النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (٣)
رضي الله تعالى عنهُ كَمِ اغْتَمَرَ النبيُّ عَّهِ قال أرْبَعٌ عُمْرَةُ الحُدَيْبِيَّةِ فِي ذِي القَعْدَةِ حَيْثُ
صَدَّهُ المُشْرِكُونَ وعُمْرةٌ مِنَ العَامِ المُقْبِلِ فِي ذِي القَعْدَةِ حَيْثُ صَالَحَهُمْ وَعُمْرَةُ الجِعْرَانَةِ إِذْ
قَسَمَ غَنِيمَةَ أَرَاهُ حُنَيْنٍ قُلْتُ كَمْ حَجَّ قال واحِدَةً. [الحديث ١٧٧٨ - أطرافه في: ١٧٧٩،
١٧٨٠، ٣٠٦٦، ٤١٤٨].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وحسان بن حسان أبو علي البصري، سكن مكة وهو من أفراد
البخاري، وقال: مات سنة ثلاث عشرة ومائتين.، وهمام، بتشديد الميم: ابن يحيى بن دينار
العوزي الشيباني البصري، مات سنة ثلاث وستين ومائة.
وأخرجه أيضاً عن أبي الوليد فيه، وفي الجهاد وفي المغازي عن هدبة بن خالد،
وأخرجه مسلم في الحج عن هدبة وعن أبي موسى عن عبد الصمد. وأخرجه أبو داود فيه
عن أبي الوليد وهدبة. وأخرجه الترمذي فيه عن إسحاق بن منصور، وقال: حسن صحيح.
قوله: ((أربع)) أي: الذي اعتمره أربع عمر. قوله: ((عمرة الحديبية))، أي: من الأربع
عمرة الحديبية، وهي بضم الحاء المهملة وفتح الدال وسكون الياء آخر الحروف وكسر الباء
الموحدة وفتح الياء آخر الحروف، وفي آخره هاء، وكثير من المحدثين يشددون هذه الياء،
وقال ابن الأثير: هي قرية كبيرة من مكة، سميت ببئر هناك، وقال الصغاني: الحديبية،
بتخفيف الياء: مثال دويهية، بئر على مرحلة من مكة، مما يلي المدينة، وقال الخطابي:
سميت الحديبية بشجرة حدباء هناك. قوله: ((حيث صده))، أي: منعه المشركون من دخول
مكة، وهو في غزوة الحديبية، وكانت في ذي القعدة سنة ست بلا خلاف، نص على ذلك
الزهري وآخرون. قوله: ((وعمرة الجعرانة)) فيها لغتان إحداهما: كسر الجيم وسكون العين
المهملة وفتح الراء المخففة. وبعد الألف نون، والثانية: كسر العين وتشديد الراء، وإلى
التخفيف ذهب الأصمعي وصوبه الخطابي، وقال في (تصحيف المحدثين): إن هذا مما
ثقلوه وهو مخفف، وحكى القاضي عن ابن المديني. قال: أهل المدينة يثقلونه، وأهل العراق
يخففونه، وهي ما بين الطائف ومكة، وهي إلى مكة أقرب.
قوله: ((إذ قسم)) أي: حين قسم غنيمة، وغنيمة منصوب بلا تنوين بلفظ قسم لأنه
مضاف في نفس الأمر إلى حنين. قوله: ((أراه))، بضم الهمزة أي: أظنه، معترض بين المضاف
والمضاف إليه، وكان الراوي طرأ عليه شك فأدخل لفظ: أراه، بين المضاف والمضاف إليه،
وقد رواه مسلم عن هدبة عن همام بغير شك، فقال: حيث قسم غنائم حنين، ويوم حنين
كانت غزوة هوازن، وحنين وادٍ بينه وبين مكة ثلاثة أميال، وكانت في سنة ثمان، وهي سنة
غزوة الفتح، وكانت غزوة هوازن بعد الفتح في خامس شوال. فإن قلت: سأل قتادة عن أنس:
كم اعتمر النبي عَّهِ؟ فأجاب بقوله: أربع، وليس في حديثه إلاَّ ذكر ثلاث؟ قلت: سقط من
هذه الرواية - أعني: رواية حسان المذكورة - ذكر العمرة الرابعة، ولهذا روى البخاري بعد
رواية أبي الوليد، وفيها ذكر الرابعة، وهو قوله: ((وعمرة مع حجته)) على ما يأتي عن قريب،
إن شاء الله تعالى، وكذا أخرجه مسلم من طريق عبد الصمد عن هشام، فظهر بهذا أن
عمدة القارىء / ج١٠ / م١١

١٦٢
٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (٣)
التقصير فيه من حسان شيخ البخاري.
وقال الكرماني: فإن قلت: أين الرابعة؟ قلت: هي داخلة في الحج، لأن رسول الله
عَّله إما متمتع أو قارن أو مفرد، وأفضل الأنواع الإفراد. ولا بد فيه من العمرة في تلك السنة،
ورسول الله عَ لّه لا يترك الأفضل. انتهى. وقال بعضهم: وليس ما ادعى أنه الأفضل متفقاً
عليه بين العلماء، فكيف ينسب فعل ذلك إلى النبي عَ لّه؟ انتهى. قلت: ما ادعى الكرماني
الأفضلية عند الجميع، وإنما مراده أن الإفراد أفضل مطلقاً بناء على زعمه ومعتقد إمامه، فلا
يتوجه عليه الإنكار. ولكن ترديد الكرماني بقوله: إما متمتع أو قارن أو مفرد؟ غير موجه لأنهم
- وإن كانوا اختلفوا فيه - ولكن أكثرهم على أفضلية القران. وكيف لا وقد تظاهرت الروايات
وتكاثرت عن قوم خصوصاً عن أنس بأنه، عَّلِّ، دخل في العمرة والحج جميعاً؟ وهو عين
القران، فكان أفضل الأنواع القِران. وقد قال ابن حزم: ستة عشر من الثقات اتفقوا على أنس
على أن لفظ النبي، عَُّلِّ، كان إهلالاً بحجة وعمرة معاً. وصرحوا عن أنس أنه سمع ذلك
منه، عَّهِ، وهم: بكر بن عبد الله المزني، وأبو قلابة، وحميد الطويل، وأبو قزعة، وثابت
البناني، وحميد بن هلال، ويحيى بن أبي إسحاق، وقتادة، وأبو أسماء، والحسن البصري،
ومصعب بن سليم، ومصعب بن عبد الله بن الزبرقان، وسالم بن أبي الجعد، وأبو قدامة،
وزيد بن أسلم، وعلي بن زيد. وقد أخرج الطحاوي عن تسعة منهم، وقد شرحنا جميع ذلك
في شرحنا (شرح معاني الآثار) فمن أراد الوقوف عليها فليرجع إليه. ومن جملة من أخرج
منهم الطحاوي رواية أبي أسماء عن أنس، قال: حدثنا أبو أمية، قال: حدثنا الحسن بن موسى
وابن نفيل، قالا: حدثنا أبو خيثمة عن أبي إسحاق عن أبي أسماء ((عن أنس، قال: خرجنا.
نصرح بالحج، فلما قدمنا مكة أمرنا رسول الله عَّالله أن نجعلها عمرة، وقال: لو استقبلت من
أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة، ولكني سقت الهدي وقرنت الحج والعمرة)». وأخرجه
النسائي وأحمد أيضاً نحو رواية الطحاوي، فهذا مصرح بأنه عَِّ ذكر بلفظ: أنه كان قارناً،
ووافق قوله فعله، فدل قطعاً أن القران أفضل فكيف يدعي الكرماني وغيره ممن نحى نحوه
بأن أفضل الأنواع الإفراد، وليس ما وراء عبادان قرية، والوقوف على حظ النفس مكابرة.
١٧٧٩/٣٥٦ _ حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ قال حدَّثنا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ
قال سألتُ أنساً رضي الله تعالى عنهُ فقال اعْتَمَرَ النبيُّ عَّه حَيْثُ رَدُّوهُ ومِنَ القَابِلِ عُمْرَةَ
الْحُدَئِيَّةِ وعُمْرَةً فِي ذِي القَعْدَةِ وعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ. [انظر الحديث ١٧٧٨ وأطرافه].
هذا بعينه هو الحديث الأول بالإسناد المذكور، غير أنه روى الأول عن حسان عن
همام، وروى هذا عن أبي الوليد الطيالسي، وفيه ذكر العمر الأربعة بخلاف الأول، فإن الرابعة
فيه ساقطة، كما ذكرنا. قوله: ((ومن القابل)) أي: ومن العام القابل، وقال ابن التين: هذا أراه
وهماً، لأن التي ردوه فيها هي عمرة الحديبية، وأما التي من قابل فلم يردوه منها، ورد عليه
بأن كلاً منهما كان من الحديبية.

