النص المفهرس
صفحات 1-20
بَعْدَة الْقَاى شَرْح صَحِيح البُخَاري تأليف الأَمَامِ العَلَّمَة بَدُرِ الدِّيْنِ أَبَ محمّدَ مُدِ بْن أَحَدَ الْعَنِي المتوفى سنة ٨٥٥ هـ ضبطه وصحّه عبد الله محمود محمّد عَمَرَ طبعة جديدة مرقمة الكتب والأبواب والأحاديث حسب ترقيم المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي الشريف الجزء الحادي عشر يحتوي على الكتب التالية: تتمة الصوم ن التراويح " فضل ليلة القدر، الاعتكاف البيوع من الحديث (١٩٢٥) إلى الحديث (٢١٩٢) مشورات محمد عَلى بيضون لِنِشْرَكْتبِ الْسُنَقِوَ الجِمَاعَةِ دار الكتب العلمية بيروت - لبنان دار الكتـ جميع الحقوق محفوظة Copyright @ All rights reserved Tous droits réservés جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت -لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً. Exclusive Rights by Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon No part of this publication may be translated, reproduced, distributed in any form or by any means, or stored in a data base or retrieval system, without the prior written permission of the publisher. Droits Exclusifs à Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban Il est interdit à toute personne individuelle ou morale d'éditer, de traduire, de photocopier, d'enregistrer sur cassette, disquette, C.D, ordinateur toute production écrite, entière ou partielle, sans l'autorisation signée de l'éditeur. الطبعَة الأولى ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م دار الكتب العلمية بيروت - لبنان رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت هاتف وفاكس : ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٣٧٨٥٤٢ (١ ٩٦١) صندوق بريد : ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon Ramel Al-Zarif, Bohtory St., Melkart Bldg., Ist Floor Tel. & Fax : 00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98 P.O.Box : I 1 - 9424 Beirut - Lebanon Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban Ramel Al-Zarif, Rue Bohtory, Imm. Melkart, Iére Etage Tel. & Fax : 00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98 B.P. : 11 - 9424 Beyrouth - Liban ISBN 2-7451-2269-X 90000> 9 782745 122698 http://www.al-ilmiyah.com/ . e-mail: sales@al-ilmiyah.com info@al-ilmiyah.com baydoun@al-ilmiyah.com بِسمِ الله الرَّحمن الرَّحِيم ٢٢ - بابُ الصَّائِمِ يُصْبِحُ مُجُنُباً أي: هذا باب في بيان حكم الصائم حال كونه يصبح جنباً، هل يصح صومه أم لا؟ وأطلق الترجمة للخلاف الموجود فيه. ٣٤ / ١٩٢٥ - ١٩٢٦ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكِ عن سُمَيّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ الحارِثِ بنِ هِشامٍ بِنِ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ سَمِعَ أبَا بَكْرِ بنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ قال كُنتُ أَنَا وأبي حينَ دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ وَأَمِّ سَلَمَةَ (ح) حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ أَنَّ أباهُ عَبْدَ الرَّحْمنِ أُخْبَرَ مَرْوَانَ أنَّ عائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتَاهُ أَنَّ رسولَ الله عَ لَه كانَ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وهْوَ جُنُبٌ مِنْ أهْلِهِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ ويَصُومُ وقَالَ مَرْوَانُ لِعَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ الحَارِثِ أُقْسِمُ باللهِ لَتُقَرِّعَنَّ بِها أبًا هُرَيْرَةَ ومَزْوَانُ يَوْمَئِذٍ عَلَى المَدِينَةِ فقال أبُو بَكْرٍ فَكَرِهَ ذلِكَ عَبْدُ الرَّحْمنِ ثُمَّ قَدِّرَ لَنا أَنْ نَجْتَمِعَ بِذِي الخُلَيفَةِ وكَانَتْ لأِبِي هُرَيْرَةَ هُنَالِكَ أَرْضّ فقال عَبْدُ الرَّحْمنِ لأِبِي هُرَيْرَةَ إِنِّي ذَاكِرٌ لَكَ أَمْراً وَلَوْلاَ مَرْوَانُ أَقْسَمَ عَلَيَّ فِيهِ لَمْ أَذْكُرْهُ لَكَ فَذَكَرَ قَوْلَ عَائِشَةَ وأَمِّ سَلَمَةَ فقال كذلِكَ حدَّثني الْفَضْلُ بنُ عَبَّاسٍ وهوَ أَعْلَمُ. الحديث ١٩٢٥ - طرفاه في: ١٩٣٠، ١٩٣١] [الحديث ١٩٢٦ - طرفه في: ١٩٣٢]. مطابقته للترجمة في قوله: ((كان يدركه الفجر وهو جنب)). ذكر رجاله وهم عشرة: الأول: عبد الله بن مسلمة القعنبي. الثاني: مالك بن أنس، الثالث: سمي، بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد الياء آخر الحروف، وقد مر في الأذان. الرابع: أبو بكر بن عبد الرحمن القرشي، راهب قريش، مر في الصلاة. الخامس: عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، ابن عم عكرمة بن أبي جهل بن هشام، مات سنة ثلاث وأربعين. السادس: أبو اليمان الحكم بن نافع. السابع: شعيب بن أبي حمزة. الثامن: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. التاسع: أم المؤمنين عائشة. العاشر: أم المؤمنين أم سلمة هند بنت أبي أمية. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضع واحد، وبصيغة الإفراد في موضعين، وبصيغة التثنية في موضع واحد. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: السماع في موضع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أبو اليمان وشعيب حمصيان والبقية كلهم مدنيون. وفيه: أربعة من التابعين وهم: أبو بكر وأبوه عبد الرحمن والزهري ومروان. ذكر الاختلاف فيه: فيه اختلاف كثير جداً على أبي بكر بن عبد الرحمن وغيره، ٣ ٤ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٢) وقد اختلف فيه عن الزهري أيضاً. ففي رواية النسائي من طريق إسماعيل بن أمية عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبيه عن عائشة، وحديث عائشة رواه ابن ماجه من رواية الشعبي عن مسروق عنها بمعناه، وقد اختلف فيه على الشعبي أيضاً، وحديث عائشة وأم سلمة فيه قصة لم يذكرها الترمذي، وذكرها مسلم من طريق ابن جريج، قال: أخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن ((عن أبي بكر، قال: سمعت أبا هريرة يقص، يقول في قصصه: من أدركه الفجر)) جنباً فلا يصم. قال: فذكر ذلك أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث لأبيه، فأنكر ذلك، فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة، فسألهما عبد الرحمن عن ذلك فكلتاهما قالت: كان النبي عَّم يصبح جنباً من غير حلم ثم يصوم. قال: فانطلقنا حتى دخلنا على مروان، فذكر ذلك له عبد الرحمن، فقال مروان: عزمت عليه إلاَّ ما ذهبت إلى أبي هريرة فرددت عليه ما يقول، فجئنا أبا هريرة، وأبو بكر حاضر ذلك كله، قالا: فذكر ذلك له عبد الرحمن، فقال أبو هريرة لهما: قالتاه لك؟ قال: نعم قال: هما أعلم، ثم رد أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن عباس، قال أبو هريرة: سمعت ذلك من الفضل، ولم أسمعه من النبي عَّهِ، قال: فرجع أبو هريرة عما كان يقول من ذلك ... )) الحديث، هكذا ذكره مسلم لم يرفع قول أبي هريرة، وقد رواه عبد الرزاق في (مصنفه) عن معمر عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله عَّاللّه: ((من أدركه الصبح جنباً فلا صوم له)). وذكر الحديث بنحوه. ومن طريق عبد الرزاق رواه ابن حبان في (صحيحه)، وقد رواه البخاري أخصر منه من رواية ابن شهاب إلى قوله: ((كذلك حدثني الفضل بن عباس، وهو أعلم))، وفي رواية للنسائي من رواية أبي عياض عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فأتاه فأخبره، قال: هن أعلم - يريد أزواج النبي عَّةٍ - ولم يذكر أبو هريرة في هذه الرواية - من حدثه، وهكذا النسائي أيضاً من رواية ابن أبي ذئب عن عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده أن عائشة أخبرته: ليس فيه ذكر أم سلمة، وفيه: فذهب عبد الرحمن فأخبره، بذلك قال أبو هريرة: فهي أعلم برسول الله عَ لّه منا، إنما كان أسامة بن زيد حدثني ذلك، ففي هذه الرواية أن المخبر لأبي هريرة أسامة، وقد تقدم أنه الفضل، وفي رواية للنسائي أخبرنيه مخبر، وفي رواية له: فقال: هكذا كنت أحسب، ولم يحكه عن أحد، وفي رواية للنسائي من رواية الحكم عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، فقال: عائشة إذاً أعلم برسول الله عَّهِ، ولابن حبان من رواية عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبيه فقال هما أعلم يريد عائشة وأم سلمة. وفي مصنف عبد الرزاق من رواية الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: هكذا حدثني الفضل بن عباس وهن أعلم. وفيه: أيضاً من الاختلاف ما يقتضي أن عبد الرحمن لم يشافه عائشة وأم سلمة بالسؤال عن ذلك، ففي النسائي من رواية أبي عياض، ((عن عبد الرحمن بن الحارث، قال: أرسلني مروان إلى عائشة ٥ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٢) فأتيتها، فلقيت غلامها ذكوان فأرسلته إليها فسألها عن ذلك. وفيه: ((فأرسلني إلى أم سلمة فلقي غلامها نافعاً فأرسلته إليها فسألها عن ذلك ... )) الحديث، والأحاديث التي فيها أن عبد الرحمن شافهها بالسؤال أكثر وأصح، ومع هذا فيجوز أن يكون أرسل المولى أولاً ثم أتى هو فشافهته، أو أن المولى كان واسطة في الدخول عليها مع عبد الرحمن. ذكر معناه: قوله: ((وحدثنا أبو اليمان))، عطف على قوله: ((حدثنا عبد الله بن مسلمة))، فأخرجه من طريقين. وأخرجه بقية الأئمة الستة خلا ابن ماجه من طرق عديدة. قوله: ((كنت أنا وأبي حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة))، هكذا أورده البخاري في هذا الطريق من رواية مالك مختصراً، ثم ذكر الطريق الثاني: عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الله، وربما يظن ظان أن سياقهما واحد وليس كذلك، فإنه يذكر لفظ مالك بعدما بين، وليس فيه ذكر مروان ولا قصة أبي هريرة، نعم قد رواه مالك في (الموطأ) عن سمي مطولاً، ورواه مالك في الموطأ عن عبد ربه بن سعيد عن أبي بكر بن عبد الرحمن مختصراً، وأخرجه مسلم من هذا الوجه، وقال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك عن عبد ربه بن سعيد عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ((عن عائشة وأم سلمة زوجتي النبي عَ ليه أنهما قالتا: إن كان رسول الله، عٍَّ، ليصبح جنباً من جماع غير احتلام في رمضان ثم يصوم). قوله: ((إن أباه عبد الرحمن أخبر مروان)) هو مروان بن عبد الحكم بن أبي العاص ابن أمية بن عبد شمس بن قصي القرشي الأموي، أبو عبد الملك، ولد بعد الهجرة بسنتين، وقيل: بأربع، ولم يصح له سماع من النبي، عَّ، وقال مالك: ولد يوم أحد، وقيل: يوم الخندق، وقيل: ولد بمكة، وقيل: بالطائف ولم ير النبي عَّ لأنه خرج إلى الطائف طفلاً لا يعقل لما نفى النبي عَِّ أباه الحكم، وكان مع أبيه حتى استخلف عثمان، رضي الله تعالى عنه، فردهما واستكتب عثمان مروان وضمه إليه، واستعمله معاوية على المدينة ومكة والطائف، ثم عزله عن المدينة سنة ثمان وأربعين، ولما مات معاوية بن يزيد بن معاوية ولم يعهد إلى أحد بايع الناس بالشام مروان بالخلافة، ثم مات، وكانت خلافته تسعة أشهر، مات في رمضان سنة خمس وستين، روى له الجماعة سوى مسلم. قوله: ((كان يدركه الفجر وهو جنب)) أي: والحال أنه جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم، وفي رواية يونس عن ابن شهاب عن عروة وأبي بكر بن عبد الرحمن ((عن عائشة: كان يدركه الفجر في رمضان من غير حلم))، وسيأتي بعد بابين. وفي رواية للنسائي من طريق عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن ((عن أبيه عنها: كان يصبح جنباً من غير احتلام ثم يصوم ذلك اليوم)). وفي لفظ له: ((كان يصبح جنباً مني فيصوم ويأمرني بالصيام)). وقال القرطبي: في هذا فائدتان: أحدهما: أنه كان يجامع في رمضان ويؤخر الغسل إلى بعد طلوع الفجر بياناً للجواز. والثانية: أن ذلك كان من جماع لا من احتلام، لأنه كان لا يحتلم، إذ الاحتلام من الشيطان وهو معصوم منه قيل في قول عائشة من غير احتلام إشارة إلى جواز الاحتلام عليه وإلا لما كان لاستثنائه معنىّ ورد بأن الاحتلام من الشيطان وهو ٦ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٢) معصوم عنه، ولكن الاحتلام يطلق على الإنزال، وقد يقع الإنزال من غير رؤية شيء في المنام. قوله: ((فقال مروان لعبد الرحمن بن الحارث: أقسم بالله لتقرعن بها أبا هريرة)). وفي رواية النسائي من طريق عكرمة بن خالد ((عن أبي بكر بن عبد الرحمن، فقال مروان لعبد الرحمن: إلقَ أبا هريرة فحدثه بهذا، فقال: إنه لجاري وإني لأكره أن استقبله بما يكره، فقال: أعزم عليك لتلقينه))، ومن طريق عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبيه، فقال عبد الرحمن لمروان: غفر الله لك، إنه لي صديق ولا أحب أن أرد عليه)) قوله: ((وكان سبب ذلك أن أبا هريرة كان يفتي أن من أصبح جنباً أفطر ذلك اليوم))، على ما رواه مالك عن سمي ((عن أبي بكر أن أبا هريرة كان يقول: من أصبح جنباً أفطر ذلك اليوم))، وفي رواية للنسائي من طريق المقبري: ((كان أبو هريرة يفتي الناس: أن من أصبح جنباً فلا يصوم ذلك اليوم))، وإليه كان يذهب إبراهيم النخعي وعروة بن الزبير وطاوس، ولكن أبا هريرة لم يثبت على قوله هذا حيث رد العلم بهذه المسألة إلى عائشة، فقال: عائشة أعلم مني، أو قال: أعلم بأمر رسول الله عَ ليه منِّي. وقال أبو عمر: روى عن أبي هريرة محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان الرجوع عن ذلك، وحكاه الحازمي عن سعيد بن المسيب، وقال الخطابي وابن المنذر: أحسن ما سمعت من خبر أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، أنه منسوخ، لأن الجماع كان محرماً على الصائم بعد النوم، فلما أباح الله تغالى الجماع إلى طلوع الفجر جاز للجنب إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم لارتفاع الحظر، فكان أبو هريرة يفتي بما سمعه من الفضل على الأمر الأول ولم يعلم بالنسخ، فلما سمع خبر عائشة وأم سلمة رجع إليه. قوله: ((لتفزعن))، بالفاء والزاي من الفزع وهو الخوف، أي: لتخيفنه بهذه القصة التي تخالف فتواه، وقد أكد هذا باللام والنون المشددة، وهذا كذا وقع في رواية الأكثرين، ووقع في رواية الكشميهني: ((تقرعن))، من القرع بالقاف والراء أي لتقرعن أبا هريرة بهذه القصة، يقال: قرعت بكذا، سمعَ فلان: إذا أعلمته إعلاماً