النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٧) وقال أحمد: ترك الناس حديثه، وقال الجوزجاني: هالك، وقال ابن حبان: من خيار عباد الله إلاَّ أنه كان يكذب ولا يعلم، ويقلب الأخبار ولا يفهم. وروى أبو داود الطيالسي حديث أبي سيار المتعي، قال: ((قلت: يا رسول الله إن لي نحلاً! قال: إذن تعشر؟ قلت: إحم لي جبلة، فحماه لي)) ورواه البيهقي، وقال: وهذا أصح ما روي في وجوب العشر فيه، وهو منقطع. قال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا فقال: حديث مرسل، وإنما قال: مرسل، لأن فيه سليمان بن موسى يروي عن أبي سيارة، وسليمان لم يدركه، ولا أحداً من الصحابة، وأبو سيارة المتعي اسمه: عميرة بن الأعلم، وقيل: عمير بن الأعلم، ذكره أبو عمر في (كتاب الأنساب). وروى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: جاء أحد بني متعان إلى رسول الله عَّلَّم بعشور نحل له، وكان سأله أن يحمي وادياً يقال له: سلبة، فحمى له رسول الله، عَّه، ذلك الوادي، فلما ولي عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، كتب سفيان بن وهب إلى عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنهما، يسأله عن ذلك؟ فكتب عمر، رضي الله تعالى عنه: إن أدى إليك ما كان يؤدي إلى رسول الله، عَِّ، من عشور نحله فاحم له سلبة، وإلاّ فإنما هو ذباب غيث يأكله من شاء. وسلبة، بفتح السين المهملة واللام والباء الموحدة، كذا قيده البكري. وقال شيخنا زين الدين: ووقع في سماعنا من السنن، بسكون اللام، وقال شيخنا أيضاً: حكى الترمذي عن أكثر أهل العلم وجوب الزكاة في العسل، وسمى منهم: أحمد وإسحاق، وفيه نظر، فإن الذين لم يقولوا بالوجوب: مالك والشافعي وسفيان الثوري ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى والحسن بن صالح بن حي وأبو بكر بن المنذر وداود، وبه قال من الصحابة: عبد الله بن عمر، ومن التابعين: المغيرة بن حكيم وعمر بن عبد العزيز. وقال: وفرق أبو حنيفة بين أن يكون النحل في أرض العشر وبين أن يكون في أرض الخراج، فإن كان في أرض العشر ففيه الزكاة، وإن كان في أرض الخراج فلا زكاة فيه، قل أو كثر. وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة أنه إذا كان في أرض العشر ففي قليل العسل وكثيره العشر، وحكى عن أبي يوسف ومحمد أنه ليس فيما دون خمسة أوسق من العسل عشر، وحكى ابن حزم عن أبي يوسف أنه إذا بلغ العسل عشرة أرطال ففيه رطل واحد، وكذا ما زاد ففيه العشر، والرطل هو الفلفلي. قال: وقال محمد بن الحسن: إذا بلغ العسل خمسة أفراق ففيه العشر، وإلاَّ فلا. قال: والفرق ستة وثلاثون رطلاً فلفلية. وحكى صاحب (الهداية) عن أبي يوسف: أنه يعتبر فيه القيمة كما هو أصله، وعنه: أنه لا شيء فيه حتى يبلغ عشر قرب، وعنه: خمسة أمناء. قلت: تحقيق مذهبنا فيه أن عند أبي حنيفة: يجب في قليله وكثيره لأنه لا يشترط النصاب في العشر، وعن أبي يوسف: إذا بلغت قيمته خمسة أوساق، وعنه أنه قدره بعشرة أرطال، قال في (المبسوط): وهي رواية الأمالي، وهي: خمسة أمناء. وعنه أنه اعتبر فيه عشر قرب، وعن محمد ثلاث روايات إحداها: خمس قرب، والقربة خمسون مناً، ذكره في ١٠٢ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٧) (الينابيع) وفي (المغني): القربة مائة رطل. والثانية: خمسة أمناء. والثالثة: خمسة أواق. وقال السرخسي: وهي تسعون مناً. واحتجت أصحابنا بما رواه ابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله ابن عمرو عن النبي عَّةٍ: أنه أخذ من العسل العشر، وبرواية أبي داود أيضاً عن عمرو بن شعيب، وقد ذكرناه، وبما رواه القرطبي أيضاً عنه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله عَّلِ كان يؤخذ في زمانه من قرب العسل من كل عشر قرب قربة من أوسطها. قال: هو حديث حسن. وبما رواه الترمذي أيضاً عن ابن عمر، وقد ذكرناه، وبما رواه أبو هريرة عن رسول الله، عَّ له، كتب إلى أهل اليمن أن يؤخذ عن العسل العشر، ذكره في (الإمام). فإن قلت: ذكروا عن معاذ، رضي الله تعالى عنه، أنه سئل عن العسل في اليمن؟ قال: لم أومر فيه بشيء. قلت: لا يلزم من عدم أمر معاذ أن لا يجب فيه العشر، وإثبات أبي هريرة مقدم على نفي أمر معاذ. وبما رواه عبد الرحمن بن أبي ذئاب عن أبيه: أن عمر، رضي الله تعالى عنه، ((أمره في العسل بالعشر))، رواه الأثرم، ورواه الشافعي في (مسنده) والبزار والطبراني والبيهقي. قال الشافعي: أخبرنا أنس بن عياض عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذئاب عن أبيه ((عن سعد بن أبي ذئاب، قال: قدمت على رسول الله عَ لِ فأسلمت، ثم قلت: يا رسول الله إجعل لقومي ما أسلموا عليه من أموالهم، ففعل رسول الله عَ لّه واستعملني عليهم، ثم استعملني أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، قال: وكان سعد من أهل السراة، قال: فكلمت قومي في العسل فقلت زكوه فإنه لا خير في ثمرة لا تزكى، فقالوا: كم؟ قال: قلت: العشر، فأخذت منهم العشر وأتيت عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، فأخبرته بما كان، قال: فقبضه عمر فباعه ثم جعل ثمنه في صدقات المسلمين)). وبما رواه عطاء الخراساني عن سفيان بن عبد الله الثقفي، قال لعمر: إن عندنا وادياً فيه عسل كثير، فقال: عليهم في كل عشرة أفراق فرق، ذكره حميد بن زنجويه في (كتاب الأموال) وقال الأثرم: قلت لأحمد: أخذ عمر العشر من العسل كان على أنهم تطوعوا به، قال: لا بل أخذه منهم حقاً. فإن قلت: فقد روي عن عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر، قال: ليس في الخيل ولا في الرقيق ولا في العسل صدقة؟ قلت: العمري ضعيف لا يحتج به. فإن قلت: قال البخاري: ليس في زكاة العسل حديث يصح؟ قلت: هذا لا يقدح ما لم يبين علة الحديث والقادح فيه، وقد رواه جماعة منهم أبو داود، ولم يتكلم عليه، فأقل حاله أن يكون حسناً وهو حجة، ولا يلزمنا قول البخاري لأن الصحيح ليس موقوفاً عليه، وكم من حديث صحيح لم يصححه البخاري، ولأنه لا يلزم من كونه غير صحيح أن لا يحتج به، فإن الحسن، وإن لم يبلغ درجة الصحيح، فهو يحتج به، ولأن النحل تتناول من الأنوار والثمار وفيها العشر. : ١٤٨٣/٨٣ - حدَّثنا سعِيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ قال حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ وَهْبٍ قال أخبرني يُونُسُ بنُ يَزِيدَ عن الزُّهْرِيِّ عن سالِمٍ بنِ عَبْدِ اللهِ عنْ أبيهِ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيّ سَ ◌ّه قال فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ والعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِياً العُشْرُ ومَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ. ١٠٣ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٧) مطابقته للترجمة في قوله: ((فيما سقت السماء))، ورجاله قد تكرر ذكرهم، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري يروي عن سالم بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنهم. والخديث أخرجه أبو داود في الزكاة أيضاً عن هارون بن سعيد الأيلي عن ابن وهب. وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن الحسن الترمذي عن سعيد بن أبي مريم به. وأخرجه النسائي وابن ماجه جميعاً فيه عن هارون بن سعيد به. ذكر معناه: قوله: ((فيما سقت السماء)) أي: المطر لأنه ينزل منه قال تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهوراً﴾ [الفرقان: ٤٨]. وهو من قبيل ذكر المحل وإرادة الحال. قوله: ((أو كان عثرياً))، بفتح العين المهملة والثاء المثلثة المخففة وكسر الراء وتشديد الياء آخر الحروف: وهو ما يشرب بعروقه من غير سقي، قاله الخطابي، وقال الداودي: وهو ما يسيل إليه ماء المطر وتحمله إليه الأنهار، سمي بذلك لأنه يكسر حوله الأرض ويعثر جريه إلى أصول النخل بتراب هناك يرتفع، وقال صاحب (المطالع): قيل له ذلك لأنه يصنع له شبه الساقية يجتمع فيه الماء من المطر إلى أصوله، ويسمى ذلك: العاثور، وفي (المغيث) لأبي موسى: هو الذي يشرب بعروقه من ماء يجتمع في حفير، وسمي به لأن الماشي يتعثر فيه، وقال ابن فارس: العثري ما سقي من النخل سيحاً، وكذا قاله الجوهري وصاحب (الجامع) و(المنتهى) ولفظ الحديث يرد عليهم لأنه عطف العثري على قوله: ((فيما سقت السماء والعيون)) والمعطوف غير المعطوف عليه، والصواب ما قاله الخطابي. وقال الهجري: يجوز فيه تشديد الثاء المثلثة، وحكاه ابن سيده في (المحكم) عن ابن الأعرابي، ورده ثعلب. وفي (المثنى والمثلث) لابن عديس: فيه ضم العين وفتحها وإسكان الثاء. قلت: هو منسوب إلى العثر، بسكون الثاء، لكن الحركة من تغييرات النسب. قوله: ((العشر)) مبتدأ وخبره هو قوله: ((فيما سقت السماء))، تقديره: العشر واجب، أو: يجب فيما سقت السماء. قوله: ((أو كان)) الضمير فيه يرجع إلى لفظ: مسقي مقدر تقديره: أو كان المسقي عثرياً، ودل على ذلك قوله: ((فيما سقت)). قوله: ((وفيما سقي بالنضح)) تقديره: وفيما سقي بالنضح ((نصف العشر)) أي: يجب أو واجب، و: النضح، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة وفي آخره حاء مهملة: وهو ما سقي بالسواني، وقال بعضهم: النضح ما سقي بالدوالي والرشاء، والنواضح الإبل التي يستقى عليها، وأحدها: ناضح، والأنثى: ناضحة، وقال بعضهم: بالنضح أي: بالسانية، وهي رواية مسلم. قلت: رواية مسلم عن جابر، رضي الله تعالى عنه، ولفظه: ((أنه سمع النبي عَّلِ قال: فيما سقت الأنهار والغيم العشر، وفيما سقي بالسانية نصف العشر)). وأما حديث ابن عمر فرواه أبو داود، ولفظه: قال: قال رسول الله عَّهِ: ((فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلاً العشر، وفيما سقي بالسواني والنضح نصف العشر)). قوله: ((أو كان بعلاً))، بفتح الباء الموحدة وسكون العين المهملة وفي آخره لام: وهو ما يشرب من النخل بعروقه من الأرض من غير سقي سماء ولا غيرها والسواني: جمع سانية، ١٠٤ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٧) وهي الناقة التي يستقى عليها. وقيل: السانية الدلو العظيمة، والأنهار التي تستقى بها، والنضح قد مر تفسيره. فإن قلت: قد علمت أن النضح هو السانية، فكيف وجه رواية أبي داود بالسواني أو النضح؟ قلت: الظاهر أن هذا شك من الراوي بين السواني والنضح، أراد أن لفظ الحديث أما فيما سقي بالسواني، وأما فيما سقي بالنضح، وأما العشر، فقد قال ابن بزيزة في (شرح الأحكام): وهو بضم العين والشين وسكونها، ومنهم من يقول: العشور، بفتح العين وضمها أيضاً. وقال القرطبي: وأكثر الرواة بفتح العين، وهو اسم للقدر المخرج. وقال الطبري: العشر، بضم العين وسكون الشين، ويجمع على: عشور، قال: والحكمة في فرض العشر أنه يكتب بعشرة أمثاله، فكأن المخرج للعشر تصدق بكل ماله. فافهم. ذكر ما يستفاد منه: بظاهر الحديث المذكور أخذ أبو حنيفة، رضي الله تعالى عنه، لأنه عَِّ لم يقدر فيه مقداراً، فدل على وجوب الزكاة في كل ما يخرج من الأرض قل أو كثر. فإن قلت: هذا الحديث مجمل يفسره قوله عَّله: ((ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)). قلت: لا نسلم أنه مجمل، فإن المجمل ما لا يعرف المراد بصيغته لا بالتأمل ولا بغيره، وهذا الحديث عام فإن كلمة: ما، من ألفاظ العموم. فإن قلت: سلمنا أنه عام، ولكن الحديث المذكور خصصه؟ قلت: إجراء العام على عمومه أولى من التخصيص لأن فيه إخراج بعض ما تناوله العام أن يكون مراداً، ولو صلح هذا الحديث أن يكون مخصصاً أو مفسراً لحديث الباب لصلح حديث ما عز أن يكون مخصصاً أو مفسراً لحديث أنيس في الإقرار بالزنا، فحينئذ يحمل قوله عَّل على أن المراد بالصدقة هي الزكاة، وهي زكاة التجارة بقرينة عطفها على زكاة الإبل والورق، إذ الواجب في العروض والنقود واحد، وهو الزكاة. وكانوا يتبايعون بالأوساق، وقيمة الخمسة أوساق كانت مائتي درهم في ذلك الوقت غالباً، فأدير الحكم على ذلك. واعلم أن العلماء اختلفوا في هذا الباب على تسعة أقوال: الأول: قول أبي حنيفة، وقد ذكرناه، واحتج بظاهر الحديث كما ذكرنا، وبعموم قوله تعالى: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ [البقرة: ٢٦٧]. وقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١]. واستثنى أبو حنيفة من ذلك: الحطب والقصب والحشيش والتبن والسعف، وهذا لا خلاف فيه لأحد، وذكر في (المبسوط): الطرفاء عوض الحطب. والسعف: ورق جريد النخل الذي تصنع منه المراوح ونحوها، والمراد بالقصب الفارسي، وهو يدخل بالأبنية وتتخذ منه الأقلام: قيل: هذا إذا كان القصب نابتاً في الأرض، وأما إذا اتخذ الأرض مقبة فإنه يجب فيه العشر، ذكره الاسبيجاني والمرغيناني وغيرهما، ويجب في قصب السكر والذريرة وقوائم الخلاف، بتخفيف اللام، وقال ابن المنذر: لا نعلم أحداً قاله غير نعمان. وقال السروجي: لقد كذب في ذلك، فإنه لا يخفى عنه من قاله غيره، وإنما عصبيته تحمله على ارتكاب مثله، قلت: قول أبي حنيفة مذهب إبراهيم النخعي ومجاهد وحماد وزفر وعمر بن عبد العزيز، ذكره أبو عمر، وهو مروي عن ابن عباس، وهو قول داود ١٠٥ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٧) وأصحابه فيما لا يوسق، وحكاه يحيى بن آدم بسند جيد عن عطاء: ما أخرجته الأرض فيه العشر أو نصف العشر، وقاله أيضاً حفص بن غياث عن أشعث عن الحكم، وعن أبي بردة: في الرطبة صدقة، وقال بعضهم: في دستجة من بقل، وعن الزهري: ما كان سوى القمح والشعير والنخل والعنب والسلت والزيتون فإنى أرى أن تخرج صدقته من أثمانه، رواه ابن المبارك عن يونس عن الزهري، وقال ابن بطال: وقول أبي حنيفة خلاف السنة، والعلماء، قال: وقد تناقض فيها لأنه استعمل المجمل والمفسر في قوله عَ له: ((في الرقة ربع العشر))، مع قوله: ((ليس فيما دون خمس أواق صدقة))، ولم يستعمله في حديث الباب مع ما بعده، و کان يلزمه القول به. انتهى. قلت: قوله: خلاف السنة، باطل لأنه احتج فيما ذهب إليه بحديث الباب، كما ذكرنا، والذي ذهب إليه ابن بطال خلاف القرآن، لأن عموم قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١]. يتناول القليل والكثير، كما ذكرناه. وقوله: وخلاف العلماء، أيضاً باطل، لأن قول أبي حنيفة هو قول من ذكرناهم الآن، فكيف يقول بترك الأدب خلاف العلماء؟ وقوله: وقد تناقض، غير صحيح، لأن من نقل ذلك من أصحابه لم يقل أحد منهم إنه استعمل المجمل والمفسر، وأصحابه أدرى بما قاله وبما ذهب إليه، ولما نقل صاحب (التوضيح) ما قاله ابن بطال أظهر النشاط بذلك، وقال: وفي حديث جابر: لا زكاة في شيء من الحرث حتى يبلغ خمسة أوسق، فإذا بلغها ففيه الزكاة، ذكرها ابن التين، وقال: هي زيادة من ثقة فقبلت، وفي مسلم من حديث جابر: ((وليس فيما دون خمسة أوساق من التمر صدقة))، وفي رواية من حديث أبي سعيد: ((ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر ولا حب صدقة)). وفي رواية: ((ليس في حب ولا تمر صدقة))، حتى يبلغ خمسة أوساق. انتهى. قلت: قد ذكرنا أن المراد من الصدقة في هذه الأحاديث زكاة التجارة، وكذلك المراد من قوله: ((لا زكاة في شيء))، أي: لا زكاة في التجارة، ونحن نقول به حينئذ، وقال ابن التين: روى أبان بن أبي عياش عن أنس مرفوعاً: ((فيما سقت السماء العشر في قليله وكثيره))، قال: ورواه أبو مطيع البلخي وهو مجهول عند أهل النقل، والمروي عن أبي حنيفة عن أبان عن رجل عن النبي، عَّله، ضعيف عن رجل مجهول. وقال النووي: لا خلاف بين المسلمين أنه لا زكاة فيما دون خمسة أوسق إلاَّ ما قال أبو حنيفة وبعض السلف: إنه تجب الزكاة في قليل الحَبِّ وكثيره، وهذا مذهب باطل، منابذ لصريح الأحاديث الصحيحة. قلت: ليت شعري كيف تلفظ بهذا الكلام مع شهرته بالزهد والورع؟ وعجبي كل العجب يقول هذا مع اطلاعه على مستنداته من الكتاب والسنة، ولا ينفرد حطه على أبي حنيفة وحده، بل على كل من كان مذهبه مثل مذهبه. القول الثاني: يجب فيما له ثمرة باقية إذا بلغ خمسة أوسق، وهو قول أبي يوسف ومحمد، ولا يجب في الخضراوات ولا في البطيخ والخيار والقثاء. ونص محمد على أنه: لا عشر في السفرجل، ولا في التين والتفاح والكمثرى والخوخ والمشمش والإجاص، وفي ١٠٦ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٧) الينابيع، ويجب في كل ثمرة تبقى سنة كالجوز واللوز والبندق والفستق. وفي (المبسوط): وأوجبا في الجوز واللوز وفي الفستق على قول أبي يوسف، وعلى قول محمد: لا يجب، وفي المرغيناني عن محمد: أنه لا عشر في التين والبندق والتوت والموز والخرنوب، وعنه: يجب في التين. قال الكرخي: هو الصحيح عنه، ولا في الإهليلجة وسائر الأدوية والسدر والأشنان، ويجب فيما يجيء منه ما يبقى سنة: كالعنب والرطب، وعن محمد: إن كان العنب لا يجيء منه الزبيب لرقته لا يجب فيه العشر، ولا يجب في السعتر والصنوبر والحلبة، وعن أبي يوسف أنه أوجب في الحناء، وقال محمد: لا يجب فيه كالرياحين، وعن محمد روايتان في الثوم والبصل، ولا عشر في التفاح والخوخ الذي يشق وييبس، ولا شيء في بذر البطيخ والقثاء والخيار والرطبة، وكل بذر لا يصلح إلاّ للزراعة، ذكره القدوري. ويجب في بذر القنب دون عيدانه، ويجب في الكمون والكراويا والخردل لأن ذلك من جملة الحبوب. وفي (المحيط): ولا عشر فيما هو تابع للأرض: كالنخل والأشجار، وأصله أن كل شيء يدخل في بيع الأرض تبعاً فهو كالجزء منها فلا شيء فيه، وما لا يدخل إلاّ بالشرط يجب فيه: كالثمر والحبوب. القول الثالث: يجب فيما يدخر ويقتات كالحنطة والشعير والدخن والذرة والأرز والعدس والحمص والباقلاء والجلبان والماش واللوبيا ونحوها، وهو قول الشافعي. وفي (شرح الترمذي) أطلق القول في وجوب الزكاة في كل شيء يجري فيه الوساق والصاع، ولا شك أنه أراد مما يزرع ويستنبت وإلاَّ فلا يجري فيه الوسق والصاع، ولا زكاة فيه. وإنما اختلف العلماء في أشياء مما يستنبت، فمذهب الشافعي، كما اتفق عليه الأصحاب: أن يكون قوتاً في حال الاختيار، وأن يكون من جنس ما ينبته الآدميون، وشرط العراقيون أن يدخر وييبس. قال الرافعي: لا حاجة إليهما لأنهما ملازمان لكل مقتات مستنبت وهو الحنطة والشعير والسلت والذرة والدخن والأرز والجاورش، بالجيم وفتح الواو، وفسره بأنه: حب صغار من جنس الذرة، وكذلك القطنية، بكسر القاف وجمعها القطانى، وهى العدس والحمص والماش والباقلاء، وهو الفول واللوبيا والهرطمان وهو الجلبان، ويقال له الخلر، بضم الخاء المعجمة وتشديد اللام وفتحها وآخره راء، لأنها تصلح للاقتيات وتدخر للأكل، واحترز الأصحاب بقولهم: في حال الاختيار عن حب الحنظل وعن القت، وبه مثله الشافعي، وفسره المزني وغيره: بحب الغاسول، وهو الأشنان وسائر بذور البراري، قالوا: ولا تجب الزكاة في الثفاء، وهو حب الرشاد، ولا في الترمس والسمسم والكمون والكراويا والكزبرة وبذر القطونا وبذر الكتاب وبذر الفجل وما أشبه ذلك من البذورات، ولا شيء في هذه عندنا بلا خلاف، وإن جرى فيه الكيلِ بالصاع ونحوه، إلاَّ ما حكاه العراقيون أن في الترمس قولاً قديماً في وجوب الزكاة فيه، وإلاّ ما حكاه الرافعي عن ابن كج من حكاية قول قديم في بذر الفجل، ولا زكاة عند الشافعي في التين والتفاح والسفرجل والرمان والخوخ والجوز واللوز والموز وسائر الثمار سوى الرطب والعنب، ولا في الزيتون في الجديد. ١٠٧ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٧) القول الرابع: قول مالك مثل قول الشافعي، وزاد عليه: وجوب العُشر في الترمس والسمسم والزيتون، وأوجب المالكية في غير رواية ابن القاسم في بذر الكتاب وبذر السلجم لعموم نفعهما بمصر والعراق، مع أنه لا يؤكل بذرهما. القول الخامس: قول أحمد: يجب فيما له البقاء واليبس والكيل من الحبوب والثمار، سواء كان قوتاً كالحنطة والشعير والسلت وهو نوع من الشعير. وفي المغرب: شعير لا قشر له يكون بالغور والحجاز، والأرز والدهن والعلس وهو نوع من الحنطة يزعم أهله أنه إذا أخرج من قشره لا يبقى بقاء غيره من الحنطة، ويكون منه حبتان وثلاث في كمام واحد، وهو طعام أهل صنعاء وفي المغرب هو بفتحتين حبة سوداء إذا أجدب الناس خلطوها وأكلوها. وقال ابن القاسم المالكي: ليس هو من نوع الحنطة، وتجب في الأرز والذرة وفي القطنيات كالعدس والباقلاء والحمص والماش، وفي الإبازير كالكزبرة والكمون، وفي البذور كبذر الكتان والقثاء والخيار ونحوها، وفي البقول كالرشاد والفجل، وفي القرطم والترمس والسمسم، وتجب عنده في التمر والزبيب واللوز والبندق والفستق، دون الجوز والتين والمشمش والتفاح والكمثرى والخوخ والإجاص، دون القثاء والخيار والباذنجان والقت والجزر، ولا تجب في ورق السدر والخطمي والأشنان والآس، ولا في الأزهار كالزعفران والعصفر، ولا في القطن. القول السادس: تجب في الحبوب والبقول والثمار، وهو قول حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة. القول السابع: ليس في شيء من الزرع زكاة إلاَّ في التمر والزبيب والحنطة والشعير، حكاه العبدري عن الثوري وابن أبي ليلى، وحكاه ابن العزى عن الأوزاعي وزاد: الزيتون. القول الثامن: يؤخذ من الخضراوات إذا بلغت مائتي درهم، وهو قول الحسن والزهري. القول التاسع: أن ما يوسق يجب في خمسة أوسق منه، وما لا يوسق يجب في قليله وكثيره، وهو قول داود الظاهري وأصحابه. قال أبُو عَبْدِ اللهِ لهذا تَفْسِيرُ الأوَّلِ لأَنَّهُ لَمْ يُوَقَّتْ فِي الأوَّلِ يَعْنِي حَديثَ ابنِ عُمَرَ وفِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ وبَيَّنَ فِي لهذا وَوَقَّتَ وَالزِّيَادَةُ مَقْبُولَةٌ وَالْمُفَسَّرُ يَقْضِي عَلَى المُبْهَمِ إذَا رَوَاهُ أَهْلُ الثَّبْتِ كَمَا رَوَى الفَضْلُ ابْنُ عَبَّاسٍ أنَّ النبيَّ عَِّ لَمْ يُصَلِّ فِي الكَعْبَةِ وقال بِلاَلٌ قَدْ صَلَّى فَأُخِذَ بِقَوْلٍ بِلاَلٍ وَتُرِكَ قَوْلُ الفَضْلِ. هذا كله وقع في رواية أبي ذر ههنا عقيب حديث ابن عمر المذكور، وفي نسخة الفربري وقع في الباب الذي بعد هذا الباب بعد حديث أبي سعيد، وكذا وقع عند الإسماعيلي، وجزم أبو علي الصدفي بأن ذكره عقيب حديث ابن عمر من قبل بعض نساخ الكتاب. قلت: وكذا قال التيمي، ونسبه إلى غلط من الكاتب، ولا احتياج إلى هذه ١٠٨ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٧) المشاححة، ولكل ذلك وجه لا يخفى، ولكن رجح بعضهم كونه بعد حديث أبي سعيد لأنه هو المفسر لحديث ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، ولا حاجة إلى هذا الترجيح أيضاً لأنا نمنع الإجمال والتفسير ههنا، وقد ذكرناه عن قريب. قوله: ((قال أبو عبد الله))، هو البخاري نفسه. قوله: ((هذا تفسير الأول))، أشار بهذا إلى حديث أبي سعيد الذي يأتي وأراد بالأول حديث ابن عمر، فهذا يدل على أن هذا الكلام من البخاري إنما كان بعد حديث أبي سعيد، وهو ظاهر. قوله: ((لأنه لم يوقت في الأول)) أي: لم يعين شيئاً في حديث ابن عمر، وهو قوله: ((فيما سقت السماء العشر)). قوله: ((وبين في هذا)) أي: في حديث أبي سعيد، ووقَّت أي: عيَّن، وهو قوله: ((ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة))، وقد عيَّنَ فيه بأن النصاب خمسة أوسق. قوله: ((والزيادة)) يعني: تعيين النصاب ((مقبولة)) يعني: من الثقة. قوله: ((والمفسر))، بفتح السين يعني: المبين، وهو الخاص ((يقضي) أي: يحكم ((على المبهم)) أي العام، وسمى البخاري الخاص بحسب تصرفه مفسراً لوضوح المراد منه، وسمى العام مبهماً لاحتمال إرادة الكل والبعض منه، وغرضه أن حديث ابن عمر عام للنصاب ودونه، وحديث أبي سعيد، وهو: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة))، خاص بقدر النصاب، والخاص والعام إذا تعارضا يخصص الخاص العام، وهو معنى القضاء عليه، وهذا حاصل ما قاله البخاري. قلت: قد ذكرنا عن قريب أن إجراء العام على عمومه أولى من التخصيص، فارجع إليه. والتحقيق في هذا المقام أنه: أذا ورد حديثان أحدهما عام والآخر خاص فإن علم تقديم العام على الخاص خص العام بالخاص، كمن يقول لعبده: لا تعط لأحد شيئاً، ثم قال له: أعط زيداً درهماً، وإن علم تقديم الخاص على العام ينسخ العام للخاص، كمن يقول لعبده: أعط زيداً درهماً، ثم قال له: لا تعط أحداً شيئاً، فإن هذا ناسخ للأول، هذا مذهب عيسى بن أبان، وهو المأخوذ به، وإذا لم يعلم فإن العام يجعل آخراً لما فيه من الاحتياط، وهنا لم يعلم التاريخ فيجعل العام آخراً احتياطاً، والنبي عَّةِ نفى الصدقة ولم ينف العشر، وقد كان في المال صدقات نسختها آية الزكاة، والعشر ليس بصدقة مطلقة إذ فيه معنى المؤونة، حتى وجب في أرض الوقف ولا تجب الزكاة في الوقف. وقال الكرماني: مذهب الحنفي أن الخاص المتقدم منسوخ بالعام المتأخر، ولعله ضبط التاريخ وعلم تقديم حديث أبي سعيد، فلهذا لا يشترط النصاب فيه. قلت: فيلزم عليه أن يقول بمثله في الورق، إذ مر في: باب زكاة الغنم، في الرقة ربع العشر، انتهى. قلت: لا يلزمه ذلك لأنه لم يدع ضبط التاريخ، ولا تقدم حديث أبي سعيد، وإنما الأصل عنده التوقف إذا جهل التاريخ والرجوع إلى غيرهما، أو يرجح أحدهما بدليل، ومن جملة ترجيح العام هنا هو أنه إذا خص لزم إخراج بعض ما تناوله أن يكون مراداً، ومنها الاحتياط في جعله آخراً كما ذكرنا، وقال ابن بطال: ناقض أبو حنيفة حيث استعمل المجمل والمفسر في مسألة الرقة، ولم يستعمل في هذه المسألة، كما أنه أوجب الزكاة في العسل ١٠٩ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٨) وليس فيه خبر ولا إجماع. قلت: كيف يستعمل المجمل والمفسر في هذه المسألة وهو غير قائل به هنا لعدم الإجمال فيه، ومن أين الإجمال ودلالته ظاهرة، لأن دلالته على إفراده كدلالة الخاص على فرد واحد، فلا يحتاج إلى التفسير، ولفظ الصدقة في الزكاة أظهر من العشر فصرفه إليها أولى، ولا كذلك صدقة الرقة. ولم يفهم ابن بطال الفرق بينهما، وكيف يقول ابن بطال: كما أنه أوجب الزكاة وليس فيه خبر؟ وقد ذكرنا عن الترمذي حديث ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، عن النبي، عَّهِ، ((في العسل في كل عشرة أزق زق))، وذكرنا فيما مضى عن قريب جملة أحاديث تدل على الوجوب، وقوله: ولا إجماع، كلام واهٍ، لأن المجتهد لا يرى بالوجوب في شيء إلاَّ إذا كان فيه إجماع، وهذا لم يقل به أحد. قوله: ((أهل الثبت))، بتحريك الباء الموحدة أي: أهل الثبات. قوله: ((كما روى الفضل بن عباس)) أي: عبد المطلب، ابن عم النبي عَّهِ، وهذا الذي ذكره صورة اجتماع النفي والإثبات، لأن الفضل ينفي صلاة النبي عَّه في جوف الكعبة لما حج عام الفتح، وبلال يثبت ذلك، فأخذ بقول بلال لكونه يثبت أمراً، وترك قول الفضل لأنه ينفيه، والأصل في ذلك أن النفي متى عرف بدليله يعارض المثبت وإلاّ فلا، وههنا لم يعرف النفي بدليل، فقدم عليه الإثبات، وذكر بعض أصحابنا هذه الصورة بخلاف ما قاله البخاري، وهي: أن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، روى أن النبي عَّلَّهِ صلى في جوف الكعبة، ورجحنا روايته على رواية بلال أنه: لم يصل في جوف الكعبة عام الفتح في تلك الأيام. ٥٨ _ بابٌّ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقِ صَدَقَةٌ أي: هذا باب يذكر فيه: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، أي: زكاة. ٨٤ / ١٤٨٤ _ حدَّثْنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا يَحْيِى قال حدَّثنا مالِكٌ قال حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ أبِي صَعْصَعَةَ عنْ أَبِيهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخذْرِيِّ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَّ ◌ُلَّهِ قال لَيْسَ فِيمَا أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ وَلاَ فِي أَقَلَّ منْ خَمْسَةٍ مِنَ الإِبِلِ الذَّوْدِ صَدَقَةٌ وَلاَ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسٍ أوَاقٍ منَ الوَرَقِ صَدَقَّةٌ. [انظر الحديث ١٤٠٥ وطرفيه]. مطابقته للترجمة من حيث إن الترجمة الجزء الأول من الحديث، وقد مضى الحديث في: باب زكاة الورق، رواه عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه، قال: سمعت أبا سعيد الخدري ... إلى آخره، ولكن في المتن اختلاف في التقديم والتأخير. وأخرجه أيضاً في: باب ليس فيما دون خمس ذود صدقة، رواه عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن محمد بن عبد الرحمن إلى آخره، وههنا رواه عن مسدد عن يحيى القطان عن مالك. قوله: ((فيما أقل))، كلمة: ما، زائدة و: أقل، في محل الجر، وقال ابن بطال: الأوسق الخمسة هي المقدار المأخوذ منه، وأوجب أبو حنيفة في قليل ما تخرجه الأرض وكثيره، ١١٠ ٢٤ - كتابُ الزَكاةِ / باب (٥٨) فإنه خالف الإجماع. قلت: ليت شعري كيف يتلفظ بهذا الكلام؟ ومن أين الإجماع حتى خالفه أبو حنيفة؟ وقد ذكرنا عن جماعة ذهبوا إلى ما قاله أبو حنيفة، قال: وكذلك أوجبها في البقول والرياحين وما لا يوسق كالرمان، والجمهور على خلافه. قلت: أوجب أبو حنيفة في البقول، يعني: الخضروات بعموم حديث ابن عمر المذكور عن قريب، وبعموم حديث جابر عن رسول الله عَ لّم قال: ((فيما سقت السماء والغيم العُشر، وفيما سقي بالسانية نصف العُشر))، رواه مسلم والنسائي وأبو داود وأحمد، فدل عمومها على وجوب العُشر في جميع ما أخرجته الأرض من غير قيد وإخراج لبعض الخارج عن الوجوب وإخلائه عن حقوق الفقراء، وقال ابن العربي في (عارضة الأحوذي): وأقوى المذاهب في المسألة مذهب أبي حنيفة دليلاً، وأحفظها للمساكين، وأولاها قياماً بشكر النعمة، وعليه يدل عموم الآية والحديث، وقد رام الجويني أن يخرج عموم الحديث من يدي أبي حنيفة بأن قال: إن هذا الحديث لم يأت للعموم، وإنما جاء لتفصيل الفرق بين ما يقلّ ويكثر مؤونته وأبدى، في ذلك وأعاد، وليس بممتنع أن يقتضي الحديث الوجهين: العموم والتفصيل، وذلك أكمل في الدليل وأصح في التأويل. انتهى. وقال القرافي في (الذخيرة المالكية) والظاهر أنه نقله من كلام الجويني: إن الكلام إذا سيق لمعنى لا يحتج به في غيره، وهذه قاعدة أصولية، فقوله عَّ لِ: ((إنما الماء من الماء))، "لا يستدل به على جواز الماء المستعمل، لأنه لم يرد إلاَّ لبيان حصر الوجوب للغسل، فكذا قوله: ((فيما سقت السماء العشر)) ورد لبيان جزء الواجب لا لبيان محل الوجوب، فلا يستدل به عليه. انتهى. قلت: النص اشتمل على جملتين: شرطية وجزائية، فالجملة الشرطية لعموم محل الواجب، فإلغاء عمومها باطل، والجملة الجزائية لبيان مقدار الواجب، مثاله قوله معَ له: ((من قتل قتيلاً فله سلبه))، فالجملة الشرطية وهي الأولى وردت لبيان سبب استحقاق القاتل، وعموم من فعل ذلك. والجملة الثانية: الجزائية، وردت لبيان ما يستحقه، وهو سلب المقتول، واختصاصه به، فلا يجوز إبطال مدلول الشرط كما لا يجوز إبطال مدلول الجزاء، وليس هذا نظير ما استشهد به القرافي، وقد يساق الكلام لأمر وله تعلق بغيره وإيماء به وإشارة إليه، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن﴾ [البقرة: ٢٣٣]. سيقت الآية لبيان وجوب نفقة المطلقات وكسوتهن إذا أرضعن أولادهن، وفيه إشارة إلى أن للأب تأويلاً في نفس الولد وماله حتى لا يستوجب العقوبة بوطء جاريته، ولا بسببه، ذكره السرخسي في (أصوله)، وقاعدة القرافي هذه إن كانت صحيحة أبطلت عليه قاعدة مذهبه ومدركه لأن قوله عَّلِّ: ((لا صدقة في حب ولا ثمر حتى يبلغ خمسة أوسق)) سيق لبيان تقدير النصاب، ونفي الوجوب عما دون الخمسة الأوسق، فلا يدل حينئذ على عموم الحب والثمر، وقد قال: هو عام في الحبوب والثمار. فإن قلت: روى الترمذي عن معاذ أنه كتب إلى رسول الله عَّةٍ يسأله عن الخضروات وهي: البقول، فقال: ليس فيها شيء! قلت: قال الترمذي: إسناد هذا الحديث ليس بصحيح، ١١١ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٩) وليس يصح في هذا الباب عن النبي عَّهُ شيء، وإنما يروى هذا عن موسى بن طلحة عن النبي عَّ له مرسلاً، وروى الدارقطني أيضاً عن عائشة قالت: جرت السنة من النبي عَّم: ليس فيما أنبتت الأرض من الخضر زكاة، وفي سنده صالح بن موسى، ضعفه الدارقطني، وروى الدارقطني أيضاً عن جابر، قال: لم يكن المقاثي فيما جاء به معاذ، وليس في المقاثي شيء، وقد تكون عندنا المقناة تخرج عشره الآن، فلا يكون فيها شيء، قلت: في سنده عدي بن الفضل، وهو متروك. قالَ أَبُو عَبْدِ الله لهذا تَفْسِيرُ الأوَّلِ إِذَا قَالَ لَيْسَ فِيمَا دونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ لِكَوْنِهِ لَمْ يُبَيِّنْ وَيُؤْخَذُ أَبَداً فِيِ العِلْمِ بِمَا زَادَ أهْلُ الََّتِ أُوْ بَيْتُوا أبو عبد الله هو البخاري، وأراد بالأول حديث أبي سعيد، وقد مر هذا عن قريب. قوله: ((ويؤخذ أبداً ... )) إلى آخره، يرد عليه ما بيّنه أبو حنيفة من استدلاله بعموم حديث ابن عمر، وهو من أهل العلم الكبار المجتهدين، وقد بيّ هذا، فينبغي أن يؤخذ به، والمكابرة مطروحة. ٥٩ - بابُ أخذٍ صَدَقَةِ الثَّعْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ وهَلْ يُتْرَكُ الصَّبِيُّ فِيَمَس ◌َمْرَ الصَّدَقَّةِ أي: هذا باب في بيان أخذ الصدقة من التمر عند صرام النخل، بكسر الصاد المهملة، وهو: الجذاذ والقطاف وزناً ومعنىّ، وصرام النخل أوان إدراكه، وأصرم: حان صرامه، والصرامة: ما صرم من النخل، ونخل صريم مصروم، ذكره ابن سيده. وفي (المغيث): قد يكون الصرام النخل لأنه يصرم أي: يجتنى ثمره، والصرام التمر بعينه أيضاً لأنه يصرم، فسمي بالمصدر. وقال الإسماعيلي: قوله: عند صرام النخل، يريد بعد أن يصير تمراً لأنه يصرم النخل وهو رطب فيثمر في المربد، ولكن ذاك لا يتطاول، فحسن أن ينسب إليه. قوله: ((وهل يترك الصبي؟)) ترجمة أخرى، وللترجمة الأولى تعلق بقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١]. واختلفوا في قوله: ﴿حقه﴾ [الأنعام: ١٤١]. فعن ابن عباس: هي الواجبة، وعن ابن عمر: هو شيء سوى الزكاة، وبه قال عطاء وغيره، وللترجمة الثانية تعلق بالترك، ولكنه ذكره بلفظ الاستفهام لاحتمال أن يكون النهي خاصاً بمن لا يحل له تناول الصدقة. فإن قلت: الصبي لا يتوجه إليه الخطاب؟ قلت: وليه يخاطب بتأديبه وتعليمه. قوله: (فيمس))، بالنصب لأنه جواب الاستفهام. ١٤٨٥/٨٥ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ الأسَدِيُّ قال حدَّثنا أبي قال حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ طَهْمَانَ عنْ مُحَمَّدِ بنِ زِيادٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال كانَ رسولُ الله عَّهِ يُؤتى بِالنَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ فَيَجِيءُ لهذا بِتَغْرِهِ وَلهذا مِنْ تَمْرِهِ حَتَّى يَصِيرَ عِنْدَهْ كَوْماً مِنْ تَمْرِ فجَعَلَ الحَسنُ والحُسَينُ رضي الله تعالى عنهما يلْعَبَانِ بِذَلِكَ التَّعْرِ فأخذَ ١١٢ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٩) أحَدُهُمَا تَمْرَةً فَجعَلَهُ فِي فِيهِ فَتَظَرَ إِلَيْهِ رسولُ الله عَ لَّهِ فَأَخْرَجَهَا مِنْ فِيهِ فقال أمَا عَلِمْتَ أَنَّ آَلَ مُحَمَّدٍ عَّ ◌َلَّه لا يَأْكُلونَ الصَّدَقَةَ. [الحديث ١٤٨٥ - طرفاه في: ١٤٩١، ٣٠٧٢]. مطابقته للترجمتين ظاهرة لأن مطابقته الأولى في قوله: ((عند صرام النخل))، وللثانية في قوله: ((فجعل الحسن .. )) إلى آخره. ذكر رجاله: وهم: خمسة: الأول: عمر بن محمد بن الحسن المعروف بابن الثل، بفتح الثاء المثناة من فوق وتشديد اللام: الأسدي، بسكون السين المهملة. وحكى الغساني: الأزدي، بالزاي بدل السين، مات سنة خمسين ومائتين. الثاني: أبوه محمد بن الحسن أبو جعفر، مات سنة مائتين. الثالث: إبراهيم بن طهمان، بفتح الطاء المهملة وسكون الهاء، مر في: باب القسمة وتعليق القنو في المسجد. الرابع: محمد بن زياد، بكسر الزاي وخفة الياء آخر الحروف، مر في: باب غسل الأعقاب. الخامس: أبو هريرة. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: أن شيخه من أفراده وأنه أول ما ذكره هنا وأنه وأباه كوفيان وإبراهيم هروي سكن نيسابور، ثم سكن مكة وأن محمد بن زياد مدني. وفيه: رواية الإبن عن الأب. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: قد أخرج البخاري، رحمه الله تعالى، هذا الحديث من طريق شعبة: عن محمد بن زياد عن أبي هريرة عن قريب يأتي في: باب ما يذكر في الصدقة للنبي عَ له، وأخرجه أيضاً في الجهاد: عن محمد بن بشار. وأخرجه مسلم من طريق شعبة هذا عن محمد هو: ابن زياد، سمع أبا هريرة يقول: ((أخذ الحسن بن علي، رضي الله تعالى عنهما، تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال رسول الله عَّ له: كخ كخ إرم بها، أما علمت أنّا لا نأكل الصدقة؟)) وفي رواية له: ((أنّا لا تحل لنا الصدقة)). وأخرجه النسائي في (السير): عن محمد بن عبد الأعلى بن خالد بن الحارث عن شعبة. وفي الباب عن أبي رافع، وأنس وأبي هريرة والحسن بن علي وابن عباس وعبد الله بن عمرو وعبد الرحمن بن علقمة ومعاوية بن حيدة وعبد المطلب بن ربيعة وأبي ليلى وبريدة بن حصيب وسلمان الفارسي وهرمز أو كيسان مولى النبي عَّ لّه ورشيد بن مالك وميمون أو مهران والحسين بن علي رضي الله تعالى عنهم. فحديث أبي رافع أخرجه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن كثير، قال: أخبرنا شعبة عن الحكم عن ابن رافع ((عن أبي رافع: أن النبي عَّم بعث رجلاً على الصدقة من بني مخزوم، فقال لأبي رافع: إصحبني فإنك تصيب منها. فقال: حتى آتي النبي عَّ فاسأله، فأتاه فسأله، فقال: مولى القوم من أنفسهم، وإنا لا تحل لنا الصدقة))، واسم أبي رافع: إبراهيم أو أسلم أو ثابت أو هرمز مولى النبي عَ له، واسم ابنه عبيد الله، كاتب علي، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((ورجلاً))، هو الأرقم بن أبي الأرقم القرشي المخزومي. وأخرجه النسائي أيضاً عن عمرو بن علي عن يحيى عن شعبة. وحديث أنس ١١٣ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٩) أخرجه الشيخان، وسنذكره إن شاء الله تعالى. وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم، ولفظه: ((والله إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي. أو في بيتي، فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها)). وحديث الحسن بن علي، رضي الله تعالى عنهما، رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في (الكبير) من رواية أبي الحوراء، قال: كنا عند الحسن بن علي، فسئل: ما عقلت من النبي عَّله؟ أو: عن رسول الله عَّله؟ قال: كنت أمشي معه، فمر على جرين من تمر الصدقة، فأخذت تمرة فألقيتها في فمي، فأخذها بلعابها، فقال بعض القوم: وما عليك لو تركتها؟ فقال: إنَّا آل محمد لا تحل لنا الصدقة)). وإسناده صحيح. وحديث ابن عباس رواه أبو يعلى والطبراني في (الكبير) من حديث عكرمة عنه قال: (استعمل النبي عَّلم الأرقم ابن أبي الأرقم على السعاية، فاستتبع أبا رافع، فأتى النبي عَّه. فسأله فقال: يا أبا رافع! إن الصدقة حرام علي وعلى آل محمد، وإن مولى القوم من أنفسهم)). وحديث عبد الله بن عمرو رواه أحمد، حدثنا وكيع حدثنا أسامة بن زيد عن عمر ابن شعيب عن أبيه عن جده ((أن النبي عَّ له وجد تمرة تحت جنبه من الليل فأكلها، فلم ينم تلك الليلة، فقال بعض نسائه: يا رسول الله أرقت البارحة! قال: إني وجدت تمرة فأكلتها. وكان عندنا تمر من تمر الصدقة فخشيت أن تكون منه)). وحديث عبد الرحمن بن علقمة أخرجه النسائي عنه، قال: ((قدم وفد الثقيف على رسول الله، عَّةٍ، ومعهم هدية، فقال: أهدية أم صدقة ... ؟)) الحديث. وفيه: ((قالوا: لا، بل هدية، فقبلها منهم وقعد معهم يسائلهم ويسائلونه حتى صلى الظهر مع العصر)). وحديث معاوية بن حيدة رواه الترمذي عن بندار محمد بن بشار حدثنا مكي بن إبراهيم ويوسف بن سعد الضبعي، قالا: حدثنا بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، قال: ((كان رسول الله عَّ الله إذا أتي بشيء سأل: أصدقة هي أم هدية؟ فإن قالوا: صدقة، لم يأكل وإن قالوا: هدية، أكل)). وجد بهز بن حكيم اسمه معاوية بن حيدة القريشي وأخرجه النسائي أيضاً. وحديث عبد المطلب بن ربيعة رواه مسلم وأبو داود والنسائي مطولاً. وفيه: ((إن الصدقة لا تنبغي إنما هي أوساخ الناس))، وفي رواية: ((إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد»، الحديث. وحديث أبي ليلى رواه الطبراني في (الكبير) من رواية شريك عن عبد الله بن عيسى عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى ((عن أبي ليلى قال: دخل النبي عَّلِ بيت الصدقة ومعه الحسن، رضي الله تعالى عنه، فأخذ تمرة فوضعها في فيه، فأدخل النبي عَ له إصبعه فأخرجها من فيه، ثم قال: إنّا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة)). وحديث بريدة بن حصيب رواه أحمد والترمذي في الشمائل من رواية الحسن بن واقد ((عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، قال: جاء سلمان إلى رسول الله عٍَّ حين قدم المدينة بمائدة عليها رطب، فوضعها بين يدي النبي عَُّله، فقال رسول الله عَ ◌ٍّ: ما هذا يا سلمان؟ قال: صدقة عليك وعلى أصحابك. قال: إرفعها فإنا لا نأكل الصدقة)). وحديث سلمان، رضي الله تعالى عنه، رواه أحمد والحاكم في (المستدرك) من رواية أبي ذر الكندي عن سلمان، رضي الله تعالى عنه: ((أن النبي، عَّهِ، لما قدم المدينة ... )) عمدة القارىء / ج٩ / ٨٢ ١١٤ ٢٤ - كتابُ الزكاةِ / باب (٥٩) الحديث، وفيه: ((فسأله: أصدقة أم هدية؟ فقال: هدية، فأكل)). اللفظ للحاكم، وروى أحمد من رواية أبي الطفيل ((عن سلمان، قال: كان النبي عَّهِ يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة)). وحديث هرمز أو كيسان رواه الطحاوي: حدثنا ربيع المؤذن، قال: حدثنا أسد، قال: حدثنا ورقاء بن عمر ((عن عطاء بن السائب، رضي الله تعالى عنه، قال: دخلت على أم كلثوم بنت علي، رضي الله تعالى عنهما، فقالت: إن مولىّ لنا يقال له هرمز أو كيسان أخبرني أنه مر على رسول الله عَّةٍ، فدعاني فجئت، فقال: يا فلان إنّا أهل بيت قد نهينا أن نأكل الصدقة، وإن مولى القوم من أنفسهم، فلا تأكل الصدقة)). وأخرجه أحمد في (مسنده) وقال: مهران، وأخرجه البغوي في (معجم الصحابة) وقال: هرمز، وأخرجه ابن أبي شيبة، وقال: كيسان، وأخرجه عبد الرزاق وقال: ميمون أو مهران. وحديث رشيد، بضم الراء وفتح الشين المعجمة: ابن مالك بن عميرة السعدي التميمي الصحابي، عداده في الكوفيين، ويكنى بأبي عميرة، بفتح العين وكسر الميم، أخرجه الطحاوي عنه قال: ((كنا عند النبي عَّ له فأتي بطبق عليه تمر، فقال: أصدقة أم هدية؟ قال: بل صدقة، فوضعه بين يدي القوم والحسن يتعفر بين يديه، وأخذ الصبي تمرة فجعلها في فيه، فأدخل النبي عَّ له إصبعه فجعل يترفق به، فأخرجها فقذفها، ثم قال: إنّا آل محمد لا نأكل الصدقة)). وأخرجه الكجي في (مسنده) نحوه. قوله: ((يتعفر))، أي: يتمرغ بالتراب، لأنه كان صغيراً يلعب. وحديث ميمون أو مهران رواه عبد الرزاق، وقد ذكرناه الآن. وحديث الحسين بن علي، رضي الله تعالى عنهما، رواه أحمد في (مسنده): حدثنا وكيع، قال: حدثنا ثابت بن عمارة عن ربيعة بن شيبان، قال: قلت للحسين بن علي: ما تعقل عن رسول الله عَّ له؟ قال: صعدت غرفة فأخذت تمرة فلكتها في فيّ قال: فقال النبي عَّ له: ألقها، فإنا لا تحل لنا الصدقة، وقد تقدم حديث الحسن بن علي على نحو هذا، وكلاهما من رواية أبي الحوراء عنه، وأبو الحوراء هو ربيعة بن شيبان، قال شيخنا زين الدين: الظاهر أنهما واقعتان لكل واحد واحدة، فالحسن مر على جرين تمر، والحسين صعد غرفة فيها تمر الصدقة، ورواه الطبراني، وفي روايته الحسن مكبر، وطرق حديثه أكثر من طرق حديث الحسين، والله أعلم. ذكر معناه: قوله: ((عند صرام النخل)) أي: عند جذاذه، وهو قطع التمرة منه، وقد ذكرناه. قوله: ((كوما))، بفتح الكاف وسكون الواو، وهو معروف، وأصله: القطع العظيمة من الشيء، والمراد به: ما اجتمع من التمر كالصرمة. وقال الكرماني: كوما، بضم الكاف. وقال الجوهري: يقال: كومت كومة، بالضم: إذا جمعت قطعة من تراب ورفعت رأسها، وهو في الكلام بمنزلة قولك: صبرة من الطعام. قال: وفي بعض الرواية بالفتح. وانتصاب كوماً على أنه خبر: يصير، أي: حتى يصير التمر عنده كوماً ويروى: كوم، بالرفع على أنه اسم: يصير، ويكون: يصير، تامة فلا تحتاج إلى خبر. قوله: ((من تمر)) كلمة: من، بيانية، وقال الكرماني: قال أولاً بثمرة يعني بالباء، وهنا قال: من تمر، يعني بكلمة: من، لأن في الأول ذكر المجيء به، وفي الثاني المجيء عنه، وهما متلازمان وإن تغايرا مفهوماً. قوله: ((فأخذ أحدهما)) وهو ١١٥ ٢٤ - كتاب الزكاةِ / باب (٥٩) الحسن مكبر كما سيأتي بعد بابين من رواية شعبة عن محمد بن زياد بلفظ: فأخذ الحسن ابن علي. قوله: ((فجعله)) إنما ذكّر الضمير الذي يرجع إلى: التمرة، باعتبار المأخوذ، وفي رواية الكشميهني: فجعلها، أي: التمرة على الأصل. قوله: ((في فيه)) أي: في فمه، وفي الفم تسع لغات: تثليث الفاء مع تخفيف الميم والنقص وفتح الفاء وضمها مع تشديد الميم وفتحها وضمها وكسرها مع التخفيف والقصر. قوله: وحكى ابن الأعرابي في تثنيته: فموان وفميان، وحكى اللحياني أنه يقال: فم وأفمام، واللغة التاسعة: النقص واتباع الفاء الميم في الحركات الإعرابية، تقول: هذا فمه، ورأيت فمه، ونظرت إلى فمه. قوله: ((أما علمت؟)) ويروى بدون همزة الاستفهام لكنها مقدرة. قوله: ((إن آل محمد)) آل النبي عَ لِّ بنو هاشم خاصة عند أبي حنيفة ومالك، وعند الشافعي: هم بنو هاشم وبنو المطلب، وبه قال بعض المالكية. قال القاضي: وقال بعض العلماء: هم قريش كلها. وقال إصبغ المالكي: هم بنو قصي، وبنو هاشم هم آل علي، وآل عباس وآل جعفر وآل عقيل وآل الحارث بن عبد المطلب، وهاشم هو ابن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة فافهم. وفي (التوضيح): وقالت المالكية: بنو هاشم آل، وما فوق غالب ليس بآل، وفيما بينهما قولان. وقال إصبغ: هم عترته الأقربون الذين ناداهم حين أنزل الله ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ [الشعراء: ٢١٤]. وهم آل عبد المطلب وهاشم وعبد مناف وقصي وغالب، وقد قيل: قريش كلها. وقال ابن حبيب: لا يدخل في آله من كان فوق بني هاشم من بني عبد مناف أو من قصي أو غيرهم، وكذا فسر ابن الماجشون ومطرف، وحكاه الطحاوي عن أبي حنيفة. وعلى قول إصبغ: لا يأخذها الحلفاء الثلاثة الأول ولا عبد الرحمن ولا سعيد بن أبي وقاص ولا طلحة ولا الزبير ولا سعد ولا أبو عبيدة. وقال: الأصح عندنا إلحاق مواليهم بهم، وبه قال الكوفيون والثوري، وعند المالكية قولان لابن القاسم وإصبغ. قال إصبغ: احتججت على ابن القاسم بالحديث: مولى القوم منهم، فقال: قد جاء حديث آخر: ابن أخت القوم منهم، فكذلك حديث المولى، وإنما تفسير: مولى القوم منهم، في البر كما في حديث: ((أنت ومالك لأبيك))، أي في: البر لا في القضاء واللزوم، ونقل ابن بطال عن مالك والشافعي وابن القاسم الحل، وما حكاه عن الشافعي غريب. ذكر ما يستفاد منه فيه: أن الصدقة لا تحل لآل محمد، وفي (الذخيرة) للقرافي: إن الصدقة محرمة على رسول الله عَ ليه إجماعاً. وفي (المغني): الظاهر أن الصدقة فرضها ونفلها كانت محرمة على رسول الله، عَّهِ. وقال ابن شداد في (أحكامه): اختلف الناس في تحريم الصدقة على رسول الله عَّةٍ، وذكر ابن تيمية في الصدقة على رسول الله عَّ ةٍ وجهين، وللشافعي قولين. قال: وإنما تركها تنزهاً. وعن أحمد: حل صدقة التطوع له، وفي (نهاية المطلب) يحرم فرضها ونفلها على رسول الله، عَّ له، والأئمة على تحريمها على قرابته، عَ له. وقال الأبهري المالكي: يحل لهم فرضها ونفلها، وهو رواية عن أبي حنيفة. وقال الإصطخري: إن منعوا الخمس جاز صرف الزكاة إليهم، وروى ابن أبي سماعة عن أبي يوسف أن زكاة بني هاشم تحل لبني هاشم، ولا يحل ذلك لهم من غيرهم. وفي (الينابيع): ١١٦ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٩) يجوز للهاشمي أن يدفع زكاته للهاشمي عند أبي حنيفة، ولا يجوز عند أبي يوسف، وفي (جوامع الفقه): يكره للهاشمي عند أبي يوسف، خلافاً لمحمد، وروى أبو عصمة عن أبي حنيفة جواز دفعها إلى الهاشمي في زمانه. قال الطحاوي: هذه الرواية عن أبي حنيفة ليست بالمشهورة. وفي (المبسوط): يجوز دفع صدقة التطوع والأوقاف إلى بني هاشم، مروي عن أبي يوسف ومحمد في (النوادر) وفي (شرح مختصر الكرخي) و(الإسبيجابي) و(المفيد) إذا سموا في الوقف، وفي الكرخي: إذا أطلق الوقف لا يجوز لأن حكمهم حكم الأغنياء. وفي (شرح القدوري): الصدقة الواجبة كالزكاة والعشر والنذور والكفارات لا تجوز لهم، وأما الصدقة على وجه الصلة والتطوع فلا بأس، وجوز بعض المالكية صدقة التطوع لهم، وعن أحمد روايتان، وعند الشافعية فيها وجهان، وفي النذور خلاف عندهم، ذكر ذلك إمام الحرمين في (النهاية). وفي (التوضيح)، وفي الحديث دلالة واضحة على تحريم الصدقة على آله عَّ له، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وللمالكية في إعطائهم من الصدقة أربعة أقوال: الجواز، والمنع، ثالثها: يعطون من التطوع دون الواجب، رابعها: عكسه، لأن المنة قد تقع فيها، والمنع أولاها، وقال الطبري، في مقالة أبي يوسف: لا القياس أصاب ولا الخبر اتبع، وذلك أن كل صدقة وزكاة أوساخ الناس وغسالة ذنوب من أخذت منه هاشمياً أو مطلبياً، ولم يفرق الله ولا رسوله بين شيء منها بافتراق حال المأخوذ ذلك منه، قال: وصاحبه أشد قولاً منه، لأنه لزم ظاهر التنزيل، وهو ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ [التوبة: ٦٠] الآية، وأنكر الأخبار الواردة بتحريمها على بني هاشم، فلا ظاهر التنزيل لزموا ولا بالخبر قالوا. قلت: هذا كلام صادر من غير روية ناشىء عن تعصب باطل، وأبو يوسف من أعرف الناس بموارد التنزيل وأعلمهم بتأويل الأخبار ومداركها، وهذا الطحاوي الذي هو من أكبر أئمة الحديث وأدرى الناس بمذهب أبي حنيفة وأقوال صاحبه نقل عن أبي يوسف: أن التطوع يحرم على بني هاشم، فإذا كان التطوع حراماً فالفرض أشد حرمة، ثم إنكار الطبري على صاحب أبي يوسف: أن التطوع يحرم على بني هاشم، فإذا كان التطوع حراماً فالفرض أشد حرمة، ثم إنكار الطبريي على صاحب أبي يوسف الذي هو الإمام أبو حنيفة أشد شناعة وأقبح إشاعة حيث يقول: إنه أنكر الأخبار الواردة بتحريمها، ففي أي موضع ذكر هذا عنه على هذه الصيغة؟ والمنقول عنه أنه قط لا يذهب إلى القياس إلاّ عند عدم النص من الشارع، فعادة هؤلاء المتعصبين أن ينسبوا رواية سقيمة أو شاذة إلى إمام من الأئمة الثلاثة، رضي الله تعالى عنهم، ثم ينكروا عليه بذلك بما لا تحل نسبته إلى أحد منهم. وفيه: من الفوائد: دفع الصدقات إلى السلطان. وفيه: أن السنة أخذ صدقة التمر عند جذاذه لقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١]. فإن أخرجها عند محلها فسرقت، فقال أبو حنيفة ومالك، رضي الله تعالى عنهما: يجزي عنه، وهو قول الحسن، وقال الزهري والثوري وأحمد: هو ضامن لها حتى يضعها مواضعها. وقال الشافعي: إن كان بقي له ١١٧ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٦٠) من ماله ما فيه زكاة زكاه، وأما إذا أخر إخراجها حتى هلكت؟ فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي: إذا أمكن الأداء بعد حلول الحول وفرط حتى هلك المال، فعليه الضمان. وفيه: أن المسجد قد ينتفع به في أمر جماعة المسلمين في غير الصلاة، ألا يرى أنه عَّ له جمع فيه الصدقات وجعله مخرجاً لها، وكذلك أمر أن يوضع فيه مال البحرين حتى قسمه فيه، وكذلك كان يقعد فيه للوفود والحكم بين الناس، ومثل ذلك مما هو أبين منه: لعب الحبشة بالحراب وتعلم المثاقفة، وكل ذلك إذا كان شاملاً لجماعة المسلمين، وأما إذا كان العمل الخاصة نفسه فيكره مثل: الخياطة ونحوها، وقد كره قوم التأديب فيه لأنه خاص، ورخص فيه آخرون لما يرجى من نفع تعلم القرآن فيه. وفيه: جواز دخول الأطفال فيه واللعب فيه بغير ما يسقط حرمته إذا كان الأطفال إذا نهوا انتهوا. وفيه: أنه ينبغي أن يتجنب الأطفال ما يتجنب الكبار من المحرمات. وفيه: أن الأطفال إذا نهوا عن الشيء يجب أن يعرفوا لأي شيء نهوا عنه ليكونوا على علم إذا جاءهم أوان التكليف. وفيه: أن لأولياء الصغار المعاتبة عليهم والحول بينهم وبين ما حرم الله على عباده، ألا يرى أنه عَّ استخرج التمر من الصدقة من فم الحسن وهو طفل لا تلزمه الفرائض ولم تجر عليه الأقلام؟ فبان بذلك أن الواجب على ولي الطفل والمعتوه، إذا رآه يتناول خمراً يشربها، أو لحم خنزير يأكله، أو مالاً لغيره يتلفه، أن يمنعه من فعله ويحول بينه وبين ذلك. وقال صاحب (التوضيح): وفيه: الدليل الواضح على صحة قول القائل: إن على ولي الصغيرة المتوفى عنها زوجها أن يجنبها الطيب والزينة والمبيت عن المسكن الذي تسكنه، والنكاح وجميع ما يجب على البالغات المعتدات اجتنابه، وعلى خطى قول القائل: ليس ذلك على الصغيرة اعتلالاً منهم بأنها غير متعبدة بشيء من الفرائض، لأن الحسن كان لا يلزمه الفرائض، فلم يكن لإخراج التمرة من فيه معنىّ إلاّ من أجل ما كان على النبي عَّ لِ من منعه ما على المكلفين منه من أجل أنه وليه. قلت: يلزمهم على هذا أن يجتنبوا عن إلباسهم الصغار الحرير، ومع هذا جوزوا ذلك، وقياسهم المسألة المذكورة على قضية الحسن غير صحيح، لأنه عَّلِّ ما منع الحسن عن ذلك إلاَّ لأجل أنه من جزئه، وليس ذلك لأجل ما كان عليه من منعه ما على المكلفين من ذلك، والتعليل بأنها غير متعبدة بشيء من الفرائض صحيح لا نزاع فيه لأحد، واعترافهم بصحة السند يلزمهم باعتراف الحكم به على ما لا يخفى على المتأمل. ٦٠ - بابُ مَنْ بَاعَ ثِمَارَهُ أَوْ نَخْلَهُ أَوْ أَرْضَهُ أَوُ زَزْعَهُ وَقَدْ وجَبَ فِيهِ العُشْرُ أو الصَّدَقَةِ فأدَّى الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِهِ أُوْ بَاعَ ثِمَارَهُ وَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الصَّدَقَةُ وَقَوْلُ النَّبِيِّ يَُّلَّهِ لاَ تَبِيعُوا الثَّمَرَةَ حَتَّى يَبْدُو صَلاَحُهَا فَلَمْ يَحْظُرِ الْبَيْعَ بَعْدَ الصَّلاَحِ عَلى أَحَدٍ وَلَمْ يَخُصَّ مَنْ وَجَبَ عليهِ الزَّكَاةُ مِمَنْ لَمْ تَجِبْ أي: هذا باب في بيان حكم من باع ثماره أو باع نخله أو باع أرضه أو باع زرعه، ١١٨ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٦٠) والحال أنه قد وجب فيه العشر أو الصدقة، أي: الزكاة، فأدى الزكاة من غير ما باع من هذه الأشياء، أو باع ثماره ولم تجب فيه الصدقة، وهو تعميم بعد تخصيص، والمراد من النخل التي عليها الثمار، ومن الأرض التي عليها الزرع، لأن الصدقة لا تجب في نفس النخل والأرض، وهذا يحتمل ثلاثة أنواع من البيع. الأول: بيع الثمرة فقط. الثاني: بيع النخل فقط. الثالث: بيع التمر مع النخل، وكذا بيع الزرع مع الأرض أو بدونها أو بالعكس، وجواب: من، محذوف تقديره: من باع ثماره ... إلى آخره جاز بيعه فيها، فدلت هذه الترجمة على أن البخاري يرى جواز بيع الثمرة بعد بدو صلاحها، سواء وجب عليه الزكاة أم لا. وقال ابن بطال: غرض البخاري الرد على الشافعي حيث قال بمنع البيع بعد الصلاح حتى يؤدي الزكاة منها، فخالف إباحة النبي عَّالغ له. قوله: ((وقول النبي ◌َێ))، بالجر عطف على قوله: ((من باع))، لأنه مجرور محلاً بالإضافة، والتقدير: وباب قول النبي مٍَّ لا تبيعوا ... الحديث، وهذا معلق سنده من حديث ابن عمر على ما يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى. قوله: ((لا تبيعوا الثمرة)) يعني بدون النخلة، ((حتى يبدو)) أي: حتى يظهر صلاحها، وإنما قدرنا هذا لجواز بيعها معها قبل بدو الصلاح إجماعاً. قوله: ((فلم يحظر)) من كلام البخاري، وهو بالظاء المعجمة، من الحظر، وهو المنع