١٦٣
٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (٣)
٣٥٧/ ١٧٨٠ _ حدَّثْنا مُذْبَةُ قال حدَّثنا هَمَّامٌ وقال اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ فِي ذِي القَعْدَةِ
إِلاَّ الَّتِي اعْتَمَرَ معَ حَجَتَّهِ عُمْرَتَهُ مِنَ الحُدَيْبِيَّةِ ومِنَ العَامِ المُقْبِلِ ومِنَ الجِعْرَانَةِ حَيْثُ قَسمَ
غَنَائِمَ حُنَيْن وعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ. [انظر الحديث ١٧٧٨ وأطرافه].
هذا طريق آخر في حديث أنس أخرجه عن هدية، بضم الهاء وسكون الدال المهملة
وفتح الباء الموحدة: ابن خالد القيسي، مر في كتاب الصلاة عن همام بن يحيى. قوله:
((وقال: اعتمر)) أي: بالإسناد المذكور، وهو عن قتادة عن أنس، رضي الله تعالى عنه. وأخرجه
مسلم عن هداب بن خالد وهو هدبة المذكور فقال: حدثنا هداب بن خالد، قال: حدثنا
همام، قال: حدثنا قتادة أن أنساً أخبره (أن رسول الله عَ ليه اعتمر أربع عمر كلهن في ذي
القعدة إلاَّ التي مع حجته عمرة من الحديبية، وزمن الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام
المقبل في ذي القعدة، وعمرة من جعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع
حجته)).
قوله: ((أربع عمر في ذي القعدة)) يعني: كلهن كما في رواية مسلم، ثم استثنى من
ذلك عمرته التي كانت مع حجته، فإنها كانت في ذي الحجة، واعترض ابن التين في هذا
الإسناد فقال: هو كلام زائد لأنه عد العمرة التي مع حجته في الحديث، فكيف يستثنيها أو
لا؟ وأجيب: بأنه كأنه قال: في ذي القعدة منها ثلاث، والرابعة عمرته في حجته. انتهى.
قلت: لا إشكال فيه، ولا هذا الجواب بسديد، وإنما الجواب: أنه استثناء صحيح لأن الاستثناء
بعض مما يتناوله صدر الكلام، وصدر الكلام يشعر بأن عمره الأربع كانت في ذي القعدة،
ثم استثنى منه عمرته التي كانت مع حجته لأنها كانت في ذي الحجة، ثم بين الأربع
المذكورة بقوله: ((عمرته من الحديبية))، أي: أولها عمرته من الحديبية. قوله: ((ومن العام
المقبل))، أي: والثانية عمرته من العام المقبل. قوله: ((ومن الجعرانة))، أي: والثالثة من
الجعرانة، وهذه الثلاث كانت في ذي القعدة. قوله: ((وعمرته مع حجته)) أي: الرابعة عمرته
التي كانت مع حجته، وكانت في ذي الحجة.
١٧٨١/٣٥٨ - حدّثنا أحمَدُ بنُ عُثْمَانَ قال حدَّثنا شُرَيْحُ بنُ مَسْلَمَةَ قال حدَّثنا
إبْرَاهِيمُ بنُ يُوسُفَ عنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قال سألْتُ مَسْرُوقاً وعَطاءً ومجاهِداً فَقالُوا اعْتَمَرَ
رسولُ اللهِ عَّهِ فِي ذِي القَعْدَةِ قَبَلَ أَنُ يَحُجَّ وقال سَمِعْتُ البَرَاءَ بنَ عَازِبٍ رضي الله تعالى
عنهما يَقُولُ اعْتَمَرَ رسولُ الله عَلَّهِ فِي ذِي القَعْدَةِ قَبْلَ أَنْ يَحْجَّ مَرَّتَيْنِ. [الحديث ١٧٨١ -
أطرافه في: ١٨٤٤، ٢٦٩٨، ٢٦٩٩، ٢٧٠٠، ٣١٨٤، ٤٢٥١].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم تسعة: الأول: أحمد بن عثمان بن حكيم بن دينار أبو عبد الله
الأودي، مات في سنة إحدى وستين ومائتين. الثاني: شريح، بضم الشين المعجمة وفتح الراء
وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره حاء مهملة: ابن مسلمة، بفتح الميمين واللام. الثالث:

١٦٤
٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (٤)
إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق الهمداني السبيعي. الرابع: أبوه يوسف بن
إسحاق. الخامس: أبو إسحاق واسمه عمرو بن عبد الله السبيعي. السادس: مسروق بن
الأجدع. السابع: عطاء بن أبي رباح. الثامن: مجاهد بن جبير. التاسع: البراء بن عازب.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضعين. وفيه: السؤال. وفيه: السماع. وفيه: القول في أربعة مواضع. وفيه: أن هؤلاء كلهم
كوفيون إلاَّ عطاء ومجاهداً فإنهما مكيان. وفيه: رواية الابن عن الأب وروى الترمذي من
حديث أبي إسحاق ((عن البراء أن النبي عَّلِ اعتمر في ذي القعدة)). وقال: هذا حديث حسن
صحيح. قلت: ليس فيه ما يدل على عدد عمره في ذي القعدة، هل اعتمر فيه مرة أو مرتين
أو ثلاثاً). وروى أبو يعلى من حديث أبي إسحاق ((عن البراء قال: اعتمر رسول الله، عٍَّ،
قبل أن يحج))، وليس فيه ما يدل على عدد عمره، ولا ما يدل على وقت عمرته من أي شهر،
والصحيح أن عمره الثلاث كانت في ذي القعدة، وقيل: اعتمر مرتين في شوال، وعمرة في
ذي القعدة.
٤ - بابُ عُمْرَةٍ فِي رَمَضَانَ
أي: هذا باب في بيان فضل عمرة تفعل في شهر رمضان، دل على هذا حديث الباب
فلهذا اقتصر على هذا القدر من الترجمة، ولم يصرح فيها بشيء، وقال بعضهم: لم يصرح
في الترجمة بفضيلة ولا غيرها، ولعله أشار إلى ما روي ((عن عائشة، قالت: خرجت مع رسول
الله عَِّ في عمرة في رمضان فأفطر وصمت، وقصر وأتممت ... )) الحديث، أخرجه
الدارقطني، وقال إسناده حسن، وقال صاحب (الهدي) إنه غلط لأن النبي عَ لَّه لم يعتمر في
رمضان، ثم قال هذا القائل: ويمكن حمله على أن قولها في رمضان متعلق بقولها: خرجت
ويكون المراد سفر فتح مكة، فإنه كان في رمضان. انتهى. قلت: هذا كله تعسف وتصرف
بغير وجه بطريق تخمين، فمن قال: إن البخاري وقف على حديث عائشة المذكور حتى يشير
إليه، وقوله: ويمكن حمله إلى آخره مستبعد جداً لأن ذكر الإمكان هنا غير موجه أصلاً، لأن
قولها في رمضان يتعلق بقولها: خرجت قطعاً، فما الحاجة في ذكر ذلك بالإمكان؟ ولا
يساعده أيضاً قوله؟ فإنه - أي: فإن فتح مكة - كان في رمضان في اعتذاره عن البخاري في
اقتصاره في الترجمة على قوله: عمرة في رمضان لأن عمرته في تلك السنة لم تكن في
رمضان، بل كانت في ذي القعدة، فإنه أيضاً صرح بقوله: واعتمر النبي، عَّله، في تلك السنة
من الجعرانة لكن في ذي القعدة.
١٧٨٢/٣٥٩ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدثنا يَخْيَى عنِ ابْنِ جُرَيْج عنْ عَطَاءٍ قال سَمِعْتُ
ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما يخْبِرُنا يَقُولُ قال رسولُ الله عَّله الإِعْرَةِ مِنَ الأنْصَارِ سَمَّاهَا
ابْنُ عَبَّاسٍ فَنَسِيتُ اسْمَها ما مَنَعَكِ أَنْ تَحُجِّينَ مَعَنَا قَالَتْ كانَ لَنَا ناضِحٌ فَرَكِبَهُ أَبُو فُلانٍ وَابْنُهُ
لِزَوْجِهَا وابْنِهَا وَتَرَكَ ناضِحاً نَنْضَحُ عَلَيْهِ قال فإذَا كانَ رَمضَانُ اعْتَمِرِي فِيهِ فإنَّ عُمْرَةٌ فِي

١٦٥
٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (٤)
رَمَضَانَ حَجَّةٌ أَوْ نَخْواً مِمَّا قالَ. [الحديث ١٧٨٢ - طرفه في: ١٨٦٣].
مطابقته للترجمة في قوله: ((اعتمري فيه)) أي: في رمضان ... إلى آخره.
ورجاله: قد ذكروا غير مرة، ويحيى هو القطان، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد
العزيز بن جريج، وعطاء هو ابن أبي رباح.
والحديث أخرجه مسلم أيضاً في الحج عن محمد بن حاتم عن يحيى، وأخرجه
النسائي فيه عن حميد بن مسعدة عن سفيان بن حبيب، وفي الصوم عن عمران بن يزيد.
قوله: ((عن عطاء)) وفي رواية مسلم: ((أخبرني عن عطاء)). قوله: ((يخبرنا يقول))
جملتان وقعتا حالاً، و: يقول، من الأحوال المترادفة أو المتداخلة. قوله: ((فنسيت اسمها))،
القائل هو ابن جريج، قال شيخنا زين الدين في (شرح الترمذي): وإنما قال ذلك مع أن الذهن
لا يتبادر إلاَّ إلى عطاء أنه هو القائل، لأن البخاري أخرج هذا الحديث في: باب حج النساء،
من طريق حبيب المعلم عن عطاء، فسماها. ولفظه: ((لما رجع النبي عَّه من حجته قال لأم
سنان الأنصارية: ما منعك من الحج؟ ... )) الحديث. فعلم من هذا أن المرأة المبهمة في قوله
(لامرأة من الأنصار)) هي أم سنان الأنصارية، وقد ورد في بعض طرق حديث ابن عباس أنه
قال ذلك لأم سليم، رواه ابن حبان في صحيحه من رواية يعقوب بن عطاء عن أبيه ((عن ابن
عباس، قال: جاءت أم سليم إلى النبي عَّهِ فقالت: حج أبو طلحة وابنه، وتركاني، فقال
رسول الله عَّةٍ: يا أم سليم! عمرة في رمضان تعدل حجة)). ويعقوب هذا هو ابن عطاء بن
أبي رباح، وفي ترجمته: روى ابن عدي هذا الحديث في (الكامل) وروى قول أحمد: فيه
ضعف، وقول ابن معين: ضعيف الحديث، وليس متروك. قوله: ((إن تحجين معنا))، هكذا هو
بالنون في رواية كريمة، والأصيلي، وفي رواية غيرهما: ((أن تحجي، بحذف النون، وهذا هو
الأصل، لأن: أن، ناصبة فتحذف النون فيه، وقيل: كثيراً يستعمل بدون النصب، كقوله
تعالى: ﴿إلاَّ أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ [البقرة: ٢٣٧]. على قراءة من قرأ
بسكون الواو في: يعفو، وكقوله: ﴿أن يتم الرضاعة﴾ [البقرة: ٢٣٣]. بالرفع على قراءة
مجاهد.
قوله: ((ناضح))، بالنون والضاد المعجمة المكسورة وبالحاء المهملة: هو البعير الذي
يستقى عليه، وقال ابن بطال: الناضح: البعير أو الثور أو الحمار الذي يستقى عليه، لكن
المراد هنا البعير لتصريحه في رواية بكر بن عبد المزني عن ابن عباس في رواية أبي داود
بكونه جملاً، فإن قلت: ولو لم يصرح بذلك في الحديث، فإن المراد به البعير، لأنهم لا
يستعملون غالباً في السواقي إلاَّ البعران. قوله: ((وابنه)) أي: ابن أبي فلان. قوله: ((لزوجها
وابنها)) الضمير فيهما يرجع إلى المرأة المذكورة من الأنصار، ورواية مسلم توضح معنى هذا،
وهي قوله: ((قالت: ناضحان كانا لأبي فلان، زوجها، حج هو وابنه على أحدهما، وكان
الآخر يسقي نخلاً لنا)). وهو معنى قوله: ((وترك ناضحاً ننضح عليه))، بكسر الضاد، وفي

