النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١١٢ )
عيينة عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم.
وأخرجه الترمذي عن بندار عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن منصور عن
إبراهيم عن الأسود عن عائشة، قالت: كنت أقتل قلائد هدي النبي عَِّ، كلها غنماً، ثم لا
يحرم. وقال بعضهم: أردف رواية عبد الواحد برواية منصور عن إبراهيم استظهاراً لرواية عبد
الواحد، لما في حفظ عبد الواحد عندهم، وإن كان هو عنده حجة.
١٧٠٤/٢٨٥ - حدّثنا أبُو نُعَيْمِ قال حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عَائِشَةَ
رضي الله تعالى عنها قالَتْ فَتَلْتُ لِّهَذْىٍ النبي عَلَّهِ تَعْنِي الْقَلَائِدَ قَبْلَ أنْ يُخْرِمَ. [انظر
الحديث ١٦٩٦ وأطرافه].
هذا طريق آخر لحديث عائشة المذكور عن أبي نعيم الفضل بن دكين عن زكريا بن
أبي زائدة عن عامر الشعبي عن مسروق بن الأجدع عنها.
وأخرجه البخاري أيضاً في الضحايا عن أحمد بن محمد عن عبد الله بن المبارك عن
إسماعيل عن الشعبي، وأخرجه مسلم في الحج أيضاً عن سعيد بن منصور عن هشيم عن
إسماعيل به، وعن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبيه عن زكريا به، وعن أبي موسى عن عبد
الوهاب الثقفي عن داود بن أبي هند عن الشعبي. وأخرجه النسائي فيه عن عمرو بن علي عن
يحيى عن إسماعيل به. فإن قلت: هذا الحديث لا يدل ظاهراً على كون القلائد للغنم، فلا
يطابق الترجمة؟ قلت: لفظ الهدي يتناول الغنم أيضاً لأنه فرد من أفراد ما يهدى إلى الحرم،
وأيضاً إرداف هذا الحديث بالحديثين السابقين يدل على أنه مثلهما في حكم قليد الغنم.
١١٢ - بابُ الْقَلائِدِ مِنَ الْعِهْنِ
أي: هذا باب في بيان حكم القلائد من العهن، بكسر العين المهملة وسكون الهاء
وفي آخره نون: وهو الصوف المصبوغ ألواناً. ويقال: كل صوف عهن، والقطعة منه عهنة،
والجمع عهون، ذكره في (الموعب) وفي (المحكم): المصبوغ أي لون كان، وقال ابن
قرقول: هو الأحمر من الصوف.
٢٨٦/ ١٧٠٥ _ حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيّ قال حدَّثْنا مُعاذُ بنُ مُعَاذٍ قال حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ
عنِ الْقَاسِمِ عنْ أمّ المُؤمِنِينَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ فَتَلْتُ قَلَائِدَه مِنْ عِهْنٍ كانَ عِنْدِي.
[انظر الحديث ١٦٩٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وعمرو بن علي بن كثير أبو حفص الصيرفي البصري، ومعاذ
ابن معاذ، بضم الميم وتخفيف العين المهملة وبالذال المعجمة في اللفظين: ابن نصر بن
حسان العنبري التميمي قاضي البصرة، مات سنة ست وتسعين ومائة، وابن عون هو عبد الله
ابن عون أرطبان مر في كتاب العلم.
وأخرجه مسلم في الحج أيضاً عن محمد بن المثنى بأتم من البخاري. وأخرجه أبو

٦٢
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب ( ١١٣ )
داود فيه عن مسدد. وأخرجه النسائي فيه عن الحسن بن محمد الزعفراني.
قوله: ((عن أم المؤمنين))، هي عائشة، رضي الله تعالى عنها، بينه أبو نعيم في
(المستخرج) عن يحيى بن حكيم عن معاذ، وكذا في كتاب الإسماعيلي من وجه آخر عن
ابن عون. قوله: ((فتلت قلائدها))، أي: البدن أو الهدايا. وفي رواية يحيى المذكورة: ((أنا فتلت
تلك القلائد))، ورواه مسلم من وجه آخر عن ابن عون مثله، وزاد: فأصبح فينا حلالاً يأتي ما
يأتي الحلال من أهله.
وفيه: رد على من كره القلائد من الأوبار واختار أن يكون من نبات الأرض. وهو
منقول عن ربيعة ومالك. وقال ابن التين: لعله أراد الأولى مع القول بجواز كونها من الصوف.
١١٣ - بابُ تَقْلِيدِ النَّعْلِ
أي: هذا باب في بيان حكم تقليد الهدي بالنعل، وهو الحذاء، مؤنثة وتصغيرها نعيلة،
تقول: نعلت وانتعلت إذا احتذيت، والألف واللام فيه للجنس يتناول الواحدة وما فوقها، وفي
حكمها خلاف، فعند الثوري: الشرط نعلان فى التقليد، وعند غيره: تجوز الواحدة. وقال
آخرون: لا يتعين النعل في التقليد، بل كل ما قام مقامها يجزىء، حتى أذن الإدارة والقطعة
من المزادة. والحكمة فيه أنه إشارة إلى السفر والجد فيه. وقيل: الحكمة فيه أن العرب تعتد
النعل مركوبة لكونها تقي، عن صاحبها، وتحمل عنه وعر الطريق. فكان الذي أهدى وقلده
بالنعل خرج عن مركوبه عَّلَّم تعالى حيواناً، وغيره فبالنظر إلى هذا يستحب النعلان في
التقليد.
١٧٠٦/٢٨٧ - حدّثنا مُحَمَّدٌ قال أخبرَنا عَبْدُ الأَعْلَى بنُ عَبْدِ الأَعْلَى عنْ مَعْمَرٍ عنْ
يَحْيِى بنِ أبي كثيرٍ عن عِكْرَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أَنَّ نبيَّ الله عَلَّهِ رَأَى
رجُلاً يَسُوقُ بَدَنةً قال ارْكَبْهَا قال إنَّهَا بَدَنَةٌ قال ارْكَبْهَا قال فَلَقَدْ رَأيْتُهُ رَاكِبَهَا يُسَايِرُ النبيَّ
عَ لَه والنَّعْلُ فِي عُنُقِهَا. [انظر الحديث ١٦٨٩ وطرفيه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((والنعل في عنقها)).
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: محمد كذا وقع غير منسوب في رواية الأكثرين، ووقع
في رواية أبي ذر محمد هو ابن سلام، وكذا وقع لابن السكن، وقال الجياني: لعله محمد
ابن المثنى لأنه قال بعد هذا في: باب الذبح قبل الحلق: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد
الأعلى يؤيده ما رواه الإسماعيلي وأبو نعيم في (مستخرجيهما) من طريق الحسن بن سفيان
حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الأعلى فذكرا حديث النعل. الثاني: عبد الأعلى ابن عبد
الأعلى ابن محمد السامي، بالسين المهملة: من بني سامة بن لؤي. الثالث: معمر، بفتح
الميمين: ابن راشد. الرابع: يحيى بن أبي كثير، واسم أبي كثير: صالح بن المتوكل، وقيل
غير ذلك. الخامس: عكرمة مولى ابن عباس، وأما عكرمة بن عمار فهو تلميذ يحيى بن أبي
كثير لا شيخه. السادس: أبو هريرة، رضي الله تعالى عنه.

٦٣
٢٥ - كتاب الحج / باب (١١٤)
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: الإخبار
كذلك. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: أن شيخه إن كان محمد بن سلام فهو
البيكندي البخاري، وهو من أفراده، وإن كان محمد بن المثنى فهو البصري وكذلك عبد
الأعلى ومعمر بصريان ويحيى بن أبي كثير بمامي وعكرمة مدني. وفيه: ثلاثة مذكورون بغير
نسبة. وفيه: من هو اسمه واسم أبيه واحد. وفيه: رواية تابعي عن تابعي. وقيل: يحيى رأى
أنساً يصلي ولم يرو عنه شيئاً.
ذكر معناه: قوله: ((يسوق بدنة))، جملة حالية. قوله: ((قال)) أي: أبو هريرة. قوله:
((فلقد رأيته)) أي: الرجل المذكور. قوله: ((راكبها)) نصب على الحال لأن إضافته لفظية، فهو
نكرة ويجوز أن يكون بدلاً من ضمير المفعول في: رأيته، وقد مر البحث فيه في: باب
ركوب البدن، فإنه أخرج هناك أيضاً عن أبي هريرة من طريق مالك عن أبي الزناد عن الأعرج
عن أبي هريرة.
تابَعَهُ مُحَمَّدُ بنُ بَشّارٍ
ظاهر العبارة أن محمد بن بشار تابع محمد بن المثنى، وقال بعضهم: المتابَع بالفتح
هو معمر، والمتابع بالكسر هو محمد بن بشار ظاهراً، ولكنه في التحقيق هو علي بن
المبارك، ثم قال: إنما احتاج معمر عنده إلى المتابعة لأن في رواية البصريين عنه مقالاً لكونه
حدثهم بالبصرة من حفظه، وهذا من رواية البصريين. انتهى. قلت: الذي يقتضيه حق التركيب
يرد ما قاله على ما لا يخفى، والذي حمله على هذا ذكر علي بن المبارك في السند الذي
يأتي عقيب هذا، وهذا في غاية البعد على ما لا يخفى. غاية ما في الباب: أن السند الذي
فيه علي بن المبارك يظهر أنه تابع معمراً في روايته في نفس الأمر لا في الظاهر، لأن
التركيب لا يساعد ما قاله أصلاً. فافهم.
٢٨٨- حدَّثنا عُثْمانُ بنُ عُمَرَ قال أخبرَنا عَلِيٍّ بنُ الْمُبارَكِ عنْ يَحيى عنْ عِكْرِمةَ
عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه عن النبي عَّ﴾.
أشار بهذا الطريق إلى أن متابعة علي بن المبارك معمراً لما ذكرنا. وفي بعض النسخ،
قال: حدثنا أي: قال البخاري. ويروى: أخبرنا عثمان عن عمر بن فارس البصري. قال: أخبرنا
علي بن المبارك الهنائي البصري عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن أبي هريرة، رضي الله
تعالى عنه.
وأخرجه الإسماعيلي من طريق وكيع عن علي بن المبارك بمتابعة عثمان بن عمر،
وقال: إن حسيناً المعلم رواه عن يحيى بن أبي كثير أيضاً.
١١٤ - بابُ الْجِلاَلِ لِلْبُذْنِ
أي: هذا باب في بيان حكم الجلال المعدة للبدن، وهو بكسر الجيم جمع: جل،
بضم الجيم. وهو الذي يطرح على ظهر الحيوان من الإبل والفرس والحمار والبغل، وهذا من

٦٤
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١١٤ )
حيث العرف، ولكن العلماء قالوا: إن التجليل مختص بالإبل من كساء ونحوها.
وكانَ ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما لاَ يَشُقُّ مِنَ الجِلاَلِ إِلاَّ مَوْضِعَ السَّنامِ وإذَا
نَحَرَهَا نزَعَ جِلاَلَهَا مَخَافَةً أُنْ يُفْسِدَها الدَّمُ ثُمَّ يتَصَدَّقُ بِهَا
هذا التعليق وصل بعضه مالك في (الموطأ) عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يجلل
بدنه القباطي والجلل، ثم يبعث بها إلى الكعبة فيكسوها إياها. وعن مالك أنه سأل عبد الله
ابن دينار: ما كان ابن عمر يصنع بجلال بدنه حين کسیت الكعبة هذه الكسوة؟ قال: كان
يتصدق بها. وقال البيهقي، بعد أن أخرجه من طريق يحيى بن بكير عن مالك: زاد فيه غير
يحيى عن مالك: إلاَّ موضع السنام ... إلى آخر الأثر المذكور. قال المهلب: ليس التصدق
بجلال البدن فرضاً، وإنما صنع ذلك ابن عمر لأنه أراد أن لا يرجع في شيء أهل به لله. ولا
في شيء أضيف إليه، انتهى. وقال أصحابنا: ويتصدق بجلال الهدي وزمامه لأنه عَ لِه أمر
علياً، رضي الله تعالى عنه، بذلك، كما يجيء الآن. والظاهر أن هذا الأمر أمر استحباب.
وقال ابن بطال: كان مالك وأبو حنيفة والشافعي يرون تجليل البدن. ثم اعلم أن فائدة شق
الجل من موضع السنام ليظهر الإشعار ولا يستر تحتها.
٢٨٩/ ١٧٠٧ - حدّثنا قَبِيصةُ قال حدَّثنا سُفْيانُ عن ابنِ أبي نَجِيحِ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ
عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ أبي لَيْلَى عنْ عَلِيّ رضي الله تعالى عنه قال أمَرني رَسولُ اللهِ عَ لَّهِ أَنْ
أَتَصَدَّقَ بِجِلالِ البُدْنِ الَّتِي نَحَرْتُ وبِجُلُودِهَا. [الحديث ١٧٠٧ - أطرافه في: ١٧١٦،
١٧١٧، ١٧١٨، ٢٢٩٩].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وقبيصة، بفتح القاف: ابن عقبة بن عامر السوائي العامري
الكوفي، وسفيان هو الثوري وابن أبي نجيح، بفتح النون وكسر الجيم: واسمه عبد الله بن
يسار المكي، وابن أبي ليلى هو عبد الرحمن بن أبي ليلى واسم أبي ليلى: يسار بن بلال، له
صحبة.
والحديث أخرجه أيضاً في الوكالة عن قبيصة، وأخرجه أيضاً في الحج عن أبي نعيم،
وعن مسدد وعن محمد بن كثير. وأخرجه مسلم في الحج عن ابن أبي شيبة، وعمرو بن
محمد الناقد وزهير بن حرب وعن يحيى بن يحيى وعن إسحاق بن إبراهيم عن سفيان بن
عيينة وعن إسحاق بن إبراهيم عن معاذ بن هشام وعن محمد بن حاتم ومحمد بن مرزوق
وعبد بن حميد. وأخرجه أبو داود فيه عن عمرو بن عون وعن إسحاق بن إبراهيم وعن عمرو
· ابن يزيد وعن عمرو بن علي وعن إسحاق بن منصور. وعن يعقوب بن إبراهيم وعن محمد بن
المثنى وعن محمد بن آدم، وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد بن الصباح وفي الأضاحي عن
محمد بن معمر. وقال البخاري في: باب لا يعطى الجزار من الهدي شيئاً، فأمرني فقسمت
لحمومها، ثم أمرني فقسمت جلالها وجلودها، ولا أعطي عليها شيئاً في جزارتها، وفي لفظ:
وكانت مائة بدنة، والجزارة، بكسر الجيم: اسم الفعل، وبالضم السواقط التي يأخذها الجازر،

٦٥
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١١٥)
قاله ابن التين، وقال ابن الأثير: الجزارة بالضم كالعمالة، ما يأخذه الجزار من الذبيحة من
أجرته، وأصلها أطراف البعير: الرأس واليدان والرجلان سميت بذلك لأن الجزار كان يأخذها
عن أجرته، وقال ابن الجوزي: قال قوم: هي كالخياطة، يريد بها عمله فيها.
١١٥ - بابُ منِ اشْتَرَى هَذْيَهُ مِنَ الطَّرِيقِ وَقَلَّدَهُ
ذكر هذا الباب قبل ثمانية أبواب بقوله: باب من اشترى الهدي من الطريق، وزاد في
هذه الترجمة قوله: وقلده. قوله: ((هديه))، بسكون الدال وفتح الياء آخر الحروف، ويجوز .
بكسر الدال وتشديد الياء، وفي بعض النسخ: وقلدها، بتأنيث الضمير، إما باعتبار أن الهدي
اسم الجنس، أو باعتبار ما صدق عليه الهدي وهو البدنة، ويروى: ببدنة، بالتاء الفارقة بين
اسم الجنس وواحده.
٢٩٠ /١٧٠٨ - حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قال حدَّثنا أَبُو ضَمْرَةَ قال حدَّثْنا مُوسَى بنُ
عُقْبَةَ عنْ نَافِعِ قال أرَادَ ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما الْحَجَّ عامَ حَجَّةِ الحَرُورِيَّةِ فِي عَهْدِ
ابنِ الزُّبَيْرِ رضي الله تعالى عنهما فَقِيلَ لَهُ إِنَّ النَّاسَ كائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ ونَخافُ أنْ يَصُدُّوكَ
فقال ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٍ﴾ إذا أصْنَعَ كَما صنَعٍَ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي أَوْ جَبْتُ
عُمْرَةً حَتَّى كانَ بِظَاهِرِ الْبَيْدَاءِ قال ما شَأْنُ الْحَجِّ والْعُمْرَةِ إلاَّ واحِدٌ أَشْهِدُكُمْ أَنِّي جمعْتُ
حَّةٌ مَعَ عُمْرَةٍ وأهْدَى هَذْياً مُقَلَّداً اشْتَرَاهُ حَتَّى قَدِمَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وبِالصَّفَا وَلَمْ يَزِدْ عَلَى
ذَلِكَ ولَمْ يَخْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَوْمَ النَّحْرِ فَحَلَقَ ونَحَرَ ورَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَهُ
الْحَجَّ والْعُمْرَةَ بِطَوَافِهِ الأوَّلِ ثُمَّ قال كذَلِكَ صَنَعَ النبيُّ عَّله. [انظر الحديث ١٦٣٩
وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وأهدى هدياً مقلداً اشتراه))، وكان الشراء من قديد، كما
صرح بن في الحديث الماضي المذكور في: باب من اشترى الهدي من الطريق، وقد أخرج
هذا الحديث في الباب المذكور: عن أبي النعمان عن حماد عن أيوب عن نافع، قال: قال
عبد الله بن عبد الله بن عمر ... إلى آخره، وهنا أخرجه عن إبراهيم بن المنذر أبي إسحاق
الحزامي المدني، وهو من أفراده عن أبي ضمرة، بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم: واسمه
أنس بن عياض الليثي المدني عن موسى بن عقبة عن أبي عياش الأسدي المدني عن نافع،
مولى ابن عمر، وهم كلهم مدنيون، فاعتبر التفاوت بين متني حديثي البابين.
قوله: ((عام حجة الحرورية))، وفي رواية الكشميهني: ((عام حج الحرورية))،
والحرورية، بفتح الحاء المهملة وضم الراء الأولى: منسوبة إلى قرية من قرى الكوفة، والمراد
بهم الخوارج، وقد مر تحقيقه في: باب لا تقضي الحائض الصلاة. قوله: ((في عهد ابن
الزبير)) يعني: في أيام عبد الله بن الزبير بن العوام. فإن قلت: هذا يخالف قوله في: باب
طواف القارن، ومن رواية الليث عن نافع عام نزل الحجاج بابن الزبير، لأن حجة الحرورية
كانت في السنة التي مات فيها يزيد بن معاوية سنة أربع وستين، وذلك قبل أن يتسمى ابن
عمدة القارىء / ج١٠ / م٥

