النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
٣٠ - كتاب الصوم
بسم الله الرحمن الرحيم
٣٠ - كتاب الصوم
أي: هذا كتاب في بيان أحكام الصيام هذا، هكذا في رواية النسفي، وفي رواية
الأكثرين: كتاب الصوم، وثبتت البسملة للجميع، ثم الكلام ههنا من وجوه:
الأول: ما وجه تأخير كتاب الصوم، وذكره آخر كتب العبادات؟ وهو أن العبادات التي
هي أركان الإيمان أربعة: الصلاة والزكاة والحج والصوم، قدمت الصلاة لكونها تالية الإيمان
وثانيته في الكتاب والسنة، أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون
الصلاة﴾ [البقرة: ٣]. وأما السنة فقوله عَّه: ((بني الإسلام على خمس ... )) الحديث، ثم
ذكرت الزكاة عقيبها لأنها ثانية الصلاة وثالثة الإيمان في الكتاب والسنة كما ذكرناه، ثم ذكر
الحج لأن العبادات الأربعة بدنية محض، وهي: الصلاة والصوم، ومالية محض وهي: الزكاة ،
ومركبة منهما وهو: الحج، وكان مقتضى الحال أن يذكر الصوم عقيب الصلاة لكونهما من
وادٍ واحدٍ، لكن ذكرت الزكاة عقيبها لما ذكرنا، ثم أن غالب المصنفين ذكروا الصوم عقيب
الزكاة فلا مناسبة بينهما، والذي ذكره البخاري من تأخير الصوم وذكره في الأخير هو الأوجه
والأنسب، لأن ذكر الحج عقيب الزكاة هو المناسب من حيث اشتمال كل منهما على بذل
المال، ولم يبق للصوم موضع إلاَّ في الأخير.
الوجه الثاني: في تفسير الصوم لغة وشرعاً، وهو في اللغة: الإمساك، قال الله تعالى
حكاية عن مريم عليها السلام: ﴿إني نذرت للرحمن صوماً﴾[مريم: ٢٦]. أي: صمتاً وسكوتاً،
وكان مشروعاً عندهم، ألاَ تَرى إلى قولها: ﴿فلن أكلم اليوم أنسياً﴾ [مريم: ٢٦]. وقال النابغة
الذبياني:
خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ تحت العجاج، وأخرى تعلك اللجما
أي: قائمة على غير علف، قاله الجوهري: وقال ابن فارس: ممسكة عن السير، وفي
(المحيط) وغيره: ممسكة عن الاعتلاف. وصام النهار إذا قام قيام الظهيرة. وقال: صام النهار
وهجراً يعني: قام قائم الظهيرة، وقال أبو عبيد: كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير: صائم،
والصوم ركود الريح، والصوم البيعة، والصوم ذرق الحمام وسلخ النعامة، والصوم: اسم شجر.
وفي (المحيط): صام صوماً وصياماً واصطام، ورجل صائم وصوم، وقوم صوام وصيام وصوم
وصيم وصيم، عن سيبويه كسروا الصاد لمكان الياء، وصيام وصيامى الأخيرة نادرة، وصوم
وهو اسم للجمع، وقيل: هو جمع صائم، ونساء صوم. وفي (الصحاح) ورجل صومان.
وأما في الشرع: فالصوم هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع وما هو ملحق به
من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، وقال ابن سيده: الصوم ترك الطعام والشراب
والنكاح والكلام، وقال ابن العربي: وقع الصوم في عرف الشرع على إمساك مخصوص في
زمن مخصوص مع النية، وقال ابن قدامة: هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني

٣٦٢
٣٠ - كتاب الصوم / باب (١)
إلى غروب الشمس، وروي عن علي، رضي الله تعالى عنه، أنه لما صلى الفجر، قال: الآن
حين تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وعن ابن مسعود نحوه، وقال مسروق: لم
يكونوا يعدون الفجر محرماً إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق، وهذا قول
الأعمش، وقال ابن عساكر: في قول النبي عَّهِ، إن بلالاً يؤذن بليل دليل على أن الخيط
الأبيض هو الصباح، وأن السحور لا يكون إلاَّ قبل الفجر، وهذا إجماع لم يخالف فيه إلاَّ
الأعمش، ولم يعرج أحد على قوله لشذوذه. قلت: قد نقل قول جماعة من السلف بموافقة
الأعمش، وعن ذر، قلنا لحذيفة: أية ساعة تسحرت مع النبي عَّهِ؟ قال: هي النهار إلاَّ أن
الشمس لم تطلع، رواه النسائي، قيل: هو مبالغة في تأخير السحور.
الوجه الثالث: اختلفوا في أي صوم وجب في الإسلام أولاً، فقيل: صوم عاشوراء،
وقيل: ثلاثة أيام من كل شهر، لأنه عَّ الله لما قدم المدينة جعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام،
رواه البيهقي، ولما فرض رمضان خير بينه وبين الإطعام، ثم نسخ الجميع بقوله تعالى: ﴿فمن
شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥]. ونزلت فريضة رمضان في شعبان من السنة
الثانية من الهجرة فصام رسول الله عَ لّ تسع رمضانات، وقيل: اختلف السلف: هل فرض
على الناس صيام قبل رمضان أو لا؟ فالجمهور وهو المشهور عند الشافعية: أنه لم يجب قط
صوم قبل صوم رمضان، وفي وجه وهو قول الحنفية: أول ما فرض صيام عاشوراء فلما نزل
رمضان، نسخ، والله أعلم.
١ - بابُ وُجُوبٍ صَوْمٍ رمَضَانَ
أي: هذا باب في بيان وجوب صوم شهر رمضان، وهكذا هو في رواية الأكثرين، وفي
رواية النسفي: باب وجوب صوم رمضان وفضله.
۔۔
وقولِ الله تعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣].
٠ ٠
هذا أيضاً من الترجمة ((وقول)) مجرور لأنه عطف على قوله: وجوب الصوم، وأشار
بإيراد هذه الآية الكريمة إلى أمور تتضمن هذه الآية، وهي: فرضية صوم رمضان بقوله تعالى:
﴿كتب عليكم الصيام﴾ [البقرة: ١٨٣]. وأنه كان فرضاً من قبلنا من الأمم، وأن الصوم
وصلة إلى التقى لأنه من البر الذي يكف الإنسان عن كثير مما تطلع له النفس من المعاصي.
وفيه: تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان، كما ثبت في (الصحيحين): ((يا معشر الشباب
من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء))، ثم إنهم تكلموا
في هذا التشبيه، وهو قوله: ﴿كما كتب على الذين من قبلكم﴾ [البقرة: ١٨٣]. فقيل: إنه
تشبيه في أصل الوجوب لا في قدر الواجب، وكان الصوم على آدم، عليه الصلاة والسلام،
أيام البيض، وصوم عاشوراء على قوم موسى، عليه الصلاة والسلام، وكان على كل أمة صوم،
والتشبيه لا يقتضي التسوية من كل وجه كما في قوله عَ له:((إنكم سترون ربكم كما ترون

٣٦٣
٣٠ - كتاب الصوم / باب (١)
القمر ليلة البدر))، وهذا تشبيه الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئي بالمرئي، وقيل: هذا التشبيه في
الأصل والقدر والوقت جميعاً، وكان على الأولين صوم رمضان لكنهم زادوا في العدد ونقلوا
من أيام الحر إلى أيام الاعتدال، وعن الشعبي: إن النصارى فرض عليهم شهر رمضان كما
فرض علينا، فحولوه إلى الفصل، وذلك أنهم ربما صاموه في القيظ فعدوا ثلاثين يوماً، ثم جاء
بعدهم قرن منهم فأخذوا بالثقة في أنفسهم فصاموا قبل الثلاثين يوماً وبعدها، ثم لم يزل الآخر
يستن بسنة القرن الذي قبله حتى صارت إلى خمسين، وقال الطبري: وقال آخرون: بل التشبيه
إنما هو من أجل أن صومهم كان من العشاء الآخرة إلى العشاء الآخرة، وكان ذلك فرض على
المؤمنين في أول ما افترض عليهم الصوم، وقال السدي: النصارى كتب عليهم رمضان
وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم ولا ينكحوا النساء شهر رمضان، فاشتد ذلك
على النصارى وجعل يتقلب عليهم في الشتاء والصيف، فلما رأوا ذلك اجتمعوا فجعلوا صياماً
في الفصل بين الشتاء والصيف، وقالوا: نزيد عشرين يوماً نكفر بها ما صنعنا، فجعلوا صيامهم
خمسين يوماً، فلم يزل المسلمون على ذلك يصنعون كما تصنع النصارى حتى كان من أمر
أبي قيس بن صرمة وعمر، رضي الله تعالى عنهما، ما كان، فأحل الله لهم الأكل والشرب
والجماع إلى طلوع الفجر.
وفي تفسير ابن أبي حاتم: عن الحسن، قال: والله لقد كتب الصيام على كل أمة
خلت كما كتبه علينا شهراً كاملاً وفي تفسير القرطبي: عن قتادة: كتب الله تعالى على قوم
موسى وعيسى، عليهما الصلاة والسلام، صيام رمضان، فغيروا وزاد أحبارهم عشرة أيام أخرى.
ثم مرض بعض أحبارهم فنذر إن شفي أن يزيد في صومهم عشرة أيام أخرى ففعل، فصار
صوم النصارى خمسين يوماً، فصعب عليهم في الحر فنقلوه إلى الربيع، قال: واختار هذا
القول النحاس، وأسند فيه حديثاً يدل على صحته. فإن قلت: لم يعلم من هذه الآية إلاَّ أصل
فرضية الصوم، ولم يعلم العدد، ولا كونه في شهر رمضان؟ قلت: لما علم فيها أصل الفرض
نزل قوله: ﴿أياماً معدودات﴾ [البقرة: ١٨٤]. فعلم من ذلك أن الفرض أيام معدودات، ولما
نزل: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ [البقرة: ١٨٥]. علم أن ذلك العدد هو ثلاثون
يوماً، لأنه فرض في رمضان، والشهر ثلاثون يوماً وإن نقص فحكمه حكمه، وعن هذا قالوا:
إن الشهر مرفوع على أنه بدل من قوله: ﴿الصيام﴾ [البقرة: ١٨٣]. في قوله: ﴿كتب عليكم
الصيام﴾ [البقرة: ١٨٣]. وقرىء بالنصب على: صوموا شهر رمضان، أو على أنه بدل من
قوله: ﴿أياماً معدودات﴾ [البقرة: ١٨٤]. وانتصاب: أياماً، على الظرفية، أي: كتب عليكم
الصيام في أيام معدودات، وبينها بقوله: ﴿شهر رمضان﴾ [البقرة: ١٨٥]. فإن قلت: ما
الحكمة في التنصيص على الثلاثين التي هي الشهر الكامل؟ قلت: قالوا: لما أكل آدم، عليه
الصلاة والسلام، من الشجرة التي نهي عنها، بقي شيء من ذلك في جوفه ثلاثين يوماً، فلما
تاب الله عليه أمره بصيام ثلاثين يوماً بلياليهن، ذكره في (خلاصة البيان في تلخيص معاني
القرآن).

