النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ ٢٤ - كتابُ الزكاةِ / باب (٥٤) ٧٦/ ١٤٧٤ _ حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيْرٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ أبي جَعْفٍ قال سَمِعْتُ حَمزةَ بنَ عَبدِ الله بنِ عُمَرَ قال سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُ قال قال النبيُّ عَ لَّهِ ما يَزالُ الرَّجُلُ يَسألُ حَتى يَأْتِيٍ يومُ القِيَامَةِ لَيسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لخم. ... / ١٤٧٥ - وقَالَ إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يَبْلُغَ العَرَقُ نِضفَ الأُذُنِ فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَالُوا بَآدَمَ ثُمَّ بُوسى ثُمَّ ◌َمُحَمَّدٍ عَ لِّ * وَزَادَ عَبْدُ اللهِ حدَّثني اللَّيْثُ حدَّثني ابنُ أبي جَعْفَرٍ فَيَشْفَعُ لِيُقْضى بَينَ الخَلْقِ فِيَمْشِي حَتّى يأْخُذَ بِحَلْقَةِ الْبَابِ فَيَوْمَئِذٍ يَتْعَثُّهُ الله مَقَاماً مَحمُوداً يَحْمَدُهُ أهْلُ الجَمْعِ كُلُّهُمْ. [الحديث ١٤٧٥ - طرفه في: ٤٧١٨]. وجه المطابقة بين الترجمة والحديث قد علم مما ذكرنا آنفاً. ذكر رجاله: وهم: ستة: الأول: يحيى بن بكير. الثاني: الليث بن سعد. الثالث: عبيد الله - بتصغير العبد - ابن أبي جعفر، واسمه يسار، مر في: باب الجنب يتوضأ، في كتاب الغسل. الرابع: حمزة، بالحاء المهملة وبالزاي: ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب، مر في: باب فضل العلم. الخامس: عبد الله بن عمر بن الخطاب. السادس: عبد الله بن صالح، كاتب الليث. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في موضعين. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: السماع في موضعين. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن شيخه مذكور باسم جده واسم أبيه عبد الله بن بكير، وهو والليث وعبيد الله بن أبي جعفر وعبد الله بن صالح مصريون وحمزة بن عبد الله مدني أما عبد الله بن صالح ففيه مقال: قال ابن عدي: سقيم الحديث، ولكن البخاري روى عنه في صحيحه على الصحيح، ولكنه يدلس، فيقول: حدثنا عبد الله ولا ينسبه، وهو هو، نعم قد علق البخاري، حديثاً فقال فيه: قال الليث ابن سعد: حدثني جعفر بن ربيعة، ثم قال في آخر الحديث: حدثني عبد الله بن صالح، حدثنا الليث فذكره ولكن هذا عند ابن حمويه السرخسي دون صاحبیه. والحديث أخرجه مسلم، رحمه الله تعالى، عن أبي الطاهر بن السرح وعن أبي بكر بن أبي شيبة، رضي الله تعالى عنه، وأخرجه النسائي، رحمه الله تعالى، فيه عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن شعيب بن الليث عن أبيه به. ذكر معناه: قوله: ((مزعة))، بضم الميم وسكون الزاي وبالعين المهملة: القطعة. وقال ابن التين: ضبطه بعضهم بفتح الميم والزاي، قال أبو الحسن: والذي أحفظه عن المحدثين الضم. وقال ابن فارس بكسر الميم، واقتصر عليه القزاز في (جامعه) وذكر ابن سيده الضم فقط، وكذا الجوهري قال، وبالكسر: من الريش والقطن، يقال: مزعت اللحم قطعته قطعة قطعة، ويقال: أطعمه مزعة من لحم، أي: قطعة منه. قال الخطابي: يحتمل أن يكون المراد عمدة القارىء / ج٩ / م٦ ٨٢ ٢٤ - كتابُ الزكاةِ / باب (٥٤) أنه يأتي ساقطاً لا قدر له ولا جاه، أو يعذب في وجهه حتى يسقط لحمه لمشاكلة العقوبة في مواضع الجناية من الأعضاء، لكونه أذل وجهه بالسؤال أو أنه يبعث ووجهه عظم كله فيكون ذلك شعاره الذي يعرف به. وقال ابن أبي جمرة: معناه أنه ليس في وجهه من الحسن شيء لأن حسن الوجه هو مما فيه من اللحم. قوله: ((وقال)) أي: النبي عَلَّ ((إن الشمس تدنو)) أي: تقرب من الدنو، وهو القرب، ووجه اتصال هذا بما قبله هو أن الشمس إذا دنت يوم القيامة يكون أذاها لمن لا لحم له في وجهه أكثر وأشد من غيره. قوله: ((حتى يلغ العرق))، أي: حتى يتسخن الناس من دنو الشمس فيتعرقون فيبلغ العرق نصف الأذن. قوله: ((فبيناهم))، قد ذكرنا غير مرة أن أصل: بينا، بين فزيدت الألف بإشباع فتحة النون، يقال: بينا وبينما، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملة فعلية أو إسمية ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، وجوابه قوله: ((استغاثوا))، والأفصح في جوابه أن لا يكون فيه إذ وإذا، كما وقع هنا بدون واحد منهما، وقد يقال: بينا زيد جالس إذ دخل عليه عمرو، وإذا دخل عليه عمرو. قوله: ((ثم بمحمد)) أي: ثم استغاثوا بمحمد عَّ له، وفيه اختصار، إذ يستغاث بغير آدم وموسى أيضاً، وسيأتي في الرقاق في حديث طويل في الشفاعة ذكر من يقصدونه بين آدم وموسى وبين موسى ومحمد عَّه. قوله: ((وزاد عبد الله)) يحتمل التعليق حيث لم يضفه إلى نفسه ولم يقل: زادني. قال الكرماني: ولعل المراد بما حكى الغساني عن أبي عبد الله الحاكم أن البخاري لم يخرج عن عبد الله بن صالح كاتب الليث في (الصحيح) شيئاً إنه لم يخرج عنه حديثاً تاماً مستقلاً. قلت: قد ذكرنا عن قريب أنه روى عنه ولم ينسبه على وجه التدليس. قوله: ((زاد عبد الله))، هكذا وقع عند أبي ذر، وسقط عند الأكثرين. وفي (التلويح): قول البخاري: وزاد عبد الله، يعني: ابن صالح كاتب الليث بن سعد، قاله أبو نعيم الأصبهاني وخلف في (الأطراف) ووقع أيضاً في بعض الأصول منسوباً وفي الإيمان لابن منده من طريق أبي زرعة الراوي عن يحيى بن بكير وعبد الله بن صالح جميعاً عن الليث، وساقه بلفظ عبد الله بن صالح، وقد رواه موصولاً من طريق عبد الله بن صالح وحده البزار عن محمد بن إسحاق الصاغاني والطبراني في (الأوسط) عن مطلب بن شعيب وابن منده في كتاب الإيمان من طريق يحيى بن عثمان، ثلاثتهم عن عبد الله بن صالح فذكره، وزاد بعد قوله: ((استغاثوا بآدم فيقول لست بصاحب ذلك))، وتابع عبد الله بن صالح على هذه الزيادة عبد الله بن عبد الحكم عن الليث أخرجه ابن منده أيضاً. قوله: ((بحلقة الباب)) أي: باب الجنة، أو هو مجاز عن القرب إلى الله. قوله: ((مقاماً محموداً) هو مقام الشفاعة العظمى التي اختصت به لا شريك له في ذلك، وهو إراحة أهل الموقف من أهواله بالقضاء بينهم والفراغ من حسابهم. قوله: ((أهل الجمع)) أي: أهل المحشر، وهو يوم مجموع فيه جميع الناس من الأولين والآخرين. ومما يستفاد منه: ما نقل ابن بطال عن المهلب، فهم البخاري أن الذي يأتي يوم القيامة لا لحم في وجهه من كثرة السؤال، إنه للسائل تكثراً لغير ضرورة إلى السؤال، ومن ٨٣ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٥) سأل تكثراً فهو غني لا تحل له الصدقة وإذا جاء يوم القيامة لا لحم على وجهه فتؤذيه الشمس أكثر من غيره، ألا ترى قوله في الحديث: ((الشمس تدنو حتى يبلغ العرق))، فحذر عٍَّ من الإلحاف في المسألة لغير حاجة إليها وأما من سأل مضطراً فمباح له ذلك إذا لم يجد عنها بداً ورضي بما قسم له ويرجى أن يؤجر عليها. وقال في موضع آخر: يبلغ عرق الكافر، فإما أن يكون سكت عنه للتتابع في الموعظة ولا يقول إلا الحق، أو سقط عن الناقل أو أخبر في وقت بذلك مجملاً ثم حدث به مفسراً. وقال مُعَلَّى حدَّثنا ؤُهَيْبَ عنِ النُّعْمَانِ بنِ رَاشِدٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ مُسْلِمٍ أَخِي الزُّهْرِيِّ عِنْ حَمْزَةَ سَمِعَ ابنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما عن النبيِّ ◌ٍَّ فِي المَسْئِلَةِ هذا تعليق ذكره عن معلى، بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد اللام المفتوحة: ابن أسد، مر في: باب المرأة تحيض، عن وهيب ـ تصغير وهب - بن خالد عن النعمان بن راشد الجزري الرقي عن عبد الله بن مسلم أخي محمد بن مسلم الزهري عن حمزة بن عبد الله عن عبد الله بن عمر، ووصل هذا التعليق البيهقي: أخبرنا أبو الحسين القطان حدثنا ابن درستويه حدثنا يعقوب بن سفيان حدثنا معلى بن أسد حدثنا وهيب عن النعمان بن راشد عن عبد الله بن مسلم أخي الزهري عن حمزة بن عبد الله عن عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما، قال: قال لنا ابن عمر: سمعت رسول الله، عَلَّهِ، يقول: ((ما تزال المسألة بالرجل حتى يلقى الله وما في وجهه مزعة لحم)). قوله: ((في المسألة) أي: في الجزء الأول من الحديث ولم يرو الزيادة التي لعبد الله بن صالح، وفي هذا الحديث أن هذا الوعيد يختص بمن أكثر السؤال إلاّ من ندر ذلك منه، ويؤخذ منه جواز سؤال غير المسلم، لأن لفظ الناس في الحديث يعم، قاله ابن أبي حمزة، ويحكى عن بعض الصالحين أنه كان إذا احتاج سأل ذمياً لئلا يعاقب المسلم بسببه لو رده. ٥٥ - بابُ قَوْلِ الله تعالى ﴿لاَ يَسْألُونَ النَّاسَ إِلْحَافَا﴾ [البقرة: ٢٧٣]. أي: هذا باب في ذكر قول الله تعالى: ﴿لا يسألون الناس إلحافاً﴾ [البقرة: ٢٧٣]. لأجل مدح من لا يسأل الناس إلحافاً. أي: سؤالاً إلحافاً أي: إلحاحاً وإبراماً. قال الطبري: ألحف السائل في مسألته إذا ألح فهو ملحف فيها. وقال السدي: لا يلحفون في المسألة إلجافاً، وهذا من آية كريمة في سورة البقرة أولها قوله تعالى: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم﴾ [البقرة: ٢٧٣]. قال المفسرون: قوله تعالى: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾ [البقرة: ٢٧٣]. يعني المهاجرين قد انقطعوا إلى الله وإلى رسوله وسكنوا المدينة، وليس لهم سبب يردون به على أنفسهم ما يغنيهم. ﴿ولا يستطيعون ضرباً في الأرض﴾ [البقرة: ٢٧٣]. يعني: سفراً للتسبب في طلب ٨٤ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٥) المعاش، والضرب في الأرض هو السفر. قال تعالى: ﴿وآخرون يضربون في الأرض﴾ [المزمل: ٢٠]. ومعنى عدم استطاعتهم أنهم كانوا يكرهون المسير لئلا تفوتهم صحبة رسول الله، عَّهِ، قوله: ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف﴾ [البقرة: ٢٧٣]. في لباسهم وحالهم ومقالهم. قوله: ﴿تعرفهم بسيماهم﴾ [البقرة: ٢٧٣]. إنما يظهر لذوي الألباب من صفاتهم كما قال تعالى: ﴿سيماهم في وجوههم﴾ [الفتح: ٢٩]. وقيل: الخطاب للنبي، عَّةٍ، وقيل: لكل راغب في معرفة حالهم، يقول: تعرف فقرهم بالعلامة في وجوههم من أثر الجوع والحاجة، وفي (تفسير النسفي): هم أصحاب الصفة، وكانوا أربعمائة إنسان لم يكن لهم مساكن في المدينة ولا عشائر، فكانوا يخرجون في كل سرية بعثها النبي، عَ لّه، ثم يرجعون إلى مسجد الرسول، عَّله، قوله: ﴿وما تنفقوا من خير﴾ [البقرة: ٢٧٣]. من أبواب القربات ﴿فإن الله به عليم﴾ [البقرة: ٢٧٣]. لا يخفى عليه شيء منه ولا من غيره، وسيجزي عليه أو في الجزاء وأتمه يوم القيامة أحوج ما يكونون إليه. وكَمِ الغِنى؟ أي: مقدار الغنى الذي يمنع السؤال؟ و: كم، هنا استفهامية تقتضي التمييز، والتقدير: كم الغنى؟ أهو الذي يمنع السؤال أم غيره؟ والغنى، بكسر الغين وبالقصر: ضد الفقر وإن صحت الرواية بالفتح وبالمد فهو: الكفاية، وقد تقدم في حديث ابن مسعود ((يا رسول الله ما الغنى؟ قال: خمسون درهماً)). وقد ذكرنا في: باب الاستعفاف في المسألة، جملة أحاديث عن جماعة من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، في هذا الباب. وقَوْلِ النبيِّ عَّهِ: وَلاَ يَجِدُ غِنِىٌ يُغْنِيهِ بالجر عطف على ما قبله من المجرور، وهذا جزء من حديث رواه عن أبي هريرة، يأتي في هذا الباب، وفيه: ((ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه))، والظاهر أنه إنما ذكر هذا كأنه تفسير لقوله: ((وكم الغنى؟» ليكون المعنى: إن الغنى هو الذي يجد الرجل ما يغنيه، وفسر هذا ما رواه الترمذي من حديث ابن مسعود مرفوعاً: ((من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش. قيل: يا رسول الله! وما يغنيه؟ قال: خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب)). والأحاديث يفسر بعضها بعضاً، وإنما لم يذكره البخاري لأنه ليس على شرطه، لأن فيه مقالاً. لِقَوْلِهِ تَعَالى ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُخْصِرُوا فِي سبِيلِ الله لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً في الأرْضِ﴾ إِلَى قَولِهِ ﴿فإِنَّ اللّه بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٧٣]. هذا تعليق لقوله: ((ولا يجد غنى يغنيه))، لأنه قال في الحديث: المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن به، فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس. ووصف المسكين بثلاثة أوصاف: منها عدم قيامه للسؤال، وذلك لا يكون إلاَّ لتعففه وحصر نفسه عن ذلك وعلل ٨٥ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٥) ذلك المسكين الموصوف بهذه الأوصاف الذي ذكر منها البخاري: عدم وجدان الغنى، واكتفى به بقوله تعالى: ﴿للفقراء الذين أحصروا﴾ [البقرة: ٢٧٣] الآية، وكان حصرهم لأنفسهم عن السؤال للتعفف، وعدم ضربهم في الأرض خوفاً من فوات صحبة النبي عَ ◌ّه. كما ذكرنا عن قريب، وأما: اللام، التي في قوله: ﴿للفقراء الذي أحصروا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، فلبيان مصرف الصدقة وموضعها لأنه قال قبل هذا: ﴿وما تنفقوا من خير فلأنفسكم﴾ [البقرة: ٢٧٢]. ثم بين مصرف ذلك وموضعه بقوله: ﴿للفقراء﴾ [البقرة: ٢٧٣] إلى آخره، وقد تصرف الكرماني هنا تصرفاً عجيباً لا يقبله من له أدنى معرفة في أحوال تراكيب الكلام، فقال: ﴿للفقراء﴾ [البقرة: ٢٧٣]. عطف على ﴿لا يسألون﴾ [البقرة: ٢٧٣]. وحرف العطف مقدر، أو: هو حال بتقدير لفظ: قائلاً، ثم قال: فإن قلت: في بعضها لقول الله تعالى: ﴿للفقراء﴾ [البقرة: ٢٧٣]. قلت: معناه شرط في السؤال عدم وجدان الغنى لوصف الله الفقراء بلا يستطيعون ضرباً في الأرض، إذ من استطاع ضرباً فيها فهو واجد لنوع من الغنى. انتهى. قلت: كان في نسخة: وقول النبي عَّ له: ولا يجد غنى يغنيه للفقراء الذين .. فقال: هذا عطف على: لا يسألون، فليت شعري أي وجه لهذا العطف، ولا عطف هنا أصلاً، وأي ضرورة دعت إلى ارتكابه تقدير حرف العطف الذي لا يجوز حذف حرف العطف إلاَّ في موضع الضرورة على الشذوذ، أو في الشعر كذلك، ولا ضرورة هنا أصلاً! ثم لما وقف على نسخة فيها لقول الله عز وجل: ﴿للفقراء﴾ [البقرة: ٢٧٣]. سأل السؤال المذكور وأجاب بالجوابين المذكورين اللذين تمجهما الأسماع ويتركهما أهل اليراع، وقال بعضهم: اللام في قوله: لقول الله، لام التعليل لأنه أورد الآية تفسيراً لقوله في الترجمة، وكم الغنى؟ قلت: وهذا أعجب من ذلك، لأن التعليل لا يقال له: التفسير، ويفرق بينهما من له أدنى مسكة في التصرف في علم من العلوم، وباقي الكلام في الآية الكريمة تقدم آنفاً. ١٤٧٦/٧٧ _ حدَّثنا حَجَاجُ بنُ مِنْهَالٍ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال أخبرني مُحَمَّدُ بنُ زِیادٍ قال سَمِعْتُ أبا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَِّ قال لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذي تَرَدُّهُ الأُكْلَةُ وَالأُكْلَتَانِ وَلْكِنِ المِسْكِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنىَّ وَيَسْتَخييٍ ولاَ يَسْألُ النَّاسَ إِلْحَافاً. [الحديث ١٤٧٦ - طرفاه في: ١٤٧٩، ٤٥٣٩]. مطابقته للترجمة في قوله: ((ولا يسأل الناس إلحافاً)). ورجاله أربعة وهو من الرباعيات. قوله: ((المسكين))، مشتق من السكون وهو عدم الحركة فكأنه بمنزلة الميت ووزنه، مفعيل، وقال ابن سيده: المِسكين والمسكين الأخيرة نادرة لأنه ليس في الكلام: مفعيل، يعني بفتح الميم. وفي (الصحاح): المسكين الفقير، وقد يكون بمعنى المذلة والضعف، يقال: تمسكن الرجل وتمسكن، وهو شاذ، والمرأة مسكينة، وقوم مساكين ومسكينون، والإناث مسكينات، والفقير مشتق من قولهم: فقرات له فقرة من مالي، والفقر والفقر ضد الغنى، وقدر ذلك أن يكون له ما يكفي عياله، وقد فقر فهو فقير، والجمع: فقراء، والأنثى فقيرة من نسوة فقائر، وقال القزاز: أصل الفقر في اللغة من فقار الظهر كأن الفقير كسر فقار ظهره، فبقي له ٨٦ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٥) من جسمه بقية. قال القزاز: الفقر