٦٦
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١١٦ )
الزبير بالخلافة، ونزول الحجاج بابن الزبير كان في سنة ثلاث وسبعين، وذلك في آخر أيام
ابن الزبير. قلت: توجيهه بأحد الأمرين: أحدهما: أن الراوي قد أطلق على الحجاج وأتباعه:
حرورية، لجامع ما بينهم من الخروج على أئمة الحق. والآخر: أن يحمل على تعدد القصة.
قوله: ((فقيل له)) الظاهر أن القائل لابن عمر بهذا القول هو ولده عبد الله، لأنه صرح بذلك
في رواية أيوب عن نافع الذي مضى في: باب من اشترى الهدي من الطريق.
قوله: ((إذاً أصنع كما صنع)) أي: حينئذ أصنع في حجي كما صنع رسول الله عَلّم.
في الحديبية. قوله: ((حتى كان بظاهر البيداء))، ويروى: ((حين كان))، والبيداء هو الشرف
الذي قدام ذي الحليفة إلى جهة مكة، سمي به لأنها ليس فيها بناء ولا أثر، وكل مفازة
بيداء. قوله: ((اشتراه)) أي: من قديد، كما ذكرنا. قوله: ((وبالصفاء))، ويروى: ((وبالصفا
والمروة)). قوله: ((ورأى أن قد قضى))، أي: أدى. قوله: ((الحج))، منصوب بنزع الخافض أي
الحج. قال الكرماني، كما هو مصرح به في بعض النسخ، ويروى: ((طواف الحج))، منصوب
بنزع الخافض أي الحج. قال الكرماني، كما هو مصرح به في بعض النسخ. ويروى: ((طواف
الحج))، بإضافة الطواف إلى الحج. قوله: ((بطوافه الأول)) أي: طوافه الذي وقع أولاً. قال
الكرماني: أي لم يجعل للقران طوافين، بل اكتفى بالأول فقط. وهو مذهب الشافعي حيث
قال: يكفي للقارن طواف واحد. انتهى. قلت: إنما فسر الكرماني بهذا التفسير نصرة لمذهب
إمامه، ولكن لا يتم به دعواه لأنه لا يستلزم قوله: بطوافه الأول، أن يكون طوافاً واحداً في
نفسه، لأن الطوافين يطلق عليهما: الطواف الأول بالنسبة إلى طواف الركن، وهو طواف
الإفاضة، لأنه لا بد من الطواف بعد الوقوف. فافهم. قوله: ((ثم قال: كذلك صنع النبي
عَّله)، ويروى: ((هكذا صنع النبي عَلێ)).
١١٦ - بابُ ذَبْحِ الرَّجُلِ الْبَقَرَ عنْ نِسَائِهِ مِنْ غَيْرِ أُمْرِهِنَّ
أي: هذا باب في بيان حكم ذبح الرجل البقر ... إلى آخره، هذا التقدير على أن يكون
في معنى الترجمة استفهام بمعنى: هل يجزىء ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهن إذا
. وجب عليهن الدم؟ وجوابه يفهم من حديث الباب أنه يجزىء عنهن، وعن هذا قال المهلب
في حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، من الفقه: أنه من كفر عن غيره كفارة يمين أو
كفارة ظهار أو قتل أو أهدى عنه أو أدى عنه ديناً فإن ذلك يكون مجزئاً عنه، لأن نساء النبي
عَّ له لم يعرفن ما أدى عنهن لما وجب عليهن من نسك التمتع.
١٧٠٩/٢٩١ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ يَحيى بنِ سَعِيدٍ عَنْ
عَمْرَةَ بِئْتِ عَبْدِ الرَّحْمنِ قالَتْ سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضِي الله تعالى عنها تَقُولُ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ
الله عَِّ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ لاَ نُرَى إِلَّ الحَجَّ فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رسولُ الله
عَّلَه مَنْ لَمْ يَكُنْ معَهُ هَدْيِّ إذَا طافَ وسَعَى بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ قالَتْ فَدُخِلَ عَيْنَا
يَوْمَ النَّخرِ بِلَحْمٍ بَقَرٍ فَقُلْتُ ما لهذا قال نَحَرَ رسولُ اللهِ عَّهِ عِنْ أَزْوَاجِهِ قال يَحْيَى فَذَكَرْتُهُ

٦٧
٢٥ - كتاب الحَجُ / باب (١١٦)
لِلقَاسِمِ فقال أتَتْكَ بِالحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ. [انظر الحديث ٢٩٤ وأطرافه].
قيل لا مطابقة بين الحديث والترجمة، لأن الترجمة بالذبح والحديث بلفظ النحر.
وأجيب: بأنه أشار بلفظ الذبح إلى ما ورد في بعض طرق الحديث بلفظ: الذبح، وسيأتي هذا
بعد سبعة أبواب في: باب ما يأكل من البدن وما يتصدق، وللعلماء فيه خلاف سيأتي إن شاء
الله تعالى.
ذكر رجاله: وهم خمسة، قد تكرر ذكرهم، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعمرة بنت
عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: الإخبار
كذلك. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: السماع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن رجاله
مدنيون ما خلا شيخ البخاري فإنه تنيسي وهو أيضاً من أفراده. وفيه: رواية التابعي عن التابعية
عن الصحابية. وفيه: عن عمرة، وفي رواية سليمان بن بلال: عن يحيى حدثتني عمرة،
وسيأتي إن شاء الله تعالى.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الجهاد عن القعنبي
عن مالك، وفي الحج أيضاً عن خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال، وأخرجه مسلم في
الحج أيضاً عن القعنبي عن سليمان بن بلال وعن محمد ابن أبي المثنى وعن ابن أبي عمر.
وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين وعن عمرو بن علي وعن
هناد.
ذكر معناه: قوله: ((لخمس بقين))، كذا قالته عائشة لأنها حدثت بذلك بعد أن
انقضى الشهر، فإن كان في الشهر فالصواب أن تقول: لخمس إن بقين، لأنه لا يدري الشهر
كامل أو ناقص. قوله: ((من ذي القعدة))، بفتح القاف وكسرها، سمي بذلكِ لأنهم كانوا
يقعدون فيه عن القتال. قوله: ((لا نرى))، بضم النون وفتح الراء: أي لا نظن إلاَّ الحج، وهذا
يحتمل أن تريد حين خروجهم من المدينة قبل الإهلال، ويحتمل أن تريد إن إحرام من أحرم
منهم بالعمرة لا يحل حتى يردف الحج، فيكون العمل لهما جميعاً، والإهلال منهما، ولا
يصح إرادتها، أن كلهم أحرم بالحج لحديثها الآخر من رواية عمرة عنها، فمنا من أهل
بالحج، ومنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بهما. وقيل: لا نرى إلا الحج أي: لم يقع في
أنفسهم إلاَّ ذلك، وقال الداودي: وفيه دليل أنهم أهلوا منتظرين، وترد عليه رواية: ((لا نذكر
إلا الحج)). قوله: ((أن يحل))، بكسر الحاء أي: يصير حلالاً بأن يتمتع، وأما من معه الهدي،
فلا يتحلل حتى يبلغ الهدي. قوله: ((فدخل علينا)) على صيغة المجهول، بضم الدال. قوله:
(يوم النحر))، بالنصب على الظرفية أي: في يوم النحر. قوله: ((نحر رسول الله عَ له عن
أزواجه)) مقتضاه نحر البقر. قوله: ((فقال أتتك)) أي: قال القاسم بن محمد بن أبي بكر
الصديق، رضي الله تعالى عنهم، أتتك عمرة، رضي الله تعالى عنها، بالحديث الذي حدثته

٦٨
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١١٦ )
على وجهه، يعني: ساقته لك سياقاً تاماً لم تختصر منه شيئاً، ولا غيرته بتأويل ولا غيره،
فذكرت ابتداء الإحرام وانتهاءه حتى وصلوا إلى مكة، وفيه تصديق لعمرة، وإخبار عن حفظها
وضبطها.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: أن نحر البقر جائز عند العلماء إلاّ أن الذبح مستحب عندهم
لقوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ [البقرة: ٦٧]. وخالف الحسن بن صالح
فاستحب نحرها. وقال مالك: إن ذبح الجزور من غير ضرورة أو نحر الشاة من غير ضرورة
لم تؤكل، وكان مجاهد يستحب نحر البقر. قلت: الحديث ورد بلفظ النحر، كما ههنا،
وورد أيضاً بلفظ: الذبح، وعليه ترجم البخاري على ما يأتي إن شاء الله تعالى. قيل: يجوز أن
يكون الراوي لما استوى الأمران عنده عبر مرة بالنحر ومرة بالذبح. وفي رواية ضحى، قال
ابن التين: فإن يكنَّ هدايا فهو أصل مذهب مالك، وإن يكنَّ ضحايا فيحتمل أن تكون واجبة
كوجوب ضحايا غير الحاج. وقال القدوري: المستحب في الإبل النحر، فإن ذبحها جاز
ويكره، وإنما يكره فعله لا المذبوح، والذبح هو قطع العروق التي في أعلى العنق تحت
اللحيين، والنحر يكون في اللبة، كما أن الذبح يكون في الحلق. وفيه: احتجاج جماعة من
العلماء في جواز الاشتراك في هدي التمتع والقران، ومنعه مالك. قال ابن بطال: ولا حجة
لمن خالفه في هذا الحديث لأن قوله: ((نحر عن أزواجه البقر))، يحتمل أن يكون نحر عن
كل واحدة منهن بقرة، قال: وهذا غير مدفوع في التأويل، وردَّ بأنه يدفعه رواية عروة ((عن
عائشة: ذبح رسول الله، عَّ لّهِ، عمن اعتمر من نسائه بقرة))، ذكره ابن عبد البر من حديث
الأوزاعي عن الزهري عن عروة.
وفي (الصحيحين) من حديث جابر: ((ذبح رسول الله عَ لّ عن نسائه بقرة يوم النحر))،
وفي رواية: بقرة في حجته))، وفي رواية: ((ذبحها عن نسائه)). وفي (صحيح الحاكم) على
شرط الشيخين من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة: ((ذبح رسول الله
عَّ لِ عمن اعتمر من نسائه في حجة الوداع بقرة بينهن)). وقال ابن بطال: فإن قيل: إنما نحر
البقرة عنهن على حسب ما أتى عنه في الحديبية أنه نحر البقرة عن سبعة، والبدنة عن سبعة.
قيل: هذه دعوى لا دليل عليها، لأن نحره في الحديبية كان عندنا تطوعاً، والاشتراك في
هدي التطوع جائز على رواية ابن عبد الحكم عن مالك، والهدي في حديث عائشة واجب،
والاشتراك ممتنع في الهدي الواجب، فالحديثان مستعملان عندنا على هذا التأويل، وقال
القاضي إسماعيل: وأما رواية يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة، رضي الله تعالى عنها،
أنه معَِّ نحر عن أزواجه بقرة واحدة، فإن يونس انفرد به وحده، وخالفه مالك فأرسله، ورواه
القاسم وعمرة عن عائشة، رضي الله تعالى عنها: أنه عَّ نحر عن أزواجه البقر، وحدثنا
بذلك أبو مصعب عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، وحدثنا به
القعنبي عن سليمان بن بلال عن يحيى عن عمرة عنها. انتهى. واعلم أن الشاة لا تجزىء إلاَّ
عن واحد، وأنها أقل ما يجب، وذكر بعض شراح (الهداية) أنه إجماع. وقال السكاكي وقال

٦٩
٢٥ - كتاب الحجّ / باب (١١٧ )
مالك وأحمد والليث والأوزاعي: تجوز الشاة عن أهل بيت واحد، وكذا بقرة أو بدنة، والبدنة
تجزىء عن سبعة إذا كانوا يريدون بها وجه الله، وكذا البقرة. وإن كان أحدهم يريد الأكل
لم يجز عن الكل. وكذا لو كان نصيب أحدهم أقل من السبع، ويستوي الجواب إذا كان
الكل من جنس واحد أو من أجناس مختلفة أحدهم يريد جزاء الصيد، والآخر هدي المتعة،
والآخر الأضحية بعد أن يكون الكل لوجه الله تعالى، وهذا استحسان، والقياس أن لا يجوز،
وبه قال زفر، رحمه الله تعالى. وفيه: ما قاله الداودي وهو: النحر عمن لم يأمر، فإن الإنسان
يدركه ما عمل عنه بغير أمره. وأن معنى قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلاَّ ما سعى﴾
[النجم: ٣٩]. أي: لا يكون له ما سعاه غيره لنفسه. وقد قال تعالى: ﴿ولا تنسوا الفضل
بينكم﴾ [البقرة: ٢٣٧]. مع قوله: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن
تراض منكم﴾ [النساء: ٢٩]. فخرج هذا عموماً يراد به الخصوص، ثم بينه بقوله: ﴿ولا
تنسوا الفضل بينكم﴾ [البقرة: ٢٣٧]. وبقوله: ﴿إلاّ أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً﴾ [سورة
الأحزاب: ٦]. وبقوله: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ [النساء: ١١]. فليس للإنسان إلا
ما سعی، أو سعی له.
١١٧ - بابُ النَّخْرِ فِي مَنْحَرِ النبيِّ عَ لّه ◌ِمِنِى
أي: هذا باب في بيان النحر في منحر النبي عَّه. المنحر، بفتح الميم: اسم
الموضع الذي تنحر فيه الإبل، وقال ابن التين: منحر النبي عَّهِ هو عند الجمرة الأولى التي
تلي مسجد منى، وأخرج الفاكهي عن ابن جريج عن عطاء عن طاوس قال: كان منزل النبي
عَِّ بمنىّ عن يسار المصلى. وقال غير طاوس: وأمر بنسائه أن ينزلن جنب الدار بمنى. وأمر
الأنصار أن ينزلوا الشعب وراء الدار. انتهى. والشّعب، هو عند الجمرة المذكورة، وللنحر في
منحر النبي عَِّ فضيلة لما روى مسلم، فقال: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: حدثنا
أبي عن جعفر، قال: حدثني أبي ((عن جابر أن رسول الله عَُّلِه قال: نحرت ههنا، ومنىّ كلها
منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت ههنا، وعرفة كلها موقف، ووقفت ههنا، وجمع كلها
موقف)). وقال النووي: في هذه الألفاظ بيان رفق النبي عَّله بأمته وشفقته عليهم في تنبيههم
عن مصالح دينهم ودنياهم فإنه عَّ ذكر لهم الأكمل والجائز، فالأكمل موضع نحره
ووقوفه، والجائز كل جزء من أجزاء منىّ للنحر، وجزء من أجزاء عرفات، وجزء من أجزاء
مزدلفة. وقال في (شرح المهذب): قال الشافعي وأصحابنا: يجوز نحر الهدي ودماء
الجبرانات في جميع الحرم، لكن الأفضل في حق الحاج النحر بمنىّ، وأفضل موضع في منى
للنحر موضع نحر رسول الله، عَّه، وما قاربه، والأفضل في حق المعتمر أن ينحر في
المروة، لأنها موضع تحليله، كما أن منىّ موضع تحليل الحاج.
قوله: ((فانحروا في رحالكم)) أي: في منازلكم، قال أهل اللغة: رحل الرجل منزله
سواء كان من حجرٍ أو مدر أو شعر أو وبر، ومعنى الحديث: منى كلها يجوز النحر فيها، فلا
تتكلفوا في النحر في موضع تحري، بل يجوز لكم النحر في منازلكم من منىّ، والله أعلم.

٧٠
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب ( ١١٨)
٢٩٢/ ١٧١٠ - حدّثنا إِسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ سَمِعَ خالِدَ بنَ الحَارِثِ قال حدَّثنا عُبَيْدُ الله
ابنُّ عُمَرَ عَنْ نافِعِ أنَّ عَبْدَ الله رضي الله تعالى عنه كانَ يَنْحَرُ في المَنْحَرِ قال عُبَيْدُ الله مَنْحَرٍ
رسولِ الله عَّهِ. [انظر الحديث ٩٨٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: (منحر رسول اله، عَّ ل))، وهذا الحديث من أفراده،
وإسحاق بن إبراهيم هو المعروف بإسحاق بن راهويه، كذلك أخرجه إسحاق في (مسنده)
وأخرجه من طريقه أبو نعيم وخالد بن الحارث أبو عثمان الهجيمي البصري، وهو من أفراد
البخاري، وعبيد الله بن عمر بن الخطاب.
قوله: ((قال عبيد الله))، هو ابن عمر المذكور، ومعناه أن مراد نافع بإطلاق النحر ((هو))
منحر رسول الله عَّله، وقد أخرج البخاري هذا الحديث في الأضاحي أوضح من هذا، فقال:
حدثني محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا خالد بن الحارث ... فذكره. قال: قال عبيد الله:
يعني منحر النبي، عَ﴾.
٢٩٣ /١٧١١ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قال حدَّثنَا أَنَسُ بنُ عِياضٍ قال حدَّثنا مُوسَى
ابْنُ عُقْبَةَ عنْ نافِعِ أنَّ ابنَ عُمرَ رضي الله تعالى عنهما كانَ يَبْعَثُ بِهَذْبِهِ مِنْ جَمْعٍ من آخِرٍ
اللَّيْلِ حَتَّى يُدْخَلَ بِهِ مَنْحَرُ النبيِّ عَِّ مَعَ حُبَّاجٍ فِيهِمُ الْحُرُّ والمَمْلُوكُ. [انظر الحديث
٩٨٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وإنما ذكر حديث موسى بن عقبة عن نافع عقيب الحديث
السابق لكونه مصرحاً بإضافة المنحر إلى رسول الله، عَ ةٍ، في نفس الحديث، وأفاد أيضاً
هذا الحديث أن وقت بعث الهدي إلى المنحر من المزدلفة من آخر الليل.
قوله: ((من جمع))، بفتح الجيم وسكون الميم: هو المزدلفة. قوله: ((حُجاج)) بضم
الحاء: جمع حاج. قوله: ((فيهم الحر والمملوك)). أي في الحجاج، يعني أن ابن عمر لم
يكن يخص في بعث هديه مع الحجاج الحرّ منهم، ولا المملوك، وأشار به إلى أنه لا يشترط
بعث الهدي مع الأحرار دون العبيد.
١١٨ - بابُ منْ نَحَرَ هَذْيَهُ بِيَدِهِ
أي: هذا باب في بيان من نحر هديه بيده، ولم يفوضه إلى غيره، ويأتي حديث هذا
الباب بعد باب آخر بأتم منه بهذا الإسناد بعينه، وهذا الباب بهذه الترجمة لم يثبت إلاَّ في
رواية أبي ذر عن المستملي، ولهذا لا يوجد في أكثر النسخ.
٢٩٤ / ١٧١٢ - حدّثنا سَهْلُ بنُ بَكَّارٍ قال حدثنا وُهَيْبٌ عنْ أَيُّوبَ عنْ أَبِي قِلابَةً عَنْ
أَنَسٍ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ قال ونَحَرَ النبيُّ عَ لّهِ بِيَدِهِ سَبْعَ بُدْنٍ قِياماً وضَخَّى بِالمَدِينَةِ کَبْشَیْنِ
أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْن مخْتَصَراً. [انظر الحديث ١٠٨٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ونحر النبي عَّ بيده سبع بدن)).

