النص المفهرس

صفحات 1-20

تُعمدة القَدَايَ
شَرْح
صحِيح البُخَاري
تأليف
الأَمَام العَلَامَة بَدُر الدّين أبي محمّد محمُودِ بِنْ أَحَدَ الْعَيني
المتوفى سنة ٨٥٥ هـ
ضبطه وصحّه
عبداللّه محمود محمّد عَمَرَ
طبعة جديدة مرقمة الكتب والأبواب والأحاديث
حسب ترقيم المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي الشريف
الجُزء العَاشر
يحتوي على الكتب التالية:
تتمة المححن العمرة ~ المحصر وجزاء الصير ~ فضائل المدينة الصوم
من الحديث (١٦٦٤) ~ إلى الحديث (١٩٢٤)
مشورات
محمد عَلى بيضون
لِشْرِكُتَبِ السُنَقِوَ الجِمَاعَةِ
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان

دار الكتـ
جميع الحقوق محفوظة
Copyright C
All rights reserved
Tous droits réservés
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة
لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة
تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزأً أو تسجيله على
أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو
برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة
الناشر خطياً.
Exclusive Rights by
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon
No part of this publication may be
translated, reproduced, distributed in any
form or by any means, or stored in a data
base or retrieval system, without the
prior written permission of the publisher.
Droits Exclusifs à
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban
Il est interdit à toute personne individuelle
ou morale d'éditer, de traduire, de
photocopier, d'enregistrer sur cassette,
disquette, C.D, ordinateur toute
production écrite, entière ou partielle,
sans l'autorisation signée de l'éditeur.
الطّبعَة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت
هاتف وفاكس : ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٣٧٨٥٤٢ (٩٦١١)
صندوق بريد : ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beirut - Lebanon
Ramel Al-Zarif, Bohtory St., Melkart Bldg., Ist Floor
Tel. & Fax : 00 (96| |) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98
P.O.Box : I I - 9424 Beirut - Lebanon
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beyrouth - Liban
Ramel Al-Zarif, Rue Bohtory, Imm. Melkart, Iere Etage
Tel. & Fax : 00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98
B.P. : 1 1 - 9424 Beyrouth - Liban
ISBN 2-7451-2269-X
90000>
9 782745 122698
http://www.al-ilmiyah.com/
e-mail: sales@al-ilmiyah.com
info@al-ilmiyah.com
baydoun@al-ilmiyah.com

٣
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (٩٢)
بسم الله الرحمن الرحيم
٩٢ - بابُ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ
أي: هذا باب في بيان أن الوقوف إنما يكون بعرفة دون غيرها من المواضع، وذلك أن
قريشاً كانوا يقولون: نحن أهل الله فلا نخرج من الحرم، وكان غيرهم يقفون بعرفة وعرفة
خارج الحرم فبين الله تعالى في قوله: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ [البقرة: ١٩٩].
إن الإفاضة إنما تكون من موقف عرفة الذي كان يقف فيه سائر الناس دون غيره من موقف
قريش عند المشعر الحرام، وكانوا يقولون، عزتنا بالحرم وسكنانا فيه، ونحن جيران الله فلا
نرى الخروج عنه إلى الحل عند وقوفنا في الحج، فلا نفارق عزنا وما حرم الله تعالى به
أموالنا ودماءنا، وكانت طوائف العرب يقفون في موقف إبراهيم عَ لِّ من عرفة، وكان وقوف
النبي عَّهِ أيضاً في موقف إبراهيم عَ لِّ قبل أن ينزل عليه الوحي توفيقاً من الله تعالى له على
ذلك.
٢٤٨ / ١٦٦٤ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثنا سُفْيانُ قال حدَّثنا عَمْرٌو قال
حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُّ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمِ عنْ أبيهِ قال كُنْتُ أَطْلُبُ بَعِيراً لي (ح) وحدَّثنا مُسَدَّدٌ قال
حدَّثنا سُفيَانُ عَنْ عَمْرٍو وسَمِعَ مُحَمَّدَ بنَ مُبَيْرِ بنِ مُطْعَمٍ قال أضْلَلْتُ بَعِيراً لِي فَذَهَبْتُ أَطْلُبُ
يَوْمَ عَرَفَةَ فَرَأيْتُ النبيَّ عَّهِ وَاقِفاً بِعَرَفَةَ فَقُلْتُ لهذا والله مِّنَ الُمْسِ فَمَا شَأَتُهُ هُهُنا.
مطابقته للترجمة في قوله: ((فرأيت النبي عَّله واقفاً بعرفة)).
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: علي بن عبد الله المعروف بابن المديني. الثاني:
سفيان بن عيينة. الثالث: عمرو بن دينار. الرابع: محمد بن جبير بن مطعم. الخامس:
حبير، بضم الجيم وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء: ابن مطعم،
بضم الميم - اسم فاعل من الإطعام - ابن عدي بن نوفل القرشي النوفلي الصحابي، رضي الله
تعالى عنه. السادس: مسدد بن مسرهد، والكل قد ذكروا.
ذكر لطائف إسناده: فيه: إسنادان: أحدهما عن علي بن عبد الله، وفيه: التحديث
بصيغة الجمع في أربعة مواضع. وفيه: العنعنة في موضع واحد. والآخر عن مسدد فيه:
التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: السماع. وفيه: القول.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الحج عن أبي بكر وعمرو الناقد. وأخرجه
النسائي فيه عن قتيبة.
ذكر معناه: قوله: ((أضللت بعيراً لي))، هكذا في رواية الكشميهني، وفي رواية غيره:
((أضللت بعيراً)، بدون كلمة: لي، يقال: أضله إذا أضاعه، وقال ابن السكيت: أضللت بعيري
إذا ذهب منك. قوله: ((يوم عرفة)) أي: في يوم عرفة. فإن قلت: إضلاله بعيره كان في يوم

٤
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (٩٢)
عرفة أو طلبه؟ قلت: طلبه كان في يوم عرفة فإن جبير بن مطعم إنما جاء إلى عرفة ليطلب
بعيره لا ليقف بها، ويؤيد هذا ما رواه الحميدي في مسنده: ((أضللت بعيراً لي يوم عرفة
فخرجت أطلبه بعرفة)). ومن طريقه رواه أبو نعيم. قوله: ((فقلت))، قائله جبير، وأشار بقوله هذا
إلى النبي عَّ لِ حين رآه واقفاً بعرفة، فقال: هذا والله من الحمس، يعني: هو من الحمس،
بضم الحاء المهملة وسكون الميم وفي آخره سين مهملة، جمع الأحمس، وفي اللغة:
الأحمس الشديد والمشدد على نفسه في الدين يسمى أحمس، والحماسة الشدة في كل
شيء، قاله ابن سيده. ويقال له: المتحمس أيضاً. وفي (الصحاح): حمس بالكسر فهو حمس
وأحمس بيِّ الحمس. وفي (الموعب) عن ابن دريد: الحمس، بالفتح التشدد في الأمر، وبه
سميت قريش وخزاعة وبنو عامر بن صعصعة وقوم من كنانة، وقال غيره: الحمس قريش ومن
ولدت من غيرها، وقيل: قريش ومن ولدت وأحلافها، وقيل: قريش ومن ولدت من قريش
وكنانة وجديلة قيس، وكانوا إذا أنكحوا امرأة منهم غريباً اشترطوا عليه أن ولدها على دينهم،
ودخل في هذا الاسم من غير قريش ثقيف وليث بن بكر وخزاعة وبنو عامر بن صعصعة.
وقال ابن إسحاق وكانت قريش، لا أدري قبل الفيل أو بعده، ابتدعت أمر الحمس رأياً رأوه
فتركوا الوقوف على عرفة، والإفاضة منها، وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج، إلاّ
أنهم قالوا: نحن أهل الحرم نحن الحمس، والحمس أهل الحرم. قالوا: ولا ينبغي للحمس أن
يأتقطوا الأقط ولا يسلوا السمن، وهم حرم، ولا يدخلوا بيتاً من شعر، ولا يستظلوا - إن
استظلوا - إلاَّ في بيوت الأدم ما كانوا حرماً، ثم قالوا: لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من
طعام جاؤوا به معهم من الحل إلى الحرم إذا جاؤوا حجاجاً أو عماراً، ولا يطوفون بالبيت إذا
قدموا أول طوافهم إلاّ في ثياب الحمس.
وقال السهيلي: كانوا ذهبوا في ذلك مذهب الترهب والتأله، فكانت نساؤهم لا
ينسجن الشعر ولا الوبر. وعن إبراهيم الحربي في (غريب الحديث): كانوا - أي قريش - إذا
أهلوا بحج أو عمرة لا يأكلون لحماً، وإذا قدموا مكة وضعوا ثيابهم التي كانت عليهم،
وروي عنه أيضاً: سموا الكعبة بحمساء لأنها حمساء، حجرها أبيض يضرب إلى السواد.
قوله: ((فما شأنه؟)) هذا تعجب من جبير بن مطعم وإنكار منه لما رأى النبي، عَّ له، واقفاً
بعرفة، فقال: هو من الحمس، فما باله يقف بعرفة والحمس لا يقفون بها؟ لأنهم لا يخرجون
من الحرم. وقال الكرماني: وقفة رسول الله عَّلَّه بعرفة كانت سنة عشر، وجبير بن مطعم
كان مسلماً، لأنه أسلم يوم الفتح، بل عام خيبر، فما وجه سؤاله إنكاراً أو تعجباً؟ ثم أجاب
بقوله: لعله لم يبلغ إليه في ذلك الوقت قوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾
[البقرة: ١٩٩]. أو لم يكن السؤال ناشئاً عن الإنكار والتعجب، بل أراد به السؤال عن حكمة
المخالفة عما كانت الحمس عليه، أو كان لرسول الله، عَظله، وقفة بها قبل الهجرة. انتهى.
قلت: حج رسول الله عَّم قبل النبوة وبعدها غير مرة، وأما بعد الهجرة فلم يحج إلاَّ مرة
واحدة، وروى ابن خزيمة وإسحاق بن راهويه من طريق ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي

٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (٩٢)
بكر عن عثمان عن أبي سليمان عن عمه نافع بن جبير عن أبيه، قال: كانت قريش إنما تدفع
من المزدلفة ويقولون: نحن الحمس فلا نخرج من الحرم، وقد تركوا الموقف بعرفة، قال:
((فرأيت رسول الله عَ ليه في الجاهلية يقف مع الناس بعرفة على جمل له، ثم يصبح مع قومه
بالمزدلفة فيقف معهم ويدفع إذا دفعوا))، ولفظ يونس بن بكير عن ابن إسحاق في المغازي
مختصراً، وفيه ((رأيت رسول الله عَّ له قائماً مع الناس قبل أن ينزل عليه الوحي توفيقاً من الله
تعالى له)). وأخرجه إسحاق أيضاً عن الفضل بن موسى عن عثمان بن الأسود عن عطاء عن
جبير بن مطعم، قال: أضللت حماراً لي في الجاهلية فوجدته بعرفة، فرأيت رسول الله، عَ له،
واقفاً بعرفات مع الناس، فلما أسلمت عرفت أن الله وفقه لذلك.
٢٤٩ / ١٦٦٥ - حدّثنا فَزْوَةُ بنُ أبِي المَغْرَاءِ قال حدَّثنا عَلِيُّ بنُ مُشْهِرٍ عنْ هِشَامِ بنِ
عُرْوَةَ قال عُزْوَةُ كانَ الناسُ يَطُوفُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ عُرَاةً إلاَّ الحُمْسَ والحُمْسُ قُرَيْشٌ وما
ولَدَتْ وكانَتِ الحُمْسُ يحتَبِسُونَ عَلَى النَّاسِ يُعطي الرجلُ الرَّجلَ الثِّيَابَ يَطُوفُ فِيهَا وَتُغْطِي
المرأةُ المرأةَ الثِّيابَ تَطوفُ فِيهَا فَمَنْ لَمْ يُعْطِهِ الحُمْسُ طافَ بالْبَيْتِ عُزْياناً وكانَ يُفِيضُ
جَماعَةُ النَّاسِ مِنْ عَرَفاتٍ ويُفِيضُ الحُمْسُ مِنْ جَمْعِ قال وأخبرَنِي أبِي عنْ عَائِشَةَ رضي الله
تعالى عنها أنَّ هذِهِ الآيَةَ نزَلَتْ فِي الحُمْسِ ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾
[البقرة: ١٩٩] قال كانُوا يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعِ فَدُفِعُوا إِلَى عَرَفاتٍ. [الحديث ١٦٦٥ - طرفه
في: ٤٥٢٠].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ [البقرة: ١٩٩].
لأن الأمر بالإفاضة من حيث أفاض الناس لا يكون إلاّ بعد الوقوف بعرفة، فصاروا مأمورين
بالوقوف في عرفة.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: فروة، بفتح الفاء وسكون الراء وفتح الواو: ابن أبي
المغراء، بفتح الميم وسكون الغين المعجمة وبالراء وبالمد، مر في آخر الجنائز. الثاني: علي
ابن مسهر، بضم الميم وسكون السين المهملة وكسر الهاء وبالراء: قاضي الموصل، مر في:
باب مباشرة الحائض. الثالث: هشام بن عروة وقد تكرر ذكره. الرابع: عروة بن الزبير.
الخامس: أم المؤمنين عائشة، رضي الله تعالى عنها.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين والإخبار بصيغة
الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن شيخه من
أفراده وأنه وابن مسهر كوفيان، وأن هشاماً وأباه عروة مدنيان. وفيه: أن من قوله: ((قال عروة))
إلى قوله: ((وأخبرني .. )) إلى آخره، متصل. وفيه: قال عروة، وفي رواية عبد الرزاق عن معمر:
عن هشام بن عروة عن أبيه.
ذكر معناه: قوله: ((عراة))، جمع عارٍ، كقضاة جمع قاضٍ، وانتصابه على الحال من
الضمير الذي في يطوفون، وقد مر تفسير الحمس عن قريب. قوله: ((وما ولدت)) أي:

٦
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (٩٢)
وأولادهم، واختار كلمة: ما، على كلمة: من، لعمومه. وقيل: المراد به والدهم وهو كنانة،
لأن الصحيح أن قريشاً هم أولاد النضر بن كنانة، وزاد معمر هنا: وكان ممن ولدت قريش
خزاعة وبنو كنانة وبنو عامر بن صعصعة. وعن مجاهد أن منهم أيضاً عدوان وغيرهم. قوله:
((ويحتسبون)) أي: يعطون الناس الثياب حسبة لله تعالى. قوله: ((يفيض))، أصله من إفاضة
الماء وهو صبه بكثرة. وقال الزمخشري، أفضتم دفعتم من كثرة الماء. قوله: ((جماعة الناس))
أي: غير الحمس. قوله: ((من عرفات))، هو علم للموقف، وهو منصرف إذ لا تأنيث فيها.
قاله الكرماني: والتحقيق فيه ما قاله الزمخشري. فإن قلت: هلا منعت الصرف وفيه السببان
التعريف والتأنيث؟ قلت: لا يخلو التأنيث، إما أن يكون بالتاء التي في لفظها، وإما بتاء مقدرة
كما في سعاد، فالتي في لفظها ليست للتأنيث، وإنما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع
المؤنث، ولا يصح تقدير التاء فيها، لأن هذه التاء لاختصاصها بجمع المؤنث مانعة من
تقديرها كما لا تقدر تاء التأنيث في بنت، لأن التاء التي هي بدل من الواو لاختصاصها
بالمؤنث كتاء التأنيث، فأبت تقديرها. انتهى.
و، ميت عرفات بهذا الإسم إما لأنها وصفت لإبراهيم، عليه الصلاة والسلام،، فلما
بصرها عرفها. أو لأن جبريل، عليه الصلاة والسلام، حين كان يدور به في المشاعر أراه إياها،
فقال: قد عرفت. أو لأن آدم، عليه الصلاة والسلام، هبط من الجنة بأرض الهند، وحواء،
عليها السلام، بجدة فالتقيا ئمة فتعارفا أو لأن الناس يتعارفون بها. أو لأن إبراهيم عَ لَّه عرف
حقيقة رؤياه في ذبح ولده ثمة أو لأن الخلق يعترفون فيها بذنوبهم. أو لأن فيها جبالاً،
والجبال هي الأعراف، وكل عال فهو عرف. قوله: ((من جمع))، بفتح الجيم وسكون الميم:
هي المزدلفة، وسمي به لأن آدم، عليه الصلاة والسلام، اجتمع فيها مع حواء، عليها السلام،
وازدلف إليها أي: دنا منها أو لأنه يجمع فيها بين الصلاتين، وأهلها يزدلفون أي: يتقربون إلى
الله تعالى بالوقوف فيها. قلت: أصلها مزتلفة لأنها من زلف، فقلبت التاء دالاً لأجل الزاي.
قوله: ((قال: وأخبرني أبي)) أي: قال هشام: وأخبرني أبي عروة عن عائشة، رضي الله تعالى
عنها.
قوله: ((إن هذه الآية)) أي: قوله: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ [البقرة: ١٩٩].
واختلف أهل التفسير في هذه الآية، فقال الضحاك: يريد إبراهيم، عليه السلام، يعني: يريد من
الناس إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، ويؤيد ما رواه الترمذي: حدثنا قتيبة حدثنا سفيان بن
عيينة عن عمرو بن دينار عن عمرو بن عبد الله بن صفوان عن يزيد بن شيبان، قال: أتانا ابن
مربع الأنصاري، ونحن وقوف بالموقف، مكاناً يباعده عمرو، فقال: إن رسول الله عَ له يقول:
كونوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، وقال: حديث
حسن صحيح، واسم ابن مربع: زيد، وقيل: يزيد، وقيل: عبد الله بن مربع، بكسر الميم
وسكون الراء وفتح الباء الموحدة وفي آخره عين مهملة. ويزيد بن شيبان أزدي وله صحبة.
قوله: ((كونوا على مشاعركم)) أي: على مواضع المناسك، وفي رواية أبي داود: ((قفوا على