والفقر، والفتح أكثر. قوله: ((الأكلة والأكلتان))، بضم الهمزة فيهما، وقال ابن التين: الأكلة، ضبطها بعضهم بضم الهمزة بمعنى: اللقمة، فإن فتحتها كانت المرة الواحدة. وفي (الفصيح) لأحمد بن يحيى: الأكلة: اللقمة، والأكلة، بالفتح: الغذاء والعشاء. قوله: ((ليس له غنى))، زاد في رواية الأعرج: ((غنى يغنيه)). قوله: ((ويستحي)) بالياءين وبياء واحدة زاد في رواية الأعرج: ((ولا يفطن به))، وفي رواية الكشميهني: ((له فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس))، وهو بنصب: يتصدق، ويسأل. قوله: ((ولا يسأل)) ويروى: ((وأن لا يسأل)). وقال الكرماني: كلمة: لا، زائدة في: ((وأن لا يسأل)). قوله: ((إلحافاً)) أي: إلحاحاً، وقد مر تفسيره عن قريب. وقال ابن بطال: يريد: ليس المسكين الكامل لأنه بمسألته يأتيه الكفاف، وإنما المسكين الكامل في أسباب المسكنة من لا يجد غنىّ ولا يتصدق عليه، أي: ليس فيه نفي المسكنة بل نفي كمالها، أي: الذي هو أحق بالصدقة وأحوح إليها. ومن فوائد هذا الحديث: حسن الإرشاد لموضع الصدقة، وأن يتحرى وضعها فيمن صفته التعفف دون الإلحاح. وفيه: حسن المسكين الذي يستحي ولا يسأل الناس. وفيه: استحباب الحياء في كل الأحوال. ٧٨ / ١٤٧٧ _ حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إِبْرَاهِيمَ قال حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عُلَيَّةً قال حدَّثنا خالِدٌ الحَذَّاءُ عنِ ابنِ أُشْوَعَ عنِ الشَّعبِيِّ قال حدَّثني كاتبُ المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةً قال كتبَ مُعاويةُ إلَى المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ أنِ اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَىءٍ سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ عَ لَّهِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ سَمِعْتُ النبيَّ عَّه يَقُولُ إنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ ثلاثاً قيلَ وقالَ وإِضَاعَةَ المالِ وكَثْرَةَ السُّؤَالِ. [انظر الحديث ٨٤٤ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((وكثرة السؤال)). ورجاله ثمانية: يعقوب بن إبراهيم بن كثير الدورقي، وإسماعيل بن علية، بضم العين المهملة وفتح اللام وتشديد الياء آخر الحروف، وهو إسماعيل بن إبراهيم البصري، وعلية اسم أمه، وخالد هو ابن مهران الحذاء البصري، وقد مر غير مرة، وابن أشوع، بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح الواو وفي آخره عين مهملة: وهو سعيد بن عمرو بن الأشوع الهمداني الكوفي قاضي الكوفة، نسب لجده. والشعبي هو عامر بن شراحيل، وكاتب المغيرة هو: وراد، بفتح الواو وتشديد الراء وفي آخره دال مهملة، والمغيرة بن شعبة مولاه، ومعاوية ابن أبي سفيان. وفيه: تابعيان وصحابيان، وقد ذكرنا في: باب الذكر بعد الصلاة، تعدد ذكره ومن أخرجه غيره. ذكر معناه: قوله: ((عن قيل وقال))، هما إما فعلان: الأول، يكون بناء المجهول من الماضي، والثاني يكون بناء الفاعل، وإما مصدران، يقال: قلت قولاً وقيلاً وقالاً. وحينئذ يكونان منونين، وإما إسمان. قال ابن السكيت: هما إسمان لا مصدران، وقال الخطابي: إما ٨٧ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٥) أن يراد بهما حكاية أقاويل الناس، كما يقال: قال فلان كذا، وقيل له: كذا، من باب ما لا يعني. وأما ما كان من أمر الدين ينقله بلا حجة وبيان يقلد ما يسمعه ولا يحتاط فيه. وقال ابن الجوزي: المراد به حكاية شيء لا تعلم صحته فإن الحاكي يقول: قيل وقال: وعن مالك: هو الإكثار من الكلام والإرجاف، نحو قول القائل: أعطي فلان كذا ومنع من كذا، أو الخوض فيما لا يعني. وقال ابن التين: له تأويلان: أحدهما: أن يراد به حكاية أقوال الناس وأحاديثهم والبحث عنها لينمي فيقول: قال فلان كذا وفلان كذا، مما لا يجر خيراً، إنما هو ولوع وشغب، وهو من التجسس المنهي عنه. والثاني: أن يكون في أمر الدين فيقول: قيل له فيه كذا، وقال فلان فيقلد ولا يحتاط بمواضع الاحتياط بالحجج. قوله: ((وإضاعة المال))، هو رواية الكشميهني وفي رواية غيره: ((إضاعة الأموال))، وهو أن يتركه من غير حفظ له فيضيع، أو يتركه حتى يفسد، أو يرميه إذا كان يسيراً كبراً عن تناوله، أو بأن يرضى بالغبن، أو ينفقه في البناء والنباس والمطعم بإسراف، أو ينفقه في المعاصي، أو يسلمه لخائن أو مبذر، أو يموه الأواني بالذهب أو يطرز الثياب به، أو يذهِّب سقوف البيت، فإنه من التضييع الفاحش لأنه لا يمكن تخليصه منه وإعادته إلى أصله، ومنه قسمة ما لا ينتفع بقسمته كاللؤلؤة، ومنه الصدقة وإكثارها وعليه دين لا يرجو له وفاء دينه، ومنه سوء القيام على ما يملكه كالرقيق إذا لم يتعهده ضاع، ومنه أن يتخلى الرجل من كل ماله وهو محتاج إليه غير قوي على الصبر والإطاقة، وقد يحتمل أن يؤول معنى الإضاعة على العكس مما تقدم بأن يقال: إضاعته: حبسه عن حقه والبخل به على أهله كما قال الشاعر: ولكن أموال البخيل تضيع وما ضاع مال أورث المجد أهله وقال الداودي: إضاعة المال تؤدي إلى الفقر الذي يخشى منه الفتنة، وكأن الشارع، عَّهِ، يتعوذ من الفقر وفتنته. وقال المهلب في إضاعة المال: يريد السرف في إنفاقه وإن كان فيما يحل، ألا ترى أنه عَّ لّه رد تدبير المعدم لأنه أسرف على ماله فيما يحل ويؤجر فيه، لكنه أضاع نفسه، وأجره في نفسه آكد من أجره في غيره. قوله: ((وكثرة السؤال))، أما السؤال إما أن يكون من سؤال الناس أموالهم والاستكثار منه، أو سؤال المرء عما نهي عنه من المتشابه الذي تعبدنا بظاهره، أو السؤال من رسول الله عَّهي عن أمور لم يكن لهم بها حاجة. وقال الخطابي: المسائل في كتاب الله تعالى على ضربين: أحدهما محمود كقوله: ﴿يسألونك ماذا ينفقون﴾ [البقرة: ٢١٥ و٢١٩]. ونحوه من الأشياء المحتاج إليها في الدين، ولهذا قال تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ [النحل: ٤٣، الأنبياء: ٧]. والآخر مذموم كقوله: ﴿يسألونك عن الروح﴾ [الإسراء: ٨٥]. ونحوه مما لا ضرورة فيه لهم إلى علمه، ولهذا قال تعالى: ﴿ولا تسألوا عن أشياء إن تَبْدُ لكم تسؤكم﴾ [المائدة: ١٠١]. وقال النووي: يحتمل إن يراد بكثرة السؤال سؤال الإنسان عن حاله وتفاصيل أمره، لأنه يتضمن حصول الحرج في حق المسؤول عنه، فإنه لا يريد إخباره بأحواله، فإن أخبره شق عليه وإن أهمل جوابه ارتكب سوء الأدب. ويقال: في كثرة السؤال وجهان ذكرا عن - * ٨٨ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٥) مالك: الأول: سؤال سيدنا رسول الله عَّله فإنه قال: ((ذروني ما تركتكم)). والثاني: سؤال الناس، وهو الذي فهمه البخاري وبوب عليه، وقال ابن التين فيه وجوه: أحدهما: التعرض لما في أيدي الناس من الحطام بالحرص والشره، وهو تأويل البخاري. ثانيها: أن يكون في سؤال المرء عما نهى عنه من متشابه الأمور على مذهب أهل الزيغ والشك وابتغاء الفتنة. ثالثها: ما كانوا يسألون الشارع عَ لّه عن الشيء من الأمور من غير حاجة بهم إليه فتنزل البلوى بهم، كالسائل عمن يجد مع امرأته رجلاً أشد الناس جرماً في الإسلام من سأل عن أمر لم يكن حراماً فحرم من أجل مسألته. ذكر ما يستفاد منه فيه: الدلالة على الحجر، واختلف العلماء في وجوب الحجر على البالغ المضيع لماله، فجمهور العلماء يوجب الحجر عليه صغيراً كان أو كبيراً، روي ذلك عن علي وابن عباس وابن الزبير وعائشة، رضي الله تعالى عنهم، وهو قول مالك والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وقال النخعي وابن سيرين وبعدهما أبو حنيفة وزفر: لا حجر على البالغ الحديث الذي يخدع في البيوع ولم يمنعه عَّ له من التصرف. وفيه: دليل على فضل الكفاف على الفقر والغنى، لأن ضياع المال يؤدي إلى الفتنة بالفقر وكثرة السؤال، وربما يخشى من الغنى الفتنة، قال تعالى: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى﴾ [العلق: ٦ و٧]. والفقر والغنى محنتان وبليتان كان الشارع يتورع منهما، ومن عاش فيهما بالاقتصاد فقد فاز فى الدنيا والآخرة. وفيه: الكتاب بالسؤال عن العلم والجواب عنه. وفيه: قبول خبر الواحد وقبول الكتاب وهو حجة في الإجازة. وفيه: أخذ بعض الصحابة عن بعض. وفيه: دليل على أن قلة السؤال لا تدخل تحت النهي خصوصاً إذا كان مضطراً يخاف على نفسه التلف بتركه، بل السؤال في هذه الحالة واجب لأنه لا يحل له إتلاف نفسه وهو يجد السبيل إلى حياتها. ١٤٧٨/٧٩ - حدَّثْنا محَمَّدُ بنُ غُرَيْرِ الزُّهْرِيُّ قال حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إِبْرَاهِيمَ عن أبيهِ عنْ صَالِحِ بنِ كَيْسَانَ عنِ ابنِ شِهَابٍ قال أخبرني عامِرُ بنُّ سَعْدٍ عنْ أبِيهِ قال أعْطَى رسولُ الله عَّهُ رَهطاً وَأَنا جالِسٌ فِيهِمْ قال فترَكَ رسولُ اللهِ عَلِ مِنْهُم رجلاً لَمْ يُعِطِهِ وَهْوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ فَقُمْتُ إِلَى رسولِ اللهِ عَ لَّهِ فِسَاوَرْتُهُ فَقُلْتُ مَالَكَ عنْ فُلانٍ وَاللهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِناً قال أوْ مُسْلِماً قال فسَكَتُ قلِيلاً ثُمَّ غَلَبنِي ما أعْلَمُ فيهِ فقُلْتُ يا رسولَ اللهِ ما لَكَ عنْ فُلانٍ وَالله إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِناً قال أوْ مُسْلِماً قال فسَكَتُّ قَليلاً ثُمَّ غلبَني ما أعْلَمُ فيهٍ فقُلْتُ يا رسولَ الله مالَكَ عن فُلانٍ وَاللهِ إِنِّي لأَراهُ مُؤْمِناً قال أوْ مُسْلِماً يَغْنِي فقال إنِّي لأَعْطِي الرَّجُلَ وغَيْرَهُ أحَبُّ إليَّ مِنْهُ خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ. [انظر الحديث ٢٧]. ۔ مطابقته للترجمة من حيث إن الرجل الذي تركه رسول الله عَّله، ولم يعطه شيئاً، وهو أيضاً ترك السؤال أصلاً مع مراجعة سعد، رضي الله تعالى عنه، إلى رسول الله عَ لَّه بسببه ثلاث مرات، وقد مضى الحديث في كتاب الإيمان في: باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، فإنه أخرجه هناك: عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري عن عامر بن سعد بن أبي ٨٩ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٥) وقاص عن سعد، رضي الله تعالى عنه، وهنا أخرجه: عن محمد بن غرير، بضم الغين المعجمة وفتح الراء الأولى وسكون الياء آخر الحروف: الزهري، بضم الزاي وسكون الهاء، وقد تقدم في: باب ما ذكر في ذهاب موسى في كتاب العلم. وقد مضى الكلام فيه مستوفى في كتاب الإيمان. وعَنْ أبيهِ عن صالِحٍ عنْ إِسْمَاعِيلَ بنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قال سَمِعْتُ أبي يُحَدِّثُ لهذا فقال فِي حدِيثِهِ فَضَرَبَ رسولُ الله عَّهِ بِيَدِهِ فَجَمَعَ بَيْنَ عُنُقِي وَكَتِفِي ثُمَّ قال أَقْبِلْ أَيْ سَعْدُ إِنِّي لأعطِي الرَّجُلَ هذا طريق آخر في الحديث المذكور. قوله: ((وعن أبيه))، عطف على المذكور أولاً في الإسناد أي: قال يعقوب عن أبيه إبراهيم عن صالح بن كيسان عن إسماعيل بن محمد ابن سعد بن أبي وقاص الزهري، وقال الكرماني: فإن قلت: أبوه محمد فروايته عن النبي عَّه مرسلة إذ لا بد من توسط ذكر سعد حتى يصير مسنداً متصلاً؟ قلت: لفظ، هذا، هو إشارة إلى قول سعد، فهو متصل وبهذا السند رواه مسلم عن الحسن بن علي الحلواني عن يعقوب عن أبيه عن صالح عن إسماعيل بن محمد، قال: سمعت محمد بن سعد يحدث بهذا ... يعني حديث الزهري المذكور، فقال في حديثه: فضرب النبي عَّه بيده بين عنقي وكتفي ثم قال: أقتالاً أي سعد إني لأعطي الرجل؟ وفي الجمع للحميدي في أفراد مسلم: عن إسماعيل بن محمد بن سعد عن أبيه عن جده بنحو حديث الزهري عن عامر بن سعد. قوله: ((يحدث))، هذا إشارة إلى قول سعد كما ذكرنا. قوله: ((في حديثه)) أي: في جملة حديثه. قوله: ((فجمع))، بفاء العطف، وفعل الماضي، وقال ابن التين: رواية أبي ذر: فجمع، وفي رواية غيره: جمع، بدون الفاء، ويروى: ((فضرب رسول الله عَّله بيده فجمع بين عنقي وكتفي)). قال ابن قرقول: أي: حيث يجتمعان، وكذلك مجمع البحرين حيث يجتمع بحر وبحر، وتوجيه هذه الرواية إن يكون لفظ: بين، إسماً لا ظرفاً، كقوله تعالى: ﴿لقد تقطع بينكم﴾ [الأنعام: ٩٤]. على قراء الرفع فيكون لفظ: مجمع، مضافاً إليه، ويروى: ((فضرب رسول الله عَِّ بيده يجمع بين عنقي وكتفي))، بالباء الجارة وضم الجيم وسكون الميم، ومحله نصب على الحال تقديره: ضرب بيده حال كونها مجموعة، ويجوز في الكتف ثلاث لغات. قوله: ((ثم قال) أي: النبي عَّ له: ((أقبل)) بفتح الهمزة، أمر من الإقبال أو بكسر الهمزة وفتح الباء من القبول، حسب الروايتين. قال التيمي: في بعضها أقبل بقطع الألف، كأنه لما قال ذلك تولى ليذهب فقال له: أقبل لأبين لك وجه الإعطاء والمنع، وفي بعضها بوصل الألف أي: اقبل ما أنا قائل لك ولا تعترض عليه. قلت: ويدل عليه باقي رواية مسلم: ((أقتالاً أي سعد)) أي: أتقاتل قتالاً؟ أي: أتعارضني فيما أقول مرة بعد مرة كأنك تقاتل؟ وهذا يشعر أنه عَِّ كره منه إلحاحه عليه في المسألة. قوله: ((أي سعد)) يعني: يا سعد إني لأعطي، اللام فيه للتأكيد، وإنما أعطي الرجل ليتألفه ليستقر الإيمان في قلبه وعلم أنه إن لم يعطه قال ٩٠ ٢٤ - كتابُ الزكاةِ / باب (٥٥) قولاً أو فعل فعلاً دخل به النار، فأعطاه شفقة عليه، ومنع الآخر علماً منه رسوخ الإيمان في صدره ووثوقاً على صبره. وقال ابن بطال: فيه: الشفاعة للرجل من غير أن يسألها ثلاثاً. وفيه: النهي عن القطع لأحد من الناس بحقيقة الإيمان وأن الحرص على هداية غير المهتدي آكد من الإحسان إلى المهتدي. وفيه: الأمر بالتعفف والاستغناء وترك السؤال. قال أبُو عَبْدِ الله فَكُبْكِبُوا قُلِبُوا مُكِباً أكَبَّ الرَّجُلِ إذَا كانَ فِعلُهُ غَيْرَ وَاقِعٍ عَلَى أَحَدٍ فإِذَا وقَعَ الفِعْلُ قُلْتَ كَبَّهُ الله لِوَجْهِهِ وكبِتُّهُ أَنَا قال أبو عبد الله، هو البخاري نفسه، وقد جرت عادته أنه إذا كان في القرآن لفظ يناسب لفظ الحديث يذكره استطراداً فقوله: ((فكبكبوا))، مذكور في سورة الشعراء معناه: فكبوا بلفظ المجهول من الكب، وهو الإلقاء على الوجه. وفي بعضها: قلبوا بالقاف واللام والباء الموحدة. قوله: ((مكباً))، بضم الميم هو المذكور في سورة الملك، وهو قوله: ﴿أفمن يمشي مكباً على وجهه﴾ [الملك: ٢٢]. قوله: ((أكب الرجل)) يعني: وقع على وجهه، وهو لازم أشار إليه بقوله: ((إذا كان فعله غير واقع على أحد)»، وذلك أنهم يسمون الفعل الذي لا يتعدى: لازماً وغيره واقع. قوله: ((فإذا وقع الفعل))، يعني: إذا وقع على أحد يكون متعدياً: ويسمى واقعاً أيضاً، أشار إليه بقوله: ((قلت كبه الله لوجهه))، وهذا من نوادر الكلمة حيث كان ثلاثيه متعدياً والمزيد فيه لازماً، عكس القاعدة التصريفية. قوله: ((وكببته أنا» متعدٍ أيضاً، أي: كببت أنا فلاناً على وجهه، وأتى بالمثالين أحدهما من الغائب والآخر من المتكلم، وكببته يجوز فيه أن تبدل الياء من الباء الثانية فنقول: كبيته، على ما علم في موضعه. قال أبُو عَبْدِ الله: صالِحُ بنُ كَيْسَانَ أَكْبَرُ مِنَ الزُّهْرِيِّ وَهْوَ قَدْ أَدْرَكَ ابنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهم أبو عبد الله هو البخاري نفسه. قوله: (صالح بن كيسان)) هو المذكور في الإسنادين. قوله: (أكبر)) أي: أكبر سناً، كان عمره مائة وستين سنة. قوله: ((من الزهري)) يعني من محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. قوله: ((وهو) أي: صالح بن كيسان ((قد أدرك عبد الله بن عمر))، يعني: أدرك السماع منه. وأما الزهري فمختلف في لقيه له، والصحيح أنه لم يلقه وإنما يروى عن أبيه سالم عنه، والحديثان اللذان وقع في رواية معمر أنه سمعهما من ابن عمر ثبت ذكر سالم بينهما في رواية غيره. ١٤٧٩/٨٠ _ حدَّثنا إِسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثني مالِكٌ عنْ أبي الزِّنَادِ عنِ الأَعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ الله عَلِّ قَال لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِيَ يَطُوفُ عَلى الناسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللَّقْمَتَانِ والتَّمْرَةُ والتَّمْرَتانِ ولُكِنَّ المِسْكِينَ الَّذِي لاَ يَجِدُ غِنِىّ يُغْنِيهِ وَلاَ يُفَطَنُ بِهِ فيتَصَدَّقُ عليهِ وَلاَ يَقُومُ فِيَسْألُ النَّاسَ. [انظر الحديث ١٤٧٦ ٩١ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٦) وطرفه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((ولا يقوم فيسأل الناس)). ورجاله تقدموا غير مرة، وأبو الزناد، بالزاي والنون: عبد الله بن ذكوان، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز. وأخرجه النسائي أيضاً في الزكاة عن قتيبة عن مالك به، وقد مر الكلام في معناه في باب الاستعفاف في المسألة. قوله: ((ولا يفطن به)) أي: لا يكون للناس العلم بحاله فيتصدقون عليه، ويروى ((ولا يفطن له)) باللام، قوله: ((فيسأل)) بالنصب، وكذا: ((فيتصدق)) وهو على صيغة المجهول. ٨١/ ١٤٨٠ _ حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِيَاثٍ قال حدَّثنا أبي قال حدَّثنا الأعْمَشُ قال حدَّثنا أبو صالِح عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ عََّلِ قال لأَن يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ ثُمَّ يَغْدُو أَحْسِبُهُ إِلَى الجَبَلِ فِيَخْتَطِبَ فيَبِيعَ فيَأْكُّلَ وَيَتَصَدَّقَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْألَ النَّاسَ. [انظر الحديث ١٤٧٠ وطرفيه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((خير له من أن يسأل الناس))، والحديث مضى في: باب الاستعفاف في المسألة، فإنه أخرجه هناك: عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ... الحديث، وهنا أخرجه: عن عمر بن حفص عن أبيه حفص بن غياث عن سليمان الأعمش عن أبي صالح ذكوان الزيات عن أبي هريرة. قوله: ((ثم يغدو)) أي: موضع الحطب. قوله: ((فيحتطب فيبيع))، بالفاء فيهما لأن الاحتطاب يكون عقيب الغدو إلى الجبل، والبيع يكون عقيب الاحتطاب. قوله: ((ويتصدق))، بواو العطف ليدل على أنه يجمع بين البيع والصدقة، يعني: إذا باع يتصدق منه. وفيه: استحباب الاستعفاف عن المسألة. واستحباب التكسب باليد. واستحباب الصدقة من كسب يده. ٥٦ - بابُ خْص التمرِ أي: هذا باب في مشروعية خرص التمر، الخرص، بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء بعدها صاد مهملة: مصدر من خرص العدد ويخرصه من باب: نصر ينصر وضرب يضرب، خرصاً وخرصاً بالفتح والكسر إذا حزره، ويقال بالفتح مصدر وبالكسر اسم. وفي (الصحاح): هو حزر على النخل من الرطب تمراً. وقال ابن السكيت: الخرص والخرص لغتان في الشيء المخروص، وحكى الترمذي عن بعض أهل العلم: أن تفسيره أن الثمار إذا أدركت من الرطب والعنب مما يجب فيه الزكاة بعث السلطان خارصاً ينظر فيقول: يخرج من هذا كذا وكذا زبيباً وكذا تمراً فيحصيه، وينظر مبلغ العُشرَ فيثبته عليهم ويخلي بينهم وبين الثمار فإذا جاء وقت الجذاذ أخذ منهم العُشر. ٩٢ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٦) ١٤٨١/٨٢ _ حدَّثْنا سَهْلُ بنُ بَكْارٍ قال حدَّثنا وُهَيْبٌ عنْ عَمْرِو بنِ يَحْيَى عن عَبَّاسٍٍ السَّاعِديِّ عنْ أبِي حُمَيْدِ السَّاعِدِيِّ رضي الله تعالى عنهُ قال غزَوْنَا معَ النبيِّ عَ لِّ غَزْوَةَ تَبُوكَ فِلَهَّا جاءَ وَادِي القُرى إِذَا امْرَأَةٌ في حَدِيقَةٍ لَها فقال النبيُّ عََّلَّهِ لِأَضْحَابِهِ اخْرُصُوا وخَرَصَ رسولُ اللهِ عَ لِ عَشْرَةَ أوْسُق فقال لهَا أُخْصِي ما يَخْرُجُ مِنْهَا فَلَمَّا أَتَيْنَا تَبُوكَ قال أمَّا إِنَّهَا ستَهُبُّ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَلا يَقُومَنَّ أحَدٌ ومَنْ كانَ معَهُ بَعِيرٌ فَلْيَعْقِلْهُ فعَقَلْنَاهَا وهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدٌ فقامَ رجلٌ فألقَتْهُ بِجَبَلٍ طيِّىءٍ وَأَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِيِّ عَ لَّهِ بَعْلَةٌ بَيْضَاءَ وكسَاهُ بُرْداً وكتَبَ لَهُ بِبَخْرِهِمْ فَلَمَّا أَتَى وَادِي القُرَى قال لِلْمَرأةِ كَمْ جاءَ حَدِيقَتُكِ قالَتْ عَشَرَةً أَوْسُقٍ خَرْصَ رسولِ اللهِ عَّهِ فقال النبيُّ عَّهِ إِنِّي مُتَعَجّلٌ إِلَى المَدِينَةِ فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَعَجَّلَ مَعِي فَلْيَتَعَجَّلْ فَلَمَّا قال ابنُ بَكَّارٍ كلِمَةٌ مَعْنَاها أشْرَفَ عَلى المدِينَةِ. قال لهَذِهِ طابَةُ فَلَمَّا رَأى أُحُدَاً قال لهذا محبَيْلٌ يُحِبُنَا ونُحِبُّهُ ألاَ أخبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأنصَارِ قَالُوا بَلى قالَ دُورُ بَنِي النَّجَّارِ ثُمَّ دُورُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ ثُمَّ دُورٍ بَنِي ساعِدَةَ أوْ دُورُ بَنِي الحَارِثِ بنِ الخزْرَجِ وفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ يَغْنِي خَيْراً. [الحديث ١٤٨١ - أطرافه في: ١٨٧٢، ٣١٦١، ٣٧٩١، ٤٤٢٢]. ... / ١٤٨٢ _ وقالَ سُلَيْمَانُ بنُ بِلاَلٍ حدَّثني عَمْرٌّو ثُمَّ دَارُ بَنِي الحارِثِ ثُمَّ بَنِي ساعِدَةً وقال سُلَيْمَانُ عنْ سَعْدِ بنِ سَعِيدٍ عنْ عُمَارَةَ بنِ غَزِيَّةَ عنْ عَبَّاسٍ عنْ أَبِيهِ عنِ النبيّ مَّهِ قال أُعدّ جَبَلٌ يُحِبُنَا ونُحِبُهُ. مطابقته للترجمة ظاهرة في قوله: ((اخرصوا وخرص رسول اللهعَلِّ)). ذكر رجاله: وهم: خمسة: الأول: سهل بن بكار، بفتح الباء الموحدة وتشديد الكاف وبالراء: أبو بشر الدارمي. الثاني: وهيب بن خالد أبو بكر. الثالث: عمرو بن يحيى بن عمارة. الرابع: عباس، بفتح العين المهملة وتشديد الباء الموحدة: ابن سهل بن سعد، مات زمن الوليد بالمدينة. الخامس: أبو حميد، بضم الحاء المهملة وفتح الميم: اسمه المنذر أو عبد الرحمن بن سعد الساعدي، مر في: باب فضل استقبال القبلة. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: عن عمرو بن يحيى، ولمسلم من وجه آخر عن وهيب حدثنا عمرو بن يحيى. وفيه: عباسٍ وفي رواية أبي داود: عن العباس الساعدي، يعني ابن سهل بن سعد، وفي رواية الإسماعيلي من وجه آخر: عن وهيب أخبرنا عمرو بن يحيى حدثنا عباس بن سهل الساعدي. وفيه: أن شيخه وشيخ شيخه بصريان وعمرو ابن يحيى وعباس بن سهل مدنيان. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الحج وفي المغازي بتمامه وفي فضل الأنصار ببعضه: ((خير دور الأنصار))، عن خالد بن مخلد، وأخرجه مسلم في فضل النبي عَّه عن أبي بكر بن أبي شيبة وعن إسحاق بن إبراهيم وفيه وفي الحج عن ٩٣ ٢٤ - كتابُ الزَكاةِ / باب (٥٦) القعنبي عن سليمان بن بلال، وأخرجه أبو داود في الخراج عن سهل بن بكار به. ذكر معناه: قوله: ((غزوة تبوك))، بفتح التاء المثناة من فوق وضم الباء الموحدة المخففة وفي آخره كاف، منصرف بينها وبين المدينة أربع عشرة مرحلة من طرف الشام، وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة. وفي (المحكم): تبوك اسم أرض وقد يكون: تبوك، تفعل، وزعم ابن قتيبة أن رسول الله عَ ◌ٍّ جاء في غزوة تبوك وهم يبوكون حسيها بقدح، فقال: ما زلتم تبوكونها بعد؟ فسميت: بتبوك، ومعنى: تبوكون تدخلون فيه السهم وتحركونه ليخرج ماؤه. قلت: هذا يدل على أنه معتل، وذكرها ابن سيده في الثلاثي الصحيح. قوله: ((حسيها))، أي: حسي تبوك، بكسر الحاء وسكون السين المهملتين، وفي آخره ياء آخر الحروف: ما تنشفه الأرض من الرمل، فإذا صار إلى صلابة أمسكته فيحفر عنه الرمل فتستخرجه وهو الاحتساء، ويجمع الحسي على أحساء، وغزوة تبوك تسمى العسرة والفاضحة، وكانت في رجب يوم الخميس سنة تسع، وقال ابن التين: خرج رسول الله عَ ليه في أول يوم من رجب إليها ورجع في سلخ شوال. وقيل: في شهر رمضان. وقال الداودي: هي آخر غزواته، لم يقدر أحد أن يتخلف عنها، وكانت في شدة الحر وإقبال الثمار، ولم يكن فيها قتال ولم تكن غزوة إلاَّ ورى النبي عَّ له فيها إلاَّ غزوة تبوك، ومكرت طائفة من المنافقين في هذه الغزوة برسول الله، عَّه، أرادوا أن يلقوه من العقبة فنزل فيهم ما في سورة براءة. قوله: ((وادي القرى))، ذكر السمعاني أنها مدينة قديمة بالحجاز مما يلي الشام، وذكر ابن قرقول، أنها من أعمال المدينة، وهذا قريب. قوله: ((إذا امرأة في حديقة))، قال ابن مالك في (الشواهد): لا يمتنع الابتداء بالنكرة المحضة على الإطلاق، بل إذا لم تحصل فائدة نحو: رجل يتكلم، إذ لا تخلو الدنيا من رجل يتكلم، فلو اقترن بالنكرة قرينة تتحصل بها الفائدة جاز الابتداء بها، ومن تلك القرائن الاعتماد على: إذا، المفاجأة نحو: انطلقت فإذا سبع في الطريق، والحديقة، بفتح الحاء المهملة، قال ابن سيده: هي من الرياض كل أرض استدارت. وقيل: الحديقة كل أرض ذات شجرة بثمر ونخل. وقيل: الحديقة البستان والحائط وخص بعضهم به الجنة من النخل والعنب، وقيل: الحديقة حفرة تكون في الوادي تحبس الماء في الوادي، وإن لم يكن الماء في بطنه فهو حديقة، والحديقة أعمق من الغدير، والحديقة القطعة من الزرع من كراع، وكله في معنى الاستدارة. وفي (الغريبين): يقال للقطعة من النخل: حديقة. قوله: ((اخرصوا)) بضم الراء زاد سليمان: ((فخرصنا)). قوله: ((عشرة أوسق)) على وزن أفعل، بضم العين: جمع وسق بفتح الواو وهو ستون صاعاً، وهو ثلاثمائة وعشرون رطلاً عند أهل الحجاز، وأربعمائة وثمانون رطلاً عند أهل العراق، على اختلافهم في مقدار الصاع والمد. قوله: ((أحصي))، بفتح الهمزة من الإحصاء وهو العد، ومعناه: احفظي عدد كيلها. وفي رواية سليمان: ((إحصيها حتى نرجع إليك إن شاء الله تعالى)). وأصل الإحصاء العد بالحصى لأنهم كانوا لا يحسنون الكتابة، فكانوا يضبطون العدد بالحصى. قوله: ((أما إنها)) أما، بفتح الهمزة بالتخفيف، وهي حرف استفتاح بمنزلة أَلاَ، ويكون ٩٤ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٦) بمعنى: حقاً. قوله: ((ستهب الليلة))، زاد سليمان: ((عليكم))، وستهب، بضم الهاء والسين فيه علامة الاستقبال، وأصله من: هب يهب، ككب يكب، وهذا الباب إذا كان متعدياً يكون عين الفعل فيه مضموماً إلاَّ: حبه يحبه، فإنه مكسور. وأحرف نادرة جاء فيها الوجهان إذا كان لازماً مثل: ضل يضل. قوله: ((فليعقله)) أي: يشده بالعقال، وهو الحبل، وفي رواية سليمان: ((فليشد عقاله))، وفي رواية ابن إسحاق في (المغازي): عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن عباس بن سهل: ((ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلاَّ ومعه صاحب له)). قوله: ((بجبل طي))، وفي رواية الكشميهني: ((بجبلي طي))، وفي رواية: ((فحملت الريح حتى ألقته بجبلي طيء)، وفي رواية الإسماعيلي من طريق عفان عن وهيب: ((فلم يقم فيها أحد غير رجلين ألقتهما بجبلي طيء)، وفيه نظر تبينه رواية ابن إسحاق، ولفظه: ((ففعل الناس ما أمرهم إلاَّ رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته فإنه خنق على مذهبه، وأما الذي ذهب في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته بجبلي طيء، فأخبر رسول الله عَ ليه، فقال: ألم أنهكم أن يخرج رجل إلاَّ ومعه صاحب له؟ ثم دعى الذي أصيب على مذهبه فشفي، وأما الآخر فإنه وصل إلى رسول الله، عَّهِ، حين قدم من تبوك)). وأما جبلا طيء فقد ذكر الكلبي في كتابه (أسماء البلدان) أن سلمى بنت حام بن حمى بن برارة من بني عمليق كانت لها حاضنة يقال لها العوجاء، وكانت الرسول بينها وبين أجأ بن عبد الحي من العماليق، فعشقها فهرب بها وبحاضنتها إلى موضع جبل طيء، وبالجبلين قوم من عاد، وكان لسلمى أخوة فجاؤوا في طلبها فلحقوهم بموضع الجبلين، فأخذوا سلمى فنزعوا عينها ووضعوها على الجبل، وكتف أجأ، وكان أول من كتف ووضع على الجبل الآخر، فسمي بها الجبلان، أجأ وسلمى. وقال البكري: أجأ، بفتح أوله وثانيه على وزن فعل يهمز ولا يهمز ويذكر ويؤنث، وهو مقصور في كلا الوجهين من همزه وترك همزه. وقال بعضهم: ويقال: إن الجبلين سميا باسم رجل وامرأة من العماليق، قلت: الكلبي قد سماهما كما ذكرنا. قوله: ((ملك أيلة))، بفتح الهمزة وسكون الياء آخر الحروف وباللام: إسم بلدة على ساحل البحر آخر الحجاز وأول الشام. قلت: أيلة على وزن: فعلة، مدينة على شاطىء البحر في منصف ما بين مصر ومكة، شرفها الله تعالى، سميت بأيلة بنت مدين بن إبراهيم عَّة، وقد روى أن أيلة هي القرية التي كانت حاضرة البحر. وفي (التلويح): وملك أيلة اسمه يوحنا بن روبة، وفي رواية سليمان عند مسلم: ((وجاء رسول ابن العلما صاحب أيلة إلى رسول الله عَّ لله بكتاب، وأهدى له بغلة بيضاء)). قلت: يوحنا، بضم الياء آخر الحروف وسكون الواو وفتح الحاء المهملة وتشديد النون مقصور. وروبة، بضم الراء وسكون الواو وفتح الباء الموحدة وفي آخره هاء، والظاهر أن علما اسم يوحنا، وإسم البغلة: دلدل. قوله: ((وكتب له ببحرهم))، أي: ببلدهم، والمراد بأهل بحرهم لأنهم كانوا سكاناً بساحل البحر، ويروى: ((ببحرتهم))، أي: ببلدتهم، وقيل: البحرة الأرض، كان، عَ لِّ، أقطع هذا الملك من بلاده قطائع، وفوض إليه حكومتها، وذكر ابن إسحاق الكتاب، وهو بعد ٩٥ ٢٤ - كتابُ الزَكاةِ / باب (٥٦) البسملة: ((هذه أمنة من الله ومن محمد النبي رسول الله ليوحنا بن روبة وأهل أيلة سفنهم وسيارتهم في البر والبحر لهم ذمة الله، ومحمد النبي)»، وساق بقية الكتاب. قوله: ((كم جاء حديقتك)) أي: قدر ثمر حديقتك؟ وفي رواية مسلم: ((فسأل المرأة عن حديقتها: كم بلغ ثمرها؟)). قوله: ((قالت عشرة أوسق))، بنزع الخافض، أي جاء بمقدار عشرة أوسق، أو نصب على الحال، ويجوز أن يعطى لقوله: جاء، حكم الأفعال الناقصة، فيكون عشرة خبراً له، والتقدير: جاءت عشرة أوسق. قوله: ((خرص رسول الله عَ لّه))، خرص، مصدر بالنصب على أنه بدل من قوله: ((عشرة أوسق))، لأنه عَلَُّ كان قد خرصها عشرة أوسق لما جاء وادي القرى، أو عطف بيان لعشرة، ويجوز الرفع في عشرة وفي خرص، والتقدير: الحاصل عشرة أوسق خرص رسول الله عَّله، ويجوز الرفع في: خرص، وحده على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هي خرص رسول الله عَّ﴾ أي: العشرة خرص رسول الله عَّهِ. قوله: ((فلما قال ابن بكار)) كلمة: فلما، مقول ابن بكار، وهو سهل شيخ البخاري، ولفظ ابن بكار مقول البخاري. و: كلمة، بالنصب مقول ابن بكار، معناها: أي معنى هذه الكلمة أشرف أي النبي عَ لَّه على المدينة معناه: قرب منها واطلع إليها، وكأن البخاري شك في هذه اللفظة، فقال هذا. قوله: ((قال هذه طابة)) جواب لما، أي: قال عَّه وأشار إلى المدينة بقوله: ((هذه طابة))، وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث، ومعناها الطيبة، وسماها رسول الله عَّم بهذا الاسم وكان اسمها يثرب. قوله: ((فلما رأى أحداً) أي: الجبل المسمى بأحد. قوله: ((يحبنا ونحبه))، يعني: أهل الجبل، وهم الأنصار لأنه لهم، فيكون مجازاً كما في قوله: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢]. ولا منع من حقيقته فلا حاجة إلى إضمار فيه، وقد ثبت ((أنه ارتج تحته فقال له: إثبت، فليس عليك إلاَّ نبي وصديق وشهيدان)). وحن الجذع اليابس إليه حتى نزل فضمه، وقال: لو لم أضمه لحن إلى يوم القيامة. وكلمه الذئب، وسجد له البعير، وسلم عليه الحجر، وكلمه اللحم المسموم أنه مسموم فلا ينكر حب الجبل له، وحب النبي عَِّ إياه لأن به قبور الشهداء، ولأنهم لجأوا إليه يوم أحد وامتنعوا. قوله: ((ألا أخبركم بخير دور الأنصار؟)) كلمة: ألا، للتنبيه، والخطاب لمن كان معه من الصحابة، ودور جمع: دار، نحو أسد وأسد، ويريد به القبائل الذين يسكنون الدور، يعني: المحال. قوله: ((بني النجار))، بفتح النون وتشديد الجيم وبالراء: وهو تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج. قيل: سمي النجار لأنه اختتن بقدوم، وقيل: بل نجر وجه رجل بالقدوم فسمي النجار. قوله: ((بني عبد الأشهل))، بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة: ابن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو، وهو: النبيت ابن