النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (١٨) وفي المستقبل بالضم وهو خطأ. وعن الفراء وابن الأعرابي: يقال: شممت أشم، شممت أشم والأولى أفصح، ويقال في مصدره: الشم والشميم وتشممته تشمماً. وقال الزمخشري: وقد جاء في مصدره: شميمي على وزن: فعيلي كالخطيطي. وقال ابن درستويه: معنى الشم استنشاق الرائحة، وقد يستعار في غير ذلك في كل ما قارب شيئاً أدنى منه. قوله: ((ويتداوى بما يأكل)) أي: بالذي يأكل منه قوله: ((الزيت والسمن)) بالجر فيهما. قال الكرماني: لأنه بدل أو بيان لما يأكل. وقال ابن مالك: بالجر عطف على: ما، الموصولة فإنها مجرورة بالباء أعني: في قوله بما قيل. وقع بالنصب وليس المعنى عليه لأن الذي يأكل هو الآكل لا المأكول. لكن يجوز على الاتساع. قلت: لا حاجة إلى هذا التعسف، بل يكون منصوباً على تقدير: أعني الزيت والسمن، عطف عليه، ويجوز الرفع فيهما على أن يكون الزيت خبر مبتدأ محذوف أي: هو الزيت والسمن، عطف عليه. وقال عَطَاءٌ يَتَخَتَّمُ ويَلْبَسُ الهِمْيَانَ عطاء: ابن أبي رباح. قوله: ((يتختم)) أي: يلبس الخاتم، ووصل هذا التعليق ابن أبي شيبة، حدثنا وكيع حدثنا هشام بن الغاز عن عطاء، قال: لا بأس بالخاتم للمحرم. وحدثنا المحاربي عن العلاء عن عطاء، قال: لا بأس بالخاتم للمحرم. وحدثنا وكيع عن سفيان عن أبي إسحاق عنه، وعن ابن عباس بسند صحيح: لا بأس بالخاتم للمحرم. وعن أبي الهيثم عن النخعي ومجاهد مثله. وقال خالد بن أبي بكر: رأيت سالم بن عبد الله يلبس خاتمه وهو محرم، وكذا قاله إسماعيل بن عبد الملك عن سعيد بن جبير. قوله: ((ويلبس الهميان))، بكسر الهاء معرّب، هو شبه تكة السراويل تجعل فيها الدراهم وتشد على الوسط. وفي (المغيث): قيل هو فعلان من: همى، إذا سال لأنه إذا أفرغ همي ما فيه، وفسر ابن التين الهميان: بالمنطقة، وأخرج الدارقطني من طريق شريك عن أبي إسحاق عن عطاء. ربما ذكره عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: لا بأس بالهميان والخاتم للمحرم. وأخرجه الطبراني وابن عدي من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعاً وإسناده ضعيف. وقال ابن عبد البر: وأجمع عوام أهل العلم على أن للمحرم أن يشد الهميان على وسطه. وروي ذلك عن ابن عباس وسعيد بن المسيب والقاسم وعطاء وطاوس والنخعي وهو قول مالك والكوفيين والشافعي وأحمد وأبي ثور غير إسحاق فإنه قال: لا يعقده ويدخل السيور بعضها في بعض. وسئلت عائشة عن المنطقة، فقالت: أوثق عليك نفقتك. وقال ابن علية: قد أجمعوا على أن للمحرم أن يعقد الهميان والإزار على وسطه وكذلك المنطقة. وقول إسحاق لا يعد خلافاً ولاحظ له في النظر لأن الأصل النهي عن لباس المخيط وليس هذا مثله، فارتفع أن يكون له حكمه. وقال ابن التين: إنما ذلك ليكون نفقته فيها، وأما نفقة غيره فلا، وإن جعلها في وسطه لنفقته ثم نفدت نفقته وكان معها وديعة ردها إلى صاحبها، فإن تركها افتدى، وإن كان صاحبها غاب بغير علمه فينفقها ولا شيء عليه، ويشد المنطقة من تحت الثياب. ٢٢٢ ٢٥ - كِتَابُ الحَجُّ / باب (١٨) وطَافَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما وهوَ مخرِمٌ وقَّدْ خَزَمَ عَلَى بِطْنِهِ بِقَوْپٍ الواو في: وهو، وقد حزم، للحال. أي: شد، وهذا التعليق وصله الشافعي من طريق طاوس، قال: رأيت ابن عمر يسعى وقد حزم على بطنه بثوب. وعن سعيد عن إسماعيل بن أمية أن نافعاً أخبره أن ابن عمر لم يكن عقد الثوب عليه، إنما غرز طرفه على إزاره. وعن ابن أبي شيبة: حدثنا ابن فضيل عن ليث عن عطاء وطاوس، قالا: رأينا ابن عمر وهو محرم وقد شد حقويه بعمامة. وحدثنا وكيع عن ابن أبي ذئب عن مسلم بن جندب: سمعت ابن عمر يقول: لا تعقد عليك شيئاً وأنت محرم، وحدثنا ابن علية عن هشام بن حجير، قال: رأى طاوس ابن عمر يطوف وقد شد حقويه بعمامة. وروى الحاكم بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: حج النبي عَّه وأصحابه مشاة، فقال: اربطوا على أوساطكم مآزركم، وامشوا خلط الهرولة. وفي (التوضيح): اختلف في الرداء الذي يلتحف به على مئزره، فكان مالك لا يرى عقده ويلزمه الفدية إن انتفع به، ونهى عنه ابن عمر وعطاء وعروة، ورخص فيه سعيد بن المسيب، وكرهه الكوفيون وأبو ثور، وقالوا: لا بأس عليه إن فعل. وحكي عن مالك أنه رخص للعامل أن يحزم الثوب على منطقته، وكرهه لغيره. ولَمْ تَرَ عائِشَةُ رضي الله تعالى عنها بالتُّبَانِ بأساً لِلَّذِينَ يَرْحَلُونَ هَؤْدَجَهَا التبان، بضم التاء المثّناة من فوق وتشديد الباء الموحدة وبعد الألف نون: وهو سراويل قصير جداً وهو مقدار شبر ساتر للعورة الغليظة فقط، ويكون للملاحين والمصارعين. قوله: ((يرحلون)) بفتح الياء وسكون الراء وفتح الحاء المهملة، قال الجوهري: تقول: رحلت البعير أرحله، بفتح أوله، رحلاً، إذا شددت على ظهره الرحل. قوله: ((هودجها))، بفتح الهاء وبالجيم، وهو مركب من مراكب النساء مقتب وغير مقتب، وتعليق عائشة، رضي الله تعالى عنها وصله سعيد بن منصور من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة: أنها حجت ومعها غلمان لها، وكانوا إذا شدوا رحلها يبدو منهم الشيء، فأمرتهم أن يتخذوا التبابين فيلبسوها وهم محرمون. وأخرجه من وجه آخر مختصراً بلفظ: يشدون هودجها، وفي هذا رد على ابن التين في قوله: أرادت النساء، لأنهن يلبسن المخيط بخلاف الرجال، وكأن هذا رأي رأته عائشة وإلاَّ فالأكثر على أنه لا فرق بين التبان والسراويل في منعه للمحرم. وفي (التوضيح): التبان لبسه حرام عندنا كالقميص والدراعة والخف ونحوها، فإن لبس شيئاً من ذلك مختاراً عامداً أثم وأزاله وافتدى، سواء قصر الزمان أو طال. ١٣٢/ ١٥٣٧ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ يُوسُفُ قال حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قال كانَ ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما يَدَّهِنُ بِالزَّيْتِ فَذَكَوْتُهُ لإِبْرَاهِيمَ قال ما تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ. ... / ١٥٣٨ _ حدَّثني الأسْوَدُ عنْ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ كأنِّي أَنْظُرُ ٢٢٣ ٢٥ - كِتَابُ الحَجِّ / باب (١٨) إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رسولِ اللهِ عَ لَّهِ وَهْوَ مُخْرِمٌ. [انظر الحديث ٢٧١ وطرفيه]. مطابقته للترجمة من حيث إن وبيص هذا الطيب كان من الطيب الذي تطيب به عَ ليه عند إرادة الإحرام. ذكر رجاله: وهم ثمانية كلهم قد ذكروا، ومحمد بن يوسف هو الفريابي، وسفيان هو الثوري، ومنصور هو ابن المعتمر، وإبراهيم هو النخعي والأسود هو ابن زيد، ورجال هذا الإسناد كلهم كوفيون ما خلا ابن عمر. ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الحج عن قتيبة وعن إسحاق بن إبراهيم. وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن الصباح البزار. وأخرجه النسائي فيه عن أحمد بن منصور وعن محمد بن عبد الله المخرمي. وأخرجه الطحاوي من ثمانية عشر طريقاً عن الأسود عن عائشة مثل رواية البخاري، غير أن لفظه: في مفرق رسول الله عٍَّ، وعن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عائشة: أنها كانت تطيب النبي، عَّ له، بأطيب ما تجد من الطيب، قالت: حتى أرى وبيض الطيب في رأسه ولحيته. وعن عروة عن عائشة قالت: طيبت رسول الله سَ التٍّ، بأطيب ما أجد. وعن القاسم عنها، قالت: طيبت رسول الله، عَّ له، بيدي لإحرامه قبل أن يحرم. وعن ابن عمر عنها، قالت: كنت أطيب رسول الله، عَ لّم، بالغالية الجيدة عند إحرامه. وعن القاسم عنها، قالت: طيبت رسول الله، عَّهِ، لحرمه حين أحرم. وعن عطاء، عنها: طيبت رسول الله، عَّهِ، للحل والإحرام. وفي رواية الترمذي من حديث عبد الرحمن ابن القاسم عن أبيه عن عائشة، قالت: طيبت رسول الله، عَّهِ، قبل أن يحرم، ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك. وروى ابن أبي شيبة عن شريك عن أبي إسحاق عن الأسود عنها: كان يتطيب قبل أن يحرم فيرى أثر الطيب في مفرقه بعد ذلك بثلاث. وروى أيضاً عن ابن فضيل عن عطاء بن السائب عن إبراهيم عن الأسود عنها: ((رأيت وبيص الطيب في مفارق رسول الله عَ له بعد ثلاث وهو محرم)) وعند النسائي: ((بعد ثلاث وهو محرم))، وفي أخرى: ((في أصول شعره))، وفي لفظ: ((إذا أراد أن يحرم ادّهن بأطيب دهن يجده حتى أرى وبيصه في رأسه ولحيته)). وعند الدارقطني من حديث ابن عقيل عن عروة عنها: ((كان رسول الله، عَ لّه، إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بخطمى وأشنان ودهنه بزيت غير كثير)). وفي (مسند أبي محمد الدارمي): (طيبت رسول الله، عَّه، لحرمه وطيبته بمنى قبل أن يفيض). وعند أبي الطوسي: ((طيبته قبل أن يحرم ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك)). ذكر معناه: قوله: ((يدهن بالزيت)) أي: عند الإحرام بشرط أن لا يكون مطيباً. وقال الكرماني. ((يدهن بالزيت)) أي: لا يتطيب. وتقدم في: باب من تطيب، في كتاب الغسل أن ابن عمر قال: ما أحب أن أصبح محرماً أنضح طيباً. قوله: ((فذكرته)) أي: قال منصور: ذكرت امتناع ابن عمر من التطيب لإبراهيم النخعي. قوله: ((ما تصنع بقوله؟)) أي: بقول ابن عمر، ٢٢٤ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (١٨) أي: ماذا تصنع بقوله حيث ثبت ما ينافيه من فعل رسول الله عَّه؟ وقال الكرماني: يجوز أن يكون الضمير في: بقوله، عائداً إلى رسول الله عَ لّه ثم قال: فإن قلت: هذا فعل الرسول وتقريره لا قوله قلت: فعله في بيان الجواز، كقوله. قوله: ((كأني أنظر)) أرادت بذلك قوة تحققها لذلك، بحيث أنها لشدة استحضارها له كأنها ناظرة إليه. قوله: ((إلى وبيص))، بفتح الواو وكسر الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره صاد مهملة، وهو: البريق، والمراد: أثر الطيب لا جرمه. وقال الإسماعيلي: الوبيص زيادة على البريق، والمراد به: التلألؤ، وهو يدل على وجود عين قائمة، لا الريح فقط. قوله: ((في مفارق)) جمع: مفرق، وهو وسط الرأس، وإنما جمع تعميماً لجوانب الرأس التي يفرق فيها. وقال الجوهري: قولهم للمفرق مفارق كأنهم جعلوا كل موضع منه مفرقاً. قوله: ((وهو محرم))، الواو في للحال. ذكر ما يستفاد منه: احتج به أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر في أن المحرم إذا تطيب قبل إحرامه بما شاء من الطيب مسكاً كان أو غيره، فإنه لا بأس به، ولا شيء عليه سواء كان مما يبقى عليه بعد إحرامه أو لا ولا يضره بقاؤه عليه، وبه قال الشافعي وأصحابه وأحمد والثوري والأوزاعي، وهو قول عائشة راوية الحديث، وسعد بن أبي وقاص وابن عباس وابن الزبير، وابن جعفر وأبي سعيد الخدري، وجماعة من التابعين بالحجاز والعراق، وفي (شرح المهذب): استحبه عند إرادة الإحرام معاوية وأم حبيبة وابن المنذر وإسحاق وأبو ثور، ونقله ابن أبي شيبة عن عروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وإبراهيم في رواية، وذكره ابن حزم عن البراء بن عازب وأنس بن مالك وأبي ذر والحسين بن علي وابن الحنفية والأسود والقاسم وسالم وهشام بن عروة وخارجة بن زيد وابن جريج. وقال آخرون، منهم عطاء والزهري وسعيد بن جبير وابن سيرين والحسن: لا يجوز أن يتطيب المحرم قبل إحرامه بما يبقي عليه رائحته بعد الإحرام، وإذا أحرم حرم عليه الطيب حتى يطوف بالبيت، وإليه ذهب محمد بن الحسن، واختاره الطحاوي، وهذا مذهب عمر وعثمان وابن عمر وعثمان بن العاص. وقال الطرطوشي: يكره الطيب المؤنث كالمسك والزعفران والكافور والغالية والعود ونحوها، فإن تطيب وأحرم به فعليه الفدية، فإن أكل طعاماً فيه طيب، فإن كانت النار مسته فلا شيء عليه، وإن لم تمسه النار ففيه وجهان، وأما غير المؤنث مثل الرياحين والياسمين والورد فليس من ذلك ولا فدية فيه أصلاً، والطيب المؤنث طيب النساء: كالخلوق والزعفران، قاله شمر. وأما شم الريحان ففي (شرح المهذب): الريحان الفارسي والمرزنجوش واللينوفر والنرجس فيها قولان: أحدهما: يجوز شمها لما روي عن عثمان، رضي الله تعالى عنه، أنه سئل عن المحرم يدخل البستان قال: نعم ويشم الريحان. والثاني: لا يجوز لأنه يراد للرائحة، فهو كالورد والزعفران، والأصح تحريم شمها ووجوب الفدية، وبه قال ابن عمر وجابر والثوري ومالك وأبو حنيفة وأبو ثور إلاَّ أن أبا حنيفة ومالكاً يقولان: يحرم ولا فدية. وقال ابن المنذر واختلف في الفدية عن عطاء وأحمد، وممن جوزه وقال: هو حلال ولا فدية فيه عثمان وابن عباس والحسن ومجاهد وإسحاق، رضي الله تعالى عنهم، قال العبدري: وهو قول أكثر العلماء، ٢٢٥ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (١٨) وفي (التوضيح): الحناء عندنا ليس طيباً، خلافاً لأبي حنيفة، وعند مالك وأحمد: فيه الفدية. وقالت عائشة: وكان عَّمِ يكره ريحه، أخرجه ابن أبي عاصم في (كتاب الخضاب) وكان يحب الطيب فلو كان طيباً لم يكرهه. قلت: روى أبو يعلى في (مسنده) عن أنس، رضي الله تعالى عنه، أن النبي عَ لّم قال: اختضبوا بالحناء، فإنه طيب الريح يسكن الدوخة. وأما الطيب بعد رمي الجمرة فقد رخص فيه ابن عباس وسعد بن أبي وقاص وابن الزبير وعائشة وابن جبير والنخعي وخارجة بن زيد، وهو قول الكوفيين والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وكرهه سالم ومالك، وقال ابن القاسم: ولا فدية لما جاء في ذلك، ولما كان الطحاوي مع محمد بن الحسن فيما ذهب إليه أجاب عن حديث الباب الذي احتج به أبو حنيفة وأبو يوسف وآخرون، فقال: وكان من الحجة له أي: لمحمد بن الحسن في ذلك أن ما ذكر في حديث عائشة من تطيب رسول الله عَ ل عند الإحرام إنما فيه أنها كانت تطيبه إذا أراد أن يحرم، فقد يجوز أن يكون كانت تفعل ذلك له ثم يغتسل إذا أراد أن يحرم فيذهب بغسله عنه ما كان على بدنه من طيب ويبقى فيه ريحه. وادعى ابن القصار والمهلب: أنه كان من خواصه عَ لَّهِ، وزاد المهلب معنى آخر: أنه خص به لمباشرته الملائكة بالوحي وغيره، وقد ذ کرناه. ١٥٣٩/١٣٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ عَبْدِ الرَّحمن بنِ القَاسم عنْ أبيهِ عنْ عائشةَ رضي الله تعالى عنها زَوْجِ النبيِّ عَ لَّهِ قَالَتْ كُنت أَطَيِّبُ رسولَّ الله عَّ لِ لِإِحِرَامِهِ حِينَ يُخْرَمُ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أنْ يَطوفَ بِالَبَيْتِ. [الحديث ١٥٣٩ - أطرافه في: ١٧٥٤، ٥٩٢٢، ٥٩٢٨، ٥٩٣٠]. وهذا طريق آخر في حديث عائشة. وقال أبو عمر: حديث عائشة هذا صحيح ثابت لا يختلف أهل العلم في صحته وثبوته، وقد روي عن عائشة من وجوه. قلت: قد ذكرنا أن الطحاوي أخرجه من ثمانية عشر طريقاً. قوله: ((لإحرامه)) أي: لأجل إحرامه، وفي رواية مسلم والنسائي ((حين أراد أن يحرم)). قوله: ((ولحله)) أي: ولتحلله من محظورات الإحرام، وذلك بعد أن يرمي ويحلق. وقد ذكرنا الخلاف فيه عن قريب. وقيل: استدل بقول عائشة: كنت أطيب ... ، على أن: كان، لا تقتضي التكرار لأنها لم يقع ذلك منها إلاَّ مرة واحدة، وقد صرحت في رواية عروة عنها بأن ذلك كان في حجة الوداع، وكذا استدل به النووي في (شرح مسلم) واعترض بأن المدعى تكراره إنما هو التطيب لا الإحرام، ولا مانع من أن يتكرر التطيب لأجل الإحرام مع كون الإحرام مرة واحدة. وقال الإمام فخر الدين: إن: كان، لا تقتضي التكرار ولا الاستمرار، وجزم ابن الحاجب بأنها تقتضيه. وقال بعض المحققين، تقتضي التكرار، ولكن قد تقع قرينة تدل على عدمه. قلت: كان، تقتضي الاستمرار بخلاف: صار، ولهذا لا يجوز أن يقال في موضع: كان الله، أن يقال. صار. وقال بعضهم: هذا اللفظ يعني لفظ: كنت، في قول عائشة: كنت أطيب رسول الله عَّ ◌َلِّ، لم تتفق الرواة عنها عليها، فسيأتي للبخاري من طريق سفيان بن عيينة عن عبد عمدة القارىء / ج٩ / م١٥ ٢٢٦ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (١٨) الرحمن بن القاسم شيخ مالك فيه هنا بلفظ: طيبت رسول الله عَليه، وسائر الطرق ليس فيها صيغة: كان. قلت: في رواية مسلم عن الأسود عن عائشة: إني كنت لأنظر إلى وبيص الطيب، وفي رواية النسائي: عن عروة عنها، قالت: كنت أطيب ... وفي رواية الطحاوي أيضاً: عن الأسود عنها: أنها كانت تطيب ... رواها من طريق الفريابي عن مالك بن مغول عن عبد الرحمن بن الأسود عنها، وكذا روى من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن ابن الأسود عن أبيه عنها: كانت تطيب، وهذا القائل كأنه لم يطلع على هذه الروايات، فلهذا ادعى بقوله: وسائر الطرق ليس فيها صيغة: كان، وهذه التي ذكرناها فيها صيغة: كان و کنت. وفيه: استحباب التطيب عند إرادة الإحرام وجواز استدامته بعد الإحرام، كما ذكرناه مفصلاً، وعن مالك: يحرم، وعنه في وجوب الفدية قولان. واحتجت المالكية فيه بأشياء: منها: أنه عَّ اغتسل بعد أن تطيب كما في حديث إبراهيم بن المنتشر الذي تقدم في الغسل، ثم طاف على نسائه ثم أصبح محرماً، والمراد من الطواف: الجماع، وكان من عادته أن يغتسل عند كل واحدة، فالضرورة ذهاب أثر الطيب، ورد هذا بحديث: ثم أصبح محرماً ينضح طيباً، وهذا لا يشك أن: نضح الطيب، وهو رائحته كان في حال إحرامه. فإن قلت: إن فيه تقديماً وتأخيراً، والتقدير: طاف على نسائه ينضح طيباً، ثم أصبح محرماً؟ قلت: هذا خلاف الظاهر: ويرده أيضاً ما في رواية مسلم: كان إذا أراد أن يحرم يتطيب بأطيب ما يجد، ثم أراه في رأسه ولحيته بعد ذلك، وفي رواية النسائي وابن حبان: رأيت الطيب في مفرقه بعد ثلاث، وهو محرم، فإن قلت: كان الوبيص بقايا الدهن المطيب فزال وبقي أثره من غير رائحة؟ قلت: قول عائشة: ينضح طيباً، يرد هذا. فإن قلت: بقي أثره لا عينه؟ قلت: ليس في شيء من طرق حديث عائشة أن عينه بقيت، قاله ابن العربي. قلت: قد روى أبو داود وابن أبي شيبة من طريق عائشة بنت طلحة عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: كنا نضمخ وجوهنا بالمسك المطيب قبل أن نحرم، ثم نحرم فتعرق فيسيل على وجوهنا، ونحن مع رسول الله، عَّ له، فلا ينهانا. وفي رواية: كنا نخرج مع النبي عَ لَّ فتضمد جباهنا بالمسك المطيب عند الإحرام فإذا عرقت إحدانا سال على وجوهنا فيراه النبي عَّم فلا ينهانا فهذا صريح في بقاء عين الطيب. فإن قلت: هذا خاص بالنساء؟ قلت: لا نسلم ذلك، لأن النساء والرجال سواء في تحريم استعمال الطيب، إذا كانوا محرمين. فإن قلت: كان ذلك الطيب لا رائحة له، دل عليه رواية الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة، رضي الله تعالى عنها: بطيب لا يشبه طيبكم، قال بعض رواته: يعني لا بقاء له، أخرجه النسائي قلت: يرد هذا ما رواه مسلم من رواية منصور بن زادان عن عبد الرحمن بن القاسم: بطيب فيه مسك، وفي رواية الطحاوي عن عائشة: بالغالية الجيدة، كما ذكرناه، فهذا يدل على أن معنى قولها: بطيب لا يشبه طيبكم: أطيب من طيبكم، لا كما فهمه بعض رواته. ومنها: أنهم ادعوا أن هذا من خصائصه عَّ له، وقد أجبنا عن ذلك عن قريب. ومنها: ما ٢٢٧ ٢٥ - كِتَابُ الحَجِّ / باب (١٩) قاله بعضهم: بأن عمل أهل المدينة على خلافه، ورد بما رواه النسائي من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أن سليمان بن عبد الملك لما حج جمع ناساً من أهل مكة منهم القاسم بن محمد وخارجة بن زيد وسالم وعبد الله ابنا عبد الله بن عمر وعمر بن عبد العزيز وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث فسألهم عن الطيب قبل الإفاضة، فكلهم أمروه به، فهؤلاء فقهاء أهل المدينة من التابعين قد اتفقوا على ذلك، فكيف يدعي مع ذلك العمل على خلافه؟ وفيه: الدلالة على حل الطيب وغيره من محرمات الإحرام بعد رمي جمرة العقبة، وقد ذكرناه عن قريب. ١٩ - بابُ مَنْ أهَلَّ مَداً أي: هذا باب في بيان من أحرم حال كونه ملبداً. من: لبد شعره، بمعنى: جعل فيه شيئاً نحو الصمغ ليجتمع شعره، لئلا يتشعث في الإحرام أو يقع فيه القمل. ١٥٤٠/١٣٤ - حدَّثنا أصْبَغُ قال أخبرنا ابنُ وهْبٍ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سالِمٍ عن أبيهِ رضي الله تعالى عنهُ قال سَمِعتُ رسولَ اللهِعَلّهِ يُهِلٌ مُلَبِداً. [الحديث ١٥٤٠ - أطرافه في: ١٥٤٩، ٥٩١٤، ٥٩١٥]. مطابقته للترجمة هي عين متن الحديث. ذكر رجاله: وهم: ستة: الأول: أصبغ، بفتح الهمزة وسكون الصاد المهملة وفتح الباء الموحدة وفي آخره غين معجمة: ابن الفرج أبو عبد الله مولى عبد العزيز بن مروان، ورَّاق عبد الله بن وهب، مات سنة ست وعشرين ومائتين. الثاني: عبد الله بن وهب. الثالث: يونس بن يزيد. الرابع: محد بن مسلم بن شهاب الزهري. الخامس: سالم بن عبد الله. السادس: أبوه عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنهم. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع، والإخبار كذلك في موضع .. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: السماع. وفيه: أن شيخه من أفراده وأنه وابن وهب مصریان، وأن یونس أيلي وابن شهاب وسالم مدنيان. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في اللباس عن حبان بن موسى وأحمد بن محمد. وأخرجه مسلم فيه عن حرملة عن ابن وهب. وأخرجه أبو داود فيه عن سليمان بن داود المهري. وأخرجه النسائي فيه عن أحمد بن عمرو بن السرح والحارث ابن مسكين وعن عيسى بن إبراهيم. وأخرجه ابن ماجه عن أحمد بن عمرو مختصراً. ذكر معناه: قوله: ((أهلَّ)) من الإهلال، وهو رفع الصوت بالتلبية. قوله: ((ملبدا) أي: حال كونه ملبداً رأسه. وفي رواية البخاري أيضاً عن حفصة أنها قالت: يا رسول الله! ما شأن الناس حلوا بعمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ قال: ((إني لبدت رأسي وقلدت هدبي فلا أحل حتى أنحر)). وروى أبو داود من حديث ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر، رضي الله تعالى ٢٢٨ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٢٠) عنهما: ((أن النبي، عَ لّهِ، لبد رأسه بالعسل)) ورواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم. وقال ابن الصلاح: يحتمل أن لفظ العسل، بالمهملتين، ويحتمل من حيث المعنى: إن الغسل، بكسر الغين المعجمة، وهو ما يغسل به الرأس من خطمي أو غيره. وقال بعضهم: ضبطناه في روايتنا من (سنن أبي داود) بالمهملتين. قلت: ليت شعري ممن ضبطه؟ وقد قال ابن الصلاح الرواية بالعين المهملة، لم تضبط، والعقل أيضاً يشهد بلا إهمال. فافهم. ومما يستفاد منه: أن الشافعي وأصحابه نصوا على استحباب التلبيد للرفق، وقال ابن بطال: قال جمهور العلماء: من لبد رأسه فقد وجب عليه الحلق، كما فعل النبي، عَ لّهِ، وبذلك أمر الناس عمر وابنه، رضي الله تعالى عنهما، وهو قول مالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وكذا لو ضفر رأسه أو عقص شعره كان حكمه حكم التلبيد، وقال أبو حنيفة: من لبد رأسه أو ضفره فإن قصر ولم يحلق أجزأه، لما روي عن ابن عباس أنه كان يقول: ((من لبد رأسه أو عقص أو ضفر فإن كان نوى الحلق فليحلق، وإن لم ينوه فإن شاء حلق وإن شاء قصر)). فإن قلت: روى ابن عدي من حديث عبد الله بن رافع عن أبيه عن ابن عمر: أن رسول الله عَ لّه قال: ((من لبد رأسه للإحرام فقد وجب عليه الحلق)). قلت: عبد الله بن رافع ضعيف، وقال الدارقطني: ليس بالقوي. والله أعلم. ٢٠ - بابُ الإهلالِ عِنْدَ مَسْجِدٍ ذِي الحُلَيْفَةِ أي: هذا باب في بيان حكم الإهلال عند مسجد ذي الحليفة لمن أراد أن يحج من المدينة. ١٥٤١/١٣٥ _ حطّئنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثنا سُفيَانُ قال حدَّثنا مُوسى بنُ عُقْبَةً قال سَمِعْتُ سالِمَ بنَ عَبْدِ الله قال سَمِعْتُ عبد الله بنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما (ح) وحدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مالِكِ عَنْ مُوسَى بنِ عُقْبَةَ عنْ سالِمٍ بنِ عَبدِ الله أنَّهُ سَمِعَ أباهُ يَقولُ ما أهَلَّ رسولُ الله عَ لَّهِ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ المَسْجِدِ يَعْني مَسْجد ذِي الحُلَيْفَةِ. مطابقته للترجمة ظاهرة. ورجال الطريقين قد ذكروا غير مرة، وعلي بن عبد الله هو ابن المديني، وسفيان هو ابن عيينة، وموسى بن عقبة، بضم العين وسكون القاف. ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الحج، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك: عن موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله أنه سمع أباه يقول: بيداؤكم: هذه التي تكذبون فيها على رسول الله عَّلَه؟ ما أهل رسول الله عَ ل إلاّ من عند المسجد، يعني ذا الحليفة. قال: (و): حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا حاتم - يعني: ابن إسماعيل - عن موسى بن عقبة عن سالم قال: كان ابن عمر إذا قيل له الإحرام من البيداء قال: البيداء التي تكذبون فيها على رسول الله عَ لَه، ما أهلَّ رسول الله عَّلِ إلاّ من عند الشجرة حين قام به بعيره، وأخرجه أبو داود فيه، وقال: حدثنا القعنبي عن مالك، نحو رواية مسلم عن، يحيى ٢٢٩ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٢٠) عن مالك. وأخرجه الترمذي فيه، وقال: حدثنا قتيبة حدثنا حاتم بن إسماعيل ... إلى آخره نحو رواية مسلم الثانية. وأخرج النسائي أيضاً عن قتيبة نحوه، وقال الترمذي أيضاً: حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله، قال: لما أراد النبي عَّةِ الحج أذن في الناس فاجتمعوا، فلما أتى البيداء أحرم وقال: حديث جابر حديث حسن صحيح. وأخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه في حديث طويل، قال الترمذي: وفي الباب عن: ابن عمر وأنس والمسور بن مخرمة. قلت: وفي الباب أيضاً عن: سعد بن أبي وقاص وابن عباس. فحديث أنس وأخرجه الستة، خلا ابن ماجه، من رواية محمد بن المنكدر عن أنس، في حديث له قال فيه: فلما ركب راحلته واستوت به أهلَّ. ولأبي داود والنسائي من رواية الحسن، فلما أتى على جبل البيداء أهلَّ، وروى ابن ماجه من رواية عبد الله بن عبيد بن عمير عن ثابت عن أنس في حديث: فلما استوت به ناقته، قال: لبيك بعمرة وحجة معا. وحديث المسور بن مخرمة أخرجه البخاري وأبو داود في قصة الحديبية، وفيه: فلما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها .. وحديث سعد رواه أبو داود من طريق إسحاق عن أبي الزناد عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، قالت: قال سعد: كان النبي عَّم. إذا أخذ طريق الفرع أهلَّ إذا استقلت به راحلته. وإذا أخذ طريق أُمُد أهل إذا أشرف على جبل البيداء. وحديث ابن عباس، رواه مسلمٍ من رواية أبي حسان الأعرج عنه، وفيه: ثم . ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهلَّ بالحج، وفي رواية الدارقطني من حديث ابن. عباس: ثم قعد على بعيره، فلما استوى على البيداء أهل بالحج. وعن هذا اختلف العلماء في الموضع الذي أحرم منه رسول الله عَّله، فقال قوم: إنه أهل من مسجد ذي الحليفة. وقال آخرون: لم يهل إلاَّ بعد أن استوت به راحلته بعد خروجه من المسجد، وروى ذلك أيضاً عن ابن عمر وأنس وابن عباس وجابر، وقال آخرون: بل أحرم حين أطل على البيداء. قال الطحاوي: وأنكر قوم أن يكون رسول الله عَّةٍ أحرم من البيداء، روي ذلك عن موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه قال: ما أهل إلاَّ من ذي الحليفة، قالوا: وإنما كان ذلك بعدما ركب راحلته، واحتجوا بما رواه ابن أبي ذئب عن الزهري عن نافع عن ابن عمر عن النبي، عَّةٍ، أنه كان يهل إذا استوت به راحلته قائمة، وكان ابن عمر يفعله. قالوا: وينبغي أن يكون ذلك بعدما تنبعث به راحلته، واحتجوا بما رواه مالك عن المقبري عن عبيد ابن جريج عن ابن عمر قال: لم أر رسول الله عَّه يهل حتى تنبعث به راحلته قائمة. انتهى. قلت: أراد الطحاوي بقوله: وأنكر قوم الزهري وعبد الملك بن جريج وعبد الله بن وهب، فإنهم قالوا: ما أُحرم رسول الله، عَّ له، إلاَّ من عند المسجد. قال الطحاوي: فلما اختلفوا في ذلك أردنا أن ننظر من أين جاء اختلافهم، فروى سعيد بن جبير، قال قلت: لابن عباس: كيف اختلف الناس في إهلال النبي عَّه؟ فقالت طائفة: أهل في مصلاه، وقالت طائفة: حين استوت به راحلته، وقالت طائفة: حين علا البيداء؟ وساق بقية كلامه نحو ما ذكره أبو داود، ولفظه: عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: يا أبا العباس، عجبت لاختلاف الصحابة : ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٢١) ٢٣٠ في إهلال رسول الله عٍَّ؟ فقال: إني لأعلم الناس بذلك، إنما كانت من رسول الله عَ ◌ّ}. حجة واحدة، فمن هناك اختلفوا خرج رسول الله عَّالِ حاجاً، فلما صلى في مسجد ذي الحليفة ركعتيه أوجب في مجلسه، فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام فحفظوه عنه، ثم ركب، فلما استقلت به ناقته أهلَّ، وأدرك ذلك منه أقوام، وذلك أن الناس كانوا يأتون أرسالاً فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل، فقالوا: إنما أهل رسول الله عَ ل حين استقلت به ناقته ثم مضى رسول الله عَّ لَّمِ فلما علا شرف البيداء أهلَّ، وأدرك ذلك منه أقوام، فقالوا: إنما أهلَّ حين علا شرف البيداء، وأيم الله، لقد أوجب في مصلاه، وأهلَّ حين استقلت به ناقته وأهل حين علا شرف البيداء. قال سعيد بن جبير: فمن أخذ بقول ابن عباس: أهل في مصلاه إذا فرغ من ركعتيه. وقال الطحاوي: فبين ابن عباس الوجه الذي جاء فيه اختلافهم، وأن إهلال النبي عَّلِ الذي ابتدأ الحج ودخل فيه، كان في مصلاه، فبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف ومحمد ومالك والشافعي وأحمد وأصحابهم. وقال الأوزاعي وعطاء وقتادة: المستحب الإحرام من البيداء. وقال البكري: البيداء هذه فوق علمي ذي الحليفة لمن صعد من الوادي، وفي أول البيداء بئر ماء. ٢١ - بابُ ما لاَ يَلْبَسُ المخرِمُ مِنَ الشَِّابِ أي: هذا باب في بيان ما لا يلبس المحرم، أي: ما لا يجوز لبسه للمحرم، سواء كان محرماً بحج أو بعمرة، أو كانّ متمتعاً أو قارناً. وقوله: ((من الثياب))، بيان لما قبله. ١٣٦/ ١٥٤٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ نافِعِ عن عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما أنَّ رَجُلاً قالَ يا رسولَ الله ما يَلْبَسُ المُخرِمُ مِنَ النِّيَّابِ قالِ رسولُ اللهِ عَ لَِّ لا يَلْبَسُ القُمُصَ وَلاَ العَمَائِمَ وَلا السَّرَاوِيلَاتِ وَلاَ الْبَرَانِسَ وَلاَ الخِفَافِ إِلاَّ أحدٌ لاَ يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَغْهُمَا أسْفَلَ مِنَ الكَغْبَيْنِ وَلاَ تَلْبَسُوا مِنَ القِّيَابِ شَيئاً مَسَّهُ الزَّغْفَرَانِ أَوْ وَرْسٌ. [انظر الحديث ١٣٤ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((لا يلبس القميص ... )) إلى آخره، وهذا الحديث قد مر في آخر كتاب العلم في: باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله، فإنه أخرجه هناك: عن آدم عن ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر عن النبي عَّهِ، وعن الزهري عن سالم عن ابن عمر عن النبي ◌َّهِ والمغايرة بينهما في بعض المتن، فإنه، عَّه، ذكر هذه الأشياء هناك بصيغة الإفراد، وذكر هنا بصيغة الجمع، وهناك: ((ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين)) وهناك: ((وليقطعهما حتى يكونا تحت الكعبين)) وهنا: ((أسفل من الكعبين)) وليس هناك: ولا تلبسوا ... إلى آخره. ولنتكلم هنا على ما لم يسبق فيما مضى. فقوله: ((قال يا رسول الله! ما يلبس المحرم)) وسيأتي من طريق الليث عن نافع بلفظ: ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام؟ وفي رواية النسائي من طريق عمر بن نافع عن أبيه: ما نلبس من الثياب إذا أحرمنا؟ وهذا يدل على أن السؤال عن ذلك كان قبل الإحرام. ٢٣١ ٢٥ - كِتَابُ الحَجِّ / باب (٢١) وقد حكى الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري أن في رواية ابن جريج والليث عن نافع أن ذلك كان في المسجد. وأخرج البيهقي من طريق حماد بن زيد عن أيوب، ومن طريق عبد الوهاب بن عطاء عن عبد الله بن عون، كلاهما عن نافع عن ابن عمر، قال: نادى رجل رسول الله عَّهِ وهو يخطب بذلك المكان، وأشار نافع إلى مقدم المسجد، فذكر الحديث، وظهر من ذلك أنه كان في المدينة. فإن قلت: قد وقع في حديث ابن عباس الآتي في أواخر الحج أنه عَ لَّه خطب بذلك في عرفات. قلت: يحمل على التعدد. قوله: ((ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال: لا يلبس ... )) إلى آخره. قال النووي: قالت العلماء: هذا من بديع الكلام وجزله، لأن ما لا يلبس منحصر، فحصل التصريح به، وأما الملبوس الجائز فغير منحصر، فقال: ((لا يلبس)) كذا ... أي: ويلبس ما سواه. وقال البيضاوي: سئل عما يلبس فأجاب بما لا يلبس، ليدل بالالتزام من طريق المفهوم على ما يجوز، وإنما عدل عن الجواب لأنه أخصر وأحصر. وقال الطيبي: ودليله أنه نبه بالقمص والسراويل على جميع ما في معناهما، وهو ما كان مخيطاً أو معمولاً على قدر البدن أو العضو كالجوشن والتبان وغيرهما، ونبه عَِّ بالعمائم والبرانس على كل ساتر للرأس مخيطاً كان أو غيره، حتى العصابة فإنها حرام. ونبه بالخفاف على كل ساتر للرجل من مداس وجورب وغيرها. وقال ابن دقيق العيد: يستفاد منه أن المعتبر في الجواب. ما يحصل منه المقصود كيف كان، ولو بتغيير أو زيادة، ولا يشترط المطابقة، قوله ولا تشترط المطابقة. قلت: ليس على الإطلاق، بل الأصل اشترطها ولكن ثَمَّ موضع يكون العدول عنها إلى غيره وهو الأهم كما في قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيته للناس﴾ ونحو ذلك. قوله: ((ما يلبس المحرم؟)) أي: الرجل المحرم، والدليل على اختصاص الحكم بالرجال توجيه الخطاب نحوهم بقوله: ولا تلبسوا. فإن قلت: واو الضمير يستعمل منناً، و: لا، للقبيلتين على التغليب. قلت: نعم، ولكن فيه اختصاص بالمذكرين، والدليل عليه في آخر حديث الليث الآتي في آخر الحج: ((ولا تنتقب المرأة)). قوله: ((ولا يلبس))، خبر في معنى النهي. قوله: ((القمص))، بضم القاف وسكون الميم وضمها جمع: قميص، ويجمع أيضاً على أقمصة وقمصان. قوله: ((والعمائم)) جمع عمامة، يقال: اعتمَّ بالعمامة وتعمم بها، والسراويلات جمع سراويل، والبرانس جمع برنس، وهو كل ثوب رأسه منه ملتزق به من ذراعه، أو جبة أو ممطر أو غيره. وقال الجوهري: هي قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام، وهو من البرس، بكسر الباء، وهو القطن، والنون زائدة، وقيل: إنه غير عربي، والخفاف، بكسر الخاء: جمع خف. قوله: ((إلاَّ أحد))، المستثنى منه محذوف تقديره: لا يلبس المحرم الخفين إلاّ أحد لا يجد نعلين فإنه يلبس الخفين بشرط أن يقطعهما حتى يكونا تحت الكعبين فيكون حينئذ كالنعلين. وقوله: ((لا يجد نعلين)) في محل الرفع لأنه صفة الأحد. قيل: فيه دليل على أن لفظ: أحد، يجوز استعماله في الإثبات خلافاً لمن قال: لا ٢٣٢ ٢٥ - كِتَابُ الحَجِّ / باب (٢١) يجوز ذلك إلاَّ لضرورة الشعر، والمراد من قوله: ((وليقطعهما أسفل من الكعبين)) كشف الكعبين في الإحرام، وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم، ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة عن جرير عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: إذا اضطر المحرم إلى الخفين خرق ظهورهما وترك فيهما قدر ما يستمسك رجلاه. وقال بعضهم: وقال محمد بن الحسن ومن تبعه من الحنفية: الكعب هنا هو العظم الذي في وسط القدم عند معقد الشراك. وقيل: إن ذلك لا يعرف عند أهل اللغة. قلت: الذي قال: لا يعرف عند أهل اللغة، هو ابن بطال، والذي قاله هو لا يعرف، وكيف والإمام محمد بن الحسن إمام في اللغة والعربية؟ فمن أراد تحقيق صدق هذا فلينظر في مصنفه الذي وضعه على أوضاع يعجز عنه الفحول من العلماء والأساطين من المحققين، وهو الذي سماه (الجامع الكبير) والذي قاله هو الذي اختاره الأصمعي، قاله الإمام فخر الدين. قوله: ((لا تلبسوا)) يدخل فيه الإناث أيضاً، ذكره ليشمل الذكور والإناث. قوله: ((مسه الزعفران)) جملة من الفعل والفاعل والمفعول فيحمل النصب على أنه صفة لقوله: ((شيئاً)، والزعفران اسم أعجمي، وقد صرفته العرب فقالوا: ثوب مزعفر، وقد زعفر ثوبه يزعفره زعفرة، ويجمع على: زعافر. وقال أبو حنيفة: لا أعلمه ينبت شيء منه من أرض العرب، والورس، بفتح الواو وسكون الراء وفي آخره سين مهملة، وقال أبو حنيفة: الورس يزرع بأرض اليمن زرعاً، ولا يكون بغير اليمن، ولا يكون منه شيء برياً، ونباته مثل حب السمسم، فإذا جف عند إدراكه تفتق فينفض منه الورس ويزرع سنة فيجلس عشر سنين أن يقيم في الأرض ينبت ويثمر. وقال الجوهري: الورس نبت أصفر يكون باليمن يتخذ منه الغمرة للوجه، تقول منه: أورس المكان وورست الثوب توريساً: صبغته بالورس، وملحفة وريسة: صبغت بالورس. وقال ابن بيطار في (جامعه): يؤتى بالورس من الصين واليمن والهند وليس بنبات يزرع كما زعم من زعم، وهو يشبه زهر العصفر، ومنه شيء يشبه نشارة البابونج، ومنه شيء يشبه البنفسج، ويقال: إن الكركم عروقه. ذکر ما يستفاد منه: وهو على وجوه: الأول: يحرّم على المحرم لبس القميص، ونبه به في الحديث على كل مخيط من كل معمول على قدر البدن أو العضو، وذلك مثل الجبة والقفازين، وقال الترمذي: باب ما جاء في الذي يُخْرم وعليه قميص أو جبة، ثم قال: حدثنا قتيبة بن سعد حدثنا عبد الله بن إدريس عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن يعلى بن أمية. قال: رأى رسول الله عَ له أعرابياً قد أحرم وعليه جبة، فأمره أن ينزعها. وفي بعض طرقه: قميص، بدل: الجبة، وهي رواية (الموطأ). وفي رواية مقطعات، وفي أخرى: أخلاق، والقصة واحدة، ولا يجب قطع القميص والجبة على المحرم إذا أراد نزعها، بل له أن ينزع ذلك من رأسه وإن أدى إلى الإحاطة برأسه، خلافاً لمن قال: يشقه، وهو قول الشعبي والنخعي، ويروى ذلك أيضاً عن الحسن وسعيد بن جبير، وذهب الجمهور إلى جواز نزع ذلك من الرأس، وبه قال أبو حنيفة ٢٣٣ ٢٥ - كِتَابُ الحَجُ / باب (٢١) ومالك والشافعي، والحديث حجة لهم، ولو ارتدى بالقميص لا يضره. الثاني: يحرّم عليه السراويل ولا يجب عليه قطعه عند عدم الإزر، كما ورد في الخف، وبه قال أحمد، وهو الأصح عند أكثر الشافعية، قاله الرافعي. وقال إمام الحرمين والغزالي: إنه لا يجوز لبس السراويل إلاَّ إذا لم يتأت فتقه وجعله إزاراً، فإن تأتى ذلك لم يجز لبسه، فإِن لبسه لزمه الفدية. قال الخطابي: ويحكى عن أبي حنيفة أنه قال: يشق السراويل ويتزر به، وفي شرح الطحاوي، فإن لم يجد رداء فلا بأس أن يشق قميصه ويرتدي به، وإذا لم يجد الإزار فتق السراويل، فإن لبسه ولم يفتقه لزمه دم. الثالث: لا يتعمم، قال الخطابي: ذكر العمامة والبرنس معاً ليدل على أنه لا يجوز تغطية الرأس، لا بالمعتاد ولا بالنادر. قال: ومن النادر المكتل يحمله على رأسه. قلت: مراده أن يجعله على رأسه كلبس القبع، ولا يلزم شيء بمجرد وضعه على رأسه كهيئة الحامل لحاجته، ولو انغمس في الماء لا يضره، فإنه لا يسمى لابساً، وكذا لو ستر رأسه بيده. الرابع: الخفاف، الشرط في الخفين القطع، خلافاً لأحمد فإنه أجاز لبس الخفين من غير قطع، وهو المشهور عنه، وحكى عن عطاء مثله. قال: لأن في قطعهما فساداً. قال الخطابي: يشبه أن يكون عطاء لم يبلغه حديث ابن عمر، وإنما الفساد أن يفعل ما نهت عنه الشريعة، فأما ما أذن فيه رسول الله عَّللم فليس بفساد. قال: والعجب من أحمد في هذا فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه. وقلت: سنة لم تبلغه، ويشبه أن يكون إنما ذهب إلى حديث ابن عباس الآتي في أواخر الحج بلفظ: ((من لم يجد نعلين فليلبس خفين)). قلت: أجابت الحنابلة عنه بأشياء: منها: دعوى النسخ في حديث ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، فإن البيهقي روى عن عمرو بن دينار، قال: لم يذكر ابن عباس القطع، وقال ابن عمر: وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين، فلا أدري أي الحديثين نسخ الآخر. وروى الدارقطني عن عمرو قال: أنظروا أيهما قبل؟ حديث ابن عمر أو حديث ابن عباس؟ قال البيهقي: فحملهما عمرو بن دينار على نسخ أحدهما الآخر. قال البيهقي، وبين في رواية ابن عون وغيره عن نافع عن ابن عمر أن ذلك كان بالمدينة قبل الإحرام، وبين في رواية شعبة عن عمرو عن أبي الشعثاء، وجابر بن زيد عن ابن عباس أن ذلك كان بعرفة، وذلك بعد قصة ابن عمر، وأجاب الشافعي عن هذا في (الأم) فقال: كلاهما حافظ صادق، وزيادة ابن عمر لا تخالف ابن عباس لاحتمال أن یکون عزب عنه، أو شك فيه، فلم يؤده. وإما سكت عنه وإما أداه فلم يؤد عنه. ومنها: ما قالوا: منهم ابن الجوزي: إن حديث ابن عمر اختلف في وقفه ورفعه، وحديث ابن عباس لم يختلف في رفعه. وأجيب: عن هذا بأنه لم يختلف على ابن عمر في رفع الأمر بالقطع إلاّ في رواية شاذة، على أنه اختلف في حديث ابن عباس أيضاً، فرواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفاً، ولا يشك أحد من المحدثين أن حديث ابن عمر أصح من حديث ابن عباس، لأن حديث ابن عمر جاء بإسناد، وصف بكونه أصح الأسانيد، واتفق عليه عن ابن عمر غير واحد من الحفاظ، منهم: ٢٣٤ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٢١) نافع وسالم: بخلاف حديث ابن عباس، فلم يأت مرفوعاً إلاَّ من رواية جابر بن زيد عنه، حتى قال الأصيلي: إنه شيخ بصري لا يعرف. ومنها: أن بعضهم قاسوه على السراويل، ورد بأن القياس مع وجود النص فاسد الاعتبار. ومنها: أن بعضهم احتجوا بقول عطاء: إن القطع فساد، والله لا يحب الفساد. وقد أجيب: عنه بما ذكرناه عن قريب. ومنها: ما قاله ابن الجوزي: إن الأمر بالقطع يحمل على الإباحة لا على الاشتراط، عملاً بالحديثين. وأجيب: بأنه تعسف، واستعمال اللفظ في غير موضعه، والأحسن في هذا أن يقال: إن حديث ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، قد ورد في بعض طرقه الصحيحة موافقته لحديث ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، في قطع الخفين، رواه النسائي في سننه، قال: أخبرنا إسماعيل بن مسعود، حدثنا يزيد بن زريع حدثنا أيوب عن عمرو عن جابر بن زيد عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، قال: سمعت رسول الله، عَّلَّه، يقول: ((إذا لم يجد إزاراً فليلبس السراويل، وإذا لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين))، وهذا إسناد صحيح، وإسماعيل بن مسعود الجحدري وثقه أبو حاتم وغيره، وباقيهم رجال الصحيح، والزيادة من الثقة مقبولة على المذهب الصحيح. الخامس: الزعفران والورس، وظاهر الحديث أنه لا يجوز لبس ما مسه الورس والزعفران، سواء انقطعت رائحته وذهب ردعه بحيث لا ينفض، أو مع بقاء ذلك. وفي (الموطأ) أن مالكاً سئل عن ثوب مسه طيب ثم ذهب ريح الطيب منه، هل يحرم فيه؟ قال: نعم، لا بأس بذلك ما لم يكن فيه صباغ زعفران أو ورس. قال مالك: وإنما يكره لبس المشبعات لأنها تنفض، وذهب الشافعي إلى أنه إن كان بحيث لو أصابه الماء فاحت الرائحة منه لم يجز استعماله، وحكى إمام الحرمين فيما إذا بقي اللون فقط وجهين مبنيين على الخلاف في أن مجرد اللون هل يعتبر؟ قال الرافعي: والصحيح أنه لا يعتبر، وقال أصحابنا: ما غسل من ذلك حتى صار لا ينفض فلا بأس بلبسه في الإحرام، وهو المنقول عن سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح والحسن وطاوس وقتادة والنخعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور، ومعنى: لا ينفض، لا يتناثر صبغه. وقيل: لا يفوح ريحه، وهما منقولان عن محمد بن الحسن، والتعويل على زوال الرائحة، حتى لو كان لا يتناثر صبغه، ولكنه يفوح ريحه يمنع من ذلك، لأن ذلك دليل بقاء الطيب، إذ الطيب ما له رائحة طيبة. وقد روى الطحاوي عن فهد عن يحيى بن عبد الحميد عن أبي معاوية وعن ابن أبي عمران عن عبد الرحمن بن صالح الأزدي عن أبي معاوية عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، عن النبي عَِّ: ((لا تلبسوا ثوباً مسه ورس أو زعفران. يعني: في الإحرام، إلاَّ أن يكون غسيلاً». وأخرجه أبو عمر أيضاً من حديث يحيى بن عبد الحميد الحماني. فإن قلت: ما حال هذه الزيادة؟ أعني قوله: إلاَّ أن يكون غسيلاً؟ قلت: صحيح، لأن رجاله ثقات، وروى هذه الزيادة أبو معاوية الضرير، وهو ثقة ثبت. فإن قلت: قال ابن حزم: ولا نعلمه صحيحاً، وقال أحمد بن حنبل: أبو معاوية مضطرب الحديث في أحاديث عبيد الله، ولم يجيء أحد بهذه غيره؟ قلت: ٢٣٥ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٢١) قال الطحاوي: قال ابن أبي عمران: رأيت يحيى بن معين وهو متعجب من الحماني إذ حدث بهذا الحديث، فقال عبد الرحمن بن صالح الأزدي: هذا الحديث عندي، ثم وثب من فوره فجاء بأصله، فأخرج منه هذا الحديث عن أبي معاوية كما ذكره يحيى الحماني، فكتب عنه يحيى بن معين، وكفى لصحة هذا الحديث شهادة عبد الرحمن وكتابة يحيى بن معين ورواية أبي معاوية، وأما قول ابن حزم: ولا نعلمه صحيحاً، فهي نفي لعلمه بصحته، فهذا لا يستلزم نفي صحة الحديث في علم غيره، فافهم. وقد روى أحمد، رحمه الله تعالى، في (مسنده) من حديث ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، حديثاً يدل على جواز لبس المزعفر للمحرم إذا لم يكن فيه نفض ولا ردع. ومما يستفاد من ظاهر الحديث: جواز لبس المزعفر والمورس لغير الرجل المحرم، لأنه قال ذلك في جواز السؤال عما يلبس المحرم، فدل على جوازه لغيره، فإن قلت: أخريج الشيخان من حديث أنس أن النبي عَّةِ نهى أن يتزعفر الرجل؟ قلت: قال شيخنا زين الدين، رحمه الله: الجمع بين الحديثين أنه يحتمل أن يقال: إن جواب سؤالهم انتهى عند قوله: أسفل من الكعبين، ثم استأنف بهذا لا تعلق له بالمسؤول عنه، فقال: ولا تلبسوا شيئاً من الثياب ... إلى آخره، ثم ذكر حكم المرأة المحرمة. انتهى. قلت: هذا الاحتمال فيه بعد، بل الأوجه أن المراد من النهي عن تزعفر الرجل أن يزعفر بدنه، فأما لبس الثوب المزعفر لغير المحرم فلا بأس به، والدليل على ذلك ما رواه النسائي من حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس، قال: نهى رسول الله عَّلِ أن يزعفر الرجل جلده، وإسناده صحيح، والحديث الذي ينهى النهي عن مطلق التزعفر، ويحمل المطلق على المقيد الذي فيه بأن يزعفر الرجل جلده، ويؤيد ذلك ما ورد في جواز لبس الثياب المزعفرة والمورسة للرجال، فيما رواه أبو داود وابن ماجه من حديث قيس بن سعد، قال: أتانا النبي عَّم فوضعنا له ما يتبرّد فاغتسل، ثم أتيته بملحفة صفراء فرأيت أثر الورس عليه، لفظ ابن ماجه. وروى أبو داود من حديث ابن عمر مرفوعاً: كان يصبغ بالصفرة ثيابه كلها حتى عمامته، ورواه النسائي، وفي لفظ له: إن ابن عمر كان يصبغ ثيابه بالزعفران، فأصله في (الصحيح) ولفظه: أما الصفرة فإني رأيت رسول الله پے یصبغ بها. وجمع الخطابي بأن ما صبغ غزله ثم نسج فليس بداخل في النهي، ووافقه البيهقي على هذا، فإن قلت: قد علم أن المحرم قد منع من لبس الثوب المصبوغ بالزعفران أو الورس، فما حكمه إذا توسد عليه أو نام؟ قلت: قال أبو يوسف في (الإملاء): لا ينبغي لمحرم أن يتوسد ثوباً مصبوغاً بالزعفران ولا الورس، ولا ينام عليه لأنه يصير مستعملاً للطيب، فكان كاللبس، وقال شيخنا زين الدين: اختلف أهل العلم في الورس هل هو طيب أم لا؟ فذكر ابن العربي أنه ليس بطيب، فقال: والورس، وإن لم يكن طيباً فله رائحة طيبة، فأراد النبي عَّ له أن يبين تجنب الطيب المحض، وما يشبه الطيب في ملايمة الشم واستحسانه. وقال الرافعي: هو فيما يقال: أشهر طيب في بلاد اليمن، وفي كلام النووي أيضاً ما يشعر أنه ٢٣٦ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٢٢) طيب. وقال الطيبي: نبه النبي عَّهُ بالورس والزعفران على ما في معناهما مما يقصد به الطيب فهي حرام على القبيلتين، فيكره للمحرم لبس الثوب المصبوغ بغير طيب، وأما الفواكه كالأترج والتفاح وأزهار البوادي كالشيح والقيصوم وغيرهما فليس بحرام. ٢٢ - بابُ الرُّكُوبِ وَالازِدَافِ فِي الحَجّ أي: هذا باب في بيان جواز الركوب والارتداف في الحج، والارتداف أن يركب الرا کب خلفه آخر. ١٥٤٣/١٣٧ - ١٥٤٤ _ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ قال حدَّثنا أبي عنْ يُونُسَ الأَيْلِيِّ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أنَّ أَسَامَةَ رضي الله تعالى عنهُ كان رِدْفَ النبيِّ عَّهِ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى المُزْدَلِفَةِ ثُمَّ أَرْدَفَ الفَضْلَ مِنَ المُزْدَلِفَةَ إِلَى مِنَىّ قال فَكَلاَهُمَا قَال لَمْ يَزَّلِ النبيُّ عَ لَّهِ يُلَبِي حَتَّى رَمَّی جَمْرَةَ العَقَبَةِ. [الحديث ١٥٤٣ - طرفه في: ١٦٨٦]. [الحديث ١٥٤٤ - أطرافه في: ١٦٧٠، ١٦٨٥، ١٦٨٧]. مطابقته للترجمة ظاهرة. ورجاله قد ذكروا. وعبد الله بن محمد بن عبد الله الجعفي المعروف بالمسندي وهو من أفراد البخاري، ووهب هو ابن جرير بن حازم يروي عن أبيه جرير، والزهري هو محمد مسلم، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أبو عبد الله الهزلي أحد الفقهاء السبعة، مات سنة ثمان وتسعين. وأخرجه مسلم من حديث كريب مولى ابن عباس عن أسامة بن زيد، قال: ردفت رسول الله عَّالله من عرفات ... الحديث، وفيه: قال كريب: فأخبرني عبد الله بن عباس عن الفضل أن رسول الله عَّ لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة. وروى من حديث عطاء قال: أخبرني ابن عباس أن النبي عَِّ أردف الفضل من جمع، قال: فأخبرني ابن عباس أن الفضل أخبره أن النبي عَّهِ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة. ذكر معناه: قوله: ((ردف النبي عَُّلِّ)) بكسر الراء وسكون الدال المهملة وفي آخره فاء، بمعنى: الرديف، وهو الذي يركب خلف الراكب، وكذلك الرديف، وهكذا في رواية أحمد. قوله: ((من عرفة)) أي: من عرفات، وهو اسم لموضع الوقوف. قوله: ((إلى المزدلفة)، بلفظ الفاعل من الإزدلاف، وهو التقرب والتقدم لأن الحجاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها، أي: تقربوا منها وتقدموا إليها، وسميت بذلك لمجيء الناس في زلف من الليل، وهو موضع بحرم مكة. قوله: ((الفضل)) هو ابن عباس بن عبد المطلب. قوله: ((فكلاهما)) أي: أسامة والفضل. قوله: ((حتى رمى جمرة العقبة))، أي: إلى أن رمى جمرة العقبة، وهي حد منى من الجانب الغربي من جهة مكة. ويقال له أيضاً: الجمرة الكبرى، والجمرة والحصاة، وهنا اسم لمجتمع الحصى. ذكر ما يستفاد منه فيه: أن الحج راكباً أفضل، وقد مر الخلاف فيه في: باب الحج ٢٣٧ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٢٣) على الرجل. وفيه: إرداف العالم. وفيه: التواضع بالإرداف للرجل الكبير والسلطان الجليل. وفيه: حجة لأبي حنيفة وصاحبيه والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود بن علي وأبي عبيد والطبري في قولهم: يلبي الحاج ولا يقطع التلبية حتى يرمي جمرة العقبة، وهو المنقول أيضاً عن عطاء بن أبي رباح وطاوس وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وابن أبي ليلى والحسن بن حي، وروى ذلك عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس وعبد الله ابن مسعود وميمونة، رضي الله تعالى عنهم. ثم اختلف بعض هؤلاء، فقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور: يقطع التلبية مع أول حصاة يرميها من جمرة العقبة. وقال أحمد وإسحاق وطائفة من أهل النظر والأثر: لا يقطعها حتى يرمي جمرة العقبة بأسرها، قالوا: وهو ظاهر الحديث أن رسول الله عَِّ ((لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة)) ولم يقل: حتى رمى بعضها. قلت: روى البيهقي من حديث شريك عن عامر بن شقيق عن أبي وائل ((عن عبد الله: رمقت النبي عَّه فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة بأول حصاة)). فإن قلت: أخرج ابن خزيمة في (صحيحه): عن الفضل بن عباس قال: ((أفضت مع رسول الله عَّ من عرفات، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، يكبر مع كل حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة)). قلت: قال البيهقي: هذه زيادة غريبة ليست في الروايات عن الفضل، وإن كان ابن خزيمة قد اختارها. وقال الذهبي: فيه نكارة. وقوله: ((يكبر مع كل حصاة))، يدل على أنه قطع التلبية مع آخر حصاة. وقال سعيد بن المسيب ومحمد بن أبي بكر الثقفي ومالك وأصحابه وأكثر أهل المدينة: ((الحاج لا يلبي في عرفة بل يكبر ويهلل)). وروي ذلك عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وجابر بن عبد الله. ثم اختلفوا متى يقطع التلبية؟ فقال سعيد بن المسيب والحسن البصري ومالك وأصحابه: يقطعها إذا توجه إلى عرفات، وروي نحو ذلك عن عثمان وعائشة، وروي عنهما خلاف ذلك، فقال الزهري والسائب بن يزيد وسليمان بن يسار وابن المسيب في رواية: ((يقطعها حين يقف بعرفات))، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص، واحتج هؤلاء بحديث أسامة بن زيد، أخرجه الطحاوي عنه أنه قال: ((كنت ردف رسول الله عَ لِ عشية عرفة فكان لا يزيد على التكبير والتهليل، وكان إذا وجد فجوة نص)). قوله: ((فجوة))، بفتح الفاء وضمها: وهي ما اتسع من الأرض وقد روى في (الموطأ): فرجة. قوله: ((نص))، أي: رفع في سيره وأسرع، والنص منتهى الغاية في كل شيء، قاله في (المطالع) وفي رواية أحمد: ((فإذا التحم عليه الناس أعنق، وإذا وجد فرج نص)). قوله: ((أعنق))، من العَنَق وهو: السير اليسير الذي تمد فيه الدابة عنقها للاستعانة، وهو دون الإسراع. وأجيب: بأن ذلك لا يدل على نفي التلبية وخروج وقتها، وقوله: لا يزيد على التكبير والتهليل، يعني: الزيادة من جنسها. ٢٣ _ بابُ ما يَلْبَسُ المُخْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ وَالأَزْدِيَةِ وَالأُزُر أي: هذا باب في بيان ما يلبس ولما بين ما لا يلبس، شرع في بيان ما يلبس، ٢٣٨ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٢٣) وكلمة: ما، يجوز أن تكون موصولة أي: باب في بيان الشيء الذي يلبس المحرم، ويجوز أن تكون مصدرية أي: في بيان لبس المحرم، وكلمة: من، في: من الثياب، بيانية وهو جمع ثوب، والأردية جمع رداء، والأزر بضم الهمزة والزاي جمع إزار، ويجوز تسكين الزاي وضمها اتباعاً للهمزة، والرداء للنصف الأعلى، والإزار للنصف الأسفل، وعطف الأربعة على الثياب من باب عطف الخاص على العام. وَلَبِسَتْ عَائِشَةُ رضي الله تعالى عنها الثِّيَابَ المُعَصْفَرَةَ وَهْيَ مُخْرِمَةٌ وقالَتْ لاَ تَلَثَّمْ وَلاَ تَزْقَعْ وَلاَ تَلْتَسْ ثَوْباً بِوَرْسٍ وَلاَ زَغْفَرَانٍ مطابقته للترجمة في صدر هذا التعليق أعني قوله: ((ولبست عائشة الثياب المعصفرة)) أي: المصبوغة بالمعصفر. قوله: ((وهي محرمة)) جملة إسمية وقعت حالاً، ووصل هذا التعليق سعيد بن المنصور من طريق القاسم بن محمد، قال: ((كانت عائشة تلبس المعصفرة)). وأخرج البيهقي من طريق ابن أبي مليكة: ((أن عائشة كانت تلبس الثوب المورد بالعصفر الخفيف وهي محرمة)) وقيل: الثوب المورد: المصبوغ بالورد. قوله: ((وقالت)) أي: عائشة: لا تلثم، بتاء مثناة واحدة وفتح اللام وتشديد الثاء المثلثة، وأصله: تتلثم، فحذفت إحدى التاءين كما في: تلظى، وفي رواية أبي ذر: لا تلتثم، بفتح التاء المثناة من فوق وسكون اللام وفتح التاء المثناة من فوق وكسر الثاء المثلثة: من الالتئام، من باب الافتعال، والأول من باب التفعل، وسقط هذا من الأصل في رواية الحموي، وكلاهما من اللثام، وهو ما يغطي الشفة. والمعنى ههنا: لا تغطي المرأة شفتها بثوب. قوله: ((ولا تتبرقع)» أي: ولا تلبس البرقع، بضم الباء وسكون الراء وضم القاف وفتحها، وهو ما يغطي الوجه. وعن الحسن وعطاء مثل ما روي عن عائشة، ورواه ابن أبي شيبة في (مصنفة) عن عبد الأعلى عن هشام عن الحسن وعطاء، قالا: لا تلبس المحرمة القفازين والسراويل ولا تبرقع ولا تلثم وتلبس ما شاءت من الثياب إلاَّ ثوباً ينفض عليها ورساً أو زعفراناً. قوله: ((ولا تلبس ثوباً بورس وزعفران)» أي: مصبوغاً بورس وزعفران، وقد روى أبو داود من حديث ابن عمر أن النبي عَّهِ ((نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب، وما مسه الورس والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب من معصفر أو خز أو حلي أو قميص أو سراويل. وقال جابِرٌ: لاَّ أَرَى المُعَصْفَرَ طِيباً أي: قال جابر بن عبد الله الصحابي: أي: لا أراه مطيباً لأنه لا يصح أن يكون المفعول الثاني معنى، والأول عيناً، ووصل هذا التعليق الشافعي، ومسدد بلفظ: ((لا تلبس المرأة ثياب الطيب، ولا أرى المعصفر طيباً». وَلَمْ تَرَ عائِشَةُ بَأْساً بِالحُلِيِّ وَالثَّوْبِ الأَسْوَدِ والمُوَرَّدِ والخُفُّ لِلْمَرْأةِ الحلي، بضم الحاء وكسر اللام، جمع الحلى. والثوب المورَّد المصبوغ بالورد، ٢٣٩ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٢٣) يعني: على لون الورد، وروى البيهقي من طريق ابن باباه المكي أن امرأة سألت عائشة: ما تلبس المرأة في إحرامها؟ قالت عائشة: تلبس من خزها وبزها وأصباغها وحليها. وقال ابن المنذر: أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط كله والخفاف وإن لها أن تغطي رأسها وتستر شعرها إلاَّ وجهها تسدل عليه الثوب سدلا خفيفاً تستتر به عن نظر الرجال، ولا تخمره إلاَّ ما روي عن فاطمة بنت المنذر، قالت: كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر، رضي الله تعالى عنهما. تعني: جدتها. قال: ويحتمل أن يكون ذلك التخمير سدلاً تما جاء عن عائشة، قالت: كنا مع رسول الله، عٍَّ، إذا مر بنا ركب سدلنا الثوب على وجوهنا ونحن محرمات، فإذا جاوز رفعنا. قلت: فيما أخرجه الجماعة: ولا تنتقب المرأة المحرمة فيه دليل على أنه يحرم على المرأة ستر وجهها في الإحرام. وقال المحب الطبري: مفهومه يدل على إباحة تغطية الوجه للرجل وإلاَّ لما كان في التقييد بالمرأة فائدة. قلت: قد ذهب إلى جواز تغطية الرجل المحرم وجهه عثمان بن عفان وزيد بن ثابت ومروان بن الحكم ومجاهد وطاوس، وإليه ذهب الشافعي وجمهور أهل العلم، وذهب أبو حنيفة ومالك إلى المنع من ذلك، واحتجا بحديث ابن عباس في المحرم الذي وقصته ناقته، فقال عَ لَّه لا تخمروا وجهه ولا رأسه، رواه مسلم، ورواه النسائي بلفظ: وكفنوه في ثوبين خارجاً وجهه ورأسه. وقال ابن العربي: وهذا أمر فيه خفاء على الخلق وليسوا على الحق. قال: ولقد رأيت بعض أصحابنا من أهل العلم ممن يتعاطى الفقه والحديث يبني المسألة على أن الوجه من الرأس أم لا؟ فعجبت لضلالته عن دلالته ونسيانه لصنعته، وقال شيخنا زين الدين: لا أدري ما وجه إنكاره على من بنى المسألة على ذلك، وما قاله واضح في قول ابن عمر الذي رواه مالك، وقد جاء عن عطاء بن أبي رباح التفرقة بين أعلى الوجه وأسفله، فروى سعيد بن منصور في (سننه) بإسناده إليه قال: يغطي المحرم وجهه ما دون الحاجبين، وفي رواية له: ما دون عينيه، ويحتمل أن يريد بذلك الاحتياط لكشف الرأس، ولكن هذا أمر زائد على الاحتياط لذلك، والاحتياط يحصل بدون ذلك. وقال إبْرَاهِيمُ لاَ بأسَ أَنْ يُنْدِلَ ثِيَابَهُ أي: إبراهيم النخعي، ووصله أبو بكر، قال: حدثنا جرير عن مغيرة بن شعبة عن إبراهيم قال: يغير المحرم ثيابه ما شاء بعد أن يلبس ثياب المحرم، قال: وحدثنا إسماعيل بن عياش عن سعيد بن يوسف عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة قال: غيَّر النبي، عَلّهِ، ثوبيه بالتنعيم. وحدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم ويونس عن الحسن وحجاج عن عبد الملك وعطاء أنهم لم يروا بأساً أن يبدل المحرم ثيابه، وكذا قاله طاوس وسعيد بن جبير، سئل: أيبيع المحرم ثيابه؟ قال: نعم. وقال ابن التين: مذهب مالك وأصحابه أنه يجوز له الترك للباس الثوب، ويجوز له بيعه. وقال سحنون: لا يجوز له ذلك لأنه يعرض القمل للقتل بالبيع. ١٥٤٥/١٣٨ - حدَّثْنا مُحَمَّدُ بنُ أبي بَكْرِ المُقَدَّمِيُ قال حدَّثنا فُضَيْلُ بنُ سُلَيْمَانَ قال ٢٤٠ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٢٣) حدَّثني مُوسى بنُ عُقْبَةَ قال أخبرني كُرَيْبُ عنْ عَبْدِ الله بنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما. قال انْطَلَقَ النبيُّ عَ لَّهِ مِنَ المَدِينَةِ بَعْدَما تِرَجَّلَ واذَهَنَ ولَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَلَمْ يَنْهَ عنْ شيءٍ مِنَ الأَزْدِيَةِ والأَزْرِ تُلْبَسُ إلاَّ المُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدَعُ عَلى الجِلدِ فأصبَحَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوَى عَلى البيِدَاءِ أهَلَّ هُوَ وأصْحابُهُ وقَلَّدَ بَدَنتَهُ وذُلِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ فَقَدِمَ مَكّةَ لِأَرْبَعِ لَيالٍ خَلَوْنَ مِن ذِي الحِبَّةِ فطافَ بِالبَيْتِ وسعَى بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ ولَمْ يَحِلَّ مِنْ أجْلِ بَدْنِهِ لأَنَّهُ قَلَّدهَا ثُمَّ نزَلَ بأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الحَجُونِ وَهْوَ مُهل بِالحَجّ ولَمْ يَقْرَبِ الكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ وأَمَرَ أصْحَابَهُ أَنْ يَطّوَّفُوا بِالْبَيْتِ وبَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ ثُمَّ يُقَصِّرُوا مِنْ رُؤْوِسِهِمْ ثُمَّ يحِلُّوا وذُلِك لِمَنْ لَمْ يَكُنْ معَهُ بَدَنَةٌ قَلَّدَهَا وَمَنْ كانَتْ مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَهْيَ لَهُ حَلاَلٌ والطِّيبُ والِّيَابُ. [الحديث ١٥٤٥ - طرفاه في: ١٦٢٥، ١٧٣١]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فلم ينه عن شيء من الأردية والأزر تلبس)). ورجاله قد ذكروا، والمقدمي، بتشديد الدال المفتوحة، وفضيل مصغر فضل، وهذا الحديث من أفراد البخاري، ورواه مختصراً أيضاً. ذكر معناه: قوله: ((ترجل)) أي: سرح شعره. قوله: ((وادهن)) أي: استعمل الدهن، وأصله: ادتهن، لأنه من باب الافتعال، فأبدلت الدال من التاء وأدغمت الدال في الدال. قوله: ((هو))، ضمير فصل. قوله: ((تردع))، بالراء والدال المهملتين أي: تلطخ الجلد، يقال: تردع إذا التطخ، والردع أثر الطيب، وردع به الطيب إذا لزق بجلده، وقال ابن بطال: وقد روي: ترذع، بالذال المعجمة، من قولهم: أرذعت الأرض أي: كثرت منافع المياه فيها، والرذع بالمعجمة الطين. قوله: ((التي تردع على الجلد)»، هكذا وقع في الأصل. وقال ابن الجوزي: الصواب حذف على. قوله: ((فأصبح بذي الحليفة)) أي: وصل إليها نهاراً فبات بها، كما سيأتي صريحاً في الباب الذي بعده من حديث أنس، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((بدنته)) قال الجوهري هي: ناقة أو بقرة تنحر بمكة، سميت بذلك لأنهم كانوا يسمنونها، والجمع بدن بالضم، وقال الأزهري: تكون البدنة من الإبل والبقر والغنم، وقال النووي: هي البعير ذكراً كان أو أنثى بشرط أن يكون في سن الأضحية، وهي التي استكملت خمس سنين. قوله: ((فأصبح بذي الحليفة ركب راحلته))، وفي (صحيح مسلم) عنه أنه عَ ◌ّم ((صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعى بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم وقلدها بنعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهلَّ بالحج)). وقال ابن حزم: فهذا ابن عباس يذكر أنه صلى الظهر في ذي الحليفة، وأنس يذكر أنه صلاًّها بالمدينة، وكلا الطريقين في غاية الصحة، وأنس، رضي الله تعالى عنه، أثبت في هذا المكان لأنه ذكر أنه حضر ذلك بقوله: صلى الظهر بالمدينة، ثم إن ابن عباس لم يذكر حضوراً فيها أنها كانت يوم خروجه عٍَّ من المدينة، إنما عنى به اليوم الثاني، فلا تعارض. وعند النسائي: عن أنس أنّه عَّه ((صلى الظهر بالبيداء ثم ركب وصعد جبل البيداء، وأهلَّ بالحج والعمرة)). ولا تعارض، فإن