النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٧)
والإفساد لا يكون معنى الكلبية فيه ظاهراً. فافهم. والفسق في أصل كلام العرب: الخروج،
ومنه فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها، وقوله تعالى: ﴿ففسق عن أمر ربه﴾ [الكهف:
٥٠]. أي: خرج، وسمي الرجل فاسقاً لخروجه عن طاعة ربه، وهو خروج مخصوص،
وسميت هذه الخمس فواسق لخروجها عن الحرمة التي لغيرهن وأن قتلهن للمحرم وفي
الحرم مباح، فالغراب ينقر ظهر البعير وينزع عينه إذا كان مسيراً، ويختلس أطعمة الناس،
والحدأة كذلك تختلس اللحم والفراريج، والعقرب تلدغ وتؤلم، والفأرة تسرق الأطعمة
وتفسدها وتقرض الثياب وتأخذ الفتيلة من السراج وتضرم بها البيت، والكلب العقور يجرح
الناس. قوله: ((يقتلن في الحرم)) على صيغة المجهول، وقد تقدم في رواية نافع في أول
الباب: ((ليس على المحرم في قتلهن جناح))، وفي رواية زيد بن جبير: ((يقتل المحرم))، وفي
رواية حفصة: ((لا حرج على من قتلهن))، وفي رواية مسلم من حديث الزهري عن عروة
بلفظ: ((يقتلن في الحل والحرم))، وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود: ((خمس قتلهن
حلال))، وعند مسلم في حديث زيد بن جبير أنه - أي النبي، عَّةِ - ((أمر أوامر أن تقتل
الفأرة ... )) الحديث. وفي رواية له: (( كان يأمر بقتل الكلب العقور))، وفي رواية له: ((خمس من
قتلهن وهو حرام فلا جناح عليه فيهن: الفأرة ... )) الحديث، وفي رواية الليث عن نافع بلفظ:
((إذن))، وحاصل الكل يرجع إلى أن قتل هذه الخمسة ليس فيه إثم على المحرم وفي الحرم،
وعلى الحلال بالطريق الأولى، وبقية الكلام قد مرت عن قريب.
٤٠٥ /١٨٣٠ - حدّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غَيَاتٍ قال حدَّثنا أبي قال حدَّثنا الأعْمَشُ
قال حدَّثني إبْرَاهِيمُ عنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنه قال بَيْتَما نَحْنُ معَ النبيّ
عَ ◌ّهِ فِي غَارٍ بِنِىّ إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿وَالمُرْسَلاَتِ﴾ [المرسلات: ١]. وإِنَّهُ لَيَتْلُوهَا وإنِّي لأتَقَّاهَا
مِنْ فِيهِ وَإِنَّ فَاهُ لَرَطْبٌّ بِهَا إِذْ وَثَبَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ فقال النبيُّ عَّ الِ اقْتُلُوها فابْتَدَرْنَاها فَذَهَبَتْ
فقال النبيُّ عَّهِ وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا. [الحديث ١٨٣٠ - أطرافه في: ٣٣١٧،
٤٩٣٠، ٤٩٣١، ٤٩٣٤].
مطابقته للترجمة في قوله: ((اقتلوها)) فإن قلت: الترجمة فيما يقتل المحرم وليس فيه
ما يدل على أنه أمر بقتل الحية في حالة الإحرام؟ قلت: كان ذلك في ليلة عرفة، وبذلك
صرح الإسماعيلي في روايته من طريق ابن نمير عن حفص بن غياث. وقوله: ((في غار بمنىّ))،
يدل على أنه كان في الحرم، وعند ابن خزيمة من رواية أبي كريب ((عن حفص بن غياث: أن
النبي عَ لِ أمر محرماً بقتل حية في الحرم بمنىٌ)).
ورجال الحديث قد مروا غير مرة، والأعمش هو سليمان، وإبراهيم هو النخعي والأسود
هو ابن يزيد، وعبد الله هو ابن مسعود.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن قتيبة عن جرير وعن عمر بن حفص
أيضاً. وقال في التفسير وغيره، وقال حفص وأبو معاوية وسليمان بن قرم أربعتهم عن الأعمش

٢٦٢
٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٧)
عنه به. وأخرجه مسلم في الحيوان عن عمر بن حفص به، وعن قتيبة وعثمان بن أبي شيبة،
كلاهما عن جرير به، وعن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب وإسحاق بن
إبراهيم أربعتهم عن أبي معاوية به، وفي الحج عن أبي كريب عن حفص بن غياث ببعضه أن
النبي عَّلِ أمر بقتل حية بمنىً. وأخرجه النسائي في الحج، وفي التفسير عن أحمد بن سليمان
الرهاوي عن يحيى بن آدم عن حفص بن غياث به.
:
قوله: ((بينما))، قد ذكرنا غير مرة أن: بينما، وبينا، ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويضافان
إلى جملة من فعل وفاعل ومبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، وجوابه هنا هو
قوله: ((إذ نزل عليه))، والأفصح أن لا يكون فيه إذ وإذا، وقد جاء أحدهما في الجواب
كثيراً. قوله: ((إذ نزل عليه)) أي: على النبي عَّ ◌ُلّهِ. وقوله: ﴿والمرسلات﴾ [المرسلات: ١].
أي سورة ﴿والمرسلات﴾ [المرسلات: ١]. وهو فاعل لقوله: ((نزل))، والفعل إذا أسند إلى
مؤنث غير حقيقي يجوز فيه التذكير والتأنيث. قوله: ((وإني لأتلقاها)) أي: لأتلقنها. قوله:
((من فيه)) أي: من فمه قوله: ((وإن فاه)) أي: وإن فمه. قوله: ((الرطب بها)) أي: لم يجف ريقه
بها. وقال التيمي: الرطب عبارة عن الغض الطري، كأن معناها: قبل أن يجف ريقه بها. قوله:
((إذ وثبت)) كلمة إذ، للمفاجأة. قوله: ((فابتدرناها)) أي: أسرعنا إلى أخذها، وهو من بدرت
إلى الشيء أبدر بدوراً: أسرعت، وكذلك: بادرت إليه، ويقال: ابتدروا السلاح، أي: تسارعوا
إلى أخذه. قوله: ((وقيت))، أي: حفظت ومنعت. قوله: ((شركم))، بالنصب لأنه مفعول ثان
للفعل المجهول، أي: إن الله سلمها منكم كما سلمكم منها، ولم يلحقها ضرركم كما لم
يلحقكم ضررها. قوله: ((كما وقيتم))، على صيغة المجهول أيضاً، ((وشرها)) بالنصب مفعول
ثان له.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: الأمر بقتل الحية سواء كان محرماً أو حلالاً أو في الحرم،
والأمر مقتضاه الوجوب. وقال ابن بطال: أجمع العلماء على جواز قتل الحية في الحل
والحرم، قال: وأجاز مالك قتل الأفعى وهي داخلة عنده في معنى الكلب العقور، وقال ابن
المنذر: لا نعلمهم اختلفوا في جواز قتل العقرب، وقال نافع: لما قيل: فالحية لا يختلف
فيها، وفي رواية: ومن يشك فيها؟ ورد عليه ابن عبد البر بما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق
شعبة: أنه سأل الحكم وحماداً فقالا: لا يقتل المحرم الحية ولا العقرب. قال: ومن حجتهما
أنهما من هوام الأرض، فيلزم من أباح قتلهما مثل ذلك في سائر الهوام. قلت: نعم، يباح قتل
سائر الهوام القتَّالة: كالرتيلاء وأم الأربعة والأربعين، والسام الأبرص، والوزغة، والنمل المؤذية
ونحوها. وأما نهيه، عَّلّه، عن قتل حيات البيوت فقد اختلف السلف قبلنا في ذلك، فقال
بعضهم: بظاهر الأمر، يقتل الحيات كلها من غير استثناء شيء منها، كما روى أبو إسحاق
عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله، قال: قال رسول الله عَ له: ((اقتلوا الحيات
كلهن فمن خاف ثأرهن فليس مني)»، وروى أيضاً هذا عن عمرو بن مسعود، وقال أبو عمر:
روى شعبة عن مخارق بن عبد الله عن طارق بن شهاب، قال: اعتمرت فمررت بالرمال،

٢٦٣
٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٧)
فرأيت حيات فجعلت أقتلهن، وسألت عمر فقال: هن عدونا فاقتلوهن)). قال ابن عيينة:
سمعت الزهري يحدث عن سالم عن أبيه أن عمر سئل عن الحية يقتلها المحرم؟ فقال: هي
عدو فاقتلوها حيث وجدتموها. وقال زيد بن أسلم: أي كلب أعقر من الحية؟ وقال آخرون: لا
ينبغي أن تقتل عوامر البيوت وسكانها إلاّ بعد مناشدة العهد الذي أخذ عليهن، فإن ثبت بعد
إنشاده قتل، وذلك حذار الإصابة فيلحقه ما لحق الفتى المعرس بأهله، حيث وجد حية على
فراشه فقتلها قبل مناشدته إياها، واعتلوا في ذلك بحديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً: ((أن
بالمدينة جناً قد أسلموا، فإن رأيتم منها شيئاً فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه)).
ولا تخالف بينهما، وربما تمثل بعض الجن ببعض صور الحيات فيظهر لأعين بني آدم، كما
روى ابن أبي مليكة ((عن عائشة بنت طلحة أن عائشة أم المؤمنين، رضي الله تعالى عنها،
رأت في مغتسلها حية فقتلتها، فأتيت في منامها، فقيل لها: إنك قتلت مسلماً، فقالت: لو
كان مسلماً ما دخل على أمهات المؤمنين؟ فقيل: ما دخل عليك إلاَّ وعليك ثيابك،
فأصبحت فزعة، ففرقت في المساكين إثني عشر ألفاً). قال ابن نافع: لا تنذر عوامر البيوت
إلاَّ بالمدينة خاصة على ظاهر الحديث، وقال مالك: تنذر بالمدينة وغيرها، وهو بالمدينة
أوجب، ولا تنذر في الصحارى، وقال غيره: بالسوية بين المدينة وغيرها، لأن العلة إسلام
الجن، ولا يحل قتل مسلم جني ولا أنسي. ومما يؤكد قتل الحية ما ذكره البخاري في هذا
الباب عن ابن مسعود، وعند الدارقطني من حديث ذر ((عن عبد الله: من قتل حية أو عقرباً
فقد قتل كافراً). وقال: الموقوف أشبه بالصواب.
١٨٣١/٤٠٦ - حدّثنا إِسْمَاعِيلُ قال حدَّثني مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ
عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها زَوْجِ النبيِّ عَّهِ أَنَّ رسولَ الله عَ لَه قَال لِلْوَزَعِ فُوَيْسِقٌ وَلَمْ
أَسْمَعْهُ أُمَرَ بِقَتْلِهِ. [الحديث ١٨٣١ - طرفه في: ٣٣٠٦].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فويسق))، لأن تسميته عَّالَّ إياه فويسقاً يقتضي أن يكون
قتله مباحاً. وإسماعيل هو ابن أبي أويس عبد الله أبو عامر الأشجعي المدني، ابن أخت مالك
ابن أنس.
والحديث أخرجه النسائي أيضاً في الحج عن وهب بن بيان عن ابن وهب عن مالك
به مختصراً: ((الوزغ فويسق)).
قوله: ((قال للوزغ)) اللام فيه بمعنى: عن، نحو: ﴿وقال الذين كفروا للذين آمنوا﴾
[مريم: ٧٣، والعنكبوت: ١٢، يس: ٤٧، والأحقاف: ١١]. أي: عن الذين آمنوا، والمعنى
هنا، قال عن الوزغ: فويسق. قلت: ويجوز أن يكون للتعليل، والمعنى: قال لأجل الوزغ:
فويسق، والوزغ، بفتح الواو والزاي وفي آخره غين معجمة: جمع وزغة، ويجمع أيضاً على:
وزغان وأزغان على البدل. وقال ابن سيده: عندي أن الوزغان إنما هو جمع وزغ الذي هو
جمع وزغة، كورل وورلان. وفي (الصحاح): والجمع أوزاغ وفي (المغيث): والجمع أوزاغ.