٣٦٤
٣٠ - كتاب الصوم / باب (١)
١٨٩١/١ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ أَبِي سُهَيْلٍ عنْ
أبِيهِ عنْ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ الله أنَّ أَغْرَابِيّاً جاءَ إلَى رسولِ اللهِ عَلَِّ ثَائِرَ الرَّأْسِ فقال يا رَسولَ
الله أُخْبِرْنِي ماذَا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلاَةِ فقال الصَّلَوَاتُ الخَمسُ إلاَّ أن تطَرَّعَ شيئاً فقال
أُخبِرْنِي ما فَرَض اللّهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ فقال شَهْرَ رَمَضَانَ إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئاً فقال أخيِزْنِي بِمَا
فَرَضَ الله عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ فقال فأخْبَرَهُ رسولُ اللهِ عَِّ شَرَائِعَ الإسْلامِ قال والَّذِي أكْرَمَكَ لاَ
أَتَطَوَّعُ شَيْئاً وَلا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ الله عَلَيَّ شَيْئاً فقال رسولُ اللهِ عَّمِ أفْلَحَ إِنْ صَدَقَ أو
دَخَلَ الجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ. [انظر الحديث ٤٦ وطرفيه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((أخبرني ما فرض الله علي من الصيام؟ فقال: شهر
رمضان))، وهذا الحديث قد مضى في كتاب الإيمان في: باب الزكاة من الإسلام، فإنه أخرجه
هناك: عن إسماعيل عن مالك بن أنس عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه أنه سمع طلحة
ابن عبيد الله، رضي الله تعالى عنه، الحديث، ولا يخلو عن زيادة ونقصان في المتن، وقد
مضى الكلام فيه هناك مستوفيّ، وإسماعيل بن جعفر أبو إبراهيم الأنصاري المدني، وقد تقدم
في كتاب الإيمان، وأبو سهيل - مصغر: السهل - نافع بن مالك بن عامر، مر في: باب
علامات المنافق، وأبوه مالك بن أبي عامر أو أنس الأصبحي المدني جد مالك بن أنس،
وطلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرة.
قوله: ((ثائر الرأس)) بالثاء المثلثة أي: منتفش شعر الرأس ومنتشره. قوله: ((أن تطوَّع))
بتخفيف الطاء وتشديدها، والاستثناء منقطع، وقيل: متصل. قوله: ((بشرائع الإسلام)) أي:
بنصب الزكاة ومقاديرها وغير ذلك مما يتناول الحج وأحكامه، ويحتمل أن الحج حينئذ لم
يكن مفروضاً مطلقاً، أو على السائل، ومفهوم. قوله: ((إن صدق))! أنه إذا تطوع لا يفلح
مفهوم المخالفة فلا اعتبار به لأن له مفهوم الموافقة، وهو أنه إذا تطوع يكون مفلحاً بالطريق
الأولى، وهو مقدم على مفهوم المخالفة.
١٨٩٢/٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا إسْمَاعِيلُ عنْ أَيُّوبَ عنْ نَافِعِ عنِ ابنِ عُمَّرَ
رضي الله تعالى عنهما قال صامَ النبيُّ عَ لَّه عَاشُورَاءَ وأمرَ بِصِيامِهِ فَلَمَّا قُرِضْ رَمَضَانُ تُرِكَ
وكانَ عَبْدُ الله لاَ يَصُومُهُ إِلاَّ أَنْ يُوَافِقَ صَوْمَهُ. [الحديث ١٨٩٢ - طرفاه في: ٢٠٠٠،
٤٥٠١ ].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فلما فرض رمضان))، وإسماعيل هو ابن علية، وأيوب
السختياني. قوله: ((عاشوراء))، ممدود ومقصور، وهو اليوم العاشر من المحرم، وقيل: إنه
التاسع منه مأخوذ من إظماء الإبل، فإن العرب تسمي اليوم الخامس من أيام الورد أربعاً، وكذا
باقي الأيام على هذه النسبة، فيكون التاسع عشراً، وقال أبو علي القالي في كتابه (الممدود
والمقصور) باب ما جاء من الممدود على مثال فاعولاء، إسماً ولم يأت صفة: عاشوراء
معروفة، ويقال أصابتهم ضاروراء منكرة، من الضر. قوله: ((وأمر بصيامه))، يدل على أنه كان

٣٦٥
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢)
فرضاً ثم نسخ بفرض رمضان. قوله: ((وكان عبد الله)) أي: ابن عمر راوي الحديث، لا يصومه،
أي: لا يصوم عاشوراء بعد فرض رمضان، وذلك كراهية أن يعظم في الإسلام كما كان يعظم
في الجاهلية، وتركه صوم عاشوراء لا يدل على عدم جواز صومه فإن من صامه مبتغياً بصومه
ثواب الله ولا يريد به إحياء سنة أهل الشرك فله عند الله أجر عظيم، وكراهية ابن عمر صوم
عاشوراء نظيره كراهية من كره صوم رجب إذا كان شهراً يعظمه الجاهلية، فكره أن يعظم في
الإسلام، ما كان يعظم في الجاهلية من غير تحريم صومه على من صامه، ولا يؤيسه من
الثواب الذي وعد الله للصائمين. قوله: ((إلا أن يوافق صومه)) أي: صومه الذي كان يعتاده،
وغرضه أنه كان لا يعتقده تنفلاً في عاشوراء، واختلف في السبب الموجب لصيام رسول الله
عَ لّم عاشوراء، فروي أنه كان يصومه في الجاهلية، وفي البخاري عن ابن عباس: قدم النبي
عَِّ المدينة فرأى اليهود تصومه، قالوا: يوم صالح نجَّى الله فيه بني إسرائيل من عدوهم،
فصامه موسى، فقال: نحن أحق بموسى منكم، ويحتمل أن تكون قريش كانت تصومه، كما
في حديث عائشة، وكان، عَّله، يصومه معهم قبل أن يبعث، فلما بعث تركه، فلما هاجر
أعلم أنه من شريعة موسى فصامه وأمر به، فلما فرض رمضان قال: من شاء فليصمه، ومن شاء
أفطر، على ما في حديث عائشة الآتي عن قريب.
١٨٩٣/٣ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ يَزِيدَ بنِ أبِي حَبيبٍ أَنَّ
عِرَاكَ ابنَ مَالِكِ حدَّثَهُ أنَّ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أنَّ قُرَيشاً كانَتْ تَصُومُ
عَاشُورَاءَ في الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ أَمَرَ رسولُ اللهِ عَ لِ بِصِيامِهِ حَتَّى فُرِضَ رَمضانُ وقالَ رسولُ الله
سَالَلِ مِنْ شاءَ فَلْيَصُمْهُ ومنْ شاءَ أَفْطَرَ. [انظر الحديث ١٥٩٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((حتى فرض رمضان))، ورجاله قد ذكروا، و: عراك، بكسر
العين المهملة وتخفيف الراء، قد مر في الصلاة على الفراش.
والحديث أخرجه مسلم عن قتيبة ومحمد بن رمح كلاهما عن الليث. وأخرجه
النسائي في الحج، وفي التفسير عن قتيبة به.
قوله: ((أفطر))، فائدة تغيير أسلوب الكلام حيث قال في الصوم بلفظ الأمر، وفي
الإفطار بقوله: أفطر، بيان أن جانب الصوم أرجح، وكأنه مطلوب. وفيه: إشعار بكونه مندوباً.
٢ - بابُ فَضْلِ الصَّوْمِ
أي: هذا باب في بيان فضل الصوم.
٤ /١٨٩٤ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكِ عنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ اللهِ عَِّ قال الصِّيامُ مجُنَّةٌ فَلاَ يَرْفُثَ ولاَ يَجْهَلْ وَإِنِ
امْرُءٌ قاتَلَهُ أَوْ شَاءَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ
عِنْدَ الله تعَالى مِنْ رِيحِ المِسْكِ يَتْرُكْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي اَلصَّيامُ لِي وأنا
أَجْزِي بِهِ والحَسَنَةُ بِعَشَرِ أَمْثَالِهَا. [الحديث ١٨٩٤ - أطرافه في: ١٩٠٤، ٥٩٢٧، ٧٤٩٢،

