النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
٢٥ - كِتَابُ الحَجُّ / باب (٨١)
يجعلوها))، أي: الحجة التي أهلوا بها. قوله: ((ويطوفوا)) أي: بالبيت، وبين الصفا والمروة.
قوله: ((ويحلوا)) أي: ويصيرون حلالاً. قوله: ((يقطر)) أي: منياً بسبب قرب عهدنا بالجماع
أي: كنا متمتعين بالنساء. قوله: ((فبلغ)) أي: الشأن يعني: بلغ النبي عَّله قولهم، هذا وهو أنهم
تمتعوا به، وقلوبهم لا تطيب به، لأنه عَّ له غير متمتع، وكانوا يحبون موافقته عَّهِ. قوله:
((فقال)) أي: النبي عَِّ ((لو استقبلت من أمري)) أي: لو عرفت في أول الحال ما عرفت
آخراً، من جواز العمرة في أشهر الحج ((لما أهديت)) أي: لكنت متمتعاً إرادة لمخالفة أهل
الجاهلية ((ولأحللت)) من الإحرام لكن امتنع الإحلال لصاحب الهدي هو المفرد أو القارن
حتى يبلغ الهدي إلى محله، وذلك في أيام النحر لا قبلها، ويقال: معناه لو استقبلت هذا
الرأي، وهو الإحرام بالعمرة في أشهر الحج من أول أمري لم أسق الهدي. قوله: ((فنسكت
المناسك كلها)) أي: أتت بأفعال الحج كلها غير الطواف بالبيت. قوله: ((فلما طهرت))،
بفتح الهاء وضمها.
ذكر ما يستفاد منه: قال النووي: احتج به من قال: إن التمتع أفضل لأنه عَ لٍّ لا
يتمنى إلاَّ الأفضل. وقال الكرماني: فأجاب القائلون بتفضيل الإفراد أنه عَّه إنما قال من أجل
فسخ الحج إلى العمرة الذي هو خاص بهم في تلك السنة فقط، مخالفة للجاهلية. وقال هذا
الكلام تطبيباً لقلوب أصحابه، لأن نفوسهم كانت لا تسمح بفسخ الحج قلت: قال الطبري:
وجملة الحال له أنه لم يكن متمتعاً، لأنه قال: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما
أهديت)) يعني ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة، ولا كان مفرداً لأن الهدي كان واجباً كما
قال، وذلك لا يكون إلا للقارن. وفيه: فسخ الحج إلى العمرة، لكن نقول: إنه كان مخصوصاً
بهم في تلك السنة، وأنه لا يجوز اليوم إلاّ عند ابن عباس، وبه قال أحمد وداود والظاهري.
وفيه: دليل على جواز الأمرين، وأنه لولا ما سبق من سوقه عَّلَِّ الهدي لحل معهم، إلاَّ أن
السنَّة فيمن ساق الهدي أنه لا يحل إلاَّ بعد بلوغ الهدي محله، وهو نحره يوم النحر. قال
القاضي: وفيه: دليل على أنه عَ ◌ّم كان مهلاً بالحج. قلت: يعني لم يكن معتمراً، بل كان
قارناً، كما قاله الطبري. وقال الطحاوي، رحمه الله: احتج بهذا الحديث قوم على جواز فسخ
الحج في العمرة، وقالوا: من طاف من الحجاج بالبيت قبل وقوفه بعرفة ولم يكن ممن ساق
الهدي فإنه يحل، قلت: أراد بهؤلاء القوم جماعة الظاهرية، وأحمد، ثم قال: وخالفهم آخرون،
فقالوا: ليس لأحد دخل في حجة أن يخرج منها إلاَّ بتمامها، ولا يحله شيء منها قبل يوم
النحر من طواف ولا غيره. قلت: أراد بالآخرين جماهير التابعين والفقهاء منهم أحمد وأبو
حنيفة ومالك والشافعي وأصحابهم، ثم أجاب عن ذلك بمثل ما ذكرنا الآن أنه كان خاصاً
لهم في حجتهم تلك دون سائر الناس بعدهم، ثم قال: والدليل على أن ذلك كان خاصاً
الصحابة الذين حجوا مع رسول الله عَّ له دون غيرهم حديث بلال بن الحارث، قال: ((قلت:
يا رسول الله أرأيت فسخ حجنا هذا لنا خاصة أم للناس عامة؟ قال: بل لكم خاصة)). وأخرجه
أبو داود وابن ماجه.

٤٢٢
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٨٢)
١٦٥٢/٢٣٧ _ حدَّثْنا مُؤَمَّلُ بنُ هِشَامٍ قال حدَّثنا إسْمَاعِيلُ عنْ أَيُّوبَ عن حَفْصَةً
قالَتْ كُنَّا تَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ فَقَدِمَتِ امْرَأَةٌ فَنزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفَ فَحَدَّثَتْ أَنَّ أُختَهَا
كانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ أصْحَابٍ رسولِ اللهِعَِّ قَدْ غَزَا مَعَ رِسولِ اللهِ عَلَّهْ ثِنْتَي عَشْرَةَ
غَزْوَةً وكانَتْ أُخْتِيَ مَعَهُ فِي سَتَّ غَزَواتٍ قالَتْ كُنَّا تُدَاوِي الْكَلْمَى ونَقُومُ عَلَى المَرْضى
فسألْت أُخْتِيٍ رسولَ الله عَ لَّهِ فِقالَتْ هَلْ عَلى إِخْدانًا بأسّ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها جِلْبابٍ أنْ لا
تَخْرُجَ قال لِتُلْبِسِهَا صاحِبتُهَا مِنْ جَلْبابِهَا ولْتَشْهَدِ الخَيْرَ ودَعْوَ المُؤْمِنِينَ فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُ عِطِئَةَ
رضي الله تعالى عنها سَأَلْنَهَا أوْ قالَتْ سألْناها فقالَتْ وكانَتْ لا تَذْكُر رسولَ الله عَلَّه إلاّ
قالَتْ بِأبِي فقُلْنا أسَمِعْتِ رسولَ الله عَِّ يَقُولُ كَذَا وَكَذا قالَتْ نَعَمْ بِأبِي فقالَ لِتَخْرُجِ
العَوَائِقُ ذَواتُ الخُدُورِ أَوِ العَواتِقِ وَذَوَاتِ الخُدُورِ والحُيَّضُ فيَشْهَدْنَ الخَيْرَ ودَعْوَةَ المُسْلِمِينَ
ويَعْتَزِلُ الحُيَّضُ المُصَلَّى فَقُلْتُ الْحَائِضُ فقالتْ أُوَلَيْسَ تَشْهَدُ عَرِفَةَ وَتَشْهَدُ كَذا وتَشْهَدُ كذَا.
[انظر الحديث ٣٢٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((أو ليس تشهد عرفة وتشهد كذا وتشهد كذا
وتشهد كذا؟)) لأن معناه: تشهد الوقوف بعرفة، وتشهد الوقوف بمزدلفة ورمي الجمار وغير
ذلك من أفعال الحج غير الطواف بالبيت، وهذا موافق لقول جابر، رضي الله تعالى عنه،
فنسكت المناسك كلها غير أنها لم تطف بالبيت، وهذا الحديث قد مضى في: باب شهود
الحائض العيدين في كتابة الحيض، فإنه أخرجه هناك: عن محمد بن سلام عن عبد الوهاب
عن أيوب عن حفصة إلى آخره، وأخرجه أيضاً في: باب إذا لم يكن لها جلباب في العيد في
أبواب العيدين عن أبي معمر عن عبد الوارث عن أيوب عن حفصة إلى آخره، وأخرجه هنا:
عن مؤمل بلفظ اسم المفعول من التأميل ابن هشام، وقد مر في كتاب التهجد في: باب عقد
الشيطان، عن إسماعيل بن علية عن أيوب السختياني عن حفصة بنت سيرين، وهؤلاء كلهم
بصريون، وقد مر الكلام فيه في كتاب الحيض مستوفىٍّ.
٨٢ - باب الإِهْلالِ مِنَ البَطْحَاءِ وغَيْرِها لِلْمَكْيِّ ولِلْحَاجُ إِذَا خَرَجَ إِلَى مِنِى
أي: هذا باب في بيان الإهلال بكسر الهمزة أي: الإحرام من البطحاء، أي من وادي
مكة وغيرها، أي: ومن غير بطحاء مكة، وهو سائر أجزاء مكة. قوله: ((للمكي)) أي: الذي من
أهل مكة، وأراد الحج. قوله: ((وللحاج))، أي: وللحاج الذي هو الآفاقي الذي يريد التمتع إذا
خرج من مكة إلى منى، وإنما قيد بهذا لأن شرط الخروج من مكة ليس إلاّ للتمتع، فالحاصل
من هذه الترجمة أن مهل المكي والمتمتع للحج هو نفس مكة، ولا يجوز تركها ومهل الذي
يريد الإحرام بالحج خارج نفس مكة، سواء الحل والحرم. وقوله: ((إلى منى))، كذا وقع في
طريق أبي الوقت وفي معظم الروايات: ((إذا خرج من منىٌ)) بكلمة: من، فوجه كلمة إلى
ظاهر، وأما وجه كلمة: من، فيحتمل أن يكون إشارة إلى الخلاف في ميقات المكي في
مذهب الشافعي، فعنده ميقات أهل مكة نفس مكة، وقيل: مكة وسائر الحرم، والصحيح

