النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
٢٥ - كتاب الحجّ / باب (١٣٥ )
الله عن نافع عن ابن عمر وحدثنا ابن نمير، واللفظ له، قال: حدثنا أبي قال: حدثنا عبيد الله،
قال: حدثني نافع ((عن ابن عمر أن العباس بن عبد المطلب استأذن رسول الله عَ لَّه أن يبيت
بمكة ليالي منىّ من أجل سقايته، فأذن له)).
قوله: ((وعقبة بن خالد)) عطف على قوله: ((أبو أسامة)) أي: تابع ابن نمير أيضاً عقبة بن
خالد أبو مسعود الكوفي. وأخرج متابعته عثمان بن أبي شيبة في مسنده عنه.
قوله: ((وأبو ضمرة)) عطف على ما قبله أي: تابع ابن نمير أبو ضمرة، بفتح الضاد
المعجمة وسكون الميم، واسمه أنس بن عياض.
وقد أخرج البخاري في: باب سقاية الحاج عن عبد الله بن أبي الأسود عن أبي ضمرة
عن عبيد الله عن نافع الحديث. وإنما ذكر البخاري هذه المتابعات هنا بعد أن روى هذا
الحديث من ثلاث طرق لأجل شك وقع في رواية يحيى بن سعيد القطان في وصله، وقد
أخرجه أحمد عن يحيى عن عبيد الله عن نافع، قال: لا أعلمه إلاّ عن ابن عمر، وقال
الإسماعيلي: وصل هذا الحديث بلا شك فيه الدراوردي، وعلي بن مسهر وأبو حمزة وعقبة
ابن خالد ومحمد بن فليح وموسى بن عقبة عن عبيد الله وأرسله ابن المبارك عن عبيد الله.
١٣٥ - بابُ رَمْي الجِمَارِ
أي: هذا باب في بيان وقت رمي الجمار، وإنما قدرنا هكذا لأن حديث الباب لا يدل
إلاَّ على بيان وقت الجمار.
وقال جابِرٌ رَمَى النبيُّ عَّ ◌َلَّهِ يَوْمَ النَّخرِ ضُحىَ ورمَى بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ الزَّوَالِ
مطابقته للترجمة تؤخذ من الوجه الذي ذكرناه الآن، وهذا معلق وصله مسلم، وقال:
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر وابن إدريس عن ابن جريج عن أبي
الزبير ((عن جابر، قال: رمى رسول الله عَّ له الجمرة يوم النحر ضحىّ وأما بعد فإذا زالت
الشمس))، ورواه أبو داود من رواية يحيى بن سعيد، والترمذي عن علي بن خشرم: حدثنا
عيسى بن يونس عن ابن جريج عن أبي الزبير ((عن جابر، قال: كان النبي عَّه يرمي يوم
النحر ضحىّ وأما بعد ذلك فبعد زوال الشمس)). وأخرجه النسائي من رواية عبد الله بن
إدريس.
قوله: ((ضحى)) الرواية فيه بالتنوين على أنه مصروف، وهو مذهب النحاة من أهل
البصرة، سواء قصد التعريف أو التنكير. وقال الجوهري: تقول: لقيته ضحىّ وضحى إذا أردت
به ضحى يومك لم تنونه، وأما وقت الضحى بالضم والقصر. فقال الجوهري: ضحوة النهار
بعد طلوع الشمس، ثم بعده الضحى وهو حين تشرق الشمس مقصور يؤنث ويذكر، فمن
أنث ذهب إلى أنها جمع: ضحوة، ومن ذكر ذهب إلى أنه إسم على فعل مثل صرد ونغر،
وهو ظرف غير متمكن مثل: سحر. قال: ثم بعده الضحاء ممدود مذكر، وهو عند ارتفاع
النهار الأعلى. قوله: ((ورمى بعد ذلك بعد الزوال)) يعني رمي الجمار أيام التشريق.

١٢٢
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٣٥ )
ويستفاد من الحديث حكمان: الأول: أن وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر ضحى
اقتداء به، عَّهِ. وقال الرافعي: المستحب أن يرمي بعد طلوع الشمس ثم يأتي بباقي الأعمال
فيقع الطواف في ضحوة النهار. انتهى. وقال شيخنا زين الدين، رحمه الله تعالى: وما قاله
الرافعي مخالف للحديث على مقتضى تفسير أهل اللغة أن ضحوة النهار متقدمة على
الضحى، وهذا وقت الاختيار، وأما أول وقت الجواز فهو بعد طلوع الشمس، وهذا مذهبنا
لما روى أبو داود عن ابن عباس عن النبي، عَّله، أنه قال: ((أي بني لا ترموا الجمرة حتى
تطلع الشمس)). وأما آخره فإلى غروب الشمس، وقال الشافعي: يجوز الرمي بعد النصف
الأخير من الليل، وفي (شرح الترمذي) لشيخنا: وأما آخر وقت رمي جمرة العقبة فاختلف فيه
كلام الرافعي، فجزم في (الشرح الصغير) أنه يمتد إلى الزوال، قال: والمذكور في (النهاية)
جزماً امتداده إلى الغروب، وحكى وجهين في امتداده إلى الفجر: أصحهما: أنه لا يمتد. وكذا
صححه النووي في (الروضة) وفي (التوضيح): رمى جمرة العقبة من أسباب التحلل عندنا،
وليس بركن، خلافاً لعبد الملك المالكي حيث قال: من خرجت عنه أيام منىّ ولم يرم جمرة
العقبة بطل حجه، فإن ذكر بعد غروب شمس يوم النحر فعليه دم، وإن تذكر بعد فعليه بدنة،
وقال ابن وهب: لا شيء عليه ما دامت أيام منىّ. وفي (المحيط) أوقات رمي جمرة العقبة
ثلاثة: مسنون بعد طلوع الشمس، ومباح بعد زوالها إلى غروبها، ومكروه وهو الرمي بالليل.
ولو لم يرم حتى دخل الليل فعليه أن يرميها في الليل، ولا شيء عليه. وعن أبي يوسف، وهو
قول الثوري: لا يرمي في الليل وعليه دم، ولو لم يرمٍ في يوم النحر حتى أصبح من الغد
رماها وعليه دم عند أبي حنيفة، خلافاً لهما.
الحكم الثاني: هو أن الرمي في أيام التشريق محله بعد زوال الشمس، وهو كذلك،
وقد اتفق عليه الأئمة. وخالف أبو حنيفة في اليوم الثالث منها، فقال: يجوز الرمي فيه قبل
الزوال استحساناً. وقال: إن رمى في اليوم الأول أو الثاني قبل الزوال أعاد، وفي الثالث
يجزيه. وقال عطاء وطاوس: يجوز في الثلاثة قبل الزوال، واتفق مالك وأبو حنيفة والثوري
والشافعي وأبو ثور: أنه إذا مضت أيام التشريق وغابت الشمس من آخرها فقد فات الرمي،
ويجبر ذلك بالدم.
٣٢٦/ ١٧٤٦ - حدّثنا أَبُو نُعَيْم قال حدَّثنا مِسْعَرٌ عَنْ وَبَرَةَ قال سألْتُ ابنَ عُمَرَ رضي
الله تعالى عنهما مَتَى أَرْمِي الجِمَارَ قالَ إذَا رَمَى إمَامُكَ فارْمِهْ فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ المَسْألَةَ قال كُنَّا
نَتَحَيَُّ فإذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا.
مطابقته للترجمة من الذي ذكرناه قبل هذا، وأبو نعيم الفضل بن دكين ومسعر بكسر
الميم وسكون السين المهملة وفتح العين المهملة وبالراء ابن كدام، مر في كتاب الوضوء،
ووبرة، بالواو والباء الموحدة والراء المفتوحات على وزن شجرة: ابن عبد الرحمن المسلي،
بضم الميم وسكون السين المهملة بعدها لام، وكلهم كوفیون.

١٢٣
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب ( ١٣٦ )
وأخرجه أبو داود عن عبد الله بن محمد الزهري عن سفيان ومسعر.
قوله: (متى أرمي الجمار؟))، يعني: في غير يوم الأضحى. قوله: ((إذا رمى إمامك))
أراد به الأمير الذي على الحج، وكان ابن عمر خاف عليه أن يخالف الأمير فيحصل له منه
ضرر، فلما أعاد إليه المسألة لم يسعه الكتمان، فأعلمه بما كانوا يفعلونه في زمن النبي عَّه.
قوله: ((فارمه)، بهاء ساكنة لأنها هاء السكت، والحديث رواه ابن عيينة عن مسعر بهذا
الإسناد، فقال فيه: ((فقلت له: أرأيت إن أخر إمامي؟)) أي: الرمي، فذكر له الحديث، أخرجه
ابن أبي عمر في (مسنده) عنه ومن طريقه الإسماعيلي، ولفظه: ((فإذا زاغت الشمس))، أو
زالت. قوله: ((كنا نتحيَّن)) على وزن: نتفعل، من: الحين، وهو الزمان أي: نراقب الوقت.
قوله: ((فإذا زالت الشمس رمينا)) أي: في أيام التشريق، وعند الجمهور: لا يجوز الرمي في
أيام التشريق، وهي الأيام الثلاثة إلاّ بعد الزوال. وقال عطاء وطاوس: يجزيه فيها قبل الزوال،
وقد ذكرناه عن قريب. واتفقوا أنه إذا مضت أيام التشريق وغابت الشمس من آخرها فقد فات
الرمي، ويجبر بالدم. وقال ابن قدامة: إذا أخر رمي يوم إلى يوم بعده أو أخر الرمي كله إلى
آخر أيام التشريق ترك السنة، ولا شيء عليه. وعند أبي حنيفة: إن ترك حصاة أو حصاتين أو
ثلاثاً إلى الغد رماها وعليه لكل حصاة نصف صاع، وإن ترك أربعاً إلى الغد فعليه دم، والله
أعلم.
١٣٦ _ بابُ رَمْي الجِمَارِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي
أي: هذا باب في بيان رمي الجمار من بطن الوادي، وأراد به رمي جمار العقبة يوم
النحر، وهذا هو صفة رمي جمرة العقبة وهي أن يرمي من بطن الوادي من أسفل إلى أعلى.
فإن قلت: روى ابن أبي شيبة عن عطاء أن النبي عَّلِ كان يعلو إذا رمى الجمرة؟ قلت: هذا
في الجمرتين الآخرتين، وأما في جمرة العقبة فمن بطن الوادي.
١٧٤٧/٣٢٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ قال أخبرَنا سُفْيَانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ إِبْرَاهِيمَ
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ يَزِيدَ قال رَمَى عَبْدُ اللهِ منْ بَطْنِ الوَادِي فَقُلْتُ يابا عَبْدِ الرَّحْمنِ إِنَّ ناساً
يَرْمُونَها مِنْ فَوْقِهَا فَقَال والَّذِي لاَ إله غَيْرُهُ لهذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سورَةُ الْبَقَرَةِ عَ لَه
[الحديث ١٧٤٧ - أطرافه في: ١٧٤٨، ١٧٤٩، ١٧٥٠].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: محمد بن كثير - ضد القليل - وقد تكرر ذكره.
الثاني: سفيان الثوري. الثالث: سليمان الأعمش. الرابع: إبراهيم النخعي. الخامس: عبد
الرحمن بن يزيد النخعي. السادس: عبد الله بن مسعود.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع. والإخبار كذلك في
موضع. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: أن شيخه بصري وسفيان مكي والبقية كوفيون.
وفيه: رواية الرجل عن خاله لأن عبد الرحمن هو خال إبراهيم. وفيه: ثلاثة من التابعين يروي