-
٣٦٦
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢)
٧٥٣٨].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ورجاله قد تكرر ذكرهم، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان، والأعرج عبد الرحمن بن
هرمز.
والحديث أخرجه أبو داود في الصوم عن القعنبي به، ولم يذكر: الصيام جنة. وأخرجه
النسائي فيه عن محمد بن سلمة عن ابن القاسم عن مالك به، وقال: الصيام جنة، وروى
الترمذي: حدثنا عمران بن موسى القزاز حدثنا عبد الوارث بن سعيد عن علي بن زيد عن
سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَّ له: ((إن ربكم يقول: كل حسنة
بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والصوم لي وأنا أجزىء به، والصوم جنة من النار، ولخلوف
فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وإن جهل على أحدكم جاهل وهو صائم فليقل:
إني صائم)). وقال: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقد انفرد الترمذي بإخراجه
من هذا الوجه، وقال: وفي الباب عن معاذ بن جبل وسهل بن سعد وكعب بن عجرة وسلامة
ابن قيصر وبشير بن الخصاصية. قال: واسم بشير زحم، والخصاصية هي أمه. أما حديث
معاذ فرواه الترمذي أيضاً عنه. قال: ((كنت مع النبي عَّ في سفر فأصبحت يوماً قريباً منه
ونحن نسير، فقلت: أخبرني بعمل يدخلني الجنة)). الحديث، وفيه: ((ثم قال: ألا أدلك على
أبواب الخير: الصوم جنة ... ) الحديث. وقال: هذا حديث حسن صحيح، ورواه ابن ماجه
والنسائي في (سننه الكبرى). وأما حديث سهل بن سعد فرواه الترمذي عنه عن النبي عَّه
قال: ((في الجنة باب يُدعى الريَّان يُدعى له الصائمون فمن كان من الصائمين دخله ومن
دخله لم يظمأ أبداً). وكذلك أخرجه ابن ماجه وهو متفق عليه من رواية سليمان بن بلال عن
أبي حازم على ما يأتي إن شاء الله تعالى. وأما حديث كعب بن عجرة فأخرجه الترمذي أيضاً
عنه في حديث فيه: ((والصوم جنة حصينة))، وقال: هذا حديث حسن غريب. وأما حديث
سلامة بن قيصر فرواه الطبراني في (الكبير) من حديث عمر بن ربيعة الحضرمي، قال:
سمعت سلامة ابن قيصر يقول: سمعت رسول الله عَ لّه، يقول: ((من صام يوماً ابتغاء وجه
الله تعالى بعَّده الله، عز وجل، من جهنم بعد غراب طار وهو فرخ حتى مات هرماً). وأما
حديث بشير بن الخصاصية فرواه البغوي والطبراني في (معجميهما) من رواية قتادة عن جرير
. ابن كليب عن بشير ابن الخصاصية قال - يعني قتادة -: وحدثنا أصحابنا عن أبي هريرة،
رضي الله تعالى عنه، أن النبي عَّله قال، يروي عن ربه تعالى: ((الصوم لي وأنا أجزي به ... ))
الحدیث.
قلت: وفي الباب أيضاً عن أبي سعيد وعلي وعائشة وابن مسعود وعثمان بن أبي
العاص وأنس وجابر وأبي عبيدة وحذيفة وأبي أمامة وعقبة بن عامر. وأما حديث أبي سعيد
فأخرجه مسلم والنسائي من رواية أبي صالح عن أبي هريرة وأبي سعيد، قالا: قال رسول الله
عَ لِ: ((إن الله يقول: إن الصيام لي وأنا أجزي به ... )) الحديث. وأما حديث علي، رضي الله

٣٦٧
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢)
تعالى عنه، فرواه النسائي من رواية أبي إسحاق عن عبد الله بن الحارث عنه عن النبي عَّ.
قال: ((إن الله يقول: الصوم لي وأنا أجزي به)) الحديث، وقال: إنه خطأ، والصواب: عن أبي
إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود موقوفاً عليه. وأما حديث عائشة، رضي الله
تعالى عنها، فأخرجه النسائي أيضاً عن عروة عنها عن النبي عَّ لِ قال: ((الصيام جنة من النار))،
الحديث. وأما حديث ابن مسعود فرواه أبو الشيخ ابن حبان في كتاب (طبقات المحدثين
بأصبهان) ورواه النسائي موقوفاً عليه: ((الصوم جنة))، من رواية أبي الأحوص عنه. وأما حديث
عثمان بن أبي العاص فرواه النسائي وابن ماجه عنه، سمعت رسول الله عَ الم يقول: ((الصيام
جنة كجنة أحدكم من القتال))، وزاد النسائي في رواية: ((جنة من النار))، وأخرجه ابن حبان
في صحيحه. وأما حديث أنس فرواه ابن ماجه عنه، قال فيه: ((والصيام جنة من النار)). وأما
حديث جابر فرواه ابن حبان في (صحيحه) والحاكم في (مستدركه) عنه في حديث قال
فيه: ((والصوم جنة)). وأما حديث أبي عبيدة فرواه النسائي عنه، قال: سمعت رسول الله عَ }.
يقول: ((الصوم جنة ما لم يخرقها))، وزاد الدارمي: ((بالغيبة))، ورواه أيضاً موقوفاً عليه. وأما
حديث حذيفة فرواه أحمد في (مسنده) عنه قال: ((أسندت النبي عَّةٍ إلى صدري، فقال: لا
إله إلاَّ الله، من ختم له بها دخل الجنة، ومن صام يوماً ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل
الجنة، ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله ختم له بها، دخل الجنة)). وأما حديث أبي أمامة
فرواه ابن عدي في (الكامل) من رواية الوليد بن جميل عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال
رسول الله عَّ له: ((من صام يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقاً بُعدة ما بين
السماء والأرض)). وأما حديث عقبة بن عامر فرواه النسائي عنه عن رسول الله عَ ليه، قال: ((من
صام يوماً في سبيل الله تبارك وتعالى، باعد الله منه جهنم مسيرة مائة عام)).
ذكر معناه: قوله: ((جنة))، بضم الجيم: كل ما ستر، ومنه: المجن، وهو الترس، ومنه
سمي الجن لاستتارهم عن العيون، والجنان لاستتارها بورق الأشجار، وإنما كان الصوم جنة
من النار لأنه إمساك عن الشهوات، والنار محفوفة بالشهوات كما في الحديث الصحيح:
((حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات)). وقال ابن الأثير: معنى كونه جنة أي يقي
صاحبه ما يؤذيه من الشهوات، وقال عياض: معناه يستر من الآثام أو من النار أو بجميع ذلك،
وبالأخير قطع النووي. قوله: ((فلا يرفث))، بفتح الفاء وكسرها وضمها معناه: لا يفحش،
والمراد من الرفث هنا الكلام الفاحش، ويطلق على الجماع وعلى مقدماته، وعلى ذكره مع
النساء، ويحتمل أن يكون النهي عما هو أعم منها. قوله: ((ولا يجهل)) أي: لا يفعل شيئاً من
أفعال الجاهلية: كالعياط والسفه والسخرية، ووقع في رواية سعيد بن منصور من طريق سهيل
ابن أبي صالح عن أبيه: ((فلا يرفث ولا يجادل)) وقال القرطبي: لا يفهم من هذا أن غير
الصوم يباح فيه ما ذكر، وإنما المراد أن المنع من ذلك يتأكد بالصوم. قوله: ((وإن امرؤ
قاتله))، كلمة: إن، مخففة موصولة بما بعده تقديره: وإن قاتله امرؤ، ولفظ: قاتله، يفسره كما
في قوله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك﴾ [التوبة: ٦]. أي: استجارك أحد من

٣٦٨
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢)
المشركين. ومعنى قاتله: نازعه ودافعه. قوله: ((أو شاتمه)) أي: أو تعرض للمشاتمة، وفي رواية
أبي صالح: ((فإن سابه أحد))، وفي رواية أبي قرة عن طريق سهيل عن أبيه: ((وإن شتمه إنسان
فلا يكلمه))، ونحوه في رواية همام عن أبي هريرة عند أحمد، وفي رواية سعيد بن منصور من
طريق سهيل: ((فإن سابه أحد أو ماراه))، يعني: جادله، وفي رواية ابن خزيمة من طريق عجلان
مولى المشمعل عن أبي هريرة: ((فإن شاتمك أحد، فقل: إني صائم، وأن كنت قائماً فاجلس)).
وقد ذكرنا في رواية الترمذي، ((وإن جهل على أحدكم جاهل وهو صائم فليقل: إني صائم)).
قال شيخنا زين الدين: اختلف العلماء في هذا على ثلاثة أقوال: أحدهما: أن يقول
ذلك لنفسه أي: وإذا كنت صائماً فلا ينبغي أن أخدش صومي بالجهل ونحوه، فيزجر نفسه
بذلك. والقول الثالث: التفرقة بين صيام الفرض والنفل، فيقول ذلك بلسانه في الفرض،
ويقوله لنفسه في التطوع، قوله: ((فليقل))، قاله الكرماني: أي: كلاماً لسانياً ليسمعه الشاتم
والمقاتل فينزجر غالباً أو كلاماً نفسانياً أي: يحدث به نفسه ليمنعها من مشاتمته، وعند
الشافعي: يجب الحمل على كلا المعنيين.
واعلم أن كل أحد منهي عن الرفث والجهل والمخاصمة، لكن النهي في الصائم
آكد. قال الأوزاعي: يفطر السب والغيبة، فقيل: معناه أنه يصير في حكم المفطر في سقوط
الأجر لا أنه يفطر حقيقة. انتهى كلامه. فإن قلت: قاتله أو شاتمه من باب المفاعلة وهي
للمشاركة بين الإثنين، والصائم مأمور بالكف عن ذلك؟ قلت: لا يمكن حمله على أصل
الباب، ولكنه قد يجيء بمعنى: فعل، يعني لنسبة الفعل إلى الفاعل لا غير، كقولك: سافرت
بمعنى نسبت السفر إلى المسافر، وكما في قولهم: عافاه الله، وفلان عالج الأمر، ويؤيد هذا ما
ذكرنا من رواية سهيل عن أبيه: ((وإن شتمه إنسان فلا يكلمه))، وقد مضى عن قريب.
قوله: ((مرتين)) اتفقت الروايات كلها على أنه يقول: إني صائم، فمنهم من ذكرها
مرتين، ومنهم من اقتصر على واحدة. قوله: ((والذي نفسي بيده))، أقسم على ذلك للتأكيد.
قوله: ((لخلوف فم الصائم)) بضم الخاء المعجمة لا غير، هذا هو المعروف في كتب اللغة،
والحديث، ولم يحك صاحبا (المحكم) و(الصحاح) غيره. وقال عياض: وكثير من الشيوخ
يروونه بفتحها، قال الخطابي: وهو خطأ. قال القاضي: وحكي عن القابسي فيه الفتح والضم،
وقال أهل المشرق: يقولونه بالوجهين والصواب الأول. وفي (التلويح): وفي رواية ((لخلفة فم
الصائم)»، بالضم أيضاً، وقال البرقي: هو تغير طعم الفم وريحه لتأخر الطعام، يقال: خلف فوه
- بفتح الخاء واللام ـ يخلف، بضم اللام وأخلف يخلف إذا تغير، واللغة المشهورة: خلف.
وقال المازري: هذا مجاز واستعارة، لأن استطابة بعض الروائح من صفات الحيوان الذي له
طباع يميل إلى شيء يستطيبه وينفر من شيء يستقذره، والله سبحانه وتعالى تقدس عن ذلك،
لكن جرت عادتنا على التقرب للروائح الطيبة، فاستغير ذلك في الصوم لتقريبه من الله تعالى،
وقال عياض: يجازيه الله تعالى به في الآخرة، فتكون نكهته أطيب من ريح المسك، وقيل:
لكثرة ثوابه وأجره، وقيل: يعبق في الآخرة أطيب من عبق المسك، وقيل: طيبه عند الله رضاه

٣٦٩
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢)
به، وثناؤه الجميل، وثوابه. وقيل: إن المراد أن ذلك في حق الملائكة وأنهم يستطيبون ريح
الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك، وقال البغوي: معناه الثناء على الصائم والرضى
بفعله، وكذا قاله القدوري من الحنفية، وابن العربي من المالكية، وأبو عثمان الصابوني وأبو
بكر بن السمعاني وغيرهم من الشافعية، جزموا كلهم بأنه عبارة عن الرضى والقبول، وقال
القاضي، وقد يجزيه الله تعالى في الآخرة حتى تكون نكهته أطيب من ريح المسك، كما قال
في الكلوم في سبيل الله: ((الريح ريح مسك)). وقال شيخنا زين الدين، رحمه الله تعالى، وقد
اختلف الشيخ تقي الدين بن الصلاح والشيخ عز الدين بن عبد السلام في طيب رائحة
الخلوف، هل هي في الدنيا أو في الآخرة؟ فذهب ابن عبد السلام إلى أن ذلك في الآخرة،
كما في دم الشهيد، واستدل بما رواه مسلم وأحمد والنسائي من طريق عطاء عن أبي صالح:
((أطيب عند الله يوم القيامة))، وذهب ابن الصلاح إلى أن ذلك في الدنيا، فاستدل بما رواه ابن
حبان: ((فم الصائم حين يخلف من الطعام))، وبما رواه الحسن بن شعبان في (مسنده)
والبيهقي في (الشعب) من حديث جابر في فضل هذه الأمة: ((فإن خلوف أفواههم حين
يمسون أطيب عند الله من ريح المسك)). وقال المنذري: إسناده مقارب، وقال ابن بطال:
معنى ((عند الله)) أي: في الآخرة، كقوله تعالى: ﴿وإن يوماً عند ربك﴾ [الحج: ٤٧]. يريد
أيام الآخرة. فإن قلت: يعكر عليه بحديث البيهقي على ما لا يخفى؟ قلت: لا مانع من أن
يكون ذلك في الدنيا والآخرة.
قوله: ((يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي)) أي: قال الله تعالى: يترك الصائم
طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، إنما قدرنا هذا ليصح المعنى، لأن سياق الكلام يقتضي أن
يكون ضمير المتكلم في لفظ: ((والذي نفسي بيده)) ولفظ: ((لأجلي))، من متكلم واحد فلا
يصح المعنى على ذلك، فلذلك قدرنا ذلك، ويؤيد ما قلناه ما رواه أحمد عن إسحاق بن
الطباع عن مالك، فقال بعد قوله: ((من ريح المسك، يقول الله، عز وجل: إنما يذر شهوته
وطعامه)) وكذلك رواه سعيد بن منصور عن مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد، فقال في
أول الحديث: ((يقول الله، عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلاّ الصيام فهو لي وأنا أجزي به،
وإنما يذر ابن آدم شهوته وطعامه من أجلي)). قيل: المراد بالشهوة في الحديث شهوة الجماع
لعطفها على الطعام والشراب. قلت: الشهوة أعم، فيكون من قبيل عطف العام على الخاص،
ولكن قدم لفظ الشهوة سعيد بن منصور في الحديث المذكور آنفاً، وكذلك من رواية الموطأ
بتقديم الشهوة عليهما، فيكون من قبيل عطف الخاص على العام، وفي رواية ابن خزيمة من
طريق سهيل عن أبي صالح عن أبيه: ((يدع الطعام والشراب من أجلي، ويدع لذته من أجلي،
ويدع زوجته من أجلي))، وفي رواية أبي قرة من هذا الوجه: ((يدع امرأته وشهوته وطعامه
وشرابه من أجلي))، وأصرح من ذلك ما وقع عند الحافظ سمويه: ((من الطعام والشراب
والجماع من أجلي))، وقال الكرماني هنا: فإن قلت: فهذا قول الله وكلامه، فما الفرق بينه
وبين القرآن؟ قلت: القرآن لفظه معجز ومنزل بواسطة جبريل، عليه السلام، وهذا غير معجز
عمدة القارىء / ج ١٠ / م٢٤

٣٧٠
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢)
وبدون الواسطة، ومثله يسمى بالحديث القدسي والإلهي والرباني. فإن قلت: الأحاديث كلها
كذلك، وكيف، وهو: ما ينطق عن الهوى؟ قلت: الفرق بأن القدسي مضاف إلى الله ومروي
عنه، بخلاف غيره، وقد يفرق بأن القدسي ما يتعلق بتنزيه ذات الله تعالى وبصفاته الجلالية
والجمالية منسوباً إلى الحضرة تعالى وتقدس، وقال الطيبي: القرآن هو اللفظ المنزل به
جبريل، عليه السلام، على رسول الله عَّةٍ للإعجاز، والقدسي إخبار الله رسوله معناه بالإلهام
أو بالمنام، فأخبر النبي عَّلَّهِ أمته بعبارة نفسه، وسائر الأحاديث لم يضفه إلى الله ولم يروه
عنه. قوله: ((الصيام لي)، كذا وقع بغير أداة عطف ولا غيرها، وفي (الموطأ): ((فالصيام))،
بالفاء وهي للسببية أي: بسبب كونه لي إنه يترك شهوته لأجلي، ووقع في رواية مغيرة عن
أبي الزناد عن سعيد بن منصور: ((كل عمل ابن آدم هو له إلاَّ الصيام فهو لي وأنا أجزي به))،
ومثله في رواية عطاء عن أبي صالح التي تأتي. قوله: ((وأنا أجزي به))، بيان لكثرة ثوابه، لأن
الكريم إذا أخبر بأنه يتولى بنفسه الجزاء اقتضى عظمته وسعته، وقال الكرماني: تقديم الضمير
للتخصيص أو للتأكيد والتقوية؟ قلت: يحتملهما، لكن الظاهر من السياق الأول أي: أنا أجازيه
لا غيري بخلاف سائر العبادات، فإن جزاءها قد يفوض إلى الملائكة، وقد أكثروا في معنى
قوله: ((الصوم لي وأنا أجزي به))، وملخصه: أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره،
لأنه لا يظهر من ابن آدم بفعله، وإنما هو شيء في القلب، ويؤيده ما رواه الزهري مرسلاً.
قوله عَّهِ: ((ليس في الصوم رياء»، رواه أبو عبيد في كتاب الغريب عن شبابة عن
عقيل عن الزهري، قال: وذلك لأن الأعمال لا تكون إلاَّ بالحركات إلاَّ الصوم فإنما هو بالنية
التي تخفى على الناس، وروى البيهقي هذا من وجه آخر: عن الزهري موصولاً عن أبي سلمة
عن أبي هريرة، ولفظه: ((الصيام لا رياء فيه، قال الله، عز وجل: هو لي)) وفيه مقال، قيل: لا
يدخله الرياء بفعله وقد يدخله بقوله، بأن أخبر أنه صائم فكان دخول الرياء فيه من جهة
الإخبار، بخلاف بقية الأعمال، فإن الرياء قد يدخلها بمجرد فعلها. قلت: فيه نظر لأن دخول
الرياء وعدم دخوله بالنظر إلى ذات الفعل والإخبار ليس منه، فافهم.
وقال الطبري: لما كانت الأعمال يدخلها الرياء والصوم لا يطلع عليه بمجرد فعله إلاّ
الله، فأضافه إلى نفسه، ولهذا قال في الحديث: ((يدع شهوته من أجلي))، وقال ابن الجوزي:
جميع العبادات تظهر بفعلها، وقل أن يسلم ما يظهر من شوب بخلاف الصوم. وقال القرطبي:
معناه أن الله منفرد بعلم مقدار ثواب الصوم وتضعيفه، بخلاف غيره من العبادات، فقد يطلع
عليها بعض الناس، ويشهد لذلك ما روى في (الموطأ): ((تضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى
سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، قال الله: إلاّ الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)). أي: أجازي به
عليه جزاءً كثيراً من غير تعيين لمقداره، وهذا كقوله: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير
حساب﴾ [الزمر: ١٠]. والصابرون الصائمون في أكثر الأقوال. قلت: هذا كلام حسن، ولكن
قوله: ((الصابرون الصائمون)) غير مسلم، بل الأمر بالعكس: الصائمون الصابرون، لأن الصوم
يستلزم الصبر ولا يستلزم الصبر الصوم، وقال بعضهم: سبق إلى هذا أبو عبيد في (غريبه)،