٢٦٤
٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٧)
قوله: ((فويسق))، تصغير: فاسق، تصغير تحقير. وهوانٍ، ومقتضاه الذم له. وقال الكرماني:
الوزغ دابة لها قوائم تعدو في أصول الحشيش، قيل: إنها تأخذ ضرع الناقة وتشرب من لبنها،
وقيل: كانت تنفخ في نار إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، لتلتهب. وقال الجوهري: الوزغة
دوبية. وقال ابن الأثير: وهي التي يقال: سام أبرص. قلت: هذا هو الصحيح، وهي التي تكون
في الجدران والسقوف ولها صوت تصيح به، وقال ابن الأثير: ومنه حديث عائشة، رضي الله
تعالى عنها: ((لما أحرق بيت المقدس كانت الأوزاغ تنفخه)). قوله: ((ولم أسمعه أمر بقتله))،
هو كلام عائشة أي: لم أسمع النبي، عَّةِ، أمر بقتل الوزغ، وإنما ذكرت الضمير في: بقتله،
نظراً إلى ظاهر اللفظ وإن كان جمعاً في المعنى، وقول عائشة هذا لا يدل على منع قتله،
لأنه قد سمعه غيرها. وفي مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص، رضي الله تعالى عنه،
مرفوعاً (أمر بقتل الأوزاغ)). وفي حديث عروة ((عن عائشة: أن النبي عَّ أمر بقتله)). وقال أبو
الحسن الباغندي في (علله): أنه وهم، والصواب أنه مرسل، وروى مالك عن ابن شهاب عن
سعد بن أبي وقاص أنه عَّ أمر بقتله، وفيه انقطاع بين الزهري وسعد، وقال ابن المواز عن
مالك، قال: سمعت أن رسول الله عَّله أمر بقتل الوزغ، وعن أم شريك أنه عَّه أمر بقتلها،
على ما سيأتي، وعن ابن عباس، رضي الله تعالى عنه: ((من قتل وزغاً فله صدقة)). وقال ابن
عمر: ((اقتلوا الوزغ فإنه شيطان))، وعن عائشة أنها كانت تقتل الوزغ في بيت الله تعالى،
وسأل إبراهيم بن نافع عطاء عن قتله في الحرم؟ قال: لا بأس به، ونقل ابن عبد البر الاتفاق
على جواز قتله في الحل والحرم، لكن نقل ابن عبد الحكم وغيره عن مالك: لا يقتل
المحرم الوزغ، زاد ابن القاسم: وإن قتله يتصدق لأنه ليس من الخمس المأمور بقتلها، وذكر
ابن بزيزة في (أحكامه): قال الطحاوي: لا يقتل المحرم الحية ولا الوزغ شيئاً غير الحدأة
والغراب والكلب العقور والفأرة والعقرب.
قلت: قد ذكرنا فيما مضى أنه قال: للمحرم قتل الحية، وروى مسلم من حديث أبي
هريرة مرفوعاً: ((من قتل وزغة في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الثانية فله
كذا وكذا حسنة، دون الأولى، ومن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة دون
الثانية)). وفي لفظ: ((كم قتل وزغاً في أول ضربة كتب له مائة حسنة، وفي الثانية دون ذلك،
وفي الثالثة دون ذلك)). وفي لفظ: ((في أول ضربة سبعين حسنة))، وقال أبو عمر: الوزغ
مجمع على تحريم أكله، وقال ابن التين: أباح مالك قتله في الحرم، وكره للمحرم. وقال ابن
حزم، من طريق سويد بن غفلة، قال: أمرنا عمر بن الخطاب بقتل الزنبور ونحن محرمون،
وعن حبيب المعلم عن عطاء بن أبي رباح، قال: ((ليس في الزنبور جزاء)).
وقال ابن حزم: وأما النمل فلا يحل قتله ولا قتل الهدهد ولا الصرد ولا النحل ولا
الضفدع لما روينا من طريق عبد الرزاق: حدثنا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله
((عن ابن عباس، قال: نهى رسول الله عَ لّه عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد
والصرد))، وعند أبي داود من حديث سعيد بن خالد عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن

٢٦٥
٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٨)
ابن عثمان: ((أن طبيباً سأل رسول الله، عَّ له، عن ضفدع يجعلها في دواء فنهاه، عليه الصلاة
والسلام،، عن قتلها)). وفي (التوضيح): اختلف المدنيون في الزنبور فشبهه بعضهم بالحية
والعقرب، فإن عرض لإنسان فدفعه عن نفسه لم يكن فيه شيء، وكان عمر، رضي الله تعالى
عنه، يأمر بقتله. وقال أحمد وعطاء: لا جزاء فيه. وقال بعضهم: يطعم شيئاً، قال إسماعيل:
وإنما لم يدخل أولاد الكلب العقور في حكمه لأنهن لا يعقرن في صغرهن ولا فعل لهن.
٨ - بابٌ لا يُعْضَدُ شَجَرُ الحَرَمِ
أي: هذا باب يذكر فيه: لا يعضد شجر الحرم، أي: لا يقطع، وهو على صيغة
المجهول من: عضدت الشجر عضداً، من: باب ضرب يضرب إذا قطعته، والعضد، بفتحتين:
ما يكسر من الشجر أو يقطع. وفي (المحكم): والشجر معضود وعضيد واستعضده قطعه.
وفي (المنتهى): أي قطعه بالمعضد، يعني: بالسيف الممتهن في قطع الشجر، والشجر
معضود وعضد بالتحريك.
وقال ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما عن النبيِّ عَُّلِ: لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ
مطابقته للترجمة ظاهرة وهذا التعليق ذكره البخاري موصولاً عن أبي شريح في هذا
الباب، وذكره كذلك عن ابن عباس في الباب الذي يلي هذا الباب، وسنذكر ما يتعلق به
هناك، إن شاء الله تعالى.
:
..--
٤٠٧ / ١٨٣٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ سَعِيدِ بنِ أبِي سعَيدِ المَقْبُرِيِّ عنْ
أَبِي شُرَيْحِ الْعَدَوِي أَنَّهُ قال لِعَمْرِو بنِ سَعَيدٍ وهْوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إلى مَكَّةَ احْذِنْ لِي أَيُّهَا الأميرُ
أَحَدِّثْكَ قُوْلاً قامَ بِهِ رَسُول الله عَّهِ لِلْغَدِ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ فسَمِعَتْهُ أَذُنايَ ووَعَاهُ قَلْبِي وَأَبْصَرَتْهُ
عَيْنَايَ حِينَ تَكلَّمَ بِهِ إِنَّهُ حَمِدَ الله وأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَ قال إنَّ مَكّةَ حَرَّمَهَا الله ولَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ
فَلاَ يَحِلُّ لإِمْرِىءٍ يُؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخر أنْ يَسْفِكَ بِهَا دَماً ولاَ يَعْضُدَ بِهَا شَجَرَةً فَإِنْ أَحَدٌ
تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رسولِ اللهِ عَ لَّهِ فَقُولُوا لَهُ إِنَّ الله أذِنَ لِرَسُولِهِ عَ لَّهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ وَأََّاَ أذِنَ لِي
سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَقَدْ عَادَتْ حُزْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُزْمَتِهَا بِالأَمْسِ ولْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَقِيلَ لأبِي
شُرَيْح ما قالَ لَكَ عَمْرٌو قال أنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يا أبَا شُرَيْحِ إِنَّ الحَرَمِ لاَ يعِيذُ عَاصِياً ولا
فَارَّاً بِدَمٍ ولاَ فَارَّاً بُخُرْبَةٍ: خُرْبَةٌ يَلِيَّةٌ. [انظر الحديث ١٠٤ وطرفيه].
:
:
مطابقته للترجمة في قوله: ((ولا يعضد بها شجرة))، وهذا الحديث قد مر بتمامه في
كتاب العلم في: باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب، وقد ذكرنا هناك أكثر ما يتعلق به،
ونستوفي ههنا جميع معانيه، وإن وقع فيه تكرار فإن التكرار يفيد الناظر فيه، خصوصاً إذا لم
يقدر على ما ذكر هناك، إما لبعد المسافة أو لوجه آخر.
وهذا الحديث قد أخرجه هناك: عن عبد الله بن يوسف عن الليث عن سعيد، وهنا:
عن قتيبة عن الليث عن سعيد. قوله: ((عن أبي شريح العدوي)) زاد هنا: العدوي، قيل: نظر
فيه لأنه خزاعي من بني كعب بن ربيعة بن لحي، بطن من خزاعة، ولهذا يقال له الكعبي