١٦٦
٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (٤ )
رواية لمسلم: ((قالت: لم يكن لنا إلاَّ ناضحان، فحج أبو ولدها وابنها على ناضح، وترك لنا
ناضحاً ننضح عليه ... )) الحديث، قوله: ((فإن عمرة في رمضان حجة)) وارتفاع حجة على أنه
خبر ان تقديره كحجة والدليل عليه رواية مسلم وهي قوله: ((فإن عمرة فيه تعدل حجة))
وفي رواية أخرى لمسلم: ((فعمرة في رمضان تقضي حجة، أو حجة معي)). وكأن البخاري
أشار إلى هذا بقوله: ((أو نحواً مما قال)) أي: النبي، عَ ◌ّله، وقال الكرماني: فإن قلت: ظاهره
يقتضي أن عمرة في رمضان تقوم مقام حجة الإسلام، فهل هو كذلك؟ قلت: معناه: كحجة
الإسلام في الثواب، والقرينة الإجماع على عدم قيامها مقامها. وقال ابن خزيمة: إن الشيء
يشبه بالشيء، ويجعل عدله إذا أشبهه في بعض المعاني لا جميعها، لأن العمرة لا يقضى بها
فرض الحج، ولا النذر، ونقل الترمذي عن إسحاق بن راهويه أن معنى هذا الحديث نظير ما
جاء أن ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١]. تعدل ثلث القرآن، وقال ابن العربي: حديث
العمرة هذا صحيح، وهو فضل من الله ونعمة، فقد أدركت العمرة منزلة الحج بانضمام
رمضان إليها. وقال ابن الجوزي: فيه أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت، كما يزيد
بحضور القلب وبخلوص القصد. وقيل: يحتمل أن يكون المراد أن عمرة فريضة في رمضان
كحجة فريضة، وعمرة نافلة في رمضان كحجة نافلة، وقال ابن التين. قوله: ((کحجة))،
يحتمل أن يكون على بابه، ويحتمل أن يكون لبركة رمضان، ويحتمل أن يكون مخصوصاً
بهذه المرأة. وقد قال بعض المتقدمين: بأنه مخصوص بهذه المرأة، فروى أحمد بن منيع في
(مسنده) بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير عن امرأة من الأنصار، يقال لها أم سنان: أنها
أرادت الحج، فذكر الحديث، وفيه: ((فقال سعيد بن جبير: ولا نعلم لهذه المرأة وحدها»،
ووقع عند أبي داود من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام عن أم معقل في آخر حديثها:
((فكانت تقول: الحج حجة والعمرة عمرة، وقد قال هذا رسول الله عَ لّه لي، فما أدري إليَّ
خاصة أو للناس عامة؟)) انتهى. والظاهر حمله على العموم.
وروى الترمذي من حديث الأسود بن يزيد عن ابن أم معقل عن أم معقل عن النبي
عَّالِ قال: ((عمرة في رمضان تعدل حجة))، وأخرجه أبو داود من وجه آخر من رواية إبراهيم
ابن مهاجر ((عن أبي بكر بن عبد الرحمن، قال: أخبرني رسول مروان الذي أرسل إلى أم
معقل، قال: قالت أم معقل: كان أبو معقل حاجاً مع النبي عَّهِ، فلما قدم قالت أم معقل: قد
علمت أن على حجة ... )) الحديث، وفيه: ((عمرة في رمضان تعدل حجة)). وأخرجه النسائى
من رواية الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن امرأة من بني أسد يقال لها: أم معقل،
فذكره ولم يذكر رسول مروان، ورواه ابن ماجه فجعله من مسند أبي معقل، ولم يقل عن أم
معقل وابن أبي معقل الذي لم يسم في رواية الترمذي اسمه معقل كذا ورد مسمى في كتاب
الصحابة لابن منده من طريق عبد الرزاق عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة
عن معقل ابن أبي معقل عن أم معقل. قالت: قال رسول الله عَّةٍ: ((عمرة في رمضان تعدل
حجة))، ومعقل هذا معدود في الصحابة من أهل المدينة، قال محمد بن سعد: صحب النبي

١٦٧
٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (٥)
عَُّ وروى عنه، وهو معقل بن أبي معقل بن نهيك بن أساف بن عدي بن زيد ابن جشم بن
حارثة، وقيل: إن اسم أبي معقل الهيثم، وأم معقل لم يدر اسمها، وهي أسدية من بني أسد
ابن خزيمة، وقيل: أنصارية، وقيل: أشجعية. قال الترمذي: بعد أن روى حديث أم معقل،
وفي الباب عن ابن عباس وجابر وأبي هريرة وأنس ووهب بن خنبش ويقال: هرم ابن
خنبش قلت: حديث ابن عباس في البخاري ومسلم وقد مر. وحديث جابر أخرجه ابن ماجه
عنه: أن النبي عَّ الِ قال: ((عمرة في رمضان تعدل حجة)). وحديث أبي هريرة. وحديث أنس
رواه أبو أحمد بن عدي في (الكامل) عنه أنه سمع النبي عَّه يقول: ((عمرة في رمضان
كحجة معي)) وفي إسناده مقال. وحديث وهب بن خنبش رواه ابن ماجه من رواية سفيان عن
بيان وجابر عن الشعبي عن وهب بن خنبش، قال: قال رسول الله عَّه: ((عمرة في رمضان
تعدل حجة)».
قلت: وفي الباب أيضاً عن يوسف بن عبد الله بن سلام وأبي طليق وأم طليق.
فحديث يوسف بن عبد الله أخرجه النسائي عن حديث ابن المنكدر، قال: سمعت يوسف بن
عبد الله بن سلام قال: ((قال النبي عَّله لرجل من الأنصار وامرأته اعتمرا في رمضان: فإن
عمرة فيه كحجة)). وحديث أبي طليق رواه الطبراني في (الكبير) من حديث طلق بن حبيب
((عن أبي طليق: أن امرأته أم طليق قالت: يا نبي الله! ما يعدل الحج معك؟ قال: عمرة في
رمضان)). وحديث أم طليق رواه ابن منده في كتاب (معرفة الصحابة) من رواية أبي كريب،
قال: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن المختار بن فلفل عن طلق بن حبيب ((عن أبي طليق:
أن امرأته - وهي أم طليق - قالت له، وله جمل وناقة: أعطني جملك أحج عليه! فقال: هو
حبيس في سبيل الله، ثم إنها سألت رسول الله عَّةٍ: ما يعدل الحج؟ فقال: عمرة في
رمضان)). قال شيخنا زين الدين، رحمه الله تعالى: ويجوز أن يكون هذا الطريق أيضاً من
حديث أبي طليق لا من حديثها، وقد قيل: إن أم طليق هي أم معقل، لها كنيتان حكاه ابن
عبد البر عن بعضهم في ترجمة أم معقل، وقال شيخنا: وقد رأيت في كلام بعضهم أن أم
سنان المذكورة في حديث ابن عباس هي أم معقل هذه، قال: وفيه نظر. قلت: يمكن أن
يكون وجه النظر ما قاله بعضهم أن أم سنان أنصارية، وأم معقل أسدية، ولكن قد قيل: إنها
أنصارية، فعلى هذا القول تكون المرأة المذكورة في حديث ابن عباس هي أم عقيل.
٥ - بابُ العُمْرَةِ لَيْلَةَ الحَضْبَةِ وغَيْرِهَا
أي: هذا باب في مشروعية العمرة ليلة الحصبة، بفتح الحاء وسكون الصاد المهملتين
وفتح الباء الموحدة، وهي الليلة التي تلي ليلة النفر الأخير، والمراد بها ليلة المبيت
بالمحصب. قوله: ((وغيرها)) أي: وغير ليلة الحصبة، وأشار بذلك إلى أن الحاج إذا تم حجه
بعد انقضاء أيام التشريق يجوز له أن يعتمر، واختلف السلف في العمرة في أيام الحج، فروى
عبد الرزاق بإسناده عن مجاهد، قال: سئل عمر وعلي وعائشة، رضي الله تعالى عنهم، عن
العمرة ليلة الحصبة، فقال عمر: هي خير من لا شيء، وقال علي: من مثقال ذرة، ونحوه،

١٦٨
٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (٥)
وقالت عائشة: العمرة على قدر النفقة. انتهى. كأنها أشارت بذلك إلى أن الخروج لقصد
العمرة من البلد إلى مكة أفضل من الخروج من مكة إلى أدنى الحل، وذلك أنه يحتاج إلى
نفقة كثيرة في خروجه من بلده إلى مكة لأجل العمرة، بخلاف حالة خروجه من مكة إلى
الحل، وعن عائشة أيضاً، لأن أصوم ثلاثة أيام أو أتصدق على عشرة مساكين أحب إلي من
أن أعتمر بالعمرة التي اعتمرت من التنعيم. وقال طاوس فيمن اعتمر بعد الحج: لا أدري
أيعذبون عليها أم يؤجرون؟ وقال عطاء بن السائب: اعتمرنا بعد الحج، فعاب ذلك علينا سعيد
ابن جبير، وأجاز ذلك آخرون. وروى ابن عيينة عن الوليد بن هشام، قال: سألت أم الدرداء
عن العمرة بعد الحج، فأمرتني بها. وسئل عطاء عن عمرة التنعيم قال هي تامة وتجزيه وقال
القاسم بن محمد عمرة المحرم تامة وقد روى مثل هذا المعنى قال تمت العمرة السنة كلها
إلاَّ يوم عرفة والنحر، وأيام التشريق للحاج وغيره، وقال أبو حنيفة: العمرة جائزة السنة كلها إلاَّ
يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق. قلت: فذهب أصحابنا أن العمرة تجوز في جميع السنة إلاّ
أنها تكره في الأيام المذكورة. وقال الشافعي وأحمد: لا تكره في وقت ما، وعند مالك:
تكره في أشهر الحج.
١٧٨٣/٣٦٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلامٍ قال أخبرنا أَبُو مُعَاوِيَةً قال حدَّثنا هِشامٌ عَنْ
أبيهِ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ خَرَجْنَا معَ رسُولِ الله عَ لِّ مُوَافِينَ لِهِلالِ ذِي
الحِجَّةِ فَقَالَ لَنَا مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يِهِلَّ بِالحَجّ فَلْيُهِلَّ ومَنْ أحَبَّ أنْ يِهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ
بَعُمْرَةٍ فَلَوْلاَ أَنِّي أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ قالَتْ فَمِنَّا مَنْ أهَلَّ بَعُمْرَةٍ ومِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجّ وكُنْتُ
مِمَّنْ أهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَأُظَلَّنِي يَوْمَ عَرَفَةَ وَأنَا خَائِضٌ فَشَكَوْتُ إِلَى النّبِيِّ عَ لِ فَقَالَ ارْفُضِي عُمْرَتَكِ
وانْقُضِي رَأْسَكِ وامْتَشِطِي وأَهِلِّي بالحَجُ فَلَمَّا كانَ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمنِ
إلى التَّنْعِيمِ فَأهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي. [انظر الحديث ٢٩٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فلما كان ليلة الحصبة ... )) إلى آخره، وهذا الحديث قد
مر غير مرة، وذكره في كتاب الحيض في ثلاثة أبواب، وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير
البصري، وهشام هو ابن عروة، وأبو عروة ابن الزبير بن العوام، رضي الله تعالى عنه.
قوله: ((موافين)) أي: مكملين ذا القعدة مستقبلين لهلال ذي الحجة. قال الجوهري:
يقال: وافى فلان: إذا أتى. ويقال: وفي: إذا تم. وقد سبق الكلام فيه هناك مستوفىٍ وعند
الترجمة أيضاً، ومن حديث الباب استحب مالك للحاج أن يعتمر حتى تغيب الشمس من آخر
أيام التشريق، لأنه عَّ قد كان وعد عائشة بالعمرة، وقال لها: كوني في حجك، عسى الله
أن يرزقكها، ولو استحب لها العمرة في أيام التشريق لأمرها بالعمرة فيها، وبه قال الشافعي،
وإنما كرهت العمرة فيها للحاج خاصة لئلا يدخل عملاً على عمل، لأنه لم يكمل عمل
الحج بعد، ومن أحرم بالحج فلا يحرم بالعمرة، لأنه لا تضاف العمرة إلى الحج عند مالك
وطائفة من العلماء. وأما من ليس بحاج فلا يمنع من ذلك. فإن قلت: قد روى أبو معاوية عن
هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في هذا الباب: ((وكنت ممن أهلَّ بعمرة))، وروى مثله

١٦٩
٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (٦)
يحيى القطان عن هشام في الباب بعد هذا وهذا بخلاف ما تقدم عن عائشة أنها أهلت
بالحج. قلت: أحاديث عائشة قد أشكلت على الأئمة قديماً، فمنهم من جعل الاضطراب فيها
من قبلها، ومنهم من جعله من قبل الرواة عنها، وقد مر الكلام فيه فيما مضى غير مرة.
٦ - بابُ عُمْرَةِ التَشْعِيمِ
أي: هذا باب في بيان العمرة من التنعيم: هل يتعين لمن كان بمكة أم لا؟ وإذا لم
يتعين هل لها فضل على الاعتمار من غيرها من جهات الحل أو لا؟ وتفسير التنعيم مر غير
مرة.
٣٦١/ ١٧٨٤ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثنا سُفيانُ عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ عَمْرَو بنَ
أوْسٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ بنَ أَبِي بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهما قال أخبره أنَّ النبيُّ عَ لَّهِ أَمَرَهُ أَنْ
يُرْدِفَ عَائِشَةَ وَيُعْمِرَهَا مِنَ النَّنْعِيم قال سُفْيَانُ مَرَّةً سَمِعْتُ عَمْراً كَمْ سَمِعْتُهُ مِنْ عَمْرٍو.
[الحديث ١٧٨٤ - طرفه في: ٢٩٨٥].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ويعمرها من التنعيم))، وعلي بن عبد الله المعروف بابن
المديني، وسفيان هو ابن عيينة، وعمرو هو ابن دينار، وعمرو بن أوس، بفتح الهمزة وسكون
الواو وفي آخره سين مهملة، الثقفي المكي.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الجهاد عن عبد الله
ابن محمد. وأخرجه مسلم في الحج عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير.
وأخرجه الترمذي، رضي الله تعالى عنه، فيه عن يحيى بن موسى ومحمد بن يحيى بن أبي
عمرو. وأخرجه النسائي فيه عن أبي قدامة عبيد الله بن سعيد. وأخرجه ابن ماجه، رحمه الله
تعالى فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي إسحاق إبراهيم بن محمد.
ذكر معناه: قوله: ((أن يردف)) أي: بأن يردف، وأن، مصدرية أي: بالإرداف، ومعناه
أمره أن يركب عائشة أخته وراءه على ناقته. قوله: ((ويعمرها))، بضم الياء من الإعمار، أي:
وأن يعمرها، وقال بعضهم: ويعمرها من التنعيم، معطوف على قوله: ((أمره أن يردف))، وهذا
يدل على أن إعمارها من التنعيم كان بأمر النبي عَّمِ قلت: هذا كلام عجيب، لأن كون
عطف: يعمرها على قوله: يردف لا يشك فيه أحد ولا نزاع فيه. وقوله: وهذا يدل على أن
إعمارها من التنعيم، كأن بأمر النبي عَ لِّ أعجب من ذاك، لأن قوله: ((ويعمرها)) داخل في
حكم: أن يردف بأمر رسول الله عَّ له، فيكون قوله: يعمرها أيضاً بأمر رسول الله، عَ له، وهذا
صريح، ولم يكتف هذا القائل بهذا حتى قال: وأصرح منه ما أخرجه أبو داود من طريق
حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيها: ((أن رسول الله عَ لّه قال: يا عبد الرحمن،
أردف أختك عائشة، فأعمرها من التنعيم ... )) الحديث. قوله: (سمعت عمراً)) إنما قال هذا لأن
فيه ثبوت السماع صريحاً بخلاف الذي في السند المذكور، لأنه معنعن حيث قال سفيان:
عن عمرو، مع أن جميع معنعنات البخاري محمولة على السماع. ووقع عند الحميدي عن

١٧٠
٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (٦)
سفيان، حدثنا عمرو بن دينار، وقال سفيان: هذا مما يعجب شعبة، يعني التصريح بالإخبار
في جميع الإسناد.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: أن المعتمر المكي لا بد له من الخروج إلى الحل ثم يحرم
منه، وإنما عين التنعيم هنا دون المواضع التي خارج الحرم لأن التنعيم أقرب إلى الحل من
غيرها. وفي (التوضيح): ويجزىء أقل الحل وهو التنعيم، وأفضله عندنا الجعرانة، ثم
الحديبية. وقال الطحاوي: وذهب قوم إلى أن العمرة لمن كان بمكة لا وقت لها غير التنعيم،
وجعلوا التنعيم خاصة وقتاً لعمرة أهل مكة. وقالوا: لا ينبغي لهم أن يجاوزوه، كما لا ينبغي
لغيرهم أن يجاوزوا ميقاتاً وقته لهم رسول الله عَلّه، وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: الوقت
لأهل مكة الذي يحرمون منه بالعمرة الحِلّ فمن أي الحل أحرموا أجزأهم ذلك، والتنعيم
وغيره عندهم في ذلك سواء، واحتجوا بأنه قد يجوز أن يكون، عَّ له، قصد إلى التنعيم في
ذلك لقربه لا أن غيره لا يجزىء، وقد روي من حديث عائشة أنه، عَ لّه، قال لعبد الرحمن:
((احمل أختك فأخرجها من الحرم)). قالت: والله ما ذكر الجعرانة ولا التنعيم، فكان أدنى ما
في الحرم التنعيم، فأهللت بعمرة، فأخبرت أنه عّلِّ لم يقصد إلاَّ الحل لا موضعاً معيناً،
وقصد التنعيم لقربه، فثبت أن وقت أهل مكة لعمرتهم هو الحل، وهو قول أبي حنيفة
وأصحابه والشافعي. ومن ذلك: ما استدل به على أن أفضل جهات الحل التنعيم، ورد بأن
إحرام عائشة، رضي الله تعالى عنها، من التنعيم إنما وقع لكونه أقرب جهات الحل إلى الحرم،
كما ذكرنا، لا أنه الأفضل. ومن ذلك: جواز الخلوة بالمحارم سفراً أو حضراً، وإرداف
المحرم لمحرمه معه. فافهم.
١٧٨٥/٣٦٢ - حدّثنا محَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قال حدَّثنا عَبدُ الوَهَّابِ بنُ عَبْدِ المَجِيدِ
عنْ حَبيبِ المُعَلِّمِ عنْ عَطاءٍ قال حدَّثني جابِرُ بنُ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهما أنَّ النبيَّ
عَ لَّهِ أهَلَّ وَأَصْحَابَهُ بالحَجِّ وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَديّ غيْرَ النبيِّ عَّهِ وطَلْحَةَ وكانَ عَلِيٍّ
قَدِمَ مِنَ اليَمَنِ ومَعَهُ الهَدْيُ فَقَالَ أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رسولُ اللهِ عَلَّهِ وَأنَّ النبيَّ عَلِّ أذِنَ
لِأَصْحَابِهِ أنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ ثُمَّ يُقَصِّرُوا ويَحِلُّوا إلاَّ مَنْ مَعَهُ الْهَدْيْ فقَالُوا نَنْطَلِقُ
إلى مِنىّ وذَكَّرُ أحَدِنا يَقْطُرُ فبَلَغَ النبيَّ عَّمِ فقالَ لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ ما
أَهْدَيْتُ ولَوْلاَ أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لأَخْلَلْتُ وأنَّ عائِشَةَ حَاضَتْ فَتَسَكَتْ المَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ أَنَّهَا
لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ قال فَلَمَّا طَهُرَتْ وطافَتْ قالَتْ يا رَسُولَ اللهِ أَتَنْطَلِقُونَ بِعُمْرَةٍ وحَجَّةٍ وَأَنْطَلِقُ
بِالحَجِّ فأمَرَ عَبْدَ الرَّحْمنِ بنَ أبِي بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الحَجِّ في ذِي
الحَجَّةِ وَأنَّ سُرَاقَةَ بنَ مَالِكِ بنِ جُعْثُمِ لَقِيَ النبيَّ عَّهِ وهْوَ بِالعَقَّبَةِ وهْوَ يَزْمِيهَا فقال أَلَكُمْ هذِهِ
خَاصَّةً يا رسولَ الله قال لاَ بَلْ لِلأَبَدِ. [انظر الحديث ١٥٥٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فأمر عبد الله بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم))،
ورجاله قد ذكروا غير مرة، وعطاء هو ابن أبي رباح المكي.

١٧١
٢٦ - أبوابُ العُشْرَةِ / باب ( ٦)
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التمني عن الحسن بن عمر - هو ابن شقيق - عن
يزيد بن زريع عن عطاء، وأخرجه أبو داود في الحج أيضاً عن أحمد بن حنبل عن عبد
الوهاب الثقفي به.
قوله: ((وطلحة)) هو ابن عبيد الله بن عثمان التيمي القرشي المدني أبو محمد، أحد
المشهود لهم بالجنة، وهو عطف على النبي عٍَّ، أي: وغير طلحة، والحاصل أنه لم يكن
هدي إلاَّ مع النبي عَّله ومع طلحة فقط، فإن قلت: ما تقول فيما رواه أحمد ومسلم
وغيرهما من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه ((عن عائشة: إن الهدي كان مع النبي
عَّهُ وأبي بكر وعمر وذوي اليسار))؟ وروى البخاري أيضاً، على ما سيأتي، من طريق أفلح
عن القاسم بلفظ: ((ورجال من أصحابه ذوي قوة ... ))، الحديث. وهذا يخالف ما رواه جابر،
رضي الله تعالى عنه؟ قلت: التوفيق بينهما بأن يحمل على أن كلاً منهما قد ذكر ما شاهده
واطلع عليه، وقد روى مسلم أيضاً من طريق مسلم القري، بضم القاف وتشديد الراء، عن ابن
عباس في هذا الحديث، وكان طلحة ممن ساق الهدي فلم يحل، وهذا يشهد لحديث جابر
في ذكر طلحة في ذلك، ويشهد أيضاً لحديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، في أن طلحة
لم ينفرد بذلك، وداخل في قولها «وذوي اليسار))، وروى مسلم أيضاً من حديث أسماء بنت
أبي بكر أن الزبير كان ممن كان معه هدي. قوله: ((وكان علي قدم من اليمن))، وفي رواية
ابن جريج عن عطاء عند مسلم ((من سعايته)). قوله: ((ومعه الهدي)» جملة وقعت حالاً. قوله:
(أهللت بما أهل به رسول الله عَّله)، ويروى (بما أهل به النبي عَّل)، وفي رواية ابن جريج
عن عطاء عن جابر وعن ابن جريج عن طاوس عن ابن عباس في هذا الحديث عند البخاري
في الشركة: ((فقال أحدهما يقول: لبيك بما أهل به رسول الله عَّ له، وقال الآخر: لبيك بحجة
رسول الله، عَّ له، فأمره أن يقيم على إحرامه وإشراكه في الهدي)) وقد مضى بيان ذلك في:
باب من أهل في زمن النبي، عَّةِ، بإهلال النبي، عَّهِ.
قوله: ((وأن النبي، عَّ له، أذن لأصحابه أن يجعلوها عمرة))، زاد ابن جريج عن عطاء
فيه ((وأصيبوا النساء. قال عطاء: ولم يعزم عليهم، ولكن أحلهن لهم)) يعني إتيان النساء، لأن
من لازم الإحلال إباحة إتيان النساء، وقد مضى البحث فيه في آخر: باب التمتع والقران.
قوله: ((أن يجعلوها))، الضمير فيه يرجع إلى الحج في قوله: ((أهلّ وأصحابه بالحج)) إلا أنه
أنثه باعتبار الحجة. قوله: ((يطوفوا بالبيت)). قوله: ((ثم يقصروا)) عطف على: ((يطوفوا))
وقوله: ((ويحلوا)) عطف على ما قبله إلا من كان معه الهدي، فلا يحل. وفي رواية مسلم،
(وقال عطاء: قال جابر: فقدم النبي عَّهِ صبح رابعة مضت من ذي الحجة فأمرنا أن نحل.
قال عطاء: قال: حلوا وأصيبوا النساء. قال عطاء: ولم يعزم عليهم ولكن أحلهن لهم، فقلنا:
لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلاَّ خمس أمرنا أن نفضي إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا
بالمني، قال: يقول جابر بيده: كأني أنظر إلى قوله بيده يحركها، قال: فقام النبي، عَّه، فينا
فقال: قد علمتم أني أتقاكم الله وأصدقكم وأبركم، ولولا هديي لحللت كما تحلون، ولو

١٧٢
٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (٦)
استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، فحلوا. فحللنا وسمعنا وأطعنا ... ) الحديث.
قوله: ((فقالوا) أي: أصحابه. قوله: ((وذكر أحدنا يقطر)) جملة حالية أي: يقطر بالمني، إنما
قالوا ذلك لأنه شق عليهم أن يحلوا ورسول الله عَ ليه محرم، ولم يعجبهم أن يرغبوا بأنفسهم
عن نفسه ويتركوا الاقتداء به، وقال الطيبي ولعلهم إنما شق عليهم لإفضائهم إلى النساء قبل
انقضاء المناسك.
قوله: ((فبلغ النبي صَ لّهِ)) أي: بلغه ما قالوا من القول المذكور. قوله: ((فقال)) أي: النبي
عَ الله قال تطبيباً لقلوبهم: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت))، أي: لو علمت
في الأول ما علمت في الآخر ما سقت الهدي وأحللت وتمتعت، والمقدمة الأولى للتمني
عما فات، والثانية لحكم الحال، وقال ابن الأثير: أي لو عنّ لي هذا الرأي الذي رأيته آخراً
لأمرتكم به في أول أمري. قوله: ((وأن عائشة حاضت))، عطف على أن المذكورة في أول
الحديث، وكان حيضها بسرف قبل دخولهم مكة، وفي رواية مسلم عن أبي الزبير ((عن
جابر: أن دخول النبي عَّلم عليها وشكواها ذلك له كان يوم التروية)). وروى مسلم أيضاً من
طريق مجاهد عن عائشة أن طهرها كان بعرفة، وفي رواية القاسم عنها: ((وطهرت صبيحة ليلة
عرفة حين قدمنا منى))، وله من طريق آخر: ((فخرجت في حجتي حتى نزلنا منى فتطرهت ثم
طفنا بالبيت .. )) الحديث، واتفقت الروايات كلها على أنها طافت طواف الإفاضة يوم النحر.
قوله: ((وأن سراقة)، عطف على أن التي قبله، وسراقة، بضم السين المهملة وتخفيف الراء
وبالقاف: ابن مالك بن جعشم، بضم الجيم والشين المعجمة وسكون العين بينهما: الكناني
المدلجي، مر في: باب من أهلَّ في زمن النبي عَّهِ. قوله: ((وهو بالعقبة)) جملة حالية أي:
والنبي عَّه كان بعقبة منىّ. قوله: ((وهو يرميها)) جملة حالية أيضاً أي: والنبي، عَ لّه، يرمي
جمرة العقبة. قوله: ((فقال)) أي: سراقة. قوله: ((ألكم هذه؟)) أي: هذه الفعلة، وهي جعل الحج
عمرة أو العمرة في أشهر الحج، والألف في: ((ألكم؟) للاستفهام على سبيل الاستخبار، أراد
أن هذه الفعلة مخصوصة بكم في هذه السنة أو لكم ولغيركم أبداً؟ فأجاب النبي، عَ لّه،
بقوله: ((للأبد)) وفي رواية يزيد بن زريع ((لنا هذه خاصة؟)) وفي رواية جعفر عند مسلم: ((فقام
سراقة فقال: يا رسول الله! ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبك أصابعه واحدة في الأخرى، وقال:
دخلت العمرة في الحج، مرتين لا بل لأبد الأبد)).
وقال النووي: اختلف العلماء في معناه على أقوال: أصحها، وبه قال جمهورهم: معناه
أن العمرة يجوز فعلها في أشهر الحج. الثاني: معناه جواز القِران، وتقدير الكلام دخلت
أفعال العمرة في أفعال الحج إلى يوم القيامة. والثالث: تأويل بعض القائلين بأن العمرة ليست
واجبة، قالوا: معناه سقوط العمرة، ومعنى دخولها في الحج سقوط وجوبها، وهذا ضعيف أو
باطل، وسياق الحديث يقتضي بطلانه. والرابع: تأويل بعض أهل الظاهر أن معناه جواز فسخ
الحج إلى العمرة، وهذا أيضاً ضعيف، ورد هذا بأن سياق السؤال يقوي هذا التأويل، بل
الظاهر أن السؤال وقع عن الفسخ، وفيه نظر.

١٧٣
٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (٧ )
وقال النووي أيضاً اختلف العلماء في هذا الفسخ هل هو خاص للصحابة تلك السنة
خاصة أم باق لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة، فيجوز لكل من أحرم بحج وليس معه هدي أن
يقلب إحرامه عمرة ويتحلل بأعمالها؟ وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء من
السلف والخلف: هو مختص بهم في تلك السنة، لا يجوز بعدها، وإنما أمروا به تلك السنة
ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج. ومما يستدل به للجماهير
حديث أبي ذر الذي رواه مسلم كانت في الحج لأصحاب محمد، عَّه، خاصة يعني : .
فسخ الحج إلى العمرة، وروى النسائي عن الحارث بن بلال عن أبيه، قال: «قلت: يا رسول
الله! فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال: بل لنا خاصة)). وأما الذي في حديث سراقة
((ألعامنا هذا أم للأبد؟. فقال: لا بل للأبد)). فمعناه جواز الاعتمار في أشهر الحج والقران كما
ذ کرناه.
ومن فوائد الحديث المذكور جواز التمتع وتعليق الإحرام بإحرام الغير، وجواز قول: لو،
في التأسف على فوات أمور الدين، والمصالح. وأما الحديث في: أن لو تفتح عمل الشيطان،
فمحمول على التأسف في حظوظ الدنيا.
٧ - بابُ الاعْتِمَارِ بَعْدَ الحَجُّ بِغَيْرِ هَذْيٍ
أي: هذا باب في بيان مشروعية الاعتمار في أشهر الحج بعد الفراغ من الحج بغير
هدي يلزمه.
١٧٨٦/٣٦٣ - حدّثنا محَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قال حدَّثنا يَحْيَى قال حدَّثنا هِشامٌ قال
أَخْبَرَنِي أبي قال أُخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ رضي الله تعالى عنها قالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رسولِ اللهِ عَليه
مُوَافِينَ لِهِلاَلٍ ذِي الحَجَّةِ فقال رسولُ اللهِ عَ لَّهِ مِنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ ومَنْ أَحَبَّ
أنْ يِهِلَّ بِحَّةٍ فَلْيُهِلَّ وَلَوْلاَ آنِّي أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ فَمِنْهُمْ مَنْ أهَلَّ بِعُمْرَةٍ ومِنْهُمْ منْ أَهَلَّ
بِحَجَّةٍ وكُنْتُ مِمَّنْ أهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحِضْتُ قَبْلَ أنْ أدْخُلَ مَكّةَ فأدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ
فَشَكَوْتُ إِلَى رَسولِ اللهِ عَّهِ فَقال دَعِي عُمْرَتَكِ وانْقَضِي رَأْسَكِ وامْتَشِطِي وأهِلْيٍ بالحَجّ
فَفَعَلْتُ فَلَمَّا كانَتْ لَيْلَةِ الحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمنِ إلَى التَّنْعِيمِ فَأرْدَفَهَا فأهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ
مَكَانَ عُمْرَتها فقَضَى الله حَجّهَا وَعُمْرَتَها ولَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذُلِكَ هَذْيٌ وَلاَ صَدَقَةٌ ولاَ
صَوْمٌّ. [انظر الحديث ٢٩٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فأهلت بعمرة ... )) إلى آخر الحديث.
وهذا الحديث قد أخرجه في مواضع خصوصاً بعين هذا المتن في كتاب الحيض في:
باب نقض المرأة شعرها عند غسل المحيض، عن عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة عن هشام
عن أبيه عن عائشة، وأخرجه أيضاً في الباب الذي قبله وهو: باب امتشاط المرأة عند غسلها
من المحيض، عن موسى بن إسماعيل عن إبراهيم عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة، وفي:
باب كيف تهل الحائض بالحج والعمرة، عن يحيى بن بكير عن الليث عن عقيل عن ابن

