النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٤٩)
وسبل لها يجري مجرى الأوقاف، فلا يجوز تغييره من وجهه، وفي ذلك تعظيم الإسلام،
وترهيب للعدو. وفي (شرح التهذيب): قال صاحب (التلخيص): لا يجوز بيع أستار الكعبة
المشرفة، وكذا قال أبو الفضل بن عبد، لأنه لا يجوز قطع أستارها ولا قطع شيء من ذلك،
ولا يجوز نقله، ولا بيعه ولا شراؤه. قال: ومن عمل شيئاً من ذلك كما يفعله العامة، يشترونه
من بني شيبة، لزمه رده ووافقه على ذلك الرافعي، وقال ابن الصلاح: الأمر فيها إلى الإمام
يصرفه في مصارف بيت المال بيعاً وعطاءً، واحتج بما ذكره الأزرقي: أن عمر كان ينزع
كسوة البيت كل سنة، فيقسمها على الحاج، وعند الأزرقي عن ابن عباس وعائشة، أنهما
قالا: ولا بأس أن يلبس كسوتها من صارت إليه من حائض وجنب وغيرهما، وكذا قالته أم
سلمة، رضي الله تعالى عنها، وذكر ابن أبي شيبة عن ابن أبي ليلى، وسئل عن رجل سرق
من الكعبة، فقال: ليس عليه قطع؟ ويقال: الظاهر جواز قسمة الكسوة العتيقة إذ بقاؤها تعريض
لفسادها بخلاف النقدين.
٤٩ - بابُ هَدْمِ الكَغْيَةِ
أي: هذا باب في ذكر هدم الكعبة في آخر الزمان.
قالَتْ عَائِشَةُ رضي الله تعالى عنها قال النبيُّ عَِّ يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ فَيُخْسَفُ بِهِمْ
هذا طرف من حديث ذكره البخاري موصولاً في أوائل البيوع من طريق نافع بن جبير
عن عائشة بلفظ: ((يغزو جيش الكعبة حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بأولهم
وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم)) وسيأتي الكلام فيه هناك، إن شاء الله تعالى.
قوله: ((قالت عائشة))، هكذا وقع في رواية الأكثرين بغير واو، وفي رواية أبي ذر:
وقالت، بالواو، ومطابقة هذا المعلق للترجمة من حيث أن غزو الكعبة في هذا مقدمة لهدمها،
لأن غزوها يقع مرتين، ففي الأولى: هلاكهم، وفي الثانية: هدمها، ومقدمة الشيء تابعة له.
فافهم.
١٥٩٥/١٨٧ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيّ قال حدَّثنا يَحْتَى بنُ سَعِيدٍ قال حدَّثْنَا عُبَيْدُ الله
بنُ الأخْنَسِ قال حدَّثني ابنُ أبي مُلَيْكَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما عن النبيّ
قال كأنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ يَقْلَعُهَا حَجَراً حَجَراً.
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم: خمسة: الأول: عمرو، بفتح العين: ابن علي بن يحيى بن كثير أبو
حفص الباهلي الصيرفي. الثاني: يحيى بن سعيد القطان. الثالث: عبيد الله - بتصغير عبد -
ابن الأخنس، بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وفتح النون وفي آخره سين مهملة: أبو
مالك النخعي. الرابع: عبد الله بن أبي مليكة، بضم الميم وفتح اللام: هو عبد الله ابن عبد
الرحمن بن أبي مليكة، واسمه زهير التيمي الأحول، القاضي على عهد ابن الزبير. الخامس:

٣٤٢
٢٥ - كِتَابُ الحَجُّ / باب (٤٩)
عبد الله بن عباس.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وبصيغة الإفراد
في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: أن شيخه ويحيى بصريان وعبيد الله بن الأخنس
کوفي وابن أبي مليكة مكي.
ذكر معناه: قوله: ((كأني به))، الكلام في الضمير في لفظ: به، يحتمل ثلاثة أوجه:
الأول: أن يعود إلى البيت، والقرينة الحالية تدل عليه، أي: كأني ملتبس به. الثاني: أن يعود
إلى القالع بالقرينة الحالية أيضاً. الثالث: ما قاله الطيبي، وهو أنه ضمير مبهم يفسره ما بعده
على أنه تمييز، كقوله تعالى: ﴿فقضاهن سبع سموات﴾ [فصلت: ١٢]. فإن ضمير: هن، هو
المبهم المفسر: بسبع سموات، وهو تمييز، وهذه الأوجه صحيحة ماشية على قاعدة العربية،
فلا يحتاج إلى تقدير حذف، كما قال بعضهم، والذي يظهر أن في الحديث شيئاً حذف، ثم
أكد كلامه بقوله: ويحتمل أن يكون هو ما وقع في حديث علي، رضي الله تعالى عنه، في
(غريب الحديث) لأبي عبيدة من طريق أبي العالية: ((عن علي، قال: استكثروا من الطواف
بهذا البيت، قبل أن يحال بينكم وبينه، فكأني برجل من الحبشة أصلع - أو قال: أصمع -
حمش الساقين، قاعد عليها وهي تهدم)). ورواه الفاكهي من هذا الوجه، ولفظه: أصعل، بدل:
أصلع، وقال: قائماً عليها يهدمها بمسحاته، ورواه یحیی الحماني في مسنده من وجه آخر عن
علي، رضي الله تعالى عنه، مرفوعاً. انتهى.
قلت: إنما يقدر الحذف في موضع يحتاج إليه للضرورة، ولا ضرورة ههنا، ودعواه
الظهور غير ظاهرة لأنه لا وجه في تقدير محذوف لا حاجة إليه بما جاء في أثر عن صحابي،
ولا يقال الأحاديث يفسر بعضها بعضاً، لأنا نقول: هذا إنما يكون عند الاحتياج إليه، فلا
احتياج ههنا إلى ذلك. قوله: ((أسود))، مرفوع، وفي رفعه وجهان: أحدهما: أن يكون مبتدأ
وخبره قوله: ((يقعلها))، والجملة حال بدون الواو، وهذا على تقدير أن يكون الضمير في: به،
للبيت، والوجه الآخر: أن يكون ارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف، على أن يكون الضمير
للقالع، والتقدير: كأني بالقالع هو أسود. وقوله: (أفحج))، خبر بعد خبر، ويجوز أن يكون
أسود أفحج، حالين متداخلين أو مترادفتين من الضمير في: به، ويروى أسود منصوباً على الذم
أو الاختصاص، وليس من شرط المنصوب على الاختصاص أن لا يكون نكرة، فهذا
الزمخشري قال في قوله تعالى: ﴿قائماً بالقسط﴾ [آل عمران: ١٨]. أنه منصوب على
الاختصاص، ويجوز أن يكون بدلاً من الضمير الذي في: به، ويجوز إبدال المظهر من
المضمر الغائب، نحو: ضربته زيداً، قوله: ((أفحج))، على وزن: أفعل، بفاء ثم حاء مهملة ثم
جيم من الفحج، وفي (المنتهى)؛ هو تداني صدور القدمين وتباعد العقبین، وقد فحج یفحج
من باب علم يعلم، فهو أفحج، ودابة فحجاء، وهو عيب في الخيل، والفحج، بالكسر، مشية
الأفحج، وقد فحج يفحج من باب ضرب يضرب، وفحج يفحج من باب، فتح يفتح، ويقال:
الفحج بالتحريك: تباعد ما بين الساقين، ومن الدواب ما بين العرقوبين. وفي (المحكم):

٣٤٣
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٥٠)
فحج فحجاً، وعن اللحياني فحجة أيضاً. وقال الهروي: الفحج تباعد ما بين الفخذين. وقال
ابن دريد: هو تباعد ما بين الرجلين، وفي (المجمل): هو تباعد ما بين الساقين في الإنسان
والدابة. قوله في حديث علي: أصلع، وهو الذي ذهب شعر مقدم رأسه، والأصلع الصغير
الرأس، والأصمع الصغير الأذنين. قوله: ((حمش الساقين))، بفتح الحاء المهملة وسكون الميم
وفي آخره شين معجمة، أي: دقيق. قوله: ((حجراً حجراً)، نصب على الحال نحو: بوبته باباً
باباً أي: مبوباً، وقال الكرماني: أو بدل من الضمير يعني الضمير المنصوب في يقلعها.
١٥٩٦/١٨٨ _ حدَّثنا يحيى بنُ بُكَثِرٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ
سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قال قال رسُولُ اللهِ عَ لَه يُخَرَّبُ الْكَغْبَةَ
ذُو السُّوَيِقَتَيْنِ مِنَ الحَبَشَةِ. [انظر الحديث ١٥٩١].
قد مضى هذا الحديث عن قريب في: باب قول الله عز وجل: ﴿جعل الله الكعبة
البيت الحرام﴾ [المائدة: ٩٧]. فإنه رواه هناك عن علي بن عبد الله عن سفيان عن زياد بن
سعد عن الزهري، وههنا رواه عن يحيى بن أبي بكير المخزومي المصري، عن الليث بن
سعد المصري، عن يونس بن يزيد الأيلي عن ابن شهاب، هو محمد بن مسلم الزهري، والله
أعلم.
٥٠ _ بابُ ما ذُكِرَ فِي الحَجَرِ الأسْوَدِ
أي: هذا باب في بيان ما ذكر في شأن الحجر الأسود، وهو الذي في ركن الكعبة
القريب بباب البيت من جانب الشرق، ويقال له: الركن الأسود، ارتفاعه من الأرض ذراعان
وثلثا ذراع، وقال الأزهري: ارتفاعه من الأرض ثلاثة أذرع إلاَّ سبع أصابع.
١٨٩/ ١٥٩٧ - حدَّثْنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ قال أخبرنا سُفْيَانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ
عابِسٍ بنٍ رَبِيعَةَ عنْ عُمَرَ رضي الله تعالى عنه أنَّهُ جاءَ إلَى الحَجَرِ الأسْوَدِ فَقَبَّلَهُ فقال إنِّي
أعلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لاَ تَضُرُّ ولاَ تَنْفَعُ ولَوْلاَ أَنِّي رَأيْتُ النبيَّ عََّلِ يُقَتَّلُكَ ما قَبَلْتُكَ. [الحديث
١٥٩٧ - طرفاه في: ١٦٠٥، ١٦١٠].
مطابقته للترجمة من حيث إن الذي عنده على شرطه هذا الحديث، وإلاَّ ففيه وردت
أحاديث كثيرة صحيحة وضعيفة على ما سنذكر شيئاً من ذلك.
ذكر رجاله: وهم: ستة: الأول: محمد بن كثير - ضد القليل - أبو عبد الله العبدري،
مر في كتاب العلم. الثاني: سفيان الثوري. الثالث: سليمان الأعمش. الرابع: إبراهيم بن
يزيد النخعي. الخامس: عابس، بالعين المهملة وبعد الألف باء موحدة وفي آخره سين
مهملة: ابن ربيعة، بفتح الراء: النخعي. السادس: عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع. والإخبار كذلك في
موضع. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: أن شيخه بصري والبقية كلهم كوفيون.

٣٤٤
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٥٠)
قوله: ((عن إبراهيم)) هو النخعي، وفي رواية مسلم: عن إبراهيم ابن عبد الأعلى عن سويد بن
غفلة عن عمر، رضي الله تعالى عنه.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الحج عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي
شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير وزهير بن حرب أربعتهم عن أبي معاوية عن الأعمش به،
وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن كثير به، وأخرجه الترمذي فيه عن هناد عن أبي معاوية
به. وقال: حسن صحيح، وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم.
ذكر معناه: قوله: ((إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع))، تكلم الشارحون في مراد
عمر، رضي الله تعالى عنه، بهذا الكلام، فقال محمد بن جرير الطبري: إنما قال ذلك لأن
الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام، فخشي عمر، رضي الله تعالى عنه، أن يظن الجهال
بأن استلام الحجر، مثل ما كانت العرب تفعله، فأراد عمر، رضي الله تعالى عنه، أن يعلم أن
استلامه لا يقصد به إلاَّ تعظيم الله، عز وجل، والوقوف عند أمر نبيه عَّله، وأن ذلك من
شعائر الحج التي أمر الله بتعظيمها، وأن استلامه مخالف لفعل الجاهلية في عبادتهم الأصنام،
لأنهم كانوا يعتقدون أنها تقربهم إلى الله زلفى، فنبه عمر على مخالفة هذا الاعتقاد، وأنه لا
ينبغي أن يعبد إلاَّ من يملك الضرر والنفع، وهو الله جل جلاله، وقال المحب الطبري: أن قول
عمر لذلك طلب منه للآثار وبحث عنها وعن معانيها. قال: ولما رأى أن الحجر يستلم ولا
يعلم له سبب يظهر للحس، ولا من جهة العقل، ترك فيه الرأي والقياس، وصار إلى محض
الاتباع، كما صنع في الرمل. وقال الخطابي: في حديث عمر من الفقه أن متابعة النبي عَلِّ،
واجبة وإن لم يوقف فيها على علل معلومة وأسباب معقولة، وأن أعيانها حجة على من بلغته
وإن لم يفقه معانيها، ومن المعلوم أن تقبيل الحجر إكرام وإعظام لحقه. قال: وفضَّل الله
بعض الأحجار على بعض، كما فضل بعضَ البقاع على بعض، وبعض الليالي والأيام على
بعض. وقال النووي: الحكمة في كون الركن الذي فيه الحجر الأسود يجمع فيه بين التقبيل
والاستلام، كونه على قواعد إبراهيم، وفيه الحجر الأسود، وأن الركن اليماني اقتصر فيه على
الاستلام لكونه على قواعد إبراهيم ولم يقبّل، وإن الركنين الغربيين لا يقبلان ولا يستلمان
لفقد الأمرين المذكورين فيهما.
قوله: ((ولا تضر ولا تنفع)) يعني إلاَّ بإذن الله، وروى الحاكم من حديث أبي سعيد:
(حججنا مع عمر، رضي الله تعالى عنه، فلما دخل الطواف استقبل الحجر، فقال: إني أعلم
أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله عَ ليه قبلك ما قبلتك، ثم قبله، فقال
علي، رضي الله تعالى عنه، إنه يضر وينفع. قال: بِمَ؟ قال: بكتاب الله تعالى. عز وجل ﴿وإذ
أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسكم ألست بربكم؟ قالوا:
بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. وذلك أن الله لما خلق آدم مسح يده على ظهره فقررهم بأنه الرب،
وأنهم العبيد وأخذ عهودهم ومواثيقهم، وكتب ذلك في رق، وكان لهذا الحجر عينان
ولسان، فقال: إفتح، ففتح فاه فألقمه ذلك الرق، فقال: أشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة،

٣٤٥
٢٥ - كِتَابُ الحَجِّ / باب (٥٠)
وأني أشهد لسمعت رسول الله عَّلِ يقول: يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود وله لسان دلق
يشهد لمن يستلمه بالتوحيد، فهو يا أمير المؤمنين يضر وينفع. فقال عمر، رضي الله تعالى
عنه: أعوذ بالله من قوم لست فيهم يا أبا الحسن)). وفي سنده أبو هارون، عمارة بن جوین
ضعيف، ورواه الأزرقي أيضاً في (تاريخ مكة) وفي لفظه: ((أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست
فیهم)).
ومن الحكمة في تقبيل الحجر الأسود غير ما ذكر عن علي، رضي الله تعالى عنه، أن
النبي عَّ أخبر أنه من أحجار الجنة على، ما يأتي، فإذا كان كذلك فالتقبيل ارتياح إلى
الجنة وآثارها. ومنها: ((أن النبي عَّة، أخبر أنه يمين الله في الأرض))، رواه أبو عبيد في
(غريب الحديث). وفي (فضائل مكة) للجندي من حديث ابن جريج عن محمد بن عباد بن
جعفر عن ابن عباس: ((إن هذا الركن الأسود هو يمين الله في الأرض، يصافح به عباده
مصافحة الرجل أخاه)). ومن حديث الحكم بن أبان عن عكرمة عنه زيادة: ((فمن لم يدرك
بيعة رسول الله، عَّهِ، ثم استلم الحجر فقد بايع الله ورسوله)). وفي (سنن ابن ماجه) من
حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَّه: ((من فاوض الحجر الأسود فكأنما يفاوض يد
الرحمن). وقال المحب الطبري: والمعنى في كونه يمين الله، والله أعلم، أن كل ملك إذا قدم
عليه قبلت يمينه، ولما كان الحاج والمعتمر أول ما يقدمان يسن لهما تقبيله، فنزل منزلة يمين
الملك، ويده، ولله المثل الأعلى، ولذلك من صافحه كان له عند الله عهد، كما أن الملك
يعطي العهد بالمصافحة.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: أن تقبيل الحجر الأسود سنة، وقال الترمذي: العمل على
هذا عند أهل العلم يستحبون تقبيل الحجر، فإن لم يمكنه ولم يصل إليه استلم بيده، وقيل
يده، وإن كان لم يصل إليه استقبله إذا حاذى به وكبر، وهو قول الشافعي انتهى. وخالف
مالك في تقبيل اليد، فقال: يستمله ولا يقبل يده، وهو أحد القولين عنه، والجمهور على أنه
يستلمه ثم يقبل يده، وهو قول ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وجابر وعطاء بن
أبي رباح وابن أبي مليكة وعكرمة بن خالد وسعيد بن جبير ومجاهد وعمرو بن دينار، وهو
قول أبي حنيفة والأوزاعي والشافعي وأحمد، وروى الحاكم من حديث جابر: ((بدأ بالحجر
الأسود فاستلمه، وفاضت عيناه بالبكاء وقبله، ووضع يده عليه ومسح بهما وجهه)). وروى
النسائي من حديث ابن عباس عنه أنه قبله ثلاثاً. وعند الحاكم: وسجد عليه، وصحح إسناده،
وفيه كراهة تقبيل ما لم يرد الشرع بتقبيله من الأحجار وغيرها. وقال شيخنا زين الدين: وأما
قول الشافعي: ومهما قبل من البيت فحسن، فإنه لم يرد بالحسن مشروعية ذلك، بل أراد
إباحة ذلك، والمباح من جملة الحسن، كما ذكره الأصوليون. قلت: فيه نظر لا يخفى، وقال
أيضاً: وأما تقبيل الأماكن الشريفة على قصد التبرك، وكذلك تقبيل أيدي الصالحين وأرجلهم
فهو حسن محمود باعتبار القصد والنية، وقد سأل أبو هريرة الحسن، رضي الله تعالى عنه، أن
يكشف له المكان الذي قبله، رسول الله عَّله، وهو سرته، فقبله تبركاً بآثاره وذريته، مَّلێے،

٣٤٦
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٥٠)
وقد كان ثابت البناني لا يدع يد أنس، رضي الله تعالى عنه، حتى يقبلها، ويقول: يد مست
يد رسول الله، عَّ له، وقال أيضاً: وأخبرني الحافظ أبو سعيد ابن العلائي قال: رأيت في كلام
أحمد بن حنبل في جزء قديم عليه خط ابن ناصر وغيره من الحفاظ، أن الإمام أحمد سئل
عن تقبيل قبر النبي، عَّه، وتقبيل منبره، فقال: لا بأس بذلك، قال: فأريناه للشيخ تقي الدين
بن تيمية فصار يتعجب من ذلك، ويقول: عجبت أحمد عندي جليل يقوله؟ هذا كلامه أو
معنى كلامه؟ وقال: وأي عجب في ذلك وقد روينا عن الإمام أحمد أنه غسل قميصاً للشافعي
وشرب الماء الذي غسله به، وإذا كان هذا تعظيمه لأهل العلم فكيف بمقادير الصحابة؟
وكيف بآثار الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام؟ ولقد أحسن مجنون ليلى حيث يقول:
أمر على الديار ديار ليلى
أقبل ذا الجدار وذا الجدار
وما حب الدار شغفن قلبي
ولكن حبُّ من سكن الديارا
وقال المحب الطبري: ويمكن أن يستنبط من تقبيل الحجر واستلام الأركان جواز
تقبيل ما في تقبيله تعظيم الله تعالى، فإنه إن لم يرد فيه خبر بالندب لم يرد بالكراهة. قال:
وقد رأيت في بعض تعاليق جدي محمد بن أبي بكر، عن الإمام أي عبد الله محمد بن أبي
الصيف: أن بعضهم كان إذا رأى المصاحف قبلها، وإذا رأى أجزاء الحديث قبلها، وإذا رأى
قبور الصالحين قبلها، قال: ولا يبعد هذا، والله أعلم في كل ما فيه تعظيم لله تعالى.
وفيه: في قول عمر، رضي الله تعالى عنه، التسليم للشارع في أمور الدين وحسن
الاتباع فيما لم يكشف عن معانيها. وقال الخطابي: فيه: تسليم الحكمة وترك طلب العلل
وحسن الاتباع فيما لم يكشف لنا عنه من المعنى، وأمور الشريعة على ضربين: ما كشف عن
علته وما لم يكشف، وهذا ليس فيه إلا التسليم.
وفيه: قاعدة عظيمة في اتباع النبي، عَّله، فيما يفعله ولو لم يعلم الحكمة فيه. وفيه:
دفع ما وقع لبعض الجهال من أن في الحجر الأسود خاصية ترجع إلى ذاته. وفيه: بيان السنن
بالقول والفعل. وفيه: أن للإمام إذا خشي على أحد من فعله فساداً اعتقاده أن يبادر إلى بيان
الأمر ويوضح ذلك.
فائدة: روى الترمذي من حديث ابن عباس، قال: قال رسول الله، عَّهِ، في الحجر
الأسود: ((وإنه ليبعثه الله تعالى يوم القيامة، له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به يشهد
على من استلمه بحق)). ورواه ابن ماجه أيضاً، وابن حبان في (صحيحه)، وروى الحاكم
في (المستدرك) والطبراني في (المعجم الأوسط) من حديث عبد الله ان عمرو: أن رسول
الله، عَّهِ، قال: ((يؤتى الركن يوم القيامة أعظم من أبي قبيس، له لسان وشفتان يتكلم
عمن استلمه بالنية، وهو يمين الله التي يصافح بها خلقه)). قال الحاكم: صحيح. وفيه:
جواز كلام الجمادات، ومنه تسبيح الحصى وكلام الحجر ووجود اللسان والعينين للحجر
الأسود هل يخلقه الله تعالى فيه يوم القيامة أو هو موجود فيه قبل ذلك؟ وإنما هو أمر خفي

٣٤٧
٢٥ ۔ کِتَابُ الحَجُ / باب (٥٠)
غامض يحتمل الأمرين. وفي حديث علي، رضي الله تعالى عنه، الموقوف عليه أن هذا
الوصف كان موجوداً له من يوم ﴿لست بربكم﴾ [الأعراف: ١٧٢]. قوله: ((يشهد على من
استلمه))، على: هنا بمعنى: اللام، وقد ورد في رواية الأحمد والدارمي في مسنديهما يشهد
لمن استلمه بحق وكذلك في (صحيح ابن حبان). وقوله: ((بحق)، يحتمل أن يتعلق بقوله:
يشهد، ويحتمل أن يتعلق بقوله: استلمه، وروى معمر عن رجل عن المنهال ابن عمرو عن
مجاهد أنه قال: يأتي الحجر والمقام يوم القيامة كل واحد منهما مثل أحد، فيناديان بأعلى
صوتهما يشهدان لمن وافاهما بالوفاء، وعن أنس: أن رسول الله عَ ل قال: الركن والمقام
ياقوتتان من يواقيت الجنة. قال الحاكم: صحيح الإسناد، وعن ابن عمر قال: سمعت رسول
الله عٍَّ يقول: ((الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما، ولولا ذلك
لأضاء ما بين المشرق والمغرب)). أخرجه الحاكم، وأخرجه البيهقي بسند على شرط مسلم،
وزاد: ((ولولا ما مسهما من خطايا بني آدم، ما مسهما من ذي عاهة إلاّ شفي، وما على
الأرض من الجنة غيره).
وعن ابن عباس رفعه: ((لولا ما طبع الله الركن من أنجاس الجاهلية وأرجاسها وأيدي
الظلمة والأئمة لاستشفي به من كل عاهة، ولألقاه الله كهيئته يوم خلقه تعالى، وإنما غيره الله
تعالى بالسواد لئلا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة، وأنه لياقوتة من ياقوت الجنة بيضاء، وضعه
لآدم حيث أنزله في موضع الكعبة، والأرض يومئذ طاهرة لم يعمل فيها شيء من المعاصي،
وليس لها أهل ينجسونها، ووضع لها صفاً من الملائكة على أطراف الحرم يحرسونه من جان
الأرض، وسكانها يومئذ الجن، وليس ينبغي لهم أن ينظروا إليه لأنه شيء من الجنة، ومن نظر
إلى الجنة دخلها فهم على أطراف الحرم حيث أعلامه ليوم يحدقون به من كل جانب، بينه
وبين الحرم، وروى الطبراني عن عائشة: ((استمتعوا من هذا الحجر الأسود قبل أن يرفع فإنه
خرج من الجنة، وأنه لا ينبغي لشيء خرج من الجنة أن لا يرجع إليها قبل يوم القيامة)). وفي
رواية الجندي عن مجاهد: الركن من الجنة ولو لم يكن منها لفني. وعند الجندي عن سعيد
ابن المسيب: ((الركن والمقام حجران من حجارة الجنة)).
أخرى: كان أبو طاهر القرمطي من الباطنية وقال بسوء رأيه: هذا الحجر مغنطيس بني
آدم، فجاء إلى مكة وقلع الباب وأصعد رجلاً من أصحابه ليقطع الميزاب، فتردى على رأسه
إلى جهنم وبئس المآب، وأخذ أسلاب مكة والحاج وألقى القتلى في بئر زمزم فهلك تحت
الحجر من مكة إلى الكوفة أربعون جملاً، فعلقه لعنة الله عليه على الأسطوانة السابعة من
جامع الكوفة من الجانب الغربي ظناً منه أن الحج ينتقل إلى الكوفة، قال ابن دحية: ثم حمل
الحجر إلى هجر سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وبقي عند القرامطة اثنتين وعشرين سنة إلاَّ شهراً،
ثم رد لخمس خلون من ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، وكان يحكم التركي بذل
لهم في درهم خمسين ألف دينار، فما فعلوا وقالوا: أخذناه بأمر ولا نرده إلاَّ بأمر وقيل: إن
القرمطي باع الحجر من الخليفة المقتدر بثلاثين ألف دينار، ثم أرسل الحجر إلى مكة على

٣٤٨
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٥١)
قعود أعجف، فسمن تحته وزاد حسنه إلى مكة، شرفها الله تعالى.
٥١ - بابُ إغلاقِ البَيْتِ ويُصَلِّي في أيِّ نَوَاحِي الْبَيْتِ شاءَ
أي: هذا باب يذكر فيه إغلاق باب الكعبة البيت الحرام، يقال: أغلقت الباب فهو
مغلق، والاسم الغلق، وغلقت الباب غلقاً لغة رديئة، قاله الجوهري، وغلَّقت الأبواب شدد
للكثرة. قوله: ((ويصلي)) أي: الداخل في البيت يصلي في أي ناحية شاء من نواحي البيت،
وكل ناحية من نواحي البيت من داخله سواء، كما أن كل نواحيه من خارجه في الصلاة إليه
سواء. وفي (التوضيح): قال الشافعي: من صلى في جوف البيت مستقبلاً حائطاً من حيطانها
فصلاته جائزة، وإن صلى نحو باب البيت وكان مغلقاً، فكذلك وإن كان مفتوحاً فباطلة، لأنه
لم يستقبل شيئاً منها، فكأنه استدل على ذلك بغلق باب الكعبة حين صلوا. وقد يقال: إنما
أغلقه لكثرة الناس عليه فصلوا بصلاته، ويكون ذلك عندهم من مناسك الحج، كما فعل في
صلاة الليل حين لم يخرج إليهم خشية أن يكتب عليهم، ومتى فتح، وكانت العتبة قدر ثلثي
ذراع صحت أيضاً، ولا يرد عليه ما إذا انهدمت وصلى كما ألزمنا ابن القصار به، لأنه صلى
إلى الجهة. انتهى. قال النووي: إذا كان الباب مسدوداً أو له عتبة قدر ثلثي ذراع يجوز، هذا
هو الصحيح، وفي وجه: يقدر بذراع، وقيل: يكفي شخوصها، وقيل: يشترط قدر قامة طولاً
وعرضاً، ولو وضع بين يديه متاعاً واستقبله لم يجزه. قلت: الصلاة في الكعبة جائزة فرضها
ونفلها، وهو قول عامة أهل العلم، وبه قال الشافعي. وقال مالك: لا يصلى في البيت والحجر
فريضة ولا ركعتا الطواف الواجبتان ولا الوتر ولا ركعتا الفجر، وغير ذلك، لا بأس به، ذكره
في ذخيرتهم. وذكر القرطبي في (تفسيره): عن مالك أنه: لا يصلي الفرض ولا السنن،
ويصلي التطوع، فإن صلى فيه مكتوبة أعاد في الوقت كمن صلى إلى غير القبلة بالاجتهاد.
وعند ابن حبيب وأصبغ: يعيد أبداً، وبقول مالك قال أحمد، وقال ابن عبد الحكم: لا يعيد
مطلقاً، ومحمد بن جرير الطبري منع الجميع فيها.
١٩٠/ ١٥٩٨ _ حدَّثْنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنِ ابنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ عَنْ
أَبِيهِ أَنَّهُ قالَ دَخَلَ رسُولُ اللهِ عَّ لِ الْبَيْتَ هُوَ وأَسَامةُ بنُ زَيْدٍ وبِلالٌ وَعُثْمَانُ بنُ طَلْحَةَ فَأَغْلَقُوا
عليْهِمْ فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْتُ أوَّلَ مِنْ وَلَجَّ فَلَقِيتُ بِلالاً فسَألْتُهُ هَلْ صَلَّى فِيهِ رسولُ الله عَلّم
قال نَعَمْ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيْنِ. [انظر الحديث ٣٩٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((أغلقوا عليهم)) فإن قلت: من جملة الترجمة قوله:
((ويصلي في أي نواحي البيت شاء)، وهذا يدل على التخيير، وفي الحديث بين اليمانيين،
وهو يدل على التعيين فلا يطابق الترجمة. قلت: لم تكن صلاته عَّه في ذلك الموضع
قصداً، وإنما وقع اتفاقاً، وهذا لا ينافي التخيير، ولئن سلمنا أنه كان قصداً، ولكن لم يكن
قصده تحتماً وإنما كان اختياراً لذلك الموضع لمزية فضلة على غيره، فلا يدل على التعيين.
ورجال الحديث قد تكرر ذكرهم. وأخرجه مسلم أيضاً في الحج عن قتيبة، ومحمد

٣٤٩
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٥١)
ابن رمح. وأخرجه النسائي فيه وفي الصلاة عن قتيبة.
ذكر معناه: قوله: ((دخل رسول الله عَ ل البيت)) أي: الكعبة، وكان ذلك في عام
الفتح، كما جاء في رواية يونس بن يزيد عن نافع عند البخاري، كما في كتاب الجهاد.
ولفظه: ((أقبل النبي عَُّلِّ يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته))، وفي رواية فليح عن نافع في
المغازي: وهو مردف أسامة - يعني ابن زيد - على القصواء، ثم اتفقا، ومعه بلال وعثمان بن
طلحة حتى أناخ في المسجد، وفي رواية فليح: عند البيت، وقال لعثمان: ائتنا بالمفتاح،
فجاءه بالمفتاح ففتح له الباب فدخل، وفي رواية مسلم وعبد الرزاق من رواية أيوب عن
نافع: ثم دعى عثمان بن طلحة بالمفتاح فذهب إلى أمه فأبت أن تعطيه، فقال: والله لتعطينه
أو لأخرجن هذا السيف من صلبي، فلما رأت ذلك أعطته، فجاء إلى رسول الله عَ لَّه ففتح
الباب. وظهر من رواية فليح أن فاعل: فتح، هو عثمان المذكور، ولكن روى الفاكهي من
طريق ضعيف عن ابن عمر قال: كان بنو أبي طلحة يزعمون أنه لا يستطيع أحد فتح الكعبة
غيرهم، فأخذ رسول الله عَّلِ المفتاح ففتحها بيده، وعثمان المذكور هو عثمان بن طلحة
ابن أبي طلحة بن عبد العزى بن عبد الدار بن قصي بن كلاب، ويقال له: الحجبي، بفتح
الحاء المهملة والجيم، ولآل بيته الحجبة لحجبهم الكعبة، ويعرفون الآن بالشيبيين نسبة إلى
شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، وهو ابن عم عثمان هذا لا ولده، وله أيضاً صحبة ورواية،
واسم أم عثمان المذكور: سلافة، بضم السين المهملة وتخفيف اللام وفتح الفاء. قوله: ((هو
وأسامة))، هو: ضمير الفصل يرجع إلى النبي عَّة، ذكر هؤلاء الثلاثة أنهم دخلوا البيت مع
النبي، عَّ له، وفي رواية مسلم من طريق آخر: ولم يدخلها معهم أحد، وفي رواية النسائي من
طريق ابن عدي عن نافع: ومعه الفضل بن عباس فيكونون أربعة، وفي رواية أحمد في حديث
ابن عباس: حدثني أخي الفضل، وكان معه حين دخلها، أنه لم يصلٌ في الكعبة.
قوله: ((فأغلقوا عليهم))، أي: الباب، وفي رواية حسان بن عطية عن نافع عند أبي
عوانة: من داخل، وزاد يونس: فمكث نهاراً طويلاً، وفي رواية فليح: زماناً، بدل: نهاراً. وفي
رواية جويرية عن نافع التي مضت في أوائل الصلاة في: باب الصلاة بين السواري: فأطال،
وفي رواية مسلم من رواية ابن عون عن نافع: فمكث فيها ملياً وله من عبيد الله عن نافع،
فأجافوا عليهم الباب طويلاً، ومن رواية أيوب عن نافع، ((فمكث فيها ساعة))، وفي رواية
النسائي من طريق ابن أبي مليكة: ((فوجدت شيئاً فذهبت، ثم جئت سريعاً فوجدت النبي
عَّ الِ خارجاً منها)). فإن قلت: وقع في (الموطأ) فأغلقاها عليه، والضمير لعثمان وبلال، ووقع
في رواية مسلم من طريق ابن عون عن نافع: ((فأجاف عليهم عثمان الباب. قلت: كان عثمان
هو المباشر لذلك لأنه من وظيفته، والظاهر أن بلالاً كان ساعده في ذلك، فأضيف إليه لكونه
مساعداً. قوله: ((فلما فتحوا كنت أول من ولج))، أي: دخل، من الولوج، وهو الدخول،
وفي رواية فليح: ((ثم خرج فابتدر الناس: الدخول، فسبقتهم)). وفي رواية أيوب: ((وكنت رجلاً
شاباً قوياً فبادرت الناس فبدرتهم)). وفي رواية جويرية: ((كنت أول الناس ولج على إثره)). وفي

٣٥٠
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٥١)
رواية ابن عون: ((فرقيت الدرجة فدخلت البيت))، وفي رواية مجاهد التي مضت في: باب
قول الله تعالى: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [البقرة: ١٢٥]. في أوائل كتاب الصلاة
عن ابن عمر وأجد بلالاً قائماً بين الناس، وذكر الأزرقي في كتاب مكة أن خالد بن الوليد،
رضي الله تعالى عنه، كان على الباب يذب عنه الناس، وكأنه جاء بعدما دخل النبي عَّ له.
وأغلق. قوله: ((فلقيت بلالاً فسألته)). وفي رواية مالك عن نافع التي مضت في: باب الصلاة
بين السواري، في أوائل كتاب الصلاة، فسألت بلالاً، رضي الله تعالى عنه، حين خرج ما
صنع النبي، عَّهِ، الحديث. وفي رواية جويرية ويونس وجمهور أصحاب نافع فسألت بلالاً
أين صلى؟ اختصروا أول السؤال، وثبت في رواية سالم المذكور في حديث الباب حيث
قال: هل صلى فيه؟ قال: نعم. وكذا في رواية مجاهد وابن أبي مليكة عن ابن عمر، فقلت:
أصلى النبي، عَّ له، في الكعبة؟ قال: نعم، فظهر أنه استثبت أولاً: هل صلى أم لا؟ ثم سأل
عن موضع صلاته من البيت، ووقع في رواية يونس عن ابن شهاب عند مسلم: فأخبرني بلال
أو عثمان بن طلحة، على الشك، والمحفوظ أنه سأل بلالاً، كما في رواية الجمهور، ووقع
عند أبي عوانة من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن ابن عمر: أنه سأل بلالاً وأسامة بن زيد
حين خرجا: أين صلى النبي، عَّلِ فيه؟ فقالا: على جهته، وكذا أخرجه البزار نحوه، وفي
رواية أحمد والطبراني من طريق أبي الشعثاء عن ابن عمر، فقال: أخبرني أسامة أنه صلى فيه
ههنا.
وفي رواية مسلم والطبراني من وجه آخر ((فقلت: أين صلى النبي، عَّهِ؟)) فقال: فإن
كان محفوظاً حمل على أنه ابتدأ بلالاً بالسؤال، كما تقدم تفصيله، ثم أراد زيادة الاستثباب
في مكان الصلاة، فسأل عثمان أيضاً وأسامة. فإن قلت: كيف هذا وقد أخرج مسلم من
حديث ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، أن أسامة بن زيد أخبره أن النبي، عَّهِ، لم يصل
فيه، ولكنه كبّر في نواحيه؟ قلت: وجه الجمع بينهما أن أسامة حيث أثبتها اعتمد في ذلك
على غيره، وحيث نفاها أراد ما في علمه لكونه لم يرَ النبي، عَّهِ، حين صلى، وجواب آخر
أنه يحتمل أن يكون أسامة غاب عنه بعد دخوله لحاجة، فلم يشهد صلاته، وبه أجاب
المحب الطبري، ويدل عليه ما رواه ابن المنذر من حديث أسامة أن النبي، عَّةٍ، رأى صوراً
في الكعبة، فكنت آتيه بماء في الدلو يضرب به الصور، فقد أخبر أسامة أنه كان يخرج لنقل
الماء، وكان ذلك كله يوم الفتح، وقال ابن حبان: الأشبه عندي أن يحمل الخبران على
دخولين متغايرين: أحدهما يوم الفتح وصلى فيه، والآخر: في حجة الوداع ولم يصلٌ فيه))
من غير أن يكون بينهما تضاد، ومما يرجح به إثبات صلاته، عَّه، في البيت على من نفاها
كثرة الرواة لها، فالذين أثبتوها بلال وعمر بن الخطاب وعثمان بن طلحة وشيبة بن عثمان،
والذين نفوها أسامة والفضل بن عباس وعبد الله بن العباس، وأما الفضل فليس في الصحيح
أنه دخل معهم، وأما ابن عباس فإنه أخبر عن أخيه الفضل ولم يدخل مع النبي، عَّهِ، البيت.
ومن الأجوبة أن القاعدة تقديم المثبت على النافي. قوله: ((بين العمودين اليمانيين))، وفي

٣٥١
٢٥ - كِتَابُ الحَجُّ / باب (٥٢)
رواية جويرية: ((بين العمودين المقدمين))، وفي رواية مالك عن نافع: ((جعل عموداً عن يمينه
وعموداً عن يساره)). ووقع في رواية فليح الآتية في المغازي: ((بين ذينك العمودين
المقدمين))، وكان البيت على ستة أعمدة شطرين، صلى بين العمودين من الشطر المقدم
وجعل باب البيت خلف ظهره، وقال في آخر روايته: ((وعند المكان الذي صلى فيه مرمرة
حمراء»، وكل هذا إخبار عما كان عليه البيت قبل أن يهدم، ويبنى في زمن ابن الزبير، رضي
الله تعالى عنهما، قوله: ((اليمانيين))، بتخفيف الياء لأنهم جعلوا الألف بدل إحدى ياءي
النسبة، وجوز سيبويه التشديد.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: مشروعية الدخول للبيت بدليل دخوله معَّ لله ومن معه،
ومشروعية الصلاة فيه، وفي (شرح المهذب): يستحب دخول الكعبة والصلاة فيها، وأقل ما
يصلى ركعتين، زاد في المناسك: جافياً، وروى البيهقي عن ابن عباس، قال: قال رسول الله
عٍَّ: ((من دخل البيت دخل في حسنة وخرج من سيئة مغفوراً له)). وفي سنده عبد الله بن
المؤمل وفيه مقال، ورواه ابن أبي شيبة في (مصنفه) وجعله من قول مجاهد، وحكى القرطبي
عن بعض العلماء أن دخول البيت من مناسك الحج، ورده بأن النبي عَّهِ إنما دخله عام
الفتح ولم يكن حينئذ محرماً، يستحب للداخل أن لا يرفع بصره إلى السقف قالت عائشة،
رضي الله تعالى عنها: عجباً للمرء إذا دخل الكعبة كيف يرفع بصره قبل السقف، يدع ذلك
إجلالاً لله تعالى، وإعظاماً لما دخل رسول الله عَ ليه الكعبة خلف بصره موضع سجوده، حتى
خرج منها. قال الحاكم: صحيح على شرطهما. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: هذا حديث
منكر. وفي (التلويج) وقد أسف النبي عَِّ على دخولها. قالت عائشة: ((دخل علي النبي
عٍَّ وهو حزين، فقلت: يا رسول الله! خرجت من عندي وأنت قرير العين طيب النفس، فما
بالك؟ فقال: إني دخلت الكعبة، وودت أني لم أكن فعلته إني أخاف أن أكون قد أتعبت
أمتي من بعدي)) قلت: الحديث رواه أبو داود والترمذي وصححه، والحاكم وصححه، وابن
خزيمة في (صحيحه) وقال البيهقي: هذا الدخول في حجته، ولا يخالف حديث ابن أبي
أوفى أنه لم يدخل، لأن حديثه في العمرة على ما رواه مسلم من حديثه أنه سئل: أدخل
النبي عَِّ في عمرته البيت؟ فقال: لا، وإنما لم يدخل في عمرته لما كان في البيت من
الأصنام والصور، وكان إذ ذاك لا يتمكن من إزالتها بخلاف عام الفتح، والله أعلم.
٥٢ - بابُ الصَّلاةِ فِيِ الكَعْبَةِ
أي: هذا باب في بيان مشروعية الصلاة في الكعبة.
١٩١/ ١٥٩٩ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ قال أخبرَنَا عَبْدُ الله قال أخبرنَا مُوسى بنُ عُقْبَةَ
عنْ نَافِعِ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما أنَّهُ كانَ إِذَا دَخَلَ الْكَعْبَةِ مَشَى قِبَلَ الوَجْهِ حِينَ
يَدْخُلُ وَيجْعَلُ البابَ قِبَلَ الظَّهْرِ يَمْشِي حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِدَارِ الَّذِي قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيباً
مِنْ ثَلاثِ أذْرُعٍ فَيُصَلِّي يَتَوَخَّى المَكَانَ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِلالٌ أنَّ رسولَ الله عَلِّ صلى فِيهِ

٣٥٢
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٥٣)
ولَيْسَ عَلى أَحَدٍ بأسّ فِي أنْ يُصَلِّيَ فِي أَيِّ نَوَاحِيَ البَيْتِ شاءَ. [انظر الحديث
٣٩٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، والحديث قد مر في: باب الصلاة بين السواري في كتاب
الصلاة، فإنه أخرجه هناك عن إبراهيم ابن المنذر عن أبي ضمرة عن موسى بن عقبة، وهنا
أخرجه عن أحمد بن محمد بن موسى أبي العباس السمسار المروزي، وقد مر في كتاب
الوضوء عن عبد الله هو ابن المبارك المروزي. قوله: ((قبل الوجه))، بكسر القاف وفتح الباء
الموحدة، بمعنى المقابل، قوله: ((قريباً) نصب على أنه خبر، قوله: يكون، واسمه محذوف
تقديره: حتى يكون المقدار أو المسافة قريباً من ثلاثة أذرع. قوله: ((يتوخى))، جملة وقعت
حالاً من الضمير الذي في: فيصلي، وهو بتشديد الخاء المعجمة أي: يقصد، وقد مر الكلام
فيه هناك مستوفىَ.
٥٣ - بابُ مَنْ لَمْ يَدْخُلِ الكَعْبَةَ
أي: هذا باب في ذكر من لم يدخل الكعبة حين حج، وكأنه أشار بهذا إلى الرد على
من زعم أن دخول الكعبة من مناسك الحج، وذكر في الاحتجاج في ذلك فعل ابن عمر،
رضي الله تعالى عنهما، لأنه أشهر من روى عن النبي عَّهِ دخول الكعبة، فلو كان دخولها
عنده من المناسك، لما أدخل به مع كثرة أتباعه.
وكانَ ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما يحُجُّ كَثِيراً ولاَ يَدْخُلُ
وصل هذا المعلق سفيان الثوري في (جامعه) رواية عبد الله بن الوليد العدني عنه عن
حنظلة عن طاوس، قال: كان ابن عمر يحج كثيراً ولا يدخل البيت. وفي (التلويح): هذا
معارض لما ذكره البخاري قبل: ((كان ابن عمر إذا دخل الكعبة مشى ... )) الحديث. قلت: لا
معارضة لأنه يحمل على وقت دون وقت، وروى مسلم عن ابن عباس: إنما أمرتم بالطواف
ولم تؤمروا بدخوله: أخبرني أسامة أن النبي، عَّةِ، لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها،
ولم يصلٌ فيه حتى خرج، فلما خرج ركع في قبل البيت ركعتين، وقال: هذه القبلة، وزاد
الحاكم: قال عطاء لم يكن ينهي عن دخوله، ولكن سمعته يقول: أخبرني أسامة، وعند ابن
أبي شيبة: قال ابن عباس: يا أيها الناس! إن دخولكم البيت ليس من حجكم في شيء،
وسنده صحيح، وعن إبراهيم: إن شاء دخل وإن شاء لم يدخل. وقال خيثمة: لا يضرك والله
أن لا تدخله.
١٩٢/ ١٦٠٠ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا خالِدُ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي
خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي أَوْفَى اعْتَمَرَ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ فَطَافَ بِالبَيْتِ وصَلى خَلْفَ المَقَامِ
رَكْعَتَيْنِ ومِعَهُ منْ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ أَدَخَلَ رسولُ اللهِ عَِّ الْكَعْبَةَ قال لاَ.
[الحديث ١٦٠٠ - أطرافه في: ١٧٩١، ٤١٨٨، ٤٢٥٥].

٣٥٣
٢٥ - كِتَابُ الحَجُّ / باب (٥٤)
مطابقته للترجمة ظاهرة. ورجاله أربعة، وخالد بن عبد الله هو الطحان البصري، وهذا
الإسناد نصفه بصري ونصفه كوفي.
وأخرجه البخاري أيضاً عن إسحاق بن إبراهيم عن جرير، وفي المغازي أيضاً عن
محمد بن عبد الله بن نمير، وعن علي بن عبد الله عن سفيان. وأخرجه أبو داود في الحج
عن مسدد عن خالد وعن تميم بن المنتصر عن إسحاق بن يوسف عن شريك، وأخرجه
النسائي فيّه عن عمرو بن علي عن يحيى بن سعيد وعن إبراهيم بن يعقوب. وأخرجه ابن
ماجه فيه عن ابن نمير.
قوله: ((اعتمر رسول الله عَّةٍ))، المراد به عمرة القضاء، فكانت في سنة سبع من
الهجرة قبل فتح مكة. قوله: ((خلف المقام)) أي: مقام إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، والواو
في ((ومعه)) للحال. قوله: ((أُدَخَلَ؟)) الهمزة للاستفهام، وقال النووي: قال العلماء: سبب ترك
دخوله ما كان في البيت من الأصنام والصور، ولم يكن المشركون يتركونه ليغيرها، فلما
كان الفتح أمرنا بإزالة الصور ثم دخلها، وقال القرطبي: كانت الأصنام ثلاثمائة وستين صنماً،
لأنهم كانوا يعظمون كل يوم صنماً ويخصون أعظمها بصنمين، وروى الإمام أحمد، رضي
الله تعالى عنه، في (مسنده) ((عن جابر، قال: كان في الكعبة صور، فأمر النبي عَِّ عمر بن
الخطاب، رضي الله تعالى عنه، أن يمحوها قبل عمر ثوباً ومحاها به، فدخلها عَ لَّه وما فيها
شيء)).
٥٤ - بابُ مَنْ كَبَّرَ فِي نَوَاحِي الْكَعْبَةِ
أي: هذا باب يذكر فيه من كبر في نواحي الكعبة.
١٦٠١/١٩٣ _ حدَّثنا أَبُو مَعْمَرٍ قال حدثنا عَبْدُ الوَارِثِ قال حدَّثنا أَيُّوبُ قال حدَّثنا
عِكْرِمَةُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال إنَّ رسولَ الله عَ لَّمِ لمَّا قَدِمَ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ
الْبَيْتَ وَفِيهِ الْآلِهَةُ فَأُمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ فَأُخْرَبُوا صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وإِسْمَاعِيلَ في أَيْدِيهِمَا الأزْلاَمُ
فقالَ رَسولُ الله عَ لَّهِ قَاتَلَهُمُ اللهِ أَمَا وَالله قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَابها قَطَّ فدَخَلَ الْبَيْتَ
فكَبَّرَ فِي نَوَاحِيِهِ وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ. [انظر الحديث ٣٩٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فكبر في نواحيه))، وأبو معمر، بفتح الميمين: عبد الله بن
عمر، والمقعد البصري وعبد الوارث بن سعيد، وأيوب السختياني، وفي (التوضيح):
والحديث من أفراد البخاري وليس كذلك، بل أخرجه أبو داود أيضاً في الحج عن أبي معمر
به.
قوله: ((لما قدم) أي: مكة. قوله: ((أبى أن يدخل البيت)) أي: امتنع عن دخول
البيت. قوله: ((وفيه)) أي: والحال أن في البيت: ((الآلهة)) أي: الأصنام التي لأهل الجاهلية،
أطلق عليها الآلهة باعتبار ما كانوا يزعمون. قوله: ((فأمر بها فأخرجت)) وفي رواية: («تأتي في
الأنبياء: ((حتى أمر بها فمحيت)). قوله: ((فأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل، عليهما
عمدة القارىء / ج٩ / م٢٣

٣٥٤
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٥٤)
السلام))، وفي رواية له أيضاً في باب: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلاً﴾ [النساء: ١٢٥]. دخل
النبي، عَّله، البيت فوجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم، فقال: أما هم فقد سمعوا أن
الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة، هذا إبراهيم مصور، فما باله يستقسم. قوله: ((الأزلام))
جمع: زلم، وهي الأقلام.
وقال ابن التين: الأزلام: القداح، وهي أعواد نحتوها وكتبوا في إحداها: إفعل، وفي
الآخر: لا تفعل، ولا شيء في الآخر فإذا أراد أحدهم سفراً أو حاجة ألقاها، فإن خرج: إفعل،
فعل، وإن خرج: لا تفعل، لم يفعل، وإن خرج الآخر أعاد الضرب حتى يخرج له: إفعل، أو:
لا تفعل. فكانت سبعة على صفة واحدة مكتوب عليها: لا. نعم، منهم، من غيرهم، ملصق،
العقل، فضل العقل، وكان بيد السادن فإذا أرادوا خروجاً أو تزويجاً أو حاجة ضرب السادن،
فإن خرج: نعم، ذهب، فإن خرج: لا، كف، وإن شكوا في نسب أتوا به إلى الصنم، فضرب
بتلك الثلاثة التي هي: منهم، من غيرهم، ملصق، فإن خرج: منهم، كان من أوسطهم نسباً،
وإن خرج: من غيرهم، كان حليفاً، وإن خرج ملصق لم يكن له نسب ولا حلف، وإذا جنى
أحد جناية واختلفوا على من العقل، ضربوا فإن خرج: العقل، على من ضربه عليه عقل وبریء
الآخرون، وكانوا إذا عقلوا العقل وفضل الشيء منه واختلفوا فيه أتوا السادن فضرب، فعلى من
وجب أداه، وقال ابن قتيبة: كانت الجاهلية يتخذون الأقلام ويكتبون على بعضها: نهاني
ربي، وعلى بعضها: أمرني ربي، وعلى بعضها، نعم، وعلى بعضها: لا، فإذا أراد أحدهم سفراً
أو غيره دفعوها إلى بعضهم حتى يقبضها، فإن خرج القدح الذي عليه: أمرني ربي، مضى،
أو: نهاني، كف.
الاستقسام ما قسم له من أمر يزعمه، وقيل: كان إذا أراد أحدهم أمراً أدخل يده في
الوعاء الذي فيه الأقلام فأخرج منها زلماً وعمل بما عليه، وقيل: الأزلام حصى بيض كانوا
يضربون بها، والاستقسام استفعال من قسم الرزق والحاجات، وذلك طلب أحدهم بالأزلام
على ما قسم له في حاجته التي يلتمسها من نجاح أو حرمان، وأبطل الرب تعالى ذلك،
وأخبر أنه فسق لأنهم كان يستقسمون عند آلهتهم التي يعتقدونها، ويقولون: يا إلهنا أخرج
الحق في ذلك، ثم يعملون بما خرج فهي، فكان ذلك كفراً بالله تعالى لإضافتهم ما يكون من
ذلك من صواب أو خطأ إلى أنه من قسم آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع، وأخبر الشارع عن
إبراهيم وإسماعيل، عليهما الصلاة والسلام، أنهما لم يكونا يفوضان أمورهما إلاَّ إلى الله الذي
لا يخفى عليه علم ما كان، وما هو كائن، لأن الآلهة لا تضر ولا تنفع، ولذلك قال، عَ لَّهِ:
((لقد علموا أنهم لم يستقسما بها قط)). لأنهم قد علموا أن آباءهم أحدثوها، وكان فيهم
بقية من دين إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، منها: الختان، وتحريم ذوات المحارم إلاَّ امرأة
الأب، والجمع بين الأختين.
قوله: ((قاتلهم الله)) أي: لعنهم الله. قال التيمي: يعني قاتل الله المشركين الذين صوروا
صورة إبراهيم وإسماعيل، عليهما الصلاة والسلام، ونسبوا إليهما الضرب بالقداح، وكانا بريئين

٣٥٥
٢٥ - کِتابُ الحَجّ / باب (٥٥)
من ذلك، وإنما هو شيء أحدثه الكفار الذين غيروا دين إبراهيم، عليه السلام، وأحدثوا أحداثاً.
قوله: ((أما والله). وفي رواية الأكثرين: أم والله، وحذف الألف منه للتخفيف، وكلمة: أما،
لافتتاح الكلام. قوله: ((قد علموا)) ويروى: ((لقد علموا))، بزيادة اللام لزيادة التأكيد، قيل:
وجه ذلك أنهم كانوا يعلمون إسم أول من أحدث الاستقسام بالأزلام، وهو عمرو بن لحي،
فكانت نسبتهم الاستقسام بالأزلام إلى إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام، افتراء عليهما.
قوله: ((لم يستقسما)) أي: إبراهيم وإسماعيل، عليهما الصلاة والسلام. قوله: ((بها))، أي:
بالأزلام، ويروى: بهما، مثنى، وهو باعتبار أن الأزلام على نوعين: خير وشر، وقد ذكرنا أن
الاستقسام طلب القسم، يعني: طلب معرفة ما قسم له وما لم يقسم له بالأزلام، وكذا معرفة
ما أمر به وما نهي عنه، وقيل: هو قسمهم الجزور على الأنصباء المعلومة. قوله: ((فدخل
البيت)) أي: فدخل النبي عَّلِ الكعبة، ((فكبر في نواحيه) أي: في جوانب البيت: ((ولم
يصل فيه)) صلاةً. فهذا ابن عباس نفى الصلاة وأثبت التكبير، وبلال أثبت الصلاة ولم يتعرض
للتكبير، وقد ذكرنا وجه ذلك مستقصىّ في: باب إغلاق البيت، وهذا البخاري صحح
حديث ابن عباس مع كونه يرى تقديم حديث بلال في إثبات الصلاة. فإن قلت: كيف وجه
هذا يصححه ويتركه؟ قلت: لم يترك لا حديث ابن عباس، ولا حديث بلال، وترجم هنا
بحديث ابن عباس لأجل الزيادة فيه، وهو التكبير في نواحي البیت، ولكنه قدم حديث ابن
عباس لوجهين: أحدهما: أنه لم يكن مع النبي عَّهِ يومئذ، وإنما أسند نفي الصلاة تارة لأسامة
وتارة لأخيه الفضل، مع أنه لم يثبت كون الفضل معهم إلا في رواية شاذة. والوجه الآخر:
إن قول المثبت يرحج لأن فيه زيادة العلم، والله تعالى أعلم.
٥٥ - بابٌ كيف كانَ بَدْءُ الرَّمَلِ
أي: هذا باب يذكر فيه كيفية ابتداء مشروعية الرمل في الطواف، والرمل، بفتح الراء
والميم: هو سرعة المشي مع تقارب في الخطوة. وفي (المحكم): رمل يرمل رملاً ورملاً:
إذا مشى دون العدو. قال القزاز: هو العدو الشديد. وفي الجمهرة: شبيه بالهرولة وفي
(الصحاح): هو الهرولة، وفي (المغيث) هو الخبب، وقيل: هو أن يهز منكبه ولا يسرع
العدو، وفي (كتاب المسالك) لابن العربي: هو مأخوذ من التحرك، وهو أن يحرك الماشي
منكبيه لشدة الحركة في مشيه.
١٩٤/ ١٦٠٢ _ حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَوْبٍ قال حدَّثنا حَمَّادٌ هُوَ ابنُ زَيْدٍ عِنْ أَيُّوبَ عَنْ
سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال قَدِمَ رسولُ الله عَ لَّه وَأَصْحَابُهُ فَقَالَ
المُشْرِكُونَ إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَقَدْ وهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ فأمَرَهُمُ النبيُّ عَّهِ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ
الثَّلاثَةَ وأَنْ يَمْشُوا ما بَيْنَ الرُّكْنينِ ولَمْ يَمْنَعْهُ أنْ يأمُرَهُمْ أنْ يَرْمُلُوا الأشْوَاطَ كُلَّهَا إلّ الإِنْقَاءُ
عَلَيْهِمْ. [الحديث ١٦٠٢ - طرفه في: ٤٢٥٦].
مطابقته للترجمة من حيث إن المذكور فيه أنه عَّهِ أمر القادمين معه إلى مكة أن

٣٥٦
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٥٥)
يرملوا، وكان هذا هو ابتداء مشروعية الرمل، ورجاله قد تكرروا.
وأعاد البخاري هذا الحديث في المغازي عن سليمان بن حرب أيضاً. وأخرجه مسلم
في الحج أيضاً عن أبي الربيع الزهراني. وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد. وأخرجه النسائي
فیه عن محمد بن سليمان لوبن.
ذكر معناه: قوله: ((قدم رسول الله، عٍَّ، وأصحابه)) أي: مكة. قوله: ((فقال
المشركون إنه يقدم عليكم)) بفتح الدال، والضمير في: أنه، يرجع إلى رسول الله، عَ لّه،
وفي: وهنهم، لأصحابه، وله وجه آخر يأتي بيانه عن قريب، وفي لفظ مسلم: ((فقال
المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا)». وفي لفظ
للبخاري: ((والمشركون من جبل قعيقعان))، وفي لفظ لمسلم: ((وكانوا يحسدونه))، وفي لفظ:
((وكان أهل مكة قوماً حسداً)، وفي رواية الإسماعيلي: ((يقدم عليكم قوم عراة، فأطلع الله نبيه
عَّمِ على ما قالوا، فأمرهم أن يرملوا وأن يمشوا)). وفي رواية ابن ماجه: ((قال عَلَّه لأصحابه
حين أرادوا دخول مكة في عمرته بعد الحديبية: إن قومكم غداً سيرونكم، فليرونكم جلداً.
فلما دخلوا المسجد الحرام استلموا الركن ورملوا وهو معهم)»، وللطبراني عن عطاء عن ابن
عباس، قال: من شاء فليرمل ومن شاء فلا يرمل، إنما أمر رسول الله عَّم بالرمل ليرى
المشركون قوته، وفي رواية الطبراني في (تهذيبه): لما اعتمر رسول الله عَّللم بلغه أن أهل
مكة يقولون: إن بأصحابه هزالاً. فقال لهم حين قدم: شدوا مآزركم وأعضاد كم، وارملوا حتى
يقول قومكم: إن بكم قوة، قال ثم حج رسول الله عَِّ فلم يرمل، قالوا: وإنما رمل في عمرة
العقبة، وفي إسناده حجاج بن أرطاة، وفي رواية أبي داود: أنه عَِّ وأصحابه اعتمروا من
جعرانة، يعني في عمرة القضاء، فرملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ثم قدموها على
عواتقهم اليسرى، وفي لفظ: ((كانوا إذا بلغوا الركن اليماني وتغيبوا من قريش مشوا، ثم إذا
اطلعوا عليهم يرملون، تقول قريش: كأنهم الغزلان)).
قوله: ((قد وهنهم)) ويروى ((وقد وهنهم)) بواو العطف، وحرف التقريب، والجملة
حالية، وهذا بحرف العطف وبحذفها رواية ابن السكن. وقال ابن قرقول: رواية الكافة بالفاء،
وهو الصواب يعني: وفد بمعنى الجماعة القادمين، فعلى هذا يكون ارتفاعه على أنه فاعل.
قوله: ((يقدم))، ويكون قوله وهنهم في محل الرفع لأنها تكون صفة لوفد، وعلى هذا يكون
الضمير في قوله ((إنه يقدم))، ضمير الشان، وعلى رواية ابن السكن: يرجع إلى رسول الله عَ ليه
كما ذكرنا عن قريب، ويروى: وهنهم، بالتشديد من التوهين. وقوله: ((حمى يثرب)) بالرفع
فاعله، والوهن الضعف، يقال: وهن يهن مثل: وعد، ووهن ورم، والواهن الضعيف في قوته لا
بطش عنده، وعن صاحب (العين): الوهن الضعف في العمل والأمر، وكذلك في العظم، وهَنَّ
الشيء وأوهنه، والوهن بفتح الهاء لغة في الوهن بالتسكين، ورجل واهن في الأمر والعمل،
وموهون في العظم والبدن، وعن ابن دريد: وهن يوهن. قوله: ((يثرب)) اسم مدينة الرسول عَ لّه
في الجاهلية. قوله: ((أن يرملوا))، بضم الميم أي: وأن يرملوا، و: أن، مصدرية، والتقدير:

٣٥٧
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٥٦)
يأمرهم بالرمل. قوله: ((الأشواط)) جمع شوط، بفتح الشين وهو الطلق، وهو مأخوذ من قولهم:
جرى الفرس شوطاً إذا بلغ مجراه، ثم عاد، فكل من أتى موضعاً ثم انصرف عنه فهو شوط،
والمراد ههنا: الطوفة حول الكعبة، وانتصاب الأشواط على الظرف. قوله: ((وأن يمشوا))، عطف
على قوله: ((أن يرملوا)). قوله: ((ما بين الركنين)) أي: اليمانيين. قوله: ((إلاَّ الإبقاء))، بكسر
الهمزة وبالباء الموحدة والقاف، وهو الرفق والشفقة، أي: لم يمنعه عَِّ من أمرهم بالرمل في
الكل إلاَّ الرفق بهم، وقال القرطبي: رويناه بالرفع على أنه فاعل يمنعهم، ويجوز النصب على
أن يكون مفعولاً من أجله.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: الرمل في الطواف. واختلف العلماء فيه: هل هو سنة من
سنن الحج لا يجوز تركها؟ أو ليس بسنة لأنه كان لعلة وقد زالت، فمن شاء فعله اختياراً؟
فروي عن عمر وابن مسعود وابن عمر: أنه سنة، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي
وأحمد. وقال آخرون: ليس بسنة، فمن شاء فعله ومن شاء تركه، روى ذلك ن جماعة من
التابعين منهم طاوس وعطاء والحسن والقاسم وسالم، وروي ذلك عن ابن عباس وجمهور
العلماء، على أن الرمل من الحجر إلى الحجر، وفي (التوضيح): ثم الجمهور على أنه
يستوعب البيت بالرمل، وفي قول: لا يرمل بين الركنين اليمانيين، والمرأة لا ترمل بالإجماع
لأنه يقدح في الستر وليست من أهل الجلد ولا تهرول أيضاً بين الصفا والمروة في السعي،
ورواه الشافعي عن ابن عمر وعائشة وجماعة، فإن ترك الرمل في الطواف والهرولة في السعي
بين الصفا والمروة، ثم ذكر وهو قريب، فمرة قال مالك: يعيد، ومرة قال: لا يعيد، وبه قال
ابن القاسم، واختلف أيضاً هل عليه دم أم لا. وفيه: جواز تسمية الطوفة شوطاً. ونقل عن
الشافعي كراهته. وفي (الأم): قال الشافعي: لا يقال شوط ولا دور، وعن مجاهد: لا تقولوا
شوطاً ولا شوطين، ولكن قولوا: دور او دورين وفيه: ما يؤخذ جواز إظهار القوة بالعدة
والسلاح ونحو ذلك للكفار إرهاباً لهم، ولا يعد ذلك من الرياء. وفيه: جواز المعاريض
بالفعل، كما يجوز بالقول، وربما يكون بالفعل أولى.
٥٦ - بابُ اسْتِلاَمِ الحَجَرِ الأسْوَدِ حِينَ يَقْدَمُ مَكّْةَ أوَّلَ مَا يَطُوفُ ويَرْمُلُ ثَلاثاً
أي: هذا باب في بيان استلام الحجر الأسود، والاستلام هو المسح باليد، مشتق من
السلام الذي هو التحية. وقيل: من السلام بكسر السين، وهو الحجارة. وقال ابن سيده:
استلم الحجر واستلأمه، بالهمزة، أي: قبله أو اعتنقه، وليس أصله الهمز، ويقال استلمت
الحجر إذا لمسته. كما يقال: اكتحلت من الكحل، وفي (الجامع) وقيل: هو استفعل من
اللأمة، واللأمة هي الدرع والسلاح وإنما يلبس اللأمة ليمتنع بها من الأعداء، فكان هذا إذا
لمس الحجر فقد تحصن من العذاب. قوله: ((أول))، منصوب على الظرف، ظرف للاستلام.
قوله: ((ثلاثاً)) أي: ثلاث مرات.
... / ١٦٠٣ - حدَّثنا أصْبَغُ بنُ الفَرَجِ قال أخْبَرَنِي ابنُ وَهْبٍ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ

٣٥٨
٢٥ - كِتَابُ الحَجُ / باب (٥٦)
شِهَابٍ عَنْ سالِم عنْ أبيهِ رضي الله تعالى عنهُ قال رَأيْتُ رسول الله عَ لَّهِ حينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ إِذَا
اسْتَلَمَ الُكْنَ الأَسْوَدَ أوَّلَ ما يَطُوفُ يَخُبُ ثَلاثَةَ أُطْوَافٍ مِنَ السَّبْع. [الحديث ١٦٠٣ -
أطرافه في: ١٦٠٤، ١٦١٦، ١٦١٧، ١٦٤٤].
مطابقته للترجمة ظاهرة جداً لأن معناه معنى الترجمة سواء، وابن وهب هو عبد الله بن
وهب المصري، ويونس بن يزيد الأيلي، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري، وسالم بن
عبد الله بن عمر يروي عن أبيه عبد الله.
وأخرجه مسلم في الحج أيضاً عن أبي الطاهر. وحرملة، وأخرجه النسائي فيه عن أبي
الطاهر وسليمان بن داود، كلهم عن ابن وهب به.
قوله: ((إذا استلم) ظرف لا شرط، وبدل عن قوله: ((حين يقدم). قوله: ((أول))، نصب
على الظرف مضاف إلى كلمة: ما، المصدرية. قوله: ((يخب)) في محل النصب على أنه
مفعول ثان لقوله: ((رأيت))، وهو بفتح ياء المضارعة وكسر الخاء المعجمة وتشديد الباء
الموحدة: من الخبب، وهو ضرب من العدو. وقيل: خب الفرس إذا نقل أيامنه وأياسره
جميعاً. وقيل: هو أن يراوح بين يديه، وقيل: الخبب السرعة، وقد خبت الدابة تخب خبباً
وخبيباً وأخبت وقد أخبها ذكره ابن سيده. وفي (المنتهى) يقال: خب خبيباً وأخبه صاحبه
إخباباً. وفي (الجمهرة) وأخبيته أنا، وفي الكفاية لأبي إسحاق الأجداني: إذا ارتفع سير البعير
حتى يكون عدواً يراوح بين يديه، فذلك الخبب. قوله: ((ثلاثة))، وإن كان مبهماً، لكن
المقصود منه الثلاثة الأول. قوله: ((من السبع)) أي: الطوفات السبع، ويروى: السبعة، باعتبار
الأطراف. وقالت النحاة: إذا كان المميز غير مذكور جاز في العدد التذكير والتأنيث.
ذكر ما يستفاد منه: إن سنة الداخل إلى المسجد الحرام أن يبدأ بالحجر الأسود
فيقبله، ثم الخبب، إنما يشرع في طواف يعقبه سعي ويتصور ذلك في طواف القدوم
والإفاضة، ولا يتصور في طواف الوداع لأن شرطه أن يكون قد طاف طواف الإفاضة، فعلى
هذا القول إذا طاف للقدوم، وفي نيته أن يسعى بعده استحب الرمل فيه، وإن لم يكن هذا
في نيته لم يرمل في طواف الإفاضة. وقال النووي: وثمة قول آخر، وهو أنه يرمل في طواف
القدوم سواء أراد السعي بعده أم لا، وروى الحاكم عن عطاء عن أبي سعيد أن رسول الله
◌َّه لم يرمل في السبع الذي أفاض فيه، وقال عطاء: لا رمل فيه. وقال الكرماني: فإن قلت:
يفهم منه أن الرمل إنما هو في جميع المطاف، ومن الحديث الأول حيث قال فيه: ((وليمشوا
بين الركنين)) أنه في بعضه. قلت: قال النووي، ذلك منسوخ لأنه كان في عمرة القضاء سنة
سبع، قبل الفتح، وكان بالمسلمين ضعف في أبدانهم، وإنما رملوا إظهاراً للقوة والاحتياج إليه
كان في غير الركنين اليمانيين، لأن المشركين كانوا جلوساً في الحجر ولا يرونهم من هذين
الركنين، ويرونهم فيما سواهما، فلما حج رسول الله عَ ل حجة الوداع سنة عشر رمل من
الحجر إلى الحجر، فوجب الأمر بالمتأخر.

٣٥٩
٢٥ - كِتَابُ الحَجُّ / باب (٥٧)
٥٧ - بابُ الرَّمَلِ في الحَجِّ والْعُمْرَةِ
أي: هذا باب في بيان مشروعية الرمل في بعض الطواف، وأشار بهذا إلى أن الذي
عليه الجمهور هذا، وذلك لأنه روي عن ابن عباس أنه: ليس بسنة، من شاء رمل ومن شاء لم
يرمل.
١٦٠٤/١٩٦ - حدَّثني مُحَمَّدٌ قال حدثنا سُرَيْخُ بنُ النُّعْمَانِ قال حدثنا فُلَيْحٍ عنْ نَافِعِ
عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قال سَعَى النبيُّ عَّ ثَلاثَةً أُشْوَاطٍ ومَشَى أَرْبَعَةً فِي
الحَجِّ والْعُمْرَةِ. [انظر الحديث ١٦٠٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((في الحج والعمرة)).
ذكر رجاله: وهم: خمسة: الأول: محمد، ذكر غير منسوب وذكر فيه أربعة أقوال:
الأول: قول الحاكم هو محمد بن يحيى الذهلي. الثاني: هو محمد بن رافع حكاه
الجياني. الثالث: محمد بن سلام حكاه أبو علي ابن السكن. الرابع: محمد بن عبد الله بن
نمير حكاه أبو نعيم في (مستخرجه) قيل: الصواب أنه ابن سلام، كما نسبه أبو ذر، وحكاه
ابن السكن. لا يقال إنه اشتباه يقدح، لأنا نقول: إنه روى عنهم، فلا بأس بهذا الاشتباه فلا
قدح. الثاني: سريج، بضم السين المهملة المهملة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف
وفي آخره جيم ابن النعمان الجوهري البغدادي. الثالث: فليح، بضم الفاء وفتح اللام وسكون
الياء آخر الحروف، وفي آخره حاء مهملة: ابن سليمان، وقد مر في أول كتاب العلم. الرابع:
نافع مولى ابن عمر. الخامس: عبد الله بن عمر.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في
موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: أن شيخ شيخه شيخه
أيضاً لأنه روى عن سريج أيضاً. وقد قيل: إن المراد من قوله: حدثني محمد هو البخاري
نفسه، فعلى هذا يكون راوياً عن شيخه سريج بن النعمان. وفيه: أن فليحاً اسمه عبد الملك
وغلب عليه لقبه فليح، وكنيته أبو يحيى وهو مدني.
قوله: ((سعى)) أي: رمل في الطوفات الثلاث الأول. قوله: ((في الحج)) أي: في حجة
الوداع. قوله: ((والعمرة)) وهي عمرة القضية، لأن الحديبية لم يمكن فيها من الطواف،
والجعرانة لم يكن ابن عمر معه فيها، ولهذا أنكرها.
تابَعَهُ اللَّيْثُ قال حدَّثني كَثِيرُ بنُ فَرْقَدٍ
عَنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما عن النبيِّ عَّجم
أي: تابع سريجاً الليثُ بن سعد، وهذه المتابعة رواها النسائي من طريق شعيب بن
الليث عن أبيه فذكره، ورواها البيهقي من طريق يحيى بن بكير عن الليث، قال: حدثني ...
فذكره بلفظ: أن عبد الله بن عمر كان يخب في طوافه حين يقدم في حج أو عمرة ثلاثاً

٣٦٠
٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٥٧)
ويمشي أربعاً، قال: وكان رسول الله عَ لّه يفعل ذلك.
١٦٠٥/١٩٧ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قال أخبرَنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قال أخبرَنِيِ زَيْدُ
، بنُ أسْلَمَ عَنْ أبيهِ أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رضي الله تعالى عنهُ قال لِلُّكْنِ أَمَا وَالله إنِّي لأَعْلَمُ
أَنَّكَ حَجَرٌ لاَ تَضُرُ وِلاَ تَنْفَعُ وَلَوْلا أَنِّي رَأيْتُ النبيَّ عَ لَّ اسْتَلَمَكَ ما اسْتَلَمْتُكَ فاسْتَلَمَهُ ثُمَّ
قال فَمَا لَنَا وَلِلرَّمْلِ إِّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا بِهِ المُشْرِكِينَ وقَدْ أَهْلَكَهُمْ الله ثُمَّ قال شَيءٌ صَنَعَهُ النبيُّ
عَ لَّهِ فَلاَ نُحِبُّ أنْ نَتْرُكَهُ. [انظر الحديث ١٥٩٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري وزيد بن أسلم أبو
أسامة يروي عن أبيه أسلم مولى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، يكنى أبا خالد، كان
من سبي اليمن، مات وهو ابن أربع عشرة ومائة سنة.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً عن أحمد بن سنان عن يزيد بن هارون. وأخرجه
مسلم فيه عن هارون بن سعيد. وأخرجه النسائي فيه عن عيسى بن إبراهيم الغافقي.
قوله: ((قال للركن)) أي: للحجر الأسود خاطبه بذلك ليسمع الحاضرون. قوله: ((ثم
قال)) أي: بعد استلامه. قوله: (ما لنا وللرمل))، ويروى: والرمل، بغير لام، والنصب فيه على
الأفصح. وفي رواية أبي داود من طريق هشام بن سعيد عن زيد بن أسلم: ((فيم الرمل
والكشف عن المناكب؟» الحديث. قوله: ((إنما كنا راءينا)) من المراءاة، أي: أردنا أن نظهر
القوة للمشركين بالرمل ليعلموا أنا لا نعجز عن مقاومتهم، ولا نضعف عن محاربتهم، وقد
أهلكهم الله تعالى فما لنا حاجة اليوم إلى ذلك؟ وقال عياض: راءينا، بوزن: فاعلنا، من الرؤية
أي: أريناهم بذلك أنا أقوياء. وقال ابن مالك: من الرياء، أي: أظهرنا القوة ونحن ضعفاء ولهذا
روى: رايينا، بياءين حملاً له على الرياء. قلت: الذي قاله ابن مالك هو على منهج الصواب
دون ما قاله عياض يظهر بالتأمل. قوله: ((وقد أهلكهم الله))، الواو فيه للحال.
قوله: ((شيء صنعه النبي)، ارتفاع: شيء، على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هذا شيء
صنعه رسول الله، عَّهِ. فإن قلت: لا يجوز أن يكون: شيء مبتدأ؟ وقوله: ((فلا نخب)) خبره؟
قلت: شرط المبتدأ الذي يتضمن من معنى الشرط أن لا يكون معيناً نحو: كل رجل يأتيني
فله درهم، وهذا شيء معين، أللهم، إلاَّ أن يقال: المعنى: كل شيء صنعه النبي، عَّه، إنما
صنعه لإظهار الجلد والقوة للمشركين، فلما أهلكهم الله لا حاجة به، ثم استدرك فقال: لما
فعله رسول الله، عَّلَّهِ، فلا نحب أن نتركه اتباعاً له. قال الخطابي: كان عمر، رضي الله
تعالى عنه، طلوباً للآثار، بحوثاً عنها وعن معانيها لما رأى الحجر يستلم ولا يعلم فيه سبباً
يظهر للحس، أو يتبين في العقل، ترك فيه الرأي وصار إلى الاتباع، ولما رأى الرمل قد ارتفع
سببه الذي كان قد أحدث من أجله في الزمان الأول هَمَّ بتركه، ثم لاذ باتباع السنة متبركاً
به، وقد يحدث شيء من أمر الدين بسبب من الأسباب فیزول ذلك السبب ولا یزول حکمه،
كالعرايا والاغتسال للجمعة. وقال الطبري: ثبت أن النبي، عَّةِ، رمل في حجته ولا مشرك