صريحاً. وقال الكرماني: ويروى (لتعرفن))، من التعريف. قوله: ((ومروان يومئذ على المدينة))، أي: حاكماً عليها من جهة معاوية بن أبي سفيان. قوله: ((فكره ذلك عبد الرحمن))، أي: فكره عبد الرحمن فعل ما قاله مروان من قرع أبي هريرة وإفراعه فيما كان يفتي به. قوله: ((ثم قدر لنا)) أي: قال أبو بكر بن عبد الرحمن: ثم بعد ذلك قدر الله لنا الاجتماع بذي الحليفة، وهو الموضع المعروف، وهو ميقات أهل المدينة وكان لأبي هريرة هنالك - أي: في ذي الحليفة - أرض، وكان أبو هريرة هناك في ذلك الوقت. فإن قلت: ففي رواية مالك: ((فقال مروان لعبد الرحمن: أقسمت عليك لتركبن دابتي فإنها بالباب، ولتذهبن إلى أبي هريرة فإنه بأرضه بالعقيق، فلتخبرنه، فركب عبد الرحمن وركبت معه))، أي: قال أبو بكر بن عبد الرحمن: وركبت مع عبد الرحمن، فهذه تخالف رواية الكتاب، فإن العقيق غير ذي الحليفة، لأن العقيق واد بظاهر المدينة مسيل للماء، وهو ٧ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٢) الذي ورد ذكره في الحديث أنه وادٍ مبارك، وكل مسيل شقه ماء السيل فهو عقيق، والجمع أعقة. قلت: لا تخالف بين الروايتين من حيث إن أبا هريرة كانت له أرض أيضاً بالعقيق، فالظاهر أن أبا بكر وأباه عبد الرحمن قصدا أبا هريرة للاجتماع له امتثالاً لأمر مروان، فأتيا إلى العقيق بناء على أنه هناك فلم يجداه، فذهبا إلى ذي الحليفة فوجداه هناك. فإن قلت: وقع في رواية معمر عن الزهري عن أبي بكر: فقال مروان: عزمت عليكما لما ذهبتما إلى أبي هريرة، قال: فلقينا أبا هريرة عند باب المسجد، قلت: الجواب الحسن هنا أن يقال: المراد بالمسجد مسجد ذي الحليفة، لأنهم ذكروا أن بذي الحليفة عدة آبار ومسجدان للنبي، عَّلِ. وقال بعضهم: الظاهر أن المراد بالمسجد هنا مسجد أبي هريرة بالعقيق لا المسجد النبوي. قلت: سبحان الله ما أبعد هذا من منهج الصواب، لأنه قال أولاً في التوفيق بين قوله: بذي الحليفة، وقوله: بالعقيق: يحتمل أن يكونا - يعني: أبا بكر وأباه عبد الرحمن - قصدا إلى العقيق بناء على أن أبا هريرة فيها فلم يجداه، قال: ثم وجداه بذي الحليفة، وكان له بها أيضاً أرض، ومعنى كلامه: أنهما لما لم يجداه بالعقيق ذهبا إلى ذي الحليفة فوجداه هناك عند باب المسجد، فيلزم من مقتضى كلامه أنهم عادوا من ذي الحليفة إلى العقيق ولاقياه فيها عند باب المسجد، وهذا كلام خارج أجنبي عن مقتضى معنى التركيب، لأنهم لو كانوا عادوا من ذي الحليفة إلى العقيق، كيف كان أبو بكر وعبد الرحمن يقولان: لقينا أبا هريرة عند باب المسجد؟ والحال أن أبا هريرة كان معهما على مقتضى كلامه؟ ثم ذكر هذا القائل وجهاً آخر أبعد من الأول، حيث قال: أو يجمع بأنهما التقيا بالعقيق، فذكر له عبد الرحمن القصة مجملة، أو لم يذكرها، بل شرع فيها ثم لم يتهيأ له ذكر تفصيلها وسماع جواب أبي هريرة إلاَّ بعد أن رجعا إلى المدينة، وأرادا دخول المسجد النبوي. قلت: الذي حمله على هذا التفسير تفسيره المسجد: بمسجد العقيق، ولو فسره بمسجد ذي الحليفة لاستراح وأراح، على أنا نقول: من قال: إنه كان لأبي هريرة مسجد بالعقيق، وأما المسجد الذي بذي الحليفة فقد نص عليه أهل السير والإخباريون، ولا دلالة أصلاً في الحديث على هذا التوجيه الذي ذكره، ولا قال به أحد قبله. قوله: ((إني ذاكر أمراً)) وفي رواية الكشميهني: ((إني أذكر لك))، بصيغة المضارع. قوله: ((لم أذكره لك))، وفي رواية الكشميهني: ((لم أذكر ذلك)). قوله: ((كذلك حدثني الفضل بن عباس))، وقد أحال أبو هريرة فيه مرة على الفضل، ومرة على أسامة بن زيد فيما رواه عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده، ومرة قال: أخبرنيه مخبر، ومرة قال: حدثني فلان وفلان، فيما رواه ابن حبان عن عبد الملك بن أبي بكر عن أبيه عنه على ما ذكرناه عن قريب، وروي عنه أنه قال: لا ورب هذا البيت، ما أنا قلت: من أدرك الصبح جنباً فلا يصم محمد، عَّله، ورب الكعبة قاله. ثم حدثنيه الفضل)). قوله: ((وهو أعلم)) أي: الفضل أعلم مني بما روى، والعهدة عليه في ذلك لا علي. ٨ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٢) ذكر ما يستفاد منه: فيه: بيان الحكم الذي بوب الباب لأجله. وفيه: دخول الفقهاء على السلطان ومذاكرتهم له بالعلم. وفيه: ما كان عليه مروان من الاشتغال بالعلم ومسائل الدين، مع ما كان عليه من الدنيا، ومروان عندهم أحد العلماء وكذلك ابنه عبد الملك. وفيه: ما يدل على أن الشيء إذا تنوزع فيه رد إلى من يظن أنه يوجد عنده علم منه، وذلك أن أزواج النبي عَّةِ أعلم الناس بهذا المعنى بعده. وفيه: أن من كان عنده علم في شيء وسمع بخلافه كان عليه إنكاره، من ثقة سمع ذلك أو غيره، حتى يتبين له صحة خلاف ما عنده. وفيه: أن الحجة القاطعة عند الاختلاف فيما لا نص فيه من الكتاب وسنة رسول الله عَِّلّهِ. وفيه: إثبات الحجة في العمل بخبر الواحد العدل وأن المرأة في ذلك كالرجل سواء، وأن طريق الإخبار في هذا غير طريق الشهادات. وفيه: طلب الحجة وطلب الدليل والبحث على العلم حتى يصح فيه وجه، ألا ترى أن مروان لما أخبره عبد الرحمن بن الحارث عن عائشة وأم سلمة بما أخبره به من هذا الحديث، بعث إلى أبي هريرة طالباً للحجة وباحثاً عن موقعها ليعرف من أين قال أبو هريرة ما قاله من ذلك؟ وفيه: اعتراف العالم بالحق وإنصافه إذا سمع الحجة، وهكذا أهل العلم والدين أولو إنصاف واعتراف. وفيه: دليل على ترجيح رواية صاحب الخبر إذا عارضه حديث آخر، وترجيح ما رواه النساء مما يختص بهن إذا خالفهن فيه الرجال، وكذلك الأمر فيما يختص بالرجال على ما أحكمه الأصوليون في: باب الترجيح للآثار. وفيه: حسن الأدب مع الأكابر وتقدير الاعتذار قبل تبليغ ما يظن المبلغ أن المبلغ یکرهه. وقد اختلف العلماء فيمن أصبح جنباً وهو يريد الصوم: هل يصح صومه أم لا؟ على سبعة أقوال: الأول: أن الصوم صحيح مطلقاً فرضاً كان أو تطوعاً أخر الغسل عن طلوع الفجر عمداً أو النوم أو نسيان، لعموم الحديث، وبه قال علي وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبو الدرداء وأبو ذر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس، رضي الله تعالى عنهم. وقال أبو عمر: إنه الذي عليه جماعة فقهاء الأمصار بالعراق والحجاز أئمة الفتوى بالأمصار، مالك وأبو حنيفة والشافعي والثوري والأوزاعي والليث وأصحابهم وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن علية وأبو عبيدة وداود وابن جرير الطبري وجماعة من أهل الحديث. الثاني: أنه لا يصح صوم من أصبح جنباً مطلقاً، وبه قال الفضل بن عباس وأسامة بن زيد وأبو هريرة، ثم رجع أبو هريرة عنه كما ذكرناه. الثالث: التفرقة بين أن يؤخر الغسل عالماً بجنابته أم لا، فإن علم وأخره عمداً لم يصح وإلاَّ صح، روي ذلك عن طاوس وعروة بن الزبير وإبراهيم النخعي، وقال صاحب (الإكمال): ومثله عن أبي هريرة. الرابع: التفرقة بين الفرض والنفل فلا يجزيه في الفرض ويجزيه في النفل، روي ذلك عن إبراهيم النخعي أيضاً، حكاه صاحب (الإكمال) عن الحسن البصري، وحكى أبو عمر عن الحسن بن حي أنه: كان يستحب لمن أصبح جنباً في رمضان أن يقضيه، وكان يقول: يصوم الرجل تطوعاً وإن أصبح جنباً فلا قضاء عليه. الخامس: أن يتم صومه ذلك اليوم ويقضيه. روي ذلك عن سالم بن عبد الله والحسن البصري أيضاً وعطاء ٠٠ ٩ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٢) ابن أبي رباح. السادس: أنه يستحب القضاء في الفرض دون النفل، حكاه في (الاستذكار) عن الحسن بن صالح بن حي. السابع: أنه لا يبطل صومه إلاَّ أن تطلع عليه الشمس قبل أن يغتسل ويصلي، فيبطل صومه، قاله ابن حزم بناء على مذهبه في أن المعصية عمداً تبطل الصوم. فإن قلت: حديث الفضل فيه: أن من أصبح جنباً فلا يصوم، وحديث عائشة وأم سلمة فيه حكاية فعله عَّ له أنه كان يصبح جنباً ثم يصوم، فهلا جمعتم بين الحديثين بحمل حديثهما على أنه من الخصائص، وحديث الفضل لغيره من الأمة؟ وأيضاً فليس في حديثيهما أنه أخر الغسل عن طلوع الفجر عمداً، فلعله نام عن ذلك. قلت: الأصل عدم التخصيص، ومع ذلك ففي الحديث التصريح بعدم الخصوص، فروى مالك عن عبد الله بن عبد الرحمن ابن معمر عن أبي يونس، مولى عائشة، ((عن عائشة: أن رجلاً قال لرسول الله، عَلّه، وهو واقف على الباب وأنا أسمع: يا رسول الله! إني أصبح جنباً، وأنا أريد الصيام! فقال رسول الله عَّةٍ: وأنا أصبح جنباً وأنا أريد الصيام، فأغتسل وأصوم، فقال له الرجل: يا رسول الله إنك لست مثلنا، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله عَ لّه وقال: إني أرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي)). ومن طريق مالك أخرجه أبو داود، وأخرجه مسلم والنسائي من رواية إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن عبد الرحمن بنحوه. وقال هَمَّامٌ وابْنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ النبي عَّهِ يأمُرُ بِالْفِطْرِ والأوَّلُ أُسْنَدُ همام هو ابن منبه الصنعاني، وقد مر في: باب حسن إسلام المرء، وهذا التعليق وصله أحمد وابن حبان من طريق معمر عنه بلفظ: قال رسول الله عَّظلّه: ((إذا نودي للصلاة - صلاة الصبح - وأحدكم جنب فلا يصم يومئذ)). قوله: ((وابن عبد الله))، بالرفع عطف على همام، وكان لعبد الله بنون ستة. قال الكرماني: والظاهر أن المراد بابن عبد الله هنا هو سالم لأنه يروي عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه. قلت: الجزم بأنه سالم بن عبد الله غير صحيح، لأن فيه اختلافاً، فقيل: هو عبد الله بن عمر، وقيل: هو عبيد الله بن عبد الله بالتكبير والتصغير. في اسم الابن، ولأجل هذا الاختلاف لم يسمه البخاري صريحاً، وأما تعليق ابن عبد الله بن عمر فوصله عبد الرزاق عن معمر عن ابن شهاب عن ابن عبد الله بن عمر عن أبي هريرة به، فقيل: قد اختلف على الزهري في اسمه، فقال شعيب عنه: أخبرني عبد الله بن عبد الله بن عمر، قال: قال أبو هريرة: ((كان رسول الله، عَّله، يأمرنا بالفطر إذا أصبح الرجل جنباً))، أخرجه النسائي والطبراني في مسند الشاميين، وقال عقيل، عنه: عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر به، فاختلف على الزهري، هل هو عبد الله بالتكبير أو عبيد الله بالتصغير. قوله: ((والأول أسند))، قال الكرماني: أي حديث أمهات المؤمنين أسند، أي: أصح إسناداً. قلت: ليس المراد بقوله: أسند، أي: أصح لأن الإسناد إلى أبي هريرة هو الإسناد إلى ١٠ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٣) أمي المؤمنين في أكثر الطرق. وقال شيخنا زين الدين، رحمه الله: والأول أسند، يريد - والله أعلم - أن حديث أبي هريرة مختلف في إسناده، فليس في أحد من الصحيحين إسناده إلى النبي عَّله، وإنما قال: كذلك حدثني الفضل بن عباس، وقد ذكرنا أن أبا هريرة أحال فيه عليه وعلى غيره، تارة بتصريح وتارة بإبهام. وقال الدارقطني، معناه أظهر إسناداً وأبين في الاتصال. وقال ابن التين: أي الطريق الأول أوضح رفعاً. وقال بعضهم معناه أقوى إسناداً، لأن حديث عائشة وأم سلمة في ذلك جاء عنهما من طرق كثيرة جداً بمعنى واحد، حتى قال ابن عبد البر: إنه صح وتواتر، وأما أبو هريرة فأكثر الروايات عنه أنه كان يفتي به. قلت: قد ذكرنا الآن أن الإسناد إلى أبي هريرة هو الإسناد إلى أمي المؤمنين في أكثر الطرق، فإن قلت: كيف هذا وقد روى أبو عمر من رواية عطاء بن مينا، ((عن أبي هريرة، أنه قال: كنت حدثتكم: من أصبح جنباً فقد أفطر، وإن ذلك من كيس أبي هريرة)؟ قلت: لا يصح ذلك عن أبي هريرة لأنه من رواية عمر بن قيس، وهو متروك، وذكر ابن خزيمة أن بعض العلماء توهم أن أبا هريرة غلط في هذا الحديث، ثم رد عليه بأنه لم يغلط، بل أحال على رواية صادق، إلاَّ أن الخبر منسوخ. انتھی. وقد ذكرنا وجه النسخ بأن حديث عائشة هو الناسخ لحديث الفضل، ولم يبلغ الفضل ولا أبا هريرة الناسخ، فاستمر أبو هريرة على الفتيا به، ثم رجع عنه بعد ذلك لما بلغه، ويؤيد ذلك أن في حديث عائشة الذي رواه مسلم من حديث أبي يونس مولى عائشة عنها، وقد ذكرنا عن قريب ما يشعر بأن ذلك كان بعد الحديبية لقوله فيها: ((غفر الله لك ما تقدم وما تأخر))، وأشار إلى آية الفتح، وهي إنما نزلت عام الحديبية سنة ست، وابتداء فرض الصيام كان في السنة الثانية، والله أعلم ومنهم من جمع بين الحديثين بأن الأمر في حديث أبي هريرة أمر إرشاد إلى الأفضل، بأن الأفضل أن يغتسل قبل الفجر، فلو خالف جاز، ويحمل حديث عائشة على بيان الجواز، ويعكر على حمله على الإرشاد التصريح في كثير من طرق حديث أبي هريرة بالأمر بالفطر وبالنهي عن الصيام، فكيف يصح الحمل المذكور إذا وقع ذلك في رمضان؟ وقيل: هو محمول على من أدركه الفجر مجامعاً، فاستدام بعد طلوعه عالماً بذلك، ويعكر عليه ما رواه النسائي من طريق أبي حازم عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبيه أن أبا هريرة كان يقول: من احتلم وعلم باحتلامه ولم يغتسل حتى أصبح فلا يصوم، وحكى ابن التين عن بعضهم أنه سقط كلمة: لا، من حديث الفضل، وكان في الأصل: مَن أصبح جنباً في رمضان فلا يفطر، فلما سقطت: لا، صار: فليفطر، وهذا كلام واهٍ لا يلتفت إليه، لأنه يستلزم عدم الوثوق بكثير من الأحاديث بطرقها مثل هذا الاحتمال، فكأن قائله ما وقف على شيء من طرق هذا الحديث إلاَّ على اللفظ المذكور، والله أعلم. ٢٣ - بابُ الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ أي: هذا باب في بيان حكم المباشرة للصائم، المباشرة، مفاعلة، وهي الملامسة، وأصله من لمس برة الرجل بشر المرأة، وقد ترد بمعنى: الوطء في الفرج وخارجاً منه، وليس ١١ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٣) المراد بهذه الترجمة: الجماع. وقالَتْ عَائِشَةُ رضي الله تعالى عنها يَحْرُمُ عَليْهِ فَرْجُهَا أي: يحرم على الصائم فرج امرأته، وهذا التعليق، وصله الطحاوي، وقال: حدثنا ربيع المؤذن، قال: حدثنا شعيب، قال: حدثنا الليث عن بكير بن عبد الله بن الأشح عن أبي مرة مولى عقيل، ((عن حكيم بن عقال أنه قال: سألت عائشة: ما يحرم علي من امرأتي وأنا صائم؟ قالت: فرجها)). وبنحوه أخرج ابن حزم في (المحلي) من طريق معمر عن أيوب السختياني عن أبي قلابة ((عن مسروق، قال: سألت عائشة، أم المؤمنين: ما يحل للرجل من امرأته صائماً؟ فقال: ((كل شيء إلاَّ الجماع))، وأبو مرة اسمه: يزيد مولى عقيل بن أبي طالب، روى له الجماعة، وحكيم بن عقال العجلي البصري وثقه ابن حبان. ٣٥/ ١٩٢٧ - حدّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قال عنْ شُعْبَة عنِ الحَكَمِ عنْ إبرَاهِيمَ عنِ الأُسْوَدِ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ كانَ النبيُّ عَُّلِ يُقَبِّلْ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ وكانَ أَمْلَكَكُمْ لإِربِهِ. [الحديث ١٩٢٧ - طرفه في: ١٩٢٨]. مطابقته للترجمة في قوله: ((ويباشر))، وقد ذكرنا أن المباشرة اللمس باليد، وهو من التقاء البشرتين، ولا يراد به الجماع. والحكم، بفتحتين: هو ابن عتيبية، وإبراهيم هو النخعي، والأسود هو ابن يزيد خال إبراهيم. قوله: ((عن شعبة))، هو شعبة بن الحجاج، كذا في الرواية الصحيحة للجمهور، ووقع في رواية الكشميهني: عن سعيد بسين مهملة وفي آخره دال، وهو غلط فاحش، وليس في شيوخ سليمان بن حرب أحد اسمه سعيد حدثه عن الحكم. قوله: ((ويباشر)) من عطف العام على الخاص، لأن المباشرة أعم من التقبيل، والمراد بالمباشرة غير الجماع، كما ذكرناه. قوله: ((لإربه))، بكسر الهمزة وسكون الراء بعدها الباء الموحدة، وهو العضو. وقال النووي: روى هذه اللفظة بكسر الهمزة وإسكان الراء، وبفتح الهمزة والراء، ومعناها بالكسر: الحاجة، وكذا بالفتح، ولكنه أيضاً يطلق على العضو، ويقال: لفلان إرب وإربة وماربة أي: حاجة، ومعنى كلامها: أنه ينبغي لكم الاحتراز عن القبلة، ولا تتوهموا بأنفسكم مثله في استباحتها، لأنه يملك نفسه ويأمن الوقوع فيما يتولد منه من الإنزال، وأنتم لا تملكون ذلك، وطريقكم الانفكاك عنها. وقال: قال ابنُ عَبَّاسٍ: مَآرِبُ حاجَةٌ مأرب، بسكون الهمزة وفتح الراء، وهذا التعليق وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ولي فيها مآرب أخرى﴾ [طه: ١٨]. قال: حاجة أخرى، كذا هو فيه، وهو تفسير الجمع بالواحد، لأن المآرب جمع مأرب، وأخرجه أيضاً من ١٢ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٤) طريق عكرمة عنه بلفظ مآرب أخرى، قال: حوائج أخرى، وهو تفسير الجمع بالجمع. قال طَاؤُوسٌ: أُولِي الإِزْبَةِ الأخْمَقُ لاَ حَاجَةَ لَهُ فِي النِّسَاءِ وفي بعض النسخ ﴿غير أولي الإربة﴾ [النور: ٣١]. لأن القرآن هكذا، وقال الكرماني: ولو كان في لفظ البخاري كلمة: غير، لكان أظهر. قلت: كأنه لم يقف على النسخة التي فيها لفظ: غير، وهذا التعليق وصله عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه في قوله: ﴿غير أولي الإربة﴾ [النور: ٣١]. هو الأحمق الذي ليس له في النساء حاجة. ٢٤ - بابُ القُبْلَةِ لِلصَّائِمِ أي: هذا باب في بيان حكم القبلة للصائم. وقال جائِرُ بنُ زَيْدٍ إِنْ نَظَرَ فأمْنَى يُتِمُّ صَوْمَهُ جابر بن زيد هو أبو الشعثاء الأزدي، وقد تقدم، وهذا الأثر وقع هنا في رواية الأكثرين ووقع في رواية أبي ذر في آخر الباب السابق، ووصله ابن أبي شيبة من طريق عمرو بن هرم، سئل جابر بن زيد فذكره. ١٩٢٨/٣٦ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الْمُثَنَّى قال حدَّثنا يَحْيَى عنْ هِشَامٍ قال أخبرني أبي عنْ عائِشةَ عنِ النبيِّ عَ لَه ح وحدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكِ عنْ هِشَامٍ عن أَبِيهِ عنْ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ إنْ كانَ رسولُ اللهِ عَلِ لَيْقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ ثُمَّ ضَحِكَتْ. [انظر الحديث ١٩٢٧]. مطابقته للترجمة في قوله: ((ليقبل بعض أزواجه وهو صائم))، وهذا الفعل هو المباشرة، ويحيى هو ابن سعيد القطان، وهشام هو ابن عروة بن الزبير. والحديث أخرجه النسائي في الصوم عن عبيد الله بن سعيد عن يحيى بن سعيد. قوله: ((إن كان))، كلمة: إن، مخففة من الثقيلة فتدخل على الجملتين، فإن دخلت على الإسمية جاز إعمالها خلافاً للكوفيين، وإن دخلت على الفعلية وجب إعمالها، والأكثر كون الفعل ماضياً ناسخاً، وهنا كذلك. قوله: ((ليقبل)) اللام فيه مفتوحة للتأكيد. قوله: ((وهو صائم)) جملة حالية. قوله: ((ثم ضحكت)) قيل: كان ضحكها تنبيهاً على أنها صاحبة القضية ليكون أبلغ في الثقة بحديثها. وقال القاضي عياض: يحتمل ضحكها التعجب مما خالفه فيه أو من نفسها حيث جاءت بمثل هذا الحديث الذي يستحي من ذكره، لا سيما حديث المرأة عن نفسها للرجال: لكنها اضطرت إلى ذكره لتبليغ الحديث، فتعجبت من ضرورة الحال المضطرة لها إلى ذلك، وقيل: ضحكت سروراً بتذكر مكانها من رسول الله عَ لّه وحالها معه. ذكر بيان الخلاف في هذا الباب: ذهب شريح وإبراهيم النخعي والشعبي وأبو قلابة ومحمد بن الحنفية ومسروق بن الأجدع وعبد الله بن شبرمة إلى أنه ليس للصائم أن يباشر ١٣ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٤) القبلة فإن قبل فقد أفطر وعليه أن يقضي يوماً، واحتجوا بما رواه ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا الفضل بن دكين عن إسرائيل عن زيد بن جبير عن أبي يزيد الضني ((عن ميمونة، مولاة النبي عَّ له قالت: سئل النبي عَّله عن رجل قبل امرأته وهما صائمان؟ قال: قد أفطرا)). وأخرجه الطحاوي ولفظه: ((عن ميمونة بنت سعد قالت: سئل النبي عَّ له عن القبلة للصائم؟ فقال: أفطرا جميعاً). وإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وأبو يزيد الضني، بكسر الضاد المعجمة والنون المشددة: نسبة إلى ضنة. قال الدارقطني: ليس بمعروف، وقال ابن حزم: مجهول، وميمونة بنت سعد، وقيل: سعيد، خادم النبي عَ ◌ٍّ. وأخرجه ابن حزم ولفظه: عن ميمونة بنت عقبة مولاة النبي، عَ لّه، وقال الدارقطني: لا يثبت هذا الحديث، وكذا قال السهيلي والبيهقي، وقال الترمذي: سألت محمداً عنه - يعني البخاري - فقال: هذا حديث منكر لا أحدث به، وأبو يزيد لا أعرف اسمه وهو رجل مجهول. قوله: ((قد أفطرا))، أي: المقبّل والمقبَّل كلاهما أفطرا، يعني: انتقض صومهما، وقال أبو عمر: وممن كره القبلة للصائم عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعروة بن الزبير، وقد روي عن ابن مسعود أنه يقضي يوماً مكانه، وروي عن ابن عباس أنه قال: إن عروق الخصيتين معلقة بالأنف، فإذا وجد الريح تحرك، وإذا تحرك دعي إلى ما هو أكثر من ذلك، والشيخ أملك لأربه، وكره مالك القبلة للصائم في رمضان للشيخ والشاب، وعن عطاء عن ابن عباس أنه أرخص فيها للشيخ، وكرهها للشاب. وقال عياض: منهم من أباحها على الإطلاق، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين، وإليه ذهب أحمد وإسحاق وداود من الفقهاء، ومنهم من كرهها على الإطلاق وهو مشهور قول مالك، ومنهم من كرهها للشاب وأباحها للشيخ وهو المروي عن ابن عباس، ومذهب أبي حنيفة والشافعي والثوري والأوزاعي، وحكاه الخطابي عن مالك، ومنهم من أباحها في النفل ومنعها في الفرض، وهي رواية ابن وهب عن مالك، وقال النووي: إن حركت القبلة الشهوة فهي حرام على الأصح عند أصحابنا، وقيل: مكروه كراهة تنزيه. انتهى. وقال أصحابنا الحنفية في فروعهم: لا بأس بالقبلة والمعانقة إذا أمن على نفسه أو كان شيخاً كبيراً، ويكره له مس فرجها، وعن أبي حنيفة: تكره المعانقة والمصافحة والمباشرة الفاحشة بلا ثوب والتقبيل الفاحش مكروه وهو أن يمضغ شفتيها، قاله محمد. فإن قلت: روى أبو داود من طريق مصدع أبي يحيى ((عن عائشة، رضي الله تعالى عنها: أن النبي عَ لّه كان يقبلها ويمص لسانها)). قلت: كلمة: ويمص لسانها غير محفوظة، وإسناده ضعيف، والآفة من محمد بن دينار عن سعد بن أوس عن مصدع، وتفرد به أبو