١٧٤
٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب ( ٨)
شهاب عن عروة عن عائشة، وأخرجه أيضاً في كتاب الحج في: باب إذا حاضت المرأة
بعدما أفاضت، عن أبي النعمان عن أبي عوانة عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة،
وأخرجه أيضاً في: باب العمرة ليلة الحصبة، عن محمد بن سلام عن أبي معاوية عن هشام
عن أبيه عن عائشة، وأخرجه أيضاً في: باب عمرة القضاء عن محمد بن المثنى عن عبد
الوهاب عن حبيب المعلم عن عطاء عن جابر، وفيه قصة عائشة، وأخرجه عن محمد بن
المثنى عن يحيى القطان عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام عن عائشة، وقد
مر الكلام في هذه الطرق كلها مستوفىّ، ولنذكر بعض شيء من ذلك.
قوله: ((موافين لهلال ذي الحجة))، أي: قرب طلوعه، وقد مضى أنها قالت: ((خرجنا
لخمس بقين من ذي القعدة)) والخمس قريبة من آخر الشهر فوافاهم الهلال وهم في الطريق
لأنهم دخلوا مكة في الرابع من ذي الحجة. قوله: ((الأهللت بعمرة))، وفي رواية السرخسي:
(لأحللت))، بالحاء المهملة أي: بحج. قوله: ((فأردفها))، فيه التفات لأن الأصل أن يقال:
فأردفني. قوله: ((مكان عمرتها))، يعني مكان عمرتها التي أرادت أن تكون منفردة عن الحج.
قوله: ((فقضى الله حجتها وعمرتها ... )) إلى آخره، قيل: الظاهر أن ذلك من قول عائشة، لكن
صرح في كتاب الحيض في: باب نقض المرأة شعرها في آخر هذا الحديث، قال هشام:
ولم يكن في شيء من ذلك هدي ولا صوم ولا صدقة. وقال ابن بطال: قوله: ((فقضى الله
حجها ... )) إلى آخره، ليس من قول عائشة، وإنما هو من كلام هشام بن عروة، حدث به هكذا
في العراق. وقال صاحب (التوضيح): ولم يذكر ذلك أحد غيره، ولا يقوله الفقهاء، واستدل
بعضهم بهذا أن عائشة لم تكن قارنة، إذ لو كانت قارنة لوجب عليها الهدي للقران. وأجيب:
بأن هذا الكلام مدرج من قول هشام، كأنه نفى ذلك بحسب علمه، ولا يلزم من ذلك نفيه
في نفس الأمر، وقال ابن خزيمة: معنى قوله: ((لم يكن في شيء من ذلك هدي)) أي: في
تركها لعمل العمرة الأولى وإدراجها لها في الحج ولا في عمرتها التي اعتمرتها من التنعيم
أيضاً. انتهى. قلت: لأن عمرتها بعد انقضاء الحج، ولا خلاف بين العلماء أن من اعتمر بعد
انقضاء الحج وخروج أيام التشريق أنه لا هدي عليه في عمرته، لأنه ليس بمتمتع، وإنما
المتمتع من اعتمر في أشهر الحج وطاف للعمرة قبل الوقوف، وأما من اعتمر بعد يوم النحر،
فقد وقعت عمرته في غير أشهر الحج، فلذلك ارتفع حكم الهدي عنها، فإن قلت: الصحيح
من قول مالك أن أشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة، ومع هذا لم
يكن عليها هدي في حجها؟ قلت: لأنها كانت مفردة، على ما روى عنها القاسم وعروة،
ولم يأخذ بذلك مالك، بل كانت عنده قارنة ولزمها لذلك هدي القِران، ولم يأخذ أبو حنيفة
أيضاً بذلك لأنها كانت عنده رافضة لعمرتها، والرافضة عنده عليها دم للرفض، وعليها عمرة.
والله المتعال أعلم بحقيقة الحال.
٨ - بابُ أجْرِ العُمْرَةِ عَلَى قَدْرِ النَّصْبِ
أي: هذا باب في بيان أن أجر العمرة على قدر النصب، بفتح النون والصاد المهملة:

١٧٥
٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (٨)
أي التعب.
١٧٨٧/٣٦٤ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْع قال حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ عنٍ
القَاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ وعنِ ابنِ عَوْنٍ عِنْ إِبْرَاهِيمَ عنِ الأُسْوَدِ قالاَ قالُتْ عَائِشَةُ رضي الله تعالى
عنها يا رسولَ الله يَصْدُرُ النَّاسُ بِتُشكَيْنِ وَأَصْدُرُ بِتُسُكِ فَقِيلَ لَهَا انْتَظِرِي فإذَا طَهُرْتِ فاخْرُجِي
إِلَى التَّنْعِيمِ فأهِلِّي ثُمَّ ائتِينَا بِمَكَانِ كَذَا وكَذَا وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكٍ أَوْ نَصَبكِ. [انظر
الحديث ٢٩٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في آخر الحديث. وأخرجه من طريقين. أحدهما: عن مسدد عن يزيد
ابن زريع العبسي البصري عن عبد الله بن عون بن أرطبان البصري عن القاسم بن محمد بن
أبي بكر الصديق عن عائشة. والآخر: عن مسدد عن يزيد بن زريع عن عبد الله بن عون عن
إبراهيم النخعي عن الأسود النخعي عن عائشة. وأخرجه مسلم حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة.
قال: حدثنا ابن علية عن ابن عون عن إبراهيم عن الأسود عن أم المؤمنين، وعن القاسم ((عن
أم المؤمنين قالت: قلت يا رسول الله! يصدر الناس بنسكين وأصدر بنسكٍ واحدٍ؟ قال:
انتظري فإذا طهرت فاخرجي إلى التنعيم فأهلي منه، ثم القينا عند كذا وكذا، قال: أظنه قال:
غداً، ولكنها على قدر نصبك أو نفقتك)). وحدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي عن
ابن عون عن القاسم وإبراهيم، قال: لا أعرف حديث أحدهما من الآخر، إن أم المؤمنين
قالت: يا رسول الله يصدر الناس بنسكين ... فذكر الحديث. وأخرجه النسائي في الحج أيضاً
عن أحمد بن منيع عن إسماعيل بن علية عنه بالإسنادين جميعاً عن أم المؤمنين، وقال: لا
أحفظ حديث هذا من حديث هذا. وعن الحسن بن محمد الزعفراني عن حسين بن حسن
عن ابن عون عن القاسم وإبراهيم كلاهما، عن أم المؤمنين، ولم يذكر الأسود.
قوله: ((قالا)) أي: القاسم والأسود. قوله: ((يصدر الناس))، أي: يرجع الناس، من
الصدور وهو الرجوع، وفعله من باب نصر ينصر. قوله: ((بنسكين)) أي: بحجة وعمرة. قوله:
((وأصدر بنسك؟)) أي: وأرجع أنا بحجة. قوله: ((فقيل لها)) أي: لعائشة، ويروى: ((فقال لها
النبي عَّ له)). قوله: ((فإذا طهرت))، بضم الهاء وفتحها. قوله: ((ثم ائتينا))، بصيغة المؤنث من
الإتيان، وفي رواية مسلم: ((ثم القينا)) كما مر. قوله: ((بمكان كذا وكذا))، وأراد به الأبطح،
وفي رواية الإسماعيلي: بحبل كذا)، بالحاء والباء الموحدة، ورواية غيره بالجيم. قوله:
((ولكنها)) أي: ولكن عمرتك على قدر نفقتك أو نصبك أي: أو على قدر نصبك، أي:
تعبك. وكلمة أو، إما للتنويع في كلام الرسول عَّهِ، أو شك من الراوي، وقد روي فيه ما
يدل على كل واحد من النوعين، فيدل على أنها للشك ما رواه الإسماعيلي أيضاً من طريق
أحمد بن منيع عن إسماعيل: ((على قدر نصبك أو على قدر تعبك)). وفي رواية له من طريق
حسين بن حسن: ((على قدر ننقتك أو نصبك)). أو كما قال رسول الله، عَّه، ويدل على
أنها للتنويع ما رواه الدارقطني والحاكم من طريق هشيم عن ابن عون بلفظ: ((إن لك من
الأجر على قدر نصبك ونفقتك))، بواو العطف، ثم معنى هذا الكلام أن الثواب في العبادة :

