النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (٩٩)
الله تعالى عنه، وهو من رواية الكوفيين مع كونه موقوفاً، ومع كونه لم يروه ويترك ما روي
عن أهل المدينة وهو مرفوع، وقال ابن عبد البر: وأنا أعجب من الكوفيين حيث أخذوا بما
رواه أهل المدينة. وهو: أن يجمع بينهما بأذان وإقامة واحدة. وتركوا ما رووه في ذلك عن
ابن مسعود، مع أنهم لا يعدلون به أحداً؟ قلت: لا تعجب ههنا أصلاً، أما وجه ما فعله مالك
فلأنه اعتمد على صنيع عمر، رضي الله تعالى عنه، في ذلك وإن كان لم يروه في (الموطأ)،
وأما الكوفيون فإنهم اعتمدوا على حديث جابر الطويل الذي أخرجه مسلم: ((أنه جمع بينهما
بأذان واحد وإقامتين))، وهو أيضاً قول الشافعي في القديم، ورواية عن أحمد، وقول ابن
الماجشون، وقووا ذلك أيضاً بالقياس على الجمع بين الظهر والعصر بعرفة. وفيه: حجة
للحنفية على ترك الجمع بين الصلاتين في غير عرفة وجمع، وقال بعضهم: وأجاب
المجوزون بأن من حفظ حجة على من لم يحفظ، وقد ثبت الجمع بين الصلاتين من
حديث ابن عمر وأنس وابن عباس وغيرهم، وأيضاً فالاستدلال به إنما هو من طريق المفهوم
وهم لا يقولون به، وأما من قال به فشرطه أن لا يعارضه منطوق، وأيضاً فالحصر فيه ليس
على ظاهره لإجماعهم على مشروعية الجمع بين الظهر والعصر بعرفة. قلت: قد استقصينا
الكلام فيه في كتاب الصلاة في: باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء، وقوله: وهم لا
يقولون به، أي: بالمفهوم ليس على إطلاقه، لأن المفهوم على قسمين مفهوم موافقة ومفهوم
مخالفة، وهم قائلون بمفهوم الموافقة لأنه فحوى الخطاب كما تقرر في موضعه. وفيه: أنه
صلى بعد المغرب ركعتين. فإن قلت: قد تقدم أنه لم يسبح بينهما؟ قلت: قال الكرماني: لم
يشترط في جمع التأخير الموالاة، فالأمران جائزان، والأحسن في هذا ما قاله الطحاوي،
رحمه الله، وهو: أنه اختلف عن النبي عَّه في الصلاتين بمزدلفة هل صلاهما معاً أو عمل
بينهما عملاً؟ ففي حديث ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما السابق: ولم يسبح بينهما. وفي
حديث ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه: هذا وصلى بعدها ركعتين، ثم قال في آخر
الحديث، رأيت النبي، عَّهِ، يفعله، فلما اختلفوا في ذلك وكانت الصلاتان بعرفة تصلى
إحداهما في إثر صاحبتها ولا يعمل بينهما عمل، فالنظر على ذلك أن تكون الصلاتان بمزدلفة
كذلك، ولا يعمل بينهما عمل قياساً عليهما، والجامع كون كل واحدة منهما فرضاً في حق
محرم بحج في مكان مخصوص ليتدارك الوقوف بعرفة والنهوض إلى الوقوف بمزدلفة فافهم.
٩٩- بابُ منْ قَدَّمَ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ بِلَيْلٍ
فَيَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ ويَدْعُونَ ويُقَدِّمُ إذَا غَابَ القَمَرُ
أي: هذا باب في بيان شأن من قدم ضعفة أهله، و: الضعفة، بفتح العين: جمع
ضعيف، وقال ابن حزم: الضعفة هم الصبيان والنساء فقط. قلت: يدخل فيه المشايخ
العاجزون لأنه روي عن ابن عباس أن رسول الله عَ ليه قدم ضعفة بني هاشم وصبيانهم بليل،
رواه ابن حبان في (الثقات): وقوله: ضعفه بني هاشم، أعم من النساء والصبيان والمشايخ

٢٢
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (٩٩)
العاجزين وأصحاب الأمراض، لأن العلة خوف الزحام عليهم، وعن ابن عباس: (أرسلني رسول
الله عَّالله في ضعفة أهله، فصلينا الصبح بمنىّ ورمينا الجمرة))، رواه النسائي. وقال المحب
الطبري: لم يكن ابن عباس من الضعفة، وما رواه النسائي يرد عليه. قوله: ((بليل)) أي: في
ليل، والباء تتعلق بقوله: ((قدم)) وتقديمهم من منزلهم الذي نزلوا به بجمع. قوله: ((ويدعون
بالمزدلفة)) يعني: يذكرون الله ما بدا لهم، قوله: ((ويقدم إذا غاب القمر)) بيان لقوله: بليل،
لأن قوله: بليل، أعم من أن يكون في أول الليل أو في وسطه أو في آخره. وبينه بقوله: ((إذا
غاب))، لأن مغيب القمر تلك الليلة يقع عند أوائل الثلث الأخير، ومن ثمة قيده الشافعي
وأصحابه بالنصف الثاني، وروى البيهقي من حديث ابن عباس: أن النبي عَِّ كان يأمرٍ
نساءه وثقله في صبيحة جمع أن يفيضوا مع أول الفجر بسواد، وأن لا يرموا الجمرة إلاّ
مصبحين، وروى أبو داود ((عن ابن عباس، قال: كان رسول الله عَ لّه يقدم ضعفة أهله بغلس
ويأمرهم، يعني: لا يرمون الجمرة حتى تطلع الشمس))،، وقال الكرماني: ويقدم بلفظ
المفعول والفاعل قلت: أراد بلفظ البناء للمجهول، والبناء للمعلوم ففي الأول يرجع الضمير
إلى الضعفة، فيكون مفعولاً وفي الثاني يرجع إلى لفظ: من فيكون فاعلاً، فافهم.
١٦٧٦/٢٥٩ - حدّثنا يحيى بنُ بُكَيْرِ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ
قال سالِمٌ وكانَ عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أهْلِهِ فِيَقِفُونَ عِنْدَ
المَشْعَرِ الحَرَامِ بِالمُزْدَلِفَةِ بِلَيْلٌ فِيَذْكُرُونَ الله عزَّ وجَلَّ ما بَدَا لَهُمْ ثُمَّ يَرْجِعُونَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ
الإِمَامُ وقَبْلَ أنْ يَدْفَعَ فَمِنْهُمْ مِنْ يَقْدَمُ مِنِىٌّ لِصَلاةِ الفَجْرِ ومِنْهُمْ مِنْ يَقْدَمُ بَعدَ ذلِكَ فإِذَا قَدِمُوا
رَمَوا الجَمْرَةَ وكانَ ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما يَقُولُ أَرْخَصَ فِي أُوْئِكَ رسولُ اللهِعَِّ.
مطابقته للترجمة ظاهرة في قوله: ((يقدم ضعفة أهله)) وفي قوله: ((فيقفون)) وفي قوله:
((فيذكرون الله تعالى))، لأن المعنى: يدعون الله ويذكرونه ما بدا لهم.
ورجاله قد ذكروا غير مرة. ويحيى بن بكير هو يحيى بن عبد الله بن بكير المصري،
والليث بن سعد المصري، ويونس بن يزيد الأيلي، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري
المدني، وسالم هو ابن عبد الله بن عمر، وفي رواية مسلم: عن يونس بن شهاب أن سالم
ابن عبد الله أخبره.
قوله: ((عند المشعر الحرام))، بفتح الميم، وقيل: إن أكثر العرب یکسر الميم، قال
القتبي: لم يقرأ به أحد، وذكر الهذلي أن أبا السمال - باللام في آخره - قرأه بالكسر، وقال
ابن قرقول: تكسر في اللغة لا في الرواية، وهو المزدلفة، وفي (الموعب) لابن التياني: عن
قطرب قالوا: مِشعر ومَشعر ومُشعر، ثلاث لغات، وقال الأزهري: يسمى مشعراً لأنه معلم
للعبادة. وقال الكرماني صاحب (المناسك): الأصح أن المشعر الحرام في المزدلفة لا غير
المزدلفة، وحد المزدلفة ما بين مأزمي عرفة وقرن محسر يميناً وشمالاً من الشعاب والجبال،
وقال الكرماني الشارح: واختلف فيه، والمعروف عن أصحابنا أنه قزح، بضم القاف وفتح

