النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ ٢٧ - أبواب المُخصَرِ وجَزَاءِ الصَّيْدِ / باب (٩) ٩ - بابٌ التُّسْكُ شَاةٌ أي: هذا باب يذكر فيه أن النسك المذكور في الآية هو شاة، ووقع في رواية الطبري من طريق المغيرة عن مجاهد في آخر هذا الحديث: فأنزل الله تعالى: ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ [البقرة: ١٩٦]. والنسك شاة. وقال أبو عمر: كل من ذكر النسك في هذا الحديث مفسراً فإنما ذكروا شاة، وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء. قال بعضهم: يعكر عليه ما أخرجه أبو داود من طريق نافع عن رجل من الأنصار عن كعب بن عجرة أنه أصاب أذى، فحلق، فأمره النبي عَّلِ أن يهدي بقرة. وروى الطبراني من طريق عبد الوهاب بن بخت عن نافع ((عن ابن عمر، قال: حلق كعب بن عجرة رأسه، فأمره رسول الله عَ لِ أن يفتدي فافتدى ببقرة)). وروى عبد بن حميد من طريق أبي معشر عن نافع ((عن ابن عمر، قال: افتدى كعب من أذى كان برأسه، فحلقه ببقرة قلدها وأشعرها)). وروى سعيد بن منصور من طريق ابن أبي ليلى عن نافع عن سليمان بن يسار، قيل لابن كعب بن عجرة: ما صنع أبوك حيث أصابه الأذى في رأسه؟ قال: ذبح بقرة. قلت: هذا كله لا يساوي ما ثبت في (الصحيح) من أن الذي أمر به كعب وفعله في النسك إنما هو شاة، وقد قال شيخنا زين الدين رحمه الله: لفظ البقرة منكر شاذ، وقال ابن حزم: وخبر كعب بن عجرة الصحيح فيما رواه ابن أبي ليلى، والباقون روايتهم مضطربة موهومة، فوجب ترك ما اضطرب فيه والرجوع إلى رواية عبد الرحمن التي لم تضطرب، ولو كان ما ذكر في هذه الأخبار عن قضايا شتى لوجب الأخذ بجميعها وضم بعضها إلى بعض، ولا يمكن هنا جمعها لأنها كلها في قصة واحدة في مقام واحد في رجل واحد في وقت واحد، فوجب أخذ ما رواه أبو قلابة والشعبي عن عبد الرحمن عن كعب، لثقتهما، ولأنها مبينة لسائر الأحاديث. ٣٩٣/ ١٨١٧ - حدّثنا إِسْحَاقُ قال حدثنا رَوْحٌ قال حدَّثنا شِئْلٌ عنِ ابنِ أبِي نَجِيحٍ عنْ مُجَاهِدٍ قال حدَّثني عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ أبي لَيْلَى عنْ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ رضي الله تعالى عنه أنَّ رسولَ الله عَ لَلِ رَآهُ وأَنَّهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ فَقال أَيُؤْذِيكَ هَوَامُكَ قال نَعَمْ فَأمَرَهُ أَنْ يَحْلِقَ وهُوَ بِالْحُدَيْبِيَّةِ ولَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ أَنَّهُمْ يَحِلُونَ بِهَا وهُمْ عَلَى طَمَعِ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ فَأَنْزَلَ الله الفِدْيَةَ فأمَرَهُ رسولُ اللهِ عَّ لِ أنْ يُطْعِمَ فَرَقاً بَيْنَ سِنَّةٍ أَوْ يُهْدِي شَأَةً أَوْ يَصُومَ ثلاثَةَ أَيَّامٍ. [انظر الحديث ١٨١٤ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((أو يهدي شاة))، وإسحاق، قال الكرماني: هو ابن منصور الكوسج، وقيل: هو ابن إبراهيم المعروف بابن راهويه وروح بن عبادة. وشبل، بكسر الشين المعجمة وسكون الباء الموحدة: ابن عباد المكي، وابن أبي نجيح: هو عبد الله بن أبي نجيح المكي. قوله: ((رآه)) أي: رأى رسول الله عَّ الله كعب بن عجرة. قوله: ((وأنه))، الواو فيه للحال، والضمير فيه يرجع إلى القمل، والسياق يدل عليه، قاله الكرماني. وقال: إما يرجع إلى كعب، ٢٢٢ ٢٧ - أبواب المُخصَرِ وجَزَاءِ الصَّيْدِ / باب (٩) كأن نفسه تسقط مبالغة في كثرة القمل وكثرة الوجع والأذى، وبعضهم جعل الضمير في: يسقط راجعاً إلى القمل، وأنه محذوف وأكد كلامه بما ثبت كذلك في بعض الروايات، يعني: ((وأن كعباً يسقط القمل على وجهه))، وله وجه حسن دل عليه ما رواه ابن خزيمة عن محمد بن معمر عن روح بلفظ: ((رآه وقمله يسقط على وجهه))، وفي رواية الإسماعيلي من طريق أبي حذيفة عن شبل: ((رأى قملاً يتساقط على وجهه)). قوله: ((يسقط)) كذا هو في رواية الأكثرين، وفي رواية ابن السكن وأبي ذر: ((ليسقط)) بزيادة لام التأكيد. قوله: ((ولم يتبين لهم))، أي: لم يظهر لمن كانوا في الحديبية مع النبي، عَّ له، بعد في ذلك الوقت أنهم يحلون بها. أي: بالحديبية، لأنهم كانوا على طمع أن يدخلوا مكة. قيل: هذه الزيادة ذكرها الراوي لبيان أن الحلق كان لاستباحة محظور بسبب الأذى لا لقصد التحلل بالحصر. وقال ابن المنذر: فيه دليل أن من كان على رجاء من الوصول إلى البيت أن عليه أن يقيم حتى ييئس من الوصول إليه فيحل، واتفقوا على أن من ييئس من الوصول وجاز له أن يحل فتمادى على إحرامه ثم أمكنه أن يصل إن عليه أن يمضي إلى البيت ليتم نسكه. قوله: ((فأنزل الله الفدية)) ظاهره أن النزول بعد الحكم. وفي رواية عبد الله بن معقل: أن النزول قبل الحكم. قال عياض: يحمل على أنه حكم عليه بالكفارة بوحي غير متلوٍ. ثم نزل القرآن ببيان ذلك. قوله: ((أن يطعم فرقاً بين ستة))، قد مر تفسير الفرق عن قريب، أي: أمره أن يطعم من الطعام قدر فرق منه بين ستة مساكين. قوله: ((أو يهدي شاة)) أطلق على الفدية بالشاة اسم الهدي، وبه یرد على من منع ذلك. ذكر ما يستفاد منه: قد ذكرنا في أول أحاديث الباب أحكاماً كثيرة من حديث كعب، ونذكر هنا ما لم نذكره هناك، فمن ذلك: ما احتج به مالك في قوله: ((ولم يتبين لهم ... )) إلى آخره، على وجوب الكفارة على المرأة تقول في رمضان، غداً حيضتي. وعلى الرجل يقول: عدا يوم حماي، فيفطران ثم ينكشف الأمر بالحمى والحيض، كما قالا إن عليهما الكفارة. لأن الذي كان في علم الله أنهم يحلون بالحديبية لم يسقط عن كعب الكفارة التي وجبت عليه بالحلق قبل أن ينكشف الأمر. ومنه: أن قوله: (إحلق))، يحتمل الندب والإباحة. قال ابن التين: وهذا يدل على أن إزالة القمل عن الرأس ممنوعة، ويجب به الفدية، وكذلك الجسد عند مالك. ثم قال: وقال الشافعي: أخذ القملة من الجسد مباح، وفي أخذها من الرأس الفدية لأجل ترفهه لا لأجل القملة. وقال صاحب (التوضيح): وهذا غريب، فإن الشافعي قال: من قتل قملة تصدق بلقمة، وهو على وجه الاستحباب. ومنه: أن النسك ههنا شاة، فلو تبرع بأكثر من هذا جاز. ومنه: أن صوم ثلاثة أيام لا يجوز في أيام التشريق، وبه قال عطاء في رواية، وسعيد بن جبير وطاوس وإبراهيم النخعي والثوري والليث بن سعد وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وأحمد في رواية، وهو قول عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس، رضي الله تعالى عنهم. ٢٢٣ ٢٧ - أبواب المُخصَرِ وجَزَاءِ الصَّيْدِ / باب (١٠) وقال أبو بكر الجصاص في (أحكام القرآن) اختلف السلف فيمن لم يجد الهدي ولم يصم الأيام الثلاثة قبل يوم النحر، فقال عمر وابن عباس وسعيد بن جبير وإبراهيم وطاوس: لا يجزيه إلاَّ الهدي، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. وقال ابن عمر وعائشة: يصوم أيام منىّ، وهو قول مالك. وقال علي بن أبي طالب: يصوم بعد أيام التشريق، وبه قال الشافعي. ومنه: أن السنة مبينة لمجمل الكتاب لإطلاق الفدية في القرآن وتقييدها بالسنة. ومنه: تلطف الكبير بأصحابه وعنايته بأحوالهم وتفقده لهم، وإذا رأى ببعض أصحابه ضرراً سأل عنه وأرشده إلى المخرج عنه. ومنه: أن بعض المالكية استنبطوا منه إيجاب الفدية على من تعمد حلق رأسه بغير عذر، فإن إيجابها على المعذور من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، لكن لا يلزم من ذلك التسوية بين المعذور وغيره، ومن ثمة قال الشافعي: وجمهور العلماء لا يتخير العامد، بل يلزمه الدم، وخالف في ذلك أكثر المالكية، واحتج لهم القرطبي، بقوله في حديث كعب: ((أو اذبح نسكاً)). قال: فهذا يدل على أنه ليس بهدي. قال: فعلى هذا يجوز أن يذبحها حيث شاء، ورد عليه بأنه لا دلالة فيه، إذ لا يلزم من تسميتها نسكاً أو نسيكة أن لا تسمى هدياً؟ أو لا يعطى حكم الهدي؟ وقد وقع تسميتها: هدياً، في هذا الباب حيث قال: ((ويهدي شاة»، وفي رواية لمسلم: ((واهدِ هدياً)، وفي رواية للطبراني: ((هل لك هدي؟ قلت: لا أجد))، وهذا يدل على أن ذلك من تصرف الرواة، ويؤيده قوله في رواية مسلم: ((أو اذبح شاة)). ١٨١٨ _ وعَنْ محَمَّدِ بنِ يُوسُفَ قال حدَّثنا وزقَاءُ عنِ ابنِ أبِي نَجِيحِ عنْ مُجَاهِدٍ قال أخبرنا عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ أَبِي لَيْلَى عنْ كَغْبِ بنِ عُجْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ الله عَ لَه رَآهُ وقَمْلُهُ يَشْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ مِثْلَهُ. [انظر الحديث ١٨١٤ وأطرافه]. ظاهره التعليق ولكنه عطف على روح، وأشار بهذا إلى أن إسحاق رواه عن روح، ورواه أيضاً عن محمد بن يوسف الفريابي، وكذا وقع في تفسير إسحاق، وورقاء هو ابن عمر ابن كليب أبو بشر اليشكري، ويقال: الشيباني، أصله من خوارزم، ويقال: من الكوفة نزل المدائن، وقد مر في الوضوء، وفي الأصل الورقاء تأنيث الأورق. قوله: ((وقمله)) الواو فيه للحال. قوله: ((مثله)) أي: مثل الحديث المذكور. ١٠ - بابُ قَوْلِ الله تعالى ﴿فَلاَ رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧]. أي: هذا باب في بيان ما جاء من الحديث في الرفث في قول الله تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ [البقرة: ١٩٧]. ٣٩٤ /١٨١٩ - حدّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قال حدَّثنا شعبَةُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ أَبِي حازِمٍ عِنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قال قال رسولُ الله عَلِّ مِنْ حَجَّ هَذا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثَ ولَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. [انظر الحديث ١٥٢١ وأطرافه]. ٢٢٤ ٢٧ - أبواب المُخْصَرِ وجَزَاءِ الصَّيْدِ / باب (١٠) مطابقته للترجمة في قوله: ((فلم يرفث)). ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: سليمان بن حرب، ضد الصلح أبو أيوب الواشجي، وواشج حي من الأزد قاضي مكة. الثاني: شعبة بن الحجاج. الثالث: منصور بن المعتمر أبو غياث. الرابع: أبو حازم، بالحاء المهملة والزاي، الأشجعي، واسمه سلمان مولى عزة الأشجعية. الخامس: أبو هريرة. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: أن شيخه بصري وشعبة واسطي ومنصور وأبو حازم كوفيان، وعلل بعضهم هذا الإسناد بالاختلاف على منصور لأن البيهقي أورده من طريق إبراهيم بن طهمان عن منصور عن هلال بن يساف عن أبي حازم، زاد فيه رجلاً، وأجيب: بأن منصوراً صرح بسماعه له من أبي حازم المذكور في رواية صحيحة حيث قال: عن منصور سمعت أبا حازم، ويحتمل أيضاً أن يكون منصور قد سمعه أولاً من هلال عن أبي حازم، ثم لقي إبا حازم فسمعه منه، فحدث به على الوجهين. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً عن محمد بن يوسف عن سفيان الثوري. وأخرجه مسلم في الحج أيضاً عن يحيى بن يحيى وزهير بن حرب وعن سعيد بن منصور وعن أبي بكر بن أبي شيبة وعن ابن المثنى عن غندر. وأخرجه الترمذي فيه عن ابن عمر عن سفيان بن عيينة. وأخرجه النسائي فيه عن أبي عمار المروزي، وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة. ذكر معناه: قوله: ((من حج هذا البيت))، وفي رواية مسلم من رواية جرير عن منصور: ((من أتى هذا البيت)). قيل: هو أعم من قوله: ((من حج)). قلت: لفظ: حج، معناه قصد وهو أيضاً أعم من أن يكون للحج أو العمرة. قوله: ((هذا البيت)) يدل على أنه، عَّهِ، إنما قاله وهو في مكة، لأن: بهذا، يشار إلى الحاضر. قوله: ((فلم يرفث))، بضم الفاء وكسرها وفتحها، والمشهور في الرواية وعند أهل اللغة: يرفث، بضم الفاء من باب: نصر ينصر، ويرفث بكسر الفاء حكاه صاحب (المشارق)، فيكون من باب: ضرب يضرب، ويرفث بفتح الفاء يكون من باب: علم يعلم، وفيه لغة أخرى: يرفث، بضم الياء وكسر الفاء من: أرفث. حكاه ابن القوطية وابن طريق في (الأفعال)، على أنه جاء على فعل وأفعل، والرفث، بفتح الفاء الاسم، وأصله ذكر بإسكان الفاء، والرفث يطلق ويراد به الجماع، وهو الذي عليه الجمهور في قوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث﴾ [البقرة: ١٨٧]. ويطلق ويراد به الفحش، ويطلق ويراد به ذكر الجماع، وقيل: المراد به ذلك مع النساء لا مطلقه، وقد اختلف في المراد بالرفث في الحديث على هذه الأقوال: قال الأزهري: هي كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من المرأة، والفاء في: ((فلم يرفث))، عطف على الشرط، أعني قوله: ((من حج))، وجوابه قوله: (رجع))، أي: رجع إلى بلده. ٢٢٥ ٢٧ - أبواب المُخصَرِ وجَزَاءِ الصَّيْدِ / باب (١١) قوله: ((ولم يفسق))، من الفسوق وهو الخروج عن حدود الشريعة، وأصله الخروج، يقال: فسقت الخشبة عن مكانها إذا زالت، فالفاسق خارج عن الطاعة، وقيل: لم يفسق أي لم يذبح لغير الله تعالى على الخلاف في قوله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق﴾ [البقرة: ١٩٧]. لم يذكر فيه الجدال مع أنه مذكور في القرآن. قلت: لأن المجادلة ارتفعت بين العرب وقريش في موضع الوقوف بعرفة والمزدلفة، فأسلمت قريش وارتفعت المجادلة، ووقف الكل بعرفة. قوله: ((كما ولدته أمه))، الجار والمجرور حال، أي مشابهاً لنفسه في البراءة عن الذنوب في يوم الولادة، أو يكون معنى: رجع، صار والظرف خبره، وقوله في الحديث الآتي: ((كيوم)) بالفتح والكسر جائز، وفي رواية الترمذي: ((غفر له ما تقدم من ذنبه))، ومعنى اللفظين قريب، وظاهره الصغائر والكبائر. وقال صاحب (المفهم): هذا يتضمن غفران الصغائر والكبائر والتبعات، ويقال: هذا فيما يتعلق بحق الله، لأن مظالم الناس تحتاج إلى استرضاء الخصوم. فإن قلت: العبد مأمور باجتناب ما ذكر في كل الحالات، فما معنى تخصيص حالة الحج؟ قلت: لأن ذلك مع الحج أسمج وأقبح، كلبس الحرير في الصلاة. ١١ - بابُ قَولِ اللهِ عزَّ وجلَّ ﴿ولاَ فُسُوقَ ولاَ جِدَالَ فِي الحَجّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. أي: هذا باب في بيان ما جاء في الحديث في تفسير قوله تعالى: ﴿ولا فسوق﴾ [البقرة: ١٩٧]. ٣٩٥ /١٨٢٠ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قال حدثنا سُفْيَانُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ أَبِي حازِمٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال قال النبيُّ عَّهِ مِنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَم يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسِقْ رَجَعَ کَیَومَ وَلَّدَتْهُ أُمُّهُ. [انظر الحديث ١٥٢١ وأطرافه]. هذا بعينه هو الحديث السابق قبل هذا الباب غير أنه أخرج ذاك: عن سليمان بن حرب عن شعبة عن منصور، وهذا أخرجه: عن محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان الثوري عن منصور إلى آخره، وغير أن هناك: قال رسول الله عَّله، وهنا: قال النبي، عَّهِ، وغير أن هناك: كما ولدته أمه، وهنا: كيوم ولدته أمه. فإن قلت: من أين قلت: إن سفيان في الإسناد هو الثوري؟ وقد أخرجه الترمذي عن ابن أبي عمر عن سفيان بن عيينة عن منصور؟ قلت: نص البيهقي على أن سفيان في رواية البخاري هو الثوري، لأنه رواه عن أبي الحسن بن بشران عن أبي الحسن علي بن بكر المصري عن عبد الله بن محمد بن أبي مريم عن محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان عن منصور، فذكر الحديث وقال: رواه البخاري في (الصحيح) عن الفريابي، وكذا قاله أبو نعيم الأصبهاني، فإذا كان كما نصا عليه فسفيان هو الثوري، قاله صاحب (التلويح) والله أعلم. عمدة القارىء / ج ١٠ / م١٥ ٢٢٦ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (١) بسم الله الرحمن الرحيم ٢٨ - كتاب جزاء الصيد وقَوْلِ اللهِ تعَالى ﴿لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [المائدة: ٩٥] هكذا وقع في رواية أبي ذر بالبسملة أولاً، ثم بالباب المذكور، ثم بقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا الصيد﴾ [المائدة: ٩٥]. أي: هذا باب في بيان جزاء الصيد إذا باشر المحرم قتله، وأشار بقوله: ونحوه، أي: ونحو جزاء الصيد إلى: تنفير صيد الحرم، وإلى عضد شجره، وغير ذلك مما يبينه باباً باباً، ولغير أبي ذر هكذا. ١ - بابُ قَوْلِ الله تعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ ومَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النِّعَم يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَذْياً بِالِغَ الكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ عَفَا الله عَمَّا سَلَفَ ومِنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ واللّه عَزِيزٌ ذِو انْتِقَامٍ. أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الَبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً واتَّقُوا الله الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٥ - ٩٦]. سرد البخاري من سورة المائدة من قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ [المائدة: ٩٥]. إلى قوله: ﴿إِليه تحشرون﴾ [المائدة: ٩٦]. ولم يذكر فيه حديثاً إما اكتفاءً بما في الذي ذكره، وإما أنه لم يظفر بحديث مرفوع في جزاء الصيد على شرطه. ثم الكلام ههنا على أنواع: الأول: في سبب النزول: قال مقاتل في (تفسيره): كان أبو اليسر، واسمه عمرو بن مالك الأنصاري، محرماً في عام الحديبية بعمرة فقتل حمار وحش، فنزلت فيه: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ [المائدة: ٩٥]. وقال ابن إسحاق وموسى بن عقبة والواقدي، وآخرون: نزلت في كعب بن عمرو وكان محرماً في عام الحديبية، فقتل حمار وحش. النوع الثاني: في المعنى والإعراب: قوله: ﴿وأنتم حرم﴾ [المائدة: ٩٥]. جملة إسمية وقعت حالاً، والحرم جمع حرام كردح جمع رداح، يقال رجل حرام وامرأة حرام. ﴿متعمداً﴾ نصب على الحال، والتعمد أن يقتله وهو ذاكر لإحرامه، وعالم بأن ما يقتله مما حرم عليه قتله. قوله: ﴿فجزاء مثل ما قتل﴾ برفع: جزاء، ومثل، جميعاً بمعنى: فعيله جزاء يماثل ما قتل من الصيد، وقرأ بعضهم بالإضافة أعني بإضافة جزاء إلى قوله: ﴿مثل﴾ وحكى ابن جرير عن ابن مسعود أنه قرأها: ﴿فجزاؤه مثل ما قتل﴾ وقال الزمخشري: وقرىء على الإضافة، وأصله: فجزاء مثل ما قتل، بنصب: مثل، بمعنى: فعليه أن يجزىء مثل ما قتل، ثم أضيف كما تقول: عجبت من ضرب زيد، أثم من ضرب زيد؟ وقرأ السلمي على الأصل، وقرأ محمد بن مقاتل، فجزاء مثل ما قتل بنصبهما بمعنى فليجز جزاء مثل ما قتل. قوله: ﴿من النعم﴾، وهي الإبل والبقر والغنم، فإن انفردت الإبل وحدها قيل لها: نعم، قال الفراء :: هو ٢٢٧ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (١) ذكر لا يؤنث. وقرأ الحسن: ﴿من النعم﴾ بسكون العين استثقل الحركة على حرف الحلق فسكنه. قوله: ﴿هدياً﴾، حال عن جزاء فيمن وصفه بمثل، لأن الصفة خصصته فقربته من المعرفة، أو بدل عن مثل فيمن نصبه، أو عن محله فيمن جره، ويجوز أن ينتصب حالاً من الضمير في: به، والهدي: ما يهدى إلى الحرم من النعم. قوله: ﴿بالغ الكعبة﴾ صفة لهدياً، ولا يمنع من ذلك، لأن إضافته غير حقيقية، ومعنى: بلوغه الكعبة أن يذبح بالحرم. قوله: ﴿أو كفارة﴾، عطف على: ﴿فجزاء﴾ أي: فعليه كفارة، وارتفاعه في الأصل على الابتداء وخبره مقدماً مقدر، قوله: ﴿طعام مساكين﴾ مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هي طعام مساكين، ويجوز أن يكون بدلاً من كفارة، أو عطف بيان وقرىء: ﴿كفارة طعام مساكين﴾ بالإضافة كأنه قيل: أو كفارة من طعام مساكين، كقولك: خاتم فضة، وقرأ الأعرج: ﴿أو كفارة طعام مسكين﴾، بالإفراد لأنه واحد، دال على الجنس. قوله: ﴿أو عدل ذلك﴾ عطف على ما قبله، وقرىء ((أو عدل ذلك))، بكسر العين، والفرق بينهما أن عدل الشيء بالفتح ما عادله من غير جنسه: كالصوم والإطعام، وعدله بالكسر ما عدل به في المقدار، ومنه: عدلا الحمل لأن كل واحد منهما عدل بالآخر حتى اعتدلا، كأن المفتوح تسمية بالمصدر والمكسور بمعنى المفعول به، كالذبح، ونحوهما الحمل والحمل. قوله: ﴿ذلك﴾ إشارة إلى الطعام. قوله: ﴿صياماً﴾ نصب على التمييز للعدل، كقولك: لي مثله رجلاً، قوله: ﴿ليذوق وبال أمره﴾ اللام تتعلق بقوله: ﴿فجزاء﴾ أي: فعليه أن يجازي أو يكفر ليذوق سوق عاقبة هتكه لحرمة الإحرام، والوبال الضرر والمكروه الذي ينال في العاقبة من عمل سوء لثقله عليه، قوله: ﴿عفا الله عما سلف﴾ أي عما سلف لكم من الصيد في حال الإحرام قبل أن تراجعوا رسول الله عٍَّ وتسألوه عن جوازه وقيل: ﴿عفا الله عما سلم﴾ في زمان الجاهلية لمن أحسن في الإسلام واتبع شرع الله ولم يرتكب المعصية. قوله: ﴿ومن عاد﴾ أي: إلى قتل الصيد وهو محرم بعد نزول النهي عنه، فينتقم الله منه. قوله: ﴿فينتقم﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره: فهو ينتقم الله منه، فلذلك دخلت الفاء، ونحوه: ﴿فمن يؤمن بربه فلا يخاف﴾ [الجن: ١٣]. يعني: ينتقم منه في الآخرة. وقال ابن جريج: ((قلت لعطاء: ما عفا الله عما سلف؟ قال: عما كان في الجاهلية. قال: قلت: ومن عاد فينتقم الله منه؟ قال: ومن عاد في الإسلام فينتقم منه، وعليه مع ذلك الكفارة، قال: قلت: فهل للعود من حد تعلمه؟ قال: لا، قلت: ترى حقاً على الإمام أن يعاقبه؟ قال: لا، هو ذنب أذنبه فيما بينه وبين الله عز وجل، ولكن يفتدي)) رواه ابن جرير، وقيل: معناه. فينتقم الله منه بالكفارة، وقال سعيد ابن جبير وعطاء قوله: ﴿والله عزيز ذو انتقام﴾ يعني: ذو معاقبة لمن عصاه، على معصيته إياه. قوله: ﴿أحل لكم﴾ أي: أحل المأكول منه وهو السمك. وحده عند أبي حنيفة وعند ابن أبي ليلى: جميع ما يصاد فيه، وعن ابن عباس في رواية، وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير في قوله: ﴿أحل لكم صيد البحر﴾ ما يصاد منه طرياً، وطعامه ما يتزود منه ملحاً يابساً. وعن ابن عباس في المشهور عنه: صيده: ما أخذ منه حياً، و: طعامه: ما لفظه ميتاً. وهكذا روي ٢٢٨ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (١) عن أبي بكر الصديق، وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وأبي أيوب الأنصاري، رضي الله تعالى عنهم، وعكرمة وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وإبراهيم النخعي والحسن البصري، وقال سفيان ابن عيينة: عن عمرو بن دينار، عن عكرمة عن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: طعامه كل ما فيه، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، وقال سعيد بن المسيب: طعامه ما لفظه حياً أو حسر عنه فمات، رواه ابن أبي حاتم، وقال ابن جرير: وقد ورد في ذلك خبر وبعضهم يرويه موقوفاً. حدثنا هناد بن السري، قال: حدثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن عمرو حدثنا أبو سلمة ((عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله، عَّهِ، ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم﴾ [المائدة: ٩٦]. قال: طعامه ما لفظه ميتاً). ثم قال: وقد وقفه بعضهم على أبي هريرة. قوله: ﴿متاعاً لكم﴾ [المائدة: ٩٦]. نصب على أنه مفعول له، أي: أحل لكم لأجل التمتع لكم تأكلون طرياً ولسيارتكم يتزودونه قديداً كما تزود موسى، عليه الصلاة والسلام، الحوت في مسيره إلى الخضر، عليه الصلاة والسلام، والسيارة: جمع سيار، وهم المسافرون، وكان بنو مدلج ينزلون سيف البحر فسألوه عما نضب عنه الماء من السمك، فنزلت قوله: ﴿وحرم عليكم صيد البر﴾ [المائدة: ٩٦]. صيد البر ما يفرخ فيه وإن كان يعيش في الماء في بعض الأوقات كطير الماء. قوله: ﴿ما دمتم حرماً﴾ [المائدة: ٩٦]. أي: ما دمتم محرمين أي: حرم الله عليكم، وقرىء: ما دمتم، بكسر الدال من: دام يدام. قوله: ﴿واتقوا الله الذي إليه تحشرون﴾ [المائدة: ٩٦]. أي: خافوا الله الذي إليه تجمعون يوم القيامة فيجازيكم بحسب أعمالكم. النوع الثالث: في استنباط الأحكام وبيان مذاهب الأئمة في هذا الباب، وهو على وجوه: الأول: في قتل الصيد في حالة الإحرام، وهو حرام بلا خلاف، ويجب الجزاء بقتله لقوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ [المائدة: ٩٥]. وسواء في ذلك كان القاتل ناسياً أو عامداً أو مبتدئاً في القتل أو عائداً إليه لأن الصيد مضمون بالإتلاف كغرامة الأموال، فيستوي فيه الأحوال وقيد العمدية في الآية المذكورة، إما لأن مورد النص فيمن تعمد، أو لأن الأصل فعل المتعمد، والخطأ ملحق به للتغليظ. قال الزهري: نزل الكتاب بالعمد وجاءت السنة بالخطأ. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا ابن علية ((عن أيوب، قال: نبئت عن طاوس قال: لا يحكم على من أصاب صيداً خطأ، إنما يحكم على من أصابه متعمداً))، وهذا مذهب غريب وهو متمسك بظاهر الآية، وبه قال أهل الظاهر وأبو ثور وابن المنذر وأحمد في رواية، وقال مجاهد: المراد بالمتعمد القاصد إلى قتل الصيد الناسي لإحرامه، فأما المتعمد لقتل الصيد مع ذكره لإحرامه فذاك أمره أعظم من أن يكفر وقد بطل إحرامه، رواه ابن جرير عنه من طريق ابن أبي نجيح وليث بن أبي سليم وغيرهما عنه، وهو قول غريب أيضاً. وقال الزهري: إن قتله متعمداً قيل له: هل قتلت قبله شيئاً من الصيد؟ فإن قال: نعم، لم يحكم عليه، وقيل له: إذهب فينتقم الله منك. وإن قال: لم أقتل حكم عليه، وإن قتل بعد ذلك لم يحكم عليه، ويملأ ظهره وبطنه ضرباً وجيعاً، وبذلك حكم النبي عد اله. ٢٢٩ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (١) في صيدوج، وادٍ بالطائف، والذي عليه الجمهور ما ذكرناه. الوجه الثاني: في وجوب الجزاء في قوله: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [المائدة: ٩٥]. فقال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن: المراد بالآية إخراج مثل الصيد المقتول من النعم إن كان له مثل، ففي النعامة بدنة، وفي بقرة الوحش وحماره بقرة، وفي الغزال عنزة وفي الأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: الواجب القيمة فإن كان له مثل ثمة يُشترى بتلك القيمة هدي أو طعام أو يُتَصَدَّق بقيمته، وقال ابن كثير في (تفسيره) محتجاً للشافعي ومن معه في قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [المائدة: ٩٥]. على كل من القراءتين دليل لما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد والجمهور من وجوب الجزاء من مثل ما قتله المحرم إذا كان له مثل من الحيوان الأنسي، خلافاً لأبي حنيفة حيث أوجب القيمة سواء كان الصيد المقتول مثليا أو غير مثلي، وهو مخير، إن شاء تصدق بثمنه، وإن شاء اشترى به هدياً، والذي حكم به الصحابة في المثلي أولى بالاتباع، فإنهم حكموا في النعامة ببدنة، وفي بقر الوحش ببقرة، وفي الغزال بعنز، وأما إذا لم يكن الصيد مثلياً فقد حكم ابن عباس فيه بثمنه يحمل إلى مكة، رواه البيهقي، وروى مالك في (الموطأ): أخبرنا أبو الزبير عن جابر أن عمر، رضي الله تعالى عنه، قضى في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة. انتهى. وعن مالك، رواه الشافعي في (مسنده) وعبد الرزاق في (مصنفه)، وآخر رواه الشافعي، ومن جهته البيهقي في (سننه): عن سعيد بن سالم عن ابن جريج عن عطاء الخراساني: أن عمر وعثمان وعلياً وزيد بن ثابت وابن عباس ومعاوية قالوا في النعامة: يقتلها المحرم بدنة من الإبل، وروى الشافعي في (مسنده) وعبد الرزاق في (مصنفه) قالا: أخبرنا إسرائيل وغيره عن أبي إسحاق عن الضحاك بن مزاحم عن ابن مسعود، قال: ((في البقرة الوحشية بقرة)). وروى عبد الرزاق أيضاً: أخبرنا هشيم عن منصور عن ابن سيرين أن عمر، رضي الله تعالى عنه، ((أمر محرماً أصاب ظبياً يذبح شاة عفراء)). وروى إبراهيم الحربي في كتاب (غريب الحديث): حدثنا عبد الله بن صالح أخبرنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: في اليربوع حمل، ثم نقل عن الأصمعي: أن الحمل ولد الضأن الذكر، وروى البيهقي من حديث ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، في حمامة الحرم شاة، وفي بيضتين درهم، وفي النعامة جزور، وفي البقرة بقرة وفي الحمار بقرة. واحتج أبو حنيفة، رحمه الله تعالى، فيما ذهب إليه بالمعقول والأثر أيضاً. أما المعقول: فهو أن الحيوان غير مضمون بالمثل فيكون مضموناً بالقيمة، كالمملوك، ومثل الحيوان قيمته، لأن المثل المطلق هو المثل صورة ومعنى، فإذا تعذر ذلك حمل على المثل المعنوي وهو القيمة. وأما الأثر: فهو ما روي عن ابن عباس أنه فسر المثل بالقيمة، فحمل على المثل معنىّ لكونه معهوداً في الشرع، يوضحه أن المماثلة بين الشيئين عند اتحاد الجنس أبلغ منه عند اختلاف الجنس، فإذا لم تكن النعامة مثلاً للنعامة كيف تكون البدنة مثلاً ٢٣٠ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (١) للنعامة؟ والمثل من الأسماء المشتركة، فمن ضرورة كون الشيء مثلاً لغيره أن يكون ذلك الغير مثلاً له، ثم لا تكون النعامة مثلاً للبدنة عند الإتلاف فكذلك لا تكون البدنة مثلاً للنعامة، وإذا تعذر اعتبار المماثلة صورة وجب اعتبارها بالمعنى، وهو القيمة، ولأن القيمة أريدت بهذا النص في الذي لا مثل له بالإجماع، فلا يبقى غيره مراداً، لأن المثل مشترك والمشترك لا عموم له فافهم فإنه دقیق. وأما الذي رواه الشافعي ومن جهته البيهقي، فضعيف ومنقطع لأن عطاء الخراساني فيه مقال ولم يدرك عمر ولا عثمان ولا علياً ولا زيد بن ثابت وابن عباس ومعاوية، رضي الله تعالى عنهم، لأن عطاء الخراساني ولد سنة خمسين، قاله ابن معين وغيره، وكان في زمن معاوية صبياً، ولم يثبت له سماع من ابن عباس مع احتماله، فإن ابن عباس توفي سنة ثمان وستين، وأما الذي رواه أبو عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود فإنه لم يسمع من أبيه شيئاً. فإن قلت: قال ابن جرير: حدثنا هناد وأبو هاشم الرفاعي، قالا: حدثنا وكيع بن الجراح عن المسعودي عن عبد الملك بن عمير: ((عن قبيصة بن جابر، قال: خرجنا حجاجاً، فكنا إذا صلينا الغزاة اقتدنا رواحلنا نتماشى نتحدث، قال: فبينما نحن ذات غداء إذ سنح لنا ظبي، أو برح، فرماه رجل كان معنا بحجر، فما أخطأ حشاه، فركب ردعه ميتاً، قال: فمعظمنا عليه، فلما قدمنا مكة خرجت معه حتى أتينا عمر، رضي الله تعالى عنه، قال: فقص عليه القصة، قال: وإذا إلى جانبه رجل كان وجهه قلت فضة، يعني: عبد الرحمن بن عوف، فالتفت إلى صاحبه فكلمه، ثم أقبل على الرجل فقال: أعمداً قتلته أم خطأ، قال الرجل: لقد تعمدت رميه وما أردت قتله، فقال عمر، رضي الله تعالى عنه: ما أراك إلاَّ قد أشركت بين العمد والخطأ، إعمد إلى شاة فاذبحها فتصدق بلحمها واستق إهابها. قال: فقمنا من عنده، فقلت لصاحبي: أيها الرجل، عظّم شعائر الله فما درى أمير المؤمنين ما يفتيك حتى سأل صاحبه إعمد إلى ناقتك فانحرها فلعل ذاك. قال: فتبعته، ولا أذكر الآية من سورة المائدة: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾ [المائدة: ٩٥]. قال: فبلغ عمر مقالتي فلم يفجأ منه إلاّ ومعه الدرة، قال صاحبي: ضرباً بالدرة أقتلت في الحرم، وسفهت الحكم؟ ثم أقبل علي، فقلت: يا أمير المؤمنين لا أحل اليوم شيئاً يحرم عليك مني، قال: يا قبيصة بن جابر إني لا أراك شاب السن فسيح الصدر بين اللسان، وإن الشاب يكون فيه تسعة أخلاق حسنة وخلق سيء فيفسد الخلق السيء الأخلاق الحسنة، فإياك وعثرات الشباب)). قلت: روى هشيم هذه القصة عن عبد الملك بن عمير عن قبيصة بنحوه وذكرها مرسلة عن عمر بن بكر بن عبد الله المزني ومحمد بن سيرين، ورواه مالك في (الموطأ) من حديث ابن سيرين مختصراً. الوجه الثالث: في حكم الحَكَمَيْنِ فيه، قال مالك والشافعي وأحمد ومحمد بن الحسن: الخيار في تعيين الهدي أو الإطعام أو الصيام إلى الحكمين العدلين، فإذا حكما بالهدي فالمعتبر فيما له مثل ونظيره من حيث الخلقة ما هو مثل، كما ذكرناه: والمعتبر فيما لا مثل له القيمة لقوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم هدياً﴾ [المائدة: ٩٥]. نصب هدياً ٢٣١ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (١) لوقوع الحكم عليه، وفي وجوب المثل فيما له مثل قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [المائدة: ٩٥]. أوجب المثل من النعم. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: الخيار للقاتل في أن يشتري بها، يعني بقيمة المقتول لأن الوجوب عليه، كما في اليمين، فالخيار إليه وحكم الحكمين لتقدير القيمة، وهدياً نصب على الحال، أي: في حال الإهداء، فإن قلت: إذا كان القاتل أحد الحكمين هل يجوز؟ قلت: يجوز عند الشافعي وأحمد، وعند مالك: لا يجوز، لأن الحاكم لا يكون محكوماً عليه في صورة واحدة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين حدثنا جعفر هو ابن برقان ((عن ميمون بن مهران: أن أعرابياً أتى أبا بكر، رضي الله تعالى عنه، قال: قتلت صيداً وأنا محرم، فما ترى علي من الجزاء؟ فقال أبو بكر لأبي بن كعب، وهو جالس عنده: ما ترى فيها؟ قال: فقال الأعرابي: أتيتك وأنت خليفة رسول الله، عَّه، أسألك، فإذا أنت تسأل غيرك؟ فقال أبو بكر، رضي الله تعالى عنه: وما تنكر بقول الله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل﴾ [المائدة: ٩٥]. فشاورت صاحبي حتى إذا اتفقنا على أمر أمرناك به)). وهذا إسناد جيد لكنه منقطع بين ميمون وبين الصديق، ومثله يحتمل ههنا. وقال ابن جرير: حدثنا وكيع حدثنا ابن عيينة عن مخارق عن طارق قال أرطا: أريد ظبياً، فقتله وهو محرم، فأتى عمر، رضي الله تعالى عنه، ليحكم عليه، فقال عمر: احكم معي، فحكما فيه جدياً قد جمع الماء والشجر)). قلت: مخارق هو ابن خليفة الأحمسي الكوفي، من رجال البخاري، والأربعة، وطارق هو ابن شهاب الأحمسي أبو عبد الله الكوفي، رأى النبي عَ ◌ّهِ وأدرك الجاهلية، وروى عن النبي عٍَّ وغزا في خلافة أبي بكر وعمر، رضي الله تعالى عنهما، ثلاثاً وثلاثين أو ثلاثاً وأربعين من غزوة إلى سرية، مات سنة اثنتين وثمانين من الهجرة، وقال يحيى بن معين: مات سنة ثلاث وعشرين ومائة، وهو وهم، روى له الجماعة. الوجه الرابع: في بيان الكفارة إذا لم يجد المحرم مثل ما قتل من النعم، أو لم يكن الصيد المقتول من ذوات الأمثال، أو قلنا بالتخيير في هذا المقام من الجزاء والإطعام والصيام، كما هو قول مالك وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وأحد قولي الشافعي، والمشهور عن أحمد لظاهر، أو بأنها للتخيير، والقول الآخر، أنها على الترتيب، فصورة ذلك أن يعدل إلى القيمة فيقوم الصيد المقتول عند مالك وأبي حنيفة وأصحابه وحماد وإبراهيم. وقال الشافعي: يقوم مثله من النعم لو كان موجوداً ثم يشتري به طعاماً ويتصدق به فيصدق لكل مسكين مد منه عند الشافعي ومالك وفقهاء الحجاز، واختاره ابن جرير. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يطعم لكل مسكين مدين، وهو قول مجاهد. وقال أحمد: مد من حنطة ومدان من غيره، فإن لم يجد قلنا بالتخيير، صام عن إطعام كل مسكين يوماً. وقال ابن جرير. وقال آخرون: يصوم مكان كل صاع يوماً، كما في جزاء المترفه بالحلق ونحوه، واختلفوا في مكان هذا الإطعام، فقال الشافعي: محله الحرم وهو قول عطاء، وقال مالك: يطعم في المكان الذي أصاب فيه الصيد أو أقرب الأماكن إليه، وقال أبو حنيفة: إن شاء أطعم في ٢٣٢ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (١) الحرم وإن شاء في غيره. الوجه الخامس: في صيد البحر، وقد ذكرنا في فصل المعنى والإعراب شيئاً من ذلك، وقد استدل جمهور العلماء على حل ميتة البحر بالآية المذكورة، وبحديث العنبر على ما يجيء، إن شاء الله تعالى، وقد احتج بهذه الآية الكريمة من ذهب من الفقهاء إلى أنه يؤكل كل دواب البحر، ولم يستثن من ذلك شيئاً. وقد تقدم عن الصديق أنه قال: طعامه كل ما فيه، وقد استثنى بعضهم الضفادع، وأباح ما سواها لما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من رواية ابن أبي ذئب: عن سعي بن خالد عن سعيد بن المسيب ((عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي: أن رسول الله، عَّله، نهى عن قتل الضفدع)). وفي رواية للنسائي ((عن عبيد الله بن عمر، وقال: نهى رسول الله، عَّه، عن قتل الضفدع. وقال: نقيقها تسبيح)) وقال آخرون: يؤكل من صيد البحر السمك، ولا يؤكل الضفدع. واختلفوا فيما سواهما، فقيل: يؤكل كل سائر ذلك. وقيل: لا يؤكل، وهذه كلها وجوه في مذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يؤكل ما مات في البحر كما لا يؤكل ما مات في البر لعموم قوله: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [المائدة: ٣]. قلت: استثنى منه الجراد، لقوله عَّ له: ((أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال)). وقال الترمذي: باب ما جاء في صيد البحر للمحرم، حدثنا أبو كريب قال: حدثنا وكيع عن حماد بن سلمة عن أبي المهزم ((عن أبي هريرة، قال: خرجنا مع رسول الله عَّهِ في حج أو عمرة، فاستقبلنا رجل من جراد، فجعلنا نضربه بأسياطنا وعصينا. فقال رسول الله عَّ له: كلوا فإنه من صيد البحر)) قال: هذا حديث غريب. وأبو المهزم، بضم الميم وفتح الهاء وكسر الزاي المشددة اسمه يزيد بن سفيان، وقد تكلم فيه شعبة. وقال الترمذي: وقد رخص قوم من أهل العلم للمحرم أن يصيد الجراد فيأكله، وقد رأى بعضهم عليه صدقة إذا اصطاده أو أكله، رواه أبو داود وابن ماجه أيضاً. وقوله: ((من صيد البحر)) ظاهر أنه من البحر. وللعلماء فيه ثلاثة أقوال: الأول: أنه من صيد البحر، هو قول كعب الأحبار، وقد روى مالك في (الموطأ) عن زيد بن أسلم ((عن عطاء بن يسار: أن كعب الأحبار أمره عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، على ركب محرمين، فمضوا حتى إذا كانوا ببعض طريق مكة مر رجل من جراد، فأفتاهم كعب أن يأخذوه فيأكلوه، فلما قدموا على عمر، رضي الله تعالى عنه، ذكروا له ذلك، فقال له: ما حملك على أن أفتيتهم بهذا؟ قال: هو من صيد البحر. قال: وما يدريك؟. قال: يا أمير المؤمنين! والذي نفسي بيده إن هو إلاَّ نثرة حوت نثره في كل عام مرتين)). واختلف في قوله: ((نثرة حوت))، فقيل: عطسته، وقيل: هو من تحريك النثرة، وهو طرف الأنف، قال شيخنا زين الدين: فعلى هذا يكون بالمثلثة، وهو المشهور، وعليه اقتصر صاحب (المشارق) وغيره، وأنه من الرمي بعنف من قولهم في الاستنجاء: ينثر ذكره إذا استبرأ من البول بشدة وعنف، وأن الجراد يطرحه من أنفه أو من دبره بعنف وشدة، وقيل متولد من ٢٣٣ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (١) روث السمك. القول الثاني: أنه من صيد البر يجب الجزاء بقتله، وهو قول عمر وابن عباس وعطاء ابن أبي رباح، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي في قوله الصحيح المشهور. القول الثالث: أنه من صيد البر والبحر، رواه سعيد بن منصور في (سننه) عن هشيم عن منصورٍ عن الحسن. واختلف القائلون بأن الجراد من صيد البر وفيه الجزاء في مقدار الجزاء على أقوال: أحدهما: في كل جرادة تمرة، وهو قول عمرو وابن عمر رواه سعيد بن المنصور في (سننه) بسنده إليهما، وبه قال أبو حنيفة واختاره ابن العربي. الثاني: أن في الجرادة الواحدة قبضة من طعام، وهو قول ابن عباس: رواه سعيد بن منصور بسنده إليه، وبه قال مالك. الثالث: أن في الواحدة درهماً. وهو قول كعب الأحبار. قيل: ومن الدليل أن الجراد نثرة الحوت ما رواه ابن ماجه: حدثني هارون بن عبد الله الجمال حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا زياد بن عبد الله عن موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه ((عن جابر وأنس بن مالك: أن رسول الله، عَّ له، كان إذا دعا على الجراد، قال: أللهم أهلك كباره واقتل صغاره وأفسد بيضه واقطع دابره وخذ بأفواهه عن معائشنا وارزقنا إنك سميع الدعاء. فقال خالد: يا رسول الله! كيف تدعو على جند من أجناد الله بقطع دابره؟ فقال: إن الجراد نثرة الحوت في البحر، قال هاشم: قال زياد: فحدثني من رأى الحوت ينثره)). تفرد به ابن ماجه. الوجه السادس: في صيد البر وهو حرام على المحرم لأنه في حقه كالميتة وكذا في حق غيره من المحرمين والمحلين عند مالك والشافعي في قول، وهو قول عطاء والقاسم وسالم، وبه قال أبو يوسف ومحمد، فإن أكله أو شيئاً منه فهل يلزمه جزاء ثان؟ فيه قولان للعلماء: أحدهما: نعم، وإليه ذهبت طائفة. والثاني: لا جزاء عليه بأكله، نص عليه مالك. وقال أبو عمر: وعلى هذا مذاهب فقهاء الأمصار وجمهور العلماء. وقال أبو حنيفة: عليه قيمة ما أكل. وقال أبو ثور: إذا قتل المحرم الصيد فعليه جزاؤه وحلال أكل ذلك الصيد، إلاَّ أني أكرهه للذي قتله، وإذا اصطاد حلال صيداً فأهداه إلى محرم فقد ذهبت جماعة إلى إباحته مطلقاً، ولم يفصلوا بين أن يكون قد صاده من أجله أم لا حكى أبو عمر هذا القول عن عمر ابن الخطاب وأبي هريرة والزبير بن العوام وكعب الأحبار ومجاهد وعطاء في رواية، وسعيد ابن جبير قال: وبه قال الكوفيون، قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيغ حدثنا بشر ابن المفضل حدثنا سعيد عن عبادة أن سعيد بن المسيب حدثه ((عن أبي هريرة أنه سئل عن لحم صيد صاده حلال أيأكله المحرم؟ قال: فأفتاهم بأكله، ثم لقي عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، فأخبره بما كان من أمره، فقال: لو أفتيتهم بغير هذا لأوجعت لك رأسك)). وقال آخرون: لا يجوز أكل الصيد للمحرم بالكلية، ومنعوا من ذلك مطلقاً لعموم الآية الكريمة. وقال عبد الرزاق: عن معمر عن ابن طاوس وعبد الكريم بن أبي أمية عن طاوس عن ابن عباس أنه كره أكل لحم الصيد للمحرم، قال: وأخبرني معمر عن الزهري عن ابن ٢٣٤ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٢) عمر أنه كان يكره أن يأكل لحم الصيد على كل حال، قاله أبو عمر، وبه قال طاوس وجابر ابن زيد، وإليه ذهب الثوري وإسحاق بن راهويه. وقد روي نحوه عن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، وقال مالك والشافعي، وأحمد وإسحاق في رواية، والجمهور: إن كان الحلال قد قصد للمحرم بذلك الصيد لم يجز للمحرم أكله لحديث الصعب بن جثامة، على ما يأتي إن شاء الله تعالى، وإذا لم يقصده بالاصطياد يجوز له الأكل منه لحديث أبي قتادة على ما يأتي، إن شاء الله تعالى. ٢ - بابٌ إِذَا صَادَ الحَلاَلُ فأهْدَى لِلْمُخرِمِ الصَّيْدَ أُكَلَهُ هذه الترجمة هكذا ثبتت في رواية أبي ذر، وسقطت في رواية غيره، وجعلوا ما ذكر في هذا الباب من جملة الذي قبله. قوله: ((باب)) منون، تقديره: هذا باب يذكر فيه إذا صاد الحلال صيداً فأهداه للمحرم أكله المحرم، وفيه خلاف قد ذكرناه عن قريب في آخر الباب الذي قبله. ولمْ يَرَ ابنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسّ بالذَّبِحِ بَأْساً لا يطابق ذكر هذا التعليق في هذه الترجمة، وإنما تتأتى المطابقة بالتعسف في الترجمة التي قبل هذا الباب على رواية غير أبي ذر. قوله: ((بالذبح))، أي: بذبح المحرم، وظاهر العموم يتناول ذبح الصيد وغيره، ولكن مراده الذبح في غير الصيد، أشار بقوله: ((وهو في غير الصيد)) على ما يجيء الآن، ووصل أثر ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، عبد الرزاق من طريق عكرمة أن ابن عباس أمره أن يذبح جزوراً وهو محرم، وأثر أنس وصله ابن أبي شيبة من طريق الصباح البجلي: سألت أنس بن مالك عن المحرم يذبح؟ قال: نعم. وهُوَ غَيْرُ الصَّيْدِ نحوُ الإِبِلِ والْغَنَمِ والْبَقَرِ والدَّجَاجِ والخَيْلِ هذا من كلام البخاري، وأشار به إلى تخصيص العموم الذي يفهم من قوله: ((بالذبح))، قوله: ((وهو)) أي: الذبح، أي المراد من الذبح المذكور في أثر ابن عباس وأنس هو الذبح في الحيوان الأهلي، وهو الذي ذكره بقوله: ((نحو الإبل ... )) إلى آخره. وهذا كله متفق عليه غير ذبح الخيل، فإن فيه خلافاً معروفاً. وذكر أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي في (كتاب المناسك): يذبح المحرم الدجاج الأهلي ولا يذبح الدجاج السندي، ويذبح الحمام المستأنس ولا يذبح الطيارة، ويذبح الأوز ولا يذبح البط البري، ويذبح الغنم والبقر الأهلية، ويحمل السلاح ويقاتل اللصوص ويضرب مملوكه، ولا يختضب بالحناء، ويصيد السمك، وكل ما كان في البحر، ويجتنب صيد الضفادع. يُقَالُ عَدْلُ ذَلِكَ مِثْلُ فَإِذَا كُسِرَتْ عِدْلٌ فَهْوَ زِنَةُ ذَلِكَ أشار بهذا إلى الفرق بين العدل بفتح العين، والعدل بكسرها، وذلك لكون لفظ العدل مذكوراً في الآية المذكورة، قوله: ((يقال))، يعني: في لغة العرب: ((عدل ذلك)) بفتح العين، ٢٣٥ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٢) أي: هذا الشيء عدل ذلك الشيء أشار إليه بقوله: ((مثل)) أي: مثل ذلك الشيء. قوله: ((فإذا كسرت))، أي: العين، تقول: هذا عدل ذاك، بكسر العين، قوله: ((فهو زنة ذلك)) أي: موازنة، أراد به في القدر، وقد مر الكلام فيه مستقصىّ في الباب الذي قبله. قَيَاماً قِوَاماً أشار به إلى المذكور في قوله تعالى عقيب الآية المذكورة: ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس﴾ [المائدة: ٩٧]. أي: قواماً، بكسر القاف. وهو نظام الشيء وعماده، يقال: فلان قيام أهل البيت وقوامه، أي: الذي يقيم شأنهم. وقال الطبري في تفسير: قياماً، في الآية: أي: جعل الله الكعبة بمنزلة الرأس الذي يقوم به أمر أتباعه، وقال بعضهم: قياماً قواماً، هو قول أبي عبيدة قلت: هذا ليس بمخصوص بأبي عبيدة، وإنما هو قول جميع أهل اللغة وأهل التصريف بأن أصل: قيام، قوام لأن مادته من قام يقوم قواماً وهو أجوف واوي، قلبت الواو في قواماً، ياء كما قلبت في صيام، وأصله: صوام، لأنه من صام يصوم صوماً، وهو أيضاً أجوف واوي، والذي ليس له يد في التصريف يتصرف هكذا حتى قال: قال الطبري: أصله الواو، فكأنه رأى أن هذا أمر عظيم حتى نسبه إلى الطبري. يَعْدِلُونَ: يَجْعَلُونَ عَدْلاً أشار بهذا إلى المذكور في سورة الأنعام ﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ [الأنعام: ١]. أي: يجعلون له عدلاً، أي: مثلاً تعالى الله عن ذلك، ومناسبة ذكر هذا ههنا كونه من مادة قوله تعالى: ﴿أو عدل ذلك﴾ [المائدة: ٩٥]. بالفتح، يعني مثله، وهذا الذي ذكره كله من أول الباب إلى ههنا يطابق ترجمة الباب السابق، ولا يناسب هذه الترجمة التي ثبتت في رواية أبي ذر، كما ذكرنا. ١٨٢١/٣٩٦ - حدَّثنا مُعَاذُ بنُ فَضَالَةَ قال حدَّثنا هِشَامٌ عنْ يَحْيَى عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي قَتَادَةَ قال انْطَلَقَ أبِي عامَ الحُدَثِيَّةِ فَأُخْرَمَ أصْحَابُهُ ولَمْ يحْرِمْ وَحُدِّثَ النبيُّ عَ لَّهِ أَنَّ عَدُوَّاً يَغْزُوهُ فَانْطَلَقَ النبيُّ عَ لَّهِ فَبَيْنَما أنا مَعَ أَصْحَابِهِ تضَحَّكَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَنَظَرْتُ فإذَا أَنَا بِحِمَارٍ وَخْشِ فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ فَطَعَنْتُهُ فَأَثْبُتُّهُ واسْتَعَنْتُ بِهِمْ فَأبَوْا أَنْ يُعِينُونِي فَأَكَلْنَا منْ لَحْمِهِ وَخَشِينَا أنْ تُقْتَطَعَ فَطَلبْتُ النبيَّ عَِّ أَرْفَعُ فَرَسِي شأواً وأسِيرُ شأواً فَلَقِيتُ رَجُلاً مِنْ بَنِي غِفَارٍ فِي ◌َوْفِ اللَّيْلِ قُلْتُ أَيْنَ تَرَكْتَ النبيَّ عَِّ قال تَرَكْتُهُ بِتَعْهُنَ وهُوَ قَائِلٌ السُفْيَا فَقُلْتُ يا رَسُولَ الله إنَّ أَهْلَكَ يَقْرَؤُونَ عَلَيْكَ السَّلامَ ورَحْمَةَ اللهِ إنّهُمْ قَدْ خَشُوا أنُ يُقْتَطَعُوا دُونَكَ فانْتَطِرْهُمْ قُلْتُ يا رَسُولَ الله أصَبْتُ حِمَارَ وَحْشٍ وعِنْدِي مِنْهُ فَاضِلَةٌ فَقَالَ لِلْقَوْمِ كُلُوا وَهُمْ مُخْرِمُونَ. [الحديث ١٨٢١ - أطرافه في: ١٨٢٢، ١٨٢٣، ١٨٢٤، ٢٥٧٠، ٢٨٥٤، ٢٩١٤، ٤١٤٩، ٥٤٠٦، ٥٤٠٧، ٥٤٩٠، ٥٤٩١، ٥٤٩٢]. مطابقته للترجمة في قوله: ((كلوا، وهم محرمون)). فإن الذي صاد الحمار المذكور كان حلالاً، وأهداه إلى النبي، عَّهِ، وأباح النبي، عَّةِ، أكله لأصحابه الذين معه وهم ٢٣٦ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٢) محرمون، فدل على أن الذي اصطاده الحلال يجوز للمحرم أن يأكل منه، على خلاف فيه، قد ذ کرناه. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: معاذ بن فضالة أبو زيد الزهراني. الثاني: هشام الدستوائي. الثالث: يحيى بن أبي كثير. الرابع: عبد الله بن أبي قتادة. الخامس: أبوه أبو قتادة بفتح القاف، واسمه الحارث بن ربيع الأنصاري. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وهذا الإسناد بعينه قد مر في: باب النهي عن الاستنجاء باليمين في كتاب الوضوء. وفيه: أن شيخه من أفراده وأنه بصري، وهشام ينسب إلى دستوا من نواحي الأهواز، كان يبيع الثياب التي تجلب منها فنسب إليها، ولكن أصله بصري، ويحيى طائي يمامي. قوله: ((عن عبد الله بن أبي قتادة))، وفي رواية مسلم عن يحيى: أخبرني عبد الله بن أبي قتادة، وساق عبد الله هذا الإسناد مرسلاً حيث قال: انطلق أبي عام الحديبية، وهكذا أخرجه مسلم من طريق معاذ بن هشام عن أبيه، وأخرجه أحمد عن ابن علية عنه. وأخرجه أبو داود الطيالسي عن هشام عن يحيى فقال: عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أنه انطلق مع النبي عَ ◌ّه وهذا مسند، وكذلك في رواية علي بن المبارك عن يحيى عن عبد الله بن أبي قتادة أن أباه حدثه قال: انطلقنا مع النبي، عَّله، على ما يأتي في الباب الذي يلي هذا الباب. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن سعيد بن الربيع عن علي بن المبارك، وأخرجه في الجهاد عن عبد الله بن يوسف، وفي الذبائح عن إسماعيل، كلاهما عن مالك، وفي الحج أيضاً عن سعيد بن الربيع وعن عبد الله بن محمد وموسى بن إسماعيل وعبد الله بن يوسف أيضاً، وفي الهبة عن عبد العزيز بن عبد الله، وفي الأطعمة أيضاً عن عبد العزيز بن عبيد الله، وأخرجه مسلم في الحج عن صالح بن مسمار عن معاذ بن هشام عن أبيه وعن عبد الله بن عبد الرحمن عن يحيى بن حسان عن معاوية بن سلام، الكل عن يحيى بن أبي كثير به، وأخرجه أبو داود في الحج عن القعنبي عن مالك. وأخرجه الترمذي عن قتيبة بن مالك. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن عبد الأعلى عن خالد بن الحارث عن هشام به وعن عبيد الله بن فضالة. وأخرجه ابن ماجه عن محمد بن یحیی عن عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير به. ذكر معناه: قوله: ((عام الحديبية))، قيل، وفي رواية الواقدي من وجه آخر عن عبد الله بن أبي قتادة أن ذلك كان في عمرة القضية قلت: رواه عن ابن أبي سبرة عن موسى بن ميسرة عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه، قال: سلكنا في عمرة القضية على الفرع، وقد أحرم أصحابي غيري فرأيت حماراً ... الحديث، وقال أبو عمر: كان ذلك عام الحديبية أو بعده بعام، عام القضية. قوله: ((فأحرم أصحابه)) أي: أصحاب أبي قتادة، وفي رواية مسلم: ((أحرم أصحابي ولم أحرم)) وقال الأثرم: كنت أسمع أصحاب الحديث يتعجبون من حديث أبي قتادة، ويقولون: كيف جاز لأبي قتادة أن يجاوز الميقات غير محرم، ولا يدرون ما وجهه ٢٣٧ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٢) حتى رأيته مفسراً في رواية عياض بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري قلت: روى الطحاوي، رحمه الله، حديث أبي سعيد الخدري فقال: حدثنا ابن أبي داود حدثنا عياش بن الوليد الرقام حدثنا عبد الأعلى عن عبيد الله عن عياض بن عبد الله ((عن أبي سعيد الخدري، قال: بعث النبي، عَّةٍ، أبا قتادة الأنصاري على الصدقة، وخرج رسول الله، عَّةٍ، وأصحابه وهم محرمون حتى نزلوا عسفان، فإذا هم بحمار وحش، قال: وجاء أبو قتادة وهو حل، فنكسوا رؤوسهم كراهة أن يحدوا أبصارهم، فتفطن، فرآه فركب فرسه وأخذ الرمح، فسقط منه فقال: ناولونيه، فقالوا: ما نحن بمعينيك عليه بشيء، فحمل عليه فعقره، فجعلوا يشوون منه، ثم قالوا: رسول الله، عَّ له، بين أظهرنا. قال: وكان يتقدمهم فلحقوه فسألوه، فلم ير بذلك بأساً)). وأخرجه البزار أيضاً. قوله: ((على الصدقة)) أي: على أخذ الزكوات، وقال القشيري في الجواب عن عدم إحرام أبي قتادة، يحتمل أنه لم يكن مريداً للحج، أو أن ذلك قبل توقيت المواقيت، وزعم المنذري أن أهل المدينة أرسلوه إلى سيدنا رسول الله، عَّ له، يعلمونه أن بعض العرب ينوي غزو المدينة. وقال ابن التين: يحتمل أنه لم ينو الدخول إلى مكة، وإنما صحب النبي، عَ ◌ّه، ليكثر جمعه، وقال أبو عمر: يقال: إن أبا قتادة كان رسول الله عَّ له وجهه على طريق البحر مخافة العدو، فلذلك لم يكن محرماً إذا اجتمع مع أصحابه، لأن مخرجهم لم يكن واحداً. انتهى. قلت: أحسن الأجوبة ما ذكر في حديث أبي سعيد الخدري، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((وحدث))، على صيغة المجهول. قوله: ((يغزوه)) أي: يقصدوه. قوله: ((فبينما)). قوله: ((يضحك بعضهم إلى بعض))، جملة حالية، ووقع في رواية العذري في مسلم: ((فجعل بعضهم يضحك إلي)) بتشديد الياء في: إلي، قال عياض: هو خطأ وتصحيف وإنما سقطت عليه لفظة: بعض، واحتج لضعفها بأنهم لو ضحكوا إليه لكان أكبر إشارة منهم، وقد صرح في الحديث أنهم لم يشيروا إليه، وقال النووي: لا يمكن رد هذه الرواية، فقد صحت هي والرواية الأخرى، وليس في واحدة منهم دلالة ولا إشارة إلى الصيد، وأن مجرد الضحك ليس فيه إشارة منهم، وإنما كان ضحكهم من عروض الصيد ولا قدرة لهم عليه ومنعهم منه، وكذا قال ابن التين، يريد أنهم لم يخبروه بمكان الصيد ولا أشاروا إليه. وفي الحديث ما يقتضي أن ضحكهم ليس بدلالة ولا إشارة، بيَّن ذلك في حديث عثمان بن موهب، فقال: ((أمنكم أحد أشار إليه؟ قالوا: لا)). فإن قلت: ما معنى: إلى، في قوله: ((إلى بعض))؟ قلت: معناه منتهياً أو ناظراً إليه. قوله: ((فنظرت))، فيه التفات، فإن الأصل أن يقال: فنظر، لقوله: ((فبينا أبي مع أصحابه))، فالتقدير: قال أبي: فنظرت، فإذا أنا بحمار وحش، وهذه الرواية تقتضي أن رؤيته إياه متقدمة، ورواية أبي حازم عن عبد الله بن أبي قتادة تقتضي أن رؤيتهم إياه قبل رؤيته، فإن فيها: ((فأبصروا حماراً وحشياً وأنا مشغول أخصف نعلي، فلم يؤذوني به، وأحبوا لو أني أبصرته، والتفت فأبصرته)). قوله: ((فحملت عليه))، وفي رواية محمد بن جعفر: ((فقمت إلى الفرس فأسرجته ثم ركبت ونسيت السوط والرمح، فقلت لهم: ٢٣٨ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٢) ناولوني السوط والرمح، فقالوا: لا والله لا نعينك عليه بشيء، فغضبت فنزلت فأخذتهما، ثم ركبت)). وفي رواية فضيل بن سليمان: ((فركب فرساً له يقال له الجرادة، فسألهم أن يناولوه سوطه فأبو)). وفي رواية أبي النضر: ((وكنت نسيت سوطي، فقلت لهم: ناولوني بسوطي، فقالوا: لا نعينك عليه، فنزلت فأخذته)). قوله: ((فأثبته))، أي: تركته ثابتاً في مكانه لا يفارقه ولا حراك به، وفي رواية أبي حازم: ((فشددت على الحمار فعقرته، ثم جئت به وقد مات)). وفي رواية أبي النضر: ((حتى عقرته فأتيت إليهم فقلت لهم، قوموا فاحتملوا، فقالوا: لا نمسه، فحملته حتى جئتهم به)). ((فأكلنا من لحمه))، وفي رواية فضيل عن أبي حازم: ((فأكلوا فندموا))، وفي رواية محمد بن جعفر عن أبي حازم: ((فوقعوا يأكلون منه، ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم، فرحنا وخبؤت العضد معي))، وفي رواية مالك عن أبي النضر: ((فأكل منه بعضهم وأبى بعضهم)). وفي حديث أبي سعيد: ((فجعلوا يشوون منه))، وفي رواية المطلب عن أبي قتادة عند سعيد بن منصور: ((فظللنا نأكل منه ما شئنا طبيخاً وشواء ثم تزودنا منه.)) وأخرج الطحاوي حديث أبي قتادة من خمس طرق صحاح. الأول: عن أبي سعيد الخدري، قال: بعث رسول الله عَ لٍ أبا قتادة ... الحديث، وقد ذكرناه عن قريب. الثاني: عن عباد بن تميم ((عن أبي قتادة أنه كان على فرس وهو حلال، ورسول الله عَّه وأصحابه محرمون، فبصر بحمار وحش، فنهى رسول الله عَّلِ أن يعينوه، فحمل عليه فصرع أتاناً فأكلوا منه)). : الثالث: عن عثمان بن عبد الله بن موهب ((عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أنه كان في قوم محرمين وليس هو بمحرم، وهم يسيرون، فرأوا حماراً فركب فرسه فصرعه، فأتوا النبي، عَّه، فسألوه عن ذلك، فقال أشرتم أو صدتم أو قتلتم؟ قالوا: لا، قال: فكلوا)). الرابع: عن نافع مولى أبي قتادة ((عن أبي قتادة أنه كان مع رسول الله، عَّلّه، حتى إذا كان ببعض طرق مكة تخلف مع أصحاب له محرمين وهو غير محرم، فرأى حماراً وحشياً فاستوى على فرسه، ثم سأل أصحابه أن يناولوه سوطه، فأبوا، فسألهم رمحه فأبوا، فأخذه ثم شد على الحمار فقتله، فأكل منه بعض أصحاب النبي عَّةِ وأبى بعضهم، فلما أدركوا رسول الله عَّ سألوه عن ذلك، فقال: إنما هي طعمة أطعمكموها الله)). الخامس: عن عطاء بن يسار عن أبي قتادة مثله، وزاد: ((أن رسول الله عَ لَّه قال: هل معكم من لحمه شيء؟ فقد علمنا أن أبا قتادة لم يصده في وقت ما صاده إرادة منه أن يكون له خاصة، وإنما أراد أن يكون له ولأصحابه الذين كانوا معه). قوله: ((وخشينا أن نقتطع)) أي: نصير مقطوعين عن النبي عَِّ منفصلين عنه لكونه سبقهم، وعند أبي عوانة عن علي بن المبارك عن يحيى بلفظ: ((وخشينا أن يقتطعنا العدو))، وفي رواية للبخاري: ((وأنهم خشوا أن يقتطعهم العدو دونك)). وقال ابن قرقول: أي يحوذنا ٢٣٩ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٢) العدو عنك، ومن حملتك. وقال القرطبي: أي: خفنا أن يحال بيننا وبينهم ويقتطع بنا عنهم. قوله: ((ارفع) بالتخفيف والتشديد أي: أرفعه في سيره وأجريه. قوله: ((شأواً)) بالشين المعجمة وسكون الهمزة: وهو الطلق والغاية، ومعناه: أركضه شديداً تارة وأسهل سيره تارة. قوله: ((من بني غفار))، بكسر الغين المعجمة وتخفيف الفاء وفي آخره راء، منصرف وغير منصرف. قوله: ((بتعهن))، بكسر المثناة من فوق وفتحها وسكون العين المهملة وكسر الهاء وبالنون، وفي رواية الأكثرين بالكسر، وفي رواية الكشميهني بكسر أوله وثالثه، وفي رواية غيره بفتحهما، وحكى أبو ذر الهروي أنه سمعها من العرب بذلك المكان بفتح الهاء، ومنهم من يضم التاء ويفتح العين ويكسر الهاء، وضبطه أبو موسى المديني بضم أوله وثانيه وبتشديد الهاء، قال: ومنهم من يكسر التاء، وأصحاب الحديث يسكنون العين، ووقع في رواية الإسماعيلي: ((بدعهن))، بالدال المهملة موضع التاء. قلت: يمكن أن يكون ذلك من تصرف اللافظين لقرب مخرج التاء من الدال، وهو، عين ماء على ثلاثة أميال من السقيا، بضم السين المهملة وسكون القاف وتخفيف الياء آخر الحروف، والقصر، هي قرية بين مكة والمدينة من أعمال الفرع، بضم الفاء وسكون الراء وبالعين المهملة. وقال البكري: الفرع من أعمال المدينة الواسعة والصفراء وأعمالها من الفرض ومنضافة إليها. قوله: ((وهو قائل)) جملة إسمية، وقال النووي: قائل روي بوجهين: أصحهما: وأشهرهما من القيلولة يعني: تركته بتعهن، وفي عزمه أن يقيل بالسقيا. الثاني: بالباء الموحدة، وهو ضعيف غريب، وكأنه تصحيف فإن صح فمعناه أن تعهن موضع مقابل السقيا، فعلى الوجه الأول الضمير في قوله: ((وهو)) يرجع إلى النبي عَّ له، وعلى الوجه الثاني يرجع إلى قوله: ((تعهن)). وقال القرطبي قوله: ((قائل))، من القول ومن القائلة والأول هو المراد هنا، والسقيا مفعول بفعل مضمر، والتقدير: كان بتعهن وهو يقول لأصحابه اقصدوا السقيا، ووقع في رواية الإسماعيلي من طريق ابن علية عن هشام: ((وهو قائم بالسقيا))، يعني من القيام، ولكنه قال: الصحيح: قائل، باللام. قوله: ((فقلت))، فيه حذف تقديره: فسرت فأدركته فقلت: يا رسول الله! وتوضحه رواية علي بن المبارك في الباب الذي يليه بلفظ: ((فلحقت برسول الله عَ لَّه حتى أتيته فقلت: يا رسول الله)). قوله: ((إن أهلك)) أراد إن أصحابك، والدليل عليه رواية أحمد ومسلم وغيرهما من هذا الوجه بلفظ: ((إن أصحابك)). قوله: ((فانتظرهم))، بصيغة الأمر من الانتظار، أي: انتظر أصحابك. وفي رواية مسلم بهذا الوجه: فانتظرهم، بصيغة الماضي أي: انتظرهم رسول الله عَّةٍ، وفي رواية علي بن المبارك: ((فانتظرهم ففعل)). قوله: ((فاضلة))، بمعنى: فضلة. وقال الخطابي: أي قطعة قد فضلت منه فهي فاضلة أي: باقية معي. قوله: ((فقال للقوم: كلوا))، هذا أمر إباحة لا أمر إيجاب، قال بعضهم: لأنها وقعت جواباً عن سؤالهم عن الجواز لا عن الوجوب، فوقعت الصيغة على مقتضى السؤال. قلت: الأوجه أن يقال: إن هذا الأمر إنما كان لمنفعة لهم، فلو كان للوجوب لصار عليهم، فكان يعود إلى موضوعه بالنقض. ٢٤٠ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٢) وفيه من الفوائد: أن لحم الصيد مباح للمحرم إذا لم يعن عليه وقال القشيري اختلف الناس في أكل المحرم لحم الصيد على مذاهب. أحدها: أنه ممنوع مطلقاً صيد لأجله أو لا، وهذا مذكور عن بعض السلف، دليله حديث الصعب بن جثامة. الثاني: ممنوع إن صاده أو صيد لأجله، سواء كان بإذنه أو بغير إذنه، وهو مذهب مالك والشافعي. الثالث: إن كان باصطياده أو بإذنه أو بدلالته حرم عليه، وإن كان على غير ذلك لم يحرم، وإليه ذهب أبو حنيفة. وقال ابن العربي: يأكل ما صيد وهو حلال، ولا يأكل ما صيد بعد. وحديث أبي قتادة هذا يدل على جواز أكله في الجملة، وعزى صاحب (الإمام) إلى النسائي من حديث أبي حنيفة عن هشام عن أبيه عن جده الزبير، قال: ((كنا نحمل الصيد صفيفاً ونتزوده ونحن محرمون مع رسول الله عَّلِّ))، رواه الحافظ أبو عبد الله البلخي في (مسند أبي حنيفة) من هذا الوجه عن هشام، ومن جهة إسماعيل بن يزيد عن محمد بن الحسن عن أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه، وروى أبو يعلى الموصلي في (مسنده) من حديث محمد بن المنكدر: حدثنا شيخ لنا ((عن طلحة بن عبد الله أن رجلاً سأل رسول الله عَّلله عن محل آثار الصيد أيأكله المحرم؟ قال: نعم)). وفي رواية مسلم: ((أهدى لطلحة طائر وهو محرم فقال: أكلنا مع رسول الله عَّةٍ)). وعند الدارقطني: أن رسول الله، عَلَّه، أعطاه حمار وحش وأمره أن يفرقه في الرقاق)). قال: ويروى عن طلحة والزبير وعمر وأبي هريرة، رضي الله تعالى عنهم، فيه رخصة. ثم قال: عائشة تكرهه وغير واحد، وروى الحاكم على شرطهما من حديث جابر يرفعه: ((لحم صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصاد لكن)). قال مهنىء: ذكر أبو عبد الله، يعني: أحمد بن حنبل، هذا الحديث فقال: إليه أذهب، ولما ذكر له حديث عبد الرزاق عن الثوري عن قيس عن الحسن بن محمد عن عائشة: ((أهدى النبي، عَّهِ، وشيقة لحم وهو محرم فأكله))، فجعل أبو عبد الله ينكره إنكاراً شديداً، وقال: هذا سماع مثلاً، هكذا ذكره صاحب التلويح بخطه، وفيه: فأكله. قلت: روى الطحاوي هذا الحديث، فقال: حدثنا يونس، قال، حدثنا سفيان عن عبد الكريم عن قيس بن مسلم الجدلي عن الحسن بن محمد بن علي عن عائشة: ((أن رسول الله، عَلِّ، أُهدي له وشيقة ظبي وهو محرم فرده))، ورواه أيضاً أحمد في (مسنده): حدثنا عبد الرزاق أخبرنا الثوري عن قيس بن مسلم عن الحسن بن محمد ((عن عائشة قالت: أهدي لرسول الله، عَّ له، ظبية فيها وشيقة صيد، وهو حرام فأبى أن يأكله)). انتهى. وهذا يخالف ما ذكره صاحب (التلويح) فإن في لفظه: ((فأكله))، والطحاوي لم يذكر هذا الحديث إلاَّ في صدد الاحتجاج لمن قال: لا يحل للمحرم أن يأكل لحم صيد ذبحه حلال، لأن الصيد