٤٢٣
٢٥ - كِتَابُ الحَجِّ / باب (٨٢)
الأول، ومذهب أبي حنيفة أن ميقات أهل مكة في الحج الحرم، ومن المسجد أفضل، وفي
مناسك الحصيري: الأفضل لأهل مكة أن يحرموا من منازلهم ويسعهم التأخر إلى آخر الحرم
بشرط أن يدخلوا الحل محرمين، فلو دخلوا من غير إحرام لزمهم دم، كالآفاقي، وقال
المهلب: من أنشأ الحج من مكة فله أن يهل من بيته ومن المسجد الحرام ومن البطحاء وهو
طريق مكة أو من حيث أحب مما دون عرفة، ذلك كله واسع، لأن ميقات أهل مكة منها،
وليس عليه أن يخرج إلى الحل لأنه خارج في حجته إلى عرفة، فيحصل له بذلك الجمع
بين الحل والحرم، وهو بخلاف منشىء العمرة من مكة.
وسُئِلَ عَطَاءٌ عَنِ المُجَاوِرِ يُلَبِّي بالحَجِّ قالٍ وكانَ ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما يُلَبِّي يَوْمَ
التَّرْوِيَةِ إِذَا صَلَّى الظَّهْرَ واسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ
مطابقة هذا الأثر للترجمة من حيث إن الاستواء على الراحلة كناية عن السفر، فابتداء
الاستواء هو ابتداء الخروج من البلد. قوله: ((عطاء)) هو عطاء بن أبي رباح. قوله: ((عن
المجاور)) أي: المجاور بمكة، وهو المقيم بها. قوله: ((يلبي)) جملة وقعت حالاً، قوله: ((يوم
التروية)) هو اليوم الثامن من ذي الحجة.
وهذا التعليق وصله سعيد بن منصور من طريق عطاء بلفظ: ((رأيت ابن عمر في
المسجد، فقيل له: قد رؤي الهلال)). فذكر قصة منها: ((فأمسك حتى كان يوم التروية، فأتى
البطحاء، فلما استوت به راحلته أحرم)).
وقال عَبْدُ المَلِكِ عنْ عَطاءٍ عنْ جَابِرٍ رضي اللهِ تعالى عنهُ قَدِمْنَا مَعَ النبيِّ عَلِ فَأَخْلَلْنَا حَتَّى
يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ لَبَيْنَا بِالحَجّ
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((لبينا))، فإنه جملة حالية ومعناها: جعلنا مكة من
وراءنا في يوم التروية حال كوننا ملبين بالحج، فعلم أنهم حين الخروج منها كانوا محرمين.
قوله: ((وقال عبد الملك))، قال الكرمانى: عبد الملك هذا هو ابن عبد العزيز بن جريج، وقال
بعضهم: الظاهر أنه هو عبد الملك بن أبي سليمان. قلت: يحتمل كلاً منهما، ولكن هذا
وصله مسلم من طريق عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي عن عطاء بن أبي رباح ((عن جابر:
أهللنا مع النبي عَّلهم بالحج، فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحل ونجعلها عمرة، فكبر ذلك
علينا ... ) الحديث، وفيه: ((حتى إذا كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر أهللنا بالحج)).
قوله: ((حتى يوم التروية))، يوم، منصوب على الظرفية، أي: حتى في يوم التروية. قوله: ((بظهر))
أي: جعلنا مکة وراء ظهورنا.
وقال أبُو الزُّبَيْرِ عنْ جابِرِ أَهْلَلْنَا مِنَ البَطْحَاءِ
أبو الزبير هو محمد بن مسلم بن تدرس، بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الدال
-٠٠٠

٤٢٤
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٨٣)
المهملة وضم الراء وفي آخره سين مهملة، المكي، وقد مر في: باب من شكا إمامه، وهذا
تعليق وصله أحمد في (مسنده) ومسلم في (صحيحه) من طريق ابن جريج عنه ((عن جابر،
قال: أمرنا النبي عَ ◌ٍّ إذا أحللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى، قال: فأهللنا من الأبطح)).
وقال عُبَيْدُ بنُ جُرَيْجٍ لإِبنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما رَأْنِتُكَ إذَا كُنْتَ بِمَكّةَ أهَلَّ النَّاسَ إِذَا
وَأَوُا الْهِلاَلَ وَلَمْ تُهِلَّ أنْتَ حَتَّى يَوْمَ التَّزْوِيَةِ فَقَال لَمْ أَرَ النبيَّ عَّهِ يُهِلْ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ
رَاحِلَتُهُ
عبيد بضم العين، وجريج بضم الجيم مر ذكره في: باب غسل الرجلين في النعلين في
كتاب الوضوء، وهذا التعليق وصله البخاري في: باب غسل الرجلين في النعلين مطولاً، فقال:
حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك عن سعيد المقبري عن عبيد بن جريج أنه قال
لعبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمن! رأيتك تصنع أربعاً ... الحديث، وقال ابن بطال: أما وجه
احتجاج ابن عمر بإهلال النبي عَِّ بذي الحليفة، وهو غير مكي، على من أنشأ الحج من
مكة، أنه يجب أن يهل يوم التروية، وهي قصة أخرى، فوجه ذلك أن النبي عَّ أهل من
ميقاته في حين ابتدائه في عمل حجته من أصل عمله، ولم يكن فيهما مكث يقطع به العمل،
فكذلك المكي لا يهل إلاَّ يوم التروية الذي هو أول عمله ليتصل له عمله تأسياً برسول الله
حَّله، بخلاف ما لو أهل من أول الشهر، وقد قال ابن عباس: لا يهل أحد من مكة بالحج
حتى يريد الرواح إلى منى، والله أعلم.
٨٣ - بابٌ أَيْنَ يُصَلِّي الظُّهْرَ يَوْمَ الَّزْوِيَّةِ
أي: هذا باب يبين فيه أين يصلي الظهر، أي: في أي مكان يصلي صلاة الظهر يوم
التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، والتروية، بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الراء
وكسر الواو وتخفيف الياء آخر الحروف: سميت بذلك لأنهم كانوا يتروون بحمل الماء
معهم من مكة إلى عرفات، وقيل: إلى منى، وقيل: لأن آدم، عليه السلام، رأى فيه حواء،
عليها السلام، وقيل: لأن جبريل، عليه السلام أرى فيه إبراهيم، عليه الصلاة والسلام،،
المناسك، وقيل: لأنهم كانوا يروون إبلهم فيه، وقيل: لأن إبراهيم، عليه السلام، رأى تلك
الليلة في منامه أنه يذبح ولده بأمر الله تعالى، فلما أصبح كان يروي في النهار كله، أي:
يتفكر. وقيل: هو من الرواية، لأن الإمام يروي للناس مناسكهم. قلت: ذكره الجوهري في:
باب روى، معتل العين واللام، وذكر فيه مواد كثيرة، ثم قال: وسمي يوم التروية لأنهم كانوا
يرتوون فيه من الماء لما بعد، ويكون أصله من: رويت من الماء بالكسر أروي رياً ورياً،
وروى أيضاً مثل، رضي وتكون التروية مصدراً من باب التفعيل، تقول: رويته الماء تروية، وأما
قول من قال: لأن آدم، عليه الصلاة والسلام، رأى فيه حواء فغير صحيح من حديث
الاشتقاق، لأن رأى الذي هو من الرؤية مهموز العين معتل اللام، نعم، جاء من هذا الباب ترئية

٤٢٥
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٨٣)
وترية، ولم يجيء: تروية فالأول من قولك: رأت المرأة ترئية إذا رأت الدم القليل عند
الحيض، والثاني اسم الخرقة التي تعرف بها المرأة حيضها من طهرها، وأما بقية الأقوال
فكون أصلها من الرؤية غير مستبعد، ولكن لم يجىء لفظ التروية منها لعدم المناسبة بينهما
في الاشتقاق. وأما قول من قال: هو من الرواية، فبعيد جداً لأنه لم يجىء تروية من هذا الباب
لعدم الاشتقاق بينهما، وقال بعضهم: قيل في تسمية التروية أقوال شاذة، وذكر هذه الأقوال.
قلت: هذا يدل على أن أصلها صحيح في الاشتقاق، لأن الشاذ ما يكثر استعماله، ولكنه على
خلاف القياس، ولكن هذا القائل لو عرف الاشتقاق بين المصدر والأفعال التي تشتق منه لما
صدر منه هذا الكلام في غير تأمل وترو.
٢٣٨/ ١٦٥٣ - حدَّثني عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا إِسْحَاقُ الأَزْرَقُ قال حدَّثنا
سُفْيانُ عنْ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ رُفَيْعِ قال سَألْتُ أَنَسَ بنَ مالِكِ رضي الله تعالى عنهُ قُلْتُ أَخْبِزْنِي
بِشِيْءٍ عَقَلْتَهُ عنِ النبيِّ عَلِ أَثْنَ صَلَّى الظُّهْرَ والعَصْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ قال بِنَّى قُلْتُ فَأَيْنَ صَلَّى
العَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ قال بِالأبْطَحِ ثُمَّ قالَ افْعَلْ كَما يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ. [الحديث ١٦٥٣ - طرفاه في:
١٦٥٤، ١٧٦٣].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عبد الله بن محمد بن عبد الله أبو جعفر الجعفي
المعروف بالمسندي. الثاني: إسحاق بن يوسف الأزرق، مات سنة ست وتسعين ومائة.
الثالث: سفيان الثوري. الرابع: عبد العزيز بن رفيع، بضم الراء وفتح الفاء وسكون الياء آخر
الحروف وفي آخره عين مهملة، قد مر في أبواب الطواف. الخامس: أنس بن مالك، رضي
الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الإفراد في موضع وبصيغة الجمع في
موضعين. وفيه: العنعنة في موضع. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: السؤال. وفيه: أن
شيخه بخاري وأنه من أفراده وإسحاق واسطي وسفيان كوفي وعبد العزيز مكي سكن الكوفة،
رحمه الله. وفيه: أنه ليس لعبد العزيز بن رفيع عن أنس في (الصحيحين) إلاَّ هذا الواحد.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الحج عن محمد بن
المثنى، وعن علي وإسماعيل بن أبان، وأخرجه مسلم فيه عن زهير بن حرب. وأخرجه أبو
داود فيه عن أحمد بن إبراهيم. وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن منيع ومحمد بن الوزير
الواسطي. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن إسماعيل وعبد الرحمن بن محمد.
ذكر معناه: قوله: ((عقلته))، أي: أدركته وفهمته، وهي جملة في محل الجر لأنها
وقعت صفة لقوله: شيء. قوله: ((أين صلى الظهر))، يعني في: أي مكان صلاها. قوله: ((قال:
بمنىّ)) أي: صلاها بمنىّ. قوله: ((يوم النفر)، بفتح النون وسكون الفاء، وهو الرجوع من منىّ.
قوله: (بالأبطح)) هو مكان متسع بين مكة ومنىٍ، والمراد به: المحصب. قوله: (ثم قال))، أي:

٤٢٦
٢٥ - كِتَابُ الحَجُ / باب (٨٣)
أنس، رضي الله تعالى عنه.
ذكر ما يستفاد منه فيه: استحباب إقامة صلاة الظهر والعصر يوم التروية بمنى لأنه
عَ لَّهِ خرج إلى منىّ قبل الظهر وصلى فيه الظهر والعصر، وذكر أبو سعد النيسابوري في
(كتاب شرف المصطفى): أن خروجه عَّ يوم التروية كان ضحىّ. وفي سيرة الملاّ: أنه،
عَ ◌ّهِ، خرج إلى منى بعدما زاغت الشمس. وفي (شرح الموطأ) لأبي عبد الله القرطبي:
خرج، عَّلِ، إلى منى عشية يوم التروية، وقال النووي: ويكون خروجهم بعد صلاة الصبح
بمكة حيث يصلون الظهر في أول وقتها، هذا هو الصحيح المشهور من نصوص الشافعي.
وفيه: قول ضعيف أنهم يصلون الظهر بمكة ثم يخرجون، وفي حديث جابر الطويل عند
مسلم: ((فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منىّ فأهلُّوا بالحج، وركب رسول الله عَ لّه فصلى
بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر .. )) الحديث، وروى أبو داود والترمذي وأحمد
والحاكم، من حديث ابن عباس، قال: ((صلى النبي عَِّ الظهر يوم التروية، والفجر يوم عرفة
بمنىّ))، ولأحمد من حديثه: ((صلى النبي عَّ له بمنىّ خمس صلوات))، ولأحمد عن ابن عمر:
أنه كان يحب إذا استطاع أن يصلي الظهر بمنىٌ، يوم التروية، وذلك أن رسول الله عَ لّه صلى
الظهر بمنىّ، وحديث ابن عمر في (الموطأ): عن نافع عنه موقوف، ولابن خزيمة والحاكم من
طريق القاسم بن محمد عن عبد الله بن الزبير قال: من سنة الحج أن يصلي الإمام الظهر وما
بعدها، والفجر بمنى، ثم يغدون إلى عرفة، وقال المهلب: الناس في سعة من هذا يخرجون
متى أحبوا ويصلون حيث أمكنهم، ولذلك قال أنس: صَلِّ حيث يصلي أمراؤك، والمستحب
في ذلك ما فعله الشارع، صلى الظهر والعصر بمنى، وهو قول مالك والثوري وأبي حنيفة
والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور. وقال ابن حبيب: إذا مالت الشمس يطوف سبعاً ويركع
ويخرج، وإن خرج قبل ذلك فلا حرج، وعادة أهل مكة أن يخرجوا إلى منّى بعد صلاة
العشاء، وكانت عائشة، رضي الله تعالى عنها، تخرج ثلث الليل، وهذا يدل على التوسعة،
وكذلك المبيت عن منىّ ليلة عرفة ليس فيه حرج إذا وافى عرفة ذلك الوقت الذي يخير،
وليس فيه جبر كما يجبر ترك المبيت بها بعد الوقوف أيام رمي الجمار، وبه قال مالك وأبو
حنيفة والشافعي وأبو ثور.
١٦٥٤/٢٣٩ _ حدَّثنا عَليٌّ سَمِعَ أبَا بَكْرِ بنِ عَيَّاشٍ قال حدَّثْنَا عَبْدُ العَزِيزِ قال لَقِيتُ
أنَساً (ح) وحدَّثني إسْمَاعِيلُ بنُ أَبَانٍ قال حدَّثنا أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ قال خَرَجْتُ إلَى مِنِىٌ
يَوْمَ التَّزوِيَةِ فَلَقِيتُ أنَساً رضي الله تعالى عنهُ ذَاهِباً عَلَى حِمَارٍ فَقُلْتُ أَيْنَ صَلَّى النبيُّ عَلَّه.
لهذَا الْيَوْمَ الظُّهْرَ فقال انْظُرْ حَيْثُ يُصَلِّي أُمَرَاؤُكَ فَصَلٌّ. [انظر الحديث ١٦٥٣ وطرفه].
هذا طريق آخر أورده من رواية أبي بكر بن عياش، الظاهر أنه أورده تأكيداً لطريق
إسحاق الأزرق، فإن الترمذي لما أخرج حدیث إسحاق قال: صحیح یستغرب من حديث
إسحاق الأزرق عن الثوري، أراد أن إسحاق تفرد به، ورواه البخاري من طريقين: الأول: عن
علي هو ابن المديني، قاله الكرماني: وقال بعضهم: والذي يظهر لي أنه ابن المديني؟ قلت:

٤٢٧
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٨٤)
أخذه من الكرماني ثم نسبه إلى نفسه، وأبو بكر بن عياش، بفتح العين المهملة وتشديد الياء
آخر الحروف وفي آخره شين معجمة: ابن سالم الأسدي الكوفي الحناط، بالنون، المقري،
قيل: اسمه محمد، وقيل: عبد الله وقيل: سالم، وقيل غير ذلك، والصحيح ان اسمه كنيته،
وعبد العزير هو ابن رفيع المذكور. والطريق الثاني: عن إسماعيل بن أبان، بفتح الهمزة
وتخفيف الباء الموحدة وفي آخره نون، وهو منصرف على الأصح، وقد مر في: باب من قال
في الخطبة: أما بعد. وإنما قدم الطريق الأول لتصريحه فيه بالتحديث بين أبي بكر بن عياش
وعبد العزيز، والطريق الثاني بالعنعنة.
قوله: ((ذاهباً) نصب على الحال، وفي رواية الكشميهني: راكباً. قوله: ((هذا اليوم))
أي: يوم التروية. قوله: ((فقال)) أي: أنس لعبد العزيز: انظر. قوله: ((فصلٌ)) أمر يخاطب به أنس
لعبد العزيز.
وفيه: إشارة إلى متابعة أولي الأمر والاحتراز عن مخالفة الجماعة، وكان الأمراء لا
ينزلون بالأبطح، وكانوا لا يصلون الظهر والعصر إلاّ بمنىّ كما فعله الشارع، فلذلك استحبت
الأئمة الأربعة وغيرهم ذلك، وقد مر الكلام فيه مستقصى.
٨٤ - بابُ الصَّلاةِ بِىّ
أي: هذا باب في بيان كمية الصلاة الرباعية في منىّ هل تصلى على حالها أو تقصر؟
وأورد فيه ثلاثة أحاديث ذكرها في: أبواب تقصير الصلاة بترجمة بعين هذه الترجمة، وهو:
باب الصلاة بمنىّ ويبين كل واحد الآن.
٢٤٠ / ١٦٥٥ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قال حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ قال أخبرني يُونُسُ عنِ
ابنِ شِهَابٍ قال أخْبَرني عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ عنْ أَبِيهِ قال صلَّى رسولُ اللهِ عَ لَّهِ
بِىّ رَكْعَتَيْنِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ وعُثْمَانُ صَدْراً مِنْ خِلافَتِهِ. [انظر الحديث ١٠٨٢].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وأخرجه في الباب المذكور عن مسدد عن يحيى عن عبيد
الله، قال: أخبرني نافع ((عن عبد الله بن عمر، قال: صليت مع رسول الله، عَلّه، بمنى ركعتين
وأبي بكر وعمر وعثمان، رضي الله تعالى عنهم، صدراً من إمارته، ثم أتمها». قوله: ((ركعتين))
أي: المقصورتين من الفريضة الرباعية. قوله: ((وعثمان صدراً)) أي: صلى ركعتين صدراً، أي:
في صدر من أيام خلافته، أي: في أوائل خلافته، وإنما ذكر صدراً. وقيد به لأن عثمان أتم
الصلاة بعد ست سنين، وبقية مباحثه تقدمت هناك.
١٦٥٦/٢٤١ _ حدَّثنا آدَمُ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبي إِسْحَاقَ الْهَمَدَانِيِّ عِنْ حَارِثَةَ بنِ
وَهْبِ الخُزَاعِيِّ رضي الله تعالى عنه قال صَلى بِنا النبيُّ عَّ ◌ُلّهِ ونحْنُ أكْثَرُ مَا كُنَّا قَطُ وَآمَنُهُ
بِمِنِىّ رَكْعَتَيْنِ. [انظر الحديث ١٠٨٣].
أخرجه هناك، فقال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة، قال: أنبأنا أبو إسحاق، قال:

٤٢٨
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٨٤)
سمعت حارثة بن وهب، قال: ((صلى بنا النبي، عَّ له، آمن ما كان بمنىّ ركعتين)). وأبو الوليد
هشام بن عبد الملك الطيالسي، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله الهمداني المشهور بالسبيعي
الكوفي، وحارثة، بالحاء المهملة وبالراء والثاء المثلثة، والخزاعي، بضم الخاء المعجمة
وتخفيف الزاي وبالعين المهملة: نسبة إلى خزاعة حي من الأزد. قوله: ((ونحن ما كنا أكثر))،
جملة وقعت حالاً، فقوله: نحن، مبتدأ وكلمة: ما، نافية خبره، وقوله: ((أكثر)) منصوب على
أنه خبر كان، وكلمة: قط، متعلقة بمحذوف، والتقدير: ونحن ما كنا قط في وقت أكثر منا
في ذلك الوقت ولا آمن منا فيه، ويجوز أن تكون: ما، مصدرية ومعناه الجمع، لأن ما أضيف
إليه أفعل يكون جمعاً، قوله: ((وآمنه)) عطف على أكثر، والضمير فيه يرجع إلى: ما، والتقدير:
صلى بنا رسول الله، عَّه، والحال أنا أكثر أكواننا في سائر الأوقات عدداً وأكثر أكواننا في
سائر الأوقات أمناً. وإسناد الأمن إلى الأوقات مجاز، قيل: وعلى هذا كما قلنا: قط، متعلق
بمحذوف، لأن: قط، يختص بالماضي المنفي، ولا منفي ههنا، تقديره: ما كنا أكثر من ذلك
ولا آمنه قط. قلت: قال ابن مالك: استعمال قط غير مسبوقة بالنفي مما خفي على كثير من
النحويين، وقد جاء في هذا الحديث بدونه، وله نظائر، وقيل: إنه بمعنى: أبداً، على سبيل
المجاز، وقال الكرماني: قوله: ((وآمنه))، بالرفع ويجوز النصب بأن يكون فعلاً ماضياً وفاعله
الله تعالى. قلت: فحينئذ يكون ضمير المفعول هو النبي عَّ له، والتقدير: وآمن الله تعالى نبيه،
عَّ الله، حينئذ. وقال الطيبي: هذا على أن يكون: أكثر، خبر كان، إذ لا يستقيم أن يعطف:
وأمنه، على: أكثر، وهو متعسف جداً. قوله: ((بمنىّ)) أي: في منىّ، والعامل فيه قوله: صلى.
٢٤٢ / ١٦٥٧ - حدَّثنا قَبِيصَةُ بنُ عُقْبَةَ قال حدَّثنا سُفْتَانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ إِبْراهِيم عنْ
عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ يَزِيدَ عنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله تعالى عنه قالَ صَلَّيْتُ مَعَ النبيِّ عَلَّهِ رَكْعَتَيْنِ
ومِّعَ أيِي بَكْرٍ رضي الله تعالى عنه رَكْعَتَيُنِ ومعَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنه رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَفَرَّقَتْ
بِكُمُ الطَّرُقُ فَيَا لَيْتَ حَظّي مِنْ أَرْبَعِ رَكْعَتَانِ مُتَقَلِّبْتَانِ. [انظر الحديث ١٠٨٤].
أخرجه في الباب المذكور عن قتيبة بن سعيد عن عبد الواحد بن زياد عن الأعمش
إلى آخره، فانظر إلى التفاوت بينهما في المتن والإسناد، ولكن الحاصل واحد.
ورجاله قد ذكروا غير مرة، وسفيان هو الثوري، وإبراهيم هو النخعي، وعبد الرحمن ابن
يزيد بن قيس أخو الأسود، رضي الله تعالى عنه، الكوفي النخعي، مات في الجماجم سنة
ثلاث وثمانين، وعبد الله هو ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه.
قوله: ((ثم تفرقت بكم الطرق))، يعني: اختلفتم في قصر الصلاة وإتمامها، فمنكم من
يقصر ومنكم من لا يقصر. قوله: ((فيا ليت حظي من أربع)) أي: فيا ليت نصيبي الذي
يحصل لي من أربع ركعات، ركعتان يقبلهما الله تعالى. قوله: ((ركعتان)) في كثير من النسخ:
ركعتين، وهو على مذهب الفراء، فإنه جوز نصب خبر: ليت، كاسمه. وأما وجه: ركعتان،
بالرفع فهو الأصل، لأنه خبر: ليت، وخبره مرفوع. وقال الداودي: خشي ابن مسعود أن لا

٤٢٩
٢٥ - كِتَابُ الحَجُّ / باب (٨٥)
تجزىء الأربع فاعلها، وتبع عثمان كراهة لخلافه، وأخبر بما يعتقده. وقيل: يريد أنه لو صلى
أربعاً فيا ليتها تقبل كما تقبل الركعتان. وقال الكرماني: قالوا: غرضه ليت عثمان، رضي الله
تعالى عنه، صلى ركعتين بدل الأربع، كما كان النبي، عَّهِ، وصاحباه يفعلونه. وقيل: معناه
أنا أتم متابعة لعثمان، رضي الله تعالى عنه، وليت الله قبل مني من الأربع ركعتين.
وفيه: كراهة مخالفة ما كانوا عليه، وبقية المباحث تقدمت هناك.
٨٥ - بابُ صَوْمٍ يَوْمٍ عَرَفَةَ
:
:
أي: هذا باب في بيان الصوم في يوم عرفة، ولم يبين حكمه لمكان الاختلاف فيه.
٢٤٣ / ١٦٥٨ _ حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبدِ الله قال حدَّثنا سُفْيانُ عنِ الزُّهْرِيِّ قال حدَّثنا
سَالِمٌ قال سَمِعْتُ عُمَيْراً مَؤْلَى أُمَّ الفَضْلِ عنْ أُمَّ الفَضْلِ شَكَّ النَّاسُ يَومَ عَرَفَةَ فِي صَوْمِ النبيِّ
عَّ لَه فَبَعَثْتُ إِلَى النبيِّ عَلَّه بِشَرَابٍ فَشَرِبَهُ. [الحديث ١٦٥٨ - أطرافه في: ١٦٦١،
١٩٨٨، ٥٦٠٤، ٥٦١٨، ٥٦٣٦].
مطابقته للترجمة من حيث إن فيه بيان ترك النبي، عَّهِ، الصوم في يوم عرفة.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: علي بن المديني. الثاني: سفيان بن عيينة. الثالث:
محمد بن مسلم الزهري. الرابع: سالم بن أبي أمية أبو النضر، بالضاد المعجمة: مولى عمر
ابن عبيد الله بن معمر. الخامس: عمير، مصغر عمرو، مولى ابن عباس. السادس: أم الفضل
أم عبد الله بن عباس، واسمها: لبابة، بضم اللام وتخفيف الباء الموحدة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضعين. وفيه: السماع. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: أن شيخه بصري وأنه من
أفراده. وفيه: أن سفيان مكي وأن الزهري وسالماً وعميراً مدنيون ..
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الحج عن القعنبي،
وفي الصوم عن عبد الله بن يوسف وعن مسدد، وفي الأشربة عن الحميدي، وعن مالك بن
إسماعيل وعن عمرو بن القاسم. وأخرجه مسلم في الصوم عن يحيى بن يحيى عن مالك به،
وعن إسحاق بن إبراهيم وابن أبي عمرو عن زهير بن حرب وعن هارون بن سعيد الأيلي.
وأخرجه أبو داود في الصوم عن القعنبي به.
ذكر ما يستفاد منه فيه: أن النبي، عَّهِ، لم يصم يوم عرفة؟ فإن قلت: في (صحيح
مسلم) أن صومه يكفر سنتين؟ قلت: هذا في غير الحجيج، أما في الحجيج فينبغي لهم أن
لا يصوموا لئلا يضعفوا عن الدعاء، وأعمال الحج اقتداء بالشارع، وأطلق كثير من الشافعية
كراهته، وإن كان الشخص بحيث لا يضعف بسبب الصوم فقط، فقال المتولي: الأولى أن
يصوم حيازة للفضيلة. قال صاحب (التوضيح): ونسب غيره هذا إلى المذهب، وقال: الأولى
عندنا لا يصوم بحال. وقال الروياني في (الحلية): إن كان قوياً، وفي الشتاء، ولا يضعف

٤٣٠
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٨٦)
بالضعف عن الدعاء، فالصوم أفضل. وقال البيهقي في (المعرفة): قال الشافعي في القديم: لو
علم الرجل أن الصوم بعرفة لا يضعفه فصامه كان حسناً، واختار الخطابي هذا. قال صاحب
(التوضيح): والمذهب عندنا استحباب الفطر مطلقاً، وبه قال جمهور أصحابنا، وصرحوا بأنه
لا فرق. ولم يذكر الجمهور الكراهة، بل قالوا: يستحب فطره، كما قاله الشافعي، ونقل
الماوردي وغيره استحباب الفطر عن أكثر العلماء، وحكى ابن المنذر عن جماعة منهم:
استحباب صومه، وحكى صاحب البيان عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه يجب عليه الفطر
بعرفة. وقال ابن بطال: اختلف العلماء في صومه، فقال ابن عمر: لم يصمه رسول الله عَ لَّه.
ولا عمر ولا عثمان وأنا لا أصومه. وقال ابن عباس: يوم عرفة لا يصحبنا أحد يريد الصيام فإنه
يوم تكبير. وأكل وشرب، واختار مالك وأبو حنيفة والثوري: الفطر، وقال عطاء: من أفطر يوم
عرفة ليتقوى به على الذكر كان له مثل أجر الصائم، وكان ابن الزبير وعائشة، رضي الله
تعالى عنهم، يصومان يوم عرفة، ورُوى أيضاً عن عمر، رضي الله تعالى عنه، وكان إسحاق
يميل إليه، وكان الحسن يعجبه صومه ويأمر به الحاج، وقال: رأيت عثمان بعرفة في يوم شديد
الحر صائماً وهم يروحون عنه، وكان أسامة بن زيد وعروة بن الزبير والقاسم ومحمد وسعيد
ابن جبير يصومون بعرفات. وقال قتادة: لا بأس بذلك إذا لم يضعف عن الدعاء، وبه قال
الداودي. وقال الشافعي: أحب صيامه لغير الحاج، أما من حج فأحب أن يفطر ليقويه على
الدعاء، وقال عطاء: أصومه في الشتاء ولا أصومه في الصيف. وفيه: أن الأكل والشرب في
المحافل مباح ليبين معنى: "أودعت الصورة فيه. وفيه: جواز قبول الهدية من النساء، ولم
يسألها إن كان من مالها، أو من مال زوجها إن كان مثل هذا القدر لا يشاحح الناس فيه.
٨٦ - بابُ التَّلْبِيَّةِ والتّكْبِيرِ إذَا غَدَا مِنْ مِنِى إِلَى عَرَفَةَ
أي: هذا باب في بيان مشروعية التلبية والتكبير إذا غدا، أي: إذا ذهب من منىٌ إلَى
عرفة.
٢٤٤/ ١٦٥٩ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ أخبرنا مالِكٌ عن مُحَمَّدٍ بنِ أبِي بَكْرِ الثَّقَفِيّ
أنَّهُ سَألَ أَنسَ بنَ مَالِكٍ وهُمَا غادِيانٍ مِنْ مِنِىٌّ إِلَى عَرَفَةَ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي هذا اليَوْمِ
مَعَ رسولِ اللهِ عَِّ فقال كانَ يُهِلُ مِنَّا المُهِلُّ فَلاَ يُنْكِرُ عَلَيْهِ وَيُكَبِّرُ مِنَّ المُكَبِّرُ فَلاَ يُنْكِرُ
عَلَيْهِ. [انظر الحديث ٩٧٠].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ورجاله قد ذكروا. وأما الثقفي فليس له في الصحيح عن أنس ولا غيره غير هذا
الحديث، وقد تقدم هذا الحديث في أبواب العيدين في: باب التكبير أيام منىّ وإذا غدا إلى
عرفة، أخرجه عن أبي نعيم عن مالك بن أنس قال: حدثني محمد بن أبي بكر الثقفي، قال:
سألت أنساً ونحن غاديان من منى إلى عرفات عن التلبية، كيف كنتم تصنعون مع النبي
عَ لٍ؟ قال: كان يلبي الملبي لا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه، فانظر التفاوت

٤٣١
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٨٧)
بينهما في السند والمتن والمعنى واحد. وقوله: في هذا الطريق: ((كان يلبي منا الملبي))،
يوضح معنى قوله: ((كان يهل منا المهل)) لأن الإهلال رفع الصوت بالتلبية. قوله: ((وهما
غاديان)) جملة إسمية وقعت حالاً. أي: ذاهبان غدوة. قوله: ((كيف كنتم تصنعون؟)) أي: من
الذكر طول الطريق، وفي رواية مسلم من طريق موسى بن عقبة، قال: حدثني محمد بن أبي
بكر، قال: قلت لأنس بن مالك غداة عرفة: ما تقول في التلبية في هذا اليوم؟ قال: سرت هذا
المسير مع النبي صَّله، فمنا المكبر ومنا المهل، لا يعيب أحدنا على صاحبه. قوله: ((فلا
ينكر عليه))، بضم الياء على صيغة المجهول من المضارع، وقد مرت بقية الكلام هناك.
٨٧ - بابُ التَّهْجِيرِ بِالرَّوَاحِ يَوْمَ عَرَفَةَ
أي: هذا باب في بيان التهجير، وهو السير في الهاجرة، وكذلك الهجر والهاجرة
نصف النهار عند اشتداد الحر، وكذلك الهجر، ومنه يقال: هجر النهار، والمراد بالتهجير
بالرواح: أن يهجر من نمرة إلى موضع الوقوف بعرفة، والنمرة، بفتح النون وكسر الميم: موضع
بقرب عرفات خارج الحرم بين طرف الحرم وطرف عرفات.
١٦٦٠/٢٤٥ _ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سَالِمٍ قال
كَتَبَ عَبْدُ المَلِكِ إلى الحَجَّاجِ أنْ لاَ يُخَالِفَ ابنَ عُمَّرَ فِي الحجِّ فَجَاءَ ابنُ عُمَرَ رضي الله
تعالى عنهما وأنا معَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ فصَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِ الحَجَّاجِ فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ
مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ فَقال مالكَ يا أبَا عَبْدِ الرَّحْمنِ فقال الرَّوَاحَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ قال لهذِهِ
السّاعَةَ قال نَعَمْ قال فَأَنْظِرْنِي حتَّى أَفِيضَ عَلَى رَأْسِي ثُمَّ أَخرُج فنزَلَ حَتَّى خَرَجَ الْحَجَّاجُ
فسَارَ بَيْنِي وبَيْنَ أَبِي فَقُلْتُ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فاقْصُرِ الخُطْبَةَ وعَجَّلِ الوُقُوفَ فَجَعَلَ يَنْظُرُ
إلى عَبْدِ الله فلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ قال صَدَقَ. [الحديث ١٦٦٠ - طرفاه في: ١٦٦٢،
١٦٦٣].
مطابقته للترجمة تُستفاد من قوله: ((هذه الساعة)) لأنه أشار إنى زوال الشمس، وهو
وقت الهاجرة، وهو وقت الرواح إلى الموقف لما روى أبو داود من حديث ابن عمر، ((قال:
غدا رسول الله، عَّله، حين صلى الصبح في صبيحة يوم عرفة حتى أتى عرفة، فنزل نمرة وهو
منزل الإمام الذي ينزل به بعرفة، حتى إذا كان عنده صلاة الظهر راح رسول الله عَ للِ مهجراً
فجمع بين الظهر والعصر، ثم خطب الناس ثم راح فوقف)). وأخرجه أحمد أيضاً. وظاهر هذا
الحديث أنه توجه من منىّ حين صلى الصبح بها، لكن في حديث جابر الويل الذي رواه
مسلم أن توجهه عَّله منها كان بعد طلوع الشمس، ولفظه: ((فضربت له قبة بنمرة فنزل بها
حتى زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت، فأتى بطن الوادي فخطب الناس .. )) الحديث
بطوله.
ورجاله قد ذكروا غير مرة، وسالم هو ابن عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهم.
وأخرجه النسائي في الحج أيضاً عن يونس بن عبد الأعلى وعن أحمد بن عمرو بن

٤٣٢
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٨٧)
السرح.
قوله: ((كتب عبد الملك)) هو ابن مروان الأموي الخليفة، والحجاج هو ابن يوسف
الثقفي، وكان والياً بمكة حينئذ لعبد الملك وأميراً على الحاج. قوله: ((أن لا يخالف)) بلفظ
النهي والنفي. قوله: ((في الحج)) أي: في أحكام الحج، وفي رواية النسائي من طريق أشهب
عن مالك: في أمر الحج. قوله: ((فجاء ابن عمر)) القائل هو سالم والواو في: وأنا، للحال.
قوله: ((معه)) أي: مع ابن عمر، ووقع في رواية عبد الرزاق عن معمر عن الزهري: ((فركب هو
وسالم وأنا معهما))، وفي رواية عبد الرزاق أيضاً عن معمر، قال ابن شهاب: ((وكنت يومئذ
صائماً فلقيت من الحر شدة)). واختلف الحفاظ في رواية معمر هذه، فقال يحيى بن معين:
هي وهم وابن شهاب لم ير ابن عمر، رضي الله تعالى عنه، ولا سمع منه. وقال الذهلي:
لست أدفع رواية معمر لأن ابن وهب روى عن العمري عن ابن شهاب، رحمه الله تعالى،
نحو رواية معمر، وروى عنبسة بن خالد عن يونس عن ابن شهاب، رضي الله تعالى عنه ..
قال: وفدت إلى مروان وأنا محتلم، قال الذهلي: ومروان مات سنة خمس وستين، وهذه
القصة كانت سنة ثلاث وسبعين. انتهى.
وقال غيره: إن رواية عنبسة هذه أيضاً وهم، وإنما قال الزهري: وفدت على عبد الملك،
ولو كان الزهري وفد على مروان لأدرك جلة الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، ممن ليست له
عنهم رواية إلاَّ بواسطة، وقد أدخل مالك وعقيل، وإليهما المرجع في حديث الزهري، بينه
وبين ابن عمر في هذه القصة سالماً، فهذا هو المعتمد. قوله: ((عند سرادق الحجاج)،
السرادق، بضم السين. قال الكرماني: وتبعه غيره أنه هو الخيمة وليس كذلك، وإنما السرادق
هو الذي يحيط بالخيمة وله باب يدخل منه إلى الخيمة ولا يعمل هذا غالباً إلاَّ للسلاطين
والملوك الكبار، وبالفارسية يسمى: سرابردة. قوله: ((ملحفة))، بكسر الميم: الإزار الكبير.
قوله: (معصفرة)) أي: مصبوغة بالعصفر. قوله: ((يا أبا عبد الرحمن) هو كنية عبد الله بن عمر.
قوله:(الرواح))، بالنصب أي: رح الرواح أو عجل، قاله الكرماني، والأصوب أن يقال: إنه
منصوب على الإغراء أي: ألزم الرواح، والإغراء تنبيه المخاطب على أمر محمود ليفعله.
قوله: ((إن كنت تريد السنَّة)) وفي رواية ابن وهب: ((إن كنت تريد أن تصيب السنَّة)). وقال أبو
عمر في (التقصي): هذا الحديث يدخل عندهم في المسند لقوله: ((إن كنت تريد السنَّة)،
فالمراد سنَّة سيدنا رسول الله عَّةٍ، وكذلك إذا أطلقها غيره ما لم تضف إلى صاحبها،
کقولهم: سنة العمرین، وما أشبه ذلك. انتهى.
وهذه مسألة خلاف عند أهل الحديث والأصول، والجمهور على ما قال ابن عبد
البر، وهي طريقة البخاري ومسلم، ويقويه قول سالم لابن شهاب، إذ قال له: أفعل ذلك
رسول الله عَّله؟ فقال: وهل تتبعون في ذلك إلاَّ سنته؟ قوله: ((فانظرني)) بهمزة الوصل وضم
الظاء ومعناه: انتظرني. قوله: ((حتى أفيض على رأسي)) حتى اغتسل لأن إفاضة الماء على
الرأس إنما تكون غالباً في الغسل. قوله: ((ثم أخرج))، بالنصب عطف على قوله: ((حتى

٤٣٣
٢٥ - كِتَابُ الحَجُّ / باب (٨٧)
أفيض))، وأصله: حتى أن أفيض، وقال ابن التين: صوابه أفضٍ لأنه جواب الأمر. قوله: ((فنزل))
أي: ابن عمر، كما صرح به في رواية أخرى على ما يأتي بعد بابين، إن شاء الله تعالى، وهذا
يدل على أنه كان راكباً. قوله: ((فسار بيني وبين أبي)) أي: سار الحجاج بين سالم وأبيه
عبد الله بن عمر، ويحتمل أن يكونوا ركباناً، لأن السنة الركوب حينئذ لمن له راحلة. قوله:
((وعجل الوقوف))، قال أبو عمر: رواية يحيى وابن القاسم وابن وهب ومطرف: وعجل
الصلاة، وقال القعنبي وأشهب: فأتم الخطبة وعجل الوقوف، جعلا موضع الصلاة الوقوف.
قال أبو عمر: وهو عندي غلط، لأن أكثر الرواة عن مالك على خلافه. قيل: رواية القعنبي لها
وجه، لأن تعجيل الوقوف يستلزم تعجيل الصلاة، ومع هذا وافق القعنبي عبد الله بن يوسف
كما ترى، وقال بعضهم: الظاهر أن الاختلاف فيه عن مالك. قلت: هذا ليس بظاهر، وما
الدليل عليه؟
ذكر ما يستفاد منه فيه: أن تعجيل الصلاة يوم عرفة سنة مجمع عليها في أول وقت
الظهر، ثم يصلى العصر بإثر السلام والفراغ. وفيه: أن إقامة الحج إلى الخلفاء ومن جعلوا
ذلك إليه، وهو واجب عليهم فيقيموا من كان عالماً به. وفيه: الصلاة خلف الفاجر من الولاة
ما لم تخرجه بدعته عن الإسلام. وفيه: أن الرجل الفاضل لا يؤاخذ عليه في مشيه إلى
السلطان الجائر فيما يحتاج إليه. وفيه: أن تعجيل الرواح للإمام للجمع بين الظهر والعصر
بعرفة في أول وقت الظهر سنة. وفيه: الغسل للوقوف بعرفة. وفيه: خروج الحجاج وهو محرم
وعليه ملحفة معصفرة ولم ينكر ذلك عليه ابن عمر. وفيه: حجة لمن أجاز المعصفر
للمحرم. وفيه: جواز تأمير الأدنى على الأفضل والأعلم. وفيه: ابتداء العالم بالفتيا قبل أن
يسأل عنه. وفيه: الفهم بالإشارة والنظر. وفيه: أن اتباع الشارع هو السنة وإن كان في المسألة
أوجه جائز غيرها. وفيه: فتوى التلميذ بحضرة أستاذه عند السلطان وغيره. وفيه: جواز
الذهاب من العالم إلى السلطان، سواء كان جائراً أو غير جائر، لأجل إرشاده إياه إلى الخير
وإيقافه على ما لا يعلم من السنة. وفيه: صياح العالم عندما كان السلطان فيه ليسرع إليه في
الإجابة. وفيه: أن السلطان أو نائبه يعمل في الدين بقول أهل العلم ويرجع إلى قولهم. وفيه:
تعليم الفاجر السنن لمنفعة الناس. وفيه: احتمال المفسدة القليلة لتحصيل المصلحة الكبيرة،
يؤخذ ذلك من مضي ابن عمر إلى الحجاج وتعليمه. وفيه: الحرص على نشر العلم لانتفاع
الناس به. وفيه: الخطبة فعند أبي حنيفة، يخطب خطبتين بعد الزوال وبعد الأذان قبل الصلاة
كخطبة الجمعة، ولو خطب قبل الزوال جاز، وعند أصحابنا في الحج ثلاث خطب:
أولها: في اليوم السابع من ذي الحجة، وهو قبل يوم التروية بيوم، يعلم الناس فيها
الخروج إلى منىّ. والثانية: يوم عرفة، وهو التاسع من الشهر يعلم الناس فيها ما يجب من
الوقوف بمزدلفة ورمي الجمار والنحر وطواف الزيارة. والثالثة: بمنىّ بعد يوم النحر، وهو
الحادي عشر من الشهر، يحمد الله ويشكره على ما وفق من قضاء مناسك الحج، ويحض
الناس على الطاعات، ويحذرهم عن اكتساب الخطايا، فيفصل بين كل خطبتين بيوم. وقال
عمدة القارىء / ج٩ / ٢٨٢

٤٣٤
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٨٨)
زفر: يخطبها في ثلاثة أيام متواليات: يوم التروية، ويوم عرفة، ويوم النحر.
عند الشافعي: في الحج أربع خطب مسنونة: إحداها بمكة يوم السابع، والثانية: يوم
عرفة والثالثة: يوم النحر بمنى، والرابعة: يوم النفر الأول بمنى، وعند مالك: ثلاث خطب،
الأولى: يوم السابع بمكة بعد الظهر خطبة واحدة ولا يجلس فيها. الثانية: بعرفات بعد الزوال
بجلسة في وسطها. والثالثة: في اليوم الحادي عشر. وعند أحمد كذلك ثلاث خطب، ولا
خطبة في اليوم السابع بمكة، بل يخطب بعرفات بعد الزوال، ثم يخطب بمنىّ يوم النحر في
أصح الروايتين، ثم كذلك ثاني أيام منىّ بعد الظهر. وقال ابن حزم: خطب رسول الله ◌َٹ.
يوم الأحد ثاني يوم النحر، وهو مذهب أبي حنيفة أيضاً وهو يوم النفر وفيه حديث في (سنن
أبي داود) وآخر في (مسند أحمد) والدارقطني، وقال ابن حزم: وقد روى أيضاً أنه خطبهم
يوم الإثنين وهو يوم الأكارع، وأوصى بذوي الأرحام خيراً. قال ابن قدامة: وروي عن أبي
هريرة أنه كان يخطب العشر كله، وروي عن ابن الزبير كذلك، رواه ابن أبي شيبة في
(مصنفه).
٨٨ _ بابُ الوُقُوفِ عَلَى الدَّابِةِ بِعَرَفَةَ
أي: هذا باب في بيان الوقوف راكباً على الدابة في عرفة.
١٦٦١/٢٤٦ - حدَّثْنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكِ عن أبي النَّضْرِ عنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى
عَبْدِ الله ابنِ العِبَّاسِ عن أُمّ الفَضْلِ بِئْتِ الحَارِثِ أنَّ ناساً اخْتَلَفُوا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةً فِي صَوْمٍ
النبيِّ عَ لّهِ فَقالَ بَعْضُهُمُ هُوَ صَائِمٌ وقال بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِصَائِمٍ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهْوَ
وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ فَشَرِبَهُ. [انظر الحديث ١٦٥٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وهو واقف على بعيره))، وقد مضى الحديث قبل هذا
الباب ببابين، فإنه أخرجه هناك: علي بن عبد الله عن سفيان عن الزهري عن سالم .. إلى
آخره، وهنا: عن عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن أبي النضر، بسكون الضاد
المعجمة. وهو سالم بن أبي أمية إلى آخره، فانظر التفاوت بينهما في المتن والسند، ولكن
الحاصل واحد.
قوله: ((عن عمير))، بضم العين، وذكر هناك أنه مولى عبد الله بن عباس، وفي ذاك
الباب قال: مولى أم الفضل، ووجهه أنه إما كان مولى لهما جميعاً، أو كان مولى لأم الفضل
ونسب إلى عبد الله مجازاً، أو بالعكس. واسم أم الفضل: لبابة، وقد مر هناك. قوله:
((فأرسلت)) بلفظ التكلم، وبلفظ الغيبة، كما في ذاك الباب، كذلك في قوله: ((فبعثت)).
واختلف أهل العلم أن الركوب أفضل أو تركه بعرفة، فذهب الجمهور إلى أن الركوب
أفضل لكونه عَّله وقف راكباً، ولأن في الركوب عوناً على الاجتهاد في الدعاء والتضرع
المطلوب هناك. وفيه: قوة، وهو ما اختاره مالك والشافعي، وعنه قول: إنهما سواء. وفيه: أن
الوقوف على ظهر الدابة مباح إذا كان بالمعروف ولم يجحف بالدابة، والنهي الوارد: ((لا

٤٣٥
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٨٩)
تتخذوا ظهورها منابر))، محمول على الأغلب الأكثر بدليل هذا الحديث، وقال ابن التين: من
سهل عليه بذل المال وشق عليه المشي فمشيه أكثر أجراً له، ومن شق عليه بذله وسهل عليه
المشي فركوبه أكثر أجراً له، وهذا على اعتبار المشقة في الأجور.
٨٩ - بابُ الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاَكَيْنِ بِعَرَفَةَ
أي: هذا باب في بيان جواز الجمع بين الصلاتين أي: الظهر والعصر بعرفة يوم عرفة،
ولم يبين الحكم اكتفاء بما في حديث الباب، أو لمكان الخلاف فيه، فإن مالكاً والأوزاعي
قالا: يجوز الجمع بعرفة والمزدلفة لكل أحد، وهو وجه للشافعية، وقول أبي يوسف ومحمد،
وعند أبي حنيفة: لا يجمع بينهما إلاّ من صلاها مع الإمام، وهو مذهب النخعي والثوري
وعند الشافعي ومالك وأحمد، سبب هذا الجمع السفر، حتى لا يجوز لأهل مكة ولا لمن
كان مقيماً هناك أن يجمع. وفي (الروضة): أما الحجاج من أهل الآفاق فيجمعون بين الظهر
والعصر بعرفة في وقت الظهر، وبين المغرب والعشاء بمزدلفة في وقت العشاء، وذلك الجمع
بسبب السفر على المذهب الصحيح، وقيل: بسبب النسك، فإن قلنا بالأول ففي جمع
المكي قولان، لأن سفره قصير ولا يجمع العرفي بعرفة ولا المزدلفي بمزدلفة لأنه وطنه، وهل
يجمع كل واحد منهما بالبقعة الأخرى؟ فيه القولان كالمكي، وإن قلنا بالثاني جاز الجمع
لجميعهم، ومن الأصحاب من يقول: في جمع المكي قولان: الجديد منعه، والقديم جوازه،
وعلى القديم في العرفى والمزدلفي وجهان، والمذهب جمعهم على الإطلاق، وحكم الجمع
في البقعتين حكمه في سائر الأسفار، ويتخير في التقديم والتأخير، والاختيار التقديم بعرفة
والتأخير بمزدلفة.
وكان ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما إذَا فاتَّتُهُ الصَّلاَةُ معَ الإِمَامِ جمّعَ بَيْنَهُمَا
مطابقته للترجمة ظاهرة، فإن فيه الجمع بين الصلاتين، وهذا تعليق وصله إبراهيم
الحربي في المناسك له، قال: حدثنا الحوضي عن همام أن نافعاً حدثه أن ابن عمر كان إذا
لم يدرك الإمام يوم عرفة جمع بين الظهر والعصر في منزله، وأخرجه الثوري في (جامعه)
برواية عبد الله بن الوليد العدني عنه عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع مثله، وأخرجه ابن
المنذر من هذا الوجه.
... /١٦٦٢ - وقالَ اللَّيْثُ حدَّثني عُقَيْلٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ قال أخْتَرِنِي سَالِمٌ أَنَّ
الحَجَّاجَ بنَ يُوسُفَ عامَ نَزَلَ بائْنِ الزُّبَيْرِ رضي الله تعالى عنهُمَا سَأَلَ عَبْدَ الله رضي الله تعالى
عنهُ كَيْفَ تَصْنعُ فِي المَوْقِفِ يَوْمَ عَرَفَةَ فقال سالِمٌ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فهَجِّرْ بِالصَّلاةِ يَوْمَ
عَرَفَةَ فقالَ عَبْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ صَدَقَ إِنَّهُم كَانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الظُّهْرِ والْعَصْرِ فِي السَّنَّةِ فَقُلْتُ
لِسالِمٍ أَفْعَلَ ذَلِكَ رسولُ اللهِ عَ لَه فقال سالِمٌ وَهَلْ تَتَبِعُونَ فِي ذُلِكَ إِلاَّ سُنَّتَهُ. [انظر الحديث
١٦٦٠ وطرفه].

٤٣٦
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٩٠)
مطابقته للترجمة في قوله: ((كانوا يجمعون بين الظهر والعصر))، والليث هو ابن سعد،
وعقيل بضم العين ابن خالد الأيلي، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري، وسالم هو ابن
عبد الله بن عمر. وهذا تعليق وصله الإسماعيلي من طريق يحيى بن بكير وأبي صالح جميعاً
عن الليث.
قوله: ((عام نزل بابن الزبير))، وهو عبد الله بن الزبير، وكان نزوله في سنة ثلاث
وسبعين. قوله: ((سأل عبد الله))، أي سأل الحجاج عبد الله بن عمر. قوله: ((فهجّر)) أمر من
التهجير أي: صلِّ بالهاجرة، وهي شدة الحر. قوله: ((في السنة))، بضم السين وتشديد النون
أي: سنة النبي عَّله، ومحل هذه نصب على الحال من فاعل: يجمعون، أي: متوغلين في
السنة، إنما قال ذلك تعريضاً بالحجاج. وقال الكرماني: ما وجه مطابقة كلام عبد الله لكلام
ولده سالم؟ ثم أجاب بقوله، لعله أراد من الصلاة صلاة الظهر والعصر كليهما، فكأنه أمر
بتهجير الصلاتين، فصدقه عبد الله في ذلك. قوله: ((فقلت لسالم)) القائل هو ابن شهاب.
قوله: ((أفعل ذلك؟)) الهمزة فيه للاستفهام. قوله: ((وهل تتبعون؟)) بتشديد التاء المثناة من
فوق وكسر الباء الموحدة بعدها عين مهملة: من الاتباع، هكذا هو في رواية الأكثرين، وفي
رواية الكشميهني: تبتغون، بفتح التائين المثناتين من فوق بينهما باء موحدة وبالغين المعجمة:
من الابتغاء، وهو الطلب. قوله: ((في ذلك)) أي: في ذلك الفعل، وفي رواية الحموي بحذف
كلمة: في، وهي مقدرة، ويروى بذلك، وقال الكرماني: أي في الجمع أو التهجير.
٩٠ - بابُ قَصْرِ الخُطْبَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ
أي: هذا باب في بيان قصر الخطبة في يوم عرفة.
٢٤٧ / ١٦٦٣ _ حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ أخبرنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سَالمِ بنِ
عبد الله أنَّ عبدَ المَلِكِ بنَ مَزْوَانَ كتبَ إلَى الحَجَّاجِ أنْ يَأْتَّمَّ بِعَبْدِ الله بنِ عُمَرَ فِي الحَجّ
فَلَمَّا كانَ يَوْمُ عرَفَةَ جاءَ ابنُ عُمرَ رضي الله تعالى عنهما وأنا معَهُ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ أوْ
زَالَتْ فَصَاحَ عِنْدَ فُشْطاطِهِ أَيْنَ لهذا فخَرجَ إِلَيْهِ فقالَ ابْنُ عُمَرَ فقال الآن قال نَعَمْ قال انْظُرْني
أُفِيضُ علَيَّ ماءٍ فنزَلَ ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما حَتى خرجَ الحَجَّاجُ فسَارَ بَيْني وبيْنَ
أبي فقُلْتُ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أنْ تُصِيبَ السَّنَّةَ اليَوْمَ فاقْصُرْ الخُطْبَةَ وعَجِّلْ الوقوفَ فقال ابنُ عُمرَ
صَدَقَ. [انظر الحديث ١٦٦٠ وطرفه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فاقصر الخطبة))، وهذا الحديث قد مضى عن قريب في:
باب التهجير بالرواح يوم عرفة فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف عن مالك، وهنا عن
عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك، وقد مر الكلام فيه مستوفىّ هناك.
وله: ((زاغت)) أي: مالت. قوله: ((أو زالت)) شك من الراوي. قوله: ((عند فسطاطه)) وهو بيت من
شعر، وفيه لغات تقدمت. قوله: ((أفيض))، هو استئناف كلام، ويروى: أفض، بالجزم لأنه
-

٤٣٧
٢٥ - كِتَابُ الحَجُّ / باب (٩١)
جواب الأمر، قوله: ((إن كنت تريد)) الخطاب للحجاج، ويروى: لو كنت، فكلمة: لو، على
هذه بمعنى: أن، يعني لمجرد الشرطية بدون ملاحظة الامتناع. فافهم.
٩١ - باب التعجيل الى الموقف
هكذا وقع هذا الباب بهذه الترجمة عند الأكثرين بغير حديث فيه، وسقط من رواية
أبي ذر أصلاً، وقال الكرماني: واعلم أنه وقع في بعض النسخ هنا زيادة: وهو باب التعجيل
إلى الموقف، وقال أبو عبد الله: يزاد في هذا الباب: هَمْ هذا الحديث حديث مالك عن ابن
شهاب، ولكني لا أريد أن أدخل فيه معاداً، أقول: هذا تصريح من البخاري بأنه لم يعد حديثاً
في هذا الجامع ولم يكرر شيئاً منه، وما اشتهر أن نصفه تقريباً مكرر، فهو قول إقناعي على
سبيل المسامحة، وأما عند التحقيق فهو لا يخلو إما من تقييد أو إهمال أو زيادة أو نقصان
أو تفاوت في الإسناد ونحوه، وكلمة: هم، بفتح الهاء وسكون الميم، قيل: إنها فارسية،
وقيل: عربية، ومعناها قريب من معنى لفظ أيضاً. انتهى. قلت: أراد بقوله: وقال أبو عبد الله
البخاري نفسه لأن كنيته أبو عبد الله قوله: ((هذا الحديث)) أراد به حديث مالك الذي رواه
عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وهو الذي رواه البخاري من طريقين: أحدهما:
طريق عبد الله بن يوسف. والآخر: طريق عبد الله بن مسلمة كلاهما عن مالك. وقوله:
((معادا)) أي: مكرراً، وحاصل هذا الكلام أنه قال: زيادة الحديث المذكور وكانت مناسبة أن
تدخل في هذا الباب، أعني باب التعجيل إلى الموقف، ولكني ما أدخلته فيه لأني لا أدخل
فيه مكرراً، وكأنه لم يظفر بطريق آخر فيه غير الطريقين المذكورين، فلذلك لم يدخله، وهذا
يدل على أنه لا يعيد حديثاً ولا يكرره في هذا الكتاب إلاَّ لفائدة من جهة الإسناد، أو من
جهة المتن، قال: وإن وقع شيء خارج من ذلك يكون اتفاقياً لا قصداً، ومع ذلك فهو نادر
قليل الوقوع، وأما قول الكرماني، وكلمة هم ... إلى آخره، فهو تصرف من عنده، تصرف
فيها حين وقف على النسخة التي قال فيها: وقع في بعض النسخ، ونقل عنها أنه قال: هم
هذا الحديث، والظاهر أنه وقع منه هذه اللفظة في كلامه من غير قصد، فنقل منه على هذا
الوجه، وأن هذه اللفظة فارسية وليست بعربية. والله تعالى أعلم.

:

:
فهرس محتويات
الجزء التاسع
من
عمدة القاري
شرح صحيح البخاري
٤٣٩