١٧٦
٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (٩)
يكثر بكثرة النصب والنفقة.
وقال ابن عبد السلام: هذا ليس بمطرد، فقد تكون بعض العبادة أخف من بعض، وهي
أكثر فضلاً بالنسبة إلى الزمان كقيام ليلة القدر بالنسبة لقيام ليالي من رمضان غيرها. وبالنسبة
للمكان كصلاة ركعتين في المسجد الحرام بالنسبة لصلاة ركعات في غيره. وبالنسبة إلى
شرف العبادة المالية والبدنية كصلاة الفريضة بالنسبة إلى أكثر من عدد ركعاتها أو من
قراءتها، ونحو ذلك من صلاة النافلة، وكدرهم من الزكاة بالنسبة إلى أكثر منه من التطوع.
انتهى. قلت: هذا الذي ذكره لا يمنع الاطراد، لأن الكثرة الحاصلة في الأشياء المذكورة
ليست من ذاتها، وإنما هي بحسب ما يعرض لها من الأمور المذكورة. فافهم فإنه دقيق، وقال
النووي: المراد بالنصب الذي لا يذمه الشرع، وكذا النفقة. وفي (التوضيح) أفعال البر كلها
على قدر المشقة والنفقة، ولهذا استحب الشافعي ومالك الحج راكباً، ومصداق ذلك في
كتاب الله عز وجل في قوله تعالى: ﴿الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم
وأنفسهم أعظم درجة عند الله﴾ [التوبة: ٢٠]. وفي هذا فضل الغنى وإنفاق المال في
الطاعات، ولما في قمع النفس عن شهواتها من المشقة على النفس، ووعد الله عز وجل
الصابرين فقال: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ [الزمر: ١٠]. وبظاهر الحديث
المذكور استدل على أن الاعتمار لمن كان بمكة من جهة الحل القريبة أقل أجراً من الاعتمار
من جهته البعيدة. وقال الشافعي في (الإملاء): أفضل بقاع الحل للاعتمار الجعرانة، لأن النبي
عَّ لله أحرم منها، ثم التنعيم لأنه أذن لعائشة منها. انتهى. قلت: اعتماره عَ له من الجعرانة لم
يكن بالقصد منها، وإنما كان حين رجع من الطائف مجتازاً إلى المدينة، وأذنه لعائشة من
التنيعم لكونها أقرب وأسهل عليها من غيرها.
٩ - بابُ المُعْتَمِرِ إِذَا طافَ طَوَافَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ خَرَجَ هَلْ يُجْزِئُهُ مِنْ طَوَافِ الوَدَاعِ
أي: هذا باب في بيان حكم المعتمر إذا طاف إلى آخره، وجواب: هل، محذوف
تقديره: يجزيه ويغني طواف العمرة عن طواف الوداع. وقال بعضهم: كأن البخاري لما لم
يكن في حديث عائشة التصريح بأنها ما طافت للوداع بعد طواف العمرة لم يثبت الحكم في
الترجمة. انتهى. قلت: الحديث يدل على أن طواف العمرة يغني عن طواف الوداع، وإن لم
يدل على ذلك صريحاً، إذ لو كان لا بد من طواف الوداع لذكره النبي عَ لّه في الحديث،
ولم يذكر إلاَّ طواف العمرة.
١٧٨٨/٣٦٥ - حدّثنا أبُو نُعَيْم قال حدَّثنا أفْلَعُ بنُ محُمَيْدٍ عنِ القَاسِمِ عنْ عَائِشَةَ
رضي الله تعالى عنها قالَتْ خَرَجْنًا مُهِلِّينَ بِالحَجّ فِي أشْهُرِ الحَجُّ وفي حُرُمِ الحَجِّ فنَزَلْنَا
بِسَرِفَ فقال النبيُّ عَّه لِأضْحَابِهِ منْ لَمْ يَكُنْ معَهُ هَذِيٍّ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا غُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ
ومِنْ كانَ مَعَهُ هَذْيٌ فِلاَ وكانَ معَ النبيِّ عَّهِ ورِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ذَوِي قُوَّةِ الهَدْيَ فَلَمْ تَكُنْ
لَهُمْ عُمْرَةً فَدَخَلَ عَلَيَّ النبيُّ عَ لَّهِ وَأَنَا أَبْكِي فقال ما يُنْكِيكِ قُلْتُ سَمِعْتِكَ تَقُولُ لِأَضْحَابِكَ ما

١٧٧
٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (٩)
قُلْتَ فَمُنِعْتُ العُمْرَةَ قال وما شأنُك قُلْتُ لاَ أصَلِّي قال فَلاَ يُضِرُّكِ أنْتِ مِنْ بَناتِ آدَمَ كُتِبَ
عَلَيْكِ ما كُتِبَ عَلَيْهِنَّ فَكونِي في حَجَّتِكِ عَسَى الله أنٍ يَرْزُقَكِهَا قَالَتْ فَكُنْتُ حَتَّى نَفَرْنَا
مِنْ مِنِىّ فَزَلْنَا المُحَصَّبَ فدَعَا عَبْدَ الرَّحْمنِ فقالَ اخْرُجْ بِأُخْتِكَ إِلَى الحَرَمِ فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ
افرُغَا مِنْ طَوَافِكُمَا أَنْتَظِرْكُمَا هَهُنَا فَأَتَيْنَا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ فقالَ فَرَغْتُمَا قُلْتُ نَعَمْ فَنَادَى بِالرَّحِيلِ
فِي أَصْحَابِهِ فارْتَحَلَ النَّاسُ ومِنْ طافَ بالْبَيْتِ قَبْلَ صَلاَّةِ الصَّبْحِ ثُمَّ خَرَجَ مُتَوَجّهاً إِلَى المَدِينَةِ.
[انظر الحديث ٢٩٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فلتهل بعمرة)). ورجاله قد ذكروا غير مرة، وأبو نعيم،
بضم النون: الفضل بن دکین.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً عن محمد بن بشار عن أبي بكر الحنفي، وأخرجه
مسلم في الحج أيضاً عن محمد بن عبد الله بن نمير عن إسحاق بن سليمان، وأخرجه
النسائي فيه عن هناد بن السري، وغالب ما فيه من الأحكام قد ذكر فيما مضى مفرقاً.
قوله: ((وفي حرم الحج)) بضم الحاء والراء، وهي الحالات والأماكن والأوقات التي
للحج، وروي، بفتح الراء جمع حرمة أي محرمات الحج. قوله: ((بسرف)) أي: في سرف،
وقد فسرناه غير مرة، وهو مكان بقرب مكة. وفي رواية أبي ذر وأبي الوقت: ((سرف))،
بحذف الباء، وكذا في رواية مسلم من طريق إسحاق بن عيسى بن الطباع عن أفلح. قوله:
((فقال النبي عَّ لأصحابه: من لم يكن معه هدي)) ظاهره أنه أمر لأصحابه بفسخ الحج
إلى العمرة. فإن قلت: قوله هذا كان بسرف، وفي غير هذه الرواية أن قوله لهم ذلك كان بعد
دخوله مكة؟ قلت: يحتمل التعدد. قوله: ((ورجال))، بالجر عطف على النبي عَّهِ، قوله:
((ذوي قوة))، صفة لقوله: ((أصحابه)). قوله: ((الهدي)) مرفوع لأنه اسم: كان. قوله: ((وأنا
أبكي))، جملة حالية. قوله: ((فمنعت))، على صيغة المجهول. قوله: ((العمرة))، منصوب على
نزع الخافض أي: من العمرة. قوله: ((لا أصلي))، كناية عن الحيض، وهي من ألطف
الكنايات. قوله: ((كتب عليك)) على صيغة المجهول، وهذه رواية الأكثرين، وفي رواية أبي
ذر: ((كتب الله عليك)). وكذا في رواية مسلم. قوله: ((فكوني في حجتك))، وفي رواية أبي
ذر: ((في حجك))، وكذا في رواية مسلم. قوله: ((فعسى الله))، ويروى ((عسى الله))، بدون
الفاء. قوله: ((فنزلنا)) المحصب وهو الأبطح، وفيه اختصار أظهرته رواية مسلم بلفظ: ((حتى
نزلنا منىّ فتطهرت ثم طفت بالبيت فنزل رسول الله عَّهِ المحصب)). قوله: ((فدعا عبد
الرحمن))، هو ابن أبي بكر أخو عائشة، رضي الله تعالى عنهم، وفي رواية مسلم: عبد
الرحمن بن أبي بكر.
قوله: ((اخرج بأختك إلى الحرم))، وفي رواية الكشميهني: ((من الحرم)) وكذا في
رواية مسلم. قوله: ((فأتينا في جوف الليل))، ويروى: ((فجئنا من جوف الليل))، وفي رواية
الإسماعيلي: ((من آخر الليل)). قوله: ((ومن طاف بالبيت))، هذا من عطف الخاص على العام،
لأن الناس أعم من الطائفين، قيل: يحتمل أن يكون: من طاف صفة الناس، وتوسط العاطف
عمدة القارىء / ج ١٠ / م١٢