٢٣
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (٩٩)
الزاي وبالمهملة: وهو جبل معروف بالمزدلفة، والحديث يدل عليه، وقال غيرهم: إنه نفس
المزدلفة. وفي (التلويح): والمزدلفة لها اسمهان آخران: جمع والمشعر الحرام. وفي حديث
أن قزح هو المشعر الحرام، وعن ابن عمر: أن المشعر الحرام هو المزدلفة كلها. وقال
بعضهم: لو كان المشعر الحرام هو المزدلفة لقال، عز وجل: فاذكروا الله في المشعر الحرام،
ولم يقل: عنده، كما إذا قلت: أنا عند البيت، لا تكون في البيت. وقال أبو علي الهجري
في (كتاب النوادر): وآخر مزدلفة محسر وأول منى يطن محسر ومحسر بضم الميم وفتح الحاء
المهملة وكسر السين المشددة المهملة وفي آخره راء واد بجمع وهي مزدلفة وفي (التلويح): وهو
بين يدي موقف المزدلفة مما يلي منئٍ، وهو مسيل قدر رمية بحجر بين المزدلفة ومنى،
وذكره أبو عبيد. وعند الطبري: اسم فاعلٍ من: حسر، بتشديد السين، سمي بذلك لأن فيل
أصحاب الفيل حسر فيه، أي: أعيى وكلَّ عن السير. قيل: هذا غلط، لأن الفيل لم يعبر
الحرم. وقيل: سمي به لأنه يحسر سالكه ويتعبهم، ويسمى: وادٍ النار، ويقال: إن رجلاً اصطاد
فيه فنزلت نار فأحرقته، وحكمة الإسراع فيه لأنه كان موقفاً للنصارى، فاستحب رسول الله
عَّ الله الإسراع فيه. قوله: ((الحرام))، صفة المشعر، أي: المحرم أي الذي يحرم عليه الصيد
فيه وغيره، فإنه من الحرم، ويجوز أن يكون معناه: ذا الحرمة. قوله: ((ما بدا لهم)، بلا همزة
أي: ما ظهر لهم وسنح في خواطرهم وأرادوه. قوله: ((ثم يرجعون)) أي: إلى منىّ قبل أن يقف
الإمام بالمزدلفة، وفي رواية مسلم: ((ثم يدفعون)). قوله: ((وقبل أن يدفع)) أي: الإمام. قوله:
(لصلاة الفجر)، أي: عند صلاة الفجر. قوله: ((رموا الجمرة)) أي: جمرة العقبة، وهي مرمى
يوم النحر، ويقال لها: الجمرة الكبرى. قوله: ((أرخص)) من الإرخاص، وهو فعل ماض وفاعله
قوله: ((رسول الله، عَّةٍ)) كذا وقع: أرخص، وفي بعض الروايات: رخص، بالتشديد من
الرخصة التي هي ضد العزيمة، وهذا أظهر وأصح، لأن أرخص من الرخص الذي هو ضد
الغلاء.
قوله: ((في أولئك))، هم الضعفة المذكورة في الحديث، واحتج به ابن المنذر لقول
من أوجبت المبيت بمزدلفة على غير الضعفة، لأن حكم من لم يرخص فيه ليس كحكم من
رخص فيه. قلت: وقد اختلف السلف في المبيت بالمزدلفة، فذهب أبو حنيفة وأصحابه
والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور ومحمد بن إدريس في أحد قوليه: إلى وجوب المبيت
بها، وأنه ليس بركن، فمن تركه فعليه دم، وهو قول عطاء والزهري وقتادة ومجاهد، وعن
الشافعي: سنة، وهو قول مالك. وقال ابن بنت الشافعي وابن خزيمة الشافعيان: هو ركن، وقال
علقمة والنخعي والشعبي: من ترك المبيت بمزدلفة فاته الحج. وفي (شرح التهذيب): وهو
قول الحسن، وإليه ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام. وقال الشافعي: يحصل المبيت بساعة
في النصف الثاني من الليل دون الأول. وعن مالك: النزول بالمزدلفة واجب، والمبيت بها
سنة، وكذا الوقوف مع الإمام سنة. وقال أهل الظاهر: من لم يدرك مع الإمام صلاة الصبح
بالمزدلفة بطل حجه بخلاف النساء والصبيان والضعفاء. وعند أصحابنا الحنفية: لو ترك

٢٤
٢٥ - كتاب الحجّ / باب (٩٩)
الوقوف بها بعد الصبح من غير عذر فعليه دم، وإن كان بعذر الزحام فتعجل السير إلى منى،
فلا شيء عليه، والمأمور به في الآية الكريمة الذكر دون الوقوف، ووقف الوقوف بالمشعر بعد
طلوع الفجر من يوم النحر إلى أن يسفر جداً، وعن مالك: لا يقف أحد إلى الأسفار، بل
يدفعون قبل ذلك.
٢٦٠/ ١٦٧٧ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قال حدَّثنا حَمَّادُ بنُّ زَيْدٍ عنْ أَيُّوبَ عنْ
عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال بَعَثَنَا رسولُ الله عَّهِ مِنْ جَمْعٍ بِدَيْلٍ.
[الحديث ١٦٧٧ - طرفاه في: ١٦٧٨، ١٨٥٦].
مطابقته للترجمة ظاهرة لأن ابن عباس كان في جملة الضعفاء الذين قدمهم النبي معنَ اه.
بالليل من جمع، وقد تكرر ذكر رجاله، وأيوب هو السختياني، ولما روى الترمذي حديث
ابن عباس هذا، قال: وروي عنه من غير وجه. بيان ذلك أنه رواه عنه جماعة، وهم: عبيد الله
.. ابن أبي يزيد، وعطاء بن أبي رباح، والحسن العرني، ومقسم، وكريب. أما رواية عبيد الله بن
أبي يزيد عنه فاتفق عليها الشيخان من رواية سفيان بن عيينة وحماد بن زيد، فرواها كلاهما
عن عبيد الله بن أبي يزيد، والآن يأتي بيانه. وأخرجه أبو داود والنسائي أيضاً من طريق ابن
عيينة. وأما رواية عطاء فأخرجها مسلم في (صحيحه) عن عبد بن حميد عن محمد بن بكر
عن ابن جريج عن عطاء أن ابن عباس قال: ((بعثني نبي الله عَّلِ بسحر من جمع في ثقل نبي
الله عَّلِ ... )) الحديث. وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه. وأما رواية الحسن العرني
فأخرجها أبو داود والنسائي وابن ماجه من رواية سلمة بن كهيل عن الحسن العرني ((عن ابن
عباس، قال: قدمنا رسول الله عَ ليه ليلة المزدلفة أغيلمة بني عبد المطلب على جمرات،
فجعل يلطخ أفخاذنا، ويقول: أبني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس)). وقال أبو داود:
اللطخ الضرب اللين، ورواه ابن حبان في (صحيحه). وأما رواية مقسم فأخرجها الترمذي
وانفرد بها. قال: حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن المسعودي عن الحكم عن مقسم عن ابن
عباس أن النبي عَّللم قدم ضعفة أهله، وقال: لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس. وأما رواية
كريب فأخرجها البيهقي من رواية موسى بن عقبة عن كريب عن ابن عباس ((أن النبي عَّهِ.
كان يأمر نساءه ... )) الحديث. وقد ذكرناه عن قريب.
٢٦١ /١٦٧٨ - حدّثنا عَلِيٌّ قال حدَّثنا سُفْيَانُ قال أخبرني عُبَيْدُ اللهِ بنُ أبي يَزِيدَ
سَمِعَ ابنَ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما يَقُولُ أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ النبيُّ عَ لَّهِ لَيْلَةَ المُزْدَلِفَةَ فِي
ضَعَفَةٍ أَهْلِهِ. [انظر الحديث ١٦٧٧ وطرقه].
هذا طريق آخر لحديث ابن عباس المذكور، وهذا وجه من الوجوه الخمسة التي
ذكرناها آنفاً، وذكر البخاري ههنا وجهاً آخر وهو: عن عكرمة عن ابن عباس المذكور فيما
قبله، وهذا الطريق أخرجه عن علي بن المديني عن سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي
يزيد من الزيادة، مولى أهل مكة مر في: باب وضع الماء عند الخلاء، والفرق بين الطريقين

٢٥
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (٩٩)
أن الطريق الأول يقتضي بحسب الظاهر أنه كان مختصاً بالبعث من جمع بالليل، والطريق
الثاني يقتضي عدم الاختصاص قطعاً.
١٦٧٩/٢٦٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ عَنْ يَخيِّى عنِ ابنِ جُرَيْج قال حدَّثني عَبْدُ الله مَوْلَى
أسْمَاءَ عنْ أَسْمَاءَ أنَّها نزلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ عِنْدَ المُزْدَلِفَةِ فقامَتْ تُصَلِّي فصَلَّتْ سَاعَةٌ ثُمَّ قَالَتْ
هَلْ غابَ القَمَرُ قُلْتُ نَعَمْ قالَتْ فَارْتَحِلُوا فَارْتَحَلْنَا ومَضَيْنَا حَتَّى رَمَتِ الجَمْرَةَ ثُمَّ رَجَعَتْ
فَصَلَّتِ الصُّبْحَ فِي مَنْزِلِهَا فَقُلْتُ لَها يا هَنْتَهْ ما أُرَانًا إلاَّ قَدْ غَلَّسْنا قالَتْ يا بُنَيَّ إنَّ رسولَ الله
عَّهِ أَذِنَ لِلطَّعُنِ.
مطابقته للترجمة في قولها: ((فارتحلوا فارتحلنا))، لأن ارتحالهم كان عقيب غيبوبة
القمر، وقد ذكرنا أن مغيب القمر في تلك الليلة كان عند أوائل الثلث الأخير من الليل.
ذكر رجاله: وهم خمسة: مسدد بن مسرهد عن يحيى القطان عن عبد الملك بن عبد
العزيز بن جريج عن عبد الله بن كيسان مولى أسماء أبو عمر، وليس له في البخاري سوى
هذا الحديث، وآخر سيأتي في أبواب العمرة، وأسماء هذه هي بنت أبي بكر الصديق، رضي
الله تعالى عنهما.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في
موضع، وقد صرح ابن جريج بتحديث عبد الله له، وكذا رواه مسلم عن محمد بن أبي بكر
المقدمي وابن خزيمة عن بندار.
وكذا أخرجه أحمد في (مسنده) كلهم عن يحيى، وأخرجه مسلم من طريق عيسى بن
يونس، والإسماعيلي من طريق داود العطار، والطبراني من طريق ابن عيينة، والطحاوي من
طريق سعيد بن سالم، وأبو نعيم من طريق محمد بن بكر، كلهم عن ابن جريج. وأخرجه أبو
داود عن محمد بن خلاف عن يحيى القطان عن ابن جريج عن عطاء أخبرني مخبر عن
أسماء. وأخرجه مالك عن يحيى بن سعيد عن عطاء أن مولى أسماء أخبره، وكذا أخرجه
الطبراني من طريق أبي خالد الأحمر عن يحيى، فالظاهر أن ابن جريج سمعه من عطاء، ثم
لقي عبد الله فأخذه عنه، ويحتمل أن يكون مولى أسماء شيخ عطاء غير عبد الله.
ذكر معناه: قوله: ((يا بني))، بضم الباء الموحدة مصغر ابن. قوله: ((فارتحلوا)) أمر
بالارتحال، وفي رواية مسلم: ((قالت إرحل بي)). قوله: ((فمضينا))، وفي رواية ابن عيينة:
((فمضينا بها)). قوله: ((ثم رجعت)) أي: إلى منزلها بمنىّ. قوله: ((يا هنتاه)) أي: يا هذه، يقال
للمذكر إذا كنى عنه: هن، وللمؤنث: هنة، وزيدت الألف لمد الصوت، والهاء لإظهار
الألف، وهو بفتح الهاء وسكون النون، وقد تفتح وإسكانها أشهر ثم بالتاء المثناة من فوق،
وقد تسكن الهاء التي في آخرها وتضم. قوله: ((ما أرانا))، بضم الهمزة أي: ما نظن إلاَّ قد
غلسنا أي: تقدمنا على الوقت المشروع، وهو من التغليس، وهو السير بغلس، وهي ظلمة آخر
الليل وفي رواية لمسلم: ((فقلت لها: لقد غلسنا)) بدون قوله: ما أرانا. وفي رواية مالك: ((لقد

