تصدق بهذا))، مطلق، والمراد تصدق على ستين مسكيناً، هكذا رواه مختصراً، ورواه مسلم، وقال: حدثنا محمد بن رمح بن المهاجر، قال: أخبرنا الليث عن يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن القاسم عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عباد بن عبد الله بن الزبير ((عن عائشة، قالت: جاء رجل إلى النبي عَّ فقال: احترقت! قال رسول الله عَّلهُ: لِمَ؟ قال: وطئت امرأتي في رمضان نهاراً. قال: تصدق. قال: ما عندي شيء، فأمره أن يجلس، فجاء عرقان فيهما طعام، فأمره أن يتصدق بهما)). وفي رواية أخرى: ((أتى رجل إلى رسول الله عَّله في المسجد في رمضان، فقال: يا رسول الله! احترقت احترقت؟ فسأله رسول الله عَ له: ما شأنك؟ فقال: أصبت أهلي! فقال: تصدق، فقال: والله يا نبي الله ما لي شيء، وما أقدر عليه. قال: إجلس، فجلس فبينما هو كذلك أقبل رجل يسوق حماراً عليه طعام، فقال رسول الله عَ ل: أين المحترق آنفاً؟ فقام الرجل، فقال رسول الله عَّ ◌ُله: تصدق بهذا، فقال: يا رسول الله! أغيرنا؟ فوالله إنا لجياع ما لنا شيء. قال: كلوه)). وأخرجه أبو داود أيضاً. ذكر ما يستفاد منه: ومن الحديثين اللذين يأتيان بعده، وغيرها من الأحاديث التي في هذا الباب، وهو على أنواع: النوع الأول: أن قوماً استدلوا بقوله: ((تصدق بهذا)) على أن الذي يجب على من جامع في نهار رمضان عامداً الصدقة لا غير. وقال صاحب (التوضيح): وذكر الطحاوي عن هؤلاء القوم هكذا، ولم يبين من هم. قلت: هم عوف بن مالك الأشجعي، ومالك في رواية وعبد الله بن رهم فإنهم قالوا في هذا: تجب عليه الصدقة ولا تجب عليه الكفارة، واحتجوا في ذلك بظاهر حديث المحترق، وأجيب: بأن حديث أبي هريرة الذي يأتي في الكتاب زاد فيه: العتق والصيام، والأخذ به أولى، لأن أبا هريرة حفظ ذلك ولم تحفظه عائشة، ويقال: إنها لم تجب عليه في الحال لعجزه عن الكل. وأخرت إلى زمن الميسرة. وفي (المبسوط): وما أمره به عَّلّ كان تطوعاً لأنها لم تكن واجبة عليه في الحال لعجزه، ولهذا أجاز صرفها إلى نفسه وعياله، وعن أبي جعفر الطبري: أن قياس قول أبي حنيفة والثوري وأبي ثور: إن الكفارة دين عليه لا تسقط عنه لعسرته، وعليه أن يأتي بها إذا أيسر، كسائر الكفارات، وعند الشافعية: فيه وجهان، وذهب بعضهم إلى أن إباحة النبي عَّ الله لذلك الرجل أكل الكفارة لعسرته رخصة له، ولهذا قال ابن شهاب: ولو أن رجلاً فعل ذلك اليوم لم يكن له بد من التكفير، وقيل: هو منسوخ، وقيل: هو خاص بذلك الرجل، ٣٨ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٩) وقال بعض أصحابنا: خص هذا الرجل بأحكام ثلاثة: بجواز الإطعام مع القدرة على الصيام وصرفه على نفسه، والاكتفاء بخمسة عشر صاعاً. النوع الثاني: لو أنهم اختلفوا في كمية هذه الصدقة، فقال الشافعي ومالك: إن الواجب فيها مد، وهو ربع صاع لكل مسكين، وهو خمسة عشر صاعاً، لما روى أبو داود من رواية هشام بن سعد عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وفيه: ((فأتي بعرق قدر خمسة عشر صاعاً)). وروى الدارقطني من رواية سفيان عن منصور عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة، وفيه: ((فأتي رسول الله عَِّ بمكتل فيه خمسة عشر صاعاً من تمر))، ورواه البيهقي أيضاً ثم قال: وكذلك رواه إبراهيم بن طهمان عن منصور بن المعتمر، قال فيه: ((بمكتل فيه خمسة عشر صاعاً من تمر))، ورواه الدارقطني أيضاً من رواية روح عن محمد بن أبي حفصة عن الزهري عن حميد قال فيه: بزبيل - وهو المكتل - فيه خمسة عشر صاعاً أحسبه تمراً. قال: وكذلك قال هقل بن زياد، والوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن الزهري. وقال الخطابي: وظاهره يدل على أن قدر خمسة عشر صاعاً يكفي للكفارة عن شخص واحد لكل مسكين مد، قال: وقد جعله الشافعي أصلاً لمذهبه في أكثر المواضع التي يجب فيها الإطعام، وعندنا: الواجب لكل مسكين نصف صاع من بر أو صاع من تمر، كما في كفارة الظهار، لما روى الدارقطني عن ابن عباس: ((يطعم كل يوم مسكيناً نصف صاع من بر)) وعن عائشة في هذه القصة: ((أتي بعرق فيه عشرون صاعاً)) ذكره السفاقسي في (شرح البخاري) ويروى: ((ما بين خمسة عشر صاعاً إلى عشرين))، وفي (صحيح مسلم)): فأمره أن يجلس، فجاء عرقان فيهما طعام فأمره أن يتصدق به، فإذا كان العرق خمسة عشر صاعاً، فالعرقان ثلاثون صاعاً على ستين مسكيناً لكل مسكين نصف صاع. وقال بعضهم: ووقع في بعض طرق عائشة عند مسلم: فجاءه عرقان، والمشهور في غيرها: عرق، ورجحه البيهقي، وجمع غيره بينهما بتعدد الواقعة. وقال: الذي يظهر أن التمر كان قدر عرق، لكنه كان في عرقين في حال التحميل على الدابة ليكون أسهل في الحمل، فيحتمل أن الآتي به لما وصل أفرغ أحدهما في الآخر، فمن قال: عرقان، أراد ابتداء الحال، ومن قال: عرق، أراد ما آل إليه. قلت: كون المشهور في غير طرق عائشة عرقاً لا يستلزم رد ما روي في بعض طرق عائشة: أنه عرقان، ومن أين ترجيح رواية غير مسلم على رواية مسلم؟ فهذا مجرد دعوى لتمشية مذهبه. وقول من يدعي تعدد الواقعة غير صحيح، لأن مخرج الحديث واحد، والأصل عدم التعدد. وقول هذا القائل: والذي يظهر ... إلى آخره، ساقط جداً وتأويل فاسد، فمن أين هذا الظهور الذي يذكره بغير أصل ولا دليل من نفس الكلام ولا قرينة من الخارج؟ وإنما هو من آثار أريحية التعصب نصرة لما ذهب إليه، والحق أحق أن يتبع، والله ولي العصمة. النوع الثالث: احتج به الشافعي وداود وأهل الظاهر على أنه: لا يلزم في الجماع على الرجل والمرأة إلاَّ كفارة واحدة، إذ لم يذكر له النبي عَّه حكم المرأة، وهو موضع البيان، وقال أبو حنيفة ومالك وأبو ثور: تجب الكفارة على المرأة أيضاً إن طاوعته، وقال القاضي: ٣٩ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٩) وسوى الأوزاعي بين المكرهة والطائفة على مذهبه، وقال مالك، في المشهور من مذهبه في المكرهة: يكفر عنها بغير الصوم. وقال سحنون: لا شيء عليها، ولا عليه لها، وبهذا قال أبو ثور وابن المنذر، ولم يختلف مذهبنا في قضاء المركهة والنائمة إلاّ ما ذكره ابن القصار عن القاضي إسماعيل عن مالك أنه لا غسل على الموطوءة نائمة ولا مكرهة إلاَّ أن تلتذ، ولا على النائمة لأنها كالمحتلمة، وهو قول أبي ثور في النائمة والمكرهة. واختلف في وجوب الكفارة على المكره على الوطىء لغيره. على هذا، وحكى ابن القصار عن أبي حنيفة: لا يلزم المكره عن نفسه ولا على من أكرهه، وقال صاحب (البدائع): وأما على المرأة فتجب عليها أيضاً الكفارة إذا كانت مطاوعة، وللشافعي قولان: في قول: لا يجب عليها أصلاً، وفي قول: يجب عليها ويتحملها الزوج. وأما الجواب عن قولهم: إن النبي عَّلَّه لم يذكر حكم المرأة وهو موضع البيان، أن المرأة لعلها كانت مكرهة أو ناسية لصومها، أو من يباح لها الفطر ذلك اليوم لعذر المرض أو السفر أو الصغر أو الجنون أو الكفر أو الحيض أو طهارتها من حيضها في أثناء النهار. النوع الرابع: في أن الواجب إطعام ستين مسكيناً خلافاً لما روي عن الحسن أنه رأى أن يطعم أربعين مسكيناً عشرين صاعاً، حكاه ابن التين عنه، وحكوا عن أبي حنيفة أنه قال: يجزيه أن يدفع طعام ستين مسكيناً إلى مسكين واحد. قالوا: والحديث حجة عليه. قلت: الذي حكى مذهب أبي حنيفة لم يعرف مذهبه فيه، وحكى من غير معرفة، ومذهبه أنه إذا دفع إلى مسكين واحد في شهرين يجوز، فلا يكون الحديث حجة عليه، لأن المقصود سد خلة المحتاج، والحاجة تتجدد بتجدد الأيام فكان في اليوم الثاني كمسكين آخر حتى لو أعطى مسكيناً واحداً كله في يوم واحد لا يصح إلاّ عن يومه، ذلك، لأن الواجب عليه التفريق ولم يوجد، ثم الشرط في الإطعام غداآن وعشاآن، أو غداء وعشاء في يوم واحد. النوع الخامس: في أن الترتيب في الكفارة واجب، فتحرير رقبة أولاً فإن لم يوجد فصيام شهرين وإن لم يستطع الصوم فإطعام ستين مسكيناً، بدليل عطف بعض الجمل على البعض بالفاء المرتبة المعقبة كما سيأتي، إن شاء الله تعالى، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وابن حبيب من المالكية، وذهب مالك وأصحابه إلى التخيير لقوله في حديث أبي هريرة: ((صم شهرين أو أطعم))، فخيره: بأو، التي موضوعها التخيير، وعن ابن القاسم: لا يعرف مالك غير الإطعام، وذكر مقلدوه حججاً لذلك كثيرة لا تقاوم ما دل عليه الحديث من وجوب الترتيب واستحبابه، وزعم بعضهم أن الكفارة تختلف باختلاف الأوقات قال ابن التين: وإليه ذهب المتأخرون من أصحابنا، فوقت المجاعة الإطعام أولى، وإن كان خصباً فالعتق أولى، وأمر بعض المفتين أهل الغنى الواسع بالصوم لمشقته عليه، وعن أبي ليلى هو مخير في العتقِ والصيام، فإن لم يقدر عليهما أطعم، وإليه ذهب ابن جرير، قالا: ولا سبيل إلى الإطعام إلّ عند العجز عن العتق أو الصيام. وقال ابن قدامة: المشهور من مذهب أحمد أن كفارة الوطء في رمضان ككفارة الظهار في الترتيب: العتق إن أمكن، فإن عجز انتقل إلى الصيام، فإن ٤٠ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٩) عجز انتقل إلى الإطعام، وهو