١٢٤
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب ( ١٣٦ )
بعضهم عن بعض، وهو الأعمش وإبراهيم وعبد الرحمن.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً عن مسدد وعن حفص بن
عمر. وأخرجه مسلم في الحج أيضاً عن أبي بكر وأبي كريب وعن منجاب بن الحارث،
وعن يعقوب بن إبراهيم وعن ابن أبي عمر وعن أبي بكر بن أبي شيبة وبندار وابن المثنى،
ثلاثتهم عن غندر وعن عبيد الله بن معاذ وعن أبي بكر بن أبي شيبة ويحيى بن يحيى كلاهما
عن أبي المحياة. وأخرجه أبو داود فيه عن حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم. وأخرجه
الترمذي فيه عن يوسف بن عيسى، وهناد. وأخرجه النسائي فيه عن يعقوب بن إبراهيم به
وعن الحسن بن محمد الزعفراني ومالك بن الخليل وعن مجاهد بن موسى وعن هناد عن
أبي المحياة. وأخرجه ابن ماجه فيه عن علي بن محمد عن وكيع به.
ذكر معناه: قوله: ((رمى عبد الله))، أي: رمى جمرة العقبة من بطن الوادي، ولفظ
الترمذي: لما أتى عبد الله جمرة العقبة استبطن الوادي، أي: وقف في بطن الوادي. قوله: ((يا
با عبد الرحمن)) أصله: يا أبا، بالهمزة وعادتهم تسهيل الهمزة في هذا، وأبو عبد الرحمن كنية
عبد الله بن مسعود. قوله: ((والذي لا إله غيره .. )) إلى آخره، حلف ابن مسعود من غير داع
لذلك لأجل تأكيد كلامه، وذلك أنه لما سمع من عبد الرحمن بن يزيد ما نقل عن هؤلاء
الذين يرمون جمرة العقبة من فوق الوادي على خلاف ما يفعله الشارع صعب عليه ذلك،
وكرهه منهم، وأنكر عليهم غاية الإنكار حتى ألجأه ذلك إلى اليمين. ثم الحكمة في ذكر
ابن مسعود لسورة البقرة دون غيرها من السور، وإن كان قد أنزل عليه كل السور، وأن معظم
المناسك مذكور في سورة البقرة، فكأنه قال: من هنا رمى من أنزل عليه أمور المناسك وأخذ
عنه الشرع فهو أولى وأحق بالاتباع ممن رمى الجمرة من فوقها.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: أن السنة رمي جمرة العقبة من بطن الوادي، ولو رماها من
أسفلها كره. وفي (التوضيح): ولو رماها من أسفلها جاز. وقال مالك: لا بأس أن يرميها من
فوقها ثم رجع، فقال: لا يرميها إلاَّ من أسفلها أو أسفلها أو أعلاها أو أوسطها، كل ذلك واسع،
والموضع الذي يختار بها بطن الوادي من أجل حديث ابن مسعود، وكان جابر بن عبد الله
يرميها من بطن الوادي، وبه قال عطاء وسالم، وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال
مالك، فرميها من أسفلها أحب إلي. وقد روى عن عمر، رضي الله تعالى عنه، أنه جاء والزحام
عند الجمرة، فصعد فرماها من فوقها. وفيه: أنه لا يكره قول الرجل سورة البقرة وسورة آل
عمران، ونحو ذلك وهو قول كافة العلماء إلاَّ ما حكى عن بعض التابعين كراهة ذلك، وأنه
ينبغي أن يقال السورة التي يذكر فيه كذا، والأصح قول الجمهور لقوله عَ لّه: ((من قرأ الآيتين
من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه)). وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة المرفوعة.
وقال عَبْدُ اللهِ بنُ الوَلِيدِ حدثنا سُفْيانُ عنِ الأعْمَشِ بِهُذَا
هذا تعليق وصله عبد الرحمن بن منده بإسناده إلى عبد الله بن الوليد العدني، هذا عن

١٢٥
٢٥ - كتاب الحج / باب ( ١٣٧)
سفيان الثوري عن سليمان الأعمش بهذا الحديث المذكور عن عبد الله بن مسعود، رضي
الله تعالى عنه.
١٣٧ - بابُ رَمْيِ الجِمَارِ بِسَبْعٍ حَصَياتٍ
أي: هذا باب في بيان أن عدد رمي الجمار إنما هو بسبع حصيات، بفتح الصاد والياء،
جمع حصاة وهو الصواب بخلاف ما وقع في رواية أبي الحسن: حصايات.
ذكَرَهُ ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما عن النبيِّ عَ لّ
أي: ذكر السبع عبد الله بن عمر عن النبي معَّله، ووصله البخاري في: باب إذا رمى
الجمرتين، وهو الباب الرابع بعد هذا الباب على ما يأتي، إن شاء الله تعالى.
٣٢٨/ ١٧٤٨ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قال حدثنا شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ عنْ إِبْرَاهِيمَ عنْ
عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَشْعُودٍ رضي الله تعالى عنه أنَّهُ انْتَهَى إِلَى الجَمْرَةِ
الكُبْرَى جعَلَ الْبَيْتَ عَن يَسَارِهِ ومِنِىٌّ عَنْ تَمِينِهِ ورَمَّى بِسَبْعٍ وقال لهُكَذا رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ
سورَةُ البَقَرَةِ عَ لَّهِ﴾ [انظر الحديث ١٧٤٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ورجاله قد ذكروا غير مرة، والحكم بفتحتين هو ابن عيينة، بضم العين وفتح التاء
المثناة من فوق، وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة ووقع في بعض النسخ
مذكوراً عن الحكم بن عتيبة وإبراهيم هو النخعي.
قوله: ((إلى الجمرة الكبرى)) هى جمرة العقبة آخر الجمرات الثلاث بالنسبة إلى
المتوجه من منىٍ إلى مكة. قوله: ((ومنى عن يمينه)) أي: وجعل منىّ عن يمينه. قوله: ((ورمى
بسبع))، أي: بسبع حصيات.
ويستفاد منه: أن رمي الجمرة لا بد أن يكون بسبع حصيات، وهو قول أكثر العلماء
وذهب عطاء إلى أنه إن رمى بخمس أجزاه، وقال مجاهد إن رمى بست فلا شيء عليه، وبه
قال أحمد وإسحاق، واحتج من قال بذلك بما رواه النسائي من حديث سعد بن مالك رضي
الله تعالى عنه، قال: ((رجعنا في الحجة مع النبي، عَّ ◌ُلّه، وبعضنا يقول: رميت بست
حصيات، وبعضنا يقول: رميت بسبع، فلم يُعِبْ بعضُنا على بعض))، وروى أبو داود والنسائي
أيضاً من رواية أبي مجلز، قال: سألت ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، عن شيء من أمر
الجمار، فقال: ما أدري، رماها رسول الله عَّه بست أو سبع؟ والصحيح الذي عليه الجمهور
أن الواجب سبع، كما صحح من حديث ابن مسعود وجابر وابن عباس وابن عمر وغيرهم.
وأجيب: عن حديث سعد: بأنه ليس بمسند، وعن حديث ابن عباس: أنه ورد على الشك من
ابن عباس، وشك الشاك لا يقدح في جزم الجازم، فإنه رماها بأقل من سبع حصيات، فذهب