١٧٨
٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (١٠)
بينهما، وهذا جائز. ونقل عن سيبويه أنه أجاز: مررت بزيد وصاحبك، إذا أريد بالصاحب زيد
المذكور، فوقع الواو بين الصفة والموصوف، وقيل: الظاهر أن فيه تحريفاً، والصواب فارتحل
الناس ثم طاف بالبيت، أي النبي عَِّ قبل صلاة الصبح، وكذا وقع في رواية أبي داود من
طريق أبي بكر الحنفي عن أفلح، بلفظ: ((فأذن في أصحابه بالرحيل، فارتحل فمر بالبيت قبل
صلاة الصبح، فطاف به حتى خرج ثم انصرف متوجهاً إلى المدينة)). وفي رواية مسلم:
((فأذن في أصحابه بالرحيل، فخرج فمر بالبيت فطاف به قبل صلاة الصبح ثم خرج إلى
المدينة))، وقد أخرجه البخاري من هذا الوجه في: باب: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ [البقرة:
١٩٧]. بلفظ: ((فارتحل الناس متوجهاً إلى المدينة)). قوله: ((متوجهاً)) من التوجه من باب
التفعل، هذه رواية ابن عساكر، وفي رواية غيره: ((موجهاً))، بضم الميم وفتح الواو وتشديد
الجيم: من التوجيه، وهو الاستقبال تلقاء وجه. فافهم، والله تعالى أعلم.
١٠ - بابٌ يَفْعَلُ فِي العُمْرَةِ ما يَفْعَلُ فِي الحَجّ
أي: هذا باب يذكر فيه أنه يفعل في العمرة من التروك ما يفعل في الحج، أو ما يفعل
في العمرة بعض ما يفعل في الحج لا كلها، ويفعل، في الموضعين يجوز أن يكون على
صيغة المعلوم، وأن يكون على صيغة المجهول، وهذا بكلمة: في العمرة، وفي الحج، رواية
المستميلي والكشميهني، وفي رواية غيرهما، يفعل بالعمرة ما يفعل بالحج.
١٧٨٩/٣٦٦ - حدَّثنا أبُو نُعَيْم قال حدَّثنا هَمَّام قال حدَّثنا عَطاءٌ قال حدَّثني صَفْوَانُ
ابنُ يَعْلَى بِنِ أَميَّةً يَعْنِي عَنْ أَبِيهِ أنَّ رِئْجِلاً أتَى النبيَّ عَِّ وهُوَ بالجِعْرَانَةِ وَعَلَيهِ جُبَّةٌ وعَلَيْهِ أَثَرُ
الخَلُوقِ أوْ قال صُفْرَةٌ فقال كَيْفَ تَأْمُرُنِي أنْ أَصْنَعَ فِي عُمرَتِي فَأَنْزَلَ الله عَلَى النبيِّ عَِّ
فَسُتِرَ بِثَوْبٍ وَوَدِدْتُ أَنِّي قَدْ رَأيْتُ النبيَّ عَّهِ وَقَدْ أَنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ فقال عُمَرُ تَعالَ أَيَشُرُكَ
أنْ تَنْظُرَ إلى النبيِّ عَّهِ وَقَدْ أَنْزَلَ الله عَيْهِ الوَخِيَ قُلْتُ نَعَمْ فَرَفَعَ طَرَفَ الثَّوْبِ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ
لَهُ غَطِيطٌ وأحْسِبُهُ قالَ كَغَطِيطِ البَكْرِ فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ العُمْرَةِ اخْلَغْ عنْكَ
الجُبَّةَ واغْسِلْ أثَرَ الْخُلُوقِ عَنْكَ وَأَنْقِ الصُّفْرَةَ واضْنَغْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ.
[انظر الحديث ١٥٣٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك)). وهذا
الحديث قد مر في أوائل الحج في: باب غسل الخلوق، فإنه أخرجه هناك: عن أبي عاصم
عن ابن جريج عن عطاء عن صفوان بن يعلى إلى آخره، وأخرجه ههنا: عن أبي نعيم الفضل
ابن دكين عن همام بن يحيى البصري عن عطاء بن أبي رباح .. إلى آخره.
قوله: ((الخلوق))، بفتح الخاء المعجمة وتخفيف اللام المضمومة وبالقاف ضرب من
الطيب. قوله: ((صفرة))، بالجر عطف على المضاف إليه أو المضاف. قوله: ((فأنزل الله على
النبي عَّةٍ))، وهو قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦]. على ما روى
الطبراني في (الأوسط): أن المنزل حينئذ قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة:

١٧٩
٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (١٠)
١٩٦]. وجه الدلالة على ذلك هو أن الله تعالى أمر بالإتمام، وهو يتناول الهيئات والصفات.
قوله: ((أيسرك؟)) بهمزة الاستفهام وضم السين. قوله: ((وقد أنزل الله))، في موضع الحال.
قوله: ((غطيط))، بفتح الغين المعجمة وهو: النخير والصوت الذي فيه البحبوحة. قوله:
((وأحسبه)) أي: وأظنه. قوله: ((البكر))، بفتح الباء الموحدة وهو: الفتي من الإبل، والبكرة
الفتاة، والقلوص بمنزلة الجارية، والبعير كالإنسان، والناقة كالمرأة. قوله: ((فلما سُرِّي)) بكسر
الراء المشددة والمخففة أي: كشف، وانسرى: أي: انكشف. قوله: ((وأنقٍ)) أمر من الإنقاء،
وهو التطهير. وفي رواية المستملي: ((واتَّقٍ)) من الاتقاء، بالتاء المثناة المشددة، وهو الحذر.
ويروى: ((ألقٍ))، من الإلقاء وهو الرمي. قوله: ((واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك))
أي: كصنعك في حجك من اجتناب المحرمات ومن أعمال الحج إلاّ الوقوف، فلا وقوف
فيها ولا رمي، وأركانها أربعة: الإحرام والطواف والسعي والحلق أو التقصير.
١٧٩٠/٣٦٧ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عن هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ
أبِيهِ أنَّهُ قال قُلْتُ لِعائِشَةَ رضي الله تعالى عنها زَوْجَ النبيِّ عَّلِ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السّنِّ
أَرَّأَيْتِ قَوْلَ الله تبارَكَ وتَعَالى ﴿إِنَّ الصَّفَا والمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ
◌ُجُنَاحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٩٨] فَلاَ أَرَى عَلَى أَحَدٍ شَيْئاً أنْ لاَ يَطَّوَّفَ بِهِمَا
فَقَالَتْ عَائِشَةُ كَلاَّ لَوْ كانَتْ كَما تَقُولُ كانَتْ فَلاَ مُجناحَ عَلَيْهِ أنْ لاَ يَطَّوَّفَ بِهِمَا إِنََّا أُنْزِلَتْ
هَذِهِ الآيَّةُ فِي الأَنْصَارِ كانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ وكَانَتْ مَناةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ وكانُوا يَتَحَرَّجُونَ أنْ يَطُوفُوا
بَيْنَ الصَّفَا والمَزْوَةِ فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلامُ سَأَلُوا رسولَ اللهِ عََّلَّهِ عِنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ الله تَعالى ﴿إِنَّ
الصَّفا والمَزْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلاَ مُجناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾
[البقرة: ١٩٨]. [انظر الحديث ١٦٤٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في أنه يصنع في حجه من السعي بين الصفا والمروة، وقد مر هذا
الحديث في: باب وجوب الصفا والمروة، بأطول منه فإنه أخرجه هناك: عن أبي اليمان عن
شعيب عن الزهري عن عروة ... إلى آخره، وقد مرت مباحثه هناك مستوفاة. قوله: ((وأنا يومئذ
حديث السن)) يريد لم يكن له بعد فِقْهٌ ولا علم من سنن رسول الله عٍَّ مما يتأول به نص
الكتاب والسنة. قوله: ((كلاً)) هي كلمة ردع، أي: ليس الأمر كذلك. قوله: ((كما تقول)) أي:
عدم وجوب السعي. قوله: ((مناة))، بفتح الميم وتخفيف النون: اسم صنم. قوله: ((حذو
قديد))، أي: محاذيه، و: قديد، بضم القاف: موضع بين مكة والمدينة. قوله: ((يتحرجون))،
يعني: يحترزون من الإثم الذي في الطواف باعتقادهم، أو يحترزونه لأجل الطواف، أو معناه:
يتكلفون الحرج في الطواف ويرونه فيه.
زَادَ سُفْيَانُ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عنْ هِشَامٍ ما أتَّمَّ اللهَ حَجَّ امْرِىءٍ ولاَ عُمْرَتَهُ ما لَمْ يَطُفْ بَيْنَ
الصَّفَا والمَزْوَةِ
أي: زاد سفيان بن عيينة وأبو معاوية محمد بن خازم، بالخاء المعجمة والزاي: الضرير

١٨٠
٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (١١)
عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: ((ما أتم الله حج امرىء .. )) إلى آخره. أما رواية سفيان
فوصلها الطبري من طريق وكيع عنه عن هشام، فذكر الوقوف فقط. وأما رواية أبي معاوية
فوصلها مسلم، فقال: حدثنا يحيى بن يحيى قال: أخبرنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن
أبيه ((عن عائشة، قال: قلت لها: إني لأظن رجلاً لم يطف بين الصفا والمروة، ما ضره؟
قالت: لِمَ؟ قلت: لأن الله تعالى يقول: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو
اعتمر فلا جناح عليه﴾ [البقرة: ١٩٨]. إلى آخر الآية، قالت: ((ما أتم الله حج امرىء ولا
عمرته لم يطف بين الصفا والمروة)) الحديث بطوله.
١١ - بابٌ مَتَى يَحِلُّ المُعْتَمِرُ
أي: هذا باب يذكر فيه متى يخرج المعتمر من إحرامه، وقد أبهم الحكم لأن في حل
المعتمر من عمرته خلافاً، فمذهب ابن عباس أنه يحل بالطواف، وإليه ذهب إسحاق بن
راهويه، وعند البعض: إذ دخل المعتمر الحرم حل وإن لم يطف ولم يسع، وله أن يفعل كل
ما حرم على المحرم، ويكون الطواف والسعي في حقه كالرمي والمبيت في حق الحاج،
وهذا مذهب شاذ. وقال ابن بطال: لا أعلم خلافاً بين أئمة الفتوى: أن المعتمر لا يحل حتى
يطوف ويسعى.
وقال عَطاءٌ عنْ جابِرٍ رضي الله تعالى عنه أَمَرَ النبيُّ عَلَِّ أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوها عُمْرَةً
ويَطُوفُوا ثُمَّ يُقَصِّرُوا ويحِلُّوا
مطابقته للترجمة من حيث إنه فهم من قوله عَّلة: ((إن المعتمر لا يحل حتى يطوف
ويقصر)). فإن قلت: لم يذكر السعي هنا؟ قلت: مراده من قوله ((ويطوفوا)) أي: بالبيت وبين
الصفا والمروة لأن جابراً جزم بأن المعتمر لا يحل له أن يخرج امرأته حتى يطوف بين الصفا
والمروة، فعلم من هذا أن المراد من الطواف في قوله: ((ويطوفوا)) أعم من الطواف بالبيت
ومن الطواف بين الصفا والمروة، وهذا التعليق طرف من حديث وصله البخاري في: باب
عمرة التنعيم.
١٧٩١/٣٦٨ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ إبرَاهِيمَ عنْ جَریرٍ عنْ إِسْمَاعِيلَ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ
أبِي أَوْفَى قال اعْتَمَرَ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ وَاعْتَمَرْنَا مَعَهُ فَلَمَّا دخَلَ مَكّةَ وطُفْنَا مَعَهُ وأتَى الصَّفَا
والمَرْوَةَ وأَتيْنَاها معَهُ وكُنَّا نَسْتُؤُهُ من أهلِ مكّةَ أَنْ يَرْمِيَهُ أَحَدٌ فقال لَهُ صاحِبٌ لِي أكانَ دَخَلَ
: الْكَعْبَةَ قال لا. [انظر الحديث ١٦٠٠ وطرفيه].
... /١٧٩٢ - قالَ فحَدِّثْنَا ما قال لِخَدِيحَةَ قال بَشِّرُوا خَدِيجَةً بِبَيْتٍ مِنَ الجَنَّةِ مِنْ
قَصَبٍ لاَ صَخَبَ فِيهِ ولاَ نَصَبَ. [الحديث ١٧٩٢ - طرفه في: ٣٨١٩].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ورجاله أربعة الأول: إسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه. الثاني: جرير بن عبد الحميد.