قول جمهور العلماء. وعن أحمد رواية أخرى: أنها على التخيير بين العتق والصيام والإطعام، وبأيها كفر أجزأه، وهو رواية عن مالك، فإن عجز عن هذه الأشياء سقطت الكفارة عنه في إحدى الروايتين عن أحمد، لأن النبي، عَّهِ، لما رأى عجز الأعرابي عنها قال: ((أطعمه أهلك)) ولم يأمره بكفارة أخرى، وهو قول الأوزاعي، وعن الزهري: لا بد من التكفير، وقد مر الكلام فيه في أول الأنواع. النوع السادس: في أن إطلاق الرقبة في الحديث يدل على جواز المسلمة والكافرة، والذكر والأنثى، والصغير والكبير، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وجعلوا هذا كالظهار مستدلين بما رواه الدارقطني من حديث إسماعيل بن سالم عن مجاهد ((عن أبي هريرة أن النبي عَّ أمر الذي أفطر في رمضان يوماً بكفارة الظهار))، وإطلاق الحديث أيضاً يقتضي جواز الرقبة المعيبة، وهو مذهب داود ومالك وأحمد والشافعي شرطوا الإيمان في إجزاء الرقبة، بدليل تقييدها في كفارة القتل، وهي مسألة حمل المطلق على المقيد، وقال عطاء: إن لم يجد رقبه أهدى بدنة، فإن لم يجد فبقرة، وقال ابن العربي: ونحوه عن الحسن. النوع السابع: في أن التتابع في صوم الشهرين شرط بالنص بشرط أن لا يكون فيهما رمضان، وأيام منهية، وهي: يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق، وهو قول كافة العلماء إلاَّ ابن أبي ليلى، فإنه قال: لا يجب التتابع في الصيام، والحديث حجة عليه. النوع الثامن: اختلف الفقهاء في قضاء ذلك اليوم مع الكفارة، فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابه والثوري وأبو ثور وأحمد وإسحاق: عليه قضاؤه. وقال الأوزاعي: إن كفر بالعتق والإطعام صام يوماً مكان ذلك اليوم الذي أفطر، وإن صام شهرين متتابعين دخل فيهما قضاء ذلك اليوم، وقال قوم: ليس في الكفارة صيام ذلك اليوم، قال أبو عمر: لأنه لم يرد في حديث عائشة ولا في حديث أبي هريرة في نقل الحفاظ للأخبار التي لا علة فيها ذكر القضاء، وإنما فيها الكفارة. قلت: جاء في خبر أبي هريرة وغيره: القضاء، وروى ابن ماجه عن حرملة بن يحيى عن عبد الله بن وهب عن عبد الجبار بن عمر عن يحيى بن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن رسول الله عَّله بذلك، أي: بالحديث الذي فيه: هلكت، وقد تقدم قبله، ثم قال: ((ويصوم يوماً مكانه)). النوع التاسع: أجمعوا على أن من وطىء في رمضان في يوم آخر أن عليه كفارة أخرى، وأجمعوا أنه ليس على من وطىء مراراً في يوم واحد إلاّ كفارة واحدة، فإن وطىء في يوم من رمضان ولم يكفر حتى وطىء في يوم آخر، فذهب مالك والشافعي وأحمد: أن عليه لكل يوم كفارة، كفر أم لا. وقال أبو حنيفة: عليه كفارة واحدة إذا وطىء قبل أن يكفر وقال الثوري: أحب إلي أن يكفر عن كل يوم، وأرجو أن يجزيه كفارة واحدة ما لم يكفر. النوع العاشر: في حديث الباب دلالة على التمليك الضمني من قوله: ((تصدق بهذا))، قال صاحب المفهم: يلزم منه أن يكون قد ملكه إياه ليتصدق به عن كفارته، قال: ويكون