٣٧١
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢)
فقال: بلغني عن ابن عيينة أنه قال ذلك، واستدل له بأن الصوم هو الصبر لأن الصائم يصبر
نفسه عن الشهوات، وقد قال الله تعالى: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ [الزمر:
١٠]. ثم قال هذا القائل: ويشهد له رواية المسيب بن رافع عن أبي صالح عند سمويه: ((إلى
سبعمائة ضعف إلاّ الصوم، فإنه لا يدري أحد ما فيه)). ثم قال: ويشهد له أيضاً ما رواه ابن
وهب في (جامعه) عن عمر بن محمد بن زید بن عبد الله بن عمر عن جده زید مرسلاً،
ووصله الطبراني والبيهقي في الشعب من طريق أخرى عن عمر بن محمد عن عبد الله بن
دينار عن ابن عمر مرفوعاً: ((الأعمال عند الله سبع ... )) الحديث، وفيه: ((عمل لا يعلم ثواب
عامله إلاّ الله)). ثم قال: ((وأما العمل الذي لا يعلم ثواب عامله إلاّ الله فالصيام)). انتهى. وقد
استبعد القرطبي هذا، بل أبطله بقوله: قد أتى في غير ما حديث أن صوم اليوم بعشرة أيام،
فهذا نص في إظهار التضعيف.
وقال بعضهم: لا يلزم من الذي ذكر بطلانه، بل المراد بما أورده أن صيام اليوم الواحد
يكتب بعشرة أيام، وأما مقدار ثواب ذلك فلا يعلمه إلاَّ الله. انتهى. قلت: لا نسلم أنه لا يلزم
من ذلك بطلانه، بل يلزم لأن كلامه يؤدي إلى تبطيل معنى التنصيص على ما لا يخفى على
المتأمل، وقال ابن عبد البر: معناه أن الصوم أحب العبادات إلي، والمقدم عندي، لأنه قال:
((الصيام لي))، فأضافه إلى نفسه وكفى به فضلاً على سائر العبادات. وقال بعضهم: وروى
النسائي من حديث أبي أمامة مرفوعاً: ((عليك بالصوم فإنه لا مثل له))، لكن يعكر عليه بما في
الحديث الصحيح: ((اعلموا أن خير أعمالكم الصلاة)). قلت: لا يعكر أصلاً لأنه إنما قال ذلك
بالنسبة إلى سؤال المخاطبين، كما قال في حديث آخر: ((خير الأعمال أدومها وإن كان
يسيراً). وقيل: هو إضافة تشريف كما في قوله: ﴿ناقة الله﴾ [الشمس: ١٣]. مع أن العالم
كله لله عز وجل. وقيل: لأن الاستغناء عن الطعام من صفات الله، عز وجل، فيقرب الصائم
بما يتعلق بهذه الصفة وإن كانت صفات الله لا يشبهها شيء، وقيل: إنما ذلك بالنسبة إلى
الملائكة لأن ذلك من صفاتهم، وقيل: إضافته إليه لأنه لم يعبد أحد غير الله بالصوم، فلم
يعظم الكفار في عصر من الأعصار معبوداً لهم بالصيام. وإن كانوا يعظمونه بصورة الصلاة
والسجود والصدقة وغير ذلك، ونقضه بعضهم بأرباب الاستخدامات فإنهم يصومون
للكواكب، وليس هذا بنقض، لأن أرباب الاستخدامات لا يعتقدون أن الكواكب آلهة، وإنما
يقولون: إنها فعالة بأنفسها وإن كانت عندهم مخلوقة، وقال بعضهم: هذا الجواب عندي
ليس بطائل.
قلت: هذا الجواب جواب شيخه الشيخ زين الدين، رحمة الله تعالى عليه، فكان عليه
أن بيَّن وجه ما ذكره، وقيل: وجه ذلك أن جميع العبادات توفى منها مظالم العباد إلاَّ الصيام،
وروى ذلك البيهقي من طريق إسحاق بن أيوب عن حسان الواسطي عن أبيه عن ابن عيينة،
قال: ((إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عبده ويؤدي ما عليه من المظالم من عمله حتى لا
يبقى له إلاّ الصوم، فيتحمل الله ما بقي عليه من المظالم، ويدخله بالصوم الجنة)). وقال
:

٣٧٢
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢)
القرطبي: هذا حسن، غير أني وجدت في حديث المقاصة ذكر الصوم في جملة الأعمال.
لأن فيه: ((المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصدقة وصيام، ويأتي وقد شتم هذا وضرب
هذا وأكل مال هذا ... )) الحديث. وفيه: ((فيؤخذ لهذا من حسناته، ولهذا من حسناته، فإن
فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من سيئاته فطرحت عليه ثم طرح في النار)) وظاهره
أن الصيام مشترك مع بقية الأعمال في ذلك، وقال بعضهم: إن ثبت قول ابن عيينة أمكن
تخصيص الصيام من ذلك. قلت: يجري الإمكان في كل عام ولا يثبت التخصيص إلاَّ
بدليل، وإلاّ يلزم إلغاء حكم العام وهو باطل.
وقال هذا القائل: وقد يستدل له بما رواه أحمد من طريق حماد بن سلمة عن محمد
ابن زياد عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، يرفعه: ((كل العمل كفارة إلاّ الصوم، الصوم لي
وأنا أجزي به))، وكذا رواه أبو داود الطيالسي في (مسنده) عن شعبة عن محمد بن زياد،
ولفظه: ((قال ربكم تبارك وتعالى: كل العمل كفارة إلاَّ الصوم)). قلت: أخرجه البخاري في
التوحيد عن آدم عن شعبة بلفظ: ((يرويه عن ربكم قال: لكل عمل كفارة، والصوم لي وأنا
أجزي به)). انتهى، ولم يذكر إلّ الصوم، فدخل في صدر الكلام الصوم، لأن لفظ: كل، إذا
أضيف إلى النكرة يقتضي عموم الأفراد، ولكنه أخرجه من ذلك، بقوله: ((والصوم لي وأنا
أجزي به)) لخصوصية فيه من الوجوه التي ذكرناها، وإن كانت جميع الأعمال لله تعالى.
وقيل: إن الصوم لا يظهر فتكتبه الحفظة كما لا تكتب سائر أعمال القلوب، وقيل: استند
قائله إلى حديث واهٍ جداً، أورده ابن العربي في المسلسلات، ولفظه: ((قال الله: الإخلاص
سؤ من سري أستودعه قلب من أحب لا يطلع عليه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده)). قيل:
اتفقوا على أن المراد بالصيام هنا صيام من سلم صيامه من المعاصي قولاً وفعلاً. ونقل ابن
العربي عن بعض الزهاد أنه مخصوص بصيام خواص الخواص، فقال: إن الصوم على أربعة
أنواع: صيام العوام، وهو الصوم عن الأكل والشرب والجماع، و: صيام خواص العوام، وهو
الصوم وهو هذا مع اجتناب المحرمات من قول أو فعل، وصيام الخواص وهو الصوم عن ذكر
غير الله وعبادته، وصيام خواص الخواص وهو الصوم عن غير الله، فلا فطر لهم إلاَّ يوم لقائه.
قوله: ((الحسنة بعشر أمثالها))، كذا وقع مختصراً عند البخاري، وروى يحيى بن بكير
عن مالك في هذا الحديث بعد قوله: ((والحسنة بعشر أمثالها، فقال: كل حسنة بعشر أمثالها
إلى سبعمائة ضعف إلاّ الصيام فهو لي وأنا أجزي به)). فخص الصيام بالتضعيف على سبعمائة
ضعف في هذا الحديث، وإنما عقبه بقوله: ((والحسنة بعشر أمثالها)) إعلاماً بأن الصوم مستثنى
من هذا الحكم فكأنه قال: سائر الحسنات بعشر الأمثال بخلاف الصوم فإنه بأضعافه بدون
الحساب، والحاصل أن الصيام لا يتقيد بأعداد التضعيف، بل الله يجزيه على ذلك بغير
حساب. فإن قلت: الأمثال جمع مثل، وهو مذكر، فمنزلته: بعشرة أمثالها، بالتاء التي هي
علامة التأنيث؟ قلت: مثل الحسنة هو الحسنة، فكأنه قال: بعشر حسنات، وقال الكرماني:
فإن قلت: قد يكون لسبعمائة، والله يضاعف لمن يشاء. قلت: هذا أقله، والتخصيص بالعدد