داود، وحكى ابن الأعرابي عن أبي داود أنه قال: هذا الحديث ليس بصحيح، وعن يحيى بن محمد بن دينار: وقال أبو داود: كان تغير قبل أن يموت، وسعد بن أوس ضعفه يحيى أيضاً. قيل: على تقدير صحة الحديث يجوز أن يكون التقبيل وهو صائم في وقت، والمص في وقت آخر، ويجوز أن يمصه ١٤ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٤) ولا يبتلعه، ولأنه لم يتحقق انفصال ما على لسانها من البلل، وفيه نظر لا يخفى. وقال ابن قدامة: إن قبّل فأمنى أفطر بلا خلاف، فإن أمذى أفطر عندنا وعند مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يفطر، وروي ذلك عن الحسن والشعبي والأوزاعي، واللمس بشهوة كالقبلة، فإن كان بغير شهوة فليس مكروهاً بحال. ولما أخرج الترمذي حديث عائشة من رواية عمرو بن ميمون: ((أن النبي، عَِّ، كان يقبل في شهر الصوم))، قال: وفي الباب عن عمر بن الخطاب وحفصة وأبي سعيد وأم سلمة وابن عباس وأنس وأبي هريرة. قلت: وفي الباب أيضاً عن علي بن أبي طالب وابن عمر وعبد الله بن عمرو وأم حبيبة وميمونة زوجي النبي، عَّهِ، وميمونة بنت سعد مولاة النبي، عَ له، ورجل من الأنصار عن امرأته. أما حديث عائشة فروي من طرق عديدة حتى إن الطحاوي أخرجه من عشرين طريقاً. وأما حديث عمر بن الخطاب فأخرجه أبو داود والنسائي من حديث جابر بن عبد الله، قال: ((قال عمر بن الخطاب: هششت فقبلت وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله صنعت اليوم أمراً عظيماً! قبلت وأنا صائم؟ قال: أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم؟ قلت: لا بأس! قال: فمه)). قال النسائي: هذا حديث منكر، وقد أخرجه ابن حبان في (صحيحه) والحاكم في (مستدركه) وقال): صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وأما حديث حفصة فأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه من رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن شتير بن شكل عن حفصة، قالت: ((كان النبي عَّلم يقبل وهو صائم)). وأما حديث أبي سعيد فأخرجه النسائي عنه قال: ((رخص رسول الله عَّ في القبلة للصائم والحجامة)). وأما حديث أم سلمة فأخرجه مسلم من رواية عبد ربه بن سعيد عن عبد الله بن كعب الحميري ((عن عمر بن أبي سلمة، أنه قال لرسول الله عَّ الله: أيقبل الصائم؟ فقال له رسول الله عَ له: سل هذه - لأم سلمة - فأخبرته أن رسول الله، عَّله، يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله! قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال له رسول الله عَ له: أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له)). ورواه ابن حبان أيضاً في (صحيحه) وروى البخاري عنها أيضاً على ما سيأتي. وأما حديث ابن عباس فأخرجه القاضي يوسف بن إسماعيل قال: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد عن أيوب، قال: حدثني رجل من بني سدوس، قال: سمعت ابن عباس يقول: ((كان رسول الله عَ طله يصيب من الرؤوس وهو صائم، يعني القبل)). وروينا هذا الحديث عن شيخنا زين الدين، رحمه الله، قال: أخبرني به أبو المظفر محمد بن يحيى القرشي بقراءتي عليه: أخبرنا عبد الرحيم بن يوسف ابن المعلم أخبرنا عمر بن محمد المؤدب أخبرنا محمد بن عبد الباقي الأنصاري أخبرنا الحسن بن علي الجوهري أخبرنا علي بن محمد بن أحمد بن كيسان أخبرنا يوسف بن يعقوب القاضي، قال: حدثنا سليمان بن حرب ... إلى آخر ما ذكرناه. وأما حديث أنس فأخرجه الطبراني في (الصغير) و(الوسط) من رواية معتمر بن سليمان عن أبيه قال: ((سئل رسول الله عَ ليه: أيقبل الصائم؟ قال: وما بأس ذلك؟ ريحانة يشمها)). ورجاله ١٥ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٤) ثقات. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البيهقي من رواية أبي العنبس عن الأغر عن أبي هريرة عن النبي عَّلِ مثل حديث قبله، وأبو العنبس اسمه محارب بن عبيد بن كعب. وأما حديث علي، رضي الله تعالى عنه، فذكره ابن أبي حاتم في (كتاب العلل) فقال: سألت أبي عن حديث رواه قيس بن حفص بن قيس بن القعقاع الدارمي: حدثنا عبد الواحد ابن زياد حدثنا سليمان الأعمش عن أبي الضحى عن شتير بن شكل ((عن علي: أن رسول الله عٍَّ كان يقبل وهو صائم)) ثم قال: سمعت أبي يقول: هذا خطأ إنما هو الأعمش عن أبي الضحى عن شتير بن شكل عن حفصة عن النبي عَّه. وأما حديث ابن عمر فأخرجه ابن عدي في (الكامل) في ترجمة غالب بن عبد الله الجزري ((عن نافع عن ابن عمر: أن النبي عَ ظله كان يقبل وهو صائم ولا يعيد الوضوء»، وغالب الجزري ضعيف. وأما حديث عبد الله ابن عمرو فأخرجه أحمد والطبراني في (الكبير) عنه قال: ((كنا عند النبي عَ ◌ّ فجاء شاب، فقال: يا رسول الله! أقبل وأنا صائم؟ قال: لا. قال: فجاء شيخ فقال: أقبل وأنا صائم؟ قال: نعم. قال فنظر بعضنا إلى بعض، فقال رسول الله عَّ له: قد علمت لم نظر بعضكم إلى بعض، إن الشيخ يملك نفسه)). وفي إسناده ابن لهيعة مختلف في الاحتجاج به. وأما حديث أم حبيبة فأخرجه النسائي عنها: ((أن رسول الله عَّليلٍ كان يقبل وهو صائم)) قال النسائي: الصواب عن حفصة. وأما حديث ميمونة زوج النبي عَ لّه فذكره ابن أبي حاتم في (العلل) قالت: ((كان رسول الله عَّ لِ يقبّل وهو صائم)). قال أبو زرعة: رواه هكذا عمرو بن أبي قيس وهو خطأ، ورواه الثوري وآخرون عن عائشة، رضي الله تعالى عنها. وأما حديث ميمونة مولاة النبي عَ لَّه فأخرجه ابن ماجه وقد ذكرناه. وأما حديث الرجل الأنصاري عن امرأته، فأخرجه أحمد مطولاً، وفيه: ((أن رسول الله عَّ الله يفعل ذلك)). فإن قلت: قوله: ((يقبل وهو صائم))، ولا يلزم منه أن يكون في رمضان؟ قلت: في رواية الترمذي: كان يقبل في شهر الصوم، وهذا يلزم منه أن يكون في رمضان، لأنه شهر الصوم، وقد جاء صريحاً في رواية مسلم: ((كان يقبل في رمضان وهو صائم)). فإن قلت: لا يلزم من قوله: ((في رمضان))، أن يكون بالنهار؟ قلت: في رواية عن عائشة في (الصحيحين) ((كان يقبل ويباشر وهو صائم))، فبين أن ذلك في حالة الصيام. ١٩٢٩/٣٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا يَحْيَى عنْ هِشَامِ بنِ أبِي عَبْدِ الله قال حدَّثنا يَخْيِّى بنُ أَبِي كَثِيرٍ عنْ أَبِي سلَمَةَ عنْ زَيْتَبَ ابْنَةٍ أُمُّ سَلَمَةَ عنْ أَمِّهَا رضي الله تعالى عنهما قالَتْ بَيْنَمَا أَنَا مَعَ رسولِ اللهِ عَلَّهِ فِي الحَمِيلَةِ إِذْ حِضْتُ فانْسَلَلْتُ فَأَخَذْتُ ثَيَابَ حِيضَتِي فقال ما لَكِ أَنَفِسْتِ قُلْتُ نَعَمْ فدَخَلْتُ مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ وكانَتْ هِيَ ورسولُ اللهِ عَ لَّه يَغْتَسِلاَنِ مِنْ إِنَاءٍ واحِدٍ وكانَ يُقَبِّلُها وهُوَ صَائِمٌ. [انظر الحديث ٢٩٨ وطرفيه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((وكان يقبلها وهو صائم))، والحديث مضى في كتاب الحيض في: باب من سمى النفاس حيضاً فإنه أخرجه هناك: عن مكي بن إبراهيم عن ١٦ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٥) هشام ... إلى آخره، وزاد هنا، قوله: ((وكانت هي ... )) إلى آخره، وهنا: ((بينا أنا مع رسول الله عَّ مضطجعة في خميصة))، وهنا: ((فدخلت معه في الخميلة))، وهناك: ((فاضطجعت معه في الخميلة))، ويحيى هو القطان، وهشام هو الدستوائي، والخميلة، بفتح الخاء المعجمة: ثوب من صوف له علم. قوله: ((حيضتي)) بكسر الحاء، قوله: ((أنفست؟)) الصحيح فيه أنه بفتح النون وكسر الفاء: معناه أحضتٍ؟ وبقية المباحث مرت هناك. ٢٥ - بابُ اغْتِسَالِ الصَّائِمِ أي: هذا باب في بيان حكم الاغتسال للصائم وهو جوازه، قيل: إنما أطلق الاغتسال ليشمل جميع أنواعه من الفرض والسنة وغيرهما، وقال بعضهم: وكأنه يشير إلى ضعف ما روي عن علي، رضي الله تعالى عنه، من النهي عن دخول الصائم الحمام، أخرجه عبد الرزاق، وفي إسناده ضعف، واعتمده الحنفية فكرهوا الاغتسال للصائم. انتهى. قلت: قوله: كأنه يشير، كلام كاد أن يكون عبئاً، لأنه لا يصح أن يراد بالإشارة معناها اللغوي، ولا معناها الاصطلاحي، وقوله: واعتمده الحنفية، غير صحيح على إطلاقه، لأن قوله: كرهوا الاغتسال للصائم، رواية عن أبي حنيفة غير معتمد عليها، والمذهب المختار أنه لا يكره، ذكره الحسن عن أبي حنيفة، نبه عليه صاحب (الواقعات) وذكر في (الروضة) و(جوامع الفقه): لا يكره الاغتسال وبل الثوب وصب الماء على الرأس للحر، وروى أبو داود بسند صحيح عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي، عَّه، قال: لقد رأيت النبي، عَّله، بالعرج يصب على رأسه الماء وهو صائم من الحر، أو من العطش)). وفي (المصنف): حدثنا أزهر عن ابن عون: كان ابن سيرين لا يرى بأساً أن يبل الثوب، ثم يلقيه على وجهه، وحدثنا يحيى ابن سعيد عن عثمان بن أبي العاص أنه كان يصب عليه الماء ويروح عنه وهو صائم. وبَلَّ ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما ثَوْباً فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ وهُوَ صَائِمٌ مطابقته للترجمة ظاهرة، لأن الثوب المبلول إذا ألقي على البدن بل البدن، فيشبه البدن الذي سكب عليه الماء. قوله: ((فألقاه عليه))، رواية الكشميهني وفي رواية غيره: ((فألقي عليه))، على صيغة المجهول، فكأنه أمر غيره وألقاه عليه. قوله: ((وهو صائم)) جملة وقعت حالاً. هذا التعليق رواه ابن أبي شيبة عن يحيى بن سعيد عن عبد الله بن أبي عثمان، ((قال: رأيت ابن عمر يبل الثوب ثم يلقيه عليه))، وقال بعضهم: وأراد البخاري بأثر ابن عمر هذا معارضة ما جاء عن إبراهيم النخعي بأقوى منه، فإن وكيعاً روى عن الحسن بن صالح عن مغيره عنه أنه كان يكره للصائم بل الثياب. قلت: هذا كلام صادر من غير تأمل فإنه اعترف أن الذي رواه إبراهيم أقوى من الذي ذكره البخاري معلقاً، فكيف تصح المعارضة حينئذ؟ بل الذي يقال: إنه أراد به الإشارة إلى ما روي عن ابن عمر من فعله ذلك، فافهم. ١٧ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٥) ودَخَلَ الشَّغْبِيُّ الحَمَّامَ وهُوَ صَائِمٌ مطابقته للترجمة ظاهرة، والشعبي هو عامر بن شراحيل، ووصل هذا التعليق ابن أبي شيبة عن الأحوص عن أبي إسحاق، قال: رأيت الشعبي يدخل الحمام وهو صائم. وقال ابنُ عَبَّاسٍ: لا بَأسَ أَنْ يَتَطَعَّمَ الْقِدْرَ أَوِ الشَّيءَ مطابقته للترجمة من حيث إن التطعم من الشيء الذي هو إدخال الطعام في الفم من غير بلع لا يضر الصوم، فإيصال الماء إلى البشرة بالطريق الأولى أن لا يضر، وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة من طريق عكرمه عنه بلفظ: ((لا بأس أن يتطاعم القدر))، ورواه البيهقي عن العمري أنبأنا عبد الله الشريحي أنبأنا أبو القاسم البغوي حدثنا علي بن الجدع أنبأنا شريك عن سليمان عن عكرمة عن ابن عباس، ولفظه: ((لا بأس أن يتطاعم الصائم بالشيء))، يعني المرقة ونحوها. قوله: ((أن يتطعم القدر))، بكسر القاف وهو الظرف الذي يطبخ فيه الطعام، والتقدير: من طعام القدر، وأراد بقوله: أو الشيء أي شيء كان من المطعومات، وهو من عطف العام على الخاص، وقال ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عطاء عنه قال: لا بأس أن يذوق الخل أو الشيء ما لم يدخل حلقه وهو صائم، وعن الحسن: لا بأس أن يتطاعم الصائم العسل والسمن ونحوه ويمجه، وعن مجاهد وعطاء: لا بأس أن يتطعم الطعام من القدر، وعن الحكم نحوه، وفعله عروة. وفي (التوضيح): وعندنا يستحب له أن يحترز عن ذوق الطعام خوف الوصول إلى حلقه. وقال الكوفيون: إذا لم يدخل حلقه لا يفطر وصومه تام، وهو قول الأوزاعي. وقال مالك: أكرهه ولا يفطره إن لم يدخل حلقه، وهو مثل قولنا. وقال ابن عباس: لا بأس أن تمضغ الصائمة لصبيها الطعام، وهو قول الحسن البصري والنخعي، وكرهه مالك والثوري والكوفيون إلاَّ لمن لم يجد بداً من ذلك، وبه صرح أصحابنا. وفي (المحيط): ويكره الذوق للصائم ولا يفطره، وفيه: لا بأس أن يذوق الصائم العسل أو الطعام ليشتريه ليعرف جيده ورديئه كيلا يغبن فيه متى لم يذقه، وهو المروي عن الحسن البصري، ولا بأس للمرأة أن تمضغ الطعام لصبيها إذا لم تجد منه بداً. وقال الحَسَنُ لاَ بأسَ بالمَضْمَضَةِ والتَّبْرُّدِ لِلصَّائِمِ مطابقته للترجمة من حيث أن المضمضة جزء للغسل، وقال بعضهم: وهذا التعليق وصله عبد الرزاق بمعناه قلت: لم يبين ذلك، بل روى عنه ابن أبي شيبة خلاف ذلك، فقال: حدثني عبد الأعلى عن هشام عن الحسن أنه كان يكره أن يمضمض الرجل إذا أفطر وإذا أراد أن يشرب. قوله: ((والتبرد)) أعم من أن يكون في سائر جسده أو في بعضه، مثل ما إذا تبرد بالماء على وجهه أو على رجليه. وقال ابنُ مَسْعُودٍ إِذَا كانَ صَوْمُ أحَدِكُمْ فَلْيُصْبخِ دَهِيناً مُتَرَجُّلاً ذكر في وجه مطابقته للترجمة وجوه: الأول: أن الإدهان من الليل يقتضي استصحاب عمدة القاري/ ج١١ م٢ ١٨ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٥) أثره في النهار، وهو مما يرطب الدماغ ويقوي النفس، فهو أبلغ من الاستعانة ببرد الاغتسال لحظة من النهار، ثم يذهب أثره. قلت: هذا بعيد جداً، لأن الادهان في نفسها متفاوتة، وما كل دهن يرطب الدهان، بل فيها ما يضره، يعرفه من ينظر في علم الطب. وقوله: أبلغ من الاستعانة ... إلى آخره، غير مسلم لأن الاغتسال بالماء لتحصيل البرودة والدهن يقوي الحرارة، وهو ضد ذاك، فكيف يقول: هو أبلغ ... ؟ إلى آخره. الوجه الثاني: قاله بعضهم: إن المانع من الاغتسال لعله سلك به مسلك استحباب التقشف في الصيام، كما ورد مثله في الحج، والادهان والترجل في مخالفة التقشف كالاغتسال قلت: هذا أبعد من الأول، لأن الترجمة في جواز الاغتسال لا في منعه، وكذلك أثر ابن مسعود في الجواز لا في المنع، فكيف يجعل الجواز مناسباً للمنع؟ الوجه الثالث ما قيل: أراد البخاري الرد على من كره الاغتسال للصائم، لأنه إن كرهه خشية وصول الماء إلى حلقه فالعلة باطلة بالمضمضة وبالسواك وبذوق القدر، ونحو ذلك، وإن كرهه للرفاهية فقد استحب السلف للصائم الترفه والتجمل والادهان والكحل ونحو ذلك؟ قلت: هذا أقرب إلى القبول، ولكن تحقيقه أن يقال: إن بالاغتسال يحصل التطهر والتنظف للصائم، وهو في ضيافة الله تعالى ينتظر المائدة، ومن حاله هذه يحسن له التطهر والتنظف والتطيب، وهذه تحصل بالاغتسال والادهان والترجل. قوله: ((دهيناً))، على وزن: فعيل، بمعنى مفعول أي: مدهوناً. قوله: ((مترجلاً))، من الترجل، وهو تسريح الشعر وتنظيفه، وكذلك الترجيل ومنه أخذ المرجل وهو المشط، وروي عن قتادة أنه قال: يستحب للصائم أن يدهن حتى يذهب عنه غبرة الصوم، وأجازه الكوفيون والشافعي، رضي الله تعالى عنه، وقال: لا بأس أن يدهن الصائم شاربه، وممن أجاز الدهن للصائم: مطرف وابن عبد الحكم وإصبغ، ذكره ابن حبيب، و کرهه ابن أبي ليلى. وقال أنَسّ إنَّ لِي أبْزَناً أتَقَتَّمُ فِيهِ وَأنَا صَائِمٌ مطابقته للترجمة ظاهرة لأن الدخول في الأَبزَنِ فوق الاغتسال، والأَبزن، بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة وفتح الزاي وفي آخره نون: وهو الحوض. وقال ابن قرقول: مثل الحوض الصغير من فخار، ونحوه، وقيل: هو حجر منقور كالحوض، وقال أبو ذر: كالقدر يسخن فيه الماء، وهو فارسي معرب، ولذلك لا يصرف. وفي (المحكم): هو شيء يتخذ من الصفر للماء، له جوف. وفي كتاب (لغة المنصوري) لابن الحشا، ومن خطه: أبزن، ضبطه، بالكسر، قال: وهو مستنقع يكون أكثر ذلك في الحمام، وقد يكون في غيره، ويتخذ من صفر ومن خشب. وقال صاحب (التلويح): الذي قرأته على جماعة من فضلاء الأطباء، وعند جماعة: أبزن، بضم الهمزة. قوله: ((أتقحم فيه))، أي: أدخل، ومادته: قاف وحاء مهملة وميم. قوله: ((وأنا صائم)) جملة حالية، وهذا التعليق وصله قاسم بن ثابت في (غريب الحديث) له، من طريق عيسى بن طهمان: سمعت أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه، يقول: إن لي أبزن إذا وجدت الحر تقحمت فيه وأنا صائم. ١٩ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٥) ويُذْكَرُ عنِ النبيِّ عَلَّلِ أَنَّهُ اسْتَاكَ وَهُوَ صَائِمٌ مطابقته للترجمة من حيث إنه يحصل به تطهير الفم، كما ورد في الحديث: ((السواك مطهرة للفم)) كما يحصل التطهير للبدن بالاغتسال، فمن هذه الحيثية تحصل المطابقة بين الترجمة وبين الحديث الذي ذكره بصيغة التمريض. فإن قلت: في استنان الصائم إزالة الخلوف الذي هو أطيب عند الله من ريح المسك؟ قلت: إنما مدح النبي عَّ الخلوف نهياً للناس عن تعزز مكالمة الصائمين بسبب الخلوف، لا نهياً للصوام عن السواك، والله غني عن وصول الرائحة الطيبة إليه، فعلمنا يقيناً أنه لم يرد بالنهي استبقاء الرائحة، وإنما أراد نهي الناس عن كراهتها، وروى الترمذي: حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان عن عاصم بن عبيد الله ((عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه، قال: رأيت النبي عَ ظله ما لا أحصي يتسوك وهو صائم))، ثم قال: حديث عامر بن ربيعة حديث حسن، وأخرجه أبو داود أيضاً عن محمد بن الصباح عن شريك وعن مسدد عن يحيى عن سفيان، كلاهما عن عاصم، ولفظه: ((رأيت رسول الله عَ ◌ّلم يستاك وهو صائم))، زاد في رواية: ((ما لا أعد ولا أحصي)). قال صاحب (الإمام): ومداره على عاصم بن عبيد الله، قال البخاري: منكر الحديث، وقال النووي في (الخلاصة) بعد أن حكى عن الترمذي أنه حسمه: لكن مداره على عاصم بن عبيد الله وقد ضعفه الجمهور، فلعله اعتضد. انتهى. وقال المزي: وأحسن ما قيل فيه قول العجلي: لا بأس به، وقول ابن عدي: هو مع ضعفه يكتب حديثه. وقال البيهقي، بعد تخريجه: عاصم بن عبيد الله ليس بالقوي. ولما روى الترمذي حديث عامر بن ربيعة قال: وفي الباب عن عائشة رضي الله تعالى عنها قلت: حديث عائشة رواه ابن ماجه والبيهقي من رواية أبي إسماعيل المؤدب، واسمه إبراهيم بن سليمان: عن مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: قال رسول الله عَّله: ((من خير خصال الصائم السواك))، ومجالد بن سعيد ضعفه الجمهور، ووثقه النسائي، وروى له مسلم مقروناً بغيره. قلت: وفي الباب أيضاً عن أنس وحبان بن المنذر وخباب بن الأرت وأبي هريرة. فحديث أنس رواه الدارقطني والبيهقي من رواية أبي إسحاق الخوارزمي، قاضي خوارزم، قال: سألت عاصماً الأحول، فقلت: أيستاك الصائم؟ فقال: نعم، فقلت: برطب السواك ويابسه؟ قال: نعم قلت: أول النهار وآخره؟ قال: نعم. قلت: عمن؟ قال: عن أنس بن مالك عن النبي عَّله. قال الدارقطني: أبو إسحاق الخوارزمي ضعيف يبلغ عن عاصم الأحول بالمناكير، لا يحتج به. انتهى. ورواه النسائي في كتاب (الأسماء والكنى) في ترجمة أبي إسحاق، وقال: اسمه إبراهيم بن عبد الرحمن، منكر الحديث. وحديث حبان بن المنذر رواه أبو بكر الخطيب نحو حديث خباب بن الأرت. وحديث خباب بن الأرت رواه الطبراني والدارقطني والبيهقي من طريقه من رواية كيسان أبي عمر القصاب عن عمر بن عبد الرحمن عن خباب عن النبي، عَّهِ: ((إذا صمتم فاستاكوا بالغداة، ولا تستاكوا بالعشي، فإنه ليس من صائم تيبس : ٢٠ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٥) شفتاه بالعشي إلاَّ كانتا نوراً بين عينيه يوم القيامة)). قال الدارقطني: كيسان أبو عمر ليس بالقوي، وقد ضعفه يحيى بن معين والساجي. وحديث أبي هريرة رواه البيهقي من رواية عمر ابن قيس عن عطاء ((عن أبي هريرة، قال: لك السواك إلى العصر، فإذا صليت العصر فألقه فإني سمعت رسول الله عَّه يقول: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)). وعمر بن قيس هو الملقب بسندل مكي متروك، قاله أحمد والنسائي وغيرهما، ولكن الحديث المرفوع منه صحيح، أخرجه البخاري ومسلم من رواية الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة. وأما استدلال أبي هريرة به على السواك فليس في الصحيح، وأما حكم السواك للصائم فاختلف العلماء فيه على ستة أقوال: الأول: أنه لا بأس به للصائم مطلقاً قبل الزوال وبعده، ويروى عن علي وابن عمر أنه: لا بأس بالسواك الرطب للصائم، ورواه ذلك أيضاً عن مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وإبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين وأبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي وابن علية، ورويت الرخصة في السواك للصائم عن عمر وابن عباس، وقال ابن علية: السواك سنة للصائم والمفطر والرطب واليابس سواء. الثاني: كراهيته للصائم بعد الزوال واستحبابه قبله برطب أو يابس، وهو قول الشافعي في أصح قوليه، وأبي ثور، وقد روي عن علي، رضي الله تعالى عنه، كراهة السواك بعد الزوال رواه الطبراني. الثالث: كراهته للصائم بعد العصر فقط، ويروى عن أبي هريرة. الرابع: التفرقة بين صوم الفرض وصوم النفل، فيكره في الفرض بعد الزوال ولا يكره في النفل، لأنه أبعد عن الرياء، حكاه المسعودي عن أحمد بن حنبل، وحكاه صاحب المعتمد من الشافعية عن القاضي حسين. الخامس: أنه يكره السواك للصائم بالسواك الرطب دون غيره، سواء أول النهار وآخره، وهو قول مالك وأصحابه، وممن روي عنه كراهة السواك الرطب للصائم الشعبي وزياد بن حدير وأبو ميسرة والحكم بن عتيبة وقتادة. السادس: كراهته للصائم بعد الزوال مطلقاً، وكراهة الرطب للصائم مطلقاً، وهو قول أحمد وإسحاق بن راهويه. وقال ابنُ عُمَرَ يَسْتَاكُ أوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ ولاَ يَبْلَعُ رِيقَهُ مطابقته للترجمة مثل مطابقة الحديث السابق، وهذا التعليق روى معناه ابن أبي شيبة عن حفص عن عبيد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر، بلفظ: ((كان يستاك إذا أراد أن يروح إلى الظهر وهو صائم)). وقال عَطَاءٌ إن ازْدَرَدَ رِيقَهُ لاَ أَقُولُ يُفْطِرُ أي: قال عطاء بن أبي رباح في أثر ابن عمر المذكور: إن ازدرد، أي: إن ابتلع ريقه بعد التسوك لا يفطر، وأصل: ازدرد: ازترد لأنه من: زرد، إذا بلع فنقل إلى باب الافتعال: فصار: ازترد، ثم قلبت: التاء دالاً، فصار: ازدرد.