٧
٢٥ - كتاب الحجّ / باب (٩٢)
مشاعركم))، وفي رواية حسين بن عقيل عن الضحاك: ((من حيث أفاض الناس))، أي: الإمام،
وقيل: آدم، عليه الصلاة والسلام، ويؤيده قراءة الناس: وهو آدم، عليه السلام من قوله تعالى:
﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي﴾ [طه: ١١٥]. وقيل: ﴿من حيث أفاض الناس﴾
[البقرة: ١٩٩]. أي: سائر الناس غير الحمس. وقال ابن التين: وهو الصحيح، وقال
الزمخشري فإن قلت: فكيف موقع: ثم، يعني في قوله: ﴿ثم أفيضوا﴾ [البقرة: ١٩٩]. لأن
ثم تقتضي المهلة؟ قال تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ [البقرة: ١٩٩]. ثم قال:
﴿ثم أفيضوا﴾ [البقرة: ١٩٩]. والإفاضة من عرفات قبل المجيء إلى المشعر الحرام. وأجاب
الزمخشري: بأن موقع: ثم، نحو موقعها في قولك: أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير
كريم، تأتي بثم لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم والإحسان إلى غيره، وبعد ما بينهما،
فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات. قال: ﴿ثم أفيضوا﴾ [البقرة: ١٩٩].
لتفاوت ما بين الإفاضتين وأن إحداهما صواب والثانية خطأ، وأجاب غيره بأن: ثم، بمعنى
الواو، واختاره الطحاوي. وقيل: لقصد التأكيد لا لمحض الترتيب، والمعنى: فإذا أفضتم من
عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام، ثم اجعلوا الإفاضة التي تفيضونها من حيث أفاض
الناس، لا من حيث كنتم تفيضون. وقال الخطابي: تضمن قوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من
حيث أفاض الناس﴾ [البقرة: ١٩٩]. الأمر بالوقوف بعرفة، لأن الإفاضة إنما تكون عن اجتماع
قبله. قوله: ((فدفعوا إلى عرفات)) بلفظ المجهول أي: أمروا بالذهاب إلى عرفات حيث قيل
لهم: ثم أفيضوا، وفي رواية الكشميهني: ((فرفعوا)) بالراء، وفي رواية مسلم من طريق أبي
أسامة عن هشام رجعوا إلى عرفات، والمعنى: أنهم أمروا أن يتوجهوا إلى عرفات ليقفوا بها ثم
يفيضوا منها.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: الوقوف بعرفة وهو من أعظم أركان الحج، ثبت ذلك بفعل
النبي عَّه وقوله. أما فعله: فروى الإمام أحمد: حدثنا روح حدثنا زكرياء بن إسحاق أخبرنا
إبراهيم بن ميسرة أنه سمع يعقوب بن عاصم بن عروة يقول: سمعت الشريد يقول: أشهد
لوقفت مع رسول الله عَ له بعرفات، قال: فما مست قدماه الأرض حتى أتى جمعاً، والشريد
بفتح الشين المعجمة وكسر الراء: ابن سويد الثقفي، وقال الطبري: حدثنا ابن حميد حدثنا
جرير عن عطاء بن السائب عن عبد الله بن ربيعة عن أبيه، رجل من قريش، قال: رأيت النبي
عَِّ يقف بعرفة موضعه الذي رأيته يقف فيه في الجاهلية. وأما قوله: فرواه الترمذي من
حديث علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، قال: ((وقف رسول الله عَّ له بعرفة فقال:
هذه عرفة وهو الموقف، وعرفة كلها موقف ... )) الحديث.
وروى ابن حبان في (صحيحه) من حديث جبير بن مطعم، قال: قال رسول الله عَ له:
((كل عرفات موقف، فارفعوا عن عرنة، وكل مزدلفة موقف فارفعوا عن محسر، وكل أيام منىّ
منحر وفي كل أيام التشريق ذبح)). وفي هذه الأحاديث تعيين عرفة للوقوف، وأنه لا يجزي
الوقوف بغيرها، وهو قول أكثر أهل العلم. وحكى ابن المنذر عن مالك أنه يصح الوقوف

٨
٢٥ - كتاب الحَجِّ / باب (٩٣)
بعرنة، بضم العين والنون، والحديث المذكور حجة عليه، وحد عرفة ما رواه الأزرقي في
(تاريخ مكة) بإسناده إلى ابن عباس، قال: حد عرفة من قبل المشرق على بطن عرنة إلى
جبال عرنة إلى وصيق إلى ملتقى وصيق إلى وادي عرنة. ووصيق، بفتح الواو وكسر الصاد
المهملة بعدها ياء آخر الحروف وفي آخره قاف، وقال الشافعي في (الأوسط) من مناسكه:
وعرفة ما جاوز بطن عرنة وليس الوادي ولا المسجد منها إلى الجبال المقابلة مما يلي
حوائط ابن عامر وطريق الحضن، وما جاوز ذلك فليس بعرفة، و: الحضن، بفتح الحاء
المهملة والضاد المعجمة المفتوحتين. وابن عامر هو عبد الله بن عامر بن كريز، وكان له
حائط نخل وكان فيها عين. قال المحب الطبري: وهو الآن خراب. وقال ابن بطال: اختلفوا
إذا دفع من عرفة قبل غروب الشمس ولم يقف بها ليلاً، فذهب مالك إلى أن الاعتماد في
الوقوف بعرفة على الليل من ليلة النحر، والنهار من يوم عرفة تبع، فإن وقف جزأ من الليل -
أي جزءٍ كان قبل طلوع الفجر من يوم النحر - أجزأه، وقال أبو حنيفة والثوري والشافعي:
الاعتماد على النهار من يوم عرفة من وقت الزوال والليل كله تبع، فإن وقف جزءاً من النهار
أجزأه، وإن وقف جزءاً من الليل أجزأه، إلاَّ أنهم يقولون: إن وقف جزءاً من النهار بعد الزوال
دون الليل كان عليه دم، وإن وقف جزءاً من الليل دون النهار لم يجب عليه دم، وذهب
أحمد بن حنبل إلى أن الوقوف من حين طلوع الفجر من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من ليلة
النحر، فسوى بين أجزاء الليل وأجزاء النهار.
وقال ابن قدامة: وعلى من دفع قبل الغروب دم في قول أكثر أهل العلم، منهم عطاء
والثوري والشافعي وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقال ابن جريج: عليه بدنة، وقال الحسن بن أبي
الحسن: عليه هدي من الإبل، فإن دفع قبل الغروب ثم عاد نهاراً فوقف حتى غربت الشمس فلا دم
عليه، فإن قلت: روى نافع عن ابن عمر أنه قال: من لم يقف بعرفة ليلة المزدلفة قبل أن يطلع
الفجر فقد فاته الحج. وعن عروة بن الزبير مثله، ورفعه ابن عمر مرة: ((من فاته عرفات بليل فقد
فاته الحج))، وعن عمرو بن شعيب رفعه، قال: ((من جاوز وادي عرفة قبل أن تغيب الشمس فلا حج
له))، وعن معمر عن رجل عن سعيد بن جبير رفعه: ((إنا لا ندفع حتى تغرب الشمس)) يعني: من
عرفات: قلت: ابن حزم ضعف هذه كلها ووهاها. وعن عروة بن مضرس الطائي مرفوعاً: ((من
أدرك معنا هذه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه))، رواه
أصحاب السنن الأربعة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان، والله تعالى أعلم.
٩٣ - بابُ السَّيْرِ إِذَا دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ
أي: هذا باب في بيان صفة السير إذا دفع من عرفة يعني إذا انصرف منها، وتوجه إلى
المزدلفة، وفي بعض النسخ من عرفات قال الفراء: عرفات اسم في لفظ الجمع ولا واحد له،
وقول الناس: نزلنا عرفة شبيه بالمولد، وليس بعربي محض.
١٦٦٦/٢٥٠ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ

٩
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (٩٣)
أبِيهِ أَنَّهُ قال سُئِلَ أُسَامَةُ وأنا جَالِسٌ كَيْفَ كانَ رسولُ الله عَ لَّهِ يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ حِينَ
دَفَعَ قال كانَ يَسيرُ الْعَنَقَ فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةٌ نَصَّ. [الحديث ١٦٦٦ - طرفاه في: ٢٩٩٩،
٤٤١٣].
مطابقته للترجمة في قوله: ((كان يسير العنق))، فإنه صفة سيره إذا دفع من عرفة، وعن
قريب يأتي تفسيره.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الجهاد عن أبي
موسى، وفي المغازي عن مسدد، كلاهما عن يحيى بن سعيد. وأخرجه مسلم في المناسك
عن أبي الربيع الزهراني وقتيبة، كلاهما عن حماد بن زيد وعن أبي بكر عن عبدة بن سليمان
وعبد الله بن نمير وحميد بن عبد الرحمن. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي عن مالك.
وأخرجه النسائي فيه عن يعقوب بن إبراهيم، وعن عبد الله بن محمد بن سلمة والحارث بن
مسكين. وأخرجه ابن ماجه فيه عن علي بن محمد الطنافسي وعمرو بن عبد الله الأودي.
ذكر معناه: قوله: ((سئل أسامة))، وهو أسامة بن زيد بن حارثة، حب رسول الله، عَ لّه،
ومولاه سمع النبي عَّله وتوفي في آخر خلافة معاوية. قوله: ((وأنا جالس))، الواو فيه للحال،
وفي رواية النسائي من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن مالك: وأنا جالس معه، وفي رواية
مسلم من طريق حماد بن زيد عن هشام عن أبيه: سئل أسامة وأنا شاهد، أو قال: سألت
أسامة بن زيد. قوله: ((في حجة الوداع))، سميت به لأنه عَّ ودع الناس فيها. وقال: ((لا
ألقاكم بعد عامي هذا)) وغلط من كره تسميتها بذلك، وتسمى البلاغ أيضاً، لأنه قال: عَ لَّه
فيها: ((هل بلغت؟)) وحجة الإسلام لأنها التي حج فيها بأهل الإسلام ليس فيها مشرك. قوله:
((حين دفع))، أي: من عرفات، أي: انصرف منها إلى المزدلفة، وفي رواية يحيى بن يحيى
وغيره عن مالك في (الموطأ): حين دفع من عرفة. قوله: ((العنق))، بفتح العين المهملة وفتح
النون، وفي آخره قاف، قال في (الموعب) لابن التياني: هو سير مسبطر، وقال معمر: هو
أدنى المشي، وهو أن يرفع الفرس يده ليس يرفع هملجة ولا هرولة. وفي (التهذيب)
للأزهري: العنق والعنيق ضرب من السير، وقد أعنقت الدابة. وقال ابن سيده: فهي معنق
ومعناق وعنيق. وفي (المخصص) عن الأصمعي: من المشي العنق وهو أوله، وقال القزاز:
ولم يقولوا عنقه. وفي (كتاب الاحتفال) لابن أبي خالد في صفات الخيل: ومن أنواع سير
الإبل والدواب العنق، وهو سير سهل مسبطر، تمد فيه الدابة عنقها للاستعانة، وهو دون
الإسراع. وفي (المجمل): هو نوع من سير الدواب طويل.
قوله: ((فإذا وجد فجوة)) الفجوة والفجواء ممدود، قال ابن سيده: هو ما اتسع من
الأرض، وقيل: ما اتسع منها وانخفض. وقال النووي: رواه بعضهم في (الموطأ) بضم الفاء
وفتحها، ورواه أبو مصعب ويحيى بن بكير وغيرهما عن مالك بلفظ: فرجة، بضم الفاء
وسكون الراء. ((وهو)، بمعنى الفجوة. قوله: ((نصَّ)) فعل ماضٍ، وفاعله النبي عَّ﴾ أي: أسرع.
وفي (كتاب الاحتفال): النص والنصيص في السير أن تسار الدابة أو البعير سيراً شديداً حتى

١٠
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (٩٣)
تستخرج أقصى ما عنده، ونص كل شيء منتهاه. وقال أبو عبيد: النص أصله منتهى الأشياء
وغايتها، ومبلغ أقصاها. وقال ابن بطال: تعجيل الدفع من عرفة، والله أعلم، إنما هو لضيق
الوقت لأنهم إنما يدفعون من عرفة إلى المزدلفة عند سقوط الشمس، وبين عرفة والمزدلفة
نحو ثلاثة أميال، وعليهم أن يجمعوا المغرب والعشاء بالمزدلفة وتلك سنتها فتعجلوا في
السير لاستعجال الصلاة. وقال الطبري: الصواب في صفة السير في الإفاضتين جميعاً ما
صحت به الآثار إلاَّ في وادي محسر، فإنه يوضع لصحة الحديث بذلك، فلو أوضع أحد في
موضع العنق أو العكس لم يلزمه شيء لإجماع الجمع على ذلك، غير أنه يكون مخطئاً طريق
الصواب قلت: أشار بقوله: لصحة الحديث، إلى ما روي عن جابر، رضي الله تعالى عنه،
رواه الترمذي، فقال: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا وكيع وبشر بن السري وأبو نعيم، قالوا:
حدثنا سفيان عن أبي الزبير ((عن جابر أن النبي عَّهِ أوضع في وادي محسر ... )) الحديث
وقال أبو عيسى: حديث حسن صحيح. قوله: ((أوضع))، أي: أسرع السير من الإيضاع وهو
السير السريع، ومفعول: أوضع،، محذوف أي: أوضع راحلته، لأن الرباعي متعد، والقاصر منه
ثلاثي. قال الجوهري: وضع البعير وغيره أي: أسرع في سيره.
وفيه من الفوائد: أن السلف كانوا يحرصون على السؤال عن كيفية أحواله، عَّه، في
جمیع حر کاته وسکونه ليقتدوا به في ذلك.
قال هِشَامٌ وَالنَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ
هو هشام بن عروة الراوي، وهذا تفسير منه، وكذا رواه مسلم من رواية حميد بن عبد
الرحمن عن هشام بن عروة، قال هشام: والنص فوق العنق، وأدرجه يحيى القطان في الذي
رواه البخاري في الجهاد، قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يحيى عن هشام، قال:
أخبرني أبي، قال: سئل أسامة بن زيد: كان يحيى يقول وأنا أسمع، فسقط عني عن مسير
النبي عَ له في حجة الوداع، قال: فكان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص، والنص فوق العنق،
وكذا أدرجه سفيان فيما أخرجه النسائي وعبد الرحيم بن سليمان ووكيع فيما أخرجه ابن
خزيمة كلهم عن هشام، وقد رواه عن إسحاق في (مسنده) عن وكيع، ففصله وجعل التفسير
من كلام وكيع، وكذا رواه ابن خزيمة من طريق سفيان ففصله وجعل التفسير من كلام
سفيان، وسفيان ووكيع، إنما أخذا التفسير المذكور عن هشام، فرجع التفسیر إلیه. وقد رواه
أكثر رواة (الموطأ) عن مالك، فلم يذكر التفسير، ولذلك رواه أبو داود الطيالسي من طريق
حماد بن سلمة، ومسلم من طريق حماد بن زيد، كلاهما عن هشام.
فَجْوَةٌ مُتَّسَعٌ وَالجَمْعُ فَجَوَاتٌ وفِجَاءٌ وكذَلِكَ رَكْوَةٌ وَرِكَاءٌ مَنَّاصٌ لَيْسَ حِينَ فِرَارٍ
فسر البخاري الفجوة بقوله: متسع، وأبو عبد الله هو كنية البخاري، وذكر أيضاً أن
جمع فجوة يأتي على مثالين: أحدهما: فجوات، بفتحتين، والآخر: فجاء، بكسر الفاء، ومثل
لذلك بقوله: ((وكذا ركوة ورکاء» فإن ركوة على وزن فجوة، وركاء الذي هو جمع على

١١
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (٩٤)
وزن فجاء. قوله: ((مناص ليس حين فرار)) لم يثبت في كثير من النسخ، وأما وجه المذكور
من ذلك أنه إنما ذكره لدفع وهم من يتوهم أن المناص والنص من باب واحد، وأن أحدهما
مشتق من الآخر وليس كذلك، فإن النص مضعف وحروفه صحاح، والمناص من باب المعتل
العين الواوي لأنه من النوص. قال الفراء: النوص التأخر ويقال: ناص عن قرنه ينوص نوصاً
ومناصاً أي: فر وزاع. وقال الجوهري: قال الله تعالى: ﴿ولات حين مناص﴾ [ص: ٣]. أي:
ليس وقت تأخر وفرار. والذي يظهر أن أبا عبد الله هو الذي وهم فيه فظن أن مادة: نص
ومناص واحدة، فلذلك ذكره، والأولى أن يعتمد على النسخة التي لم يذكر هذا فيها، ويبعد
الشخص من نسبة الوهم إليه أو إلى غيره.
٩٤ - بابُ التُّزُولِ بَيْنَ عَرَفَةَ وَجَمْعٍ
أي: هذا باب في بيان نزول الحاج بين عرفة وجمع، وهو المزدلفة لقضاء حاجته، أي
حاجة كانت، وليس هذا من المناسك.
١٦٦٧/٢٥١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حِدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ يَخْتَى بنِ سَعِيدٍ عنْ مُوسى
بنِ عُقْبَةً عنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عنْ أَسَامةَ بنِ زَيْدٍ رضي الله تعالى عنهما أنَّ النبيَّ عَّه.
حَيْثُ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ مال إِلَى الشّغْبِ فَقَضى حاجَتَهُ فَتَوَضِّأ فقُلْتُ يا رَسُولَ الله أَتُصَلِّي فقال
الصَّلاَةُ أمامَكَ. [انظر الحديث ١٣٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((مال إلى الشعب فقضى حاجته))، لأن معناه نزل هناك
وهو بين عرفة وجمع على ما نذكره، إن شاء الله تعالى، ويحيى بن سعيد هو الأنصاري
وروايته عن موسى بن عقبة من رواية الأقران لأنهما تابعيان صغيران، وقد حمله موسى عن
كريب فصار فى الإسناد ثلاثة من التابعين.
والحديث أخرجه في كتاب الوضوء في: باب إسباغ الوضوء عن عبد الله بن مسلمة
عن مالك عن موسى بن عقبة إلى آخره بأتم منه وأطول، ومضى الكلام فيه هناك مستوفىّ.
قوله: ((حيث أفاض)، وفي رواية أبي الوقت: ((حين أفاض))، وهي أصوب لأنه ظرف
زمان، وحيث ظرف مكان. قوله: ((إلى الشعب)) بكسر الشين المعجمة وهو الطريق بين
الجبلين. قوله: ((فقضى حاجته)) أي: استنجى. قوله: ((أتصلي؟)) بهمزة الاستفهام، ويروى
بدون الهمزة ولكنها مقدرة. قوله: ((الصلاة أمامك؟)، بفتحج الهمزة، أي: الصلاة في هذه
الليلة مشروعة فيما بين يديك أي في المزدلفة، ويجوز في لفظ: الصلاة، الرفع والنصب، أما
الرفع فعلى الابتداء وخبره محذوف تقديره الصلاة حاضرة أو حانت أمامك، وأما النصب
فبفعل مقدر.
١٦٦٨/٢٥٢ - حدّثنا مُوسى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِع قال كانَ عَبْدُ
اللهِ بنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ والْعِشَاءِ بِجَمْعِ غَيْرَ أَنَّهُ يَمُرُّ بالشَّعْبِ
الَّذِي أَخذَهُ رسولُ الله عَّ ◌َلِ فَيَدْخُلُ فِيَنْتَفِضُ ويَتَوَضَّأُ ولاَ يُصَلِّي حَتَّى يُصَلِّي بِجَمعٍ. [انظر

١٢
-
٢٥ - كتاب الحَجَّ / باب (٩٤)
الحديث ١٠٩١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((غير أنه يمر بالشعب فيدخل فينتفض)) وموسى بن
إسماعيل أبو سلمة المنقري التبوذكي وجويرية تصغير جارية ابن أسماء الضبعي البصري.
قوله: ((بجمع))، هو المزدلفة. قوله: ((غير أنه يمر))، هذا في معنى الاستثناء المنقطع أي:
بجمع، لكن بهذا التفصيل من المرور بالشعب وما بعده لا مطلقاً. قوله: ((الذي أخذه رسول
الله عَّهِ)) يصلي أي: قوله: ((فينتفض))، بفاء وضاد معجمة: من الانتفاض وهو كناية عن
قضاء الحاجة، معناه: يستنجي ثم يتوضأ ولا يصلي شيئاً حتى يصلي بجمع.
١٦٦٩/٢٥٣ - حدّثنا قُتَيْبَةُ قال حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ مُحَمَّدٍ بنِ أبي حَرْمَلَةً
عِنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ عنْ أُسَامَةَ بنِ زَيْد رضي الله تعالى عنهما أنَّهُ قال رَدِفْتُ رسولَ
الله عََّلَّهِ مِنْ عَرَفَاتٍ فَلَمَّا بَلَغَ رسولُ اللهِ عَلَّهِ الشِّغْبَ الأَيْسَرَ الَّذِي دُونَ المُزْدَلِفَةِ أَناخَ فَبالَ
ثُمَّ جاءَ فَصَبَبتُ عَلَيْهِ الوضوءِ تَوَضَّأُ وُضُوءًا خَفِيفاً فقُلْتُ الصَّلاةُ يا رسولَ الله قال الصَّلاةُ
أمامَكَ فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ عَ لَّهِ حَتَّى أتى المُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى ثُمَّ رَدِفَ الفَضْلُ رسولَ اللهِعَه
غَدَاةَ جَمْعٍ. [انظر الحديث ١٣٩ وأطرافه].
... / ١٦٧٠ - قَالَ كُرَيْبٌ فأخْبَرَنِي عَبْدُ الله بنُ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما عنٍ
الفَضْلِ أَنَّ رسولَ الله عَّهِ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الجَمْرَةَ. [انظر الحديث ١٥٤٤ وطرفيه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فلما بلغ رسول الله عَ لّ الشعب الأيسر الذي دون
المزدلفة أناخ فبال))، والإناخة والبول لا يكونان إلاّ بالنزول، وكان ذلك بين عرفة وجمع.
ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: قتيبة بن سعيد. الثاني: إسماعيل بن جعفر أبو إبراهيم
الأنصاري مولى زريق المؤدب، مات سنة ثمانين ومائة. الثالث: محمد بن أبي حرملة، بفتح
الحاء المهملة وسكون الراء وفتح الميم، ولا يعرف اسمه، وهو مولى آلی حويطب، وكان
خصيف يروي عنه فيقول: حدثني محمد بن حويطب، فذكر ابن حبان أن خصيفاً كان
ينسبه إلى جده وإليه، وذكر في (رجال الصحيحين) محمد بن أبي حرملة القرشي يكنى أبا
عبد الله مولى عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب بن عبد العزى. قال الواقدي، مات في
أول خلافة أبي جعفر. الرابع: كريب، بضم الكاف. الخامس: أسامة بن زيد بن حارثة.
السادس: عبد الله بن عباس. السابع: الفضل بن عباس، رضي الله تعالى عنهم.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار بصيغة
الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: أن
شيخه بغلاني بغلان بلخ، والبقية من الرواة كلهم مدنيون. وفيه: رواية الصحابي عن
الصحابي، وهما عبد الله بن عباس والفضل بن عباس. وفيه: رواية الأخ عن الأخ وهما
المذكوران. وفيه: ثلاثة من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم.
والحديث أخرجه مسلم في الحج أيضاً عن يحيى بن يحيى ويحيى بن أيوب وقتيبة

١٣
٢٥ - كتاب الحج / باب (٩٥)
وعلي بن حجر أربعتهم عن إسماعيل بن جعفر عن محمد بن أبي حرملة.
ذكر معناه: قوله: ((ردفت رسول الله عَّلَّهِ) بكسر الدال، أي: ركبت وراءه. قوله:
((أناخ)) أي: راحلته. قوله: ((الوضوء))، بفتح الواو هو الماء الذي يتوضأ به. قوله: ((توضأ))
ويروى: ((فتوضا)) بفاء العطف. قوله: ((وضوءاً خفيفاً)) إما بأنه توضأ مرة مرة أو بأنه خفف
استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عادته، ويؤيد هذا الرواية الأخرى الآتية بعد باب، فلم يسبغ
الوضوء. قوله: ((فقلت: الصلاة)) القائل هو أسامة، والصلاة منصوبة بفعل مقدر، ويجوز رفعها
على تقدير: الصلاة حضرت. قوله: ((الصلاة أمامك))، بالوجهين كما ذكرنا في الحديث
السابق. قوله: ((حتى أتى المزدلفة فصلى))، أي: لم يبدأ بشيء قبل الصلاة. وفي رواية
مسلم من حديث إبراهيم بن عقبة: ثم سار حتى بلغ جمعاً فصلى المغرب والعشاء. قوله:
((غداة جمع))، أي: غداة الليلة التي كانت به، أي: صبح يوم النحر. قوله: ((حتى بلغ
الجمرة)) أي: جمرة العقبة، ويروى: حتى بلغ رمي الجمرة.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: جواز الركوب حال الدفع من عرفة. وفيه: جواز الارتداف
على الدابة لكن إذا كانت مطيقة. وفيه: الاستعانة فى الوضوء وللفقهاء فيه تفصيل لأن
الاستعانة إما أن تكون في إحضار الماء مثلاً، أو في صبه على المتوضىء، أو مباشرة غسل
أعضائه. فالأول جائز بلا خلاف، والثالث مكروه إلاَّ إن كان لعذر، واختلف في الثاني،
والأصح أنه: لا يكره لكنه خلاف الأولى، وأما الذي وقع من النبي عَّه فكان إما لبيان
الجواز، وهو حينئذ أفضل في حقه، أو كان للضرورة. وفيه: الجمع بين المغرب والعشاء
بمزدلفة، وسيأتي الكلام فيه عن قريب. لأنه عقد له باباً. وفيه: التلبية إلى أن يأتي إلى موضع
رمي الجمرة، وسيأتي بیانه لأنه عقد باباً له.
٩٥ - بابُ أمْرِ النبيِّ عَ لَّه بِالسَّكِينَةِ عِنْدَ الإِفَاضَةِ وإشارَتِهِ إِلَيْهِمْ بِالسَّوْطِ
أي: هذا باب في بيان أمر النبي عَّه بالسكينة أي: الوقار عند الإفاضة من عرفة،
وإشارة النبي عَّهِ إلى أصحابه بالسوط بذلك.
١٦٧١/٢٥٤ - حدّثنا سعِيدُ بنُ أَبِي مَرْتَمَ قال حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سُوَيْدٍ قال حدَّثني
عَمْرُو بِنُ أَبِي عَمْرٍو مَولَى المُطَّلِبِ قال أخبرني سَعيدُ بنُ مُجُبَيْرٍ مَولى وَالِبَةَ الكُوفِيُّ قَالَ
حدَّثني ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أنَّهُ دفَعَ مَعَ النبيِّ عَ لَّه يَوْمَ عَرَفَةَ فْسَمِعَ النبيُّ عَ لَّه
ورَاءَهُ زَجْراً شَدِيداً وضَرْباً وصَوْتاً لِلإِبِلِ فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ وقال أيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُم بالسَّكِينَةِ
فإنَّ البِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ.
مطابقته للترجمة ظاهرة، وللترجمة جزآن: أحدهما: أمره، عَّ له، بالسكينة فيطابقه قوله
عَ له: ((يا أيها الناس عليكم بالسكينة))، والآخر: إشارته عَّ له إليهم بالسوط، فيطابقه قوله:
((فأشار إليهم بسوطه)).
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: سعيد بن أبي مريم، وهو سعيد بن محمد بن الحكم

١٤
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (٩٦)
ابن أبي مريم الجمحي مولاهم أبو محمد، وقد مر. الثاني: إبراهيم بن سويد، بضم السين
المهملة وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف: ابن حيان، بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء
آخر الحروف وبالنون. الثالث: عمرو بن أبي عمرو بالواو فيهما، واسم أبي عمرو: ميسرة -
ضد الميمنة - قد مر في كتاب العلم في: باب الحرص. الرابع: سعيد بن جبير، بضم الجيم
وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء، مولى والبة، بكسر اللام وفتح
الباء الموحدة الخفيفة: بطن من بني أسد، قتله الحجاج في سنة خمس وتسعين. الخامس:
عبد الله بن عباس، رضي الله تعالى عنهما.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في
موضعين. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد في موضع واحد. وفيه: أن شيخه بصري وإبراهيم
وعمرو مدنيان وسعيد كوفي وتكلم في إبراهيم فقال ابن حبان: في حديثه مناكير ولكن عند
البخاري ثقة، وقد تابعه في هذا الحديث سليمان بن بلال عند الإسماعيلي، وعمرو مولى
المطلب بن عبد الله بن حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم.
وهذا الحديث من أفراد البخاري.
ذكر معناه: قوله: ((دفع مع النبي، عَّ لِ)) أي: انصرف معه من عرفة يوم عرفة. قوله:
((زجراً))، بفتح الزاي وسكون الجيم وفي آخره راء: وهو الصياح لحث الإبل. قوله: ((وضرباً))
وفي رواية كريمة: ((وصوتاً)، أيضاً بعد: ضرباً، وكأنه تصحيف من: ضرباً، فعطف: صوتاً،
عليه. قوله: ((عليكم بالسكينة)) إغراء أي: لازموا السكينة في السير، يعني الرفق وعدم
المزاحمة، وعلل ذلك بقوله: ((فإن البر)) أي: الخير ((ليس بالإيضاع)) أي: السير السريع من
أوضع: إذا سار سيراً عنيفاً ويقال: هو سير مثل الخبب. وقال المهلب: إنما نهاهم عن الإسراع
إبقاء عليهم لئلا يجحفوا بأنفسهم مع بعد المسافة.
أَوْضَعُوا أَسْرَعُوا خِلاَلَكُمْ مِنَ التَّخَلُّلِ بَيْتَكُمْ وفَجّزْنَا خِلالَهُمَا بَيْنَهُمَا
هو من كلام البخاري أشار به إلى تفسير الإيضاع في الحديث لأنه مصدر من أوضع
يوضع إيضاعاً إذا أسرع في السير، ولما كانت لفظة: أوضعوا، مذكورة في القرآن في سورة
براءة، وهو قوله تعالى: ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلاَّ خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم
الفتنة﴾ [التوبة: ٤٧]. الآية، والمعنى: ما زادوكم إلاَّ شيئاً خبالاً، والخبال: الشر والفساد،
ولأوضعوا خلالكم ولسعوا بينكم بالتضريب وهو الإغراء بين القوم وإفساد ذات البين، وقال
الزمخشري: والمعنى: ولأوضعوا أي: أسرعوا ركائبهم لأن الراكب أسرع من الماشي، وقرأ
ابن الزبير، رضي الله تعالى عنهما: ولأرقصوا من: رقصت الناقة رقصاً إذا أسرعت، وأرقصتها
أنا، وقرىء: ولأوفضوا.
٩٦ - بابُ الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاَكَيْنِ بالمُزْدَلِفَةِ
أي: هذا باب في بيان الجمع بين المغرب والعشاء في المزدلفة.

١٥
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (٩٧)
٢٥٥/ ١٦٧٢ - حدثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عن مُوسى بنِ عُقْبَةَ عنْ
كُرَيْبٍ عنْ أَسَامةَ بنِ زَيْدٍ رضي الله تعالى عنهُمَا أنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ دفَعَ رسُولُ الله عَلَّهِ مِنْ
عَرَفَةَ فنزَلَ الشِّغْبَ فَبَالَ ثُمَّ تَوَضَّأُ ولَمْ يُشْبِغ الوُضُوءَ فَقُلْتُ لَهُ الصَّلاَةُ فقال الصَّلاَةُ أمامَكَ
فِجَاءَ المُزْدَلِفَةَ فَتَوَضَّأْ فَأَسْبَغَ ثُمَّ أقيمَتِ الصَّلاَةُ فَصَلى المَغْرِبَ ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي
مَنْزِلِهِ ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فصَلَّى وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا. [انظر الحديث ١٣٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فجاء المزدلفة ... )) إلى آخره، وقد مر هذا الحديث في
كتاب الوضوء في: باب إسباغ الوضوء، فإنه أخرجه هناك: عن عبد الله بن مسلمة عن مالك،
وههنا أخرجه: عن عبد الله بن يوسف عن مالك، والتفاوت في الإسناد في شيخيه فقط، وفي
المتنين شيء يسير، وقد مر الكلام فيه هناك مستوفى.
قوله: ((عن كريب عن أسامة)) قال ابن عبد البر: رواه أصحاب مالك عنه هكذا إلا
3
أشهب وابن الماجشون فإنهما أدخلا بين كريب وأسامة عبد الله بن عباس، رضي الله تعالى
عنهما، أخرجه النسائي. قوله: ((ولم يسبغ الوضوء))، قال ابن عبد البر: أي: استنجى به
وأطلق عليه اسم الوضوء اللغوي لأنه من الوضاءة وهي النظافة، ومعنى الإسباغ الإكمال أي:
لم يكمل وضوءه فيتوضأ للصلاة، قال: وقد قيل: إن معنى قوله: ((لم يسبغ الوضوء)) أي: لم
يتوضأ في جميع أعضاء الوضوء، بل اقتصر على بعضها. وقيل: إنه توضأ وضوءاً خفيفاً، وقال
القرطبي: اختلف الشراح في قوله: ((ولم يسبغ الوضوء»، هل المراد به: اقتصر على بعض
الأعضاء فيكون وضوءاً لغوياً؟ واقتصر على بعض العدد فيكون وضوءاً شرعياً؟ قال: وكلاهما
محتمل، لكن يعضد من قال بالثاني قوله في الرواية الأخرى: ((وضوءاً خفيفاً) لأنه لا يقال في
الناقص: خفيف، فإن قلت: قول أسامة للنبي عَّهِ: الصلاة، يدل على أنه رآه أنه توضأ وضوء
الصلاة. قلت: يحتمل أن يكون مراده: أتريد الصلاة؟ فلِمَ لَم تتوضأ وضوء الصلاة؟ وقال
الخطابي: إنما ترك إسباغه حين نزل الشعب ليكون مستصحباً للطهارة في طريقه، وتجوز فيه،
لأنه لم يرد أن يصلي به، فلما نزل وأرادها أسبغه، فإن قلت: هذا يدل على أنه توضأ وضوء
الصلاة ولكنه خفف، ثم لما نزل توضأ وضوءاً آخر وأسبغه، والوضوء لا يشرع مرتين لصلاة
واحدة، قاله ابن عبد البر، رحمه الله تعالى قلت: لا نسلم عدم مشروعية تكرار الوضوء لصلاة
واحدة، ولئن سلمنا فيحتمل أنه توضأ ثانياً عن حدث طارىء، والله أعلم.
٩٧ - بابُ منْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يَتَطَوَّعْ
أي: هذا باب في بيان حكم من جمع بين الصلاتين أي: المغرب والعشاء، ولم
يتطوع، أي: لم يصل تطوعاً بين الصلاتين المذكورتين.
٢٥٦/ ١٦٧٣ - حدّثنا آدَمُ قال حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سَالِمٍ بنِ عَبْدِ
الله عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قال جمَعَ النبيُّ عَّهِ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشَاءِ بِجَمْعٍ
كُلِّ واحِدَةٍ مِنْهُمَا بِإِقَامَةٍ وَلَمْ يُسَبِّخِ بَيْنَهُمَا ولاَ عَلَى أَثَرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا. [انظر الحديث

١٦
٢٥ - كتاب الحَجُّ / باب (٩٧)
١٠٩١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة صريحاً من متنه، ورجاله قد ذكروا غير مرة، وآدم هو ابن أبي
إياس، واسم أبي إياس: عبد الرحمن، أصله من خراسان سكن عسقلان، وابن أبي ذئب،
بكسر الذال المعجمة: وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، واسم أبي ذئب: هشام
المدني، والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب المدني.
قوله: ((بجمع))، بفتح الجيم: وهو المزدلفة، وقد فسرناه غير مرة. قوله: ((ولم يسبح
بينهما)) أي: لم يتطوع بين المغرب والعشاء. قوله: ((ولا على إثر))، بكسر الهمزة بمعنى:
الأثر، بفتحتين، أي: عقيبه.
والحديث أخرجه أبو داود أيضاً في الحج عن أحمد بن حنبل وعن عثمان بن أبي
شيبة وعن مخلد بن خالد. وأخرجه النسائي فيه عن عمرو بن علي، وفي الصلاة عن إسحاق
بن إبراهيم عن و کیع.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: الجمع بين المغرب والعشاء في المزدلفة، وهذا لا خلاف
فيه، ولكن الخلاف فيه: هل هو للنسك أو لمطلق السفر، أو للسفر الطويل، فمن قال:
للنسك، قال: يجمع أهل مكة ومنى وعرفة والمزدلفة، ومن قال: لمطلق السفر، قال: يجمعون
سوى أهل المزدلفة، ومن قال للسفر الطويل، قال: يتم أهل مكة ومنىّ وعرفة والمزدلفة
وجميع من كان بينه وبينها دون مسافة القصر، ويقصر من طال سفره. وقال الترمذي: والعمل
على هذا الحديث عند أهل العلم أنه لا يصلي المغرب دون جمع. وقال شيخنا زين الدين،
رحمه الله تعالى: كأنه أراد العمل عليه مشروعية واستحباباً لا تحتماً ولا لزوماً، فإنهم لم
يتفقوا على ذلك، بل اختلفوا فيه. فقال سفيان الثوري: لا يصليهما حتى يأتي جمعاً وله
السعة في ذلك إلى نصف الليل، فإن صلاهما دون جمع أعاد، وكذا قال أبو حنيفة: إن
صلاهما قبل أن يأتي المزدلفة فعليه الإعادة، وسواء صلاهما قبل مغيب الشفق أو بعده، فعليه
أن يعيدهما إذا أتى المزدلفة. وقال مالك: لا يصليها أحد قبل جمع إلاَّ من عذر، فإن صلاهما
من عذر لم يجمع بينهما حتى يغيب الشفق، وذهب الشافعي إلى أن هذا هو الأفضل، وأنه
إن جمع بينهما في وقت المغرب أو في وقت العشاء، بأرض عرفات أو غيرها أو صلى كل
صلاة في وقتها جاز ذلك، وبه قال الأوزاعي وإسحاق بن راهويه وأبو ثور، وأبو يوسف
وأشهب، وحكاه النووي عن أصحاب الحديث، وبه قال من التابعين: عطاء وعروة وسالم
والقاسم وسعيد بن جبير. وفيه: أن الإقامة لكل واحدة من المغرب والعشاء.
وفيه: للعلماء ستة أقوال: أحدها: أنه يقيم لكل منهما ولا يؤذن لواحدة منهما، وهو
قول القاسم ومحمد وسالم وهو إحدى الروايات عن ابن عمر، وبه قال إسحاق بن راهويه
وأحمد بن حنبل في أحد القولين عنه. وهو قول الشافعي وأصحابه فيما حكاه الخطابي
والبغوي وغير واحد، وقال النووي في (شرح مسلم): الصحيح عند أصحابنا أنه يصليهما

١٧
٢٥ - كتاب الحجّ / باب (٩٧)
بأذان للأولى وإقامتين لكل واحدة إقامة. وقال في الإيضاح إنه الأصح. الثاني: أن يصليهما
بإقامة واحدة للأولى وهو إحدى الروايات عن ابن عمر، وهو قول سفيان الثوري فيما حكاه
الترمذي والخطابي وابن عبد البر وغيرهم. الثالث: أنه يؤذن للأولى ويقيم لكل واحدة منهما،
وهو قول أحمد بن حنبل في أصح قوليه، وبه قال أبو ثور وعبد الملك بن الماجشون من
المالكية، والطحاوي، وقال الخطابي هو قول أهل الرأي، وذكر ابن عبد البر أن الجوزجاني
حكاه عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن أبي حنيفة. الرابع: أنه يؤذن للأولى ويقيم
لها ولا يؤذن للثانية ولا يقيم لها، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، حكاه النووي وغيره.
قلت: هذا هو مذهب أصحابنا، وعند زفر: بأذان وإقامتين. الخامس: أنه يؤذن لكل منهما
ويقيم، وبه قال عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنهما، وهو قول
مالك وأصحابه إلاَّ ابن الماجشون، وليس لهم في ذلك حديث مرفوع، قاله ابن عبد البر.
السادس: أنه لا يؤذن لواحدة منهما ولا يقيم، حكاه المحب الطبري عن بعض السلف، وهذا
کله في جمع التأخير.
أما جمع التقديم كالظهر والعصر بنمرة ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يؤذن للأولى ويقيم
لها ولا يقيم لكل منهما، وهو قول الشافعي وجمهور أصحابه. والثاني: أنه يؤذن للأولى
ويقيم لها ولا يقيم للثانية، وهو مذهب أبي حنيفة. والثالث: أنه يؤذن لكل منهما ويقيم،
وهو وجه حكاه الرافعي عن ابن كج عن أبي الحسين القطان أنه أخرجه وجهاً. فإن قلت: ما
الأصل في هذه الأقوال؟ قلت: الذي قال بأذان واحد وإقامتين، قال برواية جابر، والذي قال
بلا أذان ولا إقامة قال بحديث أبي أيوب وابن عمر، فإنه ليس فيهما أذان ولا إقامة، وكذا
رواه طلق بن حبيب وابن سيرين ونافع عن ابن عمر من فعله، والذي قال بإقامة واحدة قال
بحديث الزهري عن سالم عن ابن عمر: ((أن رسول الله، عَ له، جمع بين المغرب والعشاء
بجمع بإقامة واحدة))، وكذا رواه ابن عباس مرفوعاً عند مسلم، والذي قال بإقامة للمغرب
وإقامة للعشاء بحديث أمامة وكذا فعله عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، فهذه
الأحاديث التي رويت كلها مسندة، قاله ابن حزم، وقال: وأشد الاضطراب في ذلك عن ابن
عمر، رضي الله تعالى عنه، فإنه روي عنه من عمله الجمع بينهما بلا أذان ولا إقامة، وروي
عنه أيضاً إقامة واحدة، وروي عنه موقوفاً بأذان واحد وإقامة واحدة.، وروي عنه مسنداً الجمع
بينهما بإقامتين، وروي عنه مسنداً بأذان واحد وإقامة واحدة. قال: وهنا قول سادس ولم نجده
مروياً عن النبي عَّله، وهو ما رويناه عن ابن مسعود أنه: صلى المغرب بالمزدلفة كل واحد
منهما بأذان وإقامة. قلت: هذا رواه البخاري عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما على ما
يأتي، إن شاء الله تعالى.
وفيه: أنه لم يتنفل بين المغرب والعشاء حين جمع بينهما بالمزدلفة ولا عقيب كل
واحدة منهما، وذلك لأنه لما لم يكن بين المغرب والعشاء مهلة لم يتنفل عَّ له بينهما،
بخلاف العشاء فإنه يحتمل أن يكون المراد أنه لم يتنفل عقيبها، لكنه تنفل بعد ذلك في أثناء
عمدة القارىء / ج١٠ / ٢٢

١٨
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (٩٧)
الليل، ونقل ابن المنذر الإجماع على ترك التطوع بين الصلاتين بالمزدلفة، ومن تنفل بينهما
لم يصح أنه جمع بينهما.
٢٥٧/ ١٦٧٤ - حدّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ قال حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ بِلالٍ قال حدَّثنا يَخْیی
. ابنُ سعِيدٍ قال أخبرني عَدِيُّ بنُ ثَابِتٍ قال حدَّثني عَبْدُ الله بنُ يَزِيدَ الخَطْمِيُّ قال حدَّثني أَبُو
أَيُّوبَ الأنْصَارِيُّ أنَّ رسولَ الله عَّه جمعَ فِي حَبَّةِ الوَدَاعِ المَغْرِبَ والْعِشَاءَ بِالمُزْدَلِفةِ.
[الحديث ١٦٧٤ - طرفه في: ٤٤١٤].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: خالد بن مخلد، بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة:
البجلي أبو الهيثم ويقال: أبو محمد، وقد مر في أول كتاب العلم. الثاني: سليمان بن بلال
أبو أيوب القرشي التيمي. الثالث: يحيى بن سعيد الأنصاري. الرابع: عدي بن ثابت، هو
عدي بن أبان بن ثابت الأنصاري إمام مسجد الشيعة وقاضيهم. الخامس: عبد الله بن يزيد -
من الزيادة - الخطمي، بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة، نسبة إلى خطمة، وهم
فخذ من الأوس، وقد مر في آخر كتاب الإيمان. السادس: أبو أيوب الأنصاري واسمه خالد
ابن زید.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع وبصيغة الإفراد
في موضعين. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد في موضع واحد. وفيه: القول في ثلاثة مواضع.
وفيه: أن شيخه كوفي، ويقال له: قطواني، وقطوان محلة على باب الكوفة وكان يغضب إذا
قيل له: قطواني، لأن البقال يقال له: قظوان. وفيه: أن بقية الرواة مدنيون. وفيه: رواية التابعي
عن التابعي وهما يحيى وعدي. وفيه: رواية الصحابي عن الصحابي، وهما: عبد الله بن يزيد
وأبو أيوب. وفيه: رواية الراوي عن جده وهو عدي لأن عبد الله بن یزید جده لأمه.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن القعنبي
عن مالك. وأخرجه مسلم في المناسك عن يحيى بن يحيى عن سليمان بن بلال، وعن قتيبة
ومحمد بن رمح، كلاهما عن الليث. وأخرجه النسائي في الصلاة عن قتيبة عن مالك، وفي
الحج عن يحيى بن حبيب وعن عمرو بن علي. وأخرجه ابن ماجه في الحج عن محمد بن
رمح به. قلت: وفي الباب عن جابر رواه مسلم وأبو داود والنسائي في الحديث الطويل في
صفة حجه، عَّلّه، وفيه: ((حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين
ولم يَسبح بينهما)). وعن أبي بن كعب وخزيمة بن ثابت، روى حديثهما الطبري في(تهذيب
الآثار)، وحديث خزيمة رواه الطبراني أيضاً في (الكبير) و(الأوسط) وعن ابن عباس: روى
حديثه ابن حزم في حجة الوداع من رواية الثوري عن سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير
((عن ابن عباس أن رسول الله عَّ الله صلى الصلاتين بالمزدلفة بإقامة واحدة)). وعن البراء: روى
حديثه ابن عبد البر في (التمهيد) وقال: هو عند أهل الحفظ خطأ.

١٩
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (٩٨)
٩٨ - بابُ من أذَّنَ وأقامَ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنْهُمَا
أي: هذا باب في بيان من أذن وأقام لكل واحدة من المغرب والعشاء بالمزدلفة.
٢٥٨ /١٦٧٥ - حدّثنا عمرُو بنُ خالِدٍ قال حدَّثنا زُهَيْرٌ قال حدَّثنا أَبُو إِسْحَاقَ قال
سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمنِ بنَ يَزِيدَ يَقُولُ حَجَّ عَبدُ الله رضي الله تعالى عنه فأتينا المُزْدلِفةَ حِينَ
الأَذَانِ بِالعَثْمَةِ أوْ قريباً مِن ذُلِك فأمرَ رَجلاً فأذِّنَ وأقامَ ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ وصلَّى بَعْدَها
رَْعَتَيْنِ ثُمَّ دَعَا بِعَشَائِهِ فَتَعَشَّى ثُمَّ أمرَ أُرَى رَجُلاً فَأَذِّنَ وأقامَ قَال عَمْرٌو لاَ أَعْلَمُ الشَّكَّ إلاَّ مِنْ
زُهَيْرٍ ثُمَّ صَلَّى العِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ فَلَمَّا طَلَعَ الفَجْرُ قال إنَّ النبيَّ عَِّ كانَ لا يُصَلِّي لهذِهِ السَّاعَةَ
إلاَّ لهُذِهِ الصَّلاةَ في لهذا المَكَانِ مِنْ هذَا الْيَوْمِ قال عَبْدُ الله هُمَا صَلاتانِ تُحَوَّلانِ عَنْ وَقْتِهِمَا
صَلاةُ المَغْرِبِ بَعْدَما يَأْتِي النَّاسُ المُزْدَلِفَةَ وَالْفَجْرُ حِينَ يَبْزُغُ الفَجْرُ قال رَأيْتُ النبيَّ عَلَه
يَفْعَلُهُ. [الحديث ١٦٧٥ - طرفاه في: ١٦٨٢، ١٦٨٣].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فأذن وأقام في موضعين)).
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عمرو بن خالد بن فروخ، مر في: باب إطعام الطعام،
في كتاب الإيمان. الثاني: زهير بن معاوية بن خديج أبو خيثمة الجعفي، مر في: باب لا
يستنجى بروث. الثالث: أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، بفتح السين. الرابع: عبد
الرحمن بن يزيد بن قيس أخو الأسود النخعي. الخامس: عبد الله بن مسعود.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: السماع.
وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن شيخه من أفراده وأنه حراني سكن مصر وأن البقية
كوفيون. وفيه: رواية التابعي عن التابعي وهما أبو إسحاق وعبد الرحمن.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً عن عبد الله بن رجاء عن إسرائيل عن أبي إسحاق به،
وأخرجه النسائي فيه عن هلال بن العلاء.
ذكر معناه: قوله: ((حج عبد الله))، وفي رواية النسائي عن هلال بن العلاء بن هلال،
قال: حدثنا حسين هو ابن عياش، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا أبو إسحاق، قال: سمعت
عبد الرحمن بن يزيد، قال: حج عبد الله فأمرني علقمة أن ألزمه فلزمته، فأتينا المزدلفة، فلما
كان حين طلع الفجر، قال: قم. قال: يا أبا عبد الرحمن، إن هذه الساعة ما رأيتك صليت
فيها قط؟ قال: إن رسول الله عَّهِ - قال زهير: ولم يكن في كتاب الله - كان لا يصلي هذه
الساعة إلاَّ هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم. قال عبد الله: هما صلاتان تؤخران عن
وقتهما: صلاة المغرب بعدما تأتي الناس المزدلفة، وصلاة الغداة حين يبزغ الفجر. قال: رأيت
رسول الله عَّلم يفعل ذلك. قوله: ((بالعتمة)) أي: وقت العشاء الآخرة. قوله: ((أو قريباً من
ذلك) أي: من مغيب الشفق.
قوله: ((فأمر رجلاً)) لم يدر اسمه. قيل: يحتمل أن يكون هو عبد الرحمن بن يزيد.
قوله: ((ثم دعا بعشائه))، بفتح العين: هو ما يتعشى به من المأكول. قوله: ((أُرى))، أي: أظن

٢٠
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (٩٨)
أنه أمر بالتأذين والإقامة، وهذا هو المراد من الشك. قوله: ((قال عمرو)) هو عمرو بن خالد
شيخ البخاري، وهذا يبين أن الشك من زهير المذكور في السند، وأخرجه الإسماعيلي من
طريق الحسن بن موسى عن زهير مثل ما رواه عمرو عنه، ولم يقل ما قال عمرو. وأخرجه
البيهقي من طريق عبد الرحمن بن عمرو عن زهير، وقال فيه: ثم أمر، قال زهير: أرى فأذن
وأقام. قوله: ((فلما طلع الفجر)) وفي رواية المستملي والكشميهني: ((فلما حين طلع الفجر))،
وفي رواية الحسين بن عياش عن زهير: ((فلما كان حين طلع الفجر))، والتقدير في هذه
الرواية: فلما كان حين طلوع الفجر. وقال الكرماني: وجزاؤه محذوف، وهي: صلاة الفجر،
أو المذكور: جزاء على سبيل الكناية لأن هذا القول رديف فعل الصلاة. قوله: ((قال عبد الله))
هو ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((تحولان)) أما تحويل المغرب هو تأخيره إلى
وقت العشاء الآخرة، وأما تحويل الصبح فهو أنه قدم على الوقت الظاهر طلوعه لكل أحد كما
هو العادة في أداء الصلاة إلى غير المعتاد، وهو حال عدم ظهوره للكل، فمن قائل: طلع
الصبح، ومن قائل: لم يطلع، وقد تحقق الطلوع لرسول الله، عَّليه، إما بالوحي أو بغيره،
والمراد أنه كان في سائر الأيام يصلي بعد الطلوع، وفي ذلك اليوم صلى حال الطلوع. قال
الكرماني: والغرض أنه بالغ في ذالك اليوم في التبكير، يعني: الاستحباب في التبكير في ذلك
اليوم آكد من غيره لإرادة الاشتغال بالمناسك. قلت: حاصل الكلام أنه ليس معناه أنه أوقع
صلاة الفجر قبل طلوعه، وإنما المراد أنه صلاها قبل الوقت المعتاد، فعلها فيه في الحضر.
قوله: ((عن وقتهما))، كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية السرخسي، رحمه الله تعالى، عنه:
عن وقتها بالإفراد. قوله: ((حين بزغ))، بزاي وغين معجمة، وروى ((حين يبزغ))، بضم الزاي من
باب: نصر ینصر.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: مشروعية الأذان والإقامة لكل من الصلاتين إذا جمع بينهما،
وقال ابن حزم: لم نجده مروياً عن النبي معَّلَّةٍ، ولو ثبت عنه لقلت به، وقد وجد عن عمر من
فعله. قلت: أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح عنه، وقال: حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا
أحمد بن يونس، قال: حدثنا إسرائيل عن منصور عن إبراهيم عن الأسود أنه صلى مع عمر بن
الخطاب، رضي الله تعالى عنه، صلاتين مرتين يجمع كل صلاة بأذان وإقامة والعشاء بينهما،
ثم قال الطحاوي: ما كان من فعل عمر وتأذينه للثانية لكون أن الناس تفرقوا لعشائهم، فأذن
ليجمعهم، وكذلك نقول نحن إذا تفرق الناس عن الإمام لأجل عشاء أو لغيره، قال: وكذلك
معنى ما روي عن عبد الله بن مسعود، وقال بعضهم: ولا يخفى تكلفه، ولو تأتى له ذلك في
حق عمر، رضي الله تعالى عنه، لكونه كان الإمام لم يتأت له في حق ابن مسعود، غير
مرضي من وجهين: أحدهما: أن الظاهر أنه كان إماماً لأنه أمر رجلاً، فأذن وأقام، فظاهره يدل
على أنه كان إماماً. والثاني: أنا وإن سلمنا أنه لم يكن إماماً، فما المانع أن يكون فعل ما
فعله اقتداء بعمر، رضي الله تعالى عنه؟ وقد أخذ مالك بظاهر الحديث المذكور، وروى ابن
عبد البر عن أحمد بن خالد أنه كان يتعجب من مالك حيث أخذ بحديث ابن مسعود، رضي