٢٦
٢٥ - كتاب الحَجُ / باب (٩٩)
جئنا منىّ بغلس)) وفي رواية داود العطار: ((لقد ارتحلنا بليل))، وفي رواية أبي داود: ((فقلت: إنا
رمينا الجمرة بغلس)). قوله: ((أذن للطعن))، بضم الظاء والعين وبسكون العين أيضاً: جمع
ظعينة، وهي النساء. وفي (المحكم): هو جمع ظاعن، وسميت النساء بها لأنهن يظعن
بارتحال أزواجهن ويقمن بإقامتهم. تقول: ظعن يظعن ظعناً، وظعوناً: ذهب، وأظعنه هو،
والظعينة الجمل يظعن عليه، والظعينة الهودج تكون فيه المرأة. وقيل: هو الهودج كانت فيه
امرأة أو لم تكن، وعن ابن السكيت كل امرأة ظعينة سواء كانت في هودج أو غيره. وقال ابن
سيده: الجمع ظعائن وظعن وأظعان وظعنات الأخيرتان جمع الجمع، وفي (الجامع): ولا
يقال: ظعن، إلاَّ للإبل التي عليها الهوادج. وقيل: الظعن الجماعة من النساء والرجال.
ذكر ما يستفاد منه: استدل بهذا الحديث قوم على جواز الرمي قبل طلوع الشمس
بعد طلوع الفجر للذين يتقدمون قبل الناس، وهو قول عطاء بن أبي رباح المكي، وطاوس بن
كيسان ومجاهد وإبراهيم النخعي والشعبي وسعيد بن جبير والشافعي. وقال عياض: مذهب
الشافعي رمي الجمرة من نصف الليل، وتعلق بأن أم سلمة، رضي الله تعالى عنها، قدمت قبل
الفجر وكان عَّ لّ أمرها أن تفيض وتوافيه الصبح مكة، وظاهر هذا عنده تعجيل الرمي قبل
الفجر، ومذهب مالك أن الرمي يحل بطلوع الفجر، ومذهب الثوري والنخعي: أنها لا ترمى
إلاّ بعد طلوع الشمس، وهو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق قالوا:
فإن رموها قبل طلوع الشمس أجزأتهم، وقد أساؤوا. وقال الكاشاني من أصحابنا: أول وقته
المستحب ما بعد طلوع الشمس، وآخر وقته آخر النهار كذا قال أبو حنيفة، وقال أبو يوسف:
يمتد إلى وقت الزوال، فإذا زالت الشمس يفوت الوقت ويكون فيما بعده قضاء، فإن لم يرمِ
حتى غربت الشمس يرمي قبل الفجر من اليوم الثاني، ولا شيء عليه في قول أصحابنا،
وللشافعي قولان: في قول: إذا غربت الشمس، فقد فات الوقت، وعليه الفدية، وفي قول لا
يفوت إلاّ في آخر أيام التشريق فإن أخَّر الرمي حتى طلع الفجر من اليوم الثاني رمى وعليه دم
للتأخير في قول أبي حنيفة. وفي قول أبي يوسف ومحمد لا شيء عليه، وبه قال الشافعي،
وقال مالك في (الموطأ): سمعت بعض أهل العلم يكره رمي الجمرة حتى يطلع الفجر من
يوم النحر، ومن رمى فقد حل له النحر، وقال الطحاوي، في الجواب عن حديث أسماء
المذكور: يحتمل أن يكون أراد بالتغليس في الدفع من مزدلفة. ويجوز أن يكون أراد بالتغليس
في الرمي، فأخبرت أن النبي عَّلِ أذن لهم في التغليس لما سألها عن التغليس به من ذلك.
وفيه: استدل بعضهم على إسقاط الوقوف بالمشعر الحرام عن الضعفة، قيل: لا دلالة فيه لأنه
سئل عن الوقوف.
١٦٨٠/٢٦٣ - حدّثنا محَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنا سُفْيانُ قال حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمنِ هُوَ ابنُ
القَاسِمِ عن الْقَاسِمِ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قَالَتْ اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَهُ النبيَّ عَِّ لَيْلَةَ
جَمْعٍ وَكانَتْ ثَقِيلَةً ثَبْطَةٌ فَأَذِنَ لَهَا. [الحديث ١٦٨٠ - طرفه في: ١٦٨١].
مطابقته للترجمة من حيث أن سودة كانت من الضعفة الذين قدموا بليل. ورجاله قد

٢٧
٢٥ - كتاب الحَجُّ / باب (٩٩)
تكرر ذكرهم، وسفيان هو الثوري وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق،
رضي الله تعالى عنه، يروي عن عمته عائشة أم المؤمنين، رضي الله تعالى عنها، وسودة، بفتح
السين المهملة: بنت زمعة أم المؤمنين، رضي الله تعالى عنها.
والحديث أخرجه مسلم أيضاً في الحج: حدثنا ابن نمير، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا
عبيد الله بن عمر عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم ((عن عائشة، رضي الله تعالى عنها،
قالت: وددت أني كنت استأذنت رسول الله عَ لل. كما استأذنته سودة، فأصلي الصبح بمنىّ
فأرمي الجمرة قبل أن يأتي الناس. فقيل لعائشة: فكانت سودة استأذنته؟ قالت: نعم، كانت
امرأة ثقيلة ثبطة، فاستأذنت رسول الله عَّ له فأذن لها)) وعن أبي بكر بن أبي شيبة: عن وكيع
وعن زهير بن حرب قال: حدثنا عبد الرحمن كلاهما عن سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم
بهذا الإسناد نحوه. وأخرجه ابن ماجه فيه عن علي بن محمد عن وكيع، نحوه ((أن سودة
بنت زمعة كانت امرأة ثبطة فاستأذنت رسول الله عَ لل أن تدفع من جمع قبل دفع الناس فأذن
لها)) ورواه أبو عوانة من طريق ابن قبيصة عن الثوري: ((قدم رسول الله عَّ سودة ليلة جمع)).
قوله: ((ثبطة))، بفتح الثاء المثلثة وكسر الباء الموحدة وسكونها وبالطاء المهملة أي: بطيئة
الحركة كأنها تثبط بالأرض أي: تتشبث، وقال ابن قرقول: ضبطناه بكسر الباء الموحدة،
وضبطه الجياني عن ابن سراج بالكسر والإسكان.
١٦٨١/٢٦٤ - حدّثنا أبُو نُعَيْم قال حدَّثنا أفْلَحُ بنُ حُمَيْدٍ عنْ القَاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ عنْ
عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ نزَلْنَا المُزْدَلِفَةَ فَاسْتَأْذَنَتْ النبيَّ عَِّ سَوْدَةُ أنْ تَدْفَعَ قَبْلَ
حَظْمَةِ النَّاسِ وكانَتِ امْرَأَةً بَطِيئَةٌ فأذِنَ لَهَا فَدَفَعَتْ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ وأقَمْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا
نَحْنُ ثُم دَفَعْنَا بِدَفْعِهِ فَلَأنْ أكونَ اسْتَأْذَنْتُ رسولَ الله عَلَّهِ كَمَا اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ
مَفْرُوحٍ بِهِ. [انظر الحديث ١٦٨٠].
هذا طريق آخر في حديث سودة يبين فيه ما استأذنته سودة لأن في الطريق السابق لم
يذكر فيه ما استأذنته سودة رضي الله تعالى عنها. وأخرج هذا الطريق عن أبي نعيم الفضل بن
دكين عن أفلح بن حميد بن نافع الأنصاري. وأخرجه مسلم أيضاً عن القعنبي عن أفلح بن
حميد عن القاسم ((عن عائشة أنها قالت: استأذنت سودة رسول الله عَّةٍ ليلة المزدلفة أن
تدفع قبله وقبل حطمة الناس، وكانت امرأة ضخمة ثبطة يقول القاسم: والثبطة الثقيلة))
الحديث، وهذا فيه تفسير الثبطة عن القاسم، وكذا وقع في رواية أبي عوانة من طريق ابن أبي
فديك عن أفلح، ولفظه: ((وكانت امرأة ثبطة، قال: الثبطة الثقيلة))، فعلى هذا قوله في رواية
محمد بن كثير شيخ البخاري الذي مضى، وكانت امرأة ثقيلة ثبطة، من الإدراج، أدرج
الراوي التفسير بعد الأصل، فظن الراوي الآخر أن اللفظين ثابتان في أصل المتن، فقدم وأخر.
قوله: ((أن تدفع)) أي: تتقدم قبل حطمة الناس، والحطمة بالفتح الزحمة. قوله: ((ثم
دفعنا بدفعه))، أي: بدفع رسول الله عَّله. قوله: ((فلأن أكون)) بفتح اللام مبتدأ وخبره، قوله:

٢٨
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٠٠)
أحب. وقوله: ((كما استأذنت سودة)) جملة معترضة بينهما، ولفظة: ما، في: كما، مصدرية
أي: كاستئذان سودة. قوله: (من مفروح به)) أي: من ما يفرح به من كل شيء.
١٠٠ - بابُ صَلاةِ الفَجْرِ بِالمُزْدَلِفَةِ
أي: هذا باب في بيان وقت صلاة الفجر بالمزدلفة، وفي بعض النسخ: باب من
يصلي الفجر، والأول أصح.
٢٦٥/ ١٦٨٢ - حدّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِيَاثٍ قال حدثنا أبي قال حدثنا أعْمَشُ
قال حدَّثني عُمَارَةُ عن عَبْدِ الرَّحْمِنِ عن عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنه قال ما رأيتُ النبيَّ
عَِّ صلَّى صلاةٌ بِغَيْرِ مِيقَاتِهَا إلَّ صَلاتَيْنِ جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشَاءِ وصلَّى الفَجْرَ قَبْلَ
مِيقَاتِهَا. [انظر الحديث ٢٦٧٥ وطرفيه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وصلى الفجر قبل ميقاتها))، وقد ذكرنا فيما مضى عن
قريب أن معناه: قبل ميقاتها المعهود، وليس المراد منه أنه أوقعها قبل دخول وقتها، وإنما
المراد به التغليس جداً.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: عمر بن حفص بن غياث أبو حفص النخعي. الثاني:
أبوه حفص بن غياث بن طلق بن معاوية أبو عمر النخعي قاضي الكوفة، مات سنة خمس أو
ست وتسعين ومائة. الثالث: سليمان الأعمش. الرابع: عمارة، بضم العين المهملة وتخفيف
الميم: ابن عمير التيمي. الخامس: عبد الرحمن بن زيد النخعي أخو الأسود بن يزيد.
السادس: عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع وبصيغة الإفراد
في موضع واحد. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن رواته كلهم
كوفيون. وفيه: رواية الابن عن الأب. وفيه: أن شيخه ذكر باسم أبيه وجده، وبقية الرواة
ذكروا بغير نسبة. وفيه: أن أحدهم مذ كور بلقبه.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الحج أيضاً عن أبي كريب وعن عثمان
وإسحاق. وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد. وأخرجه النسائي فيه عن أبي كريب وعن إسماعيل
بن مسعود وعن القاسم بن زكريا، وأخرجه في الصلاة عن قتيبة عن سفيان بن عيينة.
ذكر معناه: قوله: ((بغير ميقاتها))، وفي رواية غير أبي ذر: ((لغير ميقاتها))، باللام ومعناه:
في غير وقتها المعتاد، كما ذكرناه عن قريب. قوله: ((جمع بين المغرب والعشاء))، فإنه أخر
المغرب إلى وقت العشاء بسبب إرادة الجمع. قوله: ((قبل ميقاتها))، بأن قدم على وقت ظهور
طلوع الصبح للعامة، وقد ظهر له، عَّةٍ، طلوعه إما بالوحي أو بغيره، والحديث الذي بعده،
وراويه أيضاً عبد الله بن مسعود، مفسر لهذا الحديث، مصرحاً بأنه صلى حين طلع الفجر لا
قبله، وقال النووي: المراد بقوله: ((قبل وقتها)) هو قبل وقتها المعتاد لا قبل طلوع الفجر، لأن
ذلك ليس بجائز بإجماع المسلمين، والغرض أن استحباب الصلاة في أول الوقت في هذا

٢٩
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٠٠)
اليوم أشد وآكد، ويقال: معناه أنه عٍَّ كان في غير هذا اليوم يتأخر عن أول طلوع الفجر
إلى أن يأتيه بلال، رضي الله تعالى عنه، وفي هذا اليوم لم يتأخر لكثرة المناسك فيه، فيحتاج
إلى المبالغة في التبكير عن أول طلوع الفجر ليتسع الوقت لفعل المناسك، وقال النووي: قد
احتجت الحنفية بقول ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه، ما رأيته صلى إلاَّ صلاتين على منع
الجمع بين الصلاتين في السفر، والجواب أنه مفهوم، وهم لا يقولون به. قلت: لا نسلم هذا
على إطلاقه، وإنما لا يقولون بالمفهوم المخالف، وما ورد في الأحاديث من الجمع بين
صلاتين في السفر فمعناه الجمع بينهما فعلاً لا وقتاً.
٢٦٧/ ١٦٨٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ رَجَاءٍ قال حدَّثنا إِسْرَائِيلُ عنْ أَبِي إِسْحَاقَ عن عَبْدِ
الرَّحْمنِ بنِ يَزِيدَ قال خَرجْنا معَ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنه إلى مَكَّةَ ثُمَّ قَدِمْنَا جَمْعاً
فصَلَّى الصَّلاَتَيْنِ كُلَّ صَلاَةٍ وَخْدَها بأذَانٍ وإِقَامَةٍ وَالْعَشَاءُ بِئْنَهُمَا ثُمَّ صلَّى الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ
الفَجْرُ قَائِلٌ يَقُولُ طلَعَ الْفَجْرُ وقائِلٌ يَقُولُ لَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرُ ثُمَّ قَالَ إِنَّ رسولَ الله عَ لَّهِ قال إنَّ
هَاتَيْنِ الصَّلاَكَيْنِ حُوَّلَتَا عِنْ وَقْتِهِمَا في لهُذَا المَكَانِ المَغْرِبَ والْعِشَاءَ فَلاَ يَقْدَمُ النَّاسُ جَمْعاً
حَتَّى يُعْتِمُوا وصَلاَةَ الْفَجْرِ هَذِهِ السَّاعَةَ ثُمَّ وقَفَ حَتَّى أَسْفَرَ ثُمَّ قال لَوْ أنَّ أميرَ المُؤمِنِينَ
أفاضَ الآنَ أَصَابَ السُّنَّةَ فَمَا أدْرِي أقولُهُ كانَ أسْرَعَ أَمْ دَفْعُ عُثْمَانَ رضي الله تعالى عنه فلَمْ
يَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمِى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّخْرِ. [انظر الحديث ١٦٧٥ وطرفه].
هذا طريق آخر في حديث عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه السابق عن عبد
الله بن رجاء، بفتح الراء والجيم: ابن المثنى البصري عن إسرائيل بن يونس عن جده أبي
إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي الكوفي. قوله:
((خرجنا)) وفي رواية أبي ذر: ((خرجت))، بالإفراد. قوله: ((مع عبد الله)) هو ابن مسعود. قوله:
((ثم قدمنا جمعاً)) أي: المزدلفة. قوله: ((فصلى الصلاتين)) أي: المغرب والعشاء. قوله: ((كل
صلاة)) بنصب: كل، أي: صلى كل صلاة منهما. قوله: ((والعشاء بينهما)) بفتح العين لا
بكسرها، لأن المراد به الطعام الذي يتعشى به، والواو فيه للحال. قوله: ((المغرب والعشاء))،
يجوز النصب فيهما على أنه عطف بيان لقوله: ((هاتين الصلاتين))، ويجوز الرفع فيهما على
أن المغرب خبر مبتدأ محذوف أي: إحدى الصلاتين المغرب، والأخرى العشاء. قوله:
((حولنا)) أي: غيرنا. قوله: ((فلا يقدم)) بفتح الدال. قوله: ((جمعاً)) أي: المزدلفة. قوله: ((حتى
يعتموا)) بضم الياء من الإعتام، وهو الدخول في وقت العشاء الآخرة. قوله: ((هذه الساعة))
أي: بعد طلوع الصبح قبل ظهوره للعامة. قوله: ((حتى أسفر)) أي: حتى أضاء الصبح وانتشر.
قوله: ((فما أدري))، هو كلام عبد الرحمن بن يزيد الراوي عن ابن مسعود، رضي الله تعالى
عنه، وقال الكرماني: هو قول عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه، وهذا غلط والظاهر
أنه قد وقع من الناسخ، والله تعالى أعلم. قوله: ((أصاب السنة))، يعني فعل رسول الله، عَ له.
قوله: ((أم دفع عثمان))، يعني: من مزدلفة، وكان حينئذ أميرَ المؤمنين، رضي الله تعالى عنه،
والمراد أن السنة الدفع من المشعر الحرام عند الإسفار قبل طلوع الشمس خلافاً لما كان
:

٣٠
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٠١)
عليه أهل الجاهلية. قوله: ((فلم يزل يلبي)) أي: لم يزل ابن مسعود يلبي حتى رمى جمرة
العقبة يوم النحر.
واختلف السلف في الوقت الذي يقطع فيه الحاج التلبية، فذهبت طائفة إلى أن التلبية
لا تقطع حتى يرمي جمرة العقبة، وهو مروي عن ابن مسعود وابن عباس، رضي الله تعالى
عنهما، وبه قال عطاء وطاوس والنخعي وابن أبي ليلى والثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد
وإسحاق، وروي عن علي، رضي الله تعالى عنه، أنه كان يلبي في الحج. فإذا زاغت الشمس
من يوم عرفة قطعها. وقال مالك: وذلك الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا، وقال ابن
شهاب: وفعل ذلك الأئمة أبو بكر وعمر وعثمان وعائشة وابن المسيب، وذكر ابن المنذر عن
سعد مثله، وذكر أيضاً عن مكحول، وكان ابن الزبير، رضي الله تعالى عنهما، يقول: أفضل
الدعاء يوم عرفة التكبير، وروى معناه عن جابر، رضي الله تعالى عنه، ثم اختلف بعض هؤلاء،
فقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور، يقطع التلبية مع أول حصاة يرميها من جمرة
العقبة. وقال أحمد وإسحاق وطائفة من أهل النظر والأثر لا يقطعها حتى يرمي جمرة العقبة
بأسرها، قالوا: وهو قول ظاهر الحديث أن رسول الله، عَ ◌ّه، لم يزل يلبي حتى رمى جمرة
العقبة، ولم يقل: حتى رمى بعضها.
قلت: روى البيهقي من حديث شريك عن عامر بن شقيق عن أبي وائل ((عن عبد الله
قال: رمقت النبي عَّه فلمّ يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة بأول حصاة)) فإن قلت: أخرج
ابن خزيمة في صحيحه، ((عن الفضل بن عباس، قال: أفضت مع رسول الله عَّهِ من عرفات،
فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، يكبر مع كل حصاة ثم قطع التلبية مع آخر حصاة»
قلت: قال البيهقي: هذه زيادة غريبة ليست في الروايات عن الفضل، وإن كان ابن خزيمة قد
اختارها، وقال الذهبي فيه نكارة. وقوله: ((يكبر مع كل حصاة))، يدل على أنه قطع التلبية مع
أول حصاة، وهذا ظاهر لا يخفى. فإن قلت: هذا حكم الحاج، فما حكم المعتمر؟ قلت:
قال قوم: يقطع المعتمر التلبية إذا دخل الحرم، وقال قوم: لا يقطعها حتى يرى بيوت مكة،
وقال قوم: حتى يدخل بيوت مكة. وقال أبو حنيفة: لا يقطعها حتى يستلم الحجر، فإذا
استلمه قطعها، وقال الليث إذا بلغ الكعبة قطعها، وقال الشافعي: لا يقطعها حتى يفتتح
الطواف، وقال مالك: إن أحرم من الميقات قطعها إذا دخل الحرم، وإن أحرم من الجعرانة أو
من التنعيم قطعها إذا دخل بيوت مكة، أو إذا دخل المسجد. واستدل أبو حنيفة بما رواه
وكيع عن عمر بن ذر عن مجاهد، قال: قال ابن عباس: لا يقطع المعتمر التلبية حتى يستلم
الركن. وقال ابن حزم: والذي نقول به هو قول ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه أنه لا
يقطعها حتى يتم جميع عمل العمرة.
١٠١ - بابٌ متَى يُدْفَعُ مِنْ جَمْعٍ
أي: هذا باب في بيان وقت الدفع من جمع، يعني: بعد الوقوف بالمشعر الحرام.