١٢٦
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب ( ١٣٧ )
الجمهور فيما حكاه القاضي عياض إلى أن عليه دماً، وهو قول مالك والأوزاعي وذهب
الشافعي وأبو ثور إلى أن على تارك حصاة مداً من طعام، وفي اثنتين مدين، وفي ثلاث فأكثر
دماً. وللشافعي قول آخر: إن في الحصاة ثلث دم، وله قول آخر: إن في الحصاة درهماً.
وذهب أبو حنيفة وصاحباه إلى أنه إن ترك أكثر من نصف الجمرات الثلاث فعلیه دم،
وإن ترك أقل من نصفها ففي كل حصاة نصف صاع، وعن طاوس إن رمى ستاً يطعم تمرة أو
لقمة. وذكر الطبري عن بعضهم: أنه لو ترك رمي جميعهن بعد أن يكبر عند كل جمرة سبع
تكبيرات أجزأه ذلك، وقال: إنما جعل الرمي في ذلك بالحصى سبباً لحفظ التكبيرات السبع،
كما جعل عقد الأصابع بالتسبيح سبباً لحفظ العدد، وذكر عن يحيى بن سعيد أنه سئل عن
الخرز والنوى يسبح به؟ قال: حسن، قد كانت عائشة، رضي الله تعالى عنها، تقول: إنما
الحصى للجمار ليحفظ به التكبيرات. وقال الحكم وحماد: من نسي جمرة أو جمرتين أو
حصاتين يهريق دماً. وقال عطاء من نسي شيئاً من رمي الجمار فذكر ليلاً أو نهاراً فيلزم ما
نسي، ولا شيء عليه، وإن مضت أيام التشريق فعليه دم. وهو قول الأوزاعي. وقال مالك: إن
نسي حصاة من الجمرة حتى ذهبت أيام الرمي ذبح شاة، وإن نسي جمرة تامة ذبح بقرة.
واختلفوا فيمن رمى سبع حصيات في كل مرة واحدة. فقال مالك والشافعي: لا يجزيه
إلاَّ عن حصاة واحدة ويرمي بعدها ستاً. وقال عطاء: تجزيه عن السبع، وهو قول أبي حنيفة
كما في سياط الحد سوطاً سوطاً، ومجتمعة إذا علم وصول الكل إلى بدنه، هذا الذي ذكر
عن أبي حنيفة ذكره صاحب (التوضيح). وذكر في (المحيط): ولو رمى إحدى الجمار بسبع
حصيات رمية واحدة فهي بمنزلة حصاة، وكان عليه أن يرمي ست مرات. قلت: العمدة في
النقل عن صاحب مذهب من المذاهب على نقل صاحب من أصحاب ذلك المذهب.
ومن فوائده: أنه يرمي الجمرة وهو يجعل البيت عن يساره ومنىّ عن يمينه، وهو أحد
الوجوه الشافعية. وقال النووي: هو الصحيح من مذهبنا، قال: وبه قال جمهور العلماء، وفي
وجه: أنه يستدبر القبلة ويستقبل الجمرة مما يلي مكة، وتكون منىّ أيضاً أمامه، وبه قطع
الشيخ أبو حامد، وفي وجه: يستقبل القبلة ويجعل الجمرة على يمينه ومنىّ خلف ظهره.
ومنها: أنه لا بد من مسمى الرمي وأنه لا يكفي الوضع، وهو كذلك عند الجمهور، وحكى
القاضي عياض عن المالكية: أن الطرح والوضع لا يجزىء. قال: وقال أصحاب الرأي يجزىء
الطرح ولا يجزء الوضع. قال: ووافقنا أبو ثور إلاَّ أنه قال: إن كان يسمي الطرح رمياً أجزأه،
وحكى إمام الحرمين أيضاً عن بعض أصحاب الشافعي أنه يكفي الوضع. قلت: قال صاحب
(المحيط): وضع الحصاة لا يجزيه عن الرمي ويجزيه طرحها لأنه رمي حقيقة. ومنها: أن
المراد بسبع جمرات وهي الحصيات. وقال أصحابنا: يجوز الرمي بكل ما كان من جنس
الأرض: كالحجر والمدر، والمراد السبج وكسر الآجر، ولا يجوز بما ليس من جنس الأرض:
كالذهب والفضة واللؤلؤ والعنبر، وذهب داود إلى جوازه بكل شيء حتى بالبعرة والعصفور
الميت، وقال ابن المبارك: لا يجوز إلاَّ بالحصى، وقال أحمد: لا يجوز بالحجر الكبير.

١٢٧
٢٥ - كتاب الحجّ / باب (١٣٨)
١٣٨ - بابُ مَنْ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ فَجَعَلَ الْبَيْتَ عنْ يَسَارِهِ
أي: هذا باب يذكر فيه من رمى جمرة العقبة وهي الجمرة الكبرى، وجعل البيت عن
يساره وجعل منى عن يمينه. قوله: ((فجعل)) ويروى: ((وجعل)) بالواو.
١٧٤٩/٣٢٩ _ حدَّثنا آدَمُ قال حدثنا شُعْبَةُ قال حدثنا الحَكَمُ عنْ إِبْرَاهِيمَ عنْ عَبْدِ
الرَّحْمنِ بنِ يَزِيدَ أنَّهُ حَجَّ مَعَ ابنِ مَشْعُودٍ رضي الله تعالى عنه فرَآهُ يَزْمِي الجَمِرَةَ الْكُبْرَى بِسَبْع
حَصَياتٍ فَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ ومِنىٌ عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ قال هَذا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سورَةً
الْبَقَرَةِ. [انظر الحديث ١٧٤٧ وطرفيه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وهو طريق آخر لحديث ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه.
أخرجه عن آدم بن أبي إياس عن شعبة بن الحجاج عن الحكم بن عتيبة عن إبراهيم النخعي
عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي ... إلى آخره، وقد مر الكلام فيه مستوفى في الحديث
السابق.
١٣٩ - بابٌ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ تَكْبِيرَةً
أي: هذا باب يذكر فيه أن الحاج إذا رمى جمرة العقبة يكبر مع كل حصاة تكبيرة.
قالَهُ ابنُ عُمرَ رضي الله تعالى عنهما عن النبيِّ عَ لَّهِ
أي: قال بالتكبير مع كل حصاة عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما، راوياً عن
النبي عَّهِ، وهذا ذكره البخاري موصولاً في: باب إذا رمى الجمرتين، يقوم، يأتي بعد هذا
الباب الذي يلي هذا الباب.
١٧٥٠/٣٣٠ - حدّثنا مُسَدَّدٌ عنْ عَبْدِ الوَاحِدِ قال حدَّثنا الأعْمَشُ قال سَمِعْتُ
الحَجَّاجَ يَقُولُ عَلَى المِنْبَرِ السُّورَةَ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا الْبَقَرَةُ والسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ
والسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا النِّسَاءُ قال فَذَكَرْتُ ذُلِكَ لإِبْرَاهِيمَ فقال حدَّثني عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ
يَزِيدَ أنَّهُ كانَ معَ ابنِ مَشْعُودَ رضي الله تعالى عنه حِينَ رمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَاسْتَبْطَنَ الوَادِي
حَتَّى إِذَا حاذَى بالشَّجَرَةِ اعْتَرَضَهَا فَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ قَالَ مِنْ هُهُنَا
وَالَّذِي لاَ إِلهَ غَيْرُهُ قَامَ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ عَ لَّهِ. [انظر الحديث ١٨٤٧ وطرفيه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((يكبر مع كل حصاة))، وهذا طريق آخر لحديث ابن
مسعود، رضي الله تعالى عنه، وعبد الواحد هو ابن زياد البصري، والأعمش هو سليمان،
والحجاج هو ابن يوسف نائب عبد الملك بن مروان بالعراق.
قوله: ((قال سمعت الحجاج يقول)) هذا حكاية عن الأعمش عن الحجاج لأجل
إظهار خطئه، ولم يقصد به الرواية عنه لأنه لم يكن أهلاً لذلك، وأصل القضية أن الأعمش
سمع الحجاج يقول وهو على المنبر: السورة التي تذكر فيها البقرة والسورة التي تذكر فيها
آل عمران والسورة التي تذكر فيها النساء، ولم يقل: سورة البقرة وسورة آل عمران وسورة

١٢٨
٢٥ - كتاب الحجّ / باب ( ١٣٩ )
النساء، ولم ير بإضافة السورة إلى البقرة ولا إلى آل عمران ولا إلى النساء، ونحو ذلك.
وروى النسائي بلفظ: لا تقولوا: سورة البقرة، قولوا: السورة التي تذكر فيها البقرة. وفي رواية
مسلم عن الأعمش، قال: سمعت الحجاج بن يوسف يقول وهو يخطب على المنبر: ألفوا
القرآن كما ألفه جبريل، عليه السلام، السورة التي تذكر فيها البقرة، والسورة التي تذكر فيها
آل عمران. قال: فلقيت إبراهيم فأخبرته بقوله، فسبه، ثم قال: حدثني عبد الرحمن بن يزيد أنه
حج مع عبد الله بن مسعود فأتى جمرة العقبة، فاستبطن الوادي فاستعرضها فرماها من بطن
الوادي بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة. قال: فقلت: يابا عبد الرحمن إن الناس يرمونها
من فوقها؟ فقال: والذي لا إله غيره مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة. انتهى. ولما قال
الأعمش لإبراهيم ما قال، وحدثه إبراهيم عن عبد الرحمن، رد عليه بذلك وأظهر خطأ
الحجاج عليه ما يستحق، وقال عياض: إن كان الحجاج أراد بقوله: كما ألفه جبريل، عليه
السلام، تأليف الآي في كل سورة ونظمها على ما هي عليه الآن في المصحف، فهو إجماع
المسلمين، أجمعوا أن ذلك تأليف سيدنا رسول الله عَّ لله وإن كان يريد تأليف السورة بعضها
على أثر بعض، فهو قول بعض الفقهاء والقراء، وخالفهم جماعة من المحققين، وقالوا: بل هو
اجتهاد من الأمة وليس بتوقيف، وقال أبو الفضل: تقديم الحجاج سورة النساء على آل عمران
في رواية مسلم دليل على أنه لم يرد إلاَّ نظم الآي، لأن الحجاج إنما كان يتبع مصحف
عثمان، رضي الله تعالى عنه، ولا يخالفه.
قوله: ((حين رمى جمرة العقبة))، هي الجمرة الكبرى وليست هي من منىّ بل هي حد
منى من جهة مكة، وهي التي بايع النبي عَّلم الأنصار عندها على الهجرة، والجمرة اسم
لمجتمع الحصى، سميت بذلك لاجتماع الناس بها، فيقول: تجمر بنو فلان إذا اجتمعوا.
وقيل: إن العرب تسمي الحصى الصغار جماراً، فسمت الشيء بلازمه. قوله: ((فاستبطن
الوادي)) أي: دخل في بطن الوادي. قوله: ((حتى إذا حاذى بالشجرة)) أي: قابلها، والباء فيه
زائدة، وهذا يدل على أنه كان هناك شجرة عند الجمرة. وقد روى ابن أبي شيبة عن الثقفي
عن أيوب قال: رأيت القاسم وسالماً ونافعاً يرمون من الشجرة، ومن طريق عبد الرحمن بن
الأسود: أنه كان إذا جاور الشجرة رمى جمرة العقبة من تحت غصن من أغصانها. قوله:
((اعترضها)) أي: الشجرة. قال بعضهم: قلت: معناه أتاها من عرضها، نبه عليه الداودي. قوله:
((فرمى))، أي: الجمرة. قوله: ((يكبر)) جملة حالية.
ذكر ما يستفاد منه: منها: لا بد من رمي سبع حصيات. ومنها: التكبير مع كل
حصاة، وأجمعوا على استحبابه فيما حكاه القاضي عياض، وأنه لو ترك التكبير أجزأه إجماعاً
وفيه نظر، لأن بعضهم يعده واجباً. وقال أصحابنا: يكبر مع كل حصاة، ويقول: بسم الله والله
أكبر رغماً للشيطان وحزبه، وكان علي، رضي الله تعالى عنه، يقول، كلما رمى حصيات:
أللهم إهدني بالهدى، وقني بالتقوى، واجعل الآخرة خيراً لي من الأولى. وكان ابن مسعود
وابن عمر، رضي الله تعالى عنهم، يقولان عند ذلك: اللهم اجعله حجاً مبروراً وذنباً مغفوراً

١٢٩
٢٥ - كتاب الحَجِّ / باب (١٤٠ )
وسعياً مشكوراً. وقال ابن القاسم: فإن سبح لا شيء عليه.
١٤٠ _ بابُ منْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَلَمْ يَقِفْ
أي: هذا باب يذكر فيه من رمى جمرة العقبة، والحال أنه لم يقف عندها.
قالَهُ ابنُّ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما عن النبيِّ عَلَّهِ
أي: قال عبد الله بن عمر عن النبي، عَّه، أنه كان يرمي جمرة العقبة ولا يقف
عندها. أخرج البخاري هذا مسنداً في الباب الذي يلي هذا الباب، وقد روى أحمد في
(مسنده) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحوه، ولا يعرف فيه خلاف.
١٤١ _ بابٌ إِذَا رَمىَ الجَمْرَتَيْنِ يَقُومُ ويُسْهِلُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا رمى الجمرتين، وهما الجمرة الأولى والثانية غير جمرة
العقبة. قوله: ((يقوم)) أي: يقف عندهما طويلا. واختلفوا فى مقدار ما يقف عند الجمرة
الأولى، فكان ابن مسعود يقف عندها قدر قراءة سورة البقرة مرتين، وعن ابن عمر: كان يقف
عندها قدر قراءة سورة البقرة عند الجمرتين، وعن أبي مجلز قال: كان ابن عمر يشبر ظله
ثلاثة أشبار ثم يرمي، وقام عند الجمرتين قدر قراءة سورة يوسف، وكان ابن عباس، رضي الله
تعالى عنهما، يقف بقدر قراءة سورة من المئين، ولا توقيف في ذلك عند العلماء، وإنما هو
ذكر ودعاء، فإن لم يقف ولم يدع فلا حرج عليه عند أكثر العلماء إلاّ الثوري فإنه استحب
أن يطعم شيئاً أو يهريق دماً. قوله: ((ويسهل))، بضم الياء آخر الحروف وسكون السين
المهملة، أي: يقصد السهل من الأرض وهو المكان المصطحب الذي لا ارتفاع فيه. قوله:
((مستقبل القبلة)) كلام إضافي وقع حالاً. وقال الكرماني: يُسهل أن ينزل إلى السهل من بطن
الوادي، يقال: أسهل القوم إذا نزلوا من الجبل إلى السهل.
١٧٥١/٣٣١ - حدّثنا عُثْمَانُ بنُ أَبِي شَيْبَةَ قال حدَّثنا طَلحَةُ بنُ یخیی قال حدثنا
يُونسُ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سَالِمٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما أنَّهُ كانَ يَرْمِي الجَمْرَةَ
الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَياتٍ يُكَبّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصاةٍ ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِلَ فَيَقُومَ مُسْتَقْبِلَ الْقِيْلَةِ
فَيَقُومُ طَوِيلاً ويَدْعُو ويَرْفَعُ يَدَيْهِ ثُمَّ يَرْمِي الوُسْطَى ثُمَّ يأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيَسْتَهِلُّ وَيَقُومُ
مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَيَقُومُ طَوِيلاً ويَدْعُو ويَرْفَعُ يَدَيْهِ طَوِيلاً ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ الْعَقَّبَةِ مِنْ بَطْنِ
الوَادِي ولاَ يَقِفُ عِنْدَهَا ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُولُ هكَذَا رَأيْتُ النبيَّ عَ لَّهِ يَفْعَلُهُ. [الحديث ١٧٥١
- طرفاه في: ١٧٥٢، ١٧٥٣].
مطابقته للترجمة ظاهرة. هذا الحديث من أفراد البخاري، وذكره أيضاً في بابين بعده،
وعثمان بن أبي شيبة هو أخو أبي بكر بن أبي شيبة، وطلحة بن يحيى بن النعمان بن أبي
عياش الزرقي الأنصاري المديني، وليس له في هذا الكتاب غير هذا الحديث. فإن قلت:
فيه مقال، فقال أبو حاتم: ليس بقوي، ولهذا لم يخرج له مسلم شيئاً قلت: وثقه ابن معين،
عمدة القارىء / ج١٠ / م٩

١٣٠
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٤٢)
على أن البخاري لم يحتج به وحده، فقد استظهر بمتابعة سليمان بن بلال في الباب الذي
بعده، وبمتابعة عثمان بن عمر أيضاً، كلاهما عن يونس، وتابعهم عبد الله بن عمر النميري عن
يونس عند الإسماعيلي، ويونس هو ابن يزيد الأيلي، والزهري هو محمد بن مسلم بن
شهاب.
قوله: ((الجمرة الدنيا))، بضم الدال أو بكسرها أي: القريبة إلى جهة مسجد الخيف،
وهي أولى الجمرات التي ترمى من ثاني يوم النجر، وهي أقرب الجمرات من منىّ وأبعدها
من مكة. قوله: ((على إثر كل حصاة)) إثر الشيء، بكسر الهمزة وسكون الثاء المثلثة: عقيبه.
قوله: ((حتى يسهل))، بنصب اللام بتقدير: أن، وقد مر تفسيره عن قريب. قوله: ((فيقوم
طويلاً))، وفي رواية سلميان بن بلال: فيقوم قياماً طويلاً. قوله: ((ويرفع يديه)) أي: في الدعاء،
وهذا يدل على مشروعية رفع اليدين عند الدعاء، وروى مالك منعه في جميع المشاعر،
وروى في الاستسقاء: ((رافعاً يديه وقد جعل بطونهما إلى الأرض، عَلٍَّ)). وقال ابن المنذر: لا
أعلم أحداً أنكر ذلك غير مالك فإن ابن القاسم حكى عنه أنه لم يكن يعرف رفع اليدين
هنالك قال واتباع السنة أفضل وقيل يرفع حكاه ابن التين وابن الحاجب. قوله: ((ثم يرمي
الوسطى)) أي: الجمرة الوسطى. قوله: ((ثم يأخذ ذات الشمال))، بكسر الشين أي: جانب
الشمال. قوله: ((ثم يرمي جمرة ذات العقبة))، هي جمرة العقبة. وفي رواية عثمان بن عمر:
(ثم يأتي الجمرة التي عند العقبة)). قوله: ((ثم ينصرف))، وفي رواية سليمان: ((ولا يقف
عندها)).
١٤٢ _ بابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ جَمْرَةِ الدُّنْيا والوُسْطَى
أي: هذا باب في بيان رفع اليدين عند جمرة الدنيا أي: القريبة إلى مسجد الخيف،
والوسطى هي الجمرة الثانية بين الجمرة الأولى وجمرة العقبة.
١٧٥٢/٣٣٢ - حدَّثنا إِسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثني أخِي عنْ سُلَيْمَانَ عنْ يُونُسَ
ابنِ يَزِيدَ عنِ ابنِ شِهَابٍ عن سالِمٍ بنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما
كانَ يَرْمِي الجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعٍ خَصَياتٍ ثُمَّ يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَيُسْهِلُ
مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ قِياماً طَوِيلاً فَيَدْغَوِ ويَرْفَعُ يَدَيْهِ ثُمَّ يَرْمِي الجَمْرَةَ الؤُسْطَى كَذَلِكَ فَيَأْخُذُ ذَاتَ
الشِّمَالِ فَيُسْهِلُ ويَقُومُ مُستَقْبِلَ الْقِيْلَةِ قِيَاماً طَوِيلاً فَيَدْعُو ويَرْفَعُ يَدَيْهِ ثُمَّ يَرْمِي الجمْرَةَ ذَاتَ
الْعَقَّبَةِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي ولاَ يَقِفُ عِنْدَهَا وَيَقُولُ هكَذَا رَأيْتُ رسولَ اللهِ عَُّلِّ يَفْعَلُ. [انظر
الحديث ١٧٥١ وطرفه].
هذا الحديث بعينه هو المذكور قبله بطوله، وإنما أعاده لاختلاف طريقه، فإنه روى
الحديث الأول عن عثمان عن طلحة عن يونس، وروى هذا عن إسماعيل بن عبد الله
المشهور بابن أبي أويس عن أخيه عبد الحميد بن عبد الله عن سليمان بن بلال عن يونس
ابن يزيد، ولما أعاد، لما ذكرنا، وضع له الترجمة المذكورة، وتفسيره قد مر عن قريب.

١٣١
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٤٣ )
١٤٣ - بابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ الجَمْرَتَيْنِ
أي: هذا باب في بيان الدعاء عند الجمرتين الأولى والثانية.
١٧٥٣/٣٣٣ - وقالَ مُحَمَّدٌ حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ عُمَرَ قال أخبرنا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ
رسولَ الله عَّلِ كَانَ إِذَا رَمَى الجَمْرَةَ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ مِنىّ يَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَياتِ يُكَبِّرُ كُلَّمَا
رَمَى بِحَصَاةٍ ثُمَّ تَقَدَّمَ أمامَها فَوَقَفَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ رَافِعاً يَدَيْهِ يَدْعُو وكَانَ يُطِيلُ الؤُقُوفَ ثُمَّ
يأتِي الجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ فِيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ ثُمَّ يَنْحَدِرُ ذَاتَ اليَسَارِ
مِمَّا يَلِي الوَادِي فَيَقِفُ مُسْتَقْبِلَ الْقِئْلَةِ رَافِعاً يَدَيْهِ يَدْعُو ثُمَّ يَأْتِي الجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الْعَقَبَةِ
فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ يَنْصَرِفُ ولاَ يَقِفُ عِنْدَهَا. قَالَ الزُّهْرِيّ
سَمِعْتُ سَالِمَ بنَ عَبْدِ الله يُحَدِّثُ مِثْلَ لهذَا عنْ أَبِيهِ عنِ النَّبِيِّ عَُّلِ وكانَ ابنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ.
[انظر الحديث ١٧٥١ وطرفه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((رافعاً يديه يدعو)).
ورجاله أربعة: الأول: محمد، ذكره مجرداً عن نسبه، واختلف فيه، فقال أبو علي بن
السكن: هو محمد بن بشار، وقال الكلاباذي: هو محمد بن بشار أو محمد بن المثنى. قال:
وروى البخاري أيضاً في (جامعه) عن محمد بن عبد الله الذهبي، وقال بعضهم: وجزم غيره
بأنه الهذلي. قلت: لم أر أحداً جزم به، وإنما وقع الاختلاف في هؤلاء المحمدين، فقال ابن
السكن: هو محمد بن بشار ولم يجزم به، وقال الكلاباذي بالشك بين محمد بن بشار وبين
محمد بن المثنى. قال: وروى البخاري في (جامعه) أيضاً عن محمد بن عبد الله الذهلي ولم
يجزم بأحد منهم. الثاني: عثمان بن عمر بن فارس العبدي البصري. الثالث: يونس بن يزيد
الأيلي. الرابع: محمد بن مسلم الزهري.
فإن قلت: ما تقول في هذا الحديث؟ هل هو مسند أم مرسل؟ قلت: قال الكرماني:
هذا من مراسيل الزهري، ولا يصير مسنداً بما ذكره آخراً لأنه قال: يحدث بمثله لا بنفسه.
انتهى. وقال بعضهم: هو بالإسناد المصدر به الباب، ولا اختلاف بين أهل الحديث بأن
الإسناد بمثل هذا السياق موصول، وغايته أنه من تقديم المتن على بعض السند، وإنما اختلفوا
في جواز ذلك، ثم قال: وأغرب الكرماني، فقال: ونقل ما قاله الذي ذكرناه عنه، ثم قال:
وليس مراد المحدث بقوله: في هذا بمثله إلاَّ نفسه، ثم احتج في دعواه بما رواه الإسماعيلي
عن ابن ناجية عن ابن المثنى وغيره عن عثمان بن عمر، وقال في آخره: قال الزهري: سمعت
سالماً يحدث بهذا عن أبيه عن النبي عَّةِ، فعرف أن المراد بقوله: بمثله: نفسه. انتهى.
قلت: ليت شعري من أين هذا التصرف، وكيف يصح احتجاجه في دعواه بحديث
الإسماعيلي، فإن الزهري فيه صرح بالسماع عن سالم، وسالم صرح بالتحديث عن أبيه،
وأبوه صرح عن النبي عَّةٍ، فكيف يدل هذا على أن المراد بقوله بمثله نفسه؟ وهذا شيء
عجيب، لأن بين قوله: يحدث بهذا عن أبيه، وبين قوله: يحدث مثل هذا عن أبيه، فرقاً

١٣٢
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٤٤ )
عظيماً لأن مثل الشيء غيره، فكيف يكون نفسه؟ تيقظ فإنه موضع التأمل. قوله: ((رافعاً
يديه))، نصب على الحال. قوله: ((يدعو)) جملة وقعت حالا أيضاً إما من الأحوال المتداخلة
أو المترادفة. وبقية الكلام قد مرت آنفاً.
١٤٤ _ بابُ الطَّيبِ بَعْدَ رَمْي الجِمَارِ والحَلْقِ قَبْلَ الإِفَاضَةِ
أي: هذا باب في بيان استعمال الطيب بعد رمي جمرة العقبة وبعد الحلق قبل الإفاضة
أي: قبل طواف الزيارة وهو طواف الركن، وإنما لم يشر إلى الحكم في ذلك في الترجمة
لأجل الخلاف فيه. قال ابن المنذر: اختلف العلماء فيما أبيح للحاج بعد رمي جمرة العقبة
قبل الطواف بالبيت، فروي عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، وابن الزبير وعائشة، رضي
الله تعالى عنها: أنه يحل له كل شيء إلاّ النساء، وهو قول سالم وطاوس والنخعي، وإليه
ذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، واحتجوا فيه بحديث الباب، وروى عن
ابن عمر وابنه: أنه يحل له كل شيء إلاَّ النساء والصيد. وفي (المدونة): أكره لمن رمى
جمرة العقبة أن يتطيب حتى يفيض فإن فعل فلا شيء عليه. قلت: مذهب عروة بن الزبير
وجماعة من السلف، رضي الله تعالى عنهم، أنه لا يحل للحاج اللباس والطيب يوم النحر وإن
رمى جمرة العقبة وحلق وذبح حتى تحل له النساء، ولا تحل له النساء حتى يطوف طواف
الزيارة. واحتجوا في ذلك بما رواه الطحاوي: حدثنا يحيى بن عثمان، قال: حدثنا عبد الله بن
يوسف، قال: حدثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن أم قيس بنت محصن، قالت:
دخل علي عكاشة بن محصن وأخر في منى مساء يوم الأضحى، فنزعا ثيابهما وتركا الطيب.
فقلت: ما لكما؟ فقالا: إن رسول الله عَّم قال لنا: من لم يفضِ إلى البيت من عشية هذه
فليدع الثياب والطيب. وقال علقمة وسالم وطاوس وعبيد الله بن الحسن وخارجة بن زيد
وإبراهيم النخعي وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والشافعي وأحمد في (الصحيح) وأبو ثور
وإسحاق: إذا رمى المحرم جمرة العقبة ثم حلق حل له كل شيء كان محظوراً بالإحرام إلاَّ
النساء.
واختلفوا في حكم الطيب. فقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه وأحمد في
رواية: حكم الطيب حكم اللباس فيحل كما يحل اللباس. وقال مالك وأحمد في رواية:
حكم الطيب حكم الجماع فلا يحل له حتى يحل الجماع. واحتج أبو حنيفة ومن معه
بحديث الباب. وقال صاحب (التوضيح): واحتج الطحاوي لأصحابه بحديث عائشة، رضي
الله تعالى عنها، مرفوعاً: ((إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلاّ
النساء)). وفيه الحجاج بن أرطأة، وبحديث الحسن البصري عن ابن عباس ولم يسمع منه،
(قال: إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء)). فقال له رجل: والطيب؟ فقال:
أما أنا فقد رأيت رسول الله عَّلم يضمخ رأسه بالمسك. أفطيب هو؟ قلت: سبحان الله. آثار
التعصب الباطل لا تخلو عنهم، فلم لم يذكر صاحب (التوضيح) حديث الباب في احتجاج
الطحاوي لأبي حنيفة وأصحابه، فإنه احتج لهم أولاً بحديث الباب، وأخرجه من طرق،

١٣٣
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٤٥ )
واحتج أيضاً بالحديث الذي ذكره صاحب (التوضيح) وصدر كلامه به، وغمز بقوله: وفيه
الحجاج بن أرطأة، فما للحجاج بن أرطأة وقد احتجت به الأربعة والبيهقي أيضاً أخرج
حديثه؟ وأما حديث ابن عباس فإنه طعن فيه بأن الحسن البصري لم يسمع من ابن عباس،
فإنه ليس بالحسن البصري، وإنما هو الحسن العرني، وقد روى عن يحيى بن معين أن الحسن
العرني لم يسمع من ابن عباس، وغيره قال: سمع منه، فالمثبت أولى من النافي على ما
عرف، وقد ذهل صاحب (التوضيح) ولم يفرق بين البصري والعرني، ومع هذا فحديث ابن
عباس هذا أخرجه النسائي وابن ماجه أيضاً. وأما الجواب عن حديث أم قيس، أخت عكاشة
بن محصن، فإنه لا يعارض حديث عائشة، رضى الله تعالى عنها، لأن حديث عائشة فيه من
الصحة ما ليس في حديث أم قيس، وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف، وحديثه هذا شاذ.
٣٣٤ /١٧٥٤ _ حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثنا سُفْيانِ قال حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ
ابنُ القَاسِمِ وكانَ أَفْضَلَ أهْلِ زَمَانِهِ أَنَّهُ سَمِعَ أباهُ وكانَ أَفْضَلَ أهْلٍ زَمَانِهِ يَقُولُ سَمِعْتُ عائِشَةَ
رضي الله تعالى عنها تَقُولُ طَيِّئْتُ رسولَ الله عَّهِ بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ حِينَ أَخْرَمَ ولِحلِّهِ حِينَ أحَلَّ
قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ وبَسَطَتْ يَدَيْهَا. [انظر الحديث ١٥٣٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة من قولها: ((طيبت .. )) إلى آخره، والحديث مضى في: باب
الطيب عند الإحرام، فإنه أخرجه هناك: عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن عبد الرحمن بن
القاسم عن أبيه عن عائشة إلى آخره، وعلي هو ابن المديني وسفيان هو ابن عيينة، والقاسم
هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنهم.
قوله: ((أنه سمع أباه وكان أفضل أهل زمانه)) أي: كان أبو محمد بن أبي بكر
الصديق أفضل أهل زمانه، ويُروى: حدثنا سفيان حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، وكان أفضل
أهل زمانه أنه سمع أباه وكان أفضل أهل زمانه، وفي (التوضيح): وكان أفضل أهل زمانه في
كل منهما. وفي (الأطراف): أن كلا من علي بن المديني وعبد الرحمن بن القاسم يقول
ذلك. قلت: أما القاسم فهو أحد الفقهاء السبعة، وقال عمر بن عبد العزيز: لو لم يجعل
سليمان الأمر إلى يزيد لندبتها في عنق القاسم، يعني الخلافة. وأما محمد فإنه كان من نساك
قريش، وله عبادة كثيرة واجتهاد وافر. قوله: ((حين أحرم)) أي: حين أراد الإحرام. قوله:
((ولحله حين أحل)) ليس معناه إذا أراد الإحلال، لأن التطيب لا يجوز إلاّ بعد الإحلال، وهو
عكس الإحرام. قوله: ((قبل أن يطوف)) أي: فالبيت طواف الزيارة، وبقية الكلام مرت هناك.
١٤٥ _ بابُ طَوَافِ الوَدَاعِ
أي: هذا باب في بيان حكم طواف الوداع، وإنما أضمر الحكم اكتفاءً بما في حديث
الباب.
٣٣٥/ ١٧٥٥ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدثنا سُفْيَانُ عنِ ابنِ طَاوسٍ عَنْ أَبِيهِ عنِ ابنِ
عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال أُمِرَ النَّاسُ أنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ إلاَّ أنَّهُ خُفِّفَ عَنِ

١٣٤
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٤٥)
الخَائِضِ. [انظر الحديث ٣٢٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((أن يكون آخر عهدهم بالبيت))، وهو لا يكون إلاَّ
بالطواف، وهو في آخر العهد طواف الوداع.
ورجاله: تكرر ذكرهم، وسفيان بن عيينة وابن طاوس هو عبد الله بن طاوس.
وأخرجه البخاري أيضاً عن مسلم ابن إبراهيم، فعن قريب يأتي، وأخرجه أيضاً في
الطهارة عن معلى بن أسد. وأخرجه مسلم في الحج عن سعيد بن منصور وأبي بكر بن أبي
شيبة، كلاهما عن سفيان به. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن عبد الله بن يزيد المقري،
والحارث بن مسكين، كلاهما عن سفيان به. وعن جعفر بن مسافر مختصراً.
قوله: ((أمر الناس))، على صيغة المجهول، وأصل الكلام: أمر النبي، عَ لَّه، الناس أن
يكون آخر عهدهم بالبيت. ورواه مسلم نحوه عن سفيان عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن
عباس، ورواه أيضاً عن سليمان الأحول عن طاوس عن ابن عباس، قال: ((كان الناس ينصرفون
في كل وجه، فقال رسول الله، عَّله: لا ينصرفن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت)). قال
زهير: ينصرفون كل وجه ولم يقل: في. وروى مسلم أيضاً من رواية الحسن ابن مسلم ((عن
طاوس، قال: كنت مع ابن عباس إذ قال زيد بن ثابت: تعني أن تصدر الحائض قبل أن يكون
آخر عهدها بالبيت؟ فقال له ابن عباس: أما لا فسل فلانة الأنصارية، هلٍ أمرها بذلك رسول
الله عَّ له؟ قال: فرجع زيد إلى ابن عباس يضحك، وهو يقول: ما أراك إلاّ قد صدقت!)). وفي
رواية: ((فسألها زيد ثم رجع وهو يضحك، فقال ... الحديث كما حدثتني)). وفي رواية
البيهقي: ((أرسل زيد إلى ابن عباس: إني وجدت الذي قلت كما قلت، فقال ابن عباس: إني
لأعلم قول رسول الله عَّالله للنساء، ولكن أحببت أن أقول ما في كتاب الله تعالى، ثم تلا
هذه الآية: ﴿ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: ٢٩]. فقد
قضت التفث ووفت النذر وطافت بالبيت فما بقي)).
قوله: ((أما لا)) بكسر الهمزة وفتح اللام وبالإمالة الخفية، وهو الصواب المشهور. قال
القاضي: ضبطه الطبري والأصيلي بكسر اللام، قال: والمعروف في كلام العرب فتحها إلاّ
على لغة من يميل. وقال ابن الأنباري قولهم: إفعل هذا إما لا، معناه: إفعله إن كنت لا تفعل
غيره. وقال ابن الأثير: أصل هذه الكلمة أن وما، فأدغمت النون في الميم، وما زائدة في
اللفظ لا حكم لها، وقد أمالت العرب: لا، إمالة خفية. قال: والعوام يشبعون إمالتها فتصير
ألفها ياء، وهو خطأ، ومعناه: إن لم تفعل هذا فليكن هذا. قوله: ((بالبيت)) خبر: كان، يعني
طواف الوداع لا بد أن يكون آخر العهد به. قال النووي: هو واجب يلزم بتركه دم على
الصحيح عندنا، وهو قول أكثر العلماء. وقال مالك وداود وابن المنذر: هو سنة لا شيء في
تركه. وقال أصحابنا الحنفية: هو واجب على الآفاقي دون المكي والميقاتي، ومن دونهم،
وقال أبو يوسف: أحب إليَّ أن يطوف المكي لأنه يختم المناسك، ولا يجب على الحائض

١٣٥
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٤٥ )
والنفساء، ولا على المعتمر لأن وجوبه عرف نصاً في الحج، فيقتصر عليه ولا على فائت
الحج، لأن الواجب عليه العمرة وليس لها طواف الوداع، وقال مالك: إنما أمر الناس أن يكون
آخر نسكهم الطواف لقوله تعالى: ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾
[الحج: ٣٢]. وقال: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ [الحج: ٣٣]. فمحل الشعائر كلها
وانقضاؤها بالبيت العتيق. قال: ومن أخَّر طواف الوداع وخرج ولم يطف، إن كان قريباً رجع
فطاف، وإن لم يرجع فلا شيء عليه. وقال عطاء والثوري وأبو حنيفة والشافعي في أظهر
قوليه، وأحمد وإسحاق وأبو ثور: إن كان قريباً رجع فطاف، وإن تباعد مضى وإهراق دماً.
واختلفوا في حد القرب، فروي أن عمر، رضي الله تعالى عنه، رد رجلاً من مر الظهران
ولم يكن ودع، وبين مر الظهران ومكة ثمانية عشر ميلاً، وعند أبي حنيفة يرجع ما لم يبلغ
المواقيت، وعند الشافعي: يرجع من مسافة لا تقصر فيها الصلاة. وعند الثوري: يرجع ما لم
يخرج من الحرم. واختلفوا فيمن ودع ثم بدا له في شراء حوائجه. فقال عطاء: يعيد حتى
يكون آخر عهده الطواف بالبيت وبنحوه. قال الثوري والشافعي وأحمد وأبو ثور، وقال مالك:
لا بأس أن يشتري بعض حوائجه وطعامه في السوق، ولا شيء عليه، وإن أقام يوماً أو نحوه
أعاد. وقال أبو حنيفة: لو ودع وأقام شهراً أو أكثر أجزأه. ولا إعادة عليه.
١٧٥٦/٣٣٦ - حدّثنا أصبَغُ بنُ الفَرَجِ قال أُخْبَرَنا ابنُ وَهْبٍ عنْ عَمْرِو بِنِ الحَارِثِ
عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أنَسَ بنَ مالِكِ رضي الله تعالى عنه حدَّثهُ أنَّ النبيَّ عَلَّهِ صَلَّى الظُّهْرَ والْعَصْرَ
والمَغْرِبَ والْعِشَاءِ ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بالمحَصَّبِ ثُمَّ رَكِبَ إِلَى البَيْتِ فَطَافَ بِهِ. [الحديث
١٧٥٦ - طرفه في: ١٧٦٤].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ثم ركب إلى البيت فطاف به)) لأن المراد به طواف
الوداع. فإن قلت: ما وجه قوله: إنه صلى الظهر بالمحصب ورمي هذا اليوم يكون بعد
الزوال؟ قلت: لا بُعد في هذا، لأنه عَّه رمى فنفر فنزل المحصب فصلى الظهر به،
والحديث من أفراده. ورجاله قد ذكروا وابن وهب هو عبد الله بن وهب، وقال الإسماعيلي
تكلم أحمد في حديث عمرو عن قتادة أن أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه، حدث أن
رسول الله عَّ له، فلهذا أتى البخاري بالمتابعة أيضاً. قوله: ((بالمحصب)) الباء فيه متعلق
بقوله: صلى، وقوله: ثم رقد عطف عليه، والمحصب، بفتح الصاد المشددة: اسم لمكان
متسع بين منىّ ومكة، وهو بين الجبلين إلى المقابر، سمي به لاجتماع الحصباء فيه بحمل
السبيل إليه.
تابَعَهُ اللَّيْثُ قال حدَّثني خالِدٌ عنْ سَعِيدٍ عنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسَ بنَ مالِكِ رضي الله تعالى
عنه حدَّثَهُ عنِ النبيِّ عَلّم.
أي: تابع عمرو بن الحارث في روايته لهذا الحديث عن قتادة الليث بن سعد وذكر
هذه المتابعة البزار والطبراني من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث عن الليث عن خالد

١٣٦
٢٥ - كتاب الحَجِّ / باب ( ١٤٦ )
ابن يزيد السكسكي عن سعيد بن أبي هلال، وهما قد تقدما في أول كتاب الوضوء، وذكر
البزار والطبراني أن خالداً تفرد بهذا الحديث عن سعيد، وأن الليث تفرد به عن خالد، وأن
سعيد بن أبي هلال لم يروٍ عن قتادة عن أنس غير هذا.
١٤٦ _ بابٌ إِذَا حاضَتِ المَزْأةُ بَعْدَما أَفَاضَتْ
أي: هذا باب يذكر فيه المرأة إذا حاضت بعدما أفاضت، يعني: بعدما طافت طواف
الإفاضة الذي هو ركن وجواب إذا محذوف تقديره: هل يجب عليها طواف الوداع أم يسقط
عنها بسبب الحيض، وإذا وجب هل يجبر بدم أم لا.
٣٣٧/ ١٧٥٧ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُّ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ
القَاسِمِ عنْ أَبِيهِ عن عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُبَيّ زَوْجَ النبيِّ عَ له
حاضَثَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ عَلَّهِ فقال أحَابِسَتُنَا هِيَ قالُوا إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ قال فَلاَ إِذاً.
[انظر الحديث ٢٩٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((إنها أفاضت قال: فلا إذاً)، وجه ذلك أن حاصل المعنى
أن طواف الوداع ساقط عن الحائض لأنه عَّلَّلِ لما أخبر عن صفية أنها حاضت قال: أحابستنا
هي؟ فلما أخبر أنها قد أفاضت من قبل أن تحيض، قال: فلا إذاً، أي: فلا تحبسنا حينئذ،
لأنها أدت الفرض الذي هو ركن الحج. وهذا قول عوام أهل العلم، وخالف في ذلك طائفة،
فقالوا: لا يحل لأحد أن ينفر حتى يطوف طواف الوداع، ولم يعذروا في ذلك حائضاً
بحيضها، ذكره الطحاوي، وقال ابن المنذر: روي ذلك عن عمر وابن عمر وزيد بن ثابت،
فإنهم أمروا الحائض بالمقام إذا كانت حائضاً لطواف الوداع، فكأنهم أوجبوه عليها كما
يجب عليها طواف الإفاضة، وأسند ابن المنذر عن عمر، رضي الله تعالى عنه، بإسناد صحيح
إلى نافع ((عن ابن عمر، فقال: طافت امرأة بالبيت يوم النحر ثم حاضت، فأمر عمر بحبسها
بمكة بعد أن ينفر الناس حتى تطهر وتطوف بالبيت)). ثم قال: وقد ثبت رجوع ابن عمر وزيد
بن ثابت عن ذلك، وبقي عمر فخالفناه لثبوت حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، وأشار
بذلك إلى أحاديث هذا الباب، وقد روى ابن أبي شيبة من طريق القاسم بن محمد: كان
الصحابة يقولون: إذا أفاضت المرأة قبل أن تحيض فقد فرغت، إلاَّ عمر، رضي الله تعالى عنه،
فإنه كان يقول: آخر عهدها بالبيت، وقد وافق عمر على رواية ذلك عن النبي عَّ له غيره،
فروى أحمد وأبو داود والنسائي والطحاوي، واللفظ لأبي داود. من طريق الوليد بن عبد
الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن أوس الثقفي، فقال: أتيت عمر، رضي الله تعالى عنه،
فسألته عن المرأة تطوف بالبيت يوم النحر، ثم تحيض؟ قال: ليكن آخر عهدها بالبيت. فقال
الحارث، كذلك أفتاني رسول الله عَلَّه، فقال عمر: أربت عن يديك! سألتني عن شيء
سألت عنه رسول الله عَّلَّم لكيما أخالفه، ورواه الترمذي أيضاً ولفظه: ((خررت عن يديك))،
ومعنى: أربت عن يديك، سقطت إرابك، وهو جمع إرب، وهو العضو، ومعنى خررت

١٣٧
٢٥ - كتاب الحَجِّ / باب (١٤٦)
سقطت، وأجاب الطحاوي عن هذا الحديث بأنه نسخ بحديث عائشة المذكور، وبحديث
ابن عباس، رواه الطحاوي فقال: حدثنا يونس، قال: حدثنا سفيان عن ابن طاوس عن أبيه عن
ابن عباس: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلاَّ أنه قد خفف عن المرأة الحائض.
وأخرجه مسلم أيضاً.
فإن قلت: روى الطحاوي أيضاً عن ابن عباس، فقال: حدثنا يونس، قال: حدثنا سفيان
عن سليمان وهو ابن أبي مسلم الأحول عن طاوس ((عن ابن عباس، قال: كان الناس ينفرون
من كل وجه، فقال رسول الله عَّلَّهِ: لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت))،
وهذه الرواية لا تدل على سقوط طواف الوداع عن أحد. قلت: هذا مطلق، والأول مقيد
فيحمل المطلق على المقيد.
قوله: ((حاضت)) أي: بعد أن أفاضت يوم النحر. قوله: ((فذكرت)) أي: عائشة، وروى:
((فذكر)) على صيغة المجهول، قوله: ((أحابستنا؟)) الهمزة فيه للاستفهام، أي: أمانعتنا من
التوجه من مكة في الوقت الذي أردنا التوجه فيه ظناً منه عّ لّم أنها ما طافت طواف الإفاضة.
قوله: ((إنها أفاضت)) أي: طافت طواف الإفاضة. قوله: ((قال: فلا إذاً) أي: قال عَ لَّهِ: أي فلا
حبس علينا حينئذ.
١٧٥٨/٣٣٨ - ١٧٥٩ - حدّثنا أبُو النُّعْمَانِ قال حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ أَيُّوبَ عنْ عِكْرِمَةَ
أَنَّ أَهْلَ المَدِينَةِ سألُوا ابنَ عَبَّاسَ رضي الله تعالى عنهما عنِ امْرَأَةٍ طَافَتْ ثُمَّ حَاضَتْ قَالَ لَهُمْ
تَنْفِرُ قَالُوا لا تَأْخُذُ بِقَوْلِكَ ونَدَعُ قَوْلَ زَيْدٍ قال إِذَا قَدِمْتُمُ المَدِينَةِ فَسَلُوا فَقَدِمُوا المَدِينَةَ فَسَأَلُوا
فَكَانَ فِيمَنْ سَأْلُوا أُمَّ سُلَيْمٍ فَذَكَرَتْ حَدِيثَ صَفِيَّةً.
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فذكرت حديث صفية)) على ما لا يخفى، وأبو
النعمان محمد بن الفضل السدوسي وحماد هو ابن زيد، وأيوب هو السختياني.
قوله: ((إن أهل المدينة)) أي: بعض أهلها، لأن كلهم ما سألوه، وقد رواه الإسماعيلي
من طريق عبد الوهاب الثقفي عن أيوب بلفظ: ((إن ناساً من أهل المدينة)). قوله: ((قال لهم:
تنفر)) أي: قال ابن عباس للذين سألوه: تنفر هذه المرأة التي طافت ثم حاضت. قوله:
((فندع))، بالفاء ونصب: ندع، لأنه جواب النفي، ويروى: ((وندع))، بالواو. قوله: ((قول زيد))،
هو زيد بن ثابت، رضي الله تعالى عنه، وفي رواية عبد الوهاب الثقفي أفتيتنا أو لم تفتنا، زيد
ابن ثابت يقول: لا تنفر. قوله: ((فكان فيمن سألوا أم سليم)) وفي رواية الثقفي: ((فسألوا أم
سليم وغيرها)). وأم سليم، بضم السين: هي أم أنس رضي الله تعالى عنهما، قوله: ((فذكرت))
أي: أم سليم كذا ذكره مختصراً. وساقه الثقفي بتمامه. قال: ((فأخبرتهم أن عائشة قالت
لصفية أفي الخيبة أنت أنك أحابستنا؟ فقال رسول الله عَّةٍ: ما ذاك؟ قالت عائشة: صفية
حاضت. قيل: إنها قد أفاضت قال: فلا إذاً، فرجعوا إلى ابن عباس، فقالوا: وجدنا الحديث
کما حدثتنا)).

١٣٨
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب ( ١٤٦ )
رَوَاهُ خَالِدٌ وَقَتَادَةُ عنْ عِكْرِمَةَ
--
أي: روى الحديث المذكور خالد الحذاء، وقتادة أيضاً عن عكرمة مولى ابن عباس،
۔
فرواية خالد وصلها البيهقي من طريق معلى بن منصور عن هشيم عنه عن عكرمة عن ابن
عباس، قال: إذا طافت يوم النحر ثم حاضت فلتنفر، وقال زيد بن ثابت: لا تنفر حتى تطهر
وتطوف بالبيت، ثم أرسل زيد بعد ذلك إلى ابن عباس، رضي الله تعالى عنهم، أني وجدت
الذي قلت كما قلت، ورواية قتادة وصلها أبو داود الطيالسي في (مسنده) قال: حدثنا هشام -
هو الدستوائي - عن قتادة عن عكرمة قال: اختلف ابن عباس وزيد بن ثابت في المرأة إذا
حاضت وقد طافت بالبيت يوم النحر، فقال زيد: يكون آخر عهدها بالبيت، وقال ابن عباس:
تنفر إن شاءت، فقالت الأنصار: لا نتابعك يا ابن عباس وأنت تخالف زيداً، فقال: سلوا
صاحبتكم أم سليم، فقالت: حضت بعدما طفت بالبيت، فأمرني رسول الله عَ لَّهِ: أن انفري،
وحاضت صفية، فقالت لها عائشة: حبستنا! فأمرها النبي عَ لِّ أن تنفر. وقال بعضهم: طريق
قتادة هذه هي المحفوظة، وقد شذ عباد بن العوام فرواه عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن
أنس مختصراً في قصة أم سليم، أخرجه الطحاوي من طريقه، انتهى. قلت: قال الطحاوي:
حدثنا ابن أبي داود حدثنا سعيد بن سليمان الواسطي قال: حدثنا عباد بن العوام عن سعيد
عن قتادة ((عن أنس أن أم سليم حاضت بعدما أفاضت يوم النحر، فأمرها النبي عَّ لِ أن تنفر))،
إسناده صحيح، ورجاله ثقات، فما باله أن يكون شاذاً، وطريق قتادة لا ينافي أن يكون طريق
غيره محفوظة.
١٧٦٠/٣٣٩ - حدّثنا مُسْلِمٌ قال حدَّثنا وُهَيْبٌ قال حدَّثنا ابنُ طَاؤُسٍ عنْ أَبِيهِ عن
ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال رُخِّصَ لِلْحَائِضِ أنْ تَنْفِرَ إِذَا أَفَاضَتْ. [انظر الحديث
٣٢٩ وطرفه].
... /١٧٦١ _ قال وسَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ يَقولُ إنها لاَ تَنْفِرُ ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ بَعْدُ إِنَّ النبيَّ
عَِّ رَخَّصَ لَهُنَّ. [انظر الحديث ٣٣٠].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((رخص للحائض أن تنفر إذا أفاضت)) لأن الحاصل
من معناه أن الحائض إذا طافت طواف الزيارة، تنفر ولا شيء عليها. ومسلم هو ابن إبراهيم
الفراهيدي، ووهيب بضم الواو: وهو ابن خالد وابن طاوس هو عبد الله، والحديث قد مضى
في: باب المرأة تحيض بعد الإفاضة في كتاب الحيض، فإنه أخرجه هناك عن معلى بن أسد
عن وهيب إلى آخره نحوه، ومر الكلام فيه هناك مستوفىٍ.
قوله: ((رخص) على بناء المجهول، ووقع في رواية النسائي: ((رخص رسول الله عَ لٍّ)).
قوله: ((بعد))، بضم الدال أي: بعد أن قال: لا تنفر، وكان ذلك قبل موت ابن عمر بعام على
ما يجيء. قوله: ((إن النبي، عَّهِ، رخص لهن)) أي: للحيض، وهذا من مراسيل الصحابة. فإن
ابن عمر لم يسمعه من النبي عَّه، والدليل عليه ما رواه الطحاوي، فقال: حدثنا ابن أبي

١٣٩
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٤٦ )
داود، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثنا الليث، قال: حدثنا عقيل ((عن ابن شهاب، قال:
أخبرني طاوس اليماني أنه سمع عبد الله بن عمر يسأل عن حبس النساء عن الطواف بالبيت
إذا حضن قبل النفر وقد أفضن يوم النحر؟ فقال: إن عائشة، رضي الله تعالى عنها، كانت
تذكر من رسول الله عَ ل رخصة النساء، وذلك قبل موت عبد الله بعام)) إسناده صحيح، وأبو
صالح عبد الله بن صالح وراق الليث وشيخ البخاري، وهذا يدل على أنه كان يفتي بمنعهن
عن النفر إلاَّ بالطواف، ثم رجع عن ذلك حين بلغه خبر عائشة قبل موته بسنة. قوله: ((قال:
وسمعت ابن عمر)» أي: قال طاوس: سمعت عبد الله بن عمر، وقوله هذا بالإسناد الأول بينه
النسائي في روايته، وكذلك القائل في قوله: سمعته يقول بعد هو طاووس المذكور فيه،
وليس فيه أن ابن عمر سمع ذلك عن النبي، عَّهِ، وإنما أخبر عن النبي عَِّ أنه رخص لهن،
أي: للنساء اللاتي حضن بعد أن طفن طواف الزيارة أن يتركن طواف الوداع، وهذا هو عين
الإرسال. فافهم.
٣٤٠/ ١٧٦٢ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ قال حدَّثنا أبُو عُوَانَةَ عنْ مَنْصُورَ عنْ إِبْرَاهِيمَ عنِ
الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ خَرَجْنَا مَعَ النبيِّ عَّهِ ولاَ نُرَى إلاَّ الحَجَّ فَقَدِمَ
النبيُّ عَّهِ فِطَافَ بِالْبَيْتِ وبَيْنَ الصَّفَا والمَزْوَةَ وَلَمْ يَحِلَّ وكانَ مَعَهُ الْهَدْيُ فَطافَ مَنْ كانَ
مَعَهُ مِنْ نِسَائِهِ وَحَلَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الْهَدْيُ فَحَاضَتْ هِيَ فَتَسَكْنَا مَنَاسِكَنَا مِنْ حَجِّنَا
فَلَمَّا كانَتْ لَيْلَةُ الحَضْبَةِ لَيْلَهُ النَّفْرِ قالَتْ يا رسولَ اللهِ كُلُّ أَصْحَابِكَ يَرْجِعُ بِحَجّ وعُمْرَةٍ
غَيْرِي قالِ ما كُنْتِ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ لَيالِيَ قَدِمْنَا قُلْتُ لاَ قال فاخْرُجِي مَعَ أخِيكِ إِلَى
التَّعِيمِ فأهِلِي بِعُمْرَةٍ ومَوْعِدُك مَكَانَ كَذا وكَذَا فَخَرَجْتُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ إِلَى النَّْعِيمِ فَأَهْلَلْتُ
بِعُمْرَةَ وحاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيّ فقال النبيُّ عَّهِ عَقْرَى حَلْقَى إِنَّكِ لَحَابِسَتْنَا أَمَا كُنْتِ
طُفْتِ يَوْمَ النَّخْرِ قالَتْ بَلَى قال فَلاَ بَأْسَ انْفِرِي فَلَقِيتُهُ مُصْعِداً عَلَى أهْلِ مَكّةَ وَأنَا مُنْهَبِطَةٌ أَوْ
أنا مُضْعِدَةٌ وهوَ مُنْهَبِطٌ. وقال مُسَدَّدٌ قُلْتُ لاَ. وتَابَعَهُ جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ في قَوْلِهِ لاَ. [انظر
الحديث ٢٩٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((وحاضت صفية))، إلى قوله: (إنفري) فإن فيه:
حاضت صفية بعدما أفاضت، والترجمة: باب إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت، وهذا
الحديث مضى في أول: باب التمتع والإقران، فإنه أخرجه هناك: عن ابن عمر عن جرير عن
منصور عن إبراهيم ... إلى آخره نحوه، وههنا أخرجه: عن أبي النعمان بن المنذر عن
السدوسي عن أبي عوانة، بفتح العين المهملة وتخفيف الواو وبعد الألف نون ساكنة، واسمه
الوضاح بن عبد الله عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي عن الأسود بن يزيد، وتكلمنا
هناك بما يتعلق به من الأمور، ولنتكلم هنا بما لم نذكره هناك، وإن وقع بعض التكرار.
فقوله: ((ليلة الحصبة)، بفتح الحاء وسكون الصاد المهملة وفتح الباء الموحدة، وفي
رواية المستملي: ليلة الحصباء. قوله: ((ليلة النفر)، عطف بيان لليلة الحصبة، والنفر، بفتح
النون وإسكان الفاء وبفتحها أيضاً. قال الجوهري: يقال: يوم النفر وليلة النفر لليوم الذي ينفر

١٤٠
٢٥ - كتاب الحج / باب ( ١٤٦ )
الناس فيه من منىٍ، وهو بعد يوم النفر، وقيل: ليالي المبيت بمنى التي تتقدم النفر من منى
قبلها، فهي شبيهة بليلة عرفة. وقيل: فيه رد على من قال: كل ليلة تسبق يومها إلاَّ ليلة عرفة،
فإن يومها يسبقها، فقد شاركتها ليلة النفر في ذلك. قوله: ((ما كنت تطوفي بالبيت))، أصل:
تطوفي: تطوفين. فحذفت منه النون تخفيفاً. وقيل: حذفها من غير ناصب أو جازم لغة
فصيحة. قوله: ((قلت: لا))، هكذا هو في رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر عن المستملي:
((قلت: بلى)). وهي محمولة على أن المراد: ما كنت أطوف. وقال الكرماني: ما توجيه بلى،
إذ تكون حينئذ متمتعة. فلم أمرها بالعمرة؟ فأجاب: بأن: بلى، تستعمل بحسب العرف
استعمال نعم، مقرراً لما سبق، فمعناه كمعنى كلمة النفي. قوله: ((وحاضت صفية)) أي: في
أيام منىّ، وسيأتي في: باب الإدلاج من المحصب، أن حيضها كان ليلة النفر، وعند مسلم،
زاد الحكم عن إبراهيم: ((لما أراد النبي عَّل أن ينفر إذا صفية على باب خبائها كئيبة حزينة،
فقال: عقرى ... )) الحديث.
قوله: ((عقرى حلقى)) على وزن: فعلى: بغير تنوين، هكذا في الرواية، ويجوز في اللغة
التنوين، وصوبه أبو عبيد لأن معناه الدعاء: بالعقر والحلق، كما يقال: سقيا ورعيا، ونحو ذلك
من المصادر التي يدعى بها. وقد مر تفسيره على أقوال متعددة في: باب التمتع والإقران.
قوله: ((فلا بأس انفري)) هذا تفسير لقوله في الرواية التي مضت في أول الباب، فلا إذاً، وفي
رواية أبي سلمة قال: اخرجوا. وفي رواية عمرة قال: أخرجي، وفي رواية الزهري عن عروة
عن عائشة في المغازي، فلتنفر، ومعانيها متقاربة، والمراد بها كلها الرحيل من منى إلى جهة
المدينة. قوله: ((مصعداً)) بمعنى، صاعداً إذا صعد لغة في صعد. قوله: ((وقال مسدد ... )) إلى
آخره، تعليق لم يقع في رواية أبي ذر، وثبت لغيره. قوله: ((وتابعه جرير))، أي: تابع مسدداً
جرير بن عبد الحميد عن منصور بن المعتمر في قوله: ((لا))، أما رواية مسدد ففي مسنده
برواية أبي خليفة عنه، قال: حدثنا أبو عوانة فذكر الحديث بسنده ومتنه، وقال فيه: ((ما كنت
طفت ليالي قدمنا))، وأما رواية جرير عن منصور فوصلها البخاري في: باب التمتع والإقران
عن عثمان بن أبي شيبة عنه، وقال فيه: ((وما كنت طفت ليالي قدمنا مكة؟ قلت: لا)).
والغرض من السؤال أنك ما كنتٍ متمتعة، فلما قالت: لا، كما رواه مسدد، أمرها بالعمرة.
فإن قلت: لا يلزم من نفي التمتع الاحتياج إلى العمرة لاحتمال أن تكون قارنة. قلت: الأكثر
على أنها كانت قارنة، ورواية مسلم صريحة بقرانها، وأمرها رسول الله عَذّ بالعمرة نافلة
تطبيباً لقلبها حيث أرادت أن تكون لها عمرة منفردة مستقلة، وأما إن كانت مفردة فالأمر
بالعمرة إنما هو على سبيل الإيجاب.
ومن فوائد هذا الحديث: أن طواف الإفاضة ركن، وأن طواف الوداع واجب. وقال
بعضهم، وأن الطهارة شرط لصحة الطواف. قلت: لا نسلم ذلك، فإن هذا الحديث لا يدل
على ذلك. ومنها: أنه يلزم أمير الحاج أن يؤخر الرحيل لأجل من تحيض ممن لم تطف
للإفاضة، ورد هذا باحتمال أن إرادة النبي عَّاللّه تأخير الرحيل إكراماً لصفية، كما احتبس