مالك بن الأوس، والأوس أحد جذمي الأنصار لأنهم جذمان: الأوس والخزرج، وهما أخوان وأمهما: قبيلة بنت الأرقم بن عمرو بن جفنة. وقيل: قبيلة بنت كاهل بن عدي بن سعد بن قضاعة. قوله: ((بني ساعدة))، ساعدة بن كعب بن الخزرج. قوله: ((يعني خيراً))، أي: كان لفظ خيراً محذوفاً من كلام رسول الله عَلَّهِ، ولكنه أراده. قوله: ((وقال سليمان بن بلال))، أبو أيوب، ويقال: أبو محمد القرشي التيمي مولى ٩٦ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٦) عبد الله بن أبي عتيق، واسمه: محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، ويقال: مولى القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، وهذا تعليق وصله أبو علي بن خزيمة في (فوائده) قال: حدثنا أبو إسماعيل الترمذي حدثنا أيوب بن سليمان، أي: ابن بلال، حدثني أبو بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال، فذكره، وأوله: ((أقبلنا مع رسول الله عَليه حتى إذا دنا من المدينة أخذ طريق غراب لأنها أقرب طريق إلى المدينة، وترك الأخرى ... )) فساق الحديث ولم يذكر أوله. قوله: ((حدثني عمرو))، هو عمرو بن يحيى المذكور في إسناد الحديث. قوله: ((وقال سليمان))، هو ابن بلال المذكور. قوله: ((سعيد بن سعيد»، هو الأنصاري أخو يحيى بن سعيد الأنصاري. قوله: ((عن عمارة))، بضم العين ابن غزية، بفتح الغين المعجمة وكسر الزاي وتشديد الياء آخر الحروف: المازني الأنصاري. قوله: ((عن عباس)) هو عباس بن سهل وأبوه سهل بن سعد، وهو آخر من مات من الصحابة بالمدينة. ذكر ما يستفاد منه فيه: الخرص الذي ذكرنا تفسيره، واختلف العلماء فيه. فذهب الزهري وعطاء والحسن وعمر بن دينار وعبد الكريم بن أبي المخارق ومروان والقاسم بن محمد والشافعي وأحمد وأبو ثور وأبو عبيد إلى جواز الخرص في النخيل والأعناب حين يبدو صلاحها. وقال ابن رشد: جمهور العلماء على إجازة الخرص فيها، ويخلى بينها وبين أهلها يأكلونه رطباً. وقال داود: لا خرص إلاَّ في النخيل فقط، وقال الشافعي: إذابدا صلاح ثمار النخل والكرم فقد تعلق وجوب الزكاة بهما ووجب خرصهما للعلم بمقدار زكاتهما، فيخرصهما رطباً. وينظر الخارض كم يصير تمراً، ثم يخبر رب المال فيها، فإن شاء كانت مضمونة في يده وله التصرف فيها، فإذا تصرف فيها ضمنها، ويستفاد بالخرص العلم بقدر الزكاة فيها واستباحة رب المال التصرف في الثمرة، بشرط الضمان. قال الماوردي: وبه قال أبو بكر، وعمر رضي الله تعالى عنهما. وقال الشافعي: وهو سنة في الرطب والعنب، ولا خرص في الزرع، وهو قول أحمد. وذكر ابن بزيزة، قال الجمهور: يقع الخرص في النخل والكرم. واختلف مذهب مالك: هل يخرص الزيتون أم لا؟ فيه قولان: الجواز قياساً على الكرم، والمنع لوجهين: الأول: لأن أوراقه تستره. والثاني: أن أهله لا يحتاجون إلى أن يأكلوه رطباً، فلا معنى لخرصه وقد اختلفوا هل هو واجب أو مستحب، فحكى الضميري عن الشافعية وجهاً بوجوبه، وقال الجمهور: هو مستحب إلاَّ أن تعلق به حق لمحجور مثلاً، أو كان شركاؤه غير مؤتمنين، فيجب لحفظ مال الغير. واختلفوا أيضاً: هل يختص بالنخل أو يلحق به العنب أو يعم كل ما ينتفع به رطباً وجافاً؟ وبالأول قال شريح القاضي وبعض الظاهرية. والثاني: قول الجمهور، وإلى الثالث نحى البخاري، وهل يمضي قول الخارص أو يرجع ما آل إليه الحال بعد الجفاف؟ الأول: قول مالك وطائفة. والثاني: قول الشافعي ومن تبعه. وهل يكفي خارص واحد عارف ثقة أم لا بد من اثنين؟ وهما قولان للشافعي والجمهور على الأول، واختلف أيضاً هل هو اعتبار أو تضمين، وهما قولان للشافعي أظهرهما الثاني، ٩٧ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٦) وفائدته جواز التصرف في جميع الثمرة، ولو أتلف المالك الثمرة بعد الخرص أخذت منه الزكاة بحساب ما خرص. واختلفوا في الخرص هل هو شهادة أو حكم؟ فإن كان شهادة لم يكتف بخارص واحد، وإن كان حكماً اكتفى به، وكذلك اختلفوا في القائف والطبيب يشهد في العيوب، وحاكم الجزاء في الصيد، واختلفوا: هل يحاسب أصحاب الزرع والثمار بما أكلوا قبل التصفية والجذاذ أم لا؟ وكذلك اختلفوا: هل يؤخذ قدر العواري والضيف وما في معناه أم لا؟ واختلفوا أيضاً إذا غلط الخارص. ومحصل الأمر فيه أنه: إن لم يكن من أهل المعرفة بالخرص فالرجوع إلى الخارج لا إلى قوله، وإن كان من أهل المعرفة ثم تبين أنه أخطأ فهل يؤخذ بقوله أو بما تبين؟ فيه خلاف على اختلافهم في المجتهد يخطىء هل ينقض حكمه أم لا؟ قال ابن قدامة: ويلزم الخارص أن يترك الثلث أو الربع في الخرص توسعة على أرباب الأموال، وبه قال إسحاق والليث لحديث سهل بن أبي خيثمة، قال: قال رسول الله عَّةٍ إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع، رواه الترمذي، واستدل من يرى الخرص في النخل والكرم بما رواه ابن المسيب عن عتاب بن أسيد، قال: ((أمر رسول الله عَ ل أن يخرص العنب كما يخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيباً كما تؤخذ صدقة النخل تمراً)، رواه الترمذي، وقال: حسن غريب، وقال الماوردي: الدليل على جواز الخرص ورود السنة قولاً وفعلاً وامتثالاً: أما القول فحديث عتاب، وأما الفعل فحديث البخاري في هذا الباب، وأما الامتثال فما روي أن رسول الله عٍَّ كان له خراصون، كأنه يعني ما رواه أبو داود عن عائشة، رضي الله تعالى عنها: كان النبي عَّ يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود فيخرص حين يطيب قبل أن يؤكل. وعن ابن عمر في (صحيح ابن حبان): أن رسول الله عَّ غلب أهل خيبر على الأرض والزرع والنخل فصالحوه، وفيه: فكان ابن رواحة يأتيهم فيخرصها عليهم ثم يضمنهم الشطر. وفي (المصنف) بسند صحيح عن جابر قال: خرصها عليهم ابن رواحة - يعني: خيبراً - أربعين ألف وسق. واستدل من يرى الخرص مطلقاً في النخيل وغيره بما رواه أبو داود من حديث جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران عن مقسم عن ابن عباس أن النبي عَّ حين افتتح خيبر الحديث، وفيه: ((فلما كان حين يصرم النخل بعث إليهم ابن رواحة فحرز النخل، وهو الذي يسميه أهل المدينة الخرص)). الحديث. وبما رواه البيهقي من حديث الصائت بن زبيد عن أبيه عن جده: ((أن رسول الله عَ له استعمله على الخرص، فقال: اثبت لنا النصف وأبقِ لهم النصف فإنهم يسرفون، ولا تصل إليهم)) الحديث. وقال الشعبي والثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: الخرص مكروه. وقال الشعبي: الخرص بدعة. وقال الثوري خرص الثمار لا يجوز. وفي (أحكام ابن بزيزة): قال أبو حنيفة وصاحباه: الخرص باطل. وقال الماوردي: احتج أبو حنيفة بما رواه جابر مرفوعاً: ((نهى عن عمدة القارىء / ج٩ / م٧ ٩٨ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٦) الخرص))، وبما رواه جابر بن سمرة: ((أن رسول الله عَ لّم نهى عن بيع كل ثمرة بخرص))، وبأنه تخمين، وقد يخطىء، ولو جوزنا لجوزنا خرص الزرع، وخرص الثمار بعد جذاذها أقرب إلى الأبصار من خرص ما على الأشجار، فلما لم يجز في القريب لم يجز في البعيد، ولأنه تضمين رب المال بقدر الصدقة، وذلك غير جائز لأنه بيع رطب بتمر، وأنه بيع حاضر بغائب، وأيضاً فهو من المزابنة المنهي عنها وهو بيع التمر في رؤوس النخل بالتمر كيلاً، وهو أيضاً من: باب بيع الرطب بالتمر نسيئة، فيدخله المنع بين التفاضل وبين النسيئة. وقالوا: الخرص منسوخ بنسخ الربا. وقال الخطابي: أنكر أصحاب الرأي الخرص، وقال بعضهم: إنما كان يفعل تخويفاً للمزارعين لئلا يخونوا، لا ليلزم به الحكم، لأنه تخمين وغرور، أو كان يجوز قبل تحريم الربا والقمار ثم تعقبه الخطابي بأن تحريم الربا والميسر متقدم، والخرص عمل به في حياة النبي عَِّ حتى مات ثم أبو بكر وعمر، رضي الله تعالى عنهما، فمن بعدهم، ولم ينقل عن أحد منهم ولا من التابعين تركه إلاّ الشعبي، قال: وأما قولهم إنه تخمين وغرور فليس، كذلك، بل هو اجتهاد في معرفة مقدار التمر وإدراكه بالخرص الذي هو نوع من المقادير. قلت: قوله: تحريم الربا والميسر متقدم، يحتاج إلى معرفة التاريخ، وعندنا ما يدل على صحة النسخ وهو ما رواه الطحاوي من حديث جابر: ((أن رسول الله عَُّلِّ نهى عن الخرص، وقال: أرأيتم إن هلك التمر أيحب أحدكم أن يأكل مال أخيه بالباطل؟)) والحظر بعد الإباحة علامة النسخ. وقوله: والخرص عمل به ... إلى قوله: إلاّ الشعبي، مسلم لكنه ليس على الوجه الذي ذكروه، وإنما وجهه أنهم فعلوا ذلك ليعلم مقدار ما في أيدي الناس من الثمار فيؤخذ مثله بقدره في أيام الصرام لا أنهم يملكون شيئاً ما يجب لله فيه ببدل لا يزول ذلك البدل. وأما قولهم: إنه تخمين ... إلى آخره، ليس بكلام موجه لأنه لا شك أنه تخمين وليس بتحقيق، وعيان، وكيف يقال له: هو اجتهاد، والمجتهد في الأمور الشرعية قد يخطىء؟ ففي مثل هذا أجدر بالخطأ، ثم الجواب عن حديث الباب أنه عَ لَّم أراد بذلك معرفة مقدار ما في نخل تلك المرأة خاصة، ثم يأخذ منها الزكاة وقت الصرام على حسب ما تجب فيها، وأيضاً فقد خرص حديقتها وأمرها أن تحصي، وليس فيه أنه جعل زكاته في ذمتها وأمرها أن تتصرف في ثمرها كيف شاءت، وإنما كان يفعل ذلك تخويفاً لئلا يخونوا، وأن يعرفوا مقدار ما في النخل ليأخذوا الزكاة وقت الصرام هذا معنى الخرص، فأما أنه يلزم به حکم شرعي، فلا. وأما حديث عتاب بن أسيد، فإن الذي رواه سعيد بن المسيب، فعتاب توفي سنة ثلاث عشرة وسعيد ولد في سنة خمس عشرة، وقيل: سنة عشرين، وقال أبي: علي بن السكن لم يرو هذا الحديث عن رسول الله عَ لّم من وجه غير هذا، وهو من رواية عبد الله بن نافع عن محمد بن صالح عن ابن شهاب عن سعيد، وكذا رواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري، وخالفهما صالح بن كيسان فرواه عن الزهري عن سعيد: أن النبي عَّه أمر عتاباً، ولم يقل: عن عتاب، وسئل أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان فيما ذكره أبو محمد الرازي عنه، ٩٩ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٦) فقالا: هو خطأ. وقال أبو حاتم: الصحيح: عن سعيد أن النبي عَّهِ ... مرسلاً. وقال أبو زرعة: الصحيح عندي: عن الزهري: أن النبي عَّهِ ... ولا أعلم أحداً تابع عبد الرحمن بن إسحاق في هذه الرواية. فإن قلت: زعم الدارقطني أن الواقدي رواه عن عبد الرحمن بن عبد العزيز عن الزهري عن سعيد عن المسور بن مخرمة عن عتاب، قال: أمر رسول الله عٍَّ أن يخرص أعناب الثقيف كخرص النخل، ثم يؤدى زبيباً كما تؤدى زكاة النخل تمراً، فهذا ليس فيه انقطاع؟ قلت: سبحان الله، إذا كان الواقدي فيما يحتجون به يسكتون عنه، وإذا كان فيما يحتج به عليهم يشنعون بأنواع الطعن، ومع هذا قال أبو بكر بن العربي: لم يصح حديث سعيد، ولا حديث سهل بن أبي خيثمة، ولا في الخرص حديث صحيح إلاّ حديث البخاري. قال: ویلیه حديث ابن رواحة. قلت: قد مر الجواب عن حديث البخاري، وأما حديث ابن رواحة الذي رواه أبو داود من حديث عائشة ففي إسناده رجل مجهول، لأن أبا داود قال: حدثنا يحيى بن معين أخبرنا حجاج عن ابن جريج، قال: أخبرت عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنها قالت، وهي تذكر شأن خيبر: كان النبي عَّلِ يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود فيخرص النخل حتى يطيب قبل أن يؤكل منه. وأما حديث ابن عباس الذي رواه أبو داود، وحديث الصلت بن زبيد الذي رواه البيهقي وغيرهما، فداخل تحت قول ابن العربي: ولا في الخرص حديث صحيح، ويقال: إن قصة خيبر مخصوصة لأن الأرض أرضه والعبيد عبيده، فأراد عَّ له أن يعلم ما بأيديهم من الثمار فيترك لهم منها قدر نفقاتهم، ولأنه عَّ لة أقرهم ما أقرهم الله، فلو كان على وجه المساقاة لوجب ضرب الأجل والتقييد بالزمان، لأن الإجارة المجهولة محرمة. وقال الطحاوي: قال الذين لا يرون بالخرص: أن ليس في شيء من الآثار التي وردت فيه أن الثمرة كانت رطباً في وقت ما خرصت، وكيف يجوز أن يكون رطباً حينئذ فيجعل لصاحبها حق الله فيها بكيله ذلك تمراً يكون عليه نسيئه؟ وقد نهى رسول الله عَ لم عن بيع التمر في رؤوس النخل بالتمر كيلاً، ونهى عن بيع الرطب بالتمر نسيئة، وقد يجوز أن يصيب الثمرة بعد ذلك آفة فتتلفها، أو نار فتحرقها، فيكون ما يؤخذ من صاحبها بدلاً من حق الله مأخوذاً منه بدلاً مما لم يسلم له، واعترض عليه بأن القائلين به لا يضمنون أرباب الأموال ما تلف بعد الخرص. قال ابن المنذر: أجمع من يحفظ عنه العلم أن المخروص إذا أصابته جائحة قبل الجذاذ فلا ضمان. قلت: إذا لم يكن ضمان بعد تلف المخروص فلا فائدة في الخرص حينئذ، والأظهر عند الشافعي: أن الخرص تضمين حتى لو أتلف المالك الثمرة بعد الخرص أخذت منه الزكاة بحساب ما خرص، فإذا كان نفس الخرص تضميناً ينبغي أن لا يفارق الأمر بين التلف والإتلاف، وقال ابن العربي: لم يثبت عنه عَِّ خرص النخل إلاَّ على اليهود، لأنهم كانوا شركاء وكانوا غير أمناء، وأما المسلمون فلم يخرص عليهم. ومن الذي يستفاد من حديث الباب: ظهور معجزة النبي عَّه في إخباره عن الريح التي تهب، وما ذكر في تلك القصة. وفيه: تدريب الأتباع وتعليمهم وأخذ الحذر مما يتوقع ١٠٠ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٧) الخوف منه. وفيه: فضل المدينة. وفيه: فضل أحد. وفيه: فضل الأنصار، رضي الله تعالى عنهم. وفيه: قبول هدية الكفار. وفيه: جواز الإهداء لملك الكفار وجواز إقطاع أرض لهم. وفيه: أن المخالفة لما قاله الرسول تورث شدة وبلاء. قال أبُو عَبْدِ الله كُلُّ بُسْتَانٍ عليه حائِطٌ فَهْوَ حدِيقَةٌ وَمَا لَمْ يَكُنْ عليه حائِطْ لَمْ يُقَلْ حَدِيقَةٌ أبو عبد الله هو البخاري نفسه، وفي بعض النسخ: قال أبو عبيد الله، هو القاسم بن سلام الإمام المشهور صاحب (الغريب) وقد ذكر هذا فيه، وقد مر الكلام فيه مستوفى عن قریب. ٥٧ - بابُ العُشْرِ فِيمَا يُسْقَى مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ وبِالمَاءِ الجَارِي أي: هذا باب في بيان حكم أخذ العُشر في الأرض التي تسقى من ماء السماء وهو المطر. قوله: ((والماء الجاري)) أي: ومن الذي يسقى بالماء الجاري، وإنما اختار لفظ: الماء الجاري، والحال أن المذكور في حديث الباب هو العيون لعمومه وشموله العيون والأنهار، وهذا كما وقع في (سنن أبي داود): ((فيما سقت السماء والأنهار والعيون ... )) الحديث. ولَمْ يَرَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ فِي الْعَسَلِ شَيْئاً مطابقته للترجمة من حيث إن العسل فيه جريان، ومن طبعه الانحدار فيناسب الماء من هذه الجهة. وقيل: المناسبة فيه من جهة أن الحديث يدل على أن لا عشر فيه لأنه خص العشر أو نصفه بما يسقى، فأفهم أن ما لا يسقى لا يعشر، وفيه نظر، لأن ما لا يعسر مما لا يسقى كثير، فما وجه ذكر العسل؟ وقيل: إدخاله العسل فيه للتنبيه على الخلاف فيه، وأنه لا يرى فيه زكاة، وإن كانت النحل تغتذي مما يسقى من السماء. قلت: هذا أبعد من الأول على ما لا يخفى على المتأمل. وهذا الموضع يحتاج إلى بيان ما ورد فيه من الأخبار، وما ذهب إليه الأئمة، فنقول بحول الله وقوته وتوفيقه. قال الترمذي: باب ما جاء في زکاة العسل، حدثنا محمد بن یحیی النيسابوري حدثنا عمرو بن أبي سلمة التنيسي عن صدقة بن عبد الله عن موسى بن يسار عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله عَّلّ: ((في العسل في كل عشرة أزق زق)). ثم قال: وفي الباب عن أبي هريرة وأبي سيارة المتعي، وعبد الله بن عمرو، قال أبو عيسى: حديث ابن عمر في إسناده مقال، ولا يصح عن النبي عَّله في هذا الباب كثير شيء، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وبه يقول أحمد وإسحاق. وقال بعض أهل العلم: ليس في العسل شيء. انتهى. قلت: انفرد الترمذي بحديث ابن عمر هذا، وروى البيهقي من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة قال: ((كتب رسول الله عَّل إلى أهل اليمن أن يؤخذ من العسل العشر))، وفي إسناده عبد الله بن المحرر، بتشديد الراء المفتوحة وتكرارها، وهو متروك. قال ابن معين: ليس بثقة،