٣١
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٠١)
وقوله: بضم الياء على بناء المجهول، ويجوز بفتح الياء على بناء المعلوم أي: متى يدفع
الحاج.
٢٦٨/ ١٦٨٤ - حدّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ قال حدَّثنا شُعْبَةُ بنُ الحَجَّاجِ عنْ أبِي
إِسْحَاقَ سَمِعْتُ عَمْرَو بنَ مَيْمُون يَقُولُ شَهِدْتُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنه صَلَّى بِجَمْعِ الصُّبْحَ
ثُمَّ وَقَفَ فقال إِنَّ المُشْرِكينَ كانُوا لاَ يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَيَقُولُونَ أَشْرِقْ تُّبِيرُ وأنَّ
النَّبِيَّ عَّهِ خالَفَهُمْ ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. [الحديث ١٦٨٤ - طرفه في: ٣٨٣٨].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس))، فبين أن وقت
الدفع من جمع قبل طلوع الشمس.
ورجاله قد ذكروا غير مرة، وحجاج على وزن: فعال، بالتشديد، ومنهال، بكسر الميم
وسكون النون: الأنماطي البصري وأبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله السبيعي. وعمرو بن
ميمون بن مهران البصري.
وقال صاحب (التوضيح): وهذا الحديث من أفراده. قلت: ليس كذلك، فإن البخاري
رواه من رواية شعبة والثوري، ورواه أبو داود من رواية الثوري فقط، ورواه النسائي من رواية
شعبة فقط، ورواه ابن ماجه من رواية حجاج بن أرطأة ثلاثتهم عن أبي إسحاق به. ورواه
الترمذي فقال: حدثنا محمد بن غيلان حدثنا أبو داود أنبأنا شعبة ((عن أبي إسحاق قال:
سمعت عمرو بن ميمون يقول: كنا وقوفاً بجمع، فقال عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى
عنه: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، وكانوا يقولون: أشرق ثبير، وإن
رسول الله، عَّلِّ، خالفهم. فأفاض عمر، رضي الله تعالى عنه، قبل طلوع الشمس)). قال أبو
عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وروى الترمذي أيضاً من حديث ابن عباس، رضي الله
تعالى عنه: ((أن النبي عَّلِ أفاض قبل طلوع الشمس)). وانفرد به، وروى مسلم وأبو داود من
حديث جابر الطويل، وفيه: ((فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس)).
ذكر معناه: قوله: ((صلى بجمع))، أي: بالمزدلفة. قوله: ((لا يفيضون))، بضم الياء من
الإفاضة، وهو الدفع وقال الجوهري: وكل دفعة إفاضة، قال: وأفاضوا في الحديث أي اندفعوا
فيه، وأفاض البعير أي: دفع جرته من كرشه فأخرجها. قوله: ((أشرق))، بفتح الهمزة وسكون
الشين المعجمة وكسر الراء: أمر من الإشراق، يقال: أشرقَ: إذا دخل في الشروق، ومنه قوله
تعالى: ﴿فأتبعوهم مشرقين﴾ [الشعراء: ٦٠]. أي: حال كونهم داخلين في شروق الشمس،
كما يقال: أجنب، إذا دخل في الجنوب، وأشمل إذا دخل في الشمال، وحاصل معنى:
أشرق ثبير؛ لتطلع عليك الشمس. وقال الهروي: يريد: ادخل أيها الجبل في الشروق. وقال
عياض: أشرق ثبير: ادخل يا جبل في الإشراق. وقال ابن التين: ضبطه أكثرهم بفتح الهمزة،
وبعضهم بكسر الهمزة كأنه ثلاثي: من شرق، وليس هذا بيِّن، لأن شرق مستقبله: يشرق،
بضم الراء، والأمر منه: أشرق، بضم الهمزة لا بالكسر، والذي عليه الجماعة بفتح الهمزة أي:

٣٢
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٠١)
لتطلع عليك الشمس. وقيل: معناه اطلع الشمس يا جبل.
قوله: ((ثبير))، بفتح الثاء المثلثة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي
آخره راء: وهو جبل المزدلفة على يسار الذاهب إلى منىّ. وقيل: هو أعظم جبال مكة عرف
برجل من هذيل اسمه ثبير ودفن فيه، وهذا هو المراد، وإن كان للعرب جبال أخر كل اإسم
منها ثبير، وهو منصرف، ولكن بدون التنوين لأنه منادى مفرد معرفة تقديره: أشرق يا ثبير،
وقال محمد بن الحسن: إن للعرب أربعة أجبال أسماؤها: ثبير، وكلها حجازية، وقال المحب
الطبري: أما حديث: أقطع رسول الله، عَّله، شريح بن ضمرة المزني ثبيراً فليس بجبل، وإنما
هو اسم ما لمزينة، وعند ابن ماجه: أشرق ثبير، كيما نغير من الإغارة أي: كيما ندفع ونفيض
للنحر وغيره، وذلك من قولهم: أغار الفرس إغارة الثعلب، وذلك إذا دفع وأسرع في دفعه.
وقال ابن التين: وضبطه بعضهم بسكون الراء في ثبير ونغير لإرادة السجع. قلت: لأنه من
محسنات الكلام. قوله: ((ثم أفاض))، يحتمل أن يكون فاعله عمر، رضي الله تعالى عنه،
ووجهه أن يكون: ثم أفاض عطفاً على قوله: ((إن المشركين لا يفيضون حتى تطلع
الشمس)) وفيه بعد، والذي يقتضيه التركيب أن فاعله هو النبي عَّ له لأنه عطف على قوله:
((خالفهم)) ويؤيد هذا ما وقع في رواية أبي داود الطيالسي عن شعبة عند الترمذي: ((فأفاض))،
بالفاء وفي رواية الثوري: ((فخالفهم النبي عَّله فأفاض))، وفي رواية الطبري من طريق زكريا
عن أبي إسحاق بسنده: «كان المشركون لا ينفرون حتى تطلع الشمس، وأن رسول الله،
عَّهِ، كره ذلك فنفر قبل طلوع الشمس))، وله من رواية إسرائيل: فدفع بقدر صلاة القوم
المسفرين لصلاة الغداة، وأظهر من ذلك وأقوى للدلالة على أنه النبي، عَّهِ، ما رواه مسلم
من حديث جابر الطويل، وفيه: ((ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة،
فدعا الله وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً فدفع قبل أن تطلع الشمس)).
ذكر ما يستفاد منه: فيه: الوقوف بمزدلفة، وقد ذكرنا أنه إذا ترك الوقوف بها بعد
الصبح من غير عذر فعليه دم، وإن كان بعذر الزحام فتعجل السير إلى منى فلا شيء عليه.
وفيه: الإفاضة قبل طلوع الشمس من يوم النحر، واختلفوا في الوقت الأفضل للإفاضة، فذهب
الشافعي إلى أنه إنما يستحب بعد كمال الإسفار، وهو مذهب الجمهور لحديث جابر الطويل.
وفيه: ((فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً فدفع قبل أن تطلع الشمس)»، وذهب مالك إلى
استحباب الإفاضة من المزدلفة قبل الإسفار))، والحديث حجة عليه، وروى ابن خزيمة
والطبري من طريق عكرمة ((عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما: كان أهل الجاهلية يقفون
بالمزدلفة حتى إذا طلعت الشمس فكانت على رؤوس الجبال كأنها العمائم على رؤوس
الرجال دفعوا فدفع رسول الله، عَّةٍ، حين أسفر كل شيء قبل أن تطلع الشمس))، وروى
البيهقي من حديث المسور بن مخرمة نحوه.

٣٣
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٠٢ )
١٠٢ - بابُ التَّلْبِيَّةِ والتَّكْبِيرِ غَدَاةَ النَّخرِ
حِينَ يَرْمِي الجَمْرَةَ وَالازْتِدَافِ فِي السَّيْرِ
أي: هذا باب في بيان التلبية والتكبير غداة يوم النحر حتى يرمي جمرة العقبة، وفي
رواية الكشميهني: ((حتى يرمي جمرة العقبة)). قوله: ((والارتداف))، بالجر عطف على
المجرور فيما قبله أي: وفي بيان الارتداف، وهو الركوب خلف الراكب في السير من
مزدلفة إلى منى، وهذه الترجمة مشتملة على ثلاثة أجزاء: التلبية: وهي أن يقول: لبيك
اللهم ... إلى آخره، والتكبير: وهو أن يكبر الله تعالى، والارتداف: وهو الركوب خلف
الراكب. وقال الكرماني: ليس في الحديث ذكر التكبير، فكيف دلالته عليه؟ ثم أجاب: بأن
المراد به الذكر الذي في خلال التلبية، وهو مختصر من الحديث الذي فيه ذكر التكبير، أو
غرضه أن يستدل بالحديث على أن التكبير غير مشروع، إذ لفظ: ((لم يزل)) دليل على إدامة
التلبية. انتهى. قلت: قوله: أو غرضه ... إلى آخره، فيه بعد وهو عبارة خشنة، والجواب
الصحيح فيه: أنه قد جرت عادة البخاري أنه إذا ذكر ترجمة ذات أجزاء وليس في حديث
الباب، ذكر هذه الأجزاء كلها، ولكن كان حديث آخر ذكر فيه ذلك الجزء الذي لم يذكره
أنه يشير إليه بذكره في الترجمة لينتهض الطالب ويبحث عنه، وقد روى الطحاوي فقال:
حدثنا فهد، قال: حدثنا أحمد بن حميد الكوفي، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك عن
الحارث بن أبي ذئاب عن مجاهد ((عن عبد الله بن سخبرة، قال: لبى عبد الله وهو يتوجه
فقال أناس: من هذا الأعرابي؟ فالتفت إلى عبد الله فقال: ضلَّ الناسُ أم نسوا؟ والله ما زال
رسول الله عٍَّ يلبي حتى رمى جمرة العقبة إلاَّ أن يخلط ذلك بتهليل أو تكبير)). وأخرجه
البيهقي من حديث صفوان بن عيسى: حدثنا الحارث بن عبد الرحمن عن مجاهد عن عبد
الله بن سخبرة، قال: غدوت مع عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه من منى إلى عرفة،
وكان رجلاً آدم له ضفيرتان، عليه سحنة أهل البادية، وكان يلبي فاجتمع عليه الغوغاء، فقالوا:
يا أعرابي، إن هذا ليس بيوم تلبية إنما هو التكبير فالتفت إلي فقال: جهل الناس أم نسوا؟
والذي بعث محمداً بالحق، لقد خرجت معه من منى إلى عرفة فما ترك التلبية حتى رمى
الجمرة إلاَّ أن يخلطها بتكبير أو تهليل.
١٦٨٥/٢٦٩ - حدَّثنا أبُو عَاصِم الضَّحاكُ بنُ مَخْلِدٍ قال أخبرنا ابنُ مجرَيْجٍ عن عَطاءٍ
عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أنَّ النبيَّ عَُّلِّ أَرْدَفَ الْفَضلَ فأخبرَ الفَضلُ أَنَّهُ لَمْ يَزِلْ
يُلَبِّي حَتَّى رمَى الجَمْرَةَ. [انظر الحديث ١٥٤٤ وطرفيه].
مطابقته للترجمة في الجزءين منها، وهما: الإرداف والتلبية، وأما ذكر التكبير فيها
فليس له ذكر في هذا الحديث، وقد ذكرناه الآن، وقد ذكره البخاري في: باب النزول بين
عرفة وجمع. قال كريب: فأخبرني عبد الله بن عباس عن الفضل، رضي الله تعالى عنهما، أن
رسول الله عَّه، لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة. قوله: ((فأخبر الفضل)) أي: أخبر الفضل ابن
عمدة القارىء / ج١٠ / ٣٢

٣٤
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب ( ١٠٢ )
عباس أنه أي: أن رسول الله عَّهِ، وفي رواية مسلم من طريق عيسى بن يونس عن ابن جريج
عن عطاء: فأخبرني ابن عباس أن الفضل أخبره، وبقية الكلام قد مضت هناك مستقصاة.
٢٧٠/ ١٦٨٦ - ١٦٨٧ - حدّثنا زُهَيْرُ بنُ حَزْبٍ قال حدَّثنا وهْبُ بنُ جَرِيرٍ قال
حدثنا أبي عنْ يُؤِنُسَ الأَتِلِيّ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله
تعالى عنهما أنَّ أَسامَةَ بنَ زَيْدٍ رضي الله تعالى عنهما كانَ رِدْفَ النبيِّ عَّه مِنْ عَرَفَةَ إلى
المُزْدَلِفِةِ ثُمَّ أَرْدَفَ الفَضْلَ مِنْ المُزْدَلِفةِ إلى مِنىّ قال فكِلاهُما قالَاً لَمْ يَزِلِ النبيُّ عَ لَّه يُكَبِّي
حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ. [انظر الحديث ١٥٤٣]. [أنظر الحديث ١٥٤٤ وطرفيه].
مطابقته للترجمة في الإرداف والتلبية إلى رمي جمرة العقبة، وهذا طريق ثان لحديث
ابن عباس السابق أخرجه عن زهير، مصغر الزهر: ابن حرب - ضد الصلح - النسائي، بالنون
وبالسين المهملة، مات ببغداد سنة أربع وثلاثين ومائتين، وروى عنه مسلم أيضاً، ووهب بن
جرير، بفتح الجيم وكسر الراء: أبو العباس، وهو يروي عن أبيه جرير بن حازم بن زيد أبو
النضر البصري، ويونس بن يزيد الأيلي، والزهري محمد بن مسلم بن شهاب، وعبيد الله،
بضم العين: ابن عبد الله، بالفتح: ابن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة.
وفي هذا السند: رواية التابعي عن التابعي. وفيه: ثلاثة من الصحابة، رضي الله تعالى
عنهم، يروي أحدهم وهو ابن عباس عن الآخرين وهما أسامة بن زيد والفضل بن عباس، وهو
معنى قوله: ((قال فكلاهما قالا)) أي: قال ابن عباس: فكلاهما، أي: أسامة والفضل، قالا: لم
يزل النبي عَّه يلبي في أوقات حجه حتى رمى أي: إلى أن رمى جمرة العقبة يوم النحر. فإن
قلت: ذكر أسامة في هذا فيه إشكال لأن مسلماً روى هذا الحديث من رواية إبراهيم بن
عقبة قال: ((أخبرني كريب أنه سأل أسامة بن زيد: كيف صنعتم حين ردفت رسول الله عَ ليه
عشية عرفة؟)) الحديث بطوله، وفيه: ((حتى جئنا المزدلفة فأقام المغرب ثم أناخ الناس في
منازلهم ولم يحلوا حتى أقام العشاء الآخرة فصلى ثم حلوا، قلت: وكيف فعلتم حين
أصبحتم؟ قال: ردفه الفضل بن العباس وانطلقت أنا في سباق قريش على رحلي)). فمقتضى
هذا أن يكون أسامة قد سبق إلى رمي الجمرة، فيكون إخباره بمثل ما أخبر به الفضل من
التلبية مرسلاً قلت: لا مانع من رجوعه إلى النبي عَّه وإتيانه معه إلى الجمرة، أو أقام
بالجمرة حتى أتى النبي عَُّلّه، ويؤيد هذا ما رواه مسلم أيضاً من حديث أم الحصين، قالت:
((فرأيت أسامة بن زيد وبلالاً في حجة الوداع، وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي عَّ له، والآخر
رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة)).
واحتج بالحديث المذكور أبو حنيفة والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحابهم
على استمرار التلبية إلى حين رمى جمرة العقبة على ما ذكرناه فيما مضى مفصلاً، وروى
سعيد بن منصور من طريق ابن عباس، قال: حججت مع عمر، رضي الله تعالى عنه، إحدى
عشرة حجة، فكان يلبي حتى يرمي الجمرة. وذكر الطحاوي أن الإجماع وقع من الصحابة

٣٥
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٠٣ )
والتابعين على أن التلبية لا تقع إلاَّ مع رمي جمرة العقبة، أما مع أول حصاة، أو بعد تمامها
على اختلاف فيه. ودليل الإجماع أن عمر بن الخطاب كان يلبي غداة المزدلفة بحضور ملأ
من الصحابة وغيرهم، فلم ينكر عليه أحد منهم بذلك، وكذلك فعل عبد الله بن الزبير، ولم
ينكر عليه أحد ممن كانوا هناك من أهل الآفاق من الشام والعراق واليمن ومصر وغيرها،
فصار ذلك إجماعاً لا يخالف فيه.
١٠٣ - بابٌ ﴿فَمَنْ تَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ
فصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامَ فِي الحَجُّ وسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ
أُهْلُهُ حَاضِرِي المَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
أي: هذا باب يذكر فيه قوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ... ﴾ [البقرة:
١٩٦]. إلى آخر الآية، هكذا وقع قوله: ﴿فمن تمتع﴾ إلى ﴿حاضري المسجد الحرام﴾
[البقرة: ١٩٦]. في رواية أبي ذر وأبي الوقت، ووقع في طريق كريمة ما بين قوله: ﴿الهدي﴾
وقوله: ﴿حاضري المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقال بعضهم: وغرض البخاري بذلك
تفسير الهدي، وذلك أنه لما انتهى في صفة الحج إلى الوصول إلى منىّ أراد أن يذكر أحكام
الهدي والنحر، لأن ذلك يكون غالباً بمنى انتهى. قلت: حصره على هذا الغرض وحده لا
وجه له، بل إنما ذكر هذه الآية الكريمة لاشتمالها على مسائل. منها: حكم الهدي والمتعة،
وذكر في الباب حكمها فقط اكتفاء بما ذكر غيرها من الأحكام في الأبواب السابقة.
أما المسائل التي تشتمل هذه الآية الكريمة عليها. فأولها: حكم التمتع بالعمرة إلى
الحج، فقد ذكر في: باب التمتع والإقران: وباب التمتع على عهد النبي عَّ له. الثانية: حكم
الهدي، فذكره في حديث هذا الباب. الثالثة: حكم الصوم، فذكره أيضاً في. باب قوله
تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٩٦]. الرابعة: حكم
حاضري المسجد الحرام، فذكره أيضاً في: باب قول الله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله
حاضري المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٩٦].
وقد اختلف العلماء فيما ﴿استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦]. فقالت طائفة: شاة،
روي ذلك عن علي، رضي الله تعالى عنه، وابن عباس، رضي الله تعالى عنه، رواه عنهما
مالك في (موطئه) وأخذ به، وقال به جمهور العلماء. واحتج بقول الله تعالى: ﴿هديا بالغ
الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥]. قال: وإنما يحكم به في الهدي شاة، وقد سماها الله تعالى: هدياً،
وروي عن طاوس عن ابن عباس ما يقتضي أن ما استيسر من الهدي، في حق النبي عَ له
بدنة، وفي حق غيره بقرة، وفي حق الفقير: شاة، وعن ابن عمر وابن الزبير وعائشة، رضي الله
تعالى عنهم: أنه من الإبل والبقر خاصة، وكأنهم ذهبوا إلى ذلك من أجل قوله تعالى:
﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله﴾ [الحج: ٣٦]. فذهبوا إلى أن الهدي ما وقع عليه اسم
بدن، ويرده قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [المائدة: ٩٥]. إلى قوله: ﴿هديا بالغ

٣٦
٢٥ - كتاب الحج / باب ( ١٠٣ )
الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥]. وقد حكم المسلمون في الظبي بشاة، فوقع عليها اسم هدي. وقوله
تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦]. يحتمل أن يشير به إلى أقل أجناس
الهدي، وهو الشاة وإلى أقل صفات كل جنس، وهو ما روي عن ابن عمر: البدنة دون البدنة
والبقرة دون البقرة فهذا عنده أفضل من الشاة، ولا خلاف يعلم في ذلك، وإنما محل الخلاف
أن الواجد الإبل والبقر هل يخرج شاة؟ فعند ابن عمر: يمنع إما تحريماً، وإما كراهة، وعند
غيره: نعم، وروي عن ابن عمر وأنس: يجزىء فيها شرك في دم، وروي عن عطاء وطاوس
والحسن مثله، وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور،
ولا تجزىء عندهم البدنة أو البقرة عن أكثر من سبعة، ولا الشاة عن أكثر من واحد. وأما ما
روي أنه عٍَّ ضحى بشاة عن أمته فإنما كانت تطوعاً، وعند المالكية: تجوز البدنة أو البقرة
عن أكثر من سبعة إذا كانت ملكاً لرجل واحد وضحى بها عن نفسه وأهله.
٢٧١/ ١٦٨٨ - حدّثنا إِسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ قال أخبرنا النَّضْرُ قال أخبرنا شُعْبَةُ قال
حَدَّثنا أبو جَمْرَةَ قال سألتُ ابنَ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما عنِ المُتْعَةِ فأمَرَني بِها وسَأَلْتُهُ
عنِ الهَذْىٍ فَقال فِيها جَزُورٌ أوْ بَقَرةٌ أَوْ شَاءٍ أوْ شِرْكٌ فِي دَم قال وكأنَّ ناساً كَرِهُوهَا فَنِمْتُ
فَرَأيْتُ فِي المَنَامِ كأنَّ إِنْسَاناً يُنَادِي حَجّ مَبْرُورٌ ومُتْعَةٌ مُتَقَّئَّلَةٌ فَأَتَيْتُ ابنَ عَبَّاسٍ رضي الله
تعالى عنهما فحَدَّثْتُهُ فقال الله أكبرُ سُنَّهُ أَبِي الْقَاسِمِ عَلّهِ. [انظر الحديث ١٥٦٧].
مطابقته للترجمة في قوله: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ [البقرة: ١٩٦]. وفي قوله:
﴿فما استبسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقد مضى هذا الحديث في: باب التمتع والإقران
فإنه أخرجه هناك: عن آدم عن شعبة عن أبي جمرة إلى آخره فارجع إليه هناك، وهنا أخرجه:
عن إسحاق بن منصور بن بهرام الكوسج أبي يعقوب المروزي شيخ مسلم أيضاً عن النضر،
بفتح النون وسكون الضاد المعجمة: ابن شميل، مصغر الشمل بالشين المعجمة: صاحب
الغريبة، مر في: باب الوضوء عن شعبة بن الحجاج عن أبي جمرة، بفتح الجيم. وبالراء
واسمه: نضر بن عمران الضبعي.
قوله: ((فأمرني بها)) أي بالمتعة. قوله: ((وسألته)) أي: ابن عباس، رضي الله تعالى عنه ((عن
الهدي ما هو؟ فقال)) أي: ابن عباس ((فيها)) أي: في المتعة: ((جزور))، بفتح الجيم وضم
الزاي: وهو من الإبل يقع على الذكر والأنثى. وفي (المحكم): الجزور الناقة المجزورة وهو
مأخوذ من الجزر أي: القطع، قيل: لفظه مؤنث، تقول: هذه الجزور. قلت: لا يقال: هذه
الجزور مطلقاً، لأنه يقع على الذكر أيضاً كما ذكرناه. قوله: ((أو شرك))، بكسر الشين
المعجمة وسكون الراء أي: مشاركة في إراقة دم، وذلك لأن البدنة أو البقرة تجزىء عن سبع
شياه، فإذا شارك غيره في سبع إحداهما أجزأ عنه. وروى مسلم ((عن جابر، قال: خرجنا مع
رسول الله عَّ له مهلِّين بالحج، فأمرنا رسول الله عَّ له أن نشترك في الإبل والبقر، كل سبعة
منا في بدنة)). قوله: ((قال وكأن ناساً)) أي: قال أبو جمرة. قوله: ((كرهوها))، أي: المتعة.
قوله: ((ومتعة متقبلة)). قال الإسماعيلي وغيره: تفرد النضر بقوله: ((ومتعة))، ولا أعلم أحداً من

٣٧
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٠٤ )
أصحاب شعبة رواه عنه إلاَّ قال: عمرة. وقال أبو نعيم: قال أصحاب شعبة كلهم: عمرة، إلاّ
النضر قال: متعة. وقد أشار البخاري إلى هذا بما علقه بعد، كما يأتي عن قريب. قوله:
((فقال: الله أكبر)) إنما يقال هذا حين يسمع المرء بما يسر به، وفي الحقيقة إنما هو تعجب عن
رؤياه التي اتفقت مع فتواه التي هي السنة. قوله: ((سنة أبي القاسم))، ارتفاع سنة على أنه
خبر مبتدأ محذوف أي: هذا سنة أبي القاسم، أي: طريقته، وهو المبين عن ربه عز وجل لما
أجمل، وإنما حدث به ابن عباس ليعرفه أن فتواه حق.
فإن قلت: المتعة في الآية للمحصرين بالحج ولم يذكر معهم من لم يحصر؟ قلت:
في الآية ما يدل على أن غير المحصر قد دخلوا فيها بما قد اجتمعوا عليه، وهو قوله تعالى:
﴿ولا تحلقوا رؤوسكم﴾ [البقرة: ١٩٦]. الآية، فلم يختلف أهل العلم في المحرم بالحج
والعمرة ممن لم يحصر أنه إذا أصابه أذىّ في رأسه أو مرض أنه يحلق، وأن عليه الفدية
المذكورة في الآية التي تليها، وأن القصد بها إلى المحصر لا يمنع أن يكون غيره فيه كهو،
بل هو أولى مما ذكرنا من المعنى الأول الذي في الآية، لأنه قال في المعنى الأول: ﴿فمن
كان منكم﴾ [البقرة: ١٩٦]. ولم يقل ذلك في المعنى الثاني منها.
قال: وقال آدَمُ وَوَهْبُ بنُ جَرِيرٍ وغندَرّ عنْ شُعْبَةَ: عُمْرَةٌ مُتَقَتَّلَةٌ وحَجٌ مَبْرُورٌ
أي: قال البخاري: وقال آدم بن أبي إياس، ووهب بن جرير بن حازم الأزدي البصري
وغندر هو محمد بن جعفر البصري ابن امرأة شعبة عن شعبة: عمرة متقبلة وحج مبرور، وقد
ذكرنا أن البخاري أشار بهذا إلى ما قاله الإسماعيلي وأبو نعيم أن أصحاب شعبة كلهم قالوا:
عمرة إلاَّ النضر فإنه قال: متعة، أما طريق آدم فوصلها البخاري في: باب التمتع والإقران، قال:
حدثنا آدم حدثنا شعبة أخبرنا أبو جمرة نضر بن عمران الضبعي، قال: تمتعت فنهاني ناس ...
الحديث، وأما طريق وهب بن جرير فوصلها البيهقي من طريق إبراهيم بن مرزوق عن وهب
ابن جرير. وأما طريق غندر فوصلها أحمد عنه. وأخرجها مسلم عن أبي موسى وبندار،
كلاهما عن غندر.
١٠٤ - بابُ رُكُوبِ الْبُدْنِ لِقَوْلِهِ تعَالى: ﴿والبُدْنَ جَعْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللّه لَكُمْ
فِيهَا خَيرٌ فاذْكُرُوا اسْمَ الله عَلَيْهَا صَوَافَّ فإِذَا وَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا
القَانِعَ والمُعْتَرَّ كذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ* لَنْ يَنالَ الله لُحُومُها ولاَ
دمَاؤُها ولُكِنْ يَتَالُهُ التَّقْوى مِنكُم كَذلِكَ سَخَّرِهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ علَى ما هدَاكُم
وبَشِّرِ الْمُحسِنِينَ﴾ [الحج ٣٦-٣٧]
أي: هذا باب في بيان جواز ركوب البدن، واستدل على ذلك بقوله تعالى:
﴿والبدن جعلناها لكم ... ﴾ [الحج: ٣٦]. إلى آخره، وهاتان الآيتان مذكورتان
بتمامهما في رواية كريمة، وفي رواية أبي ذر وأبي الوقت المذكور منهما من قوله:
﴿والبدن جعلناها لكم﴾ [الحج: ٣٦]. إلى قوله: ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾ [الحج: ٣٦].