٢٦٦
٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٨)
أيضاً لا عدوي، وليس هو من بني عدي، لا عدي قريش ولا عدي مضر. قلت: يحتمل أنه
كان حليفاً لبني عدي بن كعب من قريش.
قوله: ((عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح))، وفي رواية ابن أبي ذئب:
((عن سعيد: سمعت أبا شريح))، أخرجه أحمد واختلف في اسمه، فالمشهور أنه خويلد بن
عمرو، أسلم قبل الفتح وسكن المدينة ومات بها سنة ثمان وستين، وليس له في البخاري
سوى هذا الحديث وحديثين آخرين. قوله: ((لعمرو بن سعيد))، هو عمرو بن سعيد بن العاص
المعروف بالأشدق لطيم الشيطان، ليست له صحبة، وعرف بالأشدق لأنه صعد المنبر فبالغ
في شتم علي، رضي الله تعالى عنه، فأصابه لِقْوَةٌ ولاَّه يزيد بن معاوية المدينة، وكان أحب
الناس إلى أهل الشام، وكانوا يسمعون له ويطيعونه، وكتب إليه يزيد: أن يوجه إلى عبد الله
ابن الزبير، رضي الله تعالى عنه، جيشاً، فوجهه واستعمل عليهم عمرو بن الزبير بن العوام،
وقال الطبري: كان قدوم عمرو بن سعيد والياً على المدينة من قبل يزيد بن معاوية في ذي
القعدة سنة ستين، وقيل: قدمها في رمضان منها وهي السنة التي ولي فيها يزيد الخلافة،
فامتنع ابن الزبير من بيعته وأقام بمكة، فجهز إليه عمرو بن سعيد جيشاً وأمر عليهم عمرو بن
الزبير وكان معادياً لأخيه عبد الله، وكان عمرو بن سعيد قد ولاَّه شرطة ثم أرسله إلى قتال
أخيه، فجاء مروان إلى عمرو بن سعيد فنهاه فامتنع، وجاءه أبو شريح فذكر القصة فلما نزل
الجيش ذا طوىّ خرج إليهم جماعة من أهل مكة فهزموهم وأسر عمرو بن الزبير فسجنه أخوه
بسجن عارم، وكان عمرو بن الزبير قد ضرب جماعة من أهل المدينة ممن اتهمهم بالميل
إلى أخيه، فأقادهم عبد الله منه حتى مات عمرو من ذلك الضرب. قوله: ((وهو يبعث
البعوث))، جملة حالية، والبعوث جمع البعث، وهو الجيش بمعنى: مبعوث، وهو من تسمية
المفعول بالمصدر، والمراد به الجيش المجهز للقتال. قوله: ((إيذن))، أصله: إئذن، بهمزتين
فقلبت الثانية ياء لسكونها وانكسار ما قبلها.
قوله: ((أيها الأمير)) أصله: يا أيها الأمير، فحذف حرف النداء منه. قوله: ((قام به
رسول الله عَّةٍ)) جملة في محل النصب لأنها صفة لقوله: ((قولاً)). وانتصاب: قولاً، على
المفعولية. قوله: ((الغد)) بالنصب أي: الثاني من يوم الفتح. قوله: ((سمعته أذناي)) أي: حملته
عنه بغير واسطة، وذكر الأذنين للتأكيد. قوله: ((ووعاه قلبي)) أي: حفظه، وهو تحقيق لفهمه
وتثبته. قوله: ((وأبصرته عيناي))، زيادة تأكيد في تحقق ذلك. قوله: ((حين تكلم به))، أي:
بذاك القول المذكور، وأشار بهذا إلى أن سماعه منه لم يكن مقتصراً على مجرد الصوت، بل
كان مع المشاهدة والتحقق بما قاله. قوله: ((إنه حمد الله))، بيان لقوله: ((تكلم)). قوله:
((حرمها الله))، أي: حكم بتحريمها، وقضاه به، وفيه حجة لمن يرى الملتجىء إلى مكة ممن
عليه دم لا يقتل فيها. لأن معنى تحريم الله إياها إن لا يقاتل أهلها ويؤمن من استجار بها ولا
يتعرض له، وهو معنى قوله تعالى: ﴿ومن دخله كان آمناً﴾ [آل عمران: ٩٧]. فإن قلت: جاء
في حديث أنس أن إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، حرم مكة، وسيجيء في الجهاد؟ قلت:

٢٦٧
٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٨)
قيل: إن إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، حرم مكة بأمر الله تعالى لا باجتهاده، وقيل: إن الله
تعالى قضى يوم خلق السموات والأرض أن إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، سيحرم مكة.
وقيل: إن إبراهيم أول من أظهر تحريمها بين الناس. وقال القرطبي: معناه أن الله حرم مكة
ابتداء من غير سبب ينسب لأحد ولا لأحد فيه مدخل. قال: ولأجل هذا أكد المعنى بقوله:
((ولم يحرمها الناس))، والمراد بقوله: ((ولم يحرمها الناس» أن تحريمها ثابت الشرع لا
مدخل للعقل فيه، وقيل: المراد أنها من محرمات الله، فيجب امتثال ذلك، وليس من
محرمات الناس، يعني في الجاهلية كما حرموا أشياء من عند أنفسهم، وقيل: معناه أن
حرمتها مستمرة من أول الخلق، وليست مما اختصت به شريعة النبي، عَّهِ. قوله: ((ولا
يعضد))، بصيغة المعلوم والضمير الذي فيه يرجع إلى أمرىء، أي: ولا يقطع قوله: ((بها)) أي:
بمكة، ووقع في رواية معمر بن شبة بلفظ: ((لا يخضد))، بالخاء المعجمة بدل العين المهملة،
وهو يرجع إلى معنى يعضد، لأن أصل الخضد الكسر، ويستعمل في القطع، وكلمة: لا، في:
((ولا يعضد))، زائدة لتأكيد النفي. قوله: ((فإن أحد ترخص)»، ارتفاع: أحد، بفعل مضمر يفسره
ما بعده، وتقديره، فإن ترخص أحد، وقوله: ((ترخص)) على وزن تفعل من الرخصة، وفي رواية
ابن أبي ذئب عند أحمد: ((فإن ترخص مترخص))، وهو المتكلف للرخصة. قوله: ((لقتال
رسول الله، عَّلِ)). يتعلق بقوله: ((ترخص))، أي: لأجل قتال رسول الله، عَّ له، فيها يعني: لا
يقول إن رسول الله عَ لّه، قتل، وأنا أيضاً أقتل فإذا قال كذلك فقولوا له: إن الله أذن لرسوله
ولم يأذن لك. قوله: ((وإنما أذن لي)) بفتح الهمزة وكسر الذال على بناء الفاعل، والضمير فيه
يرجع إلى الله، ويروى بضم الهمزة على البناء للمجهول. قوله: ((ساعة من نهار))، قد مضى
في كتاب العلم أن مقدار هذه الساعة ما بين طلوع الشمس وصلاة العصر، وكان قتل من
قتل بإذن النبي، عَ له: كابن خطل، وقع في هذا الوقت الذي أبيح فيه القتال للنبي، عَ ليه
ولا يحمل الحديث على ظاهره حتى يحتاج إلى الجواب عن قصة ابن خطل. قوله:
((اليوم))، المراد به الزمن الحاضر يعني: عادت حرمتها كما كانت بالأمس حراماً إلى يوم
القيامة، ولم يبين غاية الحرمة هنا، وبينها في حديث ابن عباس الذي يأتي بعد باب بقوله:
((فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة)).
قوله: ((فقيل لأبي شريح)) لم يدر هذا القائل لأبي شريح المذكور من هو؟ وفي
رواية بن إسحاق أنه بعض قومه من خزاعة. قوله: ((ما قال لك عمرو؟)) وهو عمرو بن سعيد
المذكور في السند. قوله: ((قال: أنا أعلم))، أي: قال عمرو بن سعيد: أنا أعلم بذلك، أي:
بالمذكور من قول أبي شريح: إن مكة حرمها الله تعالى .. إلى قوله: فقيل لأبي شريح،
والعجب من عمرو بن سعيد حيث ساق الحكم مساق الدليل، وخصص العموم بلا دليل.
قوله: ((لا يعيذ))، بالذال المعجمة أي: لا يجير عاصياً ولا يعصمه. قوله: ((ولا فاراً)) بالغاء من
الفرار وهو الهروب، والمراد من وجب عليه الحد لقتله، ثم هرب إلى مكة مستجيراً بالحرم.
قوله: ((بخربة))، بضم الخاء المعجمة وفتحها وسكون الراء وفتح الباء الموحدة. وفي

٢٦٨
٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٨)
(المحكم): الخربة: يعني بالفتح، والخربة يعني بالضم، والخرب والخرب: الفساد في
الدين، والخربة: الذلة، يقال: ما لفلان خربة، قال أبو المعاني: الخارب اللص، والخرابة
اللصوصية. وقال الأصمعي: الخارب سارق البعير خاصة، والجمع خراب، وخرب فلان بإبل
فلان يخرب خرابة. مثل: كتب يكتب كتابة، والخربة الفعلة منه. وقال اللحياني: خرب فلان
بإبل فلان يخرب بها خرباً وخروباً وخرابةً وخرابةً: أي سرقها، كذا حكاه متعدياً بالباء، وقال
مرة: خرب فلان أي: صار لصاً، وأشار ابن العربي إلى ضبطه: بكسر الخاء المعجمة وسكون
الزاي بدل الراء وبالياء آخر الحروف بدل الباء الموحدة: قيل: المعنى صحيح ولكن لا
تساعده على ذلك الرواية. قلت: لم يظهر لي صحة المعنى مع عدم الرواية وحكى الكرماني:
جزية، بكسر الجيم وسكون الزاي وهو أيضاً بعيد. قوله: ((قال أبو عبد الله))، هو: البخاري
نفسه، فسر الخربة بقوله: بلية، قال بعضهم: هو تفسير من الراوي، ثم قال: والظاهر أنه
المصنف. قلت: صرح بقوله ((قال أبو عبد الله))، ولم يبق وجه أن يقال: تفسير من الراوي
على الإبهام.
ومن الفوائد هنا: أن تعلم أن من عد كلام عمرو بن سعيد المذكور حديثاً، واحتج بما
تضمنه كلامه فقد وهم وهماً فاحشاً، وعن هذا قال ابن حزم: لا كرامة للطيم الشيطان أن
يكون أعلم من صاحب رسول الله عَّ له قلت: أراد من لطيم الشيطان هو عمرو بن سعيد، فإنه
كان يلقب به، وأراد بصاحب رسول الله عَ ليه هو أبا شريح العدوي المذكور فيه، فإن قلت:
قال ابن بطال: سكوت أبي شريح عن جواب عمرو بن سعيد يدل على أنه رجع إليه في
التفصيل المذكور؟ قلت: يرد هذا ما رواه أحمد في (مسنده): أنه قال في آخره: ((قال أبو
شريح، فقلت لعمرو: قد كنتُ شاهداً وكنتَ غائباً، وقد أمرنا أن يبلغ شاهدنا غائبنا، وقد
بلغتك)). فهذا ينادي بأعلى صوته أنه لم يوافقه، وإنما ترك المشافهة معه لعجزه عنه لأجل
شوكته، وقال ابن بطال أيضاً: ليس قول عمرو جواباً لأبي شريح لأنه لم يختلف معه: أن من
أصاب حداً في غير الحرم ثم لجأ إليه أنه يجوز إقامة الحد عليه في الحرم، فإن أبا شريح
أنكر بعث عمر والجيش إلى مكة، ونصب الحرب عليها، فأحسن في استدلاله بالحديث،
وحاد عمرو عن جوابه وأجابه عن سؤاله، واعترض الطيبي عليه بأنه لم يحد في جوابه، وإنما
أجاب بما يقتضيه القول بالموجب، كأنه قال له: صح سماعك وحفظك، لكن المعنى المراد
بالحديث الذي ذكرته خلاف ما فهمته منه، قال: فإن ذلك الترخص كان بسبب الفتح وليس
بسبب قتل من استحق القتل خارج الحرم، ثم استجار بالحرم، والذي أنا فيه من القبيل
الثاني.
ومن فوائده: أنه لا يجوز قطع أغصان شجر مكة التي أنشأها الله فيها مما لا صنع فيه
لبني آدم، وإذا لم يجز قطع أغصانها فقطع شجرها أولى بالنهي، وقام الإجماع كما قال ابن
المنذر على تحريم قطع شجر الحرم. واختلفوا فيما يجب على قاطعها، فقال مالك: لا شيء
عليه غير الاستغفار، وهو مذهب عطاء وبه قال أبو ثور، وذكر الطبري عن مر مثل معناه وقال

٢٦٩
٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٩)
الشافعي: عليه الجزاء في الجميع - المحرم في ذلك والحلال سواء - في الشجرة الكبيرة
بقرة، وفي الصغيرة شاة، وفي الخشب وما أشبهه فيه قيمته بالغة ما بلغت، وقال القرطبي:
خص الفقهاء الشجر المنهي عن قطعه بما ينبته الله تعالى من غير صنع آدمي، فأما ما ينبت
بمعالجة آدمي فاختلف فيه، والجمهور على الجواز. وقال الشافعي: في الجميع الجزاء.
ورجحه ابن قدامة، وقال ابن العربي: اتفقوا على تحريم قطع شجر الحرم، إلاّ أن الشافعي
أجاز قطع السواك من فروع الشجرة، كذا نقله أبو ثور عنه، وأجاز أيضاً أخذ الورق والثمر إذا
كان لا يضرها ولا يهلكها، وبهذا قال عطاء ومجاهد وغيرهما، وأجاز قطع الشوك لكونه
يؤذي بطبعه، فأشبه الفواسق، ومنعه الجمهور. وقال ابن قدامة: ولا بأس بالانتفاع بما انكسر
من الأغصان وانقطع من الشجر بغير صنع آدمي، ولا بما يسقط من الورق، نص عليه أحمد،
ولا نعلم فيه خلافاً، انتهى. وأجمع كل من يحفظ عنه العلم على إباحة أخذ كل ما ينبته
الناس في الحرم من البقول والزروع والرياحين وغيرها. وفي (التلويح): واختلفوا في أخذ
السواك من شجر الحرم. فروينا عن مجاهد وعطاء وعمر بن عمير أنهم رخصوا في ذلك.
ومن فوائده جواز إخبار الرجل عن نفسه بما يقتضي به ثقته وضبطه لما سمعه. ومنها:
إنكار العالم على الحاكم ما يغيره من أمر الدين والموعظة بلطف وتدريج. ومنها: الاقتصار
في الإنكار على اللسان إذا لم يستطع باليد. ومنها: وقوع التأكيد في الكلام البليغ. ومنها:
جواز المجادلة في الأمور الدينية. ومنها: الخروج عن عهدة التبليغ والصبر على المكاره إذا
لم يستطع بداً من ذلك. ومنها: جواز قبول خبر الواحد لأنه معلوم أن كل من شهد الخطبة
قد لزمه الإبلاغ، وأنه لم يأمرهم بإبلاغ الغائب عنهم إلاَّ وهو لازم له، فرض العمل بما أبلغه
كالذي لزم السامع سواء، وإلاّ لم يكن بالأمر بالتبليغ فائدة. ومنها: أن الحرم لا يعيذ عاصياً.
وفيه: أقوال للعلماء وحجج قد ذكرناها في كتاب العلم، والله أعلم بحقيقة الحال، وإليه
المرجع والمآل.
٩ - بابٌ لا يُنَفَّرُ صَيْدُ الحَرَمِ
أي: هذا باب يذكر فيه: لا ينفر صيد الحرم، وينفر على صيغة المجهول من التنفير،
قيل: هو كناية عن الاصطياد، وقيل: على ظاهره، وقال النووي: يحرم التنفير وهو الإزعاجِ عن
موضعه، فإن نفره عصي، سواء تلف أو لا، فإن تلف في نفاره قبل سكونه ضمن، وإلاّ فلا،
ويستفاد من النهي عن التنفير تحريم الإتلاف بالطريق الأولى.
٤٠٨/ ١٨٣٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قال حدَّثنا عَبْدُ الوَهَّابِ قال حدَّثنا خالِدٌ
عنْ ◌ِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عِنهما أنَّ النبيَّ عَ لّ قال إنَّ الله حَرَّمَ مَكَّةَ فَلَمْ
تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبَلِي وَلاَ تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي وَإَِّا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ لا يُخْتَلَى خَلاَهَا
ولاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلاَ يُنَفَّزْ صَيْدُهَا ولاَ تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلاَّ لِمُعَرِّفٍ وقال الْعَبَّاسُ يَا رَسُولَ اللهِ
إلاَّ الإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وقُبُورِنا فقال إلاَّ الأُذْخِرَ. [انظر الحديث ١٣٤٩ وأطرافه].

٢٧٠
٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٩)
مطابقته للترجمة في قوله: ((ولا ينفر صيدها))، وهذا الحديث قد مر في كتاب الجنائز
في: باب الإذخر والحشيش في القبر، فإنه أخرجه هناك عن محمد بن عبد الله بن حوشب
عن عبد الوهاب وهو الثقفي عن خالد هو الحذاء، وههنا أخرجه عن محمد بن المثنى عن
عبد الوهاب إلى آخره، وقد ذكرنا هناك ما يتعلق به. قوله: ((فلم تحل لأحد بعدي))، وفي
رواية الكشميهني: ((فلا تحل)) وفي الباب الذي بعده: ((وأنه لم يحل القتال فيه لأحد بعدي)).
وعند البخاري في أوائل البيع من طريق خالد الطحان عن خالد الحذاء بلفظ: ((فلم تحل
لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي))، ومثله عند أحمد من طريق وهب عن خالد، وقال ابن
بطال: المراد بقوله: ((ولا تحل لأحد بعدي)» الإخبار عن الحكم في ذلك لا الإخبار بما
سيقع، لوقوع خلاف ذلك في الشاهد كما وقع من الحجاج وغيره. قوله: ((لا يختلي)) أي:
لا يجز ولا يؤخذ. قوله: ((خلاها))، بفتح الخاء المعجمة مقصور: الرطب من الكلأ. قوله:
((ولا تلتقط))، على صيغة المجهول وضمن لا تلتقط معنى: لا يحل الالتقاط، ويجوز أن
يكون: لا تلتقط، على صيغة المعلوم فتكون اللام حينئذ في المعرف زائدة، وقال الكرماني:
حكم جميع البلاد هذا، وهو أن لا تلتقط إلاَّ للتعريف. قلت: هذا للتعريف المجرد أي: لا
يتملكها بعد التعريف، بل يعرفها أبداً. قوله: ((لصاغتنا)) جمع صائغ. قوله: ((إلاَّ الإذخر))،
بكسر الهمزة، نبت معروف والمستثنى منه هو قوله: ((لا يختلى خلاها))، ومثله يسمى
بالاستثناء التلقيني.
وعنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قال هَلْ تَدْرِي ما لاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا هُوَ أَنْ يُنَحِّيَّهُ مِنَ الظُّلِّ يَنْزِلُ مَكَانَهُ
وعن خالد، عطف على قوله: حدثنا خالد عن عكرمة داخل في الإسناد المذكور.
قوله: ((قال: هل تدري)) هذا خطاب من عكرمة لخالد، يريد أن ينبه عكرمة بذلك على المنع
من الإتلاف وسائر أنواع الأذى، وهذا تنبيه بالأدنى على الأعلى كما في قوله تعالى: ﴿ولا
تقل لهما أفٍ﴾ [الإسراء: ٢٣]. فإذا كان الشخص ممنوعاً عن القول بأفّ لوالديه فمنعه عن
سبهما بطريق الأولى. وقد خالف في ذلك عطاء ومجاهد عكرمة فإنهما قالا: لا بأس بطرده
ما لم يفض إلى قتله، رواه ابن أبي شيبة، وروى أيضاً من طريق الحكم عن شيخ من أهل
مكة أن حماماً كان على البيت، فذرق على يد عمر، فأشار عمر بيده فطار فوقع على بعض
بيوت مكة، فجاءت حية فأكلته، فحكم عمر، رضي الله تعالى عنه، على نفسه بشاة. وروى
من طريق آخر عن عثمان، رضي الله تعالى عنه. نحوه. قوله: ((ما لا ينفر؟))، أي: ما الشيء
الذي ينفر صيد مكة، وكلمة: ما، استفهامية فيستفهم بها عن مضمون الجملة التي بعدها
أي: ما الغرض من لفظ: ما لا ينفر صيدها؟ قوله: ((هو)) أي: التنفير، دل عليه قوله: ((ينفر))
من قبيل قوله تعالى: ﴿اعدلوا هو﴾ [المائدة: ٨]. أي: العدل ﴿أقرب للتقوى﴾ [المائدة:
٨]. قوله: ((أن ينحيه)) من التنحية، وهو الإبعاد من نحى ينحي بالحاء المهملة، وهو على
صيغة الغائب والضمير فيه يرجع إلى المنفر الذي يدل عليه لفظ ينفر، ويروى: تنحية
بالخطاب. وقوله: ((ينزل)) بالوجهين أيضاً، ومعنى: ينزل، مكانه، أي: مكان الصيد، وهذه

٢٧١
٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (١٠)
جملة وقعت حالاً.
١٠ - بابُ لا يَحِلُّ الْقِتَالُ بِمَكَّةَ
أي: هذا باب يذكر فيه لا يحل القتال بمكة أي في مكة. قوله: ((القتال))، هكذا وقع
في لفظ الحديث، وكذا وقع في رواية مسلم، ووقع في رواية أخرى بلفظ: ((القتل))، والفرق
بين القتل والقتال ظاهر، أما القتل فنقل بعضهم الاتفاق على جواز إقامة حد القتل فيها على
من أوقعه فيها، وخص الخلاف بمن قتل في الحل، ثم لجأ إلى الحرم. وممن نقل الإجماع
على ذلك ابن الجوزي، وأما القتال فقال الماوردي: من خصائص مكة أن لا يحارب أهلها،
فلو بغوا على أهل العدل فإن أمكن ردهم بغير قتال لم يجز، وإن لم يمكن إلاَّ بالقتال. فقال
الجمهور: يقاتلون لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى فلا يجوز إضاعتها، وقال آخرون: لا
يجوز قتالهم بل يضيق عليهم إلى أن يرجعوا إلى الطاعة.
وقال أبُو شُرَيْحٍ رضي الله تعالى عنه عنِ النبيِّ عَلِ لاَ يُسْفَكُ بِهَا دَماً
أبو شريح: هو الصحابي المذكور في الباب الذي قبل الباب السابق، وقد مضى فيه
هذا التعليق موصولاً.
٤٠٩ /١٨٣٤ - حدّثنا عُثْمَانُ بنُ أَبِي شَيْبَةَ قال حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ مُجَاهِدٍ
عنْ طَاؤُس عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال قال النبيُّ عَّهِ يَوْمَ افْتَتَحَ مَكَّةَ لاَ
هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ ونِيَّةٌ وإِذَا اسْتُثْفِرْتُمْ فَانْفُرُوا فإنَّ هذَا بَلَدٌ حَرَّمَ اللّه يَوْمَ خَلَقَ السَّمُواتِ
والأرْضَ وهُوَ حَرَامٌ بِحُزْمَةِ الله إلَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ القِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَمْ
يَحِلَّ لِي إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُزْمةِ الله إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ لاَ يُعْضَدُ شَوْكُهُ وَلَاَ يُنَفَّرُ
صَيْدُهُ وَلاَ يَلْتَقِطُ لُقَطَّتَهُ إلَّ مَنْ عَرَّفَهَا ولاَ يُخْتَلَى خَلاهَا. قَال الْعَبَّاسُ يا رسولَ الله إلاَّ الإذْخِرُ
فإِنَّهُ لِقَئِنِهِم ولِبُيُوتِهِمْ قال إلاَّ الإذْخِرَ. [انظر الحديث ١٣٤٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة)) وعثمان بن
أبي شيبة هو عثمان بن محمد بن أبي شيبة، واسمه إبراهيم بن عثمان أبو الحسن العبسي
الكوفي وهو أخو أبي بكر عبد الله بن أبي شيبة، مات في المحرم سنة تسع وثلاثين ومائتين،
وهو أكبر من أبي بكر بثلاث سنين، وروى عنه مسلم أيضاً. وجرير هو ابن عبد الحميد،
ومنصور هو ابن المعتمر يروي عن مجاهد عن طاوس، كذا يرويه موصولاً، وخالفه الأعمش
فرواه عن مجاهد عن النبي، عَّه، مرسلاً، أخرجه سعيد بن منصور عن أبي معمر عنه،
ومنصور ثقة حافظ فالحكم لوصله ..
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الحج وفي الجزية: عن علي بن عبد الله، وفي
الجهاد: عن آدم عن شيبان وعن علي بن عبد الله وعمرو بن علي، كلاهما عن يحيى.
وأخرجه مسلم في الجهاد عن يحيى بن يحيى وفيه وفي الحج عن إسحاق بن إبراهيم،
وفيهما أيضاً عن محمد بن رافع وفي الجهاد أيضاً عن أبي بكر وأبي كريب وعن عبد بن

٢٧٢
٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (١٠)
حميد. وأخرجه أبو داود في الحج والجهاد عن عثمان به منقطعاً. وأخرجه الترمذي في السير
عن أحمد بن عبدة وأخرجه النسائي فيه وفي البيعة عن إسحاق بن منصور في الحج عن
محمد بن قدامة وعن محمد بن رافع.
قوله: ((يوم افتح مكة)) منصوب لأنه ظرف: لقال. قوله: ((لا هجرة))، أي: بعد الفتح،
وكذا جاء عن علي بن المديني في روايته عن جرير في كتاب الجهاد والهجرة من دار
الحرب إلى دار الإسلام: باقية إلى يوم القيامة، ولم تبقَ هجرة من مكة بعد أن صارت دار
الإسلام، وهذا يتضمن معجزة لرسول الله، عَلَّهِ، بأنها تبقى دار الإسلام لا يتصور منها
الهجرة. قوله: ((ولكن جهاد))، أي: لكن لكم طريق إلى تحصل الفضائل التي في معنى
الهجرة، وذلك بالجهاد ونية الخير في كل شيء من لقاء رسول الله، معَّه، ونحوه. وارتفاع:
جهاد، على الابتداء وخبره محذوف مقدماً، تقديره: لكم جهاد. قوله: ((وإذا استنفرتم)) أي:
إذا دعاكم الإمام إلى الخروج إلى الغزو فاخرجوا إليه، وقال الطيبي: ((ولكن جهاد)»، عطف
على محل مدخول: ((ولا هجرة)) أي: الهجرة من الأوطان إما هجرة الفرار من الكفار، وإما
إلى الجهاد، وإما إلى غير ذلك كطلب العلم، وانقطعت الأولى وبقيت الأخريان فاغتنموهما
ولا تقاعدوا عنهما، وإذا استنفرتم فانفروا. قوله: «فإن هذا بلد» الفاء فيه جواب شرط
محذوف تقديره: إذا علمتم ذلك فاعلموا أن هذا بلد حرام. قوله: ((حرم الله)) كذا هو في
رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: ((حرمه الله)) بالهاء، قوله: ((بحرمة الله))، أي: بتحريمه،
وهذا تأكيد للتحريم. قوله: ((وإنه)) أي: إن الشأن ((لم يحل القتال فيه)) هكذا وقع في رواية
الكشميهني بلفظ: ((لم يحل))، وفي رواية غيره: ((لا يحل))، بلفظ: لا، والأول أشبه. لقوله:
((قبلي)). قوله: ((ولا يلتقط))، على صيغة المعلوم وفاعله هو قوله: ((من عرفها)). قوله: ((خلاها))
بالقصر كما ذكرنا، وذكر ابن التين أنه وقع في رواية القابسي بالمد، وهو: الرطب من النبات،
واختلاؤه وقطعه واحتشاشه، وتخصيص التحريم بالرطب إشارة إلى جواز رعي اليابس
واختلائه، وهو أصح الوجهين للشافعية، لأن النبت اليابس كالصيد الميت. وقال ابن قدامة:
لكن في استثناء الإذخر إشارة إلى تحريم اليابس من الحشيش، ويدل عليه أن في بعض طرق
حديث أبي هريرة: ((ولا يحتش حشيشها)).
قوله: (قال العباس))، هو ابن عبد المطلب، كما وقع كذلك في المغازي من وجه
آخر. قوله: ((إلاَّ الإذخر))، قد ذكرنا أنه استثناء تلقيني والاستثناء التلقيني هو أن العباس لم يرد
به أن يستثني هو بنفسه، وإنما أراد به أن يلقن النبي، عَلّه، بالاستثناء، واستدل به بعضهم على
جواز الفصل بين المستثنى والمستثنى منه، ومذهب الجمهور اشتراط الاتصال إما لفظاً وإما
حكماً كجواز الفصل بالتنفس مثلاً، وقد اشتهر عن ابن عباس الجواز مطلقاً، واحتج له بظاهر
هذه القصة. وأجاب الجمهور عنه بأن هذا الاستثناء في حكم المتصل لاحتمال أن يكون
النبي، عَّهِ، أراد أن يقول: إلاَّ الإذخر، فشغله العباس بكلامه، فوصل كلامه بكلام نفسه،
فقال: إلاَّ الإذخر، وقد قال مالك: يجوز الفصل مع إضمار الاستثناء متصلاً بالمستثنى منه.

٢٧٣
٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (١١)
فإن قلت: هل كان قوله عَّ الّله ((إلاَّ الإذخر؟)) باجتهاد أو وحي؟ قلت: اختلفوا فيه فقيل: أوحى
الله قبل ذلك أنه إن طلب أحد استثناء شيء من ذلك فأجب سؤاله، وقيل: كان الله تعالى
فوض له الحكم في هذه المسألة مطلقاً. وحكى ابن بطال عن المهلب: أن الاستثناء هنا
للضرورة كتحليل أكل الميتة عند الضرورة، وقد بين العباس ذلك بأن الإذخر لا غنىّ لأهل
مكة عنه، ورد عليه بأن الذي يباح للضرورة يشترط حصولها فيه، فلو كان الإذخر مثل الميتة
لامتنع استعماله إلاَّ فيمن تحققت ضرورته فيه، والإجماع على أنه مباح مطلقاً بغير قيد
الضرورة، وقيل: الحق أن سؤال العباس كان على معنى الضراعة وترخيص النبي عَّه كان
تبليغاً عن الله تعالى، إما بطريق الإلهام أو بطريق الوحي، ومن ادعى أن نزول الوحي يحتاج
إلى أمد متسع فقد وهم، ويجوز في الإذخر الرفع على أنه بدل مما قبله، ويجوز النصب
لكونه استثناء وقع بعد النهي، وقال ابن مالك: والمختار النصب لسكون الاستثناء وقع متراخياً
عن المستثنى منه، فبعدت المشاكلة بالبدلية، لكون الاستثناء أيضاً عرض في آخر الكلام، ولم
يكن مقصوداً. قوله: ((فإنه)) أي: فإن الإذخر. قوله: ((لقينهم))، بفتح القاف وسكون الياء في
آخر الحروف بعدها نون، وهو الحداد. وقال الطبري: القين عند العرب كل ذي صناعة
يعالجها بنفسه. قوله: ((ولبيوتهم)) يعني: لسقوف بيوتهم حيث يجعلونه فوق الخشب، وقال
التيمي: معناه يوقدونه في بيوتهم، وفي رواية المغازي: ((فإنه لا بد منه للقين والبيوت))، وفي
الرواية الماضية: ((فإنه لصاغتنا وقبورنا)). ووقع في مرسل مجاهد عند عمر بن شبة الجمع بين
الثلاثة، ووقع عنده أيضاً، ((فقال العباس: يا رسول الله! إن أهل مكة لا صبر لهم عن الإذخر
لقينهم وبيوتهم)).
ومن فوائد هذا الحديث: جواز مراجعة العالم في المصالح الشرعية والمبادرة إلى
مَ لٍ. ومنها عنايته بأمر
ذلك في المجامع والمشاهد. ومنها: عظم منزلة العباس عند النبي
مكة لكونه كان منها أصله ومنشؤه. ومنها: رفع وجوب الهجرة عن مكة إلى المدينة وإبقاء
حكمها من بلاد الكفر إلى يوم القيامة. ومنها: أنه يشترط الإخلاص للجهاد ولكل نية فيها
خير، والله أعلم.
١١ - بابُ الحِجَامَةِ لِلْمُخرِمِ
أي: هذا باب في بيان حكم الحجامة للمحرم، هل يمنع منها أو يباح له مطلقاً أو
للضرورة؟ والمراد في ذلك كله المحجوم لا الحاجم.
وكَوَى ابنُ عُمَرَ ابْنَهُ وهُوَ مُخرِمٌ
يستأنس مطابقة هذا الأثر للترجمة من حيث إن كلاً من الحجامة والكي يستعمل
للتداوي عند الضرورة، وابن عمر هو عبد الله، واسم ابنه واقد بالقاف، ووصل هذا التعليق
سعيد بن منصور من طريق مجاهد، قال: أصاب واقد بن عبد الله بن عمر برسام في الطريق
وهو متوجه إلی مکة، فکواه ابن عمر.
عمدة القارىء / ١٠ / م١٨
:

٢٧٤
:
٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (١١)
ويَتَدَاوَی ما لَمْ يَكُنْ فِيهِ طِيبٌ
أي: ويتداوى المحرم بدواء ما لم يكن فيه طيب، وفي بعض النسخ: بما لم يكن فيه
طيب، وقال بعضهم: هذا من تتمة الترجمة وليس في أثر ابن عمر كما ترى، وأما قول
الكرماني: يتداوى، فاعله إما المحرم وإما ابن عمر، فكلام من لم يقف على أثر ابن عمر.
انتهى. قلت: أما قول هذا القائل: هذا من تتمة الترجمة، فليس بشيء لأن أثر ابن عمر فاصل
يمنع أن يكون هذا من الترجمة، وأما قول الكرماني: وأما ابن عمر فكذلك، ليس بشيء لوقوع
هذا أيضاً بعد أثر ابن عمر في غير محله، ومع هذا أشار به إلى جواز التداوي للمحرم بما
ليس فيه طيب، وقد ذكر البخاري في أوائل الحج في: باب الطيب عند الإحرام، وقال ابن
عباس: يشم المحرم الريحان، وينظر في المرآة ويتداوى ويأكل الزيت والسمن، وروى الطبري
من طريق الحسن، قال: إن أصاب المحرم شجة فلا بأس بأن يأخذ ما حولها من الشعر ثم
يداويها بما ليس فيه طيب.
٤١٠ /١٨٣٥ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثنا سُفْيَانُ قال قال عَمْرٌو أولُ شَيْءٍ
سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما يَقُولُ احْتَجَمَ رسولُ الله
وهُوَ مُخْرِمٌ ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ حدَّثني طَاؤُسٌ عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ لَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُمَا. [الحديث
١٨٣٥ - أطرافه فى: ١٩٣٨، ١٩٣٩، ٢١٠٣، ٢٢٧٨، ٢٢٧٩، ٥٦٩١، ٥٦٩٤،
٥٦٩٥، ٥٦٩٩، ٥٧٠٠، ٥٧٠١].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: علي بن عبد الله المعروف بابن المديني. الثاني:
سفيان بن عيينة. الثالث: عمرو بن دينار. الرابع: عطاء بن أبي رباح. الخامس: طاووس
اليماني. السادس: عبد الله بن عباس.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: التحديث
بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: القول في أربعة مواضع. وفيه: السماع في موضعين.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الطب عن مسدد،
وأخرجه مسلم في الحج عن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم،
وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن حنبل. وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة. وأخرجه النسائي
فيه وفي الصوم عن قتيبة ومحمد بن منصور وفي الباب عن أنس وعبد الله بن بحينة وجابر
وابن عمر. أما حديث أنس فأخرجه أبو داود من رواية معمر ((عن قتادة عن أنس أن رسول الله
عَّمِ احتجم على ظهر القدم من وجع كان به)) رواه ابن عدي من رواية عبد الله بن عمر
العمري عن حميد ((عن أنس، رضي الله تعالى عنه، أن النبي، عَّلِ، احتجم وهو محرم من
وجع كان في رأسه)). وأما حديث عبد الله بن بحينة فمتفق عليه على ما يجيء إن شاء الله
تعالى. وأما حديث جابر فأخرجه النسائي وابن ماجه من رواية أبي الزبير ((عن جابر أن النبي،

٢٧٥
٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (١١)
عٌَّ، احتجم وهو محرم من وثي كان به)). وقال ابن ماجه من رهصة أخذته. وأما حديث
ابن عمر فأخرجه ابن عدي في (الكامل) من رواية مسلم بن سالم البلخي عن عبيد الله
العمري ((عن نافع عن ابن عمر، قال: احتجم رسول الله عَّه وهو محرم صائم وأعطى
الحجام أجره.
ذكر معناه: قوله: ((قال عمرو)) أي: عمرو بن دينار. قوله: ((أول شيء)) أي: أول مرة
بقرينة، ثم سمعته يقول: أي روى عطاء أولاً عن ابن عباس بدون الواسطة وثانياً بواسطة
طاوس، كذا قاله الكرماني ورد عليه بعضهم، فقال: هذا كلام من لم يقف على طرق
الحديث، ولا يعلم مع ذلك لعطاء عن طاوس رواية أصلاً. قلت: الردّ له وجه، لأن إثبات
الواسطة ونفيها في رواية عطاء لا دخل له هنا، وإنما الكلام في أن عمرو بن دينار تارة يقول:
سمعت عطاء يقول: سمعت ابن عباس، وتارة يقول: سمعت طاوساً عن ابن عباس، فهذا يدل
على أن عمراً سمع من عطاء وطاوس، وهو كذلك على ما نذكره عن مسلم وغيره. قوله:
((وهو محرم))، جملة حالية. قوله: ((ثم سمعته يقول))، مقول سفيان والضمير المنصوب الذي
فيه يرجع إلى عمرو، وكذا قوله: ((فقلت لعله سمعه))، أي: لعل عمراً سمع الحديث منهما،
أي: من عطاء وطاوس، وقد بين ذلك الحميدي عن سفيان فقال: حدثنا بهذا الحديث عمرو
مرتين فذكره، لكن قال: فلا أدري أسمعه منهما أو كانت إحدى الروايتين وهما؟ وزاد أبو
عوانة: قال سفيان: ذكر لي أنه سمعه منهما جميعاً، وفي رواية مسلم: حدثنا سفيان بن عيينة
عن عمرو عن طاوس وعطاء عن ابن عباس، وفي رواية أبي داود والترمذي كذلك، وفي رواية
النسائي عن سفيان يعني ابن عيينة، قال: قال لنا عمرو، يعني: ابن دينار: سمعت عطاء قال:
سمعت ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، يقول: ((احتجم النبي، عَّه، وهو محرم)). ثم قال
بعد: أخبرني طاوس عن ابن عباس: ((احتجم النبي، عَّهِ، وهو محرم)) وفي رواية ابن خزيمة
عن عبد الجبار بن العلاء عن ابن عيينة نحو رواية علي بن عبد الله، وقال في آخره، فظننت
أنه رواه عنهما جميعاً.
ذكر ما يستفاد منه: دل الحديث على جواز الحجامة للمحرم مطلقاً، وبه قال عطاء
ومسروق وإبراهيم وطاوس والشعبي والثوري وأبو حنيفة، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق،
وأخذوا بظاهر هذا الحديث، وقالوا: ما لم يقطع الشعر. وقال قوم: لا يحتجم المحرم إلاَّ من
ضرورة، وروي ذلك عن ابن عمر، وبه قال مالك، وحجة هذا القول أن بعض الرواة يقول:
((إن النبي، عَّه، احتجم لضرر كان به)). رواه هشام بن حسان عن عكرمة ((عن ابن عباس:
أن رسول الله عَ لَّه إنما احتجم وهو محرم في رأسه لأذىّ كان به)). ورواه حميد الطويل ((عن
أنس، رضي الله تعالى عنه، قال: احتجم رسول الله عَّم من وجع كان به)). ولا خلاف بين
العلماء أنه لا يجوز له حلق شيء من شعر رأسه حتى يرمي جمرة العقبة يوم النحر إلاَّ من
ضرورة، وأنه إن حلقه من ضرورة فعليه الفدية التي قضى بها رسول الله عَّه على كعب بن
عجرة، فإن لم يحلق المحتجم شعراً فهو كالعرق يقطعه، أو الدمل يبطه، أو القرحة ينكؤها،

٢٧٦
٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (١١)
ولا يضره ذلك ولا شيء عليه عند جماعة العلماء. وعند الحسن البصري: عليه الفدية. وقال
ابن التين: الحجامة ضربان: موضع يحتاج إلى حلق الشعر فيفتدى من فعله، والأصل جوازه
لهذا الخبر، وفي الفدية قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً﴾ [البقرة: ١٨٤ و١٩٦]. الآية،
وموضع يحتاج إلى حلق في غير الرأس فيفتدى، قال عبد الملك في (المبسوط): شعر الرأس
والجسد سواء، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال أهل الظاهر: لا فدية عليه إلاَّ أن يحلق
رأسه، وإن كانت الحجامة في موضع لا يحتاج إلى حلق فإن كانت لضرورة جازت ولا
فدية، وإن كانت لغير ضرورة فمنعه مالك وأجازه سحنون، وروي نحوه عن عطاء.
١٨٣٦/٤١١ - حدّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ قال حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ بِلالٍ عنْ عِلْقَمَةَ بنِ أبِي
عَلقَمَةً عنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ الأعْرَجِ عنِ ابنِ بُحَيْنَةَ رضي الله تعالى عنه قال احْتَجَمَ النبيُّ عَّه
وهُوَ مُخْرِمٌ بِلَخِي جَمَّلٍ فِي وَسَطِ رأسِهِ. [الحديث ١٨٣٦ - طرفه في: ٥٦٩٨].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: خالد بن مخلد، بفتح الميم: البجلي. قال الواقدي:
مات بالكوفة في المحرم سنة ثلاث عشرة ومائتين. الثاني: سليمان بن بلال أبو أيوب،
ويقال: أبو محكد القرشي التيمي. الثالث: علقمة بن أبي علقمة واسمه بلال مولى عائشة أم
المؤمنين، مات في أول خلافة أبي جعفر. الرابع: عبد الرحمن بن هرمز الأعرج. الخامس:
عبد الله بن بحينة، بضم الباء الموحدة وفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح
النون: وهو عبد الله بن مالك بن القشب، وبحينة أمه وهي بنت الأرت.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
ثلاثة مواضع. وفيه: أن شيخه كوفي والبقية مدنيون. وفيه: أن علقمة ليس له في البخاري
سوى هذا الحديث. وفيه: رواية التابعي عن التابعي، لأن علقمة تابعي صغير سمع أنساً. وفيه:
سليمان بن بلال عن علقمة وفي رواية النسائي من طريق محمد بن خالد عن سليمان أخبرني
علقمة. وفيه: عن عبد الرحمن الأعرج عن ابن بحينة، وفي رواية البخاري في الطب: عن
إسماعيل وهو ابن أبي أويس عن سليمان عن علقمة أنه سمع عبد الرحمن الأعرج أنه سمع
عبد الله بن بحينة.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الطب عن إسماعيل.
وأخرجه مسلم في الحج أيضاً عن أبي بكر بن أبي شيبة. وأخرجه النسائي فيه عن هلال بن
بشر. وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة.
ذكر معناه: قوله: ((وهو محرم))، جملة إسمية وقعت حالاً. قوله: ((بلحي جمل))،
ويروى بكسرها - وسكون الحاء المهملة بعدها ياء آخر الحروف، وفتح الجيم بعدها ميم
ولام، وهو اسم موضع بين المدينة ومكة، وهو إلى المدينة أقرب، وقد وقع مبيناً في رواية
إسماعيل ((بلحي جمل من طريق مكة)). وذكر البكري في (معجمه) في رسم العقيق قال: هي

٢٧٧
٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (١٢)
بثر جمل التي ورد ذكرها في حديث أبي جهم، وهو الذي مضى في التيمم، وقال غيره: هي
عقبة الجحفة على سبعة أميال من السقيا، ووقع في رواية أبي ذر: ((بلحيي جمل))، بصيغة
التثنية، ووقع لغيره بالإفراد، ومن زعم أنه فكّا الجمل الحيوان المعروف، وأنه كان آلة الحجم
فقد أخطأ، وجزم الحازمي وغيره بأن ذلك كان في حجة الوداع. قوله: ((في وسط رأسه))،
بفتح السين. وقال الكرماني: المشهور أن الوسط بفتح السين هو كمركز الدائرة، وبسكونها
أعم من ذلك، والأول اسم والثاني ظرف. وفي حديث (الموطأ): ((احتجم فوق رأسه بلحي
جمل))، وروي أنه قال: إنها شفاء من النعاس والصداع والأضراس، وقال الليث: ليست في
وسط الرأس إنما هي في فأس الرأس، وأما التي في وسط الرأس فربما أعمت، وفي (الطبقات)
لابن سعد: حجمه أبو ظبية لثماني عشرة من شهر رمضان نهاراً من حديث جابر، ومن
حديث ابن عباس: احتجم بالقاحة وهو صائم محرم، وفي لفظ: ((محرم من أكلة أكلها من
شاة سمتها امرأة من أهل خيبر))، وفي حديث بكير بن الأشج: احتجم في القمحدودة، وفي
حديث عبد الله بن عمر بن عبد العزيز كان يسميها منقدا، وفي حديث أنس: المغيثة، وفي
(المستدرك) على شرطهما: ((عن أنس أن النبي، عَّله، احتجم وهو محرم على ظهر القدم
من وجع كان به)). وقد مر عن قريب، وفي تعليق البخاري: ((من شقيقة كانت به)).
واستدل بهذا الحديث على جواز الفصد وبط الجرح والدمل وقطع العرق وقلع
الضرس وغير ذلك من وجوه التداوي إذا لم يكن في ذلك ارتكاب ما نهى المحرم عنه من .
تناول الطيب وقطع الشعر، ولا فدية عليه في شيء من ذلك.
١٢ - بابُ تَزْوِيجِ المخرِمِ
أي: هذا باب في بيان تزويج المحرم، ولم يبين هل هو جائز أو غير جائز اكتفاءً بما
دل عليه حديث الباب فإنه يدل على أنه يجوز، وإشارة إلى أنه لم يثبت عنده النهي عن
ذلك، ولا ثبت أنه من الخصائص.
٤١٢ / ١٨٣٧ - حدّثنا أبُو المُغِيرَةِ عَبْدُ القُدُّوسِ بنُ الحَجَّاجِ قال حدَّثنا الأَوْزَاعِيُّ قال
حدَّثني عطَاءُ بنُ أَبِي رَباحِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أنَّ النبيَّ عَ لّه تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ
وهْوَ مُحْرِمٌ. [الحديث ١٨٣٧ - أطرافه في: ٤٢٥٨، ٤٢٥٩، ٥١١٤].
مطابقته للترجمة من حيث إن فيه تزويج المحرم، وفيه بيان أيضاً لما أبهمه في
الترجمة، وهو أنه جائز.
وأبو المغيرة، بضم الميم وكسرها: عبد القدوس بن الحجاج الحمصي، مات سنة
ثنتي عشرة ومائتين. والأوزاعي: عبد الرحمن بن عمر.
والحديث أخرجه النسائي أيضاً في الحج عن صفوان بن عمرو الحمصي، وفيه وفي
الصوم عن شعيب بن شعيب وفي الصوم أيضاً عن سليمان بن أيوب مرسلاً، وروى الترمذي
من حديث هشام بن حسان عن عكرمة ((عن ابن عباس أن رسول الله، عَ لّه، تزوج ميمونة

٢٧٨
٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (١٢)
وهو محرم))، ورواه البخاري من رواية وهيب عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس نحوه،
ورواه أبو داود عن مسدد عن حماد بن زيد عن أيوب، ورواه الترمذي أيضاً من حديث عمرو
ابن دينار، قال: سمعت أبا الشعثاء يحدث ((عن ابن عباس أن النبي، عَ له، تزوج ميمونة وهو
محرم)). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وأبو الشعثاء اسمه جابر بن زيد، ورواه
البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه كلهم من رواية سفيان عن عمرو بن دينار نحوه، وقال
الترمذي: وفي الباب عن عائشة، رضي الله تعالى عنها. قلت: أخرجه ابن حبان في
(صحيحه)، والبيهقي في (سننه) من رواية أبي عوانة عن أبي الضحى عن مسروق ((عن
عائشة: أن النبي عَّه تزوج وهو محرم))، وأخرجه الطحاوي أيضاً. ولفظه: ((تزوج رسول الله،
عَ لَّهِ، بعض نسائه وهو محرم))، وأبو عوانة الوضاح، وأبو الضحى مسلم بن صبيح. قلت:
وفي الباب أيضاً عن أبي هريرة، رواه الطحاوي من رواية كامل أبي العلاء عن أبي صالح
((عن أبي هريرة، قال: تزوج رسول الله، عَّهِ، ميمونة وهو محرم)). واحتج بهذا الحديث
إبراهيم النخعي والثوري وعطاء بن أبي رباح والحكم بن عتيبة وحماد بن أبي سليمان
وعكرمة ومسروق وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، قالوا: لا بأس للمحرم أن ينكح، ولكنه لا
يدخل بها حتى يحل، وهو قول ابن عباس وابن مسعود، وقال سعيد بن المسيب وسالم
والقاسم وسليمان بن يسار والليث والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق: لا يجوز
للمحرم أن يَنكَحَ ولا يُنكِحَ غيره، فإن فعل ذلك فالنكاح باطل، وهو قول عمر وعلي، رضي
الله تعالى عنهما، واحتجوا في ذلك بما رواه مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على
مالك عن نافع عن نبيه بن وهب: أن عمر بن عبد الله أراد أن يزوج طلحة بن عمر بنت شيبة
ابن جبير، فأرسل إلى أبان بن عثمان يحضر ذلك وهو أمير الحاج، فقال أبان: سمعت عثمان
ابن عفان، رضي الله تعالى عنه، يقول: قال رسول الله عَ له: ((لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا
يخطب)). وأخرجه أبو داود أيضاً عن القعنبي عن مالك إلى آخره.
:
قوله: ((ولا ينكح))، بضم الياء وكسر الكاف من الإنكاح، ومعناه: لا ينكح غيره، أي:
لا يعقد على غيره، ووجهه أنه لما كان ممنوعاً من نكاح نفسه مدة الإحرام، كان معزولاً
تلك المدة أن يعقد لغيره، وشابه المرأة التي لا تعقد على نفسها وعلى غيرها. قوله: ((ولا
يخطب))، لما في الخطبة من التعرض إلى النكاح، ثم قالوا لأهل المقالة الأولى: من يتابعكم
أن رسول الله، عَّله، تزوج ميمونة وهو محرم، وهذا أبو رافع وميمونة يذكران أن ذلك كان
منه وهو حلال؟ فذكروا ما رواه الترمذي: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا حماد بن زيد عن مطر
الوراق عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سليمان بن يسار عن أبي رافع، قال: «تزوج رسول
الله عَ لِّ ميمونة وهو حلال، وكنت أنا الرسول فيما بينهما)).
وحديث ميمونة رواه مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا يحيى بن آدم،
قال: حدثنا جرير بن حازم، قال: حدثنا أبو فزارة ((عن يزيد بن الأصم، قال: حدثتني ميمونة
أن رسول الله عَّلِ تزوجها وهو حلال، قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس)). وأخرجه

٢٧٩
٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (١٢)
الترمذي وفي آخره: ((وبنى بها حلالاً، وماتت بسرف ودفنها في الظلة التي بنى فيها)). وأجاب
أهل المقالة الأولى عن هذا بأن في حديث أبي رافع مطراً الوراق، وهو عندهم ليس ممن
يحتج بحديثه، وقد رواه مالك وهو أضبط منه وأحفظ، فقطعه. وقال الترمذي: وهذا حديث
حسن ولا نعلم أحداً أسنده غير حماد بن زيد عن مطر الوراق عن ربيعة، ورواه مالك بن أنس
((عن سليمان بن يسار أن النبي عَ ل تزوج ميمونة وهو حلال))، رواه مالك مرسلاً، قال: رواه
أيضاً سليمان بن بلال عن ربيعة مرسلاً، وقال أبو عمر: حديث مالك عن ربيعة في هذا الباب
غير متصل، وقد رواه مطر الوراق فوصله، رواه حماد بن زيد عن مطر الوراق عن ربيعة ابن
أبي عبد الرحمن عن سليمان بن يسار عن أبي رافع، وهذا عندي غلط في مطر، لأن سليمان
ابن يسار ولد سنة أربع وثلاثين، وقيل: سنة تسع وعشرين. ومات أبو رافع بالمدينة بعد قتل
عثمان بيسير، وكان قتل عثمان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وغير جائز ولا ممكن أن
يسمع سليمان من أبي رافع، فلا معنى لرواية مطر، وما رواه مالك أولى، والعجب من البيهقي
يعرف هذا المقدار في هذا الحديث ثم يسكت عنه، ويقول: مطر بن طهمان الوراق قد
احتج به مسلم بن الحجاج. قلنا: ولئن سلمنا ذلك فهو ليس كرواة حديث ابن عباس. ولا
قريباً منهم. وقد قال النسائي: مطر ليس بالقوي، وعن أحمد: كان في حفظه سوء، وأجابوا
عن حديث ميمونة بأن عمرو بن دينار قد ضعف يزيد بن الأصم في خطابه للزهري، وترك
الزهري الإنكار عليه، وأخرجه من أهل العلم وجعله أعرابياً بوالاً على عقبيه، وهم يضعفون
الرجل بأقل من هذا الكلام، وبكلام من هو أقل من عمرو بن دينار، والزهري، ومع هذا فالذين
رووا أنه عَّ تزوج ميمونة وهو محرم نحو سعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد وعكرمة
وجابر بن زيد أعلى وأثبت من الذين رووا أنه تزوجها وهو حلال، وميمون ابن مهران وحبيب
ابن الشهير ونحوهما لا يلحقون هؤلاء الذين ذكرناهم، وروى ابن أبي شيبة عن عيسى بن
يونس عن ابن جريج ((عن عطاء، قال: تزوج النبي عَّله ميمونة وهو محرم)).
وفي (الطبقات) لابن سعد أنبأنا أبو نعيم حدثنا جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران.
قال: كنت جالساً عند عطاء فسأله رجل: هل يتزوج المحرم؟ فقال عطاء: ما حرم الله النكاح
منذ أحله، قال ميمون: فذكرت له حديث يزيد بن الأصم تزوج النبي عَّ له ميمونة وهو
حلال. قال: فقال عطاء: ما كنا نأخذ هذا إلا عن ميمونة، وكذا نسمع أن رسول الله عَ }.
تزوجها وهو محرم)). وأنبأنا ابن نمير والفضل بن دكين عن زكريا بن أبي زائدة ((عن الشعبي
أن النبي، عَِّ، تزوج ميمونة وهو محرم))، وأنبأنا جرير بن عبد الحميد عن منصور عن
مجاهد وأنبأنا مسلم بن إبراهيم حدثنا قرة بن خالد حدثنا أبو يزيد المديني، قالا: ((إن النبي
عَّ تزوج ميمونة وهو محرم)). وروى الطحاوي من حديث عبد الله بن محمد بن أبي بكر.
قال: سألت أنس بن مالك عن نكاح المحرم؟ فقال: ما به بأس هل هو إلاَّ كالبيع؟ وذكره
أيضاً ابن حزم عن معاذ بن جبل، رضي الله تعالى عنه. فإن قلت: قال ابن حزم: يقول من
أجاز نكاح المحرم لا يعدل يزيد بن الأصم أعز أبي بابن عباس، قالوا: وقد يخفى على

٢٨٠
٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (١٢)
ميمونة كون سيدنا رسول الله عَ لّه محرماً، فالمخبر بكونه كان محرماً معه زيادة علم، قالوا:
وخبر ابن عباس وارد بزيادة حكم فهو أولى. وقالوا في خبر عثمان: معناه لا يوطىء غيره ولا
يطأ. قال أبو محمد - هو ابن حزم - وهذا ليس بشيء أما تأويلهم في خبر عثمان فقد بينه
قوله عَ لى: ((ولا يخطب))، فصح أنه أراد النكاح الذي هو العقد. وأما ترجيحهم ابن عباس
على يزيد فنعم، والله لا يقرن يزيد بعبد الله ولا كرامة، وهذا تمويه منهم لأن يزيد إنما رواه عن
ميمونة وروى أصحاب ابن عباس عن ابن عباس، ونحن لا نقرن ابن عباس صغير من الصحابة
إلى ميمونة أم المؤمنين، لكن نعدل يزيد إلى أصحاب ابن عباس، ولا نقطع بفضلهم عليه،
وأما قولهم: قد يخفى على ميمونة إحرامه إذا تزوجها، فيعارضون بأن يقال لهم: قد يخفى
على ابن عباس إحلال رسول الله عَّ ◌ُلّم من إحرامه، فالمخبرة بكونه قد أحل زائدة عاما، وأما
قولهم: خبر ابن عباس وارد بحكم زائد، فليس كذلك بل خبر عثمان هو الزائد الحكم، فبقي
أن يرجح خبر عثمان وخبر ميمونة على خبر ابن عباس.
فنقول: خبر يزيد عنها هو الحق، وقول ابن عباس وهم لا شك فيه لوجوه: أولها: أنها
على علم بنفسها منه، ثانيها: أنها كانت إذ ذاك امرأة كاملة، وكان ابن عباس يومئذ ابن
عشرة أعوام وأشهر، فبين الضبطين فرق لا يخفى. ثالثها: أنه، عَّه، إنما تزوجها في عمرة
القضاء هذا مما لا يختلف فيه اثنان ومكة يومئذ دار حرب، وإنما هادنهم النبي، عَّ له، على
أن يدخلها معتمراً ويبقى فيها ثلاثة أيام فقط، ثم يخرج فأتى من المدينة محرماً بعمرة، ولم
يقدم شيئاً إذ دخل على الطواف والسعي، وتم إحرامه في الوقت ولم يشك أحد في أنه إنما
تزوجها بمكة حاضراً بها لا بالمدينة، فصح أنها بلا شك إنما تزوجها بعد تمام إحرامه لا في
حال طوافه وسعيه، فارتفع الإشكال جملة وبقي خبر عثمان وميمونة لا معارض لهما، ثم لو
صح خبر ابن عباس بيقين ولم يصح خبر ميمونة لكان خبر عثمان هذا الزائد الوارد بحكم لا
يحل خلافه، لأن النكاح قد أباحه الله تعالى في كل حال، ثم لما أمر عَّل أن لا ينكح
المحرم كان بلا شك ناسخاً للحال المتقدمة من الإباحة لا يمكن غير هذا أصلاً، وكان
يكون خبر ابن عباس منسوخاً بلا شك لموافقته للحال المنسوخة بيقين انتهى.
قلت: الجواب عن كل فصل. أما عن قوله: يزيد إنما رواه عن ميمونة وهي امرأة
عاقلة، وابن عباس صغير فلقائل أن يقول: إن كان يزيد رواه عن خالته فابن عباس من الجائز
غير المنكر أن يرويه عنه، عَّلّه، أو يرويه عن أبيه الذي ولي عقد النكاح بمشهد عنه ومرأى،
أو يرويه عن خالته المرأة العاقلة وأيّاً ما كان فليس صغيراً، فروايته مقدمة على رواية يزيد بن
الأصم، ولأن لعبد الله متابعين وليس ليزيد عن خالته متابع منهم عطاء بقوله بسند صحيح: ما
كنا نأخذ هذا إلاَّ من ميمونة، رضي الله تعالى عنها، ومسروق بسند صحيح، وليس لقائل أن
يقول: لعل عطاء ومسروقاً أخذاه عن ابن عباس لتصريح عطاء بأخذه إياه من ميمونة. وأما
مسروق فلا نعلم له رواية عن عبد الله، فدل أنه أخذه عن غيره. وأما عن قوله: نعدل يزيد إلى
أصحاب عبد الله ولا نقطع بفضلهم عليه، فكيف يكون شخص واحد حديثه عند مسلم