٧١
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١١٩ )
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: سهل بن بكار، بفتح الباء الموحدة وتشديد الكاف
أبو بشر الدارمي مر في: باب خرص التمر. الثاني: وهيب بن خالد بن عجلان. الثالث: أيوب
السختياني. الرابع: أبو قلابة، بكسر القاف عبد الله بن زيد الجرمي. الخامس: أنس بن
مالك.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
ثلاثة مواضع. وفيه: أن رجاله كلهم بصريون.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الحج عن موسى بن
إسماعيل عن وهيب ومسدد عن إسماعيل بن علية، وفي الجهاد عن سليمان بن حرب، وعن
قتيبة بن سعيد مقطعاً بعضه في الحج وبعضه في الجهاد. وأخرجه مسلم في الصلاة عن
خلف بن هشام وقتيبة بن سعيد وأبي الربيع الزهراني، وعن زهير بن حرب ويعقوب بن
إبراهيم الدورقي. وأخرجه أبو داود عن موسى بن إسماعيل مقطعاً بعضه في الحج وبعضه في
الأضاحي. وأخرجه النسائي في الصلاة عن قتيبة عن حماد بن زيد به.
ذكر معناه: قوله: ((قال)) أي: أنس. قوله: ((سبع بدن)) بضم الباء جمع بدنة، ویروی:
((سبعة بدن))، وقال التيمي: أراد بالبدن الأبعرة، فلذلك ألحق الهاء بالسبعة. قوله: ((قياماً))
نصب على الحال من البدن. قوله: ((وضحى بالمدينة كبشين))، قال ابن التين: صوابه:
بكبشين، قال صاحب (التوضيح): وكذا هو في أصل ابن بطال. قوله: ((أملحين)) تثنية أملح،
وهو الأبيض يخالطه أدنى سواد. قوله: ((أقرنين)) تثنية أقرن، وهو الكبير القرن.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: نحر الهدي بيده، وهو أفضل إذا أحسن النحر. وفيه: نحره
قائمة، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور. وقال أبو حنيفة والثوري: تنحر باركة وقائمة،
واستحب عطاء أن ينحرها باركة معقولة، وروى ابن أبي شيبة عن عطاء: إن شاء قائمة وإن
شاء باركة، وعن الحسن: باركة أهون عليها، وعن عمر: رأيت ابن الزبير، رضي الله تعالى
عنه، ينحرها وهي قائمة معقولة. وفي (سنن أبي داود) من حديث أبي الزبير عن جابر: أنه
عَ لٍ وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها. قال أبو
الزبير، رضي الله تعالى عنه، وأخبرني عبد الرحمن بن سابط مرسلاً: أنه عَّ له وأصحابه ...
الحديث. وفيه: الأضحية، وسيجيء الكلام فيها. إن شاء الله تعالى.
١١٩ - بابُ نَخرِ الإِبِلِ مُقَيَّدَةً
أي: هذا باب في بيان نحر الإبل حال كونه مقيدة.
٢٩٥/ ١٧١٣ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قال حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعِ عَنْ يُونُسَ عنْ
زِيَادٍ بنِ جُبَيْرٍ قال رأيتُ ابنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما أتَى عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَنَاخَ بَدَنَتَهُ
يَنْحَرُهَا قال ابْعَثْهَا قِياماً مُقَيِّدَةً سُنَّةَ مُحَمَّدٍ عَّ ◌ُلّه وقال شُعْبَةُ عَنْ يُونُسَ أخبرني زِيادٌ.
مطابقته للترجمة في قوله: ((قياماً مقيدة)).

٧٢
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١١٩)
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عبد الله بن مسلمة، بفتح الميمين: القعنبي. الثاني:
يزيد - من الزيادة - ابن زريع تصغير زرع: أبو معاوية العيشي. الثالث: يونس بن عبيد بن
دينار. الرابع: زياد، بكسر الزاي: ابن جبير، بضم الجيم وفتح الباء الموحدة: ابن حية، ضد
الميتة. الخامس: عبد الله بن عمر.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
موضعين. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: الرؤية. وفيه: أن شيخه مدني سكن البصرة،
والبقية بصريون. وفيه: أن زياداً ليس في الصحيحين إلاَّ هذا الحديث، وحديث آخر أخرجه
البخاري في النذر بهذا الإسناد. وأخرجه في الصوم بإسناد آخر إلى يونس بن عبيد، وقد
اشترك زياد بن جبير مع زيد بن جبير في روايتهما عن ابن عمر، وليس بينهما أخوة، لأن زیداً
طائي كوفي، وزياد ثقفي بصري، وقد سبقت رواية زيد بن جبير عن ابن عمر، رضي الله
تعالى عنه، في أوائل الحج.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الحج أيضاً عن يحيى بن يحيى. وأخرجه أبو
داود فيه عن أحمد بن حنبل، وأخرجه النسائي فيه عن يعقوب بن إبراهيم به.
ذكر معناه: قوله: ((قد أناخ بدنته))، أي: أبركها. قوله: ((ينحرها))، جملة حالية، وفي
رواية أحمد عن إسماعيل بن علية: ((لينحرها)). قوله: ((قال)) أي: ابن عمر. قوله: ((ابعثها)) أي:
أثرها. يقال: بعثت الناقة أي أثرتها. قوله: ((قياماً)) مصدر بمعنى قائمة، وانتصابه على الحال
المقدرة، ويقال: معنى ابعثها أقمها، فعلى هذا انتصاب قياماً على المصدرية. وقال الكرماني:
أو عامله محذوف نحو انحرها. قلت: فعلى هذا انتصاب قياماً على الحال بمعنى قائمة يدل
عليه رواية الإسماعيلي: إنحرها قائمة. قوله: ((مقيدة)) نصب على الحال، من الأحوال
المترادفة أو المتداخلة، ومعناه: معقولة برجل وهي قائمة على الثلاث. قوله: ((سنة محمد)،
نصب بعامل محذوف تقديره: اتبع سنة محمد عَّه، في ذلك، ويجوز الرفع على تقدير أن
يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو سنة محمد عَّه، ويدل على ذلك رواية الحربي في
المناسك بلفظ: ((فقال: انحرها قائمة فإنها سنة محمد عَّ له)). وفيه: من الفوائد استحباب
نحر الإبل على الصفة المذكورة. وفيه: تعليم الجاهل وعدم السكوت على مخالفة السنة وإن
كان مباحاً. وفيه: أن قول الصحابي: من السنة كذا، مرفوع عند الشيخين لاحتجاجهما بهذا
الحديث في صحيحيهما. قوله: ((وقال شعبة ... )) إلى آخره تعليق أخرجه إسحاق بن راهويه
في مسنده، قال: أخبرنا النضر بن شميل حدثنا شعبة عن يونس سمعت زياد بن جبير، قال:
انتهيت مع ابن عمر فإذا رجل قد أضجع بدنته وهو يريد أن ينحرها فقال: قياماً مقيدة سنة
محمد عَّله. وقال صاحب (التلويح): التعليق على شعبة رواه العلامة أبو إسحاق إبراهيم بن
إسحاق الحربي في كتاب المناسك عن عمرو بن مرزوق، حدثنا شعبة عن يونس عن زياد بن
جبير فذكره. وقال بعضهم: ليس فيه وفاء مقصود البخاري، فإنه أخرج هناك طريق شعبة لبيان
سماع يونس له من زيادة. انتهى. قلت: إنما قصد صاحب (التلويح): ذكر مجرد الاتصال، مع

:
٧٣
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٢٠ )
قطع النظر عما ذكره.
١٢٠ - بابُ نَخْرِ الْبُدُنِ قَائِمَةً
أي: هذا باب في بيان نحر البدن حال كونها قائمةً. وفي رواية الكشميهني: ((قياماً)).
وقال ابنُ عُمرَ رضي الله تعالى عنهما سُنَّهُ مُحَمَّدٍ عَ لَّهِ
مطابقته للترجمة ظاهرة، وفي بعض النسخ: وقال ابن عمر: سنة محمد، عَّهِ. وهذا
التعليق قد ذكره موصولاً في الباب السابق.
وقال ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما صَوَافَّ قِياماً
أشار به إلى تفسير لفظ: صواف، الذي في قوله تعالى: ﴿فاذكروا اسم الله عليها
صواف﴾ [الحج: ٣٦]. أي: قياماً. كذا أخرجه سعيد بن منصور عن ابن عيينة في (تفسيره)
عن عبد الله بن أبي يزيد عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿فاذكروا اسم الله عليها صواف﴾
[الحج: ٣٦]. قال: قياماً، وصواف، بتشديد الفاء: جمع صافة، بمعنى: مصطفة في قيامها.
وفي (مستدرك) الحاكم من وجه آخر عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، في قوله تعالى:
﴿صوافن﴾ أي: قياماً على ثلاثة قوائم معقولة، وهي قراءة ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه،
وصوافن بكسر الفاء، وفي آخره نون جمع صافنة، وهي التي رفعت إحدى يديها بالعقل لئلا
تضطرب، وعن إبراهيم ومجاهد، رضي الله تعالى عنهما: الصواف على أربعة، والصوافن على
ثلاثة، وعن طاوس ومجاهد: الصواف تنحر قياماً.
٢٩٦ / ١٧١٤ - حدّثنا سَهْلُ بنُ بَكَّارٍ قال حدَّثنا وُهَيْبٌ عنْ أَيُّوبَ عنْ أَبِي قِلاَبَةَ عنْ
أَنَسٍ رضي الله تعالى عنهُ قال صلَّى النبيُّ عَ لِّ الظُّهْرَ بِالمَدِينَةِ أَرْبَعاً والْعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ
رَكْعَتَيْنِ فَبَاتَ بِهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَجَعَلَ يُهَلِّلُ ويُسَبِّحُ فَلَمَّا عَلاَ عَلَى البَيْدَاءِ لَّى
بِهِمَا جَمِيعاً فَلَمَّا دَخَلَ مَكّةَ أُمَرَهُمْ أنْ يَحِلُّوا ونَحَرَ النبيُّ عَلَّهِ بِيَدِهِ سَبْعَ بُدْنٍ قِياماً وضَخَّى
بِالمَدِينَةِ كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ. [انظر الحديث ١٠٨٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ونحر النبي عَّ بيده سبع بدن قياماً))، وقد تقدم هذا
الحديث مختصراً بهذا الإسناد بعينه في: باب من نحر بيده، قبل هذا الباب بباب، وقد ذكرنا
هناك أن هذا الباب، أعني: باب من نحر بيده غير موجود إلاّ في رواية أبي ذر، رضي الله
تعالى عنه، عن المستملي، وقد مضى الكلام فيه هناك مستقصىٍّ.
قوله: ((فبات بها، فلما أصبح) وفي رواية الكشميهني: ((فبات بها حتى أصبح)) أي:
فبات النبي، عَّ له، بذي الحليفة، إلى أن أصبح. قوله: ((لبى بهما))، أي: بالحج والعمرة،
وهذا يصرح بأنه عَ لَه كان قارناً، ولا اعتبار لتأويل من يؤول أن معنى قوله: ((فلبى بهما)) أمر
من أهل بالقران لأنه كان هو مفرداً، لأنه خروج عن معنى يقتضيه التركيب إلى معنى غير
صحيح، يظهر ذلك بأدنى تأمل. قوله: ((أمرهم أن يحلوا)) يعني: لمن لم يكن معهم الهدي.

٧٤
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٢١ )
قوله: ((سبع بدن)) كذا في رواية أبي ذر، وفي رواية كريمة وغيرها: ((سبعة بدن»، وقد ذ کرنا
وجهه في: باب من نحر بيده. قوله: ((قياماً)) نصب على الحال بمعنى قائمة.
٢٩٧ / ١٧١٥ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا إِسْمَاعِيلُ عنْ أَيُّوبَ عنْ أَبِي قِلاَبَةَ عنْ أنَسٍ
ابنِ مَالِكِ رضي الله تعالى عنه قال صَلَّى النبيُّ عَ لَّ الظُّهْرَ بِالمَدِينَةِ أَرْبَعاً وَالْعَصْرَ بِذي
الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ. [انظر الحديث ١٠٨٩ وأطرافه].
هذا طريق آخر في صدر حديث أنس، رضي الله تعالى عنه، المذكور قبله فإنه أخرجه
قبله عن سهيل بن بكار عن وهيب بن خالد عن أيوب، وهذا أخرجه عن مسدد عن إسماعيل
ابن علية عن أيوب السختياني عن أبي قلابة عبد الله بن زيد، وقد ذكرنا في: باب من نحر
بيده، أن البخاري، رضي الله تعالى عنه، أخرج هذا الحديث عن جماعة مفرقاً مختصراً
ومطولاً.
وعَنْ أَيُّوبَ عنْ رَجُلٍ عَنْ أَنَسٍ رضي الله تعالى عنه ثُمَّ بَاتَ حَتَّى أصْبَحَ فَصَلَّى
الصُّبْحَ ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَةُ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ الْبَيْدَاءَ أهَلَّ بِعُمْرَةٍ وحَجَّةٍ.
قال الكرماني: هو إسناد مجهول، لكنه مذكور على سبيل المتابعة، ويحتمل
في المتابعات ما لا يحتمل في الأصول، وقيل: المراد به أبو قلابة. انتهى. ونقل
صاحب (التلويح) عن الداودي أنه قال في آخره: ليس بمسند، لأن بين أيوب وأنس
رجل مجهول، ولو كان عن أبي قلابة محفوظاً لم يكنِّ عنه لجلالة أبي قلابة وثقته،
وإنما يُكنَّى عمن فيه نظر. وقال ابن التين: يحتمل أن يكون أيوب نسيه، وهو ثقة. بل
هو أولى أن يحمل عليه لأنه لو علم أن فيه نظراً لوجب عليه أن يذكر اسمه، أو يسقط
حديثه لا يرويه البتة. انتهى. وقيل: أشار به إلى اختلاف إسماعيل بن علية ووهيب بن
خالد عن أيوب، فساق وهيب عنه بإسناد واحد، وهو الذي روى عن وهيب سهل بن
بكار شيخ البخاري. وإسماعيل روى مرة عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس وهو الذي
روى عنه مسدد شيخ البخاري المذكور آنفاً، ومرة روى إسماعيل عن أيوب عن رجل
عن أنس، رضي الله تعالى عنه، وهذه الطريقة التي أشار إليها البخاري، بقوله: وعن
أيوب عن رجل عن أنس، أي: وروى إسماعيل عن أيوب عن رجل عن أنس. فافهم.
١٢١ - بابٌ لاَ يُعْطَى الْجَزَّارُ مِنَ الهَدْيِ شَيْئاً
أي: هذا باب يذكر فيه: لا يُعطي صاحب الهدي الجزار من الهدي الذي يذبحه
شيئاً، هذا التقدير على أن يكون قوله: ((لا يعطي)) على صيغة المعلوم، والجزار منصوب به،
وعلى تقدير أن يكون: ((لا يُعطى))، على صيغة المجهول، يكون الفاعل محذوفاً، والجزار
مرفوعاً لإسناد الفعل إليه.
٢٩٨ / ١٧١٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ قال أخبرنا سُفْيَانُ قال أخبرني ابنُ أبي نَجِيحٍ

٧٥
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٢١ )
عنْ مُجَاهِدٍ عنُّ عَبْدِ الرَّحمنِ بنِ أبي لَيْلِى عن عَلَيّ رضي الله تعالى عنهُ قال بَعَثَنِي النبيُّ
عَّه فَقُمْتُ عَلَى الْبُدْنِ فأمَرَنِي فَقَسَمْتُ لُحُومَهَا ثُمَّ أَمَرَنِي فَقَسَمْتُ جِلاَلَهَا وُجُلُودَهَا. [انظر
الحديث ٧٠٧ وأطرافه].
... / ١٧١٦ م _ قال سُفْيَانُ (ح) وحدَّثني عَبْدُ الكَرِيمِ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ
ابنِ أبِي لَيْلَى عنْ عَلِيّ رضي الله تعالى عنه قال قال أمرَنِي النبيُّ عَ لَّهِ أَنْ أَقُومَ عَلَى الْبُدْنِ
ولا أعْطِيَ عَلَيْهَا شَيْئاً فِي جِزَارَتِهَا. [انظر الحديث ١٧٠٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ولا أعطي عليها شيئاً في جزارتها)).
ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: محمد بن كثير - ضد القليل - أبو عبد الله العبدي.
الثاني: سفيان الثوري. الثالث: عبد الله بن يسار بن أبي نجيح. الرابع: مجاهد بن جبير.
الخامس: عبد الرحمن بن أبي ليلى يسار. السادس: عبد الكريم بن مالك، مات سنة سبع
وعشرين ومائة. السابع: علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع، وبصيغة الإفراد في
موضعين. وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: العنعنة في ستة مواضع. وفيه:
أن شيخه بصري وسفيان كوفي وابن أبي نجيح ومجاهد مكيان، وعبد الرحمن كوفي وعبد
الكريم جزري. وفيه: القول في أربعة مواضع.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الحج عن أبي نعيم
عن سيف وعن مسدد عن يحيى. وفيه وفي الوكالة عن قبيصة عن سفيان. وأخرجه مسلم
في الحج عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو بن محمد الناقد وزهير بن حرب، ثلاثتهم عن
سفيان ابن عيينة، وعن يحيى بن يحيى وعن إسحاق بن إبراهيم وعن محمد بن حاتم وعن
محمد بن مرزوق وعبد بن حميد. وأخرجه أبو داود فيه عن عمرو بن عون، وعن إسحاق بن
إبراهيم وعن عمران بن يزيد وعن عمرو بن علي وعن يعقوب بن إبراهيم وعن محمد بن
المثنى، وعن محمد بن آدم. وأخرجه ابن ماجه: عن محمد بن الصباح، وفي الأضاحي عن
محمد بن معمر.
ذكر معناه: قوله: ((حدثني ابن أبي نجيح))، ويروى: أخبرني ابن أبي نجيح. قوله:
((قال سفيان))، هو الثوري، وليس بمعلق لأنه معطوف على قوله: أخبرنا سفيان، وقد وصله
النسائي أيضاً، وقال: أخبرنا إسحاق بن منصور حدثنا عبد الرحمن هو ابن مهدي حدثنا
سفيان فذكره. قوله: ((فقمت على البدن)) أي التي أرصدها للهدي، وفي الرواية الأخرى: أن
أقوم على البدن. أي: عند نحرها للاحتياط بها، ولم يقع هنا بيان عدد البدن، ووقع في
الرواية الثالثة أنها: مائة بدنة، ووقع في رواية أبي داود من طريق بن إسحاق عن ابن أبي نجيح
عن مجاهد: نحر النبي عَّه ثلاثين بدنة، وأمرني فنحرت سائرها. والأصح من ذلك ما رواه
مسلم في حديث جابر الطويل: ((ثم انصرف النبي عَّهِ إلى المنحر، فنحر ثلاثاً وستين بدنة،