٣٨
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٠٤ )
ثم المذكور بعد ﴿جنوبها﴾ إلى قوله: ﴿وبشر المحسنين﴾ [الحج: ٣٦-٣٧].
وموضع الاستدلال في جواز ركوب البدن في قوله: ﴿لكم فيها خير﴾ [الحج: ٣٦].
يعني: من الركوب والحلب لما روى ابن أبي حاتم وغيره بإسناد جيد عن إبراهيم
النخعي: ﴿لكم فيها خير﴾ [الحج: ٣٦]. من شاء ركب ومن شاء حلب، وفي (تفسير
النسفي) في قوله: ﴿لكم غيها خير﴾ [الحج: ٣٦]. من احتاج إلى ظهرها ركب، ومن
احتاج إلى لبنها شرب. وقيل: في البدن خير وهو النفع في الدنيا والأجر في الآخرة،
ومن شأن الحاج أن يحرص على شيء فيه خير ومنافع، وعن بعض السلف: أنه لم
يملك إلاَّ تسعة دنانير، فاشترى بها بدنة، فقيل له في ذلك، فقال: سمعت ربي يقول:
﴿لكم فيها خير﴾ [الحج: ٣٦].
قوله: ((والبدن)) بضم الياء جمع بدنة، سميت بذلك لعظم بدنها، وهي الإبل
العظام الضخام الأجسام، وهي من الإبل خاصة وقرىء ﴿والبدن﴾ بضمتين كتمر في
جمع: تمرة، وعن ابن أبي إسحاق، بضمتين وتشديد النون على لفظ الوقف، وقرىء:
البدن، بالرفع والنصب كما في قوله: ﴿والقمر قدرناه﴾ [يس: ٣٩]. قوله: ﴿من شعائر
الله﴾ [الحج: ٣٦]. أي: من أعلام الشريعة التي شرعها وأضافها إلى اسمه تعظيماً لها.
قوله: ﴿لكم فيها﴾ أي: في البدن. قوله: ﴿فاذكروا اسم الله عليها) عن ابن عباس،
رضي الله تعالى عنهما: ذكر اسم الله عليها أن يقول عند النحر: بسم الله، الله أكبر، لا
إله إلا الله والله أكبر أللهم منك وإليك. قوله: (صوافّ) أي: قائمات قد صففن أيديهن
وأرجلهن. وقيل: أي قياماً على ثلاثة قوائم قد صفت رجليها وإحدى يديها ويدها
اليسرى معقولة، وقرىء: صوافن، من: صفون الفرس وهو: أن تقوم على ثلاث وتنصب
الرابعة على طرف سنبكه، لأن البدنة تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث، وقرىء:
صوافي، أي خوالص لوجه الله تعالى. وعن عمرو بن عبيد: صوافاً، بالتنوين عوضاً عن
حرف الإطلاق عند الوقف. وعن بعضهم: صواف، نحو مثل قول العرب: أعط القوس
باريها، بسكون الياء. قوله: ﴿فإذا وجبت﴾ قال الزمخشري: وجوب الجنوب وقوعها
على الأرض، من: وجب الحائط وجبة إذا سقط، ووجبت الشمس وجبة غربت،
والمعنى: فإذا وجبت جنوبها وسكنت نسائسها حل لكم الأكل منها والإطعام، وسيأتي
تفسير القانع والمعتر. قوله: ﴿كذلك سخرناها لكم﴾ هذا منّ من الله تعالى على
عباده بأن سخر لهم البدن مثل التسخير الذي رأوا وعلموا أن يأخذونها منقادة للأخذ،
فيعقلونها طائعة ويحبسونها صافة قوائمها، ثم يطعنون في لباتها، ولولا تسخير الله تعالى
لم تطق. قوله: ﴿لن ينال الله لحومها﴾ وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا نحروا البدن
لطخوا حيطان الكعبة بدمائها، فهم المسلمون مثل ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿لن ينال
الله لحومها﴾ أي: لن يصل إلى الله تعالى لحومها المتصدق بها ولا الدماء المهراقة
بالنحر، ﴿ولكن يناله التقوى منكم﴾ والمعنى: لن يرضي المضحون والمقربون ربَّهم

٣٩
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٠٤ )
إلاَّ بمراعاة النية والإخلاص والاحتفاظ بشروط التقوى. قوله: ﴿كذلك سخرها لكم﴾
أي: سخر البدن، وكرر تذكير النعمة بالتسخير، ثم قال: ﴿لتكبروا الله على ما هداكم﴾
يعني: على هدايته إياكم لإعلام دينه ومناسك حجه بأن تكبروا وتهللوا، وضمن التكبير
معنى الشكر، وعدي تعديته. قوله: ﴿وبشر المحسنين﴾ الخطاب للنبي عَ لّه، أمره
بأن يبشر المحسنين الذين يعبدون الله تعالى كأنهم يرونه، فإن لم يروه فإنه يراهم
بقبوله، وقيل: بالجنة.
قال مجاهِدٌ: سُمِّيَتِ الْبُدْنَ لِبُدْنِها
يضم الباء وسكون الدال في رواية بعضهم، وفي رواية الأكثرين: بفتح الباء وفتح
الدال، وفي رواية الكشميهني: لبدانتها أي: لضخامتها. وأخرج عبد بن حميد من طريق ابن
أبي نجيح عن مجاهد، قال: إنما سميت البدن من قبل السمانة. وقال الجوهري: البدنة ناقة
تنحر بمكة، سميت بذلك لأنهم كانوا يسمنونها، والبدن التسمين والاكتناز، وبدن إذا ضخم
وبدن بالتشديد إذا أسن، وقد ذكرنا عن قريب أن البدن من الإبل خاصة، وقال الداودي قيل:
إن البدنة تكون من البقر، وهذا نقل عن الخليل.
والْقَانِعُ السّائلُ، والْمُعْتَرُّ يعْتَرُّ بالبُدْنِ مِنْ غَنِيّ أو فَقِيرٍ
هذا من كلام البخاري، وكذا قال ابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن البصري،
القانع: السائل والمعترض الذي يتعرض ولا يسأل. وقال مالك: أحسن ما سمعت فيه أن
القانع الفقير والمعتر الدائر، وقيل: القانع السائل الذي لا يقنع بالقليل. وفي (الموعب) قال
أبو زيد: القانع هو المتعرض لما في أيدي الناس، وهو ذم له، وهو الطمع، وقال صاحب
(العين): القنوع الذلة للمسألة. وقال إبراهيم: قنع إليه مال وخضع وهو السائل والمعتر الذي
يتعرض ولا يسأل، وقال الزجاج القانع الذي يقنع بما يعطاه، وقيل: الذي يقنع باليسير. وقال
قطرب: كان الحسن يقول: هو السائل الذي يقنع بما أوتيه ويصير القانع من معنى القناعة
والرضى. وقال الطوسي: قنع يقنع قنوعاً إذا سأل وتكفف، وقنع يقنع قناعة إذا رضي. قلت:
الأول من باب، فتح يفتح، والثاني من باب: علم يعلم، قال إسماعيل: وقالوا: رجل قنعان،
بضم القاف يرضى باليسير، وقال صاحب (العين): القانع خادم القوم وأجيرهم، وقرأ الحسن
والمعتري، ومعناه: المعتر، يقال: أعتره واعتراه وعره وعراه إذا تعرض لما عنده أو طالبه،
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال: القانع
هو الطامع، وقال مرة: هو السائل، ومن طريق الثوري عن فرات عن سعيد بن جبير: المعتر
الذي يعريك يزورك ولا يسألك، ومن طريق ابن جريج عن مجاهد: المعتر الذي يعتر بالبدن
من غني أو فقير، يعني: يطيف بها متعرضاً لها، وهذا الذي ذكره البخاري معلقاً.
وشعَائِرُ اللهِ اسْتِعْظَامُ البُدْنِ واسْتِخْسَانُهَا
أشار به إلى تفسير ما ذكر في الآية المذكورة من شعائر الله، وأخرجه عبد بن حميد

٤٠
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٠٤ )
من طريق ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: ﴿ومن يعظم شعائر الله﴾ [الحج،
٣٢]. قال: استعظام البدن استحسانها وإسمانها، ورواه ابن أبي شيبة من وجه آخر عن ابن
أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، نحوه.
والْعَتِيقُ عِثْقُهُ مِنَ الجَبَابِرَةِ
أشار به إلى ما ذكر قبل الآيتين المذكورتين من قوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت
العتيق﴾ [الحج: ٢٩]. وفسر: العتيق، بقوله: عتقه من الجبابرة، وعن قتادة: أعتق من الجبابرة
فكم جبار سار إليه ليهدمه فمنعه الله، وعن مجاهد: أعتق من الغرق، وأخرج عبد بن حميد
من طريق سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال: إنما سمي العتيق لأنه أعتق من
الجبابرة. وقيل: سمي العتيق لقدمه. وقيل: لأنه لم يملك قط.
ويُقَالُ وجَبَتْ سَقَطَتْ إِلَى الأَرْضِ ومِنْهُ وَجَبَتِ الشَّمْسُ
أشار به إلى ما ذكر في الآية المذكورة من قوله: ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾ [الحج:
٣٦]. وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق مقسم عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، قال:
فإذا وجبت أي: سقطت، وكذا أخرجه الطبري من طريقين عن مجاهد. قوله: ((ومنه))، أي:
ومن المعنى المذكور، وقولهم: وجبت الشمس إذا سقطت للغروب.
١٦٨٩/٢٧٢ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عَنْ أبِي الزِّنَادِ عنِ
الأَعْرَجِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أنَّ رسولَ الله عَ لَّهِ رَأَى رَجُلاَ يَسُوقُ بَدَنَةً فقال
ازْكَبْهَاَ فقال إِنَّهَا بَدَنَةٌ فقال ازْكَتْهَا قال إنَّهَا بَدَنَةٌ قال ارْكَبْهَا ويْلَكَ فِي النَّالِئَةِ أَوْ فِي الثَّانِيَةِ.
[الحديث ١٦٨٩ - أطرافه في: ١٧١٦، ١٢٧٥٥، ٦١٦٠].
مطابقته للترجمة ظاهرة، ورجاله قد تكرر ذكرهم، وأبو الزناد بكسر الزاي والنون
واسمه، عبد الله بن ذكوان، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز، ولم تختلف الرواة عن مالك عن
أبي الزناد فيه، ورواه ابن عيينة عن أبي الزناد فقال: عن الأعرج عن أبي هريرة أو: عن أبي
الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن أبي هريرة أخرجه سعيد بن منصور عنه، وقد رواه
الثوري عن أبي الزناد بالإسنادين مفرقاً.
وأخرجه البخاري أيضاً في الوصايا عن إسماعيل بن أبي أويس، وفي الأدب: عن قتيبة.
وأخرجه مسلم في الحج أيضاً عن يحيى بن يحيى. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي.
وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة، خمستهم عن مالك به.
ذكر معناه: قوله: ((رأى رجلاً) لم يدر اسمه. قوله: ((يسوق بدنة)) كذا وقع في أكثر
الروايات، وفي رواية لمسلم عن أبي الزناد عن الأعرج بهذا الإسناد. قال: ((بينما رجل يسوق
بدنة مقلدة))، وفي رواية له عن همام بن منبه قال: ((هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول
الله، عَ لّهِ)). فذكر أحاديث منها، وقال: ((بينما رجل يسوق بدنة مقلدة قال له رسول الله