٣٧٣
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣)
لا يدل على الزائد ولا عدمه.
٣ - بابٌّ الصَّوْمُ كَفَّارَةٌ
أي: هذا باب يذكر فيه الصوم كفارة، هذا في رواية الأكثرين بتنوين: باب، وفي رواية
غيره: باب الصوم كفارة، بالإضافة. وفي نسخة الشيخ قطب الدين الشارح: باب كفارة
الصوم أي: باب تكفير الصوم للذنوب.
١٨٩٥/٥ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قال حدثنا سُفْيانُ قال حدَّثا جامِعٌ عنْ أبِي
وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قال قال عُمَرُ رضي الله تعالى عنهُ مَنْ يَحْفَظُ حَديثاً عنِ النبيِّ عَّهِ فِي
الفِتْنَةِ قال حُذَيْفَةُ أنا سَمِعْتُهُ يَقُولُ فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ ومالِهِ وجارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلاةُ والصِّيَامُ
والصَّدَقَّةُ قال لَيْسَ أسْألُ عنْ ذِهِ أََّا أسْألُ عنِ الَّتِي تُمُوجُ كَما يَمُوجُ الْبَخْرُ قال حُذَيْفَةُ وإِنَّ دُونَ
ذَلِكَ باباً مُغْلَقاً قال فَيُفْتَحُ أو يُكْسَرُ قال يُكْسَرُ قالَ ذَاكَ أْدَرُ أنْ لاَ يُغْلَقَ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ فَقُلْنَا
لِمَسْرُوقٍ سَلْهُ أكانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَنِ الْبَابُ فسَأْلَهُ فَقالَ نَعَمْ كَمَا يَعْلَمُ أنَّ دُونَ غَدِ اللَّيْلَةَ. [انظر
الحديث ٥٢٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((تكفرها الصلاة والصيام))، وقد تقدم هذا الحديث في
أوائل كتاب مواقيت الصلاة في: باب الصلاة كفارة، وترجم هناك بالصلاة، وهنا بالصيام،
وأخرجه هناك: عن مسدد عن يحيى عن الأعمش عن شقيق عن حذيفة، وشقيق كنيته أبو
وائل، وهنا أخرجه: عن علي بن عبد الله عن سفيان بن عيينة عن جامع بن أبي راشد
الصيرفي الكوفي عن أبي وائل هو شقيق بن سلمة، وقد مضى الكلام فيه مستقصىّ هناك.
قوله: ((عن ذه)) بكسر الذال المعجمة وسكون الهاء، وهو من أسماء الإشارة للمفرد
المؤنث، والذي يشار به له عشرة منها ذه، ويقال: ذه، بالاختلاس. قوله: ((ذاك)) أي الكسر
أولى من الفتح أن لا يغلق إلى يوم القيامة، أي إذا وقعت الفتنة فالظاهر أنه لا يسكن. قوله:
((دون غد)) أي: كما يعلم أن الليلة هي قبل الغد، أي: علماً واضحاً جلياً والله أعلم.
٤ - بابُ الرَّيَّانُ لِلصَّائِمِينَ
أي: هذا باب يذكر فيه الريان الذي هو اسم علم لباب من أبواب الجنة، مختص
للصائمين، ووزن: ريان، فعلان، وقد وقعت المناسبة فيه بين لفظه ومعناه، لأنه مشتق من الري
الكثير الذي هو ضد العطش، وسمي بذلك لأنه جزاء الصائمين على عطشهم وجوعهم،
واكتفى بذكر الري عن الشبع لأنه يدل عليه من حيث إنه يستلزمه، وأفرد لهم هذا الباب
إكراماً لهم واختصاصاً، وليكون دخولهم الجنة غير متزاحمين فإن الزحام قد يؤدي إلى
العطش.
١٨٩٦/٦ - حدَّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ قال حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ بِلاَلٍ قال حدَّثني أبُو
حازِمٍ عنْ سَهْل رضي الله تعالى عنه عنِ النبيّ عَِّ قال إنَّ في الجَنَّةِ باباً يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ

٣٧٤
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤)
يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يَدْخُلُ أحَدٌ غَيْرُهُمْ يُقالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَقُومُونَ لاَ
يَدْخُلُ مِنْهُ أحَدٌ غَيْرُهُمْ فَإِذَا دَخَلُوا أَغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌّ. [الحديث ١٨٩٦ - طرفه
في: ٣٢٥٧].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وخالد بن مخلد، بفتح الميم واللام وسكون الخاء المعجمة
بينهما: البجلي الكوفي أبو محمد، وسليمان بن بلال أبو أيوب، وأبو حازم، بالحاء المهملة
والزاي: واسمه سلمة بن دينار، وسهل بن سعد الساعدي الأنصاري.
والحديث أخرجه مسلم أيضاً في الحج عن أبي بكر بن أبي شيبة عن خالد بن مخلد
به.
قوله: ((إن في الجنة باباً)، قيل: إنما قال: في الجنة، ولم يقل: للجنة ليشعر بأن في
الباب المذكور من النعيم والراحة ما في الجنة، فيكون أبلغ في التشويق إليه. قلت: وإنما لم
يقل للجنة، ليشعر أن باب الريان غير الأبواب الثمانية التي للجنة، وفي الجنة أيضاً أبواب أخر
غير الثمانية، منها: باب الصلاة وباب الجهاد وباب الصدقة على ما يجيء في الحديث
الآتي، وفي (نوادر الأصول) للحكيم الترمذي: من أبواب الجنة باب محمد، عَّه، وهو باب
الرحمة، وهو باب التوبة، وهو منذ خلقه الله مفتوح لا يغلق، فإذا طلعت الشمس من مغربها
أغلق فلم يفتح إلى يوم القيامة، وسائر الأبواب مقسومة على أعمال البر: باب الزكاة، باب
الحج، باب العمرة. وعند عياض: باب الكاظمين الغيط، باب الراضي، الباب الأيمن الذي
يدخل منه من لا حساب عليه، وفي (كتاب الآجري): عن أبي هريرة عن النبي عَّه قال:
((إن في الجنة باباً يقال له: باب الضحى، فإذا كان يوم القيامة ينادي منادٍ: أين الذين كانوا
يديمون على صلاة الضحى؟ هذا بابكم فادخلوا)). وفي (الفردوس) عن ابن عباس يرفعه:
(للجنة باب يقال له: الفرح، لا يدخل منه إلاّ مفرح الصبيان)). وعند الترمذي باب للذكر،
وعند ابن بطال باب الصابرين، وذکر البرقي في (کتاب الروضة): عن أحمد بن حنبل حدثنا
روح حدثنا أشعث عن الحسن، قال: ((إن الله باباً في الجنة لا يدخله إلاّ من عفا عن مظلمة)).
ـير) للقشيري، عن النبي عَّهِ، ((الخلق الحسن طوق من رضوان الله في
عنق صاحبه، والطوق مشدود إلى سلسلة من الرحمة، والسلسلة مشدودة إلى حلقة من باب
الجنة حيث ما ذهب الخلق الحسن جرته السلسلة إلى نفسها حتى يدخله من ذاك الباب
إلى الجنة)).
فهذه الأبواب كلها داخلة في داخل الأبواب الثمانية الكبار التي ما بين مصراعي باب
منها مسيرة خمسمائة عام. فإن قلت: روى الجوزقي في هذا الحديث من طريقٍ أبي غسان
عن أبي حازم بلفظ: ((إن للجنة ثمانية أبواب منها باب يسمى الريان لا يدخله إلاّ الصائمون»،
قلت: روى البخاري هذا من هذا الوجه في بدء الخلق، لكن، قال: ((في الجنة ثمانية
أبواب))، وهذا أصح وأصوب. قوله: ((فإذا دخلوا أغلق))، على صيغة المجهول من الإغلاق،
قال الجوهري: أغلقت الباب فهو مغلق، والاسم الغلق، ويقال: غلقت الباب غلقاً وهي لغة

٣٧٥
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤)
رديئة متروكة، وغلقت الأبواب شدد للكثرة، وقال الكرماني: غلق مخففاً ومشدداً. هو من
باب الإغلاق. قلت: هذا تخليط في اللغة حيث يذكر أولاً أنه من باب الثلاثي، ثم يقول:
هو من باب الإغلاق، والصواب ما ذكرناه. قوله: ((فلم يدخل منه أحد))، القياس، فلا
يدخل، لأن: لم يدخل، للماضي، ولكنه عطف على قوله: ((لا يدخل))، فيكون في حكم
المستقبل. وقال بعضهم: فلم يدخل، فهو معطوف على أغلق أي: لم يدخل منه غير من
دخل. انتهى. قلت: هذا أخذه من الكرماني لأنه قال: هو عطف على الجزاء فهو في حكم
المستقبل، ثم تفسيره بقوله: أي لم يدخل منه غير من دخل غير صحيح، لأن غير من دخل
أعم من أن يكون من الصائمين وغيرهم، وليس المراد أن لا يدخل منه إلاَّ الصائمون. وقول
الكرماني، أيضاً عطف على الجزاء فيه نظر لا يخفى، وإنما كرر نفي دخول غيرهم منه
للتأكيد، وأخرج مسلم هذا الحديث، وقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا خالد بن
مخلد، هو القطواني، عن سليمان بن بلال، قال: حدثني أبو حازم عن سهل بن سعد، قال:
قال رسول الله عَّةٍ: ((إن في الجنة باباً يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة
لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيدخلون منه، فإذا دخل آخرهم أغلق
فلم يدخل منه أحد)). وقال بعضهم: هكذا في بعض النسخ من مسلم، وفي الكثير منها:
((فإذا دخل أولهم أغلق)). قلت: الأمر بالعكس، ففي الكثير: ((فإذا دخل آخرهم))، ووقع في
بعض النسخ التي لا يعتمد عليها: ((فإذا دخل أولهم). وهو غير صحيح، فلذلك قال شراح
مسلم وغيرهم: إنه وهم، وقال شيخنا زين الدين، رحمه الله تعالى: وقد استشكل بعضهم
الجمع بين حديث باب الريان وبين الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم من حديث عمر
عن النبي عَّهِ، قال: ((ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو يسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن
لا إلهَ إلاَّ الله وأن محمداً عبده ورسوله إلاَّ فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من
أيها شاء)). قالوا: فقد أخبر النبي عَّلِّ أنه يدخل من أيها شاء، وقد لا يكون فاعل هذا الفعل
من أهل الصيام، بأن لا يبلغ وقت الصيام الواجب، أو لا يتطوع بالصيام، والجواب عنه من
وجهين. أحدهما: أنه يصرف عن أن يشاء باب الصيام، فلا يشاء الدخول منه، ويدخل من أي
باب شاء غير الصيام، فيكون قد دخل من الباب الذي شاءه. والثاني: أن حديث عمر، رضي
الله تعالى عنه، قد اختلفت ألفاظه، فعند الترمذي: ((فتحت له ثمانية أبواب من الجنة يدخل
من أيها شاء))، فهذه الرواية تدل على أن أبواب الجنة أكثر من ثمانية منها، وقد لا يكون باب
الصيام من هذه الثمانية، ولا تعارض حينئذ.
١٨٩٧/٧ - حدّثنا إبرَاهِيمُ بنُّ الْمُنذِرِ قال حدَّثني مَعْنٌ قال حدَّثني مالِكٌ عنِ ابنِ
شِهَابٍ عنْ حُمَيْدٍ بِنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ اللهِ عَّاله
قال منْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ الله نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ يا عَبْدَ اللهِ هَذَا خَيْرٌ فَمَنْ كانَ
مِنْ أهْلِ الصَّلاةِ دُعِيَ مِنْ باب الصَّلاةِ ومَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادَ دُعِيَ مِنْ بابِ الجِهَادِ
ومن کانَ مِنْ أُهلِ الصِّيامِ دُعِيَ مِن بابِ الرّيَّانِ ومن کانَ مِنْ أهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بابِ