٧٦
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٢١ )
ثم أعطى علياً، فنحر ما غير، وأشركه في هديه ... )) الحديث، فعرف منه أن البدن كانت مائة
بدنة، وأنه عَّلِ نحر منها ثلاثاً وستين، وأن علياً نحر الباقي. فإن قلت: كيف الجمع بينه
وبين رواية بن إسحاق؟ قلت: النبي عَِّ نحر ثلاثين، ثم أمر علياً أن ينحر فنحر سبعاً
وثلاثين، مثلاً، ثم نحر النبي عَّهِ ثلاثاً وثلاثين، هذا بطريق يتأتى ذلك، وإلاَّ فالذي رواه
مسلم أصح والله أعلم. قوله: ((في جزارتها)) قال ابن التين: الجزارة، بالكسر اسم للفعل،
وبالضم اسم للسواقط، وقد استقصينا الكلام فيه في: باب، الجلال للبدن، وعلى ما ذكره ابن
التين ينبغي أن تقرأ: الجزارة، بالكسر. قيل: وبه صحت الرواية، فإن صحت بالضم جاز أن
يكون المراد لا يعطي من بعض الجزور أجرة الجزار.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: جواز التوكيل في القيام على مصالح الهدي من ذبحه
وقسمة لحمه وغير ذلك. وفيه: قسمة جلاله وجلوده يعني بين الفقراء لقول علي، رضي الله
تعالى عنه: أمرني رسول الله عَّ أن أقوم على بدنه وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها،
وأن لا أعطي أجر الجزار منها. وقال: نحن نعطيه من عندنا. وفيه: أنه لا يعطى أجرة الجزارة
من لحم الهدي. وقال ابن خزيمة: النهي عن إعطاء الجزار: المراد به أنه لا يعطى منها عن
أجرته، وكذا قال البغوي في (شرح السنة): قال: وأما إذا أعطي أجرته كاملة ثم تصدق عليه
إذا كان فقيراً كما يتصدق على الفقراء فلا بأس بذلك. وقيل: إعطاء الجازر على سبيل
الأجرة ممنوع لكونه معاوضة، وأما إعطاؤه صدقة أو هدية أو زيادة على حقه فالقياس الجواز،
ولكن إطلاق الشارع ذلك قد يفهم منه منع الصدقة لئلا تقع مسامحة فدي الأجرة لأجل ما
يأخذه فيرجع إلى المعاوضة. وقال القرطبي: ولم يرخص في إعطاء الجزار منها في أجرته إلا
الحسن البصري وعبد الله بن عبيد بن عمير. وفيه: من استدل به على منع بيع الجلد. قال
القرطبي: وفيه: دليل على أن جلود الهدي وجلالها لا تباع لعطفها على اللحم وإعطائها
حكمه. وقد اتفقوا على أن لحمها لا يباع، فكذلك الجلود والجلال. وأجازه الأوزاعي
وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وهو وجه عند الشافعية، قالوا: ويصرف ثمنه مصرف الأضحية،
واستدل أبو ثور على أنهم اتفقوا على جواز الانتفاع به، فكل ما جاز الانتفاع به جاز بيعه،
وعورض باتفاقهم على جواز الأكل من لحم هدي التطوع، ولا يلزم من جواز أكله جواز
بيعه. وفي (التوضيح): واختلفوا في بيع الجلد، فروي عن ابن عمر: أنه لا بأس بأن يبيعه
ويتصدق بثمنه، قاله أحمد وإسحاق، وقال أبو هريرة: من باع إهاب أضحيته فلا أضحية له،
وقال ابن عباس: يتصدق به أو ينتفع به ولا يبيعه. وعن القاسم وسالم: لا يصح بيع جلدها،
وهو قول مالك: وقال النخعي والحاكم: لا بأس أن يشتري به الغربال والمنخل والفأس
والميزان ونحوها، وقال القدوري ويتصدق بجلدها. وقال صاحب (الهداية) لأنه جزء منها أو
يعمل منه آلة تستعمل في البيت كالنطع والجراب والغربال ونحو ذلك، وقال صاحب
(الهداية): ولا بأس بأن يشتري بجلد أضحيته متاعاً للبيت لأنه أطلق له الانتفاع دون البيع،
فكل ما كان في معنى الانتفاع يجوز وما لا فلا. وقال محمد في (نوادر هشام): ولا يشتري

٧٧
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٢٢ )
به الخل والبزر، وله أن يشتري ما لا يؤكل مثل: الغربال والثوب، ولو اشترى باللحم خبزاً جاز
لأنه ينتفع به كما ينتفع باللحم، إذ اللحم لا يؤكل مفرداً وإنما يؤكل مع الخبز، ولو اشترى
· باللحم متاع البيت لا يجوز، وقال شيخ الإسلام خواهر زاده: الجواب في اللحم كالجواب
في الجلد: إن باعه بالدراهم تصدق بثمنه، وإن باعه بشيء آخر ينتفع به كما في الجلد.
انتهى. وقال عطاء: إن كان الهدي واجباً تصدق بإهابه، وإن كان تطوعاً باعه إن شاء في
الدين. وكان ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، يكسو جلالها الكعبة، فلما كسيت الكعبة
تصدق بها. وقال النووي: قالوا: يستحب أن يكون قيمة الجلال ونفاستها بحسب حال
الهدي، وكان بعض السلف يجلل بالوشي، وبعضهم بالحيرة، وبعضهم بالقباطي والملاحف
والأزر.
١٢٢ - بابٌ يُتَصَدَّقُ بِجُلُودِ الْهَدْيِ
أي: هذا باب يذكر فيه أنه يتصدق صاحب الهدي بجلود هديه.
٢٩٩ / ١٧١٧ - حدَّثْنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا يَحْتَى عنِ ابنِ جُرَيْج قال أخبرَنِي الْحَسَنُ بنُ
مُسْلِمٍ وعبْدُ الكَرِيمِ الجَزْرِيُّ أنَّ مُجَاهِداً أخبَرَهُمَا أنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ بنِ أبِي لَيْلَى أَخْبَرَهُ أنَّ عَلِيّاً
رضي الله تعالى عنه أُخْبَرهُ أنَّ النبيَّ عَِّ أَمَرَهُ أَنْ يَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ وَأَنْ يَقْسِمَ بُدْنَهُ كُلَّها
لُحومَها ومُجُلُودَها وجِلالَهَا ولاَ يُعْطِيَ فِي جِزَارَتِهَا شَيْئاً. [انظر الحديث ١٧٠٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وأصل هذا الحديث مر في: باب الجلال للبدن، فإنه أخرجه
هناك عن: قبيصة عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى
عن علي، رضي الله تعالى عنه ... إلى آخره، وأخرجه أيضاً في الباب السابق: عن محمد بن
كثير عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي،
ولهذا الحديث طرق مختلفة، وذلك لأن في طريق هذا الباب: أن ابن جريج يروي عن
الحسن بن مسلم وعبد الكريم الجزري عن مجاهد، وفي طريق الباب السابق يروي سفيان
عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وكذلك في طريق حديث: باب الجلال للهدي، ويروي
سفيان أيضاً عن عبد الكريم عن مجاهد، ويروي عن سفيان في أحد الطريقين قبيصة، وفي
الآخر محمد بن كثير، وساق البخاري حديث الباب بلفظ الحسن بن مسلم، وأما لفظ عبد
الكريم فقد أخرجه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: أخبرنا أبو خيثمة عن عبد الكريم
عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ((عن علي، رضي الله تعالى عنه، قال: أمرني رسول
الله عَ لِ أن أقوم على بدنه، وأن أتصدق بلحمها وجلودها، وأن لا أعطي الجزار منها، قال:
نحن نعطيه من عندنا)). وبقية الكلام فيه قد مرت في الأبواب المذكورة.
١٢٣ - بابٌ يُتَصَدَّقُ بِجِلاَلِ البُدْنِ
أي: هذا باب يذكر فيه: يتصدق صاحب الهدي بجلال البدن.

٧٨
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٢٤ )
٣٠٠/ ١٧١٨ - حدّثنا أَبُو نُعَيْم قال حدَّثنا سَيْفُ بنُ أبي سُلَيْمَانَ قال سَمِعْتُ مُجَاهِداً
يَقُولُ حدَّثَنِي ابْنُ أبِي لَيْلَى أَنَّ عَلِيّاً رضي الله تعالى عنه حدَّثَهُ قال أهْدَى النَّبيُّ عَ لِ مِائَةً
بَدَنَةٍ فأمَرَنِي بِلُحُومِهَا فَقَسَمْتُهَا ثُمَّ أمرَنِي بِجِلاَلِهَا ثُمَّ بِجُلُودِهَا فَقَسَمْتُهَا. [انظر الحديث
١٧٠٧ وأطرافه].
هذا طريق آخر عن مجاهد أخرجه أبو نعيم الفضل بن دكين عن سفيان بن أبي
سليمان المخزومي المكي، ويقال: سيف بن سليمان، تقدم في أبواب القبلة، وابن أبي ليلى
هو عبد الرحمن.
وفيه: من الفوائد: أنه عين كمية بدن النبي، عَّلِّ، بأنها مائة بدنة.
١٢٤ - بابٌ ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيْتِ لاَ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وِطَهْزِ بَيْتِيٍ
لِلطَّائِفِينَ والْقَائِمِينَ وِالرُّكَّعِ السُّجُودِ وأذِنْ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وعَلَى كُلِّ
ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجَ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ الله فِي أَيَّامِ
مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رِزَقَّهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وأطْعِمُوا الْبَائِشَ الفَقِيرَ ثُمّ
لِيَقْضُوا تفَتُهُمْ ولْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالَّبَيْتِ الْعَتِيقِ ذَلِكَ ومَنْ يُعَظِّمُ حُرُمَاتِ الله
فَهْوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٦-٣٠].
أي: هذا باب يذكر فيه قوله تعالى: ﴿وإذ بؤَأنا﴾ الآيات إلى قوله: ﴿خير له عند
ربه﴾، هذا وقع في رواية كريمة، وقال بعضهم: والمراد منها ههنا قوله تعالى: ﴿فكلوا منها
وأطعموا البائس الفقير﴾ ولذلك عطف عليها في الترجمة، وما يأكل من البدن وما يتصدق،
أي لبيان المراد من الآية. انتهى. قلت: هذا الذي قاله إنما يمشي أن لو لم يكن بين هذه
الآيات وبين قوله: ((ما يأكل من البدن وما يتصدق)) باب، لأن المذكور في معظم النسخ بعد
قوله: ﴿فهو خير له عند ربه﴾ باب ما يأكل من البدن وما يتصدق، وأين العطف في هذا
وكل واحد من البابين ترجمة مستقلة؟ والظاهر أنه ذكر هذه الآيات ترجمة ولم يجد فيها
حديثاً يطابقها، إما لأنه لم يجده على شرطه، أو أدركه الموت قبل أن يضعه. ووجه آخر وهو
أقرب منه: هو أن هذه الآيات مشتملة على أحكام: ذكر هذه الآيات تنبيهاً على هذه
الأحكام، وهي تطهير البيت للطائفين والمصلين من الأصنام والأوثان والأقذار، وأمر الله تعالى
لرسوله أن يؤذن للناس بالحج، وذلك في حجة الوداع على ما نذكره عن قريب، وشهود
المنافع الدينية والدنياوية المختصة بهذه العبادة، وذكر اسم الله تعالى في أيام معلومات، وهي
عشر ذي الحجة على قول، وشكرهم له على ما رزقهم من الأنعام يذبحون، والأمر بالأكل
منها وإطعام الفقير. وقضاء التفث مثل حلق الرأس ونحوه، والوفاء بالنذر والطواف بالبيت
العتيق وتعظيم حرمات الله تعالی.
قوله: ((وإذ بوأنا)) أي: اذكر إذ جعلنا لإبراهيم مكان البيت مباءة ومرجعاً يرجع إليه
للعبادة والعمارة، يقال: بوأ الرجل منزلاً أعده، وبوأه غيره منزلاً أعطاه، وأصله: إذا رجع، واللام

٧٩
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٢٤ )
في: لإبراهيم، مقحمة لقوله تعالى: ﴿بوأنا بني إسرائيل﴾ [يونس: ٩٣]. وقوله: ﴿تُبَویء
المؤمنين﴾ [آل عمران: ١٢١]. قوله: ((مكان البيت)) أي: موضع الكعبة. قيل: المكان جوهر
يمكن أن يثبت عليه غيره، كما أن الزمان عرض يمكن أن يحدث فيه غيره. فإن قيل: كيف
يكون النهي عن الإشراك والأمر بالتطهير تفسيراً للتبوئة؟ أجيب: بأنه كانت التبوئة مقصودة من
أجل العبادة، فكأنه قيل: وإذا تعبدنا إبراهيم قلنا له: لا تشرك بي شيئاً وطهر بيتي من الأصنام
والأوثان. قوله: ((والقائمين))، أي: المصلين، لأن الصلاة قيام وركوع وسجود، والركع جمع:
راكع، والشّجد جمع: ساجد، لم يذكر الواو بين الركع والسجد، وذكر بين القائمين والركع
لكمال الاتصال بين الركع والسجد، إذ لا ينفك أحدهما عن الآخر في الصلاة فرضاً أو نفلاً،
وينفك القيام من الركوع، فلا يكون بينهما كمال الاتصال. قوله: ((وأذن)) أي: نادٍ، عطف
على قوله: ﴿وطهر﴾ والنداء بالحج أن يقول: حجوا. أمر إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، أن
يؤذن في الناس بالحج، وقال إبراهيم، عليه الصلاة والسلام: يا رب! وما يبلغ صوتي؟ قال:
أذن وعلي البلاغ، وعن الحسن أن قوله: ﴿وأذن في الناس بالحج﴾ كلام مستأنف، وأن
المأمور بهذا التأذين محمد عَّ له، أمر أن يفعل ذلك في حجة الوداع.
قوله: ((رجالاً)) أي: مشاة على أرجلهم، جمع راجل مثل: قائم وقيام، وصائم وصيام.
قوله: ((وعلى كل ضامر)) أي: وركباناً، والضامر البعير المهزول، وانتصاب رجالاً على أنه
حال، وعلى كل ضامر أيضاً حال معطوفة على الحال الأولى. قوله: ((يأتين))، صفة لكل
ضامر في معنى الجمع، أراد: النوق. قوله: ((من كل فج عميق)) أي: طريق بعيد. قوله:
((ليشهدوا))، أي: ليحضروا منافع لهم مختصة بهذه العبادة من أمور الدين والدنيا، وقيل:
المنافع التجارة، وقيل: العفو والمغفرة. قوله: ((في أيام معلومات))، يعني: عشر ذي الحجة،
وقيل: تسعة أيام من العشر، وقيل: يوم الأضحى وثلاثة أيام بعده، وقيل: أيام التشريق، وقيل:
إنها خمسة أيام أولها يوم التروية: وقيل: ثلاثة أيام أولها يوم عرفة، والذكر ههنا يدل على
التسمية على ما نحر لقوله: ﴿على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ [الحج: ٢٨ و٣٤]. يعني:
الهدايا والضحايا من الإبل والبقر والغنم والبهيمة، مبهمة في كل ذات أربع في البر والبحر،
فبينت بالأنعام، وهي الإبل والبقر والضأن والمعز. قوله: ((فكلوا منها)) الأمر بالأكل منها أمر
إباحة لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من نسائكهم، ويجوز أن يكون ندباً لما فيه من
مواساة الفقراء ومساواتهم، واستعمال التواضع. قوله: ((وأطعموا البائس))، أي: الذي أصابه
بؤس، أي: شدة الفقر، وذهب الأكثرون إلى أنه ليس بواجب، قوله: ((ثم ليقضوا تفثهم))، قال
عطاء عن ابن عباس: التفث، حلق الرأس وأخذ الشارب ونتف الإبط وحلق العانة وقص
الأظفار والأخذ من العارضين ورمي الجمار والوقوف بعرفة، وقيل: مناسك الحج، والتفث في
الأصل: الوسخ والقذارة من طول الشعر والأظفار والشعث، وقضاؤه نقضه، وإذهابه. وقال
الزجاج: أهل اللغة لا يعرفون التفث إلاَّ من التفسير، وكأنه الخروج من الإحرام إلى الإحلال.
قوله: ((وليوفوا نذورهم))، أي: نذور الحج والهدي، وما ينذر الإنسان من أعمال البر في

٨٠
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٢٥ )
حجهم. قوله: ((وليطوفوا))، أراد الطواف الواجب وهو طواف الإفاضة، والزيارة الذي يطاف
بعد الوقوف، أما يوم النحر أو بعده. قوله: ((بالبيت العتيق)) أي: بالكعبة، سمي العتيق لقدمه
أو لأنه أعتق من أيدي الجبابرة، فلم يصلوا إلى تخريبه، فلم يظهر عليه جبار ولم يسلط عليه
إلاَّ من يعظمه ويحترمه، وقيل: لأنه لم يملك قط. وقيل: لأنه أعتق من الغرق يوم الطوفان.
١٢٥ - بابُ ما يأكُلُ مِنَ الْبُذْنِ وَمَا يَتَصَدَّقُ
أي: هذا باب فيه بيان ما يأكل صاحب الهدي من البدن وما يتصدق منها أراد ما
يجوز له الأكل، وما يجب عليه أن يتصدق، وفي بعض النسخ: باب ما يؤكل، على صيغة
المجهول أي: باب في بيان ما يجوز الأكل منها وما يتصدق منها، وهو على صيغة
المجهول أيضاً على هذه النسخة.
وقَالَ عُبَيْدُ الله أخبَرَني نافِعٌ عَنِ ابنِ عُمرَ رضي الله تعالى عنهُما لاَ يُؤْكَلُ مِنْ جَزَاءِ
الصَّيْدِ وَالنَّذْرِ ويُؤْكَلُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ
مطابقته للترجمة ظاهرة، وعبيد الله هو ابن عمر العمري، وهذا تعليق وصله ابن أبي
شيبة عن ابن نمير عنه بمعناه. قال: ((إذا عطبت البدنة أو كسرت أكل منها صاحبها ولم يبدلها
إلاَّ أن تكون نذراً أو جزاء صيد)). ورواه الطبراني من طريق القطان عن عبيد الله بلفظ التعليق
المذكور. قوله: ((لا يؤكل)) أي: لا يأكل المالك من الذي جعله جزاءً لصيد الحرم، ولا من
المنذور، بل يجب التصدق بهما. وبه قال أحمد في رواية، وهو قول مالك، وزاد: ((إلاّ فدية
الأذى))، وعن أحمد: لا يؤكل إلاَّ من هدي التطوع والمتعة والقران، وهو قول أصحابنا، بناء
على أن دم التمتع والقران دم نسك لا دم جبران، وذكر ابن المواز عن مالك أنه يأكل من
الهدي النذر، إلاَّ أن يكون نذره للمساكين، وكذلك ما أخرجه بمعنى الصدقة لا يأكل منه،
وكان الأوزاعي يكره أن يأكل من جزاء الصيد أو فدية أو كفارة، ويأكل النذور وهدي التمتع
والتطوع. وفي (التوضيح): واختلف أهل العلم في هدي التطوع إذا عطب قبل محله، فقالت
طائفة: صاحبه ممنوع من الأكل منه، روي ذلك عن ابن عباس، وهو قول مالك وأبي حنيفة
والشافعي، ورخصت طائفة في الأكل منه، روي ذلك عن عائشة وابن عمر، رضي الله تعالى
عنهم.
أي: قال عطاء بن أبي رباح: يأكل من جزاء الصيد والنذر، ويطعم من المتعة أي من
الهدي الذي يسمى بدم التمتع الواجب على المتمتع، وهذا التعليق وصله عبد الرزاق عن ابن
جريج عنه، وروى سعيد بن منصور من وجه آخر عن عطاء: لا يؤكل من جزاء الصيد ولا مما
جعل للمساكين من النذور وغير ذلك، ولا من الفدية، ويؤكل ما سوى ذلك، وروى عبد بن
حميد من وجه آخر عنه: إن شاء أكل الهدي والأضحية، وإن شاء لم يأكل.
١٧١٩/٣٠١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا يَخْيَى عَنِ ابنِ جُرَيْج قال حدثنا عَطَاءٌ سَمِعَ
جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهما يَقُوُل كُنَّا لا نأكُل من لُخَومٍ بُدْنِنا فَوقَ ثَلاث مِنّى