النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ ٢٥ - كِتَابُ الحَجُّ / باب (٧٧) فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وأنا حائِضٌ فَلَمَّا قَضَيْنَا حَجَنَا أرْسَلَنِي مَعَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ إِلَى التَّْعِيمُ فَاعْتَمَرْتُ فقال عَِّ لهَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ فطاف الَّذِينَ أهَلُوا بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ حَلُّوا ثُمَّ طَافُوا طَوَافاً آخَرَ بَعْدَ أنْ رَجَعُوا مِنْ مِنِىٌّ وأمَّا الَّذِينِ جَمَعُوا بَيْنَ الحَجّ والْعُمْرَةِ فَإَِّا طَافُوا طَوَافاً وَاحِداً. [انظر الحديث ٢٩٤ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة)) لأنه هو القارن، وفيه بيان طوافه أنه واحد، والحديث قد مضى في: باب كيف تهل الحائض والنفساء، فإنه أخرجه هناك: عن عبد الله بن مسلمة عن مالك، وهنا: عن عبد الله بن يوسف عن مالك، وقد مر الكلام فيه مستقصىّ، ولكن نتكلم فيه للرد على بعضهم في رده على الإمام أبي جعفر الطحاوي من غير وجه لأريحية العصبية فيه. فنقول أولاً ما ذكره الطحاوي، فقال: باب القارن كم عليه من الطواف لعمرته ولحجته؟ حدثنا صالح بن عبد الرحمن الأنصاري ومحمد بن إدريس المكي قالا: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله عَّلَّه: ((من أحرم بالحج والعمرة كفاه لهما طواف واحد وسعي واحد، حتى لا يحل منهما جميعاً)، ثم قال: فذهب قوم إلى هذا الحديث، فقالوا: على القارن بين الحج والعمرة طواف واحد لا يجب عليه من الطواف غيره، وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل يطوف بكل واحد منهما طوافاً واحداً ويسعى سعياً واحداً، وكان من الحجة لهم في ذلك أن هذا الحديث خطأ أخطأُ فيه الدراوردي فرفعه إلى النبي معَ له، وإنما أصله عن ابن عمر نفسه، هكذا رواه الحفاظ وهم مع هذا لا يحتجون بالدراوردي، عن عبيد الله أصلاً، فلم يحتجون له في هذا؟ فأما ما رواه الحفاظ من ذلك عن عبيد الله، فما حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا هشيم، قال: حدثنا عبد الله عن نافع عن ابن عمر، أنه كان يقول: إذا قرن طاف لهما طوافاً واحداً، فإذا فرق طاف لكل منهما طوافاً، وسعى سعياً انتهى. ثم قال هذا القائل، بعد أن نقل كلام الطحاوي، وهو تعليل مردود، فالدراوردي صدق، وليس ما رواه مخالفاً لما رواه غيره، فلا مانع أن يكون الحديث عند نافع على الوجهين. انتهى. قلت: المردود ما قاله وذهب إليه من غير تحقيق النظر فيه، فهل يحل رد ما لا يرد لأجل ما قصر فيه فهمه، وكثر تعنته ومصادمته للحق الأبلج؟ أفلا وقف هذا على ما قاله الترمذي بعد أن ذكر الحديث المذكور؟ وقد رواه غير واحد عن عبيد الله ولم يرفعوه، وهو أصح. وقال أبو عمر في (الاستذكار): لم يرفعه أحد عن عبيد الله غير الدراوردي وكل من رواه عنه غيره، أوقفه علي بن عمر، وكذا رواه مالك عن نافع موقوفاً، وقال أبو زرعة: الدراوردي سيء الحفظ، ذكره عنه الذهبي في (الكاشف). وقال النسائي: ليس بالقوي، وحديثه عن عبيد الله منكر، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث يغلط. ثم قال هذا القائل: واحتجت الحنفية بما روي عن علي، رضي الله تعالى عنه، أنه جمع بين الحج والعمرة، فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين، ثم قال: هكذا رأيت رسول عمدة القارئ / ج٩ / ٢٦٢ ٤٠٢ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٧٧) الله عَ لِ فعل، وطريقه عن علي عند عبد الرزاق والدارقطني وغيرهما ضعيفة، وكذا أخرج من حديث ابن مسعود بإسناد ضعيف نحوه، وأخرج من حديث ابن عمر نحو ذلك، وفيه: الحسن بن عمارة وهو متروك. انتهى. قلت: حديث علي، رضي الله تعالى عنه، رواه النسائي في (سننه الكبرى) عن حماد بن عبد الرحمن الأنصاري ((عن إبراهيم بن محمد، قال: طفت مع أبي، وقد جمع بين الحج والعمرة، فطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين، وحدثني أن علياً، رضي الله تعالى عنه، فعل ذلك، وحدثه أن رسول الله عَ لمه فعل ذلك. فإن قلت: قال صاحب (التنقيح) وحماد: هذا ضعفه الأزدي؟ قلت: ذكره ابن حبان في (الثقات) وأخرجه الدارقطني من وجوه عن الحسن بن عمارة، ثم قال: وهو متروك، وعن حفص بن أبي داود عن ابن أبي ليلى. وقال حفص: ضعيف، وعن عيسى بن عبد الله بن علي، ثم قال: وهو متروك، قلت: إذا كثرت طرق الحديث، ولو كان فيها ضعفاء تتعاضد وتتقوى. وروى الطحاوي أيضاً ((عن أبي النضر، قال: أهللت بالحج فأدركت علياً فقلت له: إني أهللت بالحج أفأستطيع أن أضيف إليه عمرة؟ قال: لا لو كنت أهللت بالعمرة ثم أردت أن تضيف إليها الحج ضممته. قال: قلت: كيف أصنع إذا أردت ذلك؟ قال: تصب عليك إداوة ماء، ثم تحرم بهما جميعاً وتطوف لكل واحد منهما طوافاً))، وعنه عن علي وعبد الله قالا: القارن يطوف طوافين، ويسعى سعيين ثم اعترض هذا القائل أيضاً على الطحاوي حيث قال، في قول عائشة: وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافاً واحداً، أن مرادها جمعوا بين الحج والعمرة جمع متعة لا جمع قران، بقوله: وإني لكثير التعجب منه في هذا الموضع، كيف ساغ له هذا التأويل؟ وحديث عائشة مفصل للحالتين، فإنها صرحت بفعل من تمتع، ثم بمن قرن حيث قالت: فطاف الذين أهلوا بالعمرة ثم حلوا، ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منىّ، فهؤلاء أهل التمتع، ثم قالت: وأما الذين جمعوا، إلى آخره، فهؤلاء أهل القِران، وهذا أبين من أن يحتاج إلى بيان. انتهى. قلت: هذا الذي ذكره متعجباً أخذه من كلام البيهقي، فإنه شنع على الطحاوي في كتاب (المعرفة) بغير معرفة، حيث قال: وزعم بعض من يدعي في هذا تصحيح الأخبار على مذهبه، إنما أرادت بهذا الجمع جمع متعة لا جمع قران. قالت: فإنما طافوا طوافاً واحداً في حجتهم، لأن حجتهم كانت مكية، والحجة المكية لا يطاف لها قبل عرفة، وكيف استجاز لدينه أن يقول مثل هذا، وفي حديثها أنها أفردت من جمع بينهما جمع متعة أولاً بالذكر، فذكرت كيف طافوا في حجتهم، ثم لم يبق إلاّ المفردون والقارنون، فجمعت بينهم في الذكر، وأخبرت أنهم إنما طافوا طوافاً واحداً، وأنها أرادت بين الصفا والمروة، ولما ذكرنا من الدلالة مع كونه معقولاً، ولو اقتصرت على اللفظة الأخيرة لم يجز حملها أيضاً، لأنها تقتضي اقتصاراً على طواف واحد لكل ما حصل به الجمع، والجمع إنما حصل بالعمرة والحج جميعاً، فيقتضي اقتصاراً على طواف واحد لهما جميعاً لا لأحدهما، والمتمتع لا يقتصر على : ٤٠٣ ٢٥ - كِتَابُ الحَجُّ / باب (٧٧) طواف واحد بالإجماع، فدل على أنها أرادت بهذا الجمع جمع قران. انتهى. قلت: لم يتأمل البيهقي كلام الطحاوي لغشيان التعصب على فكره، ألا ترى كيف يؤول قولها: فإنما طافوا طوافاً واحداً أنها أرادت بهذا السعي بين الصفا والمروة، فما الضرورة إلى تأويل الطواف بالسعي؟ بل المراد الطواف بالبيت. وقوله: تقتضي اقتصاراً على طواف واحد ... إلى آخره، ليس كذلك لأنه قال: إن حجتهم تلك صارت مكية والحجة المكية يطاف لها بعد عرفة، فإذا كان كذلك لا يقتصر المتمتع على طواف واحد، على أنا نقول: أحاديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، في هذا الباب مضطربة جداً لا يتم بها الاستدلال لأحد من الخصوم. وقد قالت في رواية: أهللنا بعمرة وفي أخرى فمنا من أهلِ بعمرة، ومنا من أهل بحج. قالت: ولم أهل إلاَّ بحج، وفي أخرى: خرجنا لا نريد إلاّ الحج، وفي أخرى لبينا بالحج، وفي أخرى: مهلين بالحج، والكل صحيح. وفي رواية: وكنت ممن تمتع ولم يسق الهدي حتى، قال مالك: ليس العمل على حديث عروة عن عائشة قديماً وحديثاً. وسأل الكرماني عن وجه الجمع بين هذه الروايات، ثم قال: قالوا وجهه أنهم أحرموا بالحج، ثم لما أمرهم بالفسخ إلى العمرة أحرم أكثرهم متمتعين، وبعضهم بسبب الهدي بقوا على ما كانوا عليه، وبعضهم صاروا قارنين، ثم قال هذا القائل المعترض: قال عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل، قال: حلف طاوس ما طاف أحد من أصحاب رسول الله عٍَّ لحجه وعمرته إلاَّ طوافاً واحداً، وهذا إسناد صحيح. وفيه: بيان ضعف ما روي عن علي وابن مسعود، رضي الله تعالى عنهما من ذلك، انتهى. قلت: ليس شعري ما وجه هذا البيان؟ وعجبي كيف يلهج هذا القائل بهذا القول الذي لا يجديه شيئاً؟ ونقل هذا اليمين عن طاوس كاد أن يكون محالاً لعدم القدرة على الإحاطة على أطوفة الصحابة أجمعين، والكلام أيضاً في الرواة من دون عبد الرزاق. قوله: ((فلما قضينا حجنا))، وذلك بعد أن طهرت وطافت بالبيت أرسلها رسول الله عَ ظّم مع أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر، رضي الله تعالى عنهما، إلى التنعيم، بفتح التاء المثناة من فوق وسكون النون، وبالعين المهملة المكسورة، وهو على ثلاثة أميال من مكة. قوله: ((مكان عمرتك))، نصب على الظرف أي بدل عمرتك، وقيل: إنما قال ذلك تطييباً لقلبها، ويقال: معناه مكان عمرتك التي تركتها لأجل حيضك. قوله: ((فإنما طافوا))، وفي كثير من النسخ طافوا بدون لفظ، فإنما، وبدون الفاء في طافوا، وهذا دليل جواز حذف الفاء في جواب: أما، مع أن النحاة صرحوا بلزوم ذكره إلاّ في ضرورة الشعر، وقال بعضهم: لا يجوز حذف الفاء مستقلاً، لكن يجوز حذفها مع القول، كما في قوله تعالى: ﴿فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم﴾ [آل عمران: ١٠٦]. إذا تقديره: فالقول لهم هذا الكلام، وقال ابن مالك، هذا الحديث وأخواته كقوله، عَّلِ: ((أما موسى كأني أنظر إليه))، وأما بعد: ما بال رجال يشترطون شروطاً))، فمخالف لهذه القاعدة، فعلم أن من خصه بما إذا حذف القول ٤٠٤ ٢٥ - كِتَابُ الحَجِّ / باب (٧٧) معه فهو مقصر في فتواه، عاجز عن نصرة دعواه. ٢٢٦/ ١٦٣٩ - حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إِبْرَاهِيمَ قال حدَّثنا ابنُ عِلِيَّةَ عنْ أَيُّوبَ عنْ نافِعِ أنَّ ابنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما دخَلَ ابُهُ عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الله وظَهْرُهُ فِي الدَّارِ فقال إنِّي لاَ آمَنَ أن يَكُونَ العَامَ بَيْنَ النَّاسِ قِتالٌ فيَصُدُّوكَ عَنِ البَيْتِ فَلَوْ أَقَمْتَ فقال قَدْ خَرَجَ رسولُ الله عَّ فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بِيْنَهُ وبَيْنَ الْبَيْتِ فإنْ حِيلَ بَيْنِي وبَيْنَهُ أَفْعَلْ كما فعلَ رسولُ الله عٍَّ (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رسولِ اللهِ أسْوَةٌ حسَنَةٌ) [الأحزاب: ٢١] ثُمَّ قَالَ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أوْ جَبْتُ معَ عُمرَتِي حَجاً قال ثُمَّ قَدِمَ فَطَافَ لَهُما طَوافاً وَاحِداً. [الحديث ١٦٣٩ - أطرافه في: ١٦٤٠، ١٦٩٣، ١٧٠٨، ١٧٢٩، ١٨٠٦، ١٨٠٧، ١٨٠٨، ١٨١٠، ١٨١٢، ١٨١٣، ٤١٨٣، ٤١٨٤، ٤١٨٥]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فطاف لهما طوافاً واحداً))، وهذا طواف القارن عنده كما ذهب إليه الشافعي، ومن قال بقوله. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: يعقوب بن إبراهيم بن كثير الدورقي، يكنى بأبي يوسف. الثاني: إسماعيل بن علية، بضم العين المهملة وفتح اللام وتشديد الياء آخر الحروف: وهو اسم أمه، وأبوه إبراهيم بن سهم، وقد مر غير مرة. الثالث: أيوب السختياني وقد مر غير مرة. الرابع: نافع مولى ابن عمر. الخامس: عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنهما. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: أن شيخه هو شيخ مسلم أيضاً وينسب إلى دورق فيقال له الدورقي، وليس من بلد دورق، وإنما كانوا يلبسون قلانس تسمى الدورقية، فنسبوا إليها. وفيه: أن ابن علية وأيوب بصریان ونافعاً مدني. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الحج عن أبي النعمان عن حماد، وأخرجه مسلم فيه عن أبي الربيع وأبي كامل وعن علي بن حجر وزهير بن حرب. ذكر معناه: قوله: ((دخل ابنه)) أي: ابن عبد الله بن عمر. قوله: ((عبد الله بن عبد الله)) هو بيان له. قوله: ((وظهره)) بالرفع مبتدأ وقوله: ((في الدار))، خبره، والجملة وقعت حالاً، والمراد من الظهر مركوبه الذي يركبه من الإبل، وحاصل المعنى أن عبد الله بن عمر كان عازماً على الحج، وأحضر مركوبه ليركب عليه، ويتوجه فقال له ابنه عبد الله، إني لا آمن أن يكون العام، أي: في هذا العام قتال فيصدوك أي يمنعوك عن البيت، وذلك كان في عام نزل الحجاج لقتال عبد الله بن الزبير، وصرح بذلك مسلم في روايته، فقال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا يحيى، وهو القطان عن عبيد الله قال: ((حدثني نافع أن عبد الله بن عبد الله وسالم بن عبد الله حين نزل الحجاج لقتال ابن الزبير قالا: لا يضرك أن لا تحج العام؟ ٤٠٥ ٢٥ - كِتَابُ الحَجُّ / باب (٧٧) فإنا نخشى أن يكون بين الناس قتال يحال بينك وبين البيت. قال: إن حيل بيني وبينه فعلت كما فعل رسول الله، عَ ◌ّله، وأنا معه: حين حالت كفار قريش بينه وبين البيت أشهدكم أني قد أوجبت عمرة: فانطلق ... )) الحديث. قوله: ((إني لا آمن)) بالمد، وفتح الميم المخففة أي: أخاف، هذه رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي ((إني لا إيمن))، بكسر الهمزة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الميم، وهي لغة تميم، فإنهم يكسرون الهمزة في أول مستقبل ماضيه على: فعل، بالكسر ولا يكسرون إذا كان ماضيه بالفتح إلاَّ أن يكون فيه حرف حلق نحو: اذهب والحق. وقيل: قوله: ((لا إيمن)) بالكسر إمالة، ووقع في بعض الكتب: لا أيمن، بالفتح والياء، ولا وجه له فاعلم. قوله: ((فلو أقمت)) يحتمل أن يكون كلمة: لو، للتمني فلا تحتاج إلى جواب، ويحتمل أن تكون للشرط وجزاؤه محذوف أي: فلو أقمت: في هذه السنة، وتركت الحج لكان خيراً لعدم الأمن. قوله: ((فقال)) أي: عبد الله بن عمر لابنه عبد الله. قوله: ((إفعل)) بالجزم، لأنه جزاء، والجزم فيه واجب، ويجوز فيه الرفع على تقدير: أنا أفعل. قوله: ((كما فعل رسول الله عَّهِ)) يعني في الحديبية حين منعوه عن دخول مكة وقصته مشهورة. قوله: ((ثم قدم)) أي: إلى مكة. قوله: ((لهما))، أي: للعمرة والحج، وبه احتج الشافعي ومن معه في أن القارن يكفي له طواف واحد، ولا حجة لهم فيه، لأن المراد من هذا الطواف طواف القدوم. ٢٢٧/ ١٦٤٠ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قال حدثنا اللَّيْثُ عنْ نافع أن ابنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما أرادَ الحِجَّ عامَ نزَلَ الْحَجَّاجُ بابنِ الزُّبَيْرِ فَقِيلَ لهُ إِنَّ النَّاسَ كائِنٌّ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ وَإِنَّا نَخَافُ أنْ يَصُدُّوكَ فقالَ لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ إسْوَةٌ حسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١] إذاً أَصْنَعُ كَمَّا صنَعَ رسولُ الله عَّهِ إِنِّي أشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إذَا كانَ بِظَاهِرٍ البَيْدَاءِ قال ما شأنُ الحَجِّ والعُمْرَةِ إلَّ وَاحِدٌ اشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجّاً مَعَ عُمْرَتِي وأُهْدَى هَدْياً اشْتَرَاهُ بِقُدَيْدٍ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ فَلَمْ يَنْحَرْ وَلَّمْ يَحِلَّ مِنْ شَيءٍ حَرُمَ مِنْهُ وَلَمْ يَحْلِقْ ولَمْ يُقَصِّرْ حَتَّى كَانَ يَوْمَ النَّخْرِ فنحَرَ وحَلَقَ ورَأَى أَنْ قَدْ قضَى طَوَافَ الحَجّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الأوَّلِ وقال ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما كذَلِكَ فَعَلَ رسولُ اللهِ عََّّهِ. [انظر الحديث ١٦٣٩ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله بطوافه الأول، وهذا طريق ثان للحديث السابق، رواه عن قتيبة بن سعيد عن الليث بن سعد عن نافع إلى قوله: ((عام نزل الحجاج))، عام، منصوب على الظرف، والحجاج هو ابن يوسف الثقفي، كان متولي العراقين من جهة عبد الملك بن مروان، وأمره عبد الملك أن يتوجه إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير، رضي الله تعالى عنهما، لأنه دعى له بالخلافة فلم يطع عبد الملك، فقدم الحجاج إلى مكة في سنة اثنتين وسبعين، وأقام الحصار عليه من أول شعبان منها، وقصته مشهورة. قوله: ((بابن الزبير))، أي: نزل الحجاج ملتبساً به على وجه المقاتلة. قوله: ((فقيل له)) أي: لابن عمر، وقد صرح في (صحيح مسلم) أن عبد الله وسالماً ابني عبد الله بن عمر هما القائلان بذلك، ولفظه: حدثنا ٤٠٦ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٧٧) محمد بن المثنى، قال: حدثنا يحيى، وهو القطان عن عبيد الله إلى آخره، وقد ذكرناه عن قريب في هذا الباب. قوله: ((كائن بينهم قتال))، جملة في محل الرفع لأنها خبر إن، وقتال مرفوع بأنه فاعل كائن، ويجوز أن ينتصب على التمييز أو على الاختصاص. قوله: ((إذا)) كلمة: إذن، حرف جواب وجزاء وشرط إعمالها أن تتصدر، فإن وقعت حشواً أهلمت، وإن كان السابق عليها واواً أو فاء جاز النصب نحو: وإذا لا يلبثوا فأذن لا يؤتوا، والغالب الرفع، وإذا كان فعلها مستقبلاً يجب الرفع كما هو هنا. قوله: ((إني أشهدكم)) إنما قال هذا ولم يكتف بالنية ليعمله من أراد الاقتداء به. قوله: ((البيداء)) موضع بين مكة والمدينة قدام ذي الحليفة، وهو في الأصل الأرض الملساء والمفازة. قوله: ((إلاَّ واحد))، بالرفع ويروى: واحداً، بالنصب على مذهب يونس، فإنه جوزه مستشهداً بقوله: وما الدهر إلاَّ منجنوناً بأهله وما صاحب الحاجات إلاَّ معذباً يعني: حكمهما واحد في جواز التحلل منهما بالإحصار. قوله: ((وأهدى)) فعل ماضٍ من الإهداء. قوله: ((بقديد))، بضم القاف وفتح الدال المهملة وسكون الياء آخر الحروف، وهو اسم موضع بين مكة والمدينة، وهو في الأصل اسم ماء هناك. قوله: ((ولم يزد على ذلك))، لأنه لم يجب عليه دم بارتكاب محظورات الإحرام. قوله: ((حتى كان))، لفظ: حتى، غاية للأفعال الأربعة. قوله: ((قضى))، معناه: أدى. قوله: ((كذلك فعل رسول الله، عَّ له)) أي: طاف طوافاً واحداً. وقال الكرماني؛ وهذا دليل على أن رسول الله عَّلِ كان قارناً. قلت: غرضه من هذا أن القارن يكتفي بطواف واحد لأنه قال: لا يجوز أن يراد بقوله: الطواف الأول طواف القدوم، بل معناه أنه لم يتكرر الطواف للقران، بل يكتفى بطواف واحد. والتحقيق في هذا المقام أن يقال لمن احتج بهذا الحديث في اكتفاء القارن بطواف واحد، وأنه عَِّ كان قارناً، كيف تعملون به؟ وقد روى الزهري عن سالم أن عبد الله بن عمر قال: تمتع رسول الله عَّله في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى وساق الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله عَّهِ فأهل بالحج وتمتع الناس مع رسول الله عَّ لهم بالعمرة إلى الحج، الحديث بطوله، رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، على ما يأتي عن البخاري في موضعه إن شاء الله تعالى. قال الطحاوي: فهذا ابن عمر يخبر عن رسول الله عَّه أنه كان في حجة الوداع متمتعاً وأنه بدأ بالعمرة، وقد حدثنا محمد بن خزيمة، قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا حماد عن بكر بن عبد الله عن ابن عمر أن النبي عَّله وأصحابه قدموا ملبين بالحج، فقال رسول الله عَّ الله: من شاء أن يجعلها عمرة إلاَّ من كان معه الهدي فأخبر ابن عمر في حديث بكر هذا: أن رسول الله عَ ل قدم مكة وهو يلبي بالحج، وقد أخبر في حديث سالم أن رسول الله عزّلّم بدأ فأحرم بالعمرة، فهذا معناه عندنا، والله أعلم، أنه كان أحرم أولاً بحجة على أنها حجة، ثم فسخها فصيرها عمرة، فلبى بالعمرة ثم تمتع بها إلى الحج، حتى يصح حديث سالم وبكر، هذين ولا يتضادان، وفسخ رسول الله عَ ليه الحج الذي كان فعله وأمر به أصحابه هو بعد طوافهم بالبيت فاستحال بذلك أن يكون الطواف الذي كان رسول الله عَّهِ فعله للعمرة التي ٤٠٧ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٧٨) انقلبت إليها حجته مجزياً عنه من طواف حجته التي أحرم بها بعد ذلك، ولكن وجه ذلك عندنا، والله تعالى أعلم أنه لم يطف لحجته قبل يوم النحر لأن الطواف الذي يفعل قبل يوم النحر في الحجة إنما يفعل للقدوم لا لأنه من صلب الحجة، فاكتفى ابن عمر بالطواف الذي كان فعله بعد القدوم في عمرته عن إعادته في حجته، وهذا مثل ما روي عن ابن عمر أيضاً من فعله: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا حماد عن أيوب عن نافع أن ابن عمر كان إذا قدم مكة يرمل بالبيت، ثم طاف بين الصفا والمروة، وإذا لبى من مكة بها لم يرمل بالبيت، وأخر الطواف بين الصفا والمروة إلى يوم النحر، وكان لا يرمل يوم النحر، فدل ما ذكرنا أن ابن عمر كان إذا أحرم بالحجة من مكة لم يطف لها إلى يوم النحر، فكذلك ما روي عن رسول الله، عَلَّه، من إحرامه بالحجة التي أحرم بها بعد فسخ حجته الأولى لم يكن طاف لها إلى يوم النحر، فليس في حديث ابن عمر عن النبي عَّه من حكم طواف القارن لعمرته وحجته شيء، وثبت بما ذكرنا ما ذهبنا إليه من أن القارن لا يكتفي بطواف واحد، والله أعلم بالصواب. ٧٨ - بابُ الطََّافِ عَلَى وُضُوءِ أي: هذا باب في بيان الطواف على الوضوء، وإنما أطلق ولم يبين أن الوضوء شرط في الطواف أم لا لمكان الاختلاف فيه على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. ١٦٤١/٢٢٨ _ حدَّثنا أحمدُ بنُ عِيسَى قال حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ قال أخبرَنِي عَمْرُو بنُ الحَارثِ عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ عَبْدِ الرَّحمنِ بنِ نَوْفَلِ الْقُرَشِيِّ أنَّهُ سَألَ عُرْوَةَ بنَ الزُّبَيْرِ فقال قَدْ حَجَّ النبيُّ عَّهِ فأخبرَتْنِي عَائِشَةُ رضي الله تعالى عنها أنَّهُ أوَّلُ شَيْءٍ بَدَأْ بِهِ حِينَ قَدِمَ أنَّهُ تَوَضَّأُ ثُمّ طافَّ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهُ فكانَ أوَّلَ شَيْءٍ بَدَأْ بِهِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ ثُمَّ عُمَرُ رضي الله تعالى عنه مِثْلُ ذَلِكَ ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ رضي الله تعالى عنهُ فَرَأيْتُهُ أوَّلُ شَيْءٍ بَدَأْ بِهِ الطّوَافُ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ ثمَّ مُعَاوِيةٌ وعَبدُ الله بنُ عُمِرَ ثُم حَججْتُ مَعَ ابنِ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ فَكَانَ أوَّلَ شَيءٍ بَدَأْ بِهِ الطّوَافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ ثُمَّ رَأَيْتُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ ثُمّ آخِرُ مَنْ رَأيْتُ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُضْهَا عُمرَةً ولهذا ابْنُ عُمرَ عِنْدَهُمْ فَلاَ يَسْأَلُونَهُ ولاً أحَدٌ مِئَنْ مَضَى ما كانُوا بِشيْءٍ حَتَّى يَضَعُوا أَقْدَامَهُمْ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لاَ يَحِلُونَ وَقَدْ رَأيْتُ أَمِّي وخالَتِي حِينَ تَقْدِمَانِ لا تَبْتَدِئَانِ بِشَيءٍ أوَّلَ مِنَ البَيْتِ تَطُوفَانِ بِهِ ثُمَّ لاَ يَحِلاَّنِ .. [انظر الحديث ١٦١٤]. ١٦٤٢ _ وقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أنَّها أهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا والزُّبَيْرُ وفُلانٌ وفُلانٌ بِعُمْرَةٍ فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا. [انظر الحديث ١٦١٥ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((إن أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ))، وقد مر ٤٠٨ ٢٥ - كِتَابُ الحَجُّ / باب (٧٨) الحديث في: باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة، فإنه أخرجه هناك: عن إصبغ عن ابن وهب المصري إلى آخره مختصراً. وأخرجه هنا بأثم منه عن أحمد بن عيسى أبي عبد الله التستري، مصري الأصل، وكان يتجر إلى تستر، مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين. يروي عن عبد الله ابن وهب المصري. قوله: ((سأل عروة بن الزبير)) فقال: فيه حذف تقديره سأل عروة بن الزبير كيف بلغه خبر حج النبي عَّهِ، فقال: أي: عروة، قد حج النبي عَّه. قوله: ((حين قدم) أي: مكة. قوله: ((ثم لم تكن عمرة) بالرفع والنصب على تقدير كون: لم تكن، تامة أو ناقصة. قوله: ((ثم عمر)) أي: ثم حج عمر، رضي الله تعالى عنه، مثل ذلك أي: مثل ما حج أبو بكر، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((فرأيته أول شيء)) لفظ أول بالنصب لأنه بدل عن الضمير. قوله: ((الطواف)) بالنصب أيضاً لأنه مفعول ثان. قوله: ((ثم معاوية)) أي: ثم حج معاوية بن أبي سفيان. قوله: ((مع أبي الزبير)) ليس بكنية، بل قوله: الزبير، بالجر بدل من قول: ((أبي))، لأن عروة يقول: ((ثم حججت مع أبي))، هو الزبير بن العوام. قوله: ((ثم لم ينقضها عمرة)) أي: ثم لم ينقض حجتها عمرة أي لم يفسخها إلى العمرة. قوله: ((فلا يسألونه؟» الهمزة فيه مقدرة أي: أفلا يسألون عبد الله بن عمر. قوله: ((ولا أحد))، عطف على فاعل لم ينقضها أي: لم ينقض ابن عمر حجته ولا أحد من السلف الماضين. قوله: ((ما كانوا يبدأون بشيء حتى يضعوا أقدامهم من الطواف))، قال ابن بطال: لا بد من زيادة لفظ: أول، بعد لفظ: أقدامهم، وقال الكرماني: الكلام صحيح بدون زيادة إذ معناه ما كان أحد منهم يبدأ بشيء آخر حين يضع قدمه في المسجد لأجل الطواف، أي: لا يصلون تحية المسجد ولا يشتغلون بغير الطواف، وصوب بعضهم كلام ابن بطال، لأن جعل: من، بمعنى: من أجل، قليل وأيضاً فقد ثبت لفظ أول في بعض الروايات. قلت: وقوله: لأن جعل: من، بمعنى: من أجل، قليل، غير مسلم، بل هو كثير في الكلام لأن أحد معاني: من، للتعليل كما عرف في موضعه. وقوله: وأيضاً فقد ثبت لفظ أول في بعض الروايات مجرد دعوى فلا تقبل إلاّ ببيان. وقوله: حتى يضعوا، بكلمة: حتى التي للغاية رواية الكشميهني، وفي رواية غيره حين يضعون ففي الأول حذفت النون من: يضعون، لأن أن الناصبة مقدرة بعد كلمة: حتى، وعلامة النصب في الجمع سقوط النون، وسأل الكرماني في هذا الموضع: بأن المفهوم من هذا التركيب أن السلف كانوا يبتدئون بالشيء الآخر إذ نفي النفي إثبات، وهو نقيض المقصود؟ ثم أجاب بقوله: إن لفظ: ما كانوا، تأكيد للنفي السابق أو هو ابتداء الكلام. قوله: ((أمي))، هي أسماء بنت أبي بكر، رضي الله تعالى عنهما، زوجة الزبير، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((وأختها)) أي: أخت أمي، وهي: عائشة زوج النبي عَّهِ. قوله: ((فلما مسحوا الركن حلوا))، معناه: طافوا وسعوا وحلقوا حلوا، وإنما حذفت هذه المقدرات للعلم بها. وقال الكرماني: فإن قلت: هذا مناف لقوله: إنهما لا يحلان، وما الفائدة في ذكره؟ قلت: الأول في الحج والثاني في العمرة وغرضه أنهم كانوا إذا أحرموا بالعمرة يحلون بعد ٤٠٩ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٧٩) الطواف ليعلم أنهم إذا لم يحلوا بعده لم يكونوا معتمرين ولا فاسخين للحج إليها، وذلك لأن الطواف في الحج للقدوم وفي العمرة للركن، ثم اعلم أن الداودي قال: ما ذكر من حج عثمان هو من كلام عروة، وما قبله من كلام عائشة، وقال أبو عبد الملك: منتهى حديث عائشة عند قوله: ثم لم تكن عمرة، ومن قوله: ثم حج أبو بكر ... إلى آخره من كلام عروة. قلت: على قول الداودي يكون الحديث كله متصلاً، وعلى قول أبي عبد الملك: يكون بعضه منقطعاً لأن عروة لم يدرك أبا بكر ولا عمر، بل أدرك عثمان، رضي الله تعالى عنه. ذكر ما يستفاد منه: احتج به من يرى بوجوب الطهارة للطواف كالصلاة، ولا حجة لهم في ذلك، لأن قوله: إنه توضأ لا يدل على وجوب الطهارة قطعاً لاحتمال أن يكون وضوءه عليه الصلاة والسلام على وجه الاستحباب. وقال صاحب (التوضيح): الدليل على الوجوب أن الطواف مجمل في قوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: ٢٩]. وفعله عَّهِ خرج مخرج البيان. قلت: لا نسلم أنه مجمل، إذ معناه الدوران حول البيت. فإن قلت: قال عَّهِ: ((الطواف بالبيت صلاة)) قلت: التشبيه لا عموم له ولهذا لا ركوع فيها ولا سجود ولو كان حقيقة لكان احتاج إلى تحليل وتسليم واحتجٌ به أيضاً من يرى أن الإفراد بالحجّ هو الأفضل ولا حجّة لهم في ذلك لوجود أحاديث كثيرة دلّت على أنه عَّمِ كان قارناً وقد ذكرنا الاختلاف فيه في هذا الكتاب والله أعلم. ٧٩ - باب وجوب الصفا والمروة وجُعِلَ من شعائر الله أي هذا باب في بيان وجوب السعي بين الصفا والمروة وإنما قدّرنا هكذا لأن الوجوب يتعلّق بالأفعال لا بالذوات، قال الجوهري الصفا موضع بمكّة وهو في الأصل جمع صفاة وهي صخرة ملساء ويجمع على أصفاء، وصفا وصفى على وزن فعول، والصفا أيضاً اسم نهر بالبحرين، والصفاء بالمد خلاف الكدر. والمروة مروة السعي التي تذكر مع الصفا، وهي أحد رأسيه الذي ينتهي السعي إليهما وهي في الأصل حجر أبيض برّاق، وقيل هي التي يقدح منها النار. قوله: ((وجعل)) على صيغة المجهول أي جعل وجوب السعي بين الصفا والمروة، كما ذكرنا، وقال صاحب التلويح: وجعل من شعائر الله كذا في نسخة السماع، وفي أخرى: وجعلا أي الصفا والمروة، والشعائر جمع شعيرة، وقيل هي جمع شعارة بالكسر، كذا في الموعد، وقال الجوهري: الشعائر، أعمال الحج، وكل ما جعل علماً لطاعة الله تعالى، وقال أبو عبيد: واحدة الشعائر شعيرة، وهو ما أشعر لهدى إلى بيت الله تعالى، وقال الزجاج: هي جميع متعبّدات الله التي أشعرها الله، أي جعلها، أعلاماً لنا وهي كل ما كان من موقف أو مسعى أو مذبح وإنما قيل: شعائر لكل عمل مما تعبّد به لأن قولهم: شعرت به علمته، فلهذا سمّيت الأعلام التي هي متعبّدات لله شعائر. وقال الحسن: شعائر الله دين الله تعالى. ١٦٤٣/٢٢٩ - حدثنا أَبُوِ اليَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ عُروَةُ سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا فَقُلتُ لَهَا: أَرَأَيْتِ قَولَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالَرَوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ : ٤١٠ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٧٩) حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]. فَوَاللهِ ما عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ أنْ لا يَطَّرَّفَ بِالصَّفَا والمَرْوَةِ قالَتْ بِئْسَ ما قُلْتَ يا ابْنَ أُخْتِي إِنَّ هَذِهِ لَوْ كَانَتْ كَمَا أوَّلْتَهَا عَلَيْهِ أنْ لا يَتَطَرَّفَ بِهِمَا وَلُكِنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي الأَنْصَارِ كانُوا قَبْلَ أن يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمِنَاةَ الطَّاغِيَّةِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا عِنْدَ المُشَلَّلِ فَكانَ منْ أهَلَّ يَتَحَرَّجُ أنْ يَطُوفَ بالصَّفَا والمَرْوَةِ فَلَمَّا سألُوا رسولَ الله عَ لِّ عِنْ ذُلِكَ قالوا يا رَسُولَ الله إِنَّا كُنَّا نتحَرَّجُ أنْ نَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ فَأَنْزَّلَ الله تعَالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وِالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله﴾ الآيَةَ قالَتْ عَائِشَةُ رضي الله تعالى عنها وقَدْ سَنَّ رسولُ اللهِ عَلِ الطَّوافَ بَيْنَهُمَا فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ أَخْبَرْتُ أَبَا بَكْرِ بنَ عَبْدِ الرَّحِمِنِ فقالَ إِنَّ لهذا لَعِلْمٌ ما كُنْتُ سَمِعْتُهُ وَلَقَد سَمِعْتُ رِجالاً منْ أهلِ العِلْمِ يَذْكُرُونَ أنَّ النَّاسَ إلَّ مَنْ ذَكَرَتْ عَائِشَةُ مِمَّنْ كانَ يُهِلُ بِنَاةَ كانُوا يَطُوفُونَ كُلُّهُمْ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ فَلَمَّا ذَكَرَ الله تعالَى الطّوافَ بِالْبَيْتِ ولَمْ يَذْكُر الصَّفَا والمَرْوَةَ فِي القُرْآنِ قَالُوا يا رَسولَ الله كُنا نطَّوَّفُ بِالصَّفا والمَرْوَةِ وإِنَّ الله أَنْزَلَ الطَّوَافَ بِالبَيْتِ فَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ خَرَجِ أَنْ نَطَّوَّفَ بالصَّفَا والمَرْوَةِ فَأَنْزَلَ الله تعالى ﴿إن الصَّفَا والمَرْوةَ مِنْ شَعَائِرِ الله﴾ الآيَةَ قالَ أَبُو بَكْرٍ فَأَسْمَعُ لهَذِهِ الآيَةَ نزَلَتْ فِي الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهما فِي الَّذِينَ كانُوا يَتَحَرَّجُونَ أنْ يَطُوفُوا بالجَاهِلِيَّةِ بِالصَّفا والمَرْوَةِ وَالَّذِينَ يَطُوفُونَ ثُمَّ تَوَّجُوا أَن يَطُوفُوا بِهِما في الإسْلامِ مِنْ أجلِ أنَّ الله تعالى أمرَ بالطَّوَافِ بالبَيْتِ ولَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا حَتَّى ذكرَ ذَلِكَ بَعْدَ ما ذَكَرَ الطَّوَافَ بالبَيْتِ. [الحديث ١٦٤٣ - أطرافه في: ١٧٩٠، ٤٤٩٥، ٤٨٦١]. مطابقته للترجمة ظاهرة، ورجاله قد ذكروا غير مرة، وأبو اليمان الحكم بن نافع، والزهري هو محمد بن مسلم، وأخرجه النسائي في الحج وفي التفسير. ذكر معناه: قوله: ((أرأيتٍ؟)) أخبريني عن مفهوم هذه الآية، إذ مفهومها عدم وجوب السعي بين الصفا والمروة إذ فيه عدم الإثم على الترك، فقالت عائشة، رضي الله تعالى عنها: مفهومها ليس ذلك، بل عدم الإثم على الفعل، ولو كان على الترك لقيل: أن لا يطوف، بزيادة: لا، والتحقيق هنا أن عروة، رضي الله تعالى عنه، أوَّل الآية بأن لا شيء عليه في تركه، لأن هذا اللفظ أكثر ما يستعمل في المباح دون الواجب، وأن عائشة، رضي الله تعالى عنها، أجابت بأن الآية ساكتة عن الوجوب وعدمه، لأنها ليست بنص في سقوط الواجب، ولو كانت نصاً لكان يقول: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، لأن هذا يتضمن سقوط الإثم عمن ترك الطواف، ولم يكن ذلك إلاَّ بسبب الأنصار، وقد يكون الفعل واجباً، ويعتقد المعتقد أنه منع من إيقاعه على صفه، وهذا كمن عليه صلاة ظهر، فظن أن لا يسوغ له إيقاعها بعد المغرب، فسأل فقيل: لا حرج عليك إن صليت، فيكون الجواب صحيحاً، ولا يقتضي نفي وجوب الظهر عليه، وقد وقع في القراءة الشاذة، فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، كما قالت عائشة، رضي الله تعالى عنها، حكاه الطبري وابن أبي داود في المصاحف، وابن المنذر وغيرهم عن أبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس، رضي الله تعالى عنهم، وأجاب الطبري: أنها محمولة على القراءة المشهورة، وكلمة: لا، زائدة، وكذا قال ٤١١ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٧٩) الطحاوي: وقيل: لا حجة في الشواذ إذا خالفت المشهورة، وقال الطحاوي أيضاً: لا حجة لمن قال إن السعي مستحب بقوله: ﴿فمن تطوع خيراً﴾ [البقرة: ١٨٤]. لأنه راجع إلى أصل الحج والعمرة لا إلى خصوص السعي لإجماع المسلمين على أن التطوع بالسعي لغير الحاج والمعتمر غير مشروع، والله أعلم. قوله: ((يهلونه)) أي: يحجونه. قوله: ((لمناة))، بفتح الميم وتخفيف النون وبعد الألف تاء مثناة من فوق، وهو اسم صنم كان في الجاهلية. وقال ابن الكلبي: كانت صخرة نصبها عمرو بن لحي بجهة البحر فكانوا يعبدونها، وقيل: هي صخرة لهذيل بقديد وسميت مناة لأن النسائك كانت تمنى بها أي: تراق. وقال الحازمي: هي على سبعة أميال من المدينة وإليها نسبوا زيد مناة. قوله: ((الطاغية))، صفة لمناة إسلامية، وهي على زنة فاعلة من الطغيان، ولو روي: لمناة الطاغية، بالإضافة ويكون الطاغية صفة للفرقة وهم الكفار لجاز. قوله: ((عند المشلل))، بضم الميم وفتح الشين المعجمة، وتشديد اللام الأولى المفتوحة اسم موضع قريب من قديد من جهة البحر، ويقال: هو الجبل الذي يهبط منه إلى قديد من ناحية البحر، وقال البكري: هي ثنية مشرفة على قديد. وقال السفاقسي: هي عند الجحفة، وفي رواية لمسلم عن سفيان عن الزهري بالمشلل من قديد، وفي رواية للبخاري في تفسير البقرة من طريق مالك ((عن هشام بن عروة عن أبيه قال: قلت لعائشة: وأنا يومئذ حديث السن ... )) فذكر الحديث، وفيه: ((كانوا يهلون لمناة، فكانت مناة حذو قديد)) أي: مقابله، وقد مر أن قديداً، بضم القاف: قرية جامعة بين مكة والمدينة كثيرة المياه، قاله البكري. قوله: ((يتحرج)) أي: يحترز من الحرج، ويخاف الإثم. قوله: ((فلما أسلموا)) أي: الأنصار. قوله: ((عن ذلك)) أي: الطواف بالصفا والمروة. قوله:(إنا كنا نتحرج ... )) إلى آخره، وفي رواية مسلم: أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا هم وغسان يهلون لمناة، فتحرجوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة، وكان ذلك سنَّة في آبائهم، من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة، وإنكما كان ذلك لأن الأنصار كانوا يهلون في الجاهلية لصنمين على شط البحر يقال لهما: أساف ونائلة، ثم يجيئون فيطوفون بين الصفا والمروة، ثم يحلقون، فلما جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعونه في الجاهلية، فأنزل الله تعالى الآية. وفي لفظ إذا أهلوا لمناة لا يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة، ويقال: إن الأنصار قالوا: إنما أمرنا بالطواف ولم نؤمر بالسعي بين الصفا والمروة، فنزلت الآية. وقال السدي: كان في الجاهلية تعرف الشياطين في الليل بين الصفا والمروة، وكانت بينهما آلهة، فلما ظهر الإسلام قال المسلمون: يا رسول الله لا نطوف بين الصفا والمروة، فإنه شرك كنا نصنعه في الجاهلية، فنزلت الآية. وفي (الأسباب) للواحدي، قال ابن عباس: كان على الصفا صنم على صورة رجل يقال له: أساف، وعلى المروة صورة امرأة تدعى: نائلة، يزعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة مسخهما الله تعالى حجرين، فوضعا على الصفا ليعتبر بهما فلما طالت المدة، عبدا، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بينهما مسحوا الوثنين، فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام ٤١٢ ٢٥ - كِتَابُ الحَجُّ / باب (٧٩) كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين، فنزلت هذه الآية: وروى الطبري وابن أبي حاتم في التفسير بإسناد حسن من حديث ابن عباس قال: قالت الأنصار: إن السعي بين الصفا والمروة من أمر الجاهلية، فأنزل الله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة: ١٥٨]. قوله: ((وقد سن رسول الله عَّله)) أي: شرع وقال الكرماني: وجعل ركناً. وقال بعضهم: أي فرضه بالسنة، وليس مراد عائشة، نفي فرضيّتها ويؤيّده قولها: لم يتمّ الله حجّ أحد ولا عمرته لم يطف بينهما. قلت: قول الكرماني جعل ركناً غير موجّه لأن لفظ من لا يدل على معنى أنه جعله ركناً وإلا لا يبقى فرق بين السنّة والركن. وكيف نقول أنه ركن وركن الشيء ما هو داخل في ذات الشيء، ولم يقل أحد أن السعي بين الصّفا والمروة داخل في ماهيّة الحجّ وكذا قول بعضهم أي فرضه بالسنّة ليس مدلول اللفظ. وقوله: وليس مراد عائشة فرضيتها، فنقول: وكذا لا يدلّ على إثبات فرضيتها. وقوله: ويؤيّده قولها: إلى آخره، لا يؤيّد أصلاً ولا يدل على مدعاه لأن نفي إتمام الشيء لا يدلّ على نفي وجوده، فعلى كل حال لا يثبت الفرضية غاية ما في الباب، يدل على أنه سنّة مؤكّدة وهي في قوّة الواجب، ونحن نقول به وسيجيء بيان الخلاف. قوله: ((ثم أخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن)) المخبر هو الزّهري وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ويقال له راهب قريش، لكثرة صلاته، ولد في خلافة عمر بن الخطاب، ومات سنة أربع وتسعين، قاله عمرو بن علي. وفي رواية مسلم عن سفيان، عن الزهري، قال الزهري: فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن هشام، فأعجبه ذلك. قوله: ((إن هذا العلم)) بفتح اللام التي هي للتأكيد، وتنكير العلم، وهي رواية الكشميهني وفي رواية الأكثرين أن هذا العلم أشار به إلى كلام عائشة. وقوله: ((ما كنت سمعته)) وقع خبراً لأن، ولفظ: كنت، بلفظ المتكلم، وكلمة: ما، نافية، وعلى رواية الكشميهني. قوله: ((العلم)) خبر: إن، وكلمة: ما، موصولة. ولفظ: كنت، بلفظ المخاطب وقال الكرماني، ما: موصولة منصوب على الاختصاص، أو مرفوع بأنه صفة له أو خبر بعد خبر. قوله: ((ولقد سمعت رجالاً) القائل بهذا هو أبو بكر بن عبد الرحمن المذكور. قوله: ((إلاَّ من ذكرت عائشة))، هذا الاستثناء معترض بين اسم: إن، وخبرها واسم: إن، هو قوله: ((الناس)) في قوله: إن الناس، وخبرها هو قوله: ((ممن كان يهل بمناة))، ولفط مسلم: ((ولقد سمعت رجالاً من أهل العلم يقولون إنما كان من لا يطوف بين الصفا والمروة من العرب يقولون: إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية)). وقال آخرون من الانصار: إنما أمرنا بالطواف بالبيت ولم نؤمر بين الصفا والمروة، فأنزل الله عز وجل: ﴿إِن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة: ١٥٨]. قال أبو بكر بن عبد الرحمن، فأراها قد أنزلت في هؤلاء وهؤلاء. فإن قلت: ما وجه هذا الاستثناء؟ قلت: وجهه أنه أشار به إلى أن الرجال من أهل العلم الذين أخبروا أبا بكر بن عبد الرحمن أطلقوا ولم يخصوا بطائفة، وأن عائشة، رضي الله تعالى عنها، خصت الأنصار بذلك، كما رواه الزهري عن عروة عنها، وهو في صدر الحديث، وهو قولها: ولكنها نزلت في الأنصار. قوله: ((أن يطوف بالصفا))، ٤١٣ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٧٩) بتشديد الطاء، وأصله: أن يتطوف، فأبدلت التاء طاء لقرب مخرجهما، ثم أدغمت الطاء في الطاء. قوله: ((فاسمع هذه الآية)) وهي قوله: ((إن الصفا والمروة من شعائر الله)) وقوله: ((فأسمع))، بفتح الهمزة وضم العين على صيغة المتكلم من المضارع، وهكذا هو في أكثر الروايات، وضبطه الدمياطي في نسخته بدرج الهمزة وسكون العين على صيغة الأمر، فرواية مسلم: فأراها نزلت في هؤلاء وهؤلاء، كما ذكرناه الآن تدل على أن رواية العامة أصوب. قوله: ((في الفريقين))، وهما من الأنصار وقوم من العرب كما صرح به مسلم على ما ذكرناه. قوله: ((كليهما))، يعني: كلا الفريقين، ويروى: كلاهما، قال الكرماني: هو على مذهب من يجعل المثنى في الأحوال كلها بالألف، ثم قال: والفريق الأول: هم الأنصار الذين يتحرجون احترازاً من الصنمين، والثاني: هم غيرهم الذين يتحرجون بعدما كانوا يطوفون لعدم ذكر الله له. قوله: ((حتى ذكر ذلك))، أي: الطواف بينهما بعد ذكر الطواف بالبيت، وذكر الطواف بالبيت هو قوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: ٢٩]. وذكر الطواف بين الصفا والمروة هو قوله: ﴿إِن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة: ١٥٨] بعد قوله: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: ٢٩]. ووقع في رواية المستملي وغيره، حتى ذكر بعد ذلك ما ذكر الطواف بالبيت، قال بعضهم: وفي توجيهه عسر قلت: لا عسر فيه، فهذا لكرماني وجهه فقال: لفظ ما ذكره يدل عن ذلك، أو أن: ما، مصدرية والكاف مقدر كما في: زيد أسد، أي: ذكر السعي بعد ذكر الطواف كذكر الطواف واضحاً جلياً ومشروعاً مأموراً به. ذكر ما يستفاد منه: احتجت به الحنفية على أن السعي بين الصفا والمروة واجب، لأن قول عائشة، رضي الله تعالى عنهما، وقد سن رسول الله عَّةِ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما، يدل على الوجوب، ورفع الجناح في الآية والتخيير ينفي الفرضية، لا سيما من مذهب عائشة، فيما حكاه الخطابي أن السعي بينهما تطوع، وما ذهب إليه الحنفية هو مذهب الحسن وقتادة والثوري، حتى يجب بتركه دم، وعن عطاء: سنة لا شيء فيه، وقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود: هو فرض لا يصح الحج إلاّ به، ومن بقي عليه شيء منه يرجع إليه من بلده، فإن كان وطىء النساء قبل أن يرجع كان عليه إتمام حجه أو عمرته، ويحج من قابل، ويهدي .. كذا حكاه ابن بطال عنهم، ونقل المروزي عن أحمد: أنه مستحب، واختار القاضي وجوبه وانجباره بالدم، وقال ابن قدامة: وهو أقرب إلى الحق، وعن طاوس: من ترك منه أربعة أشواط لزمه دم، وإن ترك دونها لزمه لكل شوط نصف صاع، وليس هو بركن. وذكر ابن القصار عن القاضي إسماعيل أنه ذكر عن مالك فيمن تركه حتى تباعد، وأصاب النساء أنه يجزيه ويهدي، وقال شيخنا زين الدين، رحمه الله تعالى في (شرحه للترمذي): اختلفوا في السعي بين الصفا والمروة للحاج على ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه ركن لا يصح الحج إلاّ به. وهو قول ابن عمر وعائشة وجابر، وبه قال الشافعي ومالك في المشهور عنه، وأحمد في أصح الروايتين عنه وإسحاق وأبي ثور لقوله عَّ الِ: ((اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي)) رواه أحمد والدارقطني والبيهقي من رواية صفية ٤١٤ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٨٠) بنت شيبة عن حبيبة بنت أبي تجرأة بإسناد حسن، وقال عبد العظيم: إنه حديث حسن قلت: قال ابن حزم في (المحلى): إن حبيبة بنت أبي تجرأة مجهولة، وقال شيخنا: هو مردود لأنها صحابية، وكذلك صفية بنت شيبة صحابية، والقول الثاني: إنه واجب يجبر بدم، وقال الثوري وأبو حنيفة ومالك في (العتبية) كما حكاه ابن العربي. والقول الثالث: إنه ليس بركن ولا واجب، بل هو سنة ومستحب، وهو قول ابن عباس وابن سيرين وعطاء ومجاهد وأحمد في رواية، ومن طاف فقد حل. وقال شيخنا: قد يستدل برفع قوله: ((خذوا عني مناسككم)) على اشتراط الموالاة بين الطواف والسعي بحيث يضر الفصل الطويل، وهو أحد قولين فيما حكاه المتولي. وقال الرافعي: والظاهر أنه لا يقدح، قاله القفال وغيره. ٨٠ - بابُ ما جاءَ في السَّغِي بَينَ الصَّفا والمَرْوَةِ أي: هذا باب في بيان ما لجاء في السعي، أي: من كيفيته بين الصفا والمروة. وقال ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما السَّعْيُ مِنْ دَارِ بَنِي عَبَّدٍ إلَى زُقَاقِ بَنِي أبي حُسَيٍّ مطابقته للترجمة من حيث إنه جاء في السعي بين الصفا والمروة أنه من دار بني عباد إلى زقاق بني أبي حسين، وهذا تعليق وصله ابن أبي شيبة عن أبي خالد الأحمر عن عثمان بن الأسود عن مجاهد وعطاء: قال: رأيتهما يسعيان من خوخة بني عباد إلى زقاق بني أبي حسين، وعزوا ذلك إلى ابن عمر، وذكره الفاكهي بأوضح منه من طريق ابن جريج: أخبرني نافع قال: نزل ابن عمر من الصفا حتى إذا حاذى باب بني عباد إلى زقاق ابن أبي حشين، قال سفيان: هو بين هذين العلمين. قوله: ((بني عباد))، بفتح العين وتشديد الباء الموحدة، وزقاق، بضم الزاي وبالقافين، وقال الجوهري: الزقاق السكة يذكر ويؤنث، قال الأخفش: أهل الحجاز يؤنثون الطريق والصراط والسبيل والسوق والزقاق، وبنو تميم يذكرون هذا كله، والجمع: الزقاق والزقان والأزقة، مثل: حوار وحوران وأحورة. ٢٣٠ / ١٦٤٤ _ حدَّثنا محَمَّدُ بنُ عُبَيْدِ بنِ مَيْمُون قال حدَّثنا عِيسَى بنُ يُونُسَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ عنْ نافعٍ عنِ ابنِ عُمرَ رضي الله تعالى عنهما قال كانَ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ إِذَا طافَ الطَّوَافَ الأولَ حَبَّ ثَلاثًاً ومشَى أَرْبَعاً وكان يَشْعَى بَطْنَ المَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفا والمَزْوَةِ فَقُلْتُ لِنافِعِ أكانَ عَبْدُ الله يَمْشي إِذَا بَلَغَ الرّكْنَ الْيَمَانِيَ قال لا إلَّ أَنْ يُزَاحَمَ عَلَى الؤُكْنِ فإِنَّهُ كانَ لاَ يَدَعُهُ حَتَّى يَسْتَلِمَهُ. [انظر الحديث ١٦٠٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((وكان يسعى بطن المسيل))، والحديث مضى في باب: من طاف بالبيت إذا قدم مكة فإنه أخرجه هناك عن إبراهيم بن المنذر عن أنس بن عياض عن عبيد الله .. إلى آخره، وهنا أخرجه بأتم من ذلك عن محمد بن عبيد بن ميمون، وفي رواية أبي ذر محمد بن عبيد بن حاتم، وكذا قال الحياني ناقلاً عن نسخة أبي محمد بخطه: ٤١٥ ٢٥ - كِتَابُ الحَجُّ / باب (٨٠) حدثنا محمد بن عبيد بن حاتم حدثنا عيسى بن يونس، قيل: الصواب هو الأول، وبه جزم أبو نعيم، وعيسى هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، مات بالحرف أول سنة إحدى وتسعين ومائة، وعبد الله بن عمر العمري. قوله: ((كان إذا طاف الطواف الأول)) أي: طواف القدوم. وقال الكرماني: الطواف الأول سواء كان للقدوم أو للركن. قوله: ((خب)) أي: رمل في الأشواط الثلاثة. قوله: ((ومشى)) أي: لا يرمل. قوله: ((وكان يسعى بطن المسيل)) أي: المكان الذي يجتمع فيه السيل، و: بطن، منصوب على الظرف. قوله: ((فقلت لنافع)) إلى هنا مرفوع عن ابن عمر، ومن قوله: ((فقلت)) إلى آخره موقوف، والقائل لنافع هو عبيد الله المذكور فيه. قوله: ((أكان؟)) الهمزة فيه للاستفهام. قوله: ((لا يدعه)) أي: لا يتركه، وقد مر الكلام فيه مستوفىّ هناك. ١٦٤٥/١٢٣١ _ حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثنا سُفْيانُ عنْ عَمْرِو بنِ دِينارٍ قال سَألْنَا عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما عنْ رجُلٍ طاف بالبَيْتِ فِي عُمْرةٍ وَلَمْ يَطُفْ بينَ الصَّفا والمَرْوةِ أَيَأْتِي امْرَأْتَهُ فقال قدِمَ النبيُّ عَلِ فِطَّافَ بالبِيْتِ سَبعاً وصَلَّى خَلفَ المَقامِ رَكْعَتينِ فطافَ بينَ الصَّفا والمَروَةِ سَبْعاً (لَقَّدْ كانَ لِكُمْ فِي رسولِ اللهِ أُسْوةٌ حسنٌ). [الأحزاب: ٢١] [انظر الحديث ٣٩٥ وأطرافه]. ١٦٤٦ _ وسألْنَا جابِرَ بنَ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهُما فقال لا يَقْرَبَنَّها حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفا والمَروةِ. [انظر الحديث ٣٩٦ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فطاف بين الصفا والمروة سبعاً))، والحديث مضى أيضاً في: باب صلى النبي، عَّهِ، لسبوعه ركعتين، فإنه رواه هناك عن قتيبة بن سعيد عن سفيان عن عمرو بن دينار إلى آخره، وعلي بن عبد الله هو ابن المديني، وسفيان هو ابن عيينة. قوله: ((أيأتي؟)) الهمزة فيه للاستفهام. قوله: ((قدم النبي، عٍَّ)) أي: قدم مكة، وهذا جواب السؤال عمرو بن دينار، ومن معه، قال الكرماني: فإن قلت: ما وجه مطابقة الجواب السؤال؟ قلت: معناه لا يحل له، لأن رسول الله عَ ليه واجب المتابعة، وهو لم يتحلل من عمرته حتى سعى. انتهى. قلت: لا يحتاج إلى هذا التقدير، لأن هذا جواب مطابق للسؤال مع زيادة، أما الجواب فهو قوله: ((فطاف بين الصفا والمروة سبعاً))، وأما الزيادة فهو قوله: ((فطاف بالبيت سبعاً)، وصلى خلف المقام ركعتين، وفائدة الزيادة هي أن السؤال عن المعتمر إذا لم يسع، والجواب أن العمرة هي الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، فلا يجوز له قربان امرأته حتى يأتي بالطواف والسعي. قوله: ((لقد كان لكم ... )) إلى آخره، من تتمة الجواب. ٢٣٢/ ١٦٤٧ _ حدَّثنا المَكْيُّ بنُ إِبْرَاهِيمَ عنِ ابنِ جريجٍ قال أخبرَنِي عَمْرُو بنُ دِینار قال سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قال قَدِمَ النبيُّ عَ لّ مَكّةَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ ثُمّ ٤١٦ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٨٠) صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَعَى بَيْنَ الصَّفا والمرْوَةِ ثُمَّ تَلاَ ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ إِسْوةٌ حسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. [انظر الحديث ٣٩٥ وأطرافه]. هذا طريق آخر للحديث المذكور، رواه عن المكي بن إبراهيم بن بشير بن فرقد البلخي أبو السكن، ولفظ المكي اسمه على صورة النسبة، وليس بمنسوب إلى مكة، وهو يروى عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، ومضى هذا الحديث أيضاً في: باب من صلى ركعتي الطواف خلف المقام، رواه عن آدم عن شعبة عن عمرو بن دينار، وهذه الأحاديث الثلاثة عن ابن عمر دلت على أن العمرة عبارة عن الطواف بالبيت سبعاً، والصلاة بركعتين خلف المقام، والسعي بين الصفا والمروة .. وفي (التوضيح): واجبات السعي عندنا أربعة: قطع جميع المسافة بين الصفا والمروة، فلو بقي منها بعض خطوة لم يصح سعيه، ولو كان راكباً اشترط أن يسير دابته حتى تضع حافرها على الجبل، وإن صعد على الصفا والمروة فهو أكمل، وكذا فعله سيدنا رسول الله عَّهِ، والصحابة بعده، وليس هذا الصعود فرضاً ولا واجباً، بل هو سنة مؤكدة، وبعض الدرج مستحدث، فالحذر من أن يخلفها وراءه فلا يصح سعيه حينئذ، وينبغي أن يصعد على الدرج حتى يستيقن، ولنا وجه شاذ، أنه يجب الصعود على الصفا والمروة قدراً يسيراً، ولا يصح سعيه إلاَّ بذلك ليستيقن قطع جميع المسافة، كما يلزم غسل جزء من الرأس بعد غسل الوجه ليستيقن. ثانيها: الترتيب، فلو بدأ بالمروة لم يجزه لأنه، عَّ لَّه، قال: ((ابدأوا بما بدأ الله به)) وقال صاحب (التوضيح): قال في (المحيط) من كتب الحنفية: لو بدأ بالمروة وختم بالصفا أعاد شوطاً ولا يجزيه ذلك، والبداءة بالصفا شرط، ولا أصل لما ذكره الكرماني من أن الترتيب في السعي ليس بشرط حتى لو بدأ بالمروة وأتى الصفا جاز، وهو مكروه لترك السنة، فيستحب إعادة ذلك الشوط . قلت: الكرماني له كتاب في المناسك ذكر هذا فيه، وكيف يقول صاحب (التوضيح): لا أصل لما ذكره الكرماني بل لا أصل لما ذكره لأنه يحتج بقوله عَ ليه ((ابدأوا بما بدأ الله به))، فكيف يستدل بخبر الواحد على إثبات الفرضية، والحديث إنما يدل على أنه سنة، وقد عمل الكرماني به حيث قال: ولو بدأ بالمروة يكون مكروهاً لتركه السنة، حتى يستحب إعادته، وهذا هو الأصل في الاستدلال بخبر الواحد، وكذا الجواب عما قيل، وحكي عن أبي حنيفة أنه لا يجب الترتيب، ويجوز البداءة بالمروة، والحديث حجة عليه، وأراد بالحديث هو قوله عَّلَه: ((ابدأوا بما بدأ الله به))، رواه جابر وأخرجه النسائي. الثالث: يحسب من الصفا إلى المروة مرة، ومن المروة إلى الصفا مرة حتى يتم سبعاً هذا هو الصحيح. الرابع: يشترط أن يكون السعي بعد طواف صحيح، سواء كان بعد طواف قدوم أو إفاضة، ولا يتصور وقوعه بعد طواف الوداع، فلو سعى وطاف أعاده، وعند غيرنا أعاده إن كان بمكة، فإن رجع إلى أهله بعث بدم، وشذ إمام الحرمين فقال: قال بعض أئمتنا: لو قدم السعي على الطواف اعتد بالسعي، وهذا غلط. ونقل الماوردي وغيره الإجماع في اشتراط ذلك، ٤١٧ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٨٠) وقال عطاء: يجوز السعي من غير تقدم طواف وهو غريب. وفي (التوضيح): أيضاً الموالاة بين مرات السعي سنة، فلو تخلل بيسير أو طويل بينهن لم يضر، وكذا بينه وبين الطواف، ويستحب السعي على طهارة من الحدث والنجس ساتراً عورته، والمرأة تمشي ولا تسعى لأنه أستر لها. وقيل: إن سعت في الخلوة بالليل سعت كالرجل، وموضع المشي والعدو معروف، والعدو يكون قبل وصوله إلى الميل الأخضر، وهو العمود المبني في ركن المسجد بقدر ستة أذرع إلى أن يتوسط بين العمودين المعروفين، وما عدا ذلك فهو محل المشي فلو هرول في الكل لا شيء عليه، وكذا لو مشى على هينة، وعن سعيد بن جبير قال: رأيت ابن عمر يمشي بين الصفا والمروة، ثم قال: إن مشيت فقد رأيت رسول الله عَ ليه يمشي، وإن سعيت فقد رأيته يسعى، وأنا شيخ كبير، أخرجه أبو داود. وفي رواية كان يقول لأصحابه: أرملوا فلو استطعت الرمل لرملت، وعنه قال: رأيت عمر، رضي الله تعالى عنه يمشي أخرجها سعيد بن منصور، وقال ابن التين: يكره للرجل أن يقعد على الصفا إلاّ لعذر، وضعف ابن القاسم في روايته عن مالك رفع يديه على الصفا والمروة، وقال ابن حبيب: يرفع، وإذا قلنا يرفع، فقال ابن حبيب: يرفعهما حذو منكبيه وبطونهما إلى الأرض، ثم يكبر ويهلل ويدعو. وقال غيره من المتأخرين: الدعاء والتضرع إنما يكون وبطونهما إلى السماء، ولو ترك السعي ببطن المسيل ففي وجوب الدم قولان عن مالك. ١٦٤٨/٢٣٣ - حدَّثنا أحمدُ بنُ مُحَمَّدٍ قال أخبرنا عَبْدُ الله قال أخبرنا عاصِمٌ قال قُلْتُ لِأُنَسِ بنِ مالِكِ رضي الله تعالى عنه أكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ قال نعم لِأَنَّهَا كانَتْ مِنْ شَعَائِرِ الجَاهِلِيَّةِ حَتَّى أَنْزَلَ الله (إِنَّ الصَّفا والمَزْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللّه فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطُوفَ بِهِمَا). [البقرة: ١٥٨] [الحديث ١٦٤٨ - طرفه في: ٤٤٩٦]. مطابقته للترجمة من حيث إن الآية المذكورة فيها إثبات السعي بين الصفا والمروة. ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: أحمد بن محمد، قال الدارقطني: هو أحمد بن محمد بن ثابت بن شبويه. قلت: أحمد بن محمد بن ثابت بن عثمان بن مسعود بن يزيد أبو الحسن الخزاعي المروزي المعروف بابن شبويه، مات بطرسوس سنة ثلاثين ومائتين، قاله الحافظ الدمياطي. الثاني: عبد الله بن المبارك. الثالث: عاصم بن سليمان الأحول أبو عبد الرحمن. الرابع: أنس بن مالك. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع والإخبار كذلك في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن شيخه من أفراده وأنه وشيخه مروزيان وأن عاصماً بصري. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن محمد بن يوسف عن الثوري. وأخرجه مسلم في المناسك عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي معاوية. عمدة القارىء / ج٩ / م٢٧ ٤١٨ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٨٠) وأخرجه الترمذي في التفسير عن عبد بن حميد. وأخرجه النسائي في الحج عن يعقوب بن إبراهيم. ذكر معناه: قوله: ((أكنتم؟)) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار. قوله: ((قال: نعم)) ويروى: ((فقال: نعم))، بزيادة فاء العطف أي: نعم كنا نكره، وعلل الكراهة بقوله: ((لأنها كانت من شعائر الجاهلية)) وإنما أنث الضمير باعتبار جمع السعي وهي سبع مرات، والمراد من الشعائر العلامات التي كانوا يتعبدون بها، وقد مر الكلام في الشعائر عن قريب قيل: إنما خص السعي والطواف أيضاً من شعائرهم. قلت: لا نسلم ذلك بخلاف السعي وكان لهم الصنمان اللذان ذكرناهم يتمسحون بهما ويعبدونهما في تلك البقعة. ١٦٤٩/٢٣٤ _ حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثنا سُفْيانُ عَنْ عَمْرٍو عنْ عَطَاءٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال إَّما سَعَى رسولُ الله ◌ََّّهِ بِالبَيْتِ وبَيْنَ الصَّفا والمَزْوَةِ لِيُرِيَ المَشْرِكِينَ قُوَّتَهُ. [الحديث ١٦٤٩ - طرفه في: ٤٢٥٧]. مطابقته للترجمة ظاهرة، ورجاله قد مروا غير مرة، وعلي بن عبد الله المعروف بابن المديني، وسفيان بن عيينة وعمرو بن دينار، وفي بعض النسخ عن عمرو وهو ابن دينار، وعطاء هو ابن أبي رباح، وقد تقدم الكلام فيه في: باب كيف كان بدء الرمل. زَادَ الْحمَيْدِيُّ قال حدَّثنا سُفْيَانُ قال حدثنا عَمْرٌو قال سَمِعْتُ عَطاءً عنِ ابنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ وقول ابن عباس: ((ليري المشركين قوته))، فيه حصر السبب فيما ذكره على ما هو المشهور في: إنما، من إفادة الحصر، وقد جاء عن ابن عباس سبب آخر وهو سعي أبينا إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، فيجوز أن يكون هو المقتضي لمشروعية الإسراع على ما رواه أحمد في (مسنده) من حديث ابن عباس، قوله: ((قال: إن إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، لما أمر بالمناسك عرض له الشيطان عند السعى، فسبقه فسابقه إبراهيم، عليه الصلاة والسلام)). وقد ورد أيضاً سبب آخر، وهو: سعي هاجر عليها السلام، على ما صرح به البخاري ((عن ابن عباس، قال: جاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام ... )) الحديث، وفيه: ((فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها وسعت سعي إنسان مجهود حتى جاوزت الوادي ... )) الحديث، وفيه: ((ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: قال النبي، عَّهِ: فلذلك سعى الناس بينهما)). فإن كان المراد بقوله: فلذلك سعى الناس بينهما: الإسراع في المشي فهذه العلة من نص الشارع، فهى أولى ما يعلل به السعي، وإن أراد بالسعي مطلق الذهاب فلا، ويدل عليه رواية الأزرقي، فلذلك طاف الناس بين الصفا والمروة، والله أعلم. قوله: ((الحميدي))، بضم الحاء نسبة إلى: حميد أحد أجداد عبد الله بن الزبير بن عبد الله القرشي المكي شيخ البخاري، ومن أفراده، ومعنى هذه الزيادة أن الحميدي صرح بالتحديث في روايته عن عمرو بن دينار، وصرح عمرو بالسماع من عطاء بن أبي رباح، ومن طريقه أخرجه أبو نعيم في (المستخرج). وقال الكرماني: زاد لفظ: حدثنا وسمعت، بدل ٤١٩ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٨١) المعنعن، وفائدته الخروج عن الخلاف في القبول، سيما وسفيان من المدلسين. قوله: ((مثله»، أي: مثل ما روي عن ابن عباس في الحديث السابق. ٨١ - بابٌ تَقْضي الحَائِضُ المَناسِكَ كُلَّها إِلاَّ الطَّوافَ بِالْبَيْتِ أي: هذا باب يذكر فيه: تقضي الحائض ... إلى آخره، وأراد بالمناسك كلها إلا الطواف بالبيت للمنع الوارد فيه على ما يأتي في حديث الباب، وإنما صرح به لعدم الخلاف فیه. وإِذَا سعَى عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ بَيْنَ الصَّفا والمَزْوَةِ هذا أيضاً من الترجمة أي: وإذا سعى الحاج أو المعتمر بين الصفا والمروة وهو على غير وضوء، وإنما لم يذكر الحكم فيه لأجل الخلاف فيه، فإن الحسن البصري اشترط الطهارة للسعي، وقال ابن المنذر: لم يذكر عن أحد من السلف اشتراط الطهارة للسعي إلاّ عن الحسن البصري، وروي ذلك أيضاً عن الحنابلة في رواية. ١٦٥٠/٢٣٥ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ الْقَاسِمِ عنْ أبيهِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أنَّها قالَتْ قَدِمْتُ مَكَّةَ وأنا خَائِضٌ ولَمْ أُطُفْ بِالبَيْتِ ولا بَيْنَ الصَّفا وِالمَرْوَةِ قالَتْ فشَكَوْتُ ذُلِكَ إلى رَسُولِ اللهِعَّله قال إِفْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الحَاجُ غيرَ أنْ لا تَطُوفي بالبيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي. [انظر الحديث ٥٩٤ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((إفعلي كما يفعل الحاج ... )) إلى آخره، وقد مضى هذا الحديث في: باب تقضي الحائض المناسك كلها إلاَّ الطواف بالبيت، في كتاب الحيض عن أبي نعيم عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم عن عائشة، وأخرجه أيضاً في: باب كيف كان بدء الحيض في أول كتاب الحيض، بأتم منه، فإنه أخرجه هناك عن علي بن عبد الله المديني عن سفيان، قال: سمعت عبد الرحمن بن القاسم سمعت القاسم، يقول: سمعت عائشة، رضي الله تعالى عنها، تقول: خرجنا لا نرى إلا الحج ... الحديث. قوله: ((حتى تطهري))، بفتح التاء والطاء المهملة المشددة وتشديد الهاء أيضاً. وأصله: تتطهري، فحذفت إحدى التاءين، ومعناه: حتى تغتسلي وتطهري بالغسل، ويؤيده أن في رواية مسلم: ((حتى تغتسلي))، وقال ابن بطال: العلماء مجمعون أن الحائض تشهد المناسك كلها غير الطواف بالبيت، وقال المهلب: إنما منعت الحائض من الطواف على غير طهارة تنزيهاً للمسجد عن النجاسات، ولأمره عَِّ الحيض في العيدين بالاعتزال. وقال ابن التين: وقول عائشة: ولم أطف بالبيت، تريد أن طواف العمرة منعها منه حيضها. قوله: ((كما يفعل الحاج)) لا يكون إلا بأن يردف الحج على العمرة، قال: وقيل: كانت حائجّة، ذكره ابن عبد الملك، ولا يصح لها السعي، وإن كان يصح فعله بغير طهارة كان الطواف قبله، وذلك لا يصح حتى تطهر، ولا يكون السعي مفرداً، ويصح إفراد الطواف. وقال صاحب (التلويح): ٤٢٠ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٨١) وكان البخاري فهم أن قوله عٍَّ لها: ((إفعلي كما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي)) أنها تسعى، فبوب: ((وإذا سعى على غير وضوء)). انتهى. قلت: ليس الأمر كما ذكره، وإنما قوله: ((وإذا سعى .. )) إلى آخره من الترجمة كما ذكرنا، وأشار بها إلى الخلاف في اشتراط الطهارة في السعي، فلذلك لم يجزم بالحكم، غير أنه لم يذكر في الباب شيئاً يدل عليه، واكتفى بمجرد ذكر هذه الترجمة، فافهم. ١٦٥١/٢٣٦ - حدَّثْنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قال حدَّثنا عَبْدُ الوَهَّابِ قال وقال لي خَلِيفَةُ حَدَّثنا عَبْدُ الوَهَّابِ قال حدَّثنا حبيبٌ المُعَلِّمُ عنْ عَطَاءٍ عن جابِرِ بنِ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهما قال أهلَّ النبيُّ عَّهِ هُوَ وأضْحَابُهُ بالحَجِّ وَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيّ غَيرَ النبيّ ◌َّةٍ وطَلْحَةَ وقَدِمَ عَلِيٍّ مِنَ اليَمَنِ ومَعَهُ هَدْيٌ فقال أهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النبيُّ عَ لَّه فَأَمَرَ النبيُّ عَ لَّهِ أَصْحَابَةُ أنْ يَجْعَلوهَا عُمْرَةً وَيَطُوفوا ثُمَّ يُقَصِّرُوا ويَحِلُّوا إلاَّ مَنْ كَانَ مَعَهُ الهَدْيُ فقالُوا نْطَلِقُ إلَى مِنِىٌ وذَكَرُ أحَدِنَا يَقْطُرُ مَنياً فَبَلَغَ النبيَّ عَِّ فقال لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أُمْرِي ما اسْتَذْبَرْتُ ما أهْدَيْتُ ولَوْلا أنَّ مَعِي الْهَدْي لأُخْلَلْتُ وحاضَتْ عَائِشَةُ رضي الله تعالى عنها فَتَسَكَتِ المَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُف بِالبَيْتِ فَلَمَّا طَهُرَتْ طافَتْ بِالْبَيْتِ قالتْ يا رسولَ الله تَنْطَلِقُونَ بِحَجَّةٍ وعُمْرَةٍ وَأَنْطَلِقُ بِحَجّ فأمرَ عَبْدَ الرَّحْمنِ بنَ أَبِي بَكْرٍ أنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إلى التَّنْعِيمِ فاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الحَجُّ. [انظر الحديث ١٥٥٧ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة لا تخفى. ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: محمد بن المثنى بن عبيد المعروف بالزمن، وقد مر غير مرة، الثاني: عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي. الثالث: خليفة، بفتح الخاء المعجمة وبالفاء: ابن خياط، من خياطة الثياب، وقد مر في: باب الميت يسمع خفق النعال. الرابع: حبيب بن أبي قريبة المعلم بلفظ اسم الفاعل من التعليم. الخامس: عطاء بن أبي رباح. السادس: جابر بن عبد الله الأنصاري. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أنه ذكر هذا الإسناد من طريقين: الأول: عن محمد بن المثنى عن عبد الوهاب عن حبيب، والثاني: أنه ذكره على سبيل المذاكرة حيث قال: وقال لي خليفة لا على سبيل التحمل، فلذلك لم يقل: حدثنا خليفة مع أنه شيخه، وهو من أفراده. وفيه: أنهم كلهم بصريون إلاَّ عطاء فإنه مكي، وأخرجه أبو داود في الحج عن أحمد بن حنبل عن الثقفي به. ذكر معناه: قوله: ((قال وقال)) فاعل قال الأول البخاري، وفاعل الثاني ظاهر، وهو خليفة. قوله: ((أهل)) أي: أحرم. قوله: ((وليس مع أحد)) الواو فيه للحال. قوله: ((وطلحة)) بالرفع عطف على غير النبي عَّهِ. قوله: ((علي)، هو ابن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، وكان عَّ أرسله إلى اليمن. قوله: ((ومعه هدي))، جملة إسمية وقعت حالاً. قوله: ((أن