٣٧٦
:
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤)
الصَّدَقَةِ فقال أَبُو بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهُ بِأبِي أَنْتَ وأُمّي يا رسولَ الله ما عَلَى منْ دُعِيَ مِنْ
تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا فقال نَعَمْ وأزْجُو أَنْ تَكُونَ
مِنْهُمْ. [الحديث ١٨٩٧ - أطرافه في: ٢٨٤١، ٣٢١٦، ٣٦٦٦].
مطابقته للترجمة من قوله: ((ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان))، وإبراهيم
ابن المنذر قد تكرر ذكره، ومعن، بفتح الميم وسكون العين المهملة وفي آخره نون: ابن
عيسى بن يحيى أبو يحيى القزاز المدني، مات بالمدينة في شوال سنة ثمان وتسعين ومائة،
وابن شهاب محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وحميد، بضم الحاء: ابن عبد الرحمن بن
عوف الزهري.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في فضائل أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، عن أبي
اليمان عن شعيب، وأخرجه مسلم في الزكاة عن أبي الطاهر وحرملة وعن عمرو الناقد وحسن
الحلواني وعبد بن حميد، ثلاثتهم عن يعقوب وعن عبد بن حميد عن عبد الرزاق. وأخرجه
الترمذي في المناقب عن إسحاق بن موسى الأنصاري عن معن عن مالك إلى آخره نحوه،
وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه النسائي فيه وفي الزكاة عن عمرو بن عثمان وفي
الصوم عن أبي الطاهر بن السرح والحارث بن مسكين، كلاهما عن وهب عن مالك ويونس
به، وعن الحارث ومحمد بن سلمة كلاهما عن ابن القاسم عن مالك به، وفي الجهاد عن
عبيد الله بن سعد عن عمه يعقوب.
ذكر معناه: قوله: ((عن حميد بن عبد الرحمن))، وفي رواية شعيب عن الزهري في
فضل أبي بكر، رضي الله تعالى عنه: (أخبرني حميد بن عبد الرحمن بن عوف)). قوله: ((عن
أبي هريرة))، قال أبو عمر: اتفقت الرواة عن مالك على وصله إلاّ يحيى بن أبي بكير وعبد
الله بن يوسف فإنهما أرسلاه، ولم يقع عند القعنبي أصلاً لا مسنداً ولا مرسلاً. وفي (التلويح)
ذكر الدارقطني في (كتاب الموطآت): أن القعنبي رواه كما روى ابن مصعب ومعن مسنداً.
قوله: ((زوجين))، يعني دينارين أو درهمين أو ثوبين وقيل: دينار وثوب أو درهم ودينار، أو ثوب
مع غيره أو صلاة وصوم، فيشفع الصدقة بأخرى أو فعل خير بغيره. وفي رواية إسماعيل
القاضي عن أبي مصعب عن مالك: ((من أنفق زوجين من ماله)). قوله: ((في سبيل الله)) قيل:
هو الجهاد، وقيل: ما هو أعم منه، وقيل: المراد بالزوجين إنفاق شيئين من أي صنف كان من
أصناف المال. وقال الداودي: والزوج هنا الفرد، يقال للواحد زوج، وللاثنين زوج. قال تعالى:
﴿فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى﴾ [القيامة: ٣٩]. وصوابه أن الإثنين زوجان يدل عليه
الآية. وروى حماد بن سلمة عن يونس بن عبيد وحميد عن الحسن عن صعصعة بن معاوية
عن أبي ذر أن النبي عَّلَّه قال: ((من أنفق زوجين ابتدرته حجبة الجنة))، ثم قال: ((بعيرين
شاتين حمارين درهمين، قال حماد: أحسبه قال: خفين)). وفي رواية النسائي: ((فرسين من
خیله، بعیرین من إبله)).
وروي عن صعصعة قال: رأيت أبا ذر بالربذة وهو يسوق بعيراً له عليه مزادتان، قال:

٣٧٧
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤)
سمعت النبي عَّ يقول: ((ما من مسلم ينفق زوجين من ماله في سبيل الله إلاّ استقبلته حجبة
الجنة كلهم يدعوه إلى ما عنده، قلت: زوجين ماذا؟ قال: إن كان صاحب خيل ففرسين، وإن
كان صاحب إبل فبعيرين، وإن كان صاحب بقر فبقرتين، حتى عد أصناف المال)). وشبيه
حديث الحماني ذكره أبو موسى المديني عن مبارك بن سعيد عن ابن المحيريز، يرفعه: ((من
عال ابنتين أو أختين أو خالتين أو عمتين أو جدتين فهو معي في الجنة)). فإن قلت: النفقة إنما
تشرع في الجهاد والصدقة، فكيف تكون في باب الصلاة والصيام؟ قلت: لأن نفقة المال
مقترنة بنفقة الجسم في ذلك، لأنه لا بد للمصلي والصائم من قوت يقيم رمقه وثوب يستره،
وذلك من فروض الصلاة، ويستعين بذلك على الطاعة، فقد صار بذلك منفقاً لزوجين: لنفسه
ولماله، وقد تكون النفقة في باب الصلاة أن يبني لله مسجداً للمصلين، والنفقة في الصيام أن
يفطر صائماً، وذلك بدلالة قوله عَّله: ((من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة)). وقوله
سَ لّى: ((من فطر صائماً فكأنما صام يوماً)). فإن قلت: إذا جاز استعمال الجسم في الطاعة نفقة،
فيجوز أن يدخل في معنى الحديث: من أنفق نفسه في سبيل الله فاستشهد وأنفق كريم ماله
قلت: نعم، بل هو أعظم أجراً من الأول، يوضحه ما رواه سفيان عن الأعمش عن أبي سفيان
((عن جابر قال: قال رجل: يا رسول الله! أي الجهاد أفضل؟ قال: أن يعقر جوادك ويهراق
دمك))؟ فإن قلت: يدخل في ذلك صائم رمضان المزكي لماله والمؤدي الفرائض؟ قلت:
المراد: النوافل، لأن الواجبات لا بد منها لجميع المسلمين، ومن ترك شيئاً من الواجبات إنما
يخاف عليه أن ينادى من أبواب جهنم.
قوله: ((نودي من أبواب الجنة))، المراد من هذه الأبواب غير الأبواب الثمانية، وقال
أبو عمر في التمهيد، كذا قال من أبواب الجنة، وذكره أبو داود وأبو عبد الرحمن وابن
سنجر: ((فتحت له أبواب الجنة الثمانية))، وليس فيها ذكر: من، وقال ابن بطال: لا يصح
دخول المؤمن إلاَّ من باب واحد، ونداؤه منها كلها إنما هو على سبيل الإكرام والتخيير له في
دخوله من أيها شاء. قوله: ((هذا خير))، لفظة خير ليس من أفعل التفضيل، بل معناه هو خير
من الخيرات، والتنوين فيه للتعظيم، وفائدة هذا الإخبار بيان تعظيمه. قوله: ((دعي من باب
الصلاة)، أي: المكثرين لصلاة التطوع، وكذا غيرها من أعمال البر، وقد ذكرنا الآن أن
الواجبات لا بد منها لجميع المسلمين. قوله: ((من باب الصدقة))، أي: من الغالب عليه ذلك،
وإلاَّ فكل المؤمنين أهل للكل. وقال الكرماني: فإن قلت: ما وجه التكرار حيث ذكر الإنفاق
في صدر الكلام والصدقة في عجزه؟ قلت: لا تكرار، إذ الأول: هو النداء بأن الإنفاق، وإن
كان بالقليل من جملة الخيرات العظيمة، وذلك حاصل من كل أبواب الجنة، والثاني:
استدعاء الدخول إلى الجنة، وإنما هو من الباب الخاص به، ففي الحديث فضيلة عظيمة
للإنفاق، ولهذا افتتح به واختتم به.
قوله: ((بأبي أنت وأمي)) أي: أنت مغدى بأبي وأمي، فتكون الباء متعلقة به، وقيل:
تقديره: فديتك بأبي وأمي. قوله: ((من ضرورة)) أي: من ضرر، أي ليس على المدعو من كل

٣٧٨
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٥)
الأبواب مضرة، أي: قد سعد من دعي من أبوابها جميعاً، ويقال معناه: ما على من دعي من
تلك الأبواب من لم يكن إلاَّ من أهل خصلة واحدة ودعي من بابها لا ضرر عليه، لأن الغاية
المطلوبة دخول الجنة من أيها أراد، لاستحالة الدخول من الكل معاً. وقال الكرماني: أقول:
يحتمل أن تكون الجنة كالقلعة لها أسوار محيط بعضها ببعض، وعلى كل سور باب، فمنهم
من يدعى من الباب الأول فقط، ومنهم من يتجاوز عنه إلى الباب الداخل وهلم جراً. قلت:
هذا الذي ذكره لا يستبعده العقل، ولكن معرفة كيفية الجنة وكيفية أبوابها وغير ذلك موقوفة
على السماع من الشارع. قوله: ((وأرجو أن تكون منهم))، خطاب لأبي بكر، رضي الله تعالى
عنه، والرجاء من النبي عَّله واجب، نبه عليه ابن التين، فدل هذا على فضيلة أبي بكر، رضي
الله تعالى عنه، وعلى أنه من أهل هذه الأعمال كلها.
وفيه: أن أعمال البر لا تفتح في الأغلب للإنسان الواحد في جميعها، وإن من فتح له
في شيء منها حرم غيرها في الأغلب، وأنه قد يفتح في جميعها للقليل من الناس، وإن
الصدِّيق، رضي الله تعالى عنه، منهم.
٥ - بابٌ هَلْ يُقالُ رمَضَانُ أَوْ شَهْرُ رَمَضَانَ ومَنْ رَأَى كُلَّهُ واسِعاً
أي: هذا باب يقال فيه: هل يقال؟ أي: هل يجوز أن يقال: رمضان من غير شهر معه؟
أو يقال: شهر رمضان؟ قوله: ((هل يقال))؟ على صيغة المجهول، رواية الأكثرين، وفي رواية
السرخسي والمستملي: باب هل يقول، أي: الإنسان أو القائل. قوله: ((ومن رأى كله واسعاً))
من جملة الترجمة أي: من رأى القول بمجرد رمضان أو بقيده بشهر واسعاً أي: جائزاً لا حرج
على قائله، وفي رواية الكشميهني: ومن رآه بهاء الضمير، وإنما أطلق الترجمة ولم يفصح
بالحكم للاختلاف فيه على عادته في ذلك، فالذي اختاره المحققون والبخاري منهم لا
يكره أن يقال: جاء رمضان، ولا صمنا رمضان، وكان عطاء ومجاهد يكرهان أن يقولا:
رمضان، وإنما كانا يقولان كما قال الله تعالى: شهر رمضان، لأنا لا ندري لعل رمضان إسم
من أسماء الله تعالى، وحكاه البيهقي عن الحسن أيضاً، قال: والطريق إليه وإلى مجاهد
ضعيفة، وهو قول أصحاب مالك. وقال النحاس: وهذا قول ضعيف لأنه معَّلَّه نطق به، فذكر
ما ذكره البخاري. وفي (التوضيح): وهناك قول ثالث، وهو قول أكثر أصحابنا إن كان هناك
قرينة تصرفه إلى الشهر فلا كراهة وإلا فيكره.
قالوا: ويقال: قمنا رمضان، ورمضان أفضل الأشهر، وإنما يكره أن يقال: قد جاء
رمضان، ودخل رمضان، وحضر، ونحو ذلك. فإن قلت: في (كامل) ابن عدي عن أبي
سعيد المقبري عن أبي هريرة، قال رسول الله عَّةٍ: ((لا تقولوا رمضان، فإن رمضان اسم من
أسماء الله تعالى، ولكن قولوا: شهر رمضان؟)) قلت: قال أبو حاتم: هذا خطأ، وإنما هو قول
أبي هريرة وفيه أبو معشر نجيح المدني، وضعفه ابن عدي الذي خرجه، وقال بعضهم: أشار
البخاري بهذه الترجمة إلى دفع حديث ضعيف، ثم ذكر هذا الذي خرجه ابن عدي. قلت:

٣٧٩
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٥)
هذا القائل أخذ هذا الذي قاله من كلام صاحب (التلويح) فإنه قال: وإنما كان البخاري أراد
بالتبويب دفع ما رواه أبو معشر نجيح في (كامل) ابن عدي، وهو الذي ذكرناه، وهل هذا إلاّ
أمر عجيب من هذين المذكورين؟ فإن لفظ الترجمة: هل يقال رمضان أو شهر رمضان؟ من
أين يدل على هذا؟ فمن أي قبيل هذه الدلالة؟ وأيضاً: من قال: إن البخاري اطلع على هذا
الحديث أو وقف عليه حتى يرده بهذه الترجمة؟ قوله: ((رمضان)) قال الزمخشري: ((رمضان
مصدر رمض إذا احترق من الرمضاء، فأضيف إليه الشهر وجعل علما، ومنع الصرف للتعريف
والألف والنون، وسموه بذلك لارتماضهم فيه من حر الجوع ومقاساة شدته، كما سموه: ناتقاً
لأنه كان ينتقهم أي يزعجهم إضجاراً بشدته عليهم، وقيل: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة
القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فهيا، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر. قلت: كانوا
يقولون للمحرم المؤتمر، ولصفر ناجر، ولربيع الأول خوان، ولربيع الآخر وبضان، ولجمادى
الأولى ربى، ولجمادى الآخر حنين، ولرجب الأصم، ولشعبان عاذل ولرمضان ناتق، ولشوال
وعل، ولذي القعدة، ورنة، ولذي الحجة برك، وفي (الغريبين): هو مأخوذ من رمض الصائم
يرمض إذا حوّ جوفه من شدة العطش، وفي (المغيث) اشتقاقه من: رمضت النصل أرمضه
رمضاً إذا جعلته بين حجرين ودققته ليرق، سمي به لأنه شهر مشقة، ليذكر صائموه ما يقاسي
أهل النار فيها، وقيل: من رمضت في المكان يعني: احتبست، لأن الصائم يحتبس عما نهي
عنه، و: فعلان، لا يكاد يوجد من باب فعل، وهو في باب فعل بالفتح كثير، وقال ابن
خالويه: تقول العرب، جاء فلان يغدو رمضاً ورمضاً وترميضاً ورمضاناً إذا كان قلقاً فزعاً. وفي
(المحكم): جمعه رمضانات ورماضين وأرمضة وأرمض، عن بعض أهل اللغة، وليس يثبت في
(الصحاح): يجمع على أرمضاء، وفي (العلم): المشهور لأبي الخطاب: ويجمع أيضاً على
رماض، وهو القياس، وأراميض ورماض. قوله: ((أو شهر رمضان))، الشهر عدد وجمعه أشهر
وشهور، ذكره في (الموعب). وفي (المحكم): الشهر القمر سمي بذلك لشهرته وظهوره،
وسمي الشهر بذلك لأنه يشهر بالقمر، وفيه علامة ابتدائه وانتهائه. ويقال: شهر وشهر.
والتسکین أکثر.
وقال النبي عَّمِ منْ صامَ رَمَضَانَ
هذا التعليق وصله البخاري في الباب الذي يليه، وقد ذكر هذه القطعة منه لصحة قول
من يقول: رمضان بغير، قيد شهر.
وقال لاَ تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ
أي: قال النبي، عَّلِ: لا تقدموا رمضان، وهذا التعليق وصله البخاري من حديث أبي
هريرة على ما سيأتي، وذكر هذه القطعة منه أيضاً لما ذكرنا.
١٨٩٨/٨ - حدّثنا قُتَيْبَةُ قال حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عن أبِي سُهَيْلٍ عنْ أَبِيهِ عنْ
أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ الله عَ لِ قال إذَا جاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ

٣٨٠
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٥)
الجَنَّةِ. [الحديث ١٨٩٨ - طرفاه في: ١٨٩٩، ٣٢٧٧].
مطابقته للترجمة من حيث إنه جاء في الحديث ((إذا جاء رمضان)) من غير ذكر: شهر،
وهذا الحديث يفسر الإبهام الذي في الترجمة.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: قتيبة بن سعيد. الثاني: إسماعيل بن جعفر بن أبي
كثير أبو إبراهيم الأنصاري، مولى زريق المؤدب. الثالث: أبو سهيل واسمه نافع بن مالك بن
أبي عامر عمرو بن الحارث بن غيمان، بفتح الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف:
الأصبحي، عم أنس بن مالك. والرابع: أبو مالك بن أبي عامر، تابعي كبير أدرك عمر، رضي
الله تعالى عنه. الخامس: أبو هريرة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
ثلاثة مواضع. وفيه: أن شيخه بلخي والبقية مدنيون.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الصوم وفي صفة
إبليس وفي موضع آخر عن يحيى بن بكير عن الليث، وأخرجه مسلم في الصوم عن قتيبة
ويحيى بن أيوب وعلي بن حجر، ثلاثتهم عن إسماعيل بن جعفر به وعن حرملة بن یحیی
وأخرجه النسائي فيه عن علي بن حجر به وعن
وعن محمد بن الحاتم وحسن الحلوانى.
الربيع بن سليمان وعن عبيد الله بن سعد عن عمه يعقوب بن إبراهيم عن سعد به وعن
إبراهيم بن يعقوب وعن محمد بن خالد بن علي وعن عبد الله بن سعد عن عمه يعقوب بن
إبراهيم عن أبيه عن محمد بن إسحاق.
ذكر معناه: قوله: ((فتحت))، روي بتشديد التاء وتخفيفها، كذا أخرجه مختصراً، وقد
أخرجه مسلم بتمامه، وقال: حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد وابن حجر، قالوا: حدثنا
إسماعيل، وهو ابن جعفر عن أبي سهيل عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله
عَ ل قال: ((إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين»،
ثم المراد من فتح أبواب الجنة حقيقة الفتح، وذهب بعضهم إلى أن المراد بفتح أبواب الجنة
كثرة الطاعات في شهر رمضان، فإنها موصلة إلى الجنة، فكني بها عن ذلك، ويقال: المراد
به ما فتح الله على العباد فيه من الأعمال المستوجبة بها إلى الجنة من الصيام والصلاة
والتلاوة، وأن الطريق إلى الجنة في رمضان سهل، والأعمال فيه أسرع إلى القبول.
١٨٩٩/٩ - حدّثني يحيى بنُ بُكَيُرٍ قال حدَّثني اللَّيْثُ عنْ عُقَيلِ عنِ ابنِ شِهَابٍ
قال أخبرَني ابنُ أبِي أَنَسٍ مَوْلَى الَّيْمِيِّينَ أَنَّ أباهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أبا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ
يقول قال رسولُ اللهِ عَّ ◌َّ إِذَا دَخَل شهْرُ رَمَضَانَ فُتِحَتْ أَبْوابُ السَّمَاءِ وغِلِقَتْ أَبْوَابُ
جِهَنَّمَ وسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ [انظر الحديث ١٨٩٨ وأطرافه].
هذا طريق آخر أتم من الطريق الأول، مطابقته للترجمة في قوله: ((إذا دخل شهر
رمضان))، حيث ذكر فيه شهر، وهو مطابق لقوله في الترجمة: أو شهر رمضان.