والتحريم، وهو على بناء الفاعل، والضمير الذي فيه يرجع إلى النبي عَ ◌ّهِ، أي: لم يحرم النبي عَ لِ البيع بعد الصلاح على أحد، سواء وجبت عليه الزكاة أو لا. وأشار إليه بقوله: ((ولم يخص)) أي: النبي عَ لّه من وجبت عليه الزكاة ممن لم تجب عليه، وبهذا رد البخاري على الشافعي في أحد قوليه: إن البيع فاسد، لأنه باع ما يملك وما لا يملك، وهو نصيب المساكين، ففسدت الصفقة، وإنما ذكر قوله: ((فلم يحظر)) بالفاء لأنه تفسير لما قبله. ١٤٨٦/٨٦ _ حدَّثنا حَجَّاجٌ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال أخبرني عَبْدُ الله بنُ دِينَارٍ قال سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما نهَى النبيُّ عَّلِ عِنْ بَيْعِ الثمَرَةِ حَتى يَبْدُو صَلاَحُهَا وكان إذا سُئِلَ عنْ صَلاحِهَا قال حتَّى تَذْهَبَ عاهَتُهُ. [الحديث ١٤٨٦ - أطرافه في: ٢١٨٣، ٢١٩٤، ٢١٩٩، ٢٢٤٧، ٢٢٤٩]. مطابقته للترجمة ظاهرة لأنه أسند ذلك الذي علقه فيما قبل، وهو قوله: وقول النبي عَ لِ: ((لا تبيعوا الثمرة حتى يبدو صلاحها)). ذكر رجاله: وهم: أربعة قد ذكروا غير مرة، والحجاج هو ابن المنهال. وفيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد. وفيه: السماع، وهو من الرباعيات. ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في البيوع عن محمد بن المثنى عن محمد بن جعفر عن شعبة عن عبد الله بن دينار إلى آخره نحوه، وفي لفظ له: ((نهى عن بيع الثمرة ١١٩ ٢٤ - كتابُ الزَكاةِ / باب (٦٠) حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع)). وفي لفظ: نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري. وفي لفظ: لا تبتاع الثمرة حتى يبدو صلاحها وتذهب عنها العاهة. وقال: بدو صلاحه حمرته وصفرته. وفي لفظ: ((لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه)). وأخرجه أبو داود من حديث مالك عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله عَّهِ نهى عن بيع النخل حتى يزهو))، وبهذا الإسناد أن النبي عَّ نهى عن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري وأخرجه النسائي من حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر نحوه. وأخرجه ابن ماجه من حديث الليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله عَ لله أنه قال: ((لا تبيعوا الثمرة حتى يبدو صلاحها البائع والمشتري)) ولما أخرجه الترمذي قال: وفي الباب عن أنس وعائشة وأبي هريرة وابن عباس وجابر وأبي سعيد وزيد بن ثابت، رضي الله تعالی عنهم. فحديث أنس عند البخاري ومسلم. وحديث عائشة عند أحمد: حدثنا الحكم حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال عن أبيه عن عمرة عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، عن النبي عَّ له قال: ((لا تبيعوا ثماركم حتى يبدو صلاحها وتنجو من العاهة)). وحديث أبي هريرة عند مسلم، ولفظه: ((لا تبتاعوا الثمرة حتى يبدو صلاحها)). وحديث ابن عباس. وحديث جابر عند البخاري على ما يأتي، ولفظه عند أبي داود: ((نهى أن تباع الثمرة حتى تشقح، قيل: وما تشقح؟ قال: تحمار وتصفار)). وحديث أبي سعيد عند البزار، ولفظه: ((لا تبيعوا الثمرة حتى يبدو صلاحها. قيل: وما صلاحها؟ قال: تذهب عاهتها وتخلص صلاحها)). وحديث زيد بن ثابت عند أبي داود، ((فلا تبتاعوا الثمرة حتى يبدو صلاحها)». ذكر معناه: قوله: ((حتى يبدو)) أي: حتى يظهر، وهو بلا همز. قوله: ((وكان إذا سئل)) قال الكرماني: وفاعله إما رسول الله عَّةٍ، وإما ابن عمر، وقائله: إما ابن عمر وإما عبد الله بن دينار. قلت: صرح في مسلم أن قائله ابن عمر حيث قال بعد أن روى حديث عبد الله بن عمر من طريق شعبة: وزاد شعبة، فقيل لابن عمر: ما صلاحه؟ قال: تذهب عاهته، أي: آفته وهو أن يصير إلى الصفة التي يطلب كونه على تلك الصفة، كظهور النضج ومبادي الحلاوة وزوال العفوصة المفرطة، وذلك بأن يتموه ويلين، أو يتلون بالاحمرار أو الاصفرار أو الاسوداد ونحوه، والمعنى الفارق بينهما أن الثمار بعد البدو تأمن من العاهات لكبرها وغلظ نواها، بخلافها قبله لضعفها، فربما تلفت فلم يبق شيء في مقابلة الثمن، فكان ذلك من قبيل أكل المال بالباطل، وظاهره يمنع البيع مطلقاً، وخرج عنه البيع المشروط بالقطع للإجماع على جوازه فيعمل به فيما عداه. قوله: ((عاهته)) أي: عاهة التمر، وفي رواية الكشميهني: عاهتها، ووجه التأنيث يكون باعتبار أن التمر جنس، وأصل عاهة: عوهة، قلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، يقال: عاه القوم وأعوهوا: إذا أصاب ثمارهم وماشيتهم العاهة، ومادته: عين وواو وهاء. ذكر ما يستفاد منه: اختلف العلماء في هذه المسألة، فقال مالك: من باع حائطه أو أرضه وفي ذلك زرع أو تمر قد بدا صلاحه وحل بيعه، فزكاة ذلك التمر على البائع إلاَّ أن ١٢٠ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٦٠) يشترطها على المبتاع. وقال أبو حنيفة: المشتري بالخيار بين إنفاذ البيع ورده، والعشر مأخوذ من التمرة لأن سنة الساعي أن يأخذها من كل ثمرة يجدها، فوجب الرجوع على البائع بقدر ذلك، كالعيب الذي يرجع بقيمته. وقال الشافعي، في أحد قوليه: إن البيع فاسد لأنه باع ما يملك وما لا يملك وهو نصيب المساكين، ففسدت الصفقة. واتفق مالك وأبو حنيفة والشافعي: أنه إذا باع أصل الثمرة وفيها ثمر لم يبد صلاحه إن البيع جائز والزكاة على المشتري، لقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١]. وأما الذي ورد فيه النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها وهو بيع الثمرة دون الأصل، لأنه يخشى عليه العاهة، فيذهب مال المشتري من غير عوض، وإذا ابتاع رقبة الثمرة وكان فيها ثمر لم يبد صلاحه فهو جائز، لأن البيع وقع على الرقبة ولم يظهر بعد، فهذا هو الفرق بينهما. وفيه: جواز البيع من الثمرة التي وجبت زكاتها قبل أداء الزكاة، ويتعين حينئذ أن يؤدي الزكاة من غيرها، خلافاً لمن أفسد البيع، وعن مالك: الزكاة على البائع إلاَّ أن يشترط على المشتري، وبه قال الليث. وعن أحمد، رضي الله تعالى عنه: على البائع مطلقاً، وبه قال الثوري والأوزاعي، رضي الله تعالی عنهما. ٨٧ / ١٤٨٧ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال حدَّثني اللَّيْثُ قال حدَّثني خالِدُ بنُ يَزِيدَ عنْ عَطَاءِ بنِ أبِي رَبَاحِ عنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهما نَهَى النبيُّ عَلـ عنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوْ صَلاَحُهَا. [الحديث ١٤٨٧ - أطرافه في: ٢١٨٩، ٢١٩٦، ٢٣٨١]. مطابقته للترجمة ظاهرة، ورجاله قد ذكروا، ويزيد من الزيادة، والحديث أخرجه أبو داود رحمه الله تعالى أيضاً، وقد ذكرناه. ٨٨/ ١٤٨٨ _ حدَّثْنا قُتَيْبَةُ عنْ مَالِكِ عنْ محُمَيْدٍ عنْ أَنَسِ بنِ مالِكِ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ اللهِ عَ لَه نَهى عنْ بَيْعِ الثَّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ قال حَتَّى تَحْمَارَ. [الحديث ١٤٨٨ - أطرافه في: ٢١٩٥، ٢١٩٧، ٢١٩٨، ٢٢٠٨]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وحميد بضم الحاء هو الطويل، والحديث أخرجه البخاري أيضاً في البيوع عن عبد الله بن أبي يوسف، وأخرجه مسلم في البيوع عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح عن ابن وهب. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن سلمة والحارث بن مسکین. قوله: ((حتى تزهيَ)) أي: تتلون، قال ابن الأعرابي: يقال: زهى النخل إذا ظهرت ثمرته، وأزهى إذا: احمرّ أو اصغرّ. وقال الأصمعي: لا يقال: أزهى، إنما يقال: زهى، وقال الخليل: زهى: إذا بدا صلاحه، وقال ابن الأثير: منهم من أنكر: تزهى، كما أن منهم من أنكر: يزهو، أقول الحديث الصحيح يبطل قول منكر الإزهاء. قوله: ((حتى تحمارّ) تفسير لقوله: ((حتى تُزهيَ))، وأصل: تحمارر، لأنه من حمر فأدغمت الراء في الراء.