النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٩)
١٣٧٨/١٣٢ - حدّثنا قُتَيْبَةُ قال حدثنا جَرِيرٌ عنِ الأعْمَشِ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ طاؤُسٍ.
قال ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما مَرَّ النبيُّ عَّهِ عَلى قَبْرَيْنِ فقال إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا
يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ ثمّ قال بَلى أما أحَدُهُمَا فَكانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ لاَ يَسْتَیِرُ
مِنْ بَوْلِهِ. قال ثُمَّ أَخَذَ عُوداً رَطْباً فَكَسَرَهُ بِاثْنَتَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ كلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَبْرٍ ثُمَّ قَالَ لَعَلَّهُ
يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا. [أنظر الحديث ٢١٦ وأطرافه].
الترجمة مشتملة على شيئين: الغيبة والنميمة، ومطابقة الحديث للبول ظاهرة، وأما الغيبة
فليس لها ذكر في الحديث، ولكن يوجه بوجهين: أحدهما: أن الغيبة من لوازم النميمة لأن
الذي ينم ينقل كلام الرجل الذي اغتابه، ويقال: الغيبة والنميمة أختان، ومن ثم عن أحد فقد
اغتابه. قيل: لا يلزم من الوعيد على النميمة ثبوته على الغيبة وحدها، لأن مفسدة النميمة
أعظم وإذا لم تساوها لم يصح الإلحاق. قلنا: لا يلزم من اللحاق وجود المساواة، والوعيد
على الغيبة التي تضمنتها النميمة موجود، فيصح الإلحاق لهذا الوجه. الوجه الثاني: أنه وقع
في بعض طرق هذا الحديث بلفظ الغيبة، وقد جرت عادة البخاري في الإشارة إلى ما ورد
في بعض طرق الحديث، فافهم. وقد مر هذا الحديث في: باب من الكبائر أن لا يستتر من
بوله، في كتاب الوضوء، فإنه أخرجه هناك عن عثمان عن جرير عن منصور عن مجاهد عن
ابن عباس، وهنا أخرجه عن قتيبة بن سعيد عن جرير عن سليمان الأعمش عن مجاهد عن
طاوس، عن ابن عباس، وقد مر الكلام فيه هناك مستقصىّ.
٨٩ - بابُ المَيِّتِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالغَدَاةِ والعَشِيِّ
أي: هذا باب يذكر فيه الميت يعرض عليه .. إلى آخره، والمراد ((بالغداة والعشي))
وقتهما، وإلاَّ فالموتى لا صباح عندهم ولا مساء، والمراد من المقعد: الموضع الذي أعد له
في الجنة أو في النار.
١٣٧٩/١٣٣ - حدّثنا إسْمَاعِيلُ قال حدَّثني مالِكٌ عنْ نَافِعِ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ
رضي الله تعالى عنهما أنَّ رسولَ اللهِ عَّلَلِ قال إنَّ أحدَكُمْ إِذَا ماتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَفْعَدَهُ
بِالغَدَاةِ وَالَعَشِيِّ إنْ كانَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أهْلِ الجَنَّةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَيُقَالُ هُذَا
مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللّه يَوْمَ القِيَامَةِ. [الحديث ١٣٧٩ - طرفاه في: ٣٢٤٠، ٦٥١٥].
مطابقته للترجمة ظاهرة لأنها جزء من الحديث.
ورجاله قد ذكروا غير مرة وإسماعيل ابن أبي أويس واسمه عبد الله، وهو ابن أخت
مالك، رحمه الله.
والحديث أخرجه مسلم في صفة النار عن يحيى بن يحيى. وأخرجه النسائي في
الجنائز عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين.
ذكر معناه: قوله: ((بالغداة)) أي: في الغداة وفي العشي. قوله: ((إن كان من أهل
:

٣٠٢
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٩)
الجنة فمن أهل الجنة)) يعني: إن كان الميت من أهل الجنة فمقعده من مقاعد أهل الجنة
يعرض عليه، وقال الطيبي: يجوز أن يكون المعنى: إن كان من أهل الجنة فسيبشر بما لا
يكتنه كنهه لأن هذا المنزل لطليعة تباشير السعادة الكبرى، لأن الشرط والجزاء إذا اتحدا دل
على الفخامة، كقولهم: من أدرك الصمان فقد أدرك المرعى. قلت: الصمان، بفتح الصاد
المهملة وتشديد الميم وبعد الألف نون: جبل ينقاد ثلاث ليال وليس له ارتفاع، سمي به
لصلابته. قوله: ((حتى يبعثك الله يوم القيامة)) وفي رواية مسلم: عن يحيى بن يحيى عن
مالك: ((حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة))، وحكى ابن عبد البر فيه الاختلاف بين أصحاب
مالك، وأن الأكثرين رووه كرواية البخاري، وأن ابن القاسم رواه كرواية مسلم، قال: والمعنى
حتى يبعثك الله إلى ذلك المقعد، ويحتمل أن يعود الضمير على: الله وإلى الله ترجع الأمور،
وكونه عائداً إلى المقعد الذي يصير إليه أشبه، ويؤيده رواية الزهري عن سالم عن أبيه بلفظ:
((ثم يقال: هذا مقعدك الذي تبعث إليه يوم القيامة)) أخرجه مسلم. وقد أخرج النسائي رواية
ابن القاسم لكن لفظه كلفظ البخاري. وقال الطيبي: معنى: حتى يبعثك الله، و: حتى، للغاية،
أنه يرى بعد البعث من عند الله كرامة ومنزلة ينسى عنده هذا المقعد، كما قال صاحب
(الكشاف) في قوله تعالى: ﴿وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين﴾ [ص: ٧٨]. أي: إنك مذموم
مدعوِّ عليك باللعنة إلى يوم الدين فإذا جاء ذلك اليوم عذبت بما تنسى اللعن معه.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: عرض مقعد الميت عليه، قيل: معنى العرض هنا الإخبار بأن
هذا موضع أعمالكم والجزاء لها عند الله تعالى، وأريد بالبكور بالغداة والعشي تذكارهم
بذلك، ولسنا نشك أن الأجساد بعد الموت والمساءلة هي في الفوات وأكل التراب لها
والفناء، ولا يعرض شيء على الفاني فبان أن العرض الذي يدوم إلى يوم القيامة إنما هو على
الأرواح خاصة، لأنها لا تفنى. وقال أبو الطيب: اتفق المسلمون على أنه لا غدو ولا عشي
في الآخرة، وإنما هو في الدنيا فهم معرضون بعد مماتهم على النار. وقيل: يوم القيامة، ويوم
القيامة يدخلون أشد العذاب.انتهى.
قلت: قال الله تعالى: ﴿ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا﴾ [مريم: ٦٢]. والذي يقال في
هذه الآية، يقال في هذا أيضاً، والله تعالى أعلم. وقال ابن التين: ويحتمل أن يراد بالغداة
والعشي: غداة واحدة وعشية واحدة، يكون العرض فيها، ومعنى قوله: ((حتى يبعثك الله)) أي:
لا تصل إليه إلى يوم البعث، ويحتمل أن يريد كل غداة وكل عشي، وذلك لا يكون إلاَّ بأن
يكون الإحياء بجزء منه فإنا نشاهد الميت ميتاً بالغداة والعشي، وذلك يمنع إحياء جميعه
وإعادة جسمه،. ولا يمتنع أن تعاد الحياة في جزء أو أجزاء منه وتصح مخاطبته والعرض عليه،
ويحتمل أن يريد بذلك غداة واحدة ويكون العرض فيها، ويكون معنى قوله: ((حتى يبعثك
الله)) أي: أنه مقعدك لا تصل إليه حتى يبعثك الله. وقال القرطبي: يجوز أن يكون هذا العرض
على الروح فقط، ويجوز أن يكون عليه مع جزء من البدن، قال: وهذا في حق المؤمن
والكافر واضح، وأما المؤمن المخلط فيحتمل أيضاً في حقه، لأنه يدخل الجنة في الجملة،

٣٠٣
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٩٠)
ثم هو مخصوص بغير الشهداء. وقيل: يحتمل أن يقال: إن فائدة العرض في حقهم تبشير
أرواحهم باستقرارها في الجنة مقترنة بأجسادها، فإن فيه قدراً زائداً على ما هي فيه الآن. وفيه
ما قال ابن عبد البر عن بعضهم، وهو الاستدلال به على أن الأرواح على أفنية القبور، قال:
والمعنى عندي أنها قد تكون على أفنية القبور لا أنها لا تفارق الأفنية، بل هي كما قال
مالك: إنه بلغة أن الأرواح تسرح حيث شاءت. قلت: كونها تسرح حيث شاءت لا يمنع
كونها على الأفنية، لأنها تسرح، ثم تأوي إلى القبر، وعن مجاهد: الأرواح على القبور سبعة
أيام من يوم دفن الميت لا تفارق.
٩٠ - بابُ كَلاَمِ المَيِّتِ عَلَى الجَنَازَةِ
أي: هذا باب في بيان كلام الميت بعد حمله على الجنازة.
١٣٨٠/١٣٤ - حدّثنا قُتَيْبَةُ قال حدثنا اللَّيْثُ عنْ سَعِيدِ بنِ أبي سَعِيدٍ عنْ أبِيهِ أنَّهُ
سَمِعَ أبا سَعِيدٍ الخُذْرِيَّ رضي الله تعالى عنهُ يَقُولُ قال رسولُ اللهِ عَ لَّهِ إِذَا وُضِعَتِ الجَنَازَةُ
فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ فإنْ كانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي وإنْ كانَتْ غَيْرَ
صَالِحَةٍ قَالَتْ يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شيءٍ إلاَّ الإِنْسَانَ وَلَوْ سَمِعَهَا
الإِنْسَانُ لَصَعِقَ. [أنظر الحديث ١٣١٤ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة وهي أن الميت إذا حمل على الجنازة يقول هذا الكلام،
والميت هو الذي يقول ذلك، وإنما أسند إلى الجنازة مجازاً، ولهذا صرح بذلك فيما مضى
في كتاب الجنائز، بقوله: باب قول الميت وهو على الجنازة: قدموني: فإن قلت: ما فائدة
هذا التكرار؟ قلت: فائدته أنه راعى هناك مناسبة الترجمة لترجمة الباب الذي قبله، وهي: باب
السرعة بالجنازة، لاشتمال حديثه على بيان موجب الإسراع، وراعى هنا أيضاً مناسبة ترجمة
هذا الباب لترجمة الباب الذي قبله، وهو عرض المقعد عليه، فكأن ابتداءه يكون عند حمل
الجنازة، لأنه حينئذ يظهر للميت ما يؤول إليه حاله، فعند ذلك يقول ما يقول. وقد مضى هذا
الحديث في: باب قول الميت وهو على الجنازة: قدموني، فإنه أخرجه هناك: عن عبد الله
ابن يوسف عن الليث عن سعيد عن أبيه أنه سمع أبا سعيد الخدري ... وأخرجه هنا: عن
قتيبة بن سعيد عن الليث .. إلى آخره نحوه، وقد مضى الكلام فيه هناك مستوفىّ. وقال ابن
بطال: الكلام لا يكون إلاَّ من الروح، وقد جاءت آثار تدل على معرفة الميت من يحمله
ويدخله في قبره. وروى بسند له إلى معاوية أو ابن معاوية عن أبي سعيد عن النبي عَّةِ: ((أن
الميت ليعرف من يحمله ومن يغسله ومن يدليه في قبره)). وعن مجاهد: ((إذا مات الميت
فما من شيء إلاَّ وهو يراه عند غسله وعند حمله حتى يصل إلى قبره)).
٩١ - بابُ ما قِيلَ فِي أوْلاَدِ المُسْلِمِينَ
أي: هذا باب في بيان ما قيل في أولاد المسلمين غير البالغين.

٣٠٤
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٩١)
قال أبُو هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَُّلْهِ مَنْ ماتَ لَهُ ثلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا
الحِنْثَ كانَ لَهُ حِجِاباً مِنَ النَّارِ أَوْ دَخَلَ الجَنَّةَ
مطابقته للترجمة من حيث إن الولد الذي لم يبلغ الحنث إذا كان حجاباً لأبويه من
النار فبالطريق الأولى أن يكون محجوباً عن النار، فيدل هذا على أن أولاد المسلمين الأطفال
من أهل الجنة، وهذا تعليق من البخاري، وقد رواه في: باب فضل من مات له ولد
فاحتسب، رواه عن علي عن سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، رضي
الله تعالى عنه، عن النبي عَّ لم قال: ((لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار إلاَّ تحلة
القسم)). وقد روي هذا عن أبي هريرة بطرق مختلفة ليس فيها موصول من حديثه على الوجه
الذي ذكره معلقاً، وقال النووي: أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من
أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة، وتوقف فيه بعضهم لحديث عائشة، أخرجه مسلم
بلفظ: ((توفي صبي من الأنصار فقلت: طوبى له لم يعمل سوءاً ولم يدركه، فقال النبي عد له:
أو غير ذلك يا عائشة؟ إن الله تعالى خلق للجنة أهلاً .. )) الحديث. وأجيب عنه: أنه لعله نهاها
عن المسارعة إلى القطع من غير دليل، أو قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في
الجنة. وقال القرطبي: نفى بعضهم الخلاف وكأنه عنى ابن أبي زيد، فإنه أطلق الإجماع في
ذلك، ولعله أراد إجماع من يعتد به، وقال المازري: الخلاف في غير أولاد الأنبياء، عليهم
الصلاة والسلام، وقد استقصينا الكلام فيه فيما مضى في أوائل كتاب الجنائز.
١١٣٨/١٣٥ - حدّثنا يَعْقُوبُ بنُ إِبْرَاهِيمَ قال حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةً قال حدَّثنَا عَبْدُ العَزيزِ
ابن صُهَيْبٍ عنْ أَنَسٍ بنِ مالِكِ رضي الله تعالى عنهُ قال قال رسولُ اللهِ عَلَّمِ ما مِنَ النَّاسِ
مُسْلِمٌ يَمُوتُ لَهُ ثَلاثَةٌ منَ الوَلَدِ لَمْ يَتْلُغُوا الحِنْثَ إلاَّ أَذْخَلَهُ الله الجَنَّةَ بِفَضْلٍ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ.
[أنظر الحديث ١٢٤٨].
مطابقته للترجمة من الوجه الذي ذكرناه في حديث أبي هريرة آنفاً، وقد مضى هذا
الحديث في: باب فضل من مات له ولد، فإنه رواه هناك: عن أبي معمر عن عبد الوارث عن
عبد العزيز عن أنس، وهنا أخرجه: عن يعقوب بن إبراهيم بن كثير الدورقي عن ابن علية،
بضم العين المهملة وفتح اللام وتشديد الياء آخر الحروف: واسمه إسماعيل بن إبراهيم
البصري، وعلية اسم أمه.
قوله: ((من الولد)) ليس بموجود في رواية أبي ذر، ومضى الكلام فيه مستوفىّ هناك.
١٣٦/ ١٣٨٢ - حدّثنا أبُو الوَلِيدِ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَدِيِّ بنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ سَمِعَ البَرَاءَ
رضي الله تعالى عنهُ. قال لَمَّا تُؤُفِّيَّ إِبْرَاهِيمْ عليه السلام قال رسولُ اللهِ عَ لِّ إِنَّ لَهُ مُرْضِعاً
فِي الجَنَّةِ. [الحديث ١٣٨٢ - طرفاه في: ٣٢٥٥، ٦١٩٥].
مطابقته للترجمة من حيث إن النبي، عَّةِ، أخبر أن لإبنه إبراهيم مرضعاً في الجنة،

٣٠٥
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٩٢)
وهذا يدل على أن أولاد المسلمين الأطفال في الجنة.
ورجاله قد ذكروا غير مرة، وأبو الوليد، هشام بن عبد الملك الطيالسي.
وهذا الحديث من أفراد البخاري، وأخرجه أيضاً في صفة الجنة عن حجاج بن منهال،
وفي الأدب عن سليمان بن حرب.
قوله: ((إبراهيم))، يعني: ابن النبي، عَّله، ولا خلاف أن جميع أولاد النبي، عَّه، من
خديجة، رضي الله تعالى عنها، سوى إبراهيم، عليه السلام، فإنه ما مارية القبطية، وكان
ميلاده فى ذي الحجة سنة ثمان. وقال الواقدي: مات إبراهيم يوم الثلاثاء لعشر خلون من
ربيع الأول سنة عشر، وهو ابن ثمانية عشر شهراً في بني مازن بن النجار، في دار أم برزة
بنت المنذر، ودفن بالبقيع. قوله: (إن له مرضعاً))، بضم الميم أي: من يتم رضاعه في الجنة،
ويروى بفتح الميم أي: رضاعاً. قاله الخطابي: وفي رواية الإسماعيلي من طريق عمرو بن
مرزوق عن شعبة: مرضعاً ترضعه في الجنة، وقد مر الكلام فيه مستوفىّ في: باب قول النبي
حتّىاللّهِ: ((إنا بك لمحزونون)).
٩٢ - بابُ ما قِيلَ فِي أوْلادِ المُشْرِكِينَ
أي: هذا باب في بيان ما قيل في أولاد المشركين ولم يجزم بذلك لتوقفه فيه، ولكن
ذكر في تفسير سورة الروم ما يدل على أنه اختار قول من قال: إنهم يصيرون إلى الجنة وأراد
بالأولاد غير البالغين.
١٣٧/ ١٣٨٣ - حدّثنا حِبَّانُ قال أخبرنا عَبْدُ اللهِ قال أخبرنا شُعْبَةُ عنْ أبِي بِشْرٍ عنْ
سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنٍ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهم. قال سُئِلَ رسولُ اللهِ عَ لَّه عنْ أَوْلاَدِ
المُشْرِكِينَ فقالَ الله إذْ خَلَقَهُمْ أعْلَمُ بِمَا كانُوا عامِلِينَ. [الحديث ١٣٨٣ - طرفه في:
٦٥٩٧].
مطابقته للترجمة من حيث إنه يدل على الوقف في أمر أولاد المشركين، والترجمة فيها
التوقف أيضاً، وأحاديث هذا الباب عن ابن عباس واحد، وعن أبي هريرة اثنان، وعن سمرة
واحد، كحديث ابن عباس، والأول من حديثي أبي هريرة يدل على كونهم في الجنة، لكن
من غير تصريح، وحديث سمرة يدل صريحاً على أنهم في الجنة، وذلك قوله: ((والشيخ في
أصل الشجرة إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، والصبيان حوله أولاد الناس)) وأصرح منه الذي
يأتي في التعبير، وهو قوله: ((وأما الرجل الذي في الروضه فإنه إبراهيم، عليه الصلاة والسلام،
وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة. قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول
الله وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله عَّله: وأولاد المشركين)). ويؤيده ما رواه أبو يعلى من
حديث أنس مرفوعاً: ((سألت ربي اللاَّهين من ذرية البشر أن لا يعذبهم فأعطانيهم)) إسناده
حسن وورد تفسير اللاَّهين بأنهم الأطفال، من حديث ابن عباس مرفوعاً، أخرجه البزار: حدثنا
أبو كامل الفضل بن الحسين الجحدري حدثنا أبو عوانة عن هلال بن خباب، عن عكرمة عن
عمدة القاري / ج٨ / م٢٠

٣٠٦
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٩٢)
ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، قال: ((كان رسول الله عَّ ◌ُلّه في بعض مغازيه، فسأله رجل،
فقال: يا رسول الله ما تقول في اللَّهين؟ فسكت رسول الله عَّلغيره فلم يرد عليه كلمة، فلما
فرغ رسول الله عَ ◌ّم من غزوة طائف فإذا هو بغلام قد وقع يعبث في الأرض، فنادى مناديه:
أين السائل عن اللَّهين؟ فأقبل الرجل إلى رسول الله عَّ له فنهى رسول الله عَّله عن قتل
الأطفال، ثم قال: الله أعلم بما كانوا عاملين، هذا من اللَّهين)). وروى أحمد من طريق خنساء
بنت معاوية بن صريم عن عمتها، قالت: ((قلت: يا رسول الله من في الجنة؟ قال: النبي في
الجنة، والشهيد في الجنة والمولود في الجنة والوئيد في الجنة))، إسناده حسن.
ذكر رجاله: وهم ستة: حبان، بكسر الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة: ابن
موسى، مر غير مرة، وأبو بشر، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة: واسمه جعفر بن
أبي وحشية وقد مر أيضاً.
وفي سنده: التحديث بصيغة الجمع في موضع، وفيه: الإخبار كذلك في موضعين.
وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: أن شيخه وشيخ شيخه مروزيان وشعبة واسطي وأبو بشر
بصري وسعيد بن جبير كوفي.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في القدر عن محمد بن
بشار. وأخرجه مسلم في القدر عن يحيى بن يحيى. وأخرجه أبو داود في السنة عن مسدد
وأخرجه النسائي في الجنائز عن مجاهد بن موسى وعن محمد بن المثنى، قوله: ((سئل رسول
الله عَّهِ .. )) لم يدر هذا السائل من هو، قيل: يحتمل أن تكون عائشة هي السائلة لما روى
أحمد وأبو داود من طريق عبد الله بن أبي قيس عنها، قالت: ((قلت: يا رسول الله، ذراري
المسلمين؟ قال: مع آبائهم. قلت: يا رسول الله بلا عمل؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين ... ))
الحديث، وروى ابن عبد البر من طريق أبي معاذ عن الزهري عن عروة ((عن عائشة، قالت:
سألت خديجة النبي عَُّلّ عن أولاد المشركين، فقال: هم مع آبائهم، ثم سألته عن ذلك،
فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين، ثم سألته بعدما استحكم الإسلام فنزلت: ﴿ولا تزر وازرة
وزر أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤، الإسراء ٢١٥، فاطر: ١٨، الزمر: ٧ والنجم: ٣٨]. فقال: هم
على الفطرة، أو قال: في الجنة)). وأبو معاذ هو: سليمان بن أرقم، وهو ضعيف، ولو صح هذا
لكان قاطعاً للنزاع.
قوله: ((إذ خلقهم)) أي: حين خلقهم. قوله: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)) قال ابن
قتيبة: أي علم أنهم لا يعلمون شيئاً ولا يرجعون فيعملون، أو أخبر بعلم الشيء لو وجد كيف
يكون، مثل قوله: ﴿ولو ردوا لعادوا﴾ [الأنعام: ٢٨]. ولكن لم يرد أنهم يجازون بذلك في
الآخرة، لأن العبد لا يجازى بما لم يعمل. وقال ابن بطال: يحتمل قوله: ((الله أعلم بما كانوا
عاملين))، وجوهاً من التأويل. أحدها: أن يكون قبل إعلامه أنهم من أهل الجنة. الثاني: أي:
على أي دين يميتهم لو عاشوا فبلغوا العمل فأما إذا عدم منهم العمل فهم في رحمة الله التي
ينالها من لا ذنب له. الثالث: أنه مجمل يفسره. قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ ربك من بني

٣٠٧
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٩٢)
آدم ... ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. الآية، فهذا إقرار عام يدخل فيه أولاد المؤمنين والمشركين فمن
مات منهم قبل بلوغ الحنث ممن أقر بهذا الإقرار من أولاد الناس كلهم فهو على إقراره
المتقدم لا يقضي له بغيره، لأنه لم يدخل عليه ما ينقضه إلى أن يبلغ الحنث، وأما من قال:
حكمهم حكم آبائهم فهو مردود بقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤،
الإسراء: ٢١٥، فاطر: ١٨، الزمر: ٧ والنجم: ٣٨].
ذكر ما يستفاد منه: اختلف العلماء قديماً وحديثاً في هذه المسألة على أقوال:
الأول: أنهم في مشيئة الله تعالى، وهو منقول عن حماد بن سلمة وحماد بن زيد
وعبد الله بن المبارك وإسحاق، ونقله البيهقي عن الشافعي في حق أولاد الكفار خاصة،
والحجة فيه ((الله أعلم بما كانوا عاملين)).
الثاني: أنهم تبع لآبائهم، فأولاد المسلمين في الجنة وأولاد الكفار في النار، وحكاه
ابن حزم عن الأزارقة من الخوارج، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿رب لا تذر على الأرض من
الكافرين ديارً﴾ [نوح ٢٦]. ورد بأن المراد قوم نوح خاصة، وإنما دعا بذلك لما أوحى الله
إليه: ﴿إنه لن يؤمن من قومك إلاَّ من قد آمن﴾ [هود: ٣٦]. فإن قلت: روى أحمد من
حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها: ((سألت رسول الله عَّ ◌ُلهم عن ولدان المسلمين؟ قال: في
الجنة، وعن أولاد المشركين؟ قال: في النار، ولو شئت أسمعتك تضاغيهم في النار)) قلت:
هذا حديث ضعيف جداً لأن في إسناده أبا عقيل مولى نهية وهو متروك.
الثالث: أنهم يكونون في برزخ بين الجنة والنار لأنهم لم يعملوا حسنات يدخلون بها
الجنة ولا سيئات يدخلون بها النار.
الرابع: هم خدم أهل الجنة، وورد فيه حديث ضعيف أخرجه أبو داود الطيالسي وأبو
يعلى والