النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
٢٥ - كِتَابُ الحَجِّ / باب (٦٧)
عنه، وهي ﴿ثاني اثنين﴾ [براءة (التوبة): ٤٠]. فأراد عَ له أن يكون يقرأها غيره.
قوله: ((يوم النحر))، ظرف لقوله: بعثه. قوله: ((في رهط)) أي: في جملة رهط، والرهط
من الرجال ما دون العشرة، وقيل: إلى الأربعين، ولا يكون فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه،
ويجمع على: أرهط وأرهاط وأراهط جمع القول. قوله: ((يؤذن))، الضمير فيه راجع إلى الرهط
باعتبار اللفظ، ويجوز أن يكون لأبي هريرة على الالتفات، وهو من الإيذان وهو الإعلام.
قوله: ((ألاَ لا يحج))، كلمة: ألاَ، بفتح الهمزة، واللاَّم المخففة تأتي على أوجه، ولكن هنا
للتنبيه، فتدل على تحقق ما بعدها. قوله: ((لا يحج)) نفي، وفاعله، قوله: مشرك، ويروى: أن لا
يحج، بالنصب بكلمة: ان، وفي رواية للبخاري في التفسير: أن لا يحجن، بنون التأكيد، وفي
بعض النسخ: ألاَّ بفتح الهمزة: يحج، وبتشديد اللاّم، وعليه تكلم الكرماني، فقال: إن أصله:
أن لا يحج، وأن مخففة من الثقيلة أي: أن الشأن. قلت: تقديره أنه لا يحج، فيكون: لا
يحج، مرفوعاً على كل حال. قوله: ((ولا يطوف))، بالرفع عطفاً على: لا يحج، وعلى رواية:
أن لا يحج، يكون بالنصب عطفاً عليه. وقوله: ((عريان)) فاعل: لا يطوف، وفي مسلم عن
هشام عن أبيه عروة، قال: كانت العرب يطوفون عراة، إلاَّ أن يعطيهم الحمس ثياباً، فيعطي
الرجال الرجال والنساء النساء، وكانت الحمس لا يخرجون من المزدلفة، وكان الناس كلهم
يبلغون عرفات، وروى مسلم والنسائي من رواية مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن
عباس، رضي الله تعالى عنه، قال: كانت المرأة تطوف بالبيت عريانة، وتقول:
فما بدا منه فلا أحلـه
اليوم يبدو بعضه أو كله
فنزلت: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٣١]. وذكر الأزرقي
من حديث ابن عباس، قال: كانت قبائل العرب من بني عامر وغيرهم يطوفون بالبيت عراة،
الرجال بالنهار والنساء بالليل، فإذا بلغ أحدهم باب المسجد قال للحمس: من يعير معوزاً؟
فإن أعاره أحمسي ثوبه طاف فيه، وإلاّ ألقى ثيابه بباب المسجد ثم طاف سبعاً عرياناً، وكانوا
يقولون: لا نطوف في الثياب التي قارفنا فيها الذنوب. وكان بعض نسائهم تتخذ سيوراً
تعلقها في حقويها وتستر بها، وفيه تقول العامرية:
اليوم يبدو بعضه أو كله
وما بدا منه فلا نحلّه
ثم من طاف منهم في ثيابه لم يحل له أن يلبسها أبداً، ولا ينتفع بها، وللرياشي زيادة
في البيت المذكور:
كم من لبيب لبُه يضلُّهُ
وناظر ينظر ما يملَّهُ
جهم من الجثم عظيم ظلُّهُ
قلت: كانت هذه المرأة ضباعة بنت عامر، وكانت تحت عبد الله بن جدعان، وطافت
بالبيت عريانة وهي واضعة يديها على فخذيها، وقريش أحدقت بها وهي تقول هذه الأبيات،
وطافت بالبيت الحرام أسبوعاً. وفي (تاريخ ابن عساكر): كانت تغطي جسدها بشعرها،

٣٨٢
٢٥ - كِتَابُ الحَجُّ / باب (٦٨)
وكانت إذا جلست أخذت من الأرض شيئاً كثيراً لعظم خلقها. وفي (صحيح مسلم) عن ابن
عباس: كانت المرأة تطوف بالبيت عريانة، تقول: من يعيرني تطوافاً، يعني: ثوباً تطوف به،
تجعله على فرجها، وتقول:
اليوم ببدون ... إلى آخره.
ذكر ما يستفاد منه فيه: حكمان: الأول: لا يحج بعد العام مشرك، فإن النبي عَ﴾.
أمر بالنداء بذلك حين نزلت ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم
هذا﴾ [التوبة: ٢٨]. والمراد بالمسجد الحرام هنا، الحرم كله، فلا يمكن مشرك من دخول
الحرم بحال، وكذلك لا يمكن أهل الذمة من الإقامة بعد ذلك، لقوله عَّ له: ((أخرجوا اليهود
والنصارى من جزيرة العرب)) قاله في مرض موته عَّ الله فإن قلت: إن الحبشة يخربون الكعبة
حجراً حجراً. قلت: لفظ الحديثُ نهي لا خبر، وكذلك قوله عَّله: ((لا يجتمع المسلمون
والمشركون بعد عامهم هذا)) في حديث علي، رضي الله تعالى عنه، رواه الترمذي، وانفرد
به، فقال: حدثنا علي بن خشرم أخبرنا سفيان بن عيينة عن أبي إسحاق ((عن زيد بن أشبعٍ
قال: سألت علياً، رضي الله تعالى عنه، بأي شيء بعثت؟ قال: ((بأربع: لا يدخل الجنة إلاَّ
نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم
هذا .. )) الحديث. الحكم الثاني: أن لا يطوف بالبيت عريان، واحتج مالك والشافعي
وأحمد في رواية بهذا، فقالوا باشتراط ستر العورة، وذهب أبو حنيفة وأحمد في رواية إلى أنه
لو طاف عرياناً يجبر بدم.
٦٨ - بابٌ إِذَا وَقَفَ فِي الطَّوَافِ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا وقف الطائف في طوافه هل ينقطع طوافه أم لا ينقطع؟ وإنما
أطلق لوجود الاختلاف فيه، فعند الجمهور: إذا عرض له أمر في طوافه فوقف بيني ويتمه ولا
يستأنف طوافه، وقال الحسن: إذا أقيمت عليه الصلاة وهو في الطواف فقطعه، فإنه يستأنفه
ولا يبني على ما مضى. وقال ابن المنذر: ولا أعلم قاله غيره، وقال ابن بطال: جمهور
العلماء يرون لمن أقيمت عليه الصلاة البناء على طوافه إذا فرغ من صلاته، روي هذا عن ابن
عمر والنخعي وعطاء وابن المسيب وطاوس، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد
وإسحاق وأبو ثور. وفي (شرح المهذب): فإن حضرت جنازة في أثناء الطواف فمذهب
الشافعي ومالك إتمام الطواف أولى، وبه قال عطاء وعمرو بن دينار، وقال أبو ثور: لا يخرج،
وإن خرج استأنف، وقال أبو حنيفة والحسن بن صالح: يخرج لها.
وقال عَطَاءٌ فِيمَنْ يَطُوفُ فَتُقَامُ الصَّلاَةُ أَوْ يُدْفَعُ عَنْ مَكَانِهِ إِذَا سَلَّمَ يَرْجَعُ إِلَى حَيْثُ قُطِعَ
عَلَيْهِ فَيَتِي
عطاء هو ابن أبي رباح، وقال الكرماني: إنما لم يذكر البخاري حديثاً يدل على

٣٨٣
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٦٩)
الترجمة إشارة إلى أنه لم يجد في الباب حديثاً بشرطه. قلت: لم يلزم البخاري ما ذكره، فإنه
إذا ذكر ترجمة وأتى بأثر من صحابي أو تابعي مطلق للترجمة فإنه يكفي، وذكر ما قاله عطاء،
وهو تابعي كبير بيَّن مراده من الترجمة، وهو أن الطائف إذا حصل له شيء فقطع طوافه فإنه
يبني على ما مضى ولا يستأنفه، ووصل هذا المعلق عبد الرزاق عن ابن جريج، قلت لعطاء:
الطواف الذي تقطعه على الصلاة، واعتد به يجزىء؟ قال: نعم. وأحب إلي أن ألاَّ يعتد به.
فأردت أن أركع قبل أن أتم سبعي! قال: لا أوفٍ سبعك إلا أن يمنع من الطواف. وقال سعيد
بن منصور: حدثنا هشيم حدثنا عبد الملك عن عطاء أنه كان يقول في الرجل يطوف بعض
طوافه ثم يحضر الجنازة يخرج فيصلي عليها، يرجع فيقضي ما بقي عليه من طوافه.
قوله: ((فيينى)) أي: على طوافه، أي: يعتبر ما سلف منه ويتم الباقي ولا يستأنف الطواف.
ويُذْكَرُ نَحْوُهُ عنِ ابنِ عُمَرَ وعبْدِ الرَّحمنِ بنِ أبي بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهم
أي: يذكر نحو ما قاله عطاء عن عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق.
أما ما روي عن ابن عمر فقد وصله سعيد بن منصور: حدثنا إسماعيل بن زكريا عن جميل
ابن زيد، قال: رأيت ابن عمر طاف بالبيت، فأقيمت الصلاة فصلى مع القوم ثم قام فبنى على
ما مضى من طوافه. وأما ما روي عن عبد الرحمن بن أبي بكر فقد وصله عبد الرزاق عن ابن
جريج عن عطاء أن عبد الرحمن بن أبي بكر طاف في إمارة عمرو بن سعيد على مكة يعني
في خلافة معاوية، فخرج عمرو إلى الصلاة فقال له عبد الرحمن أنظرني حتى أنصرف على
وتر، فانصرف على ثلاثة أطواف، يعني ثم صلى ثم أتم ما بقي.
٦٩ - بابٌ صَلَّى النبيُّ عَ لَّهِ لِسُبُوعِهِ رَكْعَتَیْنِ
أي: هذا باب يذكر فيه: صلى النبي، عَّهِ .... إلى آخره. قوله: ((لسبوعه)) بضم السين
المهملة والباء الموحدة بمعنى: الأسبوع يقال: طفت بالبيت أسبوعاً أي: سبع مرات، وسبوع
بدون الهمزة لغة قليلة فيه. وقيل: هو جمع سبع أو سبع كبرد وبرود، وضرب وضروب.
وقال نافَعٌ كان ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما يُصَلِّي لِكُلِّ سُوعٍ رَكْعَتَبْنِ
مطابقته للترجمة من حيث إنه، عَّةِ، كما كان يصلي لسبوعه ركعتين فكذلك ابن
عمر، رضي الله تعالى عنهما، كان يصلي لكل سبوعه ركعتين. قوله: ((وقال نافع))، معلق
وصله عبد الرزاق عن الثوري عن موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر أنه كان
يطوف بالبيت سبعاً ثم يصلي ركعتين، وعن معمر عن أيوب عن نافع أن ابن عمر كان يكره
قرن الطواف، ويقول: على كل سبع صلاة ركعتين، وكان لا يقرن.
وقال إِسْمَاعِيلُ بِنُ أميَّةَ قُلْتُ لِلزّهْرِيِّ إِنَّ عَطَاءٌ يَقُولُ تُجْزِتُهُ المَكْتُونَةُ مِنْ رَكْعَتَي الطُّوَافِ
فقال السُّنَّةُ أَفْضَلُ لَمْ يَطُفِ النبيُّ عَِّ سُبُوعاً قَطَّ إلاَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ

٣٨٤
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٦٩)
مطابقته للترجمة ظاهرة، وإسماعيل بن أمية، بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد الياء آخر
الحروف: ابن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي المكي، وقد مر في كتاب الزكاة، والزهري
هو محمد بن مسلم المدني، وعطاء هو ابن أبي رباح المكي، وهذا المعلق وصله عبد
الرزاق، عن معمر عن الزهري، ووصله ابن أبي شيبة عن يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية
عن الزهري، قال: مضت السنة أن مع كل أسبوع ركعتين، وروى الحافظ أبو القاسم تمام بن
محمد الرازي في (فوائده): حدثنا أحمد بن القاسم بن المفرح بن مهدي البغدادي، حدثنا أبو
عبد الله محمد بن عبدة القاضي حدثنا إبراهيم بن الحجاج الشامي حدثنا عدي بن الفضل
عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر قال: سن رسول الله، عَ له، لكل أسبوع ركعتين.
وروى ابن أبي شيبة في (مصنفه): حدثنا حفص بن غياث عن عمرو، عن الحسن، قال:
مضت السنة أن مع كل أسبوع ركعتين لا يجزىء منهما تطوع ولا فريضة. قوله: ((تجزئه
المكتوبة)) بفتح التاء وضمها، يقال: أجزاني الشيء أي كفاني، والمكتوبة الفريضة.
قوله: ((السنة أفضل)) يعني: مراعاة السنة، وهي أن تصلي بعد كل أسبوع ركعتين غير المكتوبة
والتطوع، كما مر عن الحسن البصري هكذا آنفاً.
٢١٢/ ١٦٢٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدَّثنا سُفْيانُ عنْ عَمْرٍو قال سألْنا ابنَ عُمَرَ
رضي الله تعالى عنهُمَا أَيَقَعُ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأْتِهِ فِي الْهُمْرَةِ قَبْلَ أنْ يَطُوفَّ بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ
قال قَدِمَ رَسُولُ اللهِ عََّلِ فَطَافَ بِالْبَيتِ سَبْعاً ثُمَّ صَلَِّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَّيْنِ وَطَافَ بَيْنَ
الصَّفَا والمَرْوَةِ وقال: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رسولِ اللهِ أُسْوَةٌ حسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. [انظر
الحديث ٣٩٥ وأطرافه].
١٦٢٤ _ قال وسألْتُ جَابِرَ بنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله تعالى عنهُمَا فَقال لاَ يَقْرَبُ امْرَأَتَهُ
حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ. [انظر الحديث ٣٩٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾
[الأحزاب: ٢٣]. لأن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، أراد بهذا أن السنة أن يصلي بعد
الأسبوع ركعتين قبل أن يطوف بين الصفا والمروة، لأن رسول الله، عَّله، فعل ذلك، وقد
مضى هذا الحديث بعينه في باب قول الله عز وجل ﴿اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾
[البقرة: ١٢٥]. في كتاب الصلاة، فإنه أخرجه هناك عن الحميدي عن سفيان إلى آخره
نحوه، وسفيان هو ابن عيينة، وعمرو بن دينار وقد مضى الكلام فيه مستوفىّ هناك.
قوله: (أيقع؟)) الهمزة فيه للاستفهام، ويقع من الوقاع وهو: الجماع. قوله: ((قبل أن
يطوف بين الصفا والمروة)) قيل فيه: تجوز، لأنه يسمى سعياً لا طوافاً، إذ حقيقة الطواف
الشرعية فيه غير موجودة. قلت: لا نسلم ذلك، لأن حقيقة الطواف هي الدوران، وهو موجود
في السعي. قوله: ((قال وسألت))، القائل هو عمرو بن دينار الراوي عن ابن عمر، رضي الله
تعالى عنهما.

٣٨٥
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٧٠)
٧٠ - بابُ مَنْ لَمْ يَقْرُبِ الكَعْبَةَ وَلَمْ يَطُفْ حَتَّى يَخْرُجَ إلى عَرَفَةَ
ويَرْجِعَ بَعْدَ الطَّوَافِ الأُوَّلِ
أي: هذا باب في بيان شأن من لم يقرب الكعبة أي: من لم يطف طوافاً آخر غير
طواف القدوم، لأن الحاج لا طواف عليه غير طواف القدوم حتى يخرج إلى عرفات،
وينصرف ويرمي جمرة العقبة. قوله: ((حتى يخرج)) أي: إلى أن يخرج. قوله: ((ويرجع))،
بالنصب عطف على: يخرج. قوله: ((بعد الطواف الأول))، أي: طواف القدوم، وقرب الشيء
بالضم یقرب إذا دنا، وقربته بالكسر أقربه أي: دنوت منه.
٢١٣/ ١٦٢٥ - حدَّثْنا مُحَمَّدُ بنُ أبِي بَكْرٍ قال حدَّثنا فُضَيْلٌ قال حدَّثنا موسَى بنُ عُقْبَةَ
قال أخبرني كُرَيْبٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال قَدِمَ النبيُّ عَلَّلِ مَكّةَ
فَطافَ وسَعَى بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ وَلَمْ يَقْرَبِ الكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةً.
[انظر الحديث ١٥٤٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم: خمسة: الأول: محمد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم أبو
عبد الله الثقفي مولاهم المعروف بالمقدمي. الثاني: فضيل، بضم الفاء وفتح الضاد
المعجمة: ابن سليمان النمري، يكنى أبا سليمان. الثالث: موسى بن عقبة بن أبي عباس
الأسدي أبو محمد. الرابع: كريب، بضم الكاف: مولى ابن عباس. الخامس: عبد الله بن
عباس، رضي الله تعالى عنهما.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: الإخبار
بصيغة الإفراد في موضع واحد. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: القول في موضع. وفيه:
أن شيخه وشيخ شيخه مصريان، وموسى وكريب مدنيان، وهذا الحديث من أفراد البخاري.
ذكر ما يستفاد منه: ظاهر هذا الحديث أن لا طواف بعد طواف القدوم، ولكن لا يمنع
منه، لأنه، عَّله، لعله ترك الطواف بعد طواف القدوم خشية أن يظن أحد أنه واجب، وكان
يحب التخفيف على أمته، واعتمد الكرماني على ظاهر الحديث وقال: المقصود أن الحاج
لا يطوف بعد طواف القدوم، وليس كذلك، لما قلنا. ومالك اختار أن لا يتنفل بطواف بعد
طواف القدوم حتى يتم حجه، وقد جعل الله له في ذلك سعة، فمن أراد أن يطوف بعد
طواف القدوم فله ذلك ليلاً كان أو نهاراً لا سيما إن كان من أقاصي البلدان ولا عهد له
بالطواف، وقد قال مالك: الطواف بالبيت أفضل من النافلة لمن كان من البلاد البعيدة لقلة
وجود السبيل إلى البيت، وروي عن عطاء والحسن: إذا اقام الغريب بمكة أربعين يوماً كانت
الصلاة له أفضل من الطواف. وقال أنس: الصلاة للغرباء أفضل. وقال الماوردي. الطواف
عمدة القارىء / ج٩ / ٢٥٢

٣٨٦
٢٥ - كِتَابُ الحَجِّ / باب (٧١)
أفضل من الصلاة، وقال ابن عباس وغيره: الصلاة لأهل مكة أفضل والطواف للغرباء أفضل.
وأما الاعتمار والطواف أيهما أفضل؟ ففي (التوضيح): فحكى بعض المتأخرين من ثلاثة أوجه:
ثالثها إن استغرقه الطواف وقت العمرة كان أفضل، وإلاَّ فهي أفضل.
٧١ - بابُ منْ صَلَّى رَكْعَتَيِّ الطَّوَافِ خَارِجاً مِنَ المَسْجِدِ
أني: هذا باب في بيان جواز صلاة من صلى ركعتي الطواف حال كونه خارجاً من
المسجد الحرام، وحاصله أنه ليس لركعتي الطواف موضع معين، بل يجوز إقامتهما في أي
موضع أراد الطائف وإن كان ذلك خلف المقام أفضل، ولذلك ذكر عقيب هذا الباب باب
من صلى ركعتي الطواف خلف المقام. فإن قلت: لم أطلق ولم يبين الحكم. قلت: لأنه
ذكر في هذا الباب أثر عمر وحديث أم سلمة، رضي الله تعالى عنهما، أما عمر فإنه إنما أخر
ركعتي الطواف لكونه طاف: بعد الصبح وكان لا يرى التنفل بعد الصبح مطلقاً. وأما: أم
سلمة، رضي الله تعالى عنها، فلأن تركها ركعتي الطواف لكونها شاكية، فاحتمل أن يكون
ذلك مختصاً بمن له عذر.
وصَلَّى عُمَرُ رضي الله تعالى عنهُ خَارِجاً مِنَ الخَرَمِ
أي: صلى عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، ركعتي الطواف خارج الحرم،
وهذا التعليق وصله البيهقي من حديث مالك، رحمه الله تعالى، عن ابن شهاب، رضي الله
تعالى عنه، عن حميد بن عبد الرحمن: أن عبد الرحمن بن عبد القاري أخبره أنه كان مع
عمر ابن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، بعد صلاة الصبح بالكعبة، فلما قضى طوافه نظر فلم
ير الشمس، فركب حتى أناخ بذي طوىّ فسبح ركعتين.
١٦٢٦/٢١٤ _ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرَنا مَالِكٌ عنْ مُحَمَّدٍ بنِ عَبْدِ
الرَّحْمنِ عن عُرْوَةَ عنْ زَيْنَبَ عن أم سَلَمَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ شَكَوْت إلى رسولٍ
الله عَِّ (ح) وحدَّثني مُحَمَّدُ بنُ حَرْبٍ قال حدَّثنا أبُو مزوَانَ يَحْيَى بنُ أبي زَكَرِيًّا الغَسَّانِيُّ
عنْ هِشَامٍ عِنْ عُرْوَةَ عنْ أَمَّ سَلَمَةَ رضي الله تعالى عنها زَوْجَ النبيِّ عَِّ أَنَّ رسولَ الله عَلام
قال وَهْوَ يِمَكّةَ وأرادَ الخُرُوجَ ولَمْ تَكُنْ أُمُ سلَمَةَ طَافَتْ بِالْبَيْتِ وَأَرَادَتِ الخُروجَ فَقالَ لَها
رسولُ اللهِ عَّهِ إِذَا أُقِيمَتْ صَلاةُ الصُّنْحِ فَطُوفي عَلى بَعِيرِكِ والنَّاسُ يُصَلُّونَ فِفَعَلَتْ ذُلِكَ
فَلَمْ تُصَلِّ حتَّى خَرَجَتْ. [انظر الحديث ٤٦٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فلم تصل حتى خرجت))، أي: فلم تصل ركعتي الطواف
حتى خرجت من الحرم، أو من المسجد، ثم صلت. فدل هذا على جواز تأخير ركعتي
الطواف إلى خارج الحرم وأن تعيينها بموضع غير لازم، لأن التعيين لو كان شرطاً لازماً لما أقر
النبي، عَّهِ، أم سلمة على ذلك، وفي رواية الإسماعيلي من رواية حسان: ((إذا قامت صلاة
الصبح فطوفي على بعيرك من وراء الناس وهم يصلون. قالت: ففعلت ذلك ولم أصل حتى

٣٨٧
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٧١)
خرجت)) أي: فصليت.
ذكر رجاله: وهم تسعة، لأنه أخرجه عن طريقين: الأول: عن عبد الله بن يوسف
التنيسي، وهو من أفراده، عن مالك، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل بن الأسود الأسدي
القرشي المدني، يتيم عروة، عن زينب بنت أبي سلمة عن أمها أم سلمة. والطريق الثاني:
عن محمد بن حرب - ضد الصلح - ابن حربان أبي عبد الله الشامي، عن أبي مروان يحيى
ابن أبي زكريا الغساني الشامي، عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير، عن أم سلمة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين أحدهما في روايته
عن شيخه، والآخر: عن شيخ شيخه وبصيغة الإفراد عن شيخه الآخر. وفيه: الإخبار بصيغة
الجمع في موضع واحد. وفيه: العنعنة في سبعة مواضع. وفيه: مالك ومحمد وهشام وعروة
مدنيون، ومحمد بن حرب وأبو مروان شاميان. وفيه: رواية الابن عن أبيه. وفيه: رواية
الصحابية عن الصحابية وهي رواية البنت عن الأم. وفيه: رواية عروة عن أم سلمة، كذا هو
في رواية الأكثرين، وفي رواية الأصيلي عن عروة عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة،
وزينب زائدة في هذا الطريق.
ذكر ما قيل في هذا الحديث: وهو أن البخاري قد تجوز فيه حيث عطف الطريق
الثاني على الطريق الأول، والحال أن اللفظين مختلفان، فإنه أخرج هذا الحديث بالطريق
الأول بعين هذا الإسناد في باب إدخال البعير في المسجد للعلة عن عبد الله بن يوسف عن
مالك إلى آخره نحوه، وكذلك أخرجه في: باب طواف النساء بالرجال، عن قريب عن
إسماعيل عن مالك إلى آخره، وقد قلنا: إن زينب في رواية الأصيلي زائدة، لأن أبا علي بن
السكن أخرجه: عن علي بن عبد الله بن مبشر عن محمد بن حرب شيخ البخاري، وليس فيه
ذكر زينب. وقال الدارقطني في (كتاب التتبع): في طريق يحيى بن أبي زكريا المذكور هذا
منقطع، فقد رواه حفص بن غياث عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن
أمها أم سلمة ولم يسمعه عروة من أم سلمة، وقال الغساني: هكذا رواه أبو علي بن السكن
عن الفربري مرسلاً، لم يذكر بين عروة وأم سلمة زينب، وكذا هو في نسخة عبدوس
الطليطلي عن أبي زيد المروزي، ووقع في نسخة الأصيلي عروة عن زينب عنها متصلاً،
ورواية ابن السكن المرسلة أصح في هذا الإسناد، وهو المحفوظ. قيل: سماع عروة عن أم
سلمة ممكن، لأن مولده سنة ست وعشرين، وتوفيت أم سلمة قريباً من الستين، وهو قطين
بلدها فما المانع من أن يكون سمعه أولاً من زينب عنها، ثم سمعه منها؟ وقال أبو علي
الجياني: ووقع لأبي الحسن القابسي في إسناد هذا الحديث تصحيف في نسب يحيى بن
أبي زكريا، قال العشاني، بضم العين المهملة وبالشين المعجمة المخففة. وقال ابن التين:
يعني نسبه إلى بني عشانة، وقيل: هو بالهاء بلا نون نسبة إلى بني عشاة. وقيل: هو العثماني،
وكل ذلك تصحيف، والصواب: الغساني، بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة، نسبة
إلى بني غسان.

٣٨٨
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٧٢)
ذكر ما يستفاد منه: قال ابن المنذر: اختلفوا فيمن نسي ركعتي الطواف حتى خرج
من الحرم أو رجع إلى بلاده. فقال عطاء والحسن: يركعهما حيث ما ذكر من حل أو غيره،
وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وهو موافق لحديث أم سلمة هذا، لأنه ليس فيها أنها صلتهما
في الحرم أو في الحل. وقال الثوري: يركعهما حيث شاء ما لم يخرج من الحرم. وقال
مالك: إن لم يركعهما حتى تباعد ورجع إلى بلاده فعليه دم، وفي (المدونة): من طاف في
غير أبان صلاة أخر الركعتين، وإن خرج إلى الحل ركعهما فيه وتجزيانه ما لم ينتقض
وضوؤه، وإن انتقض قبل أن يركعهما وكان طوافه ذلك واجباً فابتدأ بالطواف بالبيت، وركع
لأن الركعتين من الطواف توصلا به إلى أن يتباعد، فليركعهما ويهدي ولا يرجع، وقال ابن
المنذر: ليس ذلك أكثر من الصلاة المكتوبة، وليس على من تركها إلاَّ قضاؤها حيث ما
ذكرها. وقال أصحابنا: وإذا فرغ من الطواف يصلي ركعتين في مقام إبراهيم، عليه الصلاة
والسلام، وفي (السراجية)، وهو الأفضل: وإن لم يقدر هناك يصلي حيث تيسر له من
المسجد، وفي (الخانية): وإن صلى في غير المسجد جاز، وهاتان الركعتان واجبتان عندنا.
وقال الشافعي: سنة، ولنا أنه عَّ لما انتهى إلى مقام إبراهيم، عليه السلام، قرأ قوله تعالى:
﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [البقرة: ١٢٥]. فصلى ركعتين فقرأ فيهما (فاتحة
الكتاب)، وقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد. ثم عاد إلى الركن فاستلمه ثم خرج إلى
الصفا. رواه مسلم وأحمد، فنبه عَّ لِ أن صلاته كانت امتثالاً لأمر الله تعالى، والأمر للوجوب،
وبه قال الشافعي في قول، وأصح القولين عنه: أنهما سنة وليستا بواجبتين. وقال شيخنا زين
الدين: وفي المسألة قول ثالث: أنهما واجبتان في طواف الفرض، سنتان في طواف التطوع،
وقال الرافعي: إن في طرق الأئمة ما يقتضي أنها ركن أو شرط في الطواف، وهذا قول رابع.
٧٢ - بابُ مِنْ صَلَّى رَكْعَتَيْ الطََّافِ خَلْفَ المَقَامِ
أي: هذا باب في الطائف الذي صلى ركعتي الطواف خلف المقام، وكلمة: من،
هذه موصولة وليست بشرطية، فحديث الباب يدل عليه.
٢١٥ /١٦٢٧ - حدَّثنا آدَمُ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال حدثنا عمرُو بنُ دِینارٍ قال سَمِعْتُ ابنَ
عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما يَقُولُ قَدِمَ النبيُّ عَلِ فِطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعاً وصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ
رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَى الصَّفا وقَدْ قال الله تعالى ﴿لَقَدْ كانَ لِكُمْ فيَ
رسولِ الله أسوةٌ حسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. [انظر الحديث ٣٩٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، ورجاله قد تكرر ذكرهم. وقد مضى هذا الحديث في باب
قول الله عز وجل: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [البقرة: ١٢٥]. عن الحميدي عن
سفيان عن عمرو بن دينار الحديث، وقد مضى أيضاً قبل هذا بيابين، والمقام حجر، وقال
مالك في (العتبية): سمعت أهل العلم يقولون: إن إبراهيم، عليه السلام، قام بهذا المقام،
فيزعمون أن ذلك أثر مقامه، فأوحى الله عز وجل إلى أن تفرج عنه حتى يرى أثر المناسك.

٣٨٩
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٧٣)
٧٣ - بابُ الطَّوَافِ بَعْدَ الصُّبْحِ والْعَضْرِ
أي: هذا باب في بيان حكم الطواف بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر، هذا تقدير
الكلام بحسب الظاهر، ولكن يقدر هكذا: باب في بيان حكم الصلاة عقيب الطواف بعد
صلاة الصبح وبعد صلاة العصر، وإن لم يقدر. هكذا لا تقع المطابقة بين الترجمة وبين
أحاديث الباب، وإنما أطلق ولم يبين الحكم لورود الآثار المختلفة في هذا الباب، وقال
بعضهم: ويظهر من صنيعه أنه يختار التوسعة. وكأنه أشار إلى ما رواه الشافعي وأصحاب
السنن، وصححه الترمذي وابن خزيمة وغيره من حديث جبير بن مطعم: أن رسول الله، عُ
قال: (يا بني عبد مناف، من ولي منكم من أمر الناس شيئاً فلا يمنعن أحداً طاف بهذا البيت
وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار)). وإنما لم يخرجه لأنه ليس على شرطه. انتهى. قلت:
ليت شعري من أين يظهر صنيعه بذلك، والترجمة مطلقة، ومن أين علم أنه أشار إلى ما رواه
الشافعي، رحمه الله؟ ومن أين علم أنه وقف على حديث جبير بن مطعم حتى اعتذر عنه بأنه
لم يخرجه لعدم شرطه؟
وكانَ ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما يُصَلِّي رَكْعَتَي الطُّوَاف مَا لَمْ تَطْلُعِ الشِّمْسُ
مطابقته للترجمة إنما تتوجه من حيث التقدير الذي قدرناه آنفاً. وهذا التعليق وصله
سعيد بن منصور من طريق عطاء أنهم صلوا الصبح فغلس وطاف ابن عمر بعد الصبح سبعاً،
ثم التفت، إلى أفق السماء، فرأى أن عليه غلساً. قال: فاتبعته حتى أنظر أي شيء يصنع،
فصلى ركعتين. قال: وحدثنا داود العطاء عن عمرو بن دينار ورأيت ابن عمر طاف سبعاً بعد
الفجر، وصلى ركعتين وراء المقام. انتهى. وبهذا قال عطاء وطاوس والقاسم وعروة بن الزبير
والشافعي وأحمد وإسحاق، وذهب مجاهد وسعيد بن جبير والحسن البصري والثوري وأبو
حنيفة وأبو يوسف ومحمد ومالك في رواية إلى كراهة الصلاة للطواف بعد العصر حتى
تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، واحتجوا في ذلك بعموم حديث عقبة بن
عامر الجهني، قال: ((ثلاث ساعات كان رسول الله عَّ نهانا أن نصلي فيهن ... )) الحديث،
وقد مر في: مواقيت الصلاة، ومع هذا روى الطحاوي بإسناد صحيح عن ابن عمر خلاف ما
علقه البخاري. قال: حدثنا ابن خزيمة حدثنا حجاج حدثنا همام حدثنا نافع أن ابن عمر قدم
عند صلاة الصبح فطاف ولم يصلٌ إلاَّ بعدما طلعت الشمس، وقال سعيد بن أبي عروبة في
(المناسك) عن أيوب عن نافع: أن ابن عمر كان لا يطوف بعد صلاة العصر ولا بعد صلاة
الصبح، وأخرجه ابن المنذر أيضاً من طريق حماد عن أيوب أيضاً، من طريق أخرى عن نافع:
كان ابن عمر إذا طاف بعد الصبح لا يصلي حتى تطلع الشمس، وإذا طاف بعد العصر لا
يصلي حتى تغرب الشمس.
فإن قلت: روى الدارقطني والبيهقي في (سننيهما) من رواية سعيد بن سالم القداح
عن عبد الله بن المؤمل المخزومي عن حميد مولى عفراء عن قيس بن سعيد عن مجاهد،

٣٩٠
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٧٣)
قال: قدم أبو ذر فأخذ بعضادة باب الكعبة، ثم قال: سمعت رسول الله عَّه يقول: ((لا يصلين
أحد بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس، إلاّ بمكة)). فهذا يرد
عموم النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة. قلت: عبد الله ابن المؤمل ضعيف، ومجاهد
لم يسمع من أبي ذر. فإن قلت: روى الطبراني في (الأوسط) من حديث عطاء ((عن ابن
عباس: أن النبي، عَ ◌ِّ، قال: يا بني عبد مناف! يا بني عبد المطلب! إن وليتم هذا الأمر فلا
تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت فصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار)). قلت: قال الطبراني: لم
يروه عن جريج عن عطاء عن ابن عباس إلاَّ سليم بن مسلم.
وطافَ عُمَرُ بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ فَرَكِبَ حَتَّى صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ بِذِي ◌ُوئِ
هذا التعليق وصله مالك في (الموطأ) عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن عبد
الرحمن بن عبد القاري عن عمر به، وروى الأثرم عن أحمد عن سفيان عن الزهري مثله، إلاَّ
أنه قال: عن عروة، بدل: حميد، قال أحمد: أخطأ فيه سفيان. قال الأثرم: وقد حدثني به نوح
ابن يزيد من أصله عن إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن الزهري، كما قال سفيان.
وقال الطحاوي: فهذا عمر، رضي الله تعالى عنه، أخر الصلاة إلى أن يدخل وقتها، وهذا
بحضرة جماعة من الصحابة ولم ينكره عليه منهم أحد، ولو كان ذلك الوقت عنده وقت
صلاة الطواف لصلى، ولما أخر ذلك لأنه لا ينبغي لأحد طاف بالبيت إلاَّ أن يصلي حينئذ
إلاَّ من عذر، وروى أحمد في (مسنده) بسند صحيح من حديث أبي الزبير عن جابر، قال:
((كنا نطوف ونمسح الركن الفاتحة والخاتمة، ولم نكن نطوف بعد صلاة الصبح حتى تطلع
الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب. قال: سمعت رسول الله عَّةٍ يقول: تطلع الشمس في
قرني شيطان))، وفي (سنن) سعيد بن منصور وفي (مصنف) ابن أبي شيبة: عن أبي سعيد
الخدري أنه طاف بعد الصبح، فلما فرغ جلس حتى طلعت الشمس. وقال سعيد بن منصور:
وكان سعيد بن جبير والحسن ومجاهد يكرهون ذلك أيضاً.
٢١٦ / ١٦٢٨ - حدَّثني الحسنُ بنُ عُمَرَ البَصْرِيُّ قال حدثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ عنْ حَبِیب
عنْ عَطاءٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أنَّ ناساً طَافُوا بالبَيْتِ بَعْدَ صلاةِ الصُّبحِ
ثُمَّ قعدُوا إِلَى المُذَكِّر حتَّى إِذا طلَعَتِ الشّمْسُ قامُوا يُصلُّونَ فقالَتْ عَائِشَةُ رضي الله تعالى
عنها قعَدُوا حَتَّى إذَا كانَتِ السّاعةُ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلاةُ قَامُوا يُصَلُّونَ.
مطابقته للترجمة لا تتأتى إلاَّ من حيث التقدير الذي قدرناه في الترجمة، وقال بعضهم:
وجه تعلق أحاديث هذا الباب بالترجمة إما من جهة أن الطواف صلاة، فحكمهما واحد، أو
من جهة أن الطواف مستلزم للصلاة التي تشرع بعده. قلت: هذا أخذه من كلام الكرماني،
ومع هذا ليس بوجه سديد، ولا نسلم أن الطواف صلاة، والذي ورد في الحديث: ((أن
الطواف بالبيت صلاة)) مجاز ليس بحقيقة، ولا نسلم أن حكمهما واحد، فإن الطهارة شرط
في الصلاة دون الطواف، ودعوى الاستلزام ممنوعة كما لا يخفى.

٣٩١
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٧٣)
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: يزيد - من الزيادة - ابن زريع - مصغر زرع - وقد مر
غير مرة. الثالث: حبيب، بفتح الحاء المهملة: ابن أبي قريبة المعلم، نص عليه هكذا المزي
في (الأطراف)، مات سنة اثنتين وأربعين ومائة. الرابع: عطاء بن أبي رباح. الخامس: عروة
بن الزبير. السادس: عائشة أم المؤمنين، رضي الله تعالى عنها.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
أربعة مواضع. وفيه: أن شيخه من أفراده وهو وحبيب ويزيد بصريون وعطاء مكي وعروة
مدني. وفيه: ثلاثة مذكورون من غير نسبة.
وهذا الحديث من أفراده.
ذكر معناه: قوله: ((المذكر)) بتشديد الكاف المكسورة: اسم فاعل من التذكير، وهو
الوعظ، قوله: ((حتى طلعت الشمس) يعني: إلى أن طلعت الشمس، يعني: كان قعودهم
منتهياً إلى طلوع الشمس. قوله: ((حتى إذا كانت الساعة)) أي: عند الطلوع، وسأل الكرماني
ههنا سؤالاً على قاعدة مذهبه، وهو أن المكروه منها يعني في هذه الساعة صلاة لا سبب
لها، وهذه الصلاة لها سبب، وهو الطواف ثم أجاب بقوله: هم كانوا يتحرون ذلك الوقت
ويؤخرونها إليه قصداً، فلذلك ذمته، يعني عائشة، رضي الله تعالى عنها، والتحري له وإن كان
لصلاة لها سبب مكروه. انتهى. قلت: هذا الذي ذكره إنما يمشي إذا كانت عائشة ترى أن
الطواف سبب لا يكره مع وجوده الصلاة في الأوقات المنهية، وليس كذلك، لأن النهي
عندها على العموم، والدليل عليه ما رواه ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن محمد بن فضيل عن
عبد الملك عن عطاء ((عن عائشة، رضي الله تعالى عنها: أنها قالت: إذا أردت الطواف
بالبيت بعد صلاة الفجر أو العصر فطف، وأخر الصلاة حتى تغيب الشمس أو حتى تطلع
فصلٌ لكل أسبوع ركعتين)).
١٦٢٩/٢١٧ _ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قال حدَّثنا أبُو ضَمْرَةَ قال حدَّثنا مُوسَى بنُ
عُقْبَةَ عنْ نافِعِ أنَّ عَبْدَ الله رضي الله تعالى عنهُ قال سَمِعْتْ النبيَّ عَّهِ يَنْهَى عنِ الصَّلاةِ عِنْدَ
طُلُوعِ الشَّمْسِ وعِنْدَ غُرُوبِهَا. [انظر الحديث ٥٨٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمة قد علمت فيما مضى، ومباحثه قد تقدمت في كتاب الصلاة في
المواقيت، وإبراهيم بن المنذر أبو إسحاق الخزامي المديني، وأبو ضمرة، بالضاد المعجمة
المفتوحة: اسمه أنس بن عياض المدني، وكان قد قدم بلخ في ولاية نصر بن سيار، مات
سنة ثمانين ومائة.
٢١٨/ ١٦٣٠ _ حدَّثني الحَسَنُ بنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الزَّعْفَرَانِي قال حدَّثنا عَبيدةُ بنُ محُمَيْدٍ
قال حدَّثني عَبْدُ العَزِيزِ بنُ رفيعٍ قال رأيْتُ عَبْدَ اللهِ بنَ الزُّبَيْرِ رضي الله تعالى عنهما يَطوفُ
بَعْدَ الفَجْرِ ويُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ.
١٦٣١ _ قال عَبْدُ العَزيزِ ورأيْتُ عَبْدَ اللهِ بنَ الزُّبَيْرِ يُصَلِّي بَعْدَ العَصْرِ ويُخْبِرُ أنَّ عائِشةَ

٣٩٢
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٧٤)
رضي الله تعالى عنها حَدَّثَتْهُ أنَّ النَّبِيَّ عَ لِّ لَمْ يَدْخُلْ بَيْتَهَا إلَّ صَلَّهُمَا [انظر الحديث ٥٩٠
وأطرافه].
قد مر وجه المطابقة في أول الباب ولأجل اختلاف الحكم في هذا الباب لاختلاف
الآثار فيه، أطلق الترجمة كما ذكرنا.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: الحسن بن محمد بن الصباح أبو علي الزعفراني،
مات يوم الاثنين لثمان بقين من رمضان سنة ستين ومائتين. الثاني: عبيدة، بفتح العين
المهملة وكسر الباء الموحدة ابن حميد، بضم الحاء المهملة وفتح الميم التيمي. وقيل:
الضبي النحوي، مات ببغداد سنة تسعين ومائة. الثالث: عبد العزيز بن رفيع، بضم الراء وفتح
الفاء وسكون الياء آخر الحروف وبالعين المهملة، أتى عليه نيف وتسعون سنة، وكان يتزوج
فلا يمكث حتى تقول المرأة فارقني، من كثرة جماعه. الرابع: عبد الله بن الزبير بن العوام.
الخامس: عائشة، رضي الله تعالى عنها.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الإفراد في مواضع ثلاثة وبصيغة الجمع
في موضع. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد في موضع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: الرؤية
في موضعين. وفيه: أن شيخه بغدادي وعبيدة كوفي وعبد العزيز مكي سكن الكوفة. وفيه: أنه
أوضح شيخه بقوله: هو الزعفراني لأن في الرواة في الكتاب الحسن بن محمد الحراني،
والحسن بن محمد بن علي، والزعفراني نسبة إلى قرية تحت كلواذا وإليها ينسب درب
الزعفران ببغداد، وكثير من المحدثين ينسب إلى هذا الدرب، وجماعة منهم ينسبون إلى بيع
الزعفران، وفي نواحي همدان قرية تسمى: الزعفرانية، ومنهم من ينسب إلى الزعافر. وفيه: أن
شيخه مات بعده بأربع سنين لأن وفاته في سنة ست وخمسين ومائتين، ووفاة شيخه سنة
ستين ومائتين، كما ذكرناه الآن. وفيه: رواية الصحابي عن الصحابية. وفيه: رواية الراوي عن
خالته لأن عائشة خالة عبد الله بن الزبير، رضي الله تعالى عنهم. وفيه: أن هذا الحديث من
أفراده.
ذكر معناه: قوله: ((يطوف)) جملة وقعت حالاً. قوله: ((قال عبد العزيز)) هو عبد العزيز
ابن رفيع الراوي، يعني: قال بالإسناد المذكور، وليس بمعلق. قوله: ((إلاَّ صلاهما)) أي:
الركعتين بعد العصر، وقد مر الكلام فيه مستوفىّ في: باب ما يصلى بعد العصر.
٧٤ - بابُ المَرِيض يَطُوفُ رَاكِباً
أي: هذا باب في بيان حكم المريض حال كونه يطوف راكباً. قوله: ((يطوف))
و((راكباً)) حالان مترادفتان أو متداخلتان.
٢١٩ / ١٦٣٢ - حدَّثني إِسْحَاقُ الوَاسِطِيُّ قال حدثنا خالِدٌ عَنْ خالِدِ الحَذَّاءِ عنْ
عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أنَّ رسولَ الله عَ لِ طَاف بالبَيْتِ وَهْوَ عَلى
بَعِيرٍ كُلَّما أتى على الرُّكْنِ أشارَ إِلَيْهِ بِشَيءٍ فِي يَدِهِ وكَبَّرَ. [انظر الحديث ١٦٠٧ وأطرافه].

٣٩٣
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٧٥)
مطابقته للترجمة ظاهرة، وقد مر الحديث عن قريب في: باب التكبير عند الركن.
أخرجه عن مسدد عن خالد ... إلى آخره. وأخرجه أيضاً في: باب من أشار إلى الركن عن
محمد بن المثنى عن عبد الوهاب عن خالد، وهنا أخرجه عن إسحاق الواسطي وهو إسحاق
ابن شاهين أبو بشر، وفي بعض النسخ هكذا: إسحاق بن شاهين، بنسبته إلى أبيه، وهو من
أفراده يروي عن خالد بن عبد الله الطحان عن خالد بن مهران الحذاء، وقد مر الكلام فيه
هناك مستوفىّ.
٢٢٠/ ١٦٣٣ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمةَ قالِ حدَّثنا مالِكٌ عنُ مُحمَّدٍ بنِ عبدِ
الرحمن بن نوفلٍ عنْ عُرْوَةً عن زَيْتَبَ ابْنَةٍ أُمَّ سَلَمَةَ عن أُمَّ سَلمَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ
شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ عَّهِ أَنِّي أَشْتَكِي فقال طُوفِي مِنْ وراءِ النَّاسِ وأَنْتِ راكِبةٌ فِطُفْتُ
ورسولُ اللهِ عَ لَّهِ يُصلِّي إلى ◌َنْبِ الْبَيْتِ وَهْوَ يَقْرأ بالطُّورِ وكِتابٍ مسطورٍ. [انظر الحديث
٤٦٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وقد مر الحديث عن قريب في: باب طواف النساء مع
الرجال، فإنه أخرجه هناك: عن إسماعيل بن أبي أويس ابن أخت مالك عن مالك، وهنا
أخرجه: عن عبد الله بن مسلمة، بفتح الميمين القعنبي عن مالك، وقد مر الكلام فيه هناك
مستقصىّ. والله أعلم.
٧٥ - بابُ سِقَايَةِ الْحَاجُ
أي: هذا باب في ذكر سقاية الحاج، والسقاية بكسر السين ما يبنى للماء، وأما السقاية
التي في قوله تعالى: ﴿اجعلتم سقاية الحاج﴾ [التوبة: ١٩]. فهو مصدر، والتي في قوله
تعالى: ﴿جعل السقاية في رحل أخيه﴾ [يوسف: ٧٠]. مشربة الملك. وقال الجوهري: هي
الصواع الذي كان الملك يشرب فيه. وقال ابن الأثير: سقاية الحاج ما كانت قريش تسقيه
الحاج من الزبيب المنبوذ في الماء وكان يليها عباس بن عبد المطلب في الجاهلية
والإسلام، وقال الفاكهي: حدثنا أحمد بن محمد حدثنا الحسن بن محمد بن عبيد الله
حدثنا ابن جريج عن عطاء، قال: سقاية الحاج زمزم. وقال الأزرقي: كان عبد مناف يتحمل
الماء في الرَّوايا والقِرَب إلى مكة ويسكبه في حياض من أدم بفناء الكعبة للحاج، ثم فعله ابنه
هشام بعده، ثم عبد المطلب، فلما حفر زمزم كان يشتري الزبيب فنبذه في ماء زمزم.
ويسقي الناس. وقال ابن إسحاق: لما ولي قصي بن كلاب أمر الكعبة كان إليه الحجابة
والسقاية واللواء والوفادة ودار الندوة، ثم تصالح بنوه على أن لعبد مناف السقاية والوفادة،
والبقية للآخرين. ثم ذكر نحو ما تقدم. قال: ثم ولي السقاية من بعد عبد المطلب ولده
العباس، وهو يومئذ من أحدث إخوته سناً، فلم تزل بيده حتى قام الإسلام، وهي بيده، وأقرها
رسول الله عَ ليه معه فهي اليوم إلى بني العباس.
٢٢١/ ١٦٣٤ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ أبي الأسْوَدِ قال حدَّثنا أَبُو ضَمْرَةَ قال حدَّثنا عُبَيْدُ
!

٣٩٤
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٧٥)
الله عن نافعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قال اسْتَأْذَنَ العَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبٍ رضي
الله تعالى عنهُ رسولَ الله عَ لَّهِ أَنْ يَبيتَ بِمِكَّةَ لَياليَ مِنىٌ منْ أَجْلِ سِقايَتِهِ فَأُذِنَ لهُ. [الحديث
١٦٣٤ - أطرافه في: ١٧٤٣، ١٧٤٤، ١٧٤٥].
مطابقته للترجمة في قوله: ((من أجل سقايته)) لأن السقاية كانت بيده بعد أبيه عبد
المطلب كما ذكرناه آنفاً. والحديث من أفراده، وعبد الله بن محمد بن أبي الأسود - ضد
الأبيض -. وقد مر في: باب فضل أللهم ربنا لك الحمد، وأبو ضمرة بفتح الضاد المعجمة
وسكون الميم وبالراء، واسمه أنس بن عياض الليثي المدني، وعبيد الله بن عمر بن حفص بن
عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم.
قوله: ((ليالي منىّ)) هي: ليلة الحادي عشر، والثاني عشر، وقال النووي: هذا يدل
على مسألتين: إحداهما: أن المبيت بمنىّ ليالي أيام التشريق مأمور به، وهل هو واجب أو
سنة؟ قال أبو حنيفة: سنة. والآخرون: واجب. والثانية: يجوز لأهل السقاية أن يتركوا هذا
المبيت ويذهبوا إلى مكة ليستقوا بالليل الماء من زمزم، ويجعلوه في الحياض مسبلاً للحاج،
ولا يختص ذلك عند الشافعي بالعباس، بل كل من تولى السقاية كان له ذلك، وقال بعض
أصحابنا: تختص الرخصة بالعباس، وقال بعضهم: بآل العباس. انتهى. قلت: قال بعضهم:
تختص ببني هاشم من آل عباس وغيرهم، وقال أصحابنا: يكره أن لا يبيت بمنىّ ليالى الرّمّل
لأنه عَ لَّه بات بها، وكذا عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، و کان يؤدب علی تر که،
فلو بات في غيره متعمداً لا يلزمه شيء. وقال بعضهم: المبيت في هذه الليالي سنة عندنا،
وبه قال أهل الظاهر. قال القرطبي: روي نحوه عن ابن عباس والحسن، وقال ابن بطال: رواه
ابن عيينة عن عمرو عن ابن عباس.
وقال القرطبي: المبيت بمنىّ ليالي التشريق من سنن الحج بلا خلاف، إلاَّ لذوي
السقاية أو الرعاة، ومن تعجل بالنفر في ترك ذلك في ليلة واحدة أو جميع الليالي كان عليه
دم عند مالك، وقال السفاقسي: المبيت بها مأمور به، وإلاّ فكان يجوز للعباس وغيره ذلك
دون إرخاص، وهو أن يبيت من جمرة العقبة إليها، وقال مالك: من بات وراء الجمرة فعليه
الفدية ووجهه أنه يبيت بغير منىّ وهو مبيت مشروع في الحج فلزم الدم بتركه كالمبيت
بالمزدلفة. وعند ابن أبي شيبة عن زيد بن حباب أنبأنا إبراهيم بن نافع أنبأنا عمرو بن دينار عن
عكرمة عن ابن عباس، قال: إذا رميت الجمار بت حيث شئت. حدثنا زيد بن حباب أنبأنا
إبراهيم حدثنا ابن أبي نجيح عن عطاء، قال: لا بأس أن يبيت الرجل بمكة ليالي منىّ إذا كان
في ضيعته. ومن حديث ليث عن طاوس عن ابن عباس أنه قال لا يبيتن أحد من وراء العقبة
ليلاً بمنىّ أيام التشريق. ومن حديث عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن عمر كان ينهى
أن يبيت أحد من وراء العقبة، وكان يأمرهم أن يدخلوا منى. ومن حديث حجاج عن عطاء
أن ابن عمر كان يكره أن ينام أحد أيام منىّ بمكة. ومن حديث ليث عن مجاهد: لا بأس أن
يكون أول الليل بمكة وآخره بمنىّ، ولا بأس أن يكون أول الليل بمني وآخره بمكة. وعن محمد

٣٩٥
٢٥ - كِتَابُ الحَجُ / باب (٧٥)
ابن كعب من السنة إذا زرت البيت أن لا تبيت إلاَّ بمنىّ. وعن أبي قلابة: إجعلوا أيام منىّ
بمنى. وعن عروة: لا يبيتن أحد من وراء العقبة أيام التشريق. وقال إبراهيم: إذا بات دون العقبة
اهراق لذلك دماً. وعن عطاء: يتصدق بدرهم أو نحوه. وعن سالم: يتصدق بدرهم،
والأسانيد إليهم صحيحة.
وفي (شرح المهذب): ومن المعذورين من له مال يخاف ضياعه إن اشتغل بالمبيت،
أو يخاف على نفسه، أو كان به مرض أو له مريض يطلب آبقاً وشبه ذلك، ففي هؤلاء
وجهان، الصحيح المنصوص: يجوز لهم ترك المبيت، ولا شيء عليهم بسببه، ولهم النفر بعد
الغروب ولو ترك البيات ناسياً كان كتركه عامداً. وفي (التوضيح): لا يحصل المبيت إلاّ
بمعظم الليل، وفي قول: إن الاعتبار بوقت بطلوع الفجر، وفي (المدونة): من بات عنها كل
الليل فعليه دم. وقال ابن عباس: من كان له مناخ بمكة يخشى عليه ضياعه بات بها، ومقتضاه
إباحته للعذر، وعليه دم على مقتضى قول ابن نافع في (مبسوطه): من زار البيت فمرض وبات
بمكة فعليه هدي يسوقه من الحل إلى الحرم، وإن بات الليالي كلها بمكة قال الداودي:
فقيل: عليه شاة، وقيل: بدنة.
١٦٣٥/٢٢٢ _ حدَّثنا إسْحَاقُ قال حدَّثنا خَالِدٌ عنْ خالِدِ الحَذَّاءِ عَنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ
عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أنَّ رسولَ الله عَّلِه جاءَ إلى السِّقَائَةِ فاسْتَشْقَى فقال الْعَبَّاسُ يا
فَضْلُّ اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ فَأْتِ رسولَ الله عَلَّهِ بِشَرابٍ مِنْ عِنْدِهَا فقال اسْقِنِي قال يا رَسولَ
الله إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيهِمْ فِيهِ قال اسْقِنِي فَشَرِبَ مِنْهُ ثُمَّ أَتَى زَمْزْمَ وهُمْ يَسْقُونَ وَيَعْمَلُونَ فِيهَا
فقَال اعْمَلُوا فإنّكُمُ عَلَى عَمَلٍ صالِحٍ ثُمَّ قَالَ لَوْلاَ أَنْ تُغْلَبُوا لَزَلْتُ حَتَّى أَضَعَ الحَبْلَ عَلى
لهذهِ يعني عاتِقَهُ وأَشَارَ إلَى عاتِقِهِ.
مطابقته للترجمة في قوله: ((جاء إلى السقاية))، هذا الإسناد بعينه مضى في أول: باب
المريض يطوف راكباً، وإسحاق هو ابن شاهين الواسطي. وقال صاحب (التلويح): هو إسحاق
ابن بشر، وهو وهم، وخالد الأول: هو ابن عبد الله الطحان، والثاني: خالد بن مهران الحذاء.
وهذا الحديث من أفراده.
ذكر معناه: قوله: ((جاء إلى السقاية))، قد ذكرنا أن السقاية ما يبنى للماء، وهو
الموضع الذي يسقى فيه الماء، وفي (المجمل): هو الموضع الذي يتخذ فيه الشراب في
الموسم وغيره. قوله: ((فاستسقى)) أي: طلب الشرب. قوله: ((يا فضل))، هو ابن العباس أخو
عبد الله، وأمهما لبابة بنت الحارث الهلالية. قوله: ((إنهم يجعلون إيديهم فيه)) وفي رواية
الطبري عن أبي كريب عن أبي بكر بن عياش عن يزيد بن أبي زياد عن عكرمة ((عن ابن
عباس، قال: لما طاف النبي عَّلِ أتى العباس وهو في السقاية فقال: اسقوني. قال العباس: إن
هذا قد مرت يعني: قد مرس أفلا أسقيك مما في بيوتنا؟ قال: لا، ولكن اسقوني مما يشرب
الناس، فأتى به فذاقه، فقطب ثم دعا بماء فكسره، ثم قال: إذا اشتد نبيذكم فاکسروه بالماء،

٣٩٦
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٧٥)
وتقطيبه منه إنما كان لحموضة فقط، وكسره بالماء ليهون عليه شربه، ومثل ذلك يحمل على
ما روي عن عمر وعلي، رضي الله تعالى عنهم، فيه لا غير. وروى مسلم من حديث بكر بن
عبد الله المزني قال: كنت جالساً مع ابن عباس عند الكعبة، فأتاه أعرابي فقال: ما لي أرى
بني عمكم يسقون العسل واللبن وأنتم تسقون النبيذ؟ أمن حاجة بكم أم من بخل؟ فقال ابن
عباس: الحمد لله، ما بنا من حاجة ولا بخل، قدم النبي عَ لّه على راحلته وخلفه أسامة،
فاستسقى، فأتيناه بإناء فيه نبيذ فشرب وسقى فضله أسامة، وقال: أحسنتم وأجملتم، كذا
فاصنعوا، ولا نزيد ما أمر به رسول الله عَّه. قوله: ((قال: اسقني)) ويروى: ((فقال))، الفاء فيه
فصيحة أي: فذهب فأتى بالشراب، فقال له رسول الله عَّهِ اسقني. قوله: ((وهم يسقون))،
جملة حالية أي: يسقون الناس. قوله: ((ويعملون فيها))، أي: ينزحون منها الماء. قوله: ((لولا أن
تغلبوا))، بضم التاء على صيغة المجهول، أي: لولا أن يجتمع عليكم الناس، ومن كثرة الزحام
تصيرون مغلوبين. وقال الداودي: أي أنكم لا تتركوني أستقي ولا أحب أن أفعل بكم ما
تكرهون فتغلبوا. وقيل: معناه لولا أن تقع عليكم الغلبة بأن يجب عليكم ذلك بسبب فعلي.
وقيل. معناه: لولا أن تغلبوا بأن ينتزعها الولاة منكم حرصاً على حيازة هذه المكرمة. وروى
مسلم من حديث جابر ((أتى النبي عَّ بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم، فقال:
إنزغوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزغت معكم، فناولوه دلواً
فشرب منه)). وذكر ابن السكن أن الذي ناوله الدلو هو العباس بن عبد المطلب.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: دليل على أن الظاهر أن أفعاله فيما يتصل بأمور الشريعة
على الوجوب، فتركه الفعل شفقة أن يتخذ سنة، قاله الخطابي. وفيه: الشرب من سقاية
الحاج، وقال طاوس: الشرب من سقاية العباس من تمام الحج، وقال عطاء: لقد أدركت هذا
الشراب، وأن الرجل ليشرب فتلتزق شفتاه من حلاوته، فلما ذهبت الحرية وولى العبيد
تهاونوا بالشراب واستخفوا به، وروى ابن أبي شيبة عن السائب بن عبد الله أنه أمر مجاهداً
مولاه بأن يشرب من سقاية العباس ويقول: إنه من تمام السنة. وقال الربيع بن سعد: أتى أبو
جعفر السقاية فشرب وأعطى جعفراً فضله، وممن شرب منها: سعيد بن جبير وأمر به سويد
بن غفلة: وروى ابن جريج عن نافع أن ابن عمر لم يكن يشرب من النبيذ في الحج، وكذا
روى خالد بن أبي بكر أنه حج مع سالم ما لا يحصى، فلم يره يشرب من نبيذ السقاية.
وفيه: إثبات أمر السقاية للحاج، وأن مشروعيته من باب إكرام الضيف واصطناع
المعروف. وفيه: أن رسول الله عَ ليه لم تحرم عليه الصدقات التي سبيلها المعروف كالمياه
التي تكون في السقايات تشربها المارة. وقال ابن التين: شربه عَّم لا يخلو أن يكون ذلك
من مال الكعبة الذي كان يؤخذ لها من الخمس، أو من مال العباس الذي عمله للغني
والفقير، فشرب منه عَّله ليسهل على الناس. وفيه: أنه لا يكره طلب السقي من الغير. وفيه:
رد ما يعرض على المرء من الإكرام إذا عارضته مصلحة أولى منه، لأن رده لما عرض عليه
العباس مما يؤتى به من بيته لمصلحة التواضع التي ظهرت من شربه مما يشرب منه الناس.

٣٩٧
٢٥ - كِتَابُ الحَجُّ / باب (٧٦)
وفيه: الترغيب في سقي الماء خصوصاً ماء زمزم. وفيه: تواضع النبي عَّهِ. وفيه: حرص
أصحابه عَّه على الاقتداء به. وفيه: كراهة التقذر والتكره للمأكولات والمشروبات. وفيه: أن
الأصل في الأشياء الطهارة لتناوله، عَّه، من الشراب الذي غمست فيه الأيدي، قاله ابن
التين، والله أعلم بحقيقة الحال.
٧٦ - بابُ ما جاءَ في زَهْزَمَ
أي: هذا باب في بيان ما جاء في ذكر زمزم من الآثار. قيل: ولم يذكر ما جاء فيه
من فضله، لأنه كان لم يثبت عنده بشرطه، واكتفى بذكره مجرداً. قلت: لا نسلم ذلك، فإن
حديث الباب يدل على فضلها، لأن فيه: ((ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم))، وهذا يدل قطعاً
على فضلها حيث اختص غسل صدره، عليه الصلاة والسلام، بمائها دون غيرها، وذلك لأنها
ركضة جبريل، عليه الصلاة والسلام، وسقيا إسماعيل عَّ له. وفي (معجم ما استعجم): هي
بفتح الأول وسكون الثاني وفتح الزاي الثانية، قال: ويقال بضم الأول وفتح الثاني وكسر
الزاي الثانية، ويقال بضم أوله وفتح ثانيه وتشديده وكسر الزاي الثانية. وفي (كتاب الأزهري)
عن ابن الأعرابي: زمزم وزم وزمزام، وتسمى: ركضة جبريل، عليه السلام، وهمزمة جبريل،
وهزمة جبريل، بتقديم الزاي، وهزمة الملك، وتسمى: الشباعة. قال الزمخشري: ورواه
الخازرنجي: شباعة، وقال صاعد في (الفصوص) ومن أسمائها: تكتم، وقال الكلبي: إنما
سميت زمزم لأن بابل بن ساسان حيث سار إلى اليمن دفن سيوف قلعته وحلي الزمازمة في
موضع بئر زمزم، فلما احتفرها عبد المطلب أصاب السيوف والحلي فيه سميت زمزم. وقال
ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما: سميت زمزم لأنها زمت بالتراب لئلا يأخذ الماء يميناً
وشمالاً، ولو تركت لساحت على وجه الأرض حتى ملأ كل شيء. وقال الحربي: سميت
بزمزمة الماء، وهو حركته، وقال أبو عبيد: قال بعضهم: إنها مشتقة من قولهم: ماء زمزوم
وزمزام أي: كثير. وفي (الموعب): ماء زمزم وزمازم، وهو الكثير وعن ابن هشام: الزمزمة عند
العرب الكثرة والاجتماع، وذكر المسعودي أن الفرس كانت تحج إليها في الزمن الأول،
والزمزمة صوت تخرجه الفرس من خياشيمها.
ومن فضائلها: ما رواه مسلم: شرب أبو ذر منها ثلاثين يوماً وليس له طعام غيرها. وأنه
سمن، فأخبر النبي، عَّهِ، بذلك فقال: إنها مباركة، إنها طعام طعم، وزاد أبو داود الطيالسي
في (مسنده) وشفاء سقم، وروى الحاكم في (المستدرك) من حديث ابن عباس، رضي الله
تعالى عنهما، مرفوعاً: ((ماء زمزم لما شرب له))، رجاله ثقاة إلاّ أنه اختلف في إرساله ووصله،
وإرساله أصح. وعن أم أيمن، قالت: ((ما رأيت رسول الله، عَّله، شكى جوعاً قط ولا عطشاً،
كان يغدو إذا أصبح فيشرب من ماء زمزم شربه، فربما عرضنا عليه الطعام فيقول: لا أنا شبعان
شبعان)). ذكره في (المصنف الكبير) في شرف المصطفى، عَّهِ. وعن عقيل ابن أبي
طالب، قال: كنا إذا أصبحنا وليس عندنا طعام قال لنا أبي ائتوا زمزم فنأتيها فنشرب منها
:

٣٩٨
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٧٦)
فنجتزىء، وروى الدارقطني من حديث ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً: ((وهي
هزمة جبريل وسقيا إسماعيل))، وذكر الزمخشري في (ربيع الأبرار) أن جبريل، عليه السلام،
أنبط بئر زمزم مرتين: مرة لآدم، عليه السلام، حتى انقطعت زمن الطوفان، ومرة لإسماعيل
عليه السلام، وروى ابن ماجه بإسناد جيد: ((أن ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، قال لرجل:
إذا شربت من زمزم فاستقبل الكعبة، واذكر اسم الله، عز وجل، فإن رسول الله، عَ لّه، قال: آية
ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم)). وروى الدارقطني أن عبد الله كان إذا
شرب منها، قال: اللهم إني أسألك علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاء من كل داء. وروى أحمد
بإسناد جيد من حديث جابر في ذكر حجته، عليه السلام، ثم عاد إلى الحجر ثم ذهب إلى
زمزم فشرب منها وصب على رأسه، ثم رجع فاستلم الركن ... الحديث.
١٦٣٦/٢٢٣ _ وقال عَبْدَانُ أخبرنا عبْدُ الله قال أخبرنا يُونُسُ عنِ الزهْرِيِّ قال أنَسُ
ابنُّ مالِكِ كانَ أَبُو ذَرّ رضي الله تعالى عنه يُحَدِّثُ أنَّ رسولَ الله عَ لِّ قال فُرِجَ سَقْفِي وأنا
يَمَكّةَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عليهِ السَّلاَمُ فَفَرَجَ صَدْرِي ثُمَّ غَسَلَهُ بِاءٍ زَمْزَمَ ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ
مُمْتَلِيءٍ حَكْمَةً وَإِيمَاناً فَأَقْرَغَهَا فِي صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَّهُ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إلى السَّمَاءِ
الدُّنْيا قال جِئْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا افْتَحْ قال منْ لهذا قال جِبْرِيلُ. [انظر الحديث ٣٤٩
وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ثم غسله بماء زمزم))، فإن ذكر زمزم جاء في الحديث وهو
يدل على فضل زمزم حيث اختص غسله بها دون غيرها من المياه، كما ذكرناه عن قريب.
وقد أخرج هذا الحديث في: باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء، في أول كتاب الصلاة
مسنداً عن يحيى بن بكير عن الليث عن يونس عن ابن شهاب عن أنس بن مالك، رضي الله
تعالى عنهما، قال: كان أبو ذر يحدث ... إلى آخره، وذكره هنا مختصراً معلقاً عن عبدان،
واسمه عبد الله بن عثمان المروزي عن عبد الله بن المبارك المروزي عن يونس بن يزيد
الأيلي عن محمد بن مسلم الزهري، رضي الله تعالى عنه ... إلى آخره، وقد مر الكلام فيه
هناك مستقصىّ.
٢٢٤/ ٦٢٦لـ حدَّثنا محَمَّدٌ هُوَ ابنُ سَلامٍ قال أخبرنَا الْفَزَارِيُّ عنْ عاصِمِ عنِ الشَّغْبِيِّ
أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما حدَّثَهُ قال سَقَيْتُ رسولَ الله عَّلِ مِنْ زَمْزَمَ فَشَرِبَ وهْوَ
قائِمٌ قالَ عَاصِمٌ فَحَلَفَ عِكْرَمَةُ ما كانَ يَوْمَئِذٍ إِلَّ عَلى بَعِيرٍ. [الحديث ١٦٣٧ - طرفه في:
٥٦١٧].
مطابقته للترجمة من حيث إن فيه ذكر زمزم.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: محمد بن سلام بن الفرج أبو عبد الله البيكندي.
الثاني: الفزاري، بكسر الفاء بعدها الزاي، وهو مروان بن معاوية. الثالث: عاصم بن سليمان
الأحول. الرابع: عامر بن شراحيل الشعبي. الخامس: عكرمة مولى ابن عباس. السادس: عبد

٣٩٩
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٧٦)
الله بن عباس، رضي الله تعالى عنهما.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع، وبصيغة الإفراد في
موضع. وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في
موضعين. وفيه: أن شيخه من أفراده وأنه ذكر مجرداً في رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر:
هو ابن سلام، بذكر أبيه. وفيه: أن الفزاري والشعبي كوفيان، وأن عاصماً بصري. وفيه: أن
الفزاري والشعبي مذكوران بالنسبة، وأن شيخه في أكثر الرواية وعاصماً مذكوران مجردين
عن النسبة.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الأشربة عن أبي نعيم
عن سفيان الثوري. وأخرجه مسلم في الأشربة عن أبي كامل الجحدري، وعن محمد بن
عبد الله بن نمير، وعن شريح بن يونس وعن يعقوب الدورقي وإسماعيل بن سالم وعن عبد الله
ابن معاذ وعن محمد بن بشار وعن محمد بن المثنى. وأخرجه الترمذي في الأشربة عن
أحمد بن منيع، وفي الشمائل عن علي بن حجر. وأخرجه النسائي في الحج عن علي بن
حجر به، وعن زياد بن أيوب وعن يعقوب الدورقي. وأخرجه ابن ماجه في الأشربة عن سويد
ابن سعيد.
ذكر معناه: قوله: ((وهو قائم))، جملة إسمية وقعت حالاً. قوله: ((فحلف عكرمة: ما
كان)) أي: ما كان رسول الله عٍَّ يومئذ يعني يوم سقى ابن عباس، رسول الله، عَلَّه، من ماء
زمزم، وفي لفظ ابن ماجه، قال عاصم: فذكرت ذلك لعكرمة فحلف بالله ما فعل! أي: ما
شرب قائماً لأنه كان حينئذ راكباً.
ذكر ما يستفاد منه فيه: الرخصة في الشرب قائماً. وقيل: إن الشرب من زمزم من
غير قيام يشق لارتفاع ما عليها من الحائط. وقال ابن بطال: أراد البخاري أن الشرب من ماء
زمزم من سنن الحج. فإن قلت: روى ابن جرير عن نافع عن ابن عمر أنه كان لا يشرب منها
في الحج قلت: لعله إنما تركه لئلا يظن أن شربه من الفرض اللازم، وقد فعله أولاً مع أنه كان
شديد الاتباع للآثار، بل لم يكن أحداً أتبع لها منه، ونص أصحاب الشافعي على شربه، وقال
وهب بن منبه: نجدها في كتاب الله: شراب الأبرار، وطعام طعم وشفاء سقم، لا تنزح ولا
تزم، من شرب منها حتى يتضلع أحدثت له شفاء وأخرجت عنه داء.
واعلم أنه روي في الشرب قائماً أحاديث كثيرة. منها: النهي عن ذلك، وبوب عليه
مسلم بقوله: باب الزجر عن الشرب قائماً. وحدثنا هداب بن خالد حدثنا همام حدثنا قتادة
عن أنس أن النبي، عَِّ، زجر عن الشرب قائماً، وفي لفظ له عن أنس عن النبي، عَّله، أنه
نهى أن يشرب الرجل قائماً. قال قتادة: فقلنا: فالأكل؟ قال: ذاك أشد وأخبث. وفي رواية عن
أبي سعيد الخدري أن النبي، عَّهِ، زجر عن الشرب قائماً. وفي لفظ: نهى عن الشرب قائماً،
وفي رواية له عن أبي هريرة، قال رسول الله، عَّهِ: ((لا يشربن أحدكم قائماً، فمن نسي

٤٠٠
٢٥ - كِتَابُ الحَجُ / باب (٧٧)
فليستق)). وروى الترمذي من حديث الجارود بن المعلى أن النبي، عَّله، نهى عن الشرب
قائماً. ومنها: إباحة الشرب قائماً، فمن ذلك ما رواه البخاري وبوب عليه: باب الشرب قائماً،
على ما يأتي، فقال: حدثنا أبو نعيم حدنا مسعر عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال، قال:
أتى علي، رضي الله تعالى عنه، على باب الرحبة بماء، فشرب قائماً، فقال: إن ناساً يكره
أحدهم أن يشرب وهو قائم، وإني رأيت النبي، عَّه، فعل كما رأيتموني فعلت)). ورواه أبو
داود أيضاً، وروى الترمذي من حديث ابن عمر، قال: ((كنا نأكل على عهد رسول الله عَ لَّه.
ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام)). وقال: هذا حديث صحيح غريب، وروى أيضاً من
حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. ((قال: رأيت رسول الله عَّ اللّه يشرب قائماً وقاعداً).
وقال: هذا حديث حسن، وروى الطحاوي، وقال: حدثنا ربيع الجيزي قال: حدثنا إسحاق
ابن أبي فروة المدني، قال: حدثتنا عبيدة بنت نابل عن عائشة بنت سعد ... )) عن سعد بن
أبي وقاص، رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله عَّ ◌ُله كان يشرب قائماً). ورواه البزار أيضاً في
(مسنده) نحوه، وروى الطحاوي أيضاً، فقال: حدثنا ابن مرزوق، قال: حدثنا أبو عاصم عن
ابن جريج، قال: أخبرني عبد الكريم بن مالك: ((قال: أخبرني البراء بن زيد أن أم سليم حدثته
أن رسول الله عَّلِ شرب وهو قائم في قربة)). وفي لفظ له: أن رسول الله عَّله دخل عليها،
وفي بيتها قربة معلقة، فشرب من القربة قائماً. وأخرجه أحمد والطبراني أيضاً. وقال النووي:
اعلم أن هذه الأحاديث أشكل معناها على بعض العلماء، حتى قال فيها أقوالاً باطلة،
والصواب منها: أن النهي محمول على كراهة التنزيه، وأما شربه قائماً فلبيان الجواز، ومن
زعم نسخاً فقد غلط، فكيف يكون النسخ مع إمكان الجمع، وإنما يكون نسخاً لو ثبت
التاريخ فأنّى له ذلك؟ وقال الطحاوي ما ملخصه: أنه عَّلِ أراد بهذا النهي الإشفاق على أمته،
لأنه يخاف من الشرب قائماً الضرر، وحدوث الداء، كما قال لهم: أما أنا فلا آكل متكئاً.
انتهى. قلت: اختلفوا في هذا الباب بحسب اختلاف الأحاديث فيه، فذهب الحسن البصري
وإبراهيم النخعي وقتادة: إلى كراهة الشرب قائماً. وروي ذلك عن أنس، رضي الله تعالى عنه،
وذهب الشعبي وسعيد بن المسيب وزادان وطاوس وسعيد بن جبير ومجاهد إلى أنه لا بأس
به، ويروى ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة وسعد وعمر بن الخطاب وابنه عبد الله وابن الزبير
وعائشة، رضي الله تعالى عنهم.
٧٧ - بابُ طَوَاف القَارِن
أي: هذا باب في بيان طواف القارن، فهل يكتفي بطواف واحد. أو لا بد له من
طوافين، وإنما لم يبين ذلك، بل أطلق للاختلاف فيه على ما يجيء بيانه، إن شاء الله تعالى.
١٦٣٨/٢٢٥ _ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ
عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رسولِ اللهِ عَ لَّه فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ فَأهْلَلْنَا
بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قالَ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَذْيٌّ فَلْيُهِلَّ بالحَجِّ والْعُمْرَةِ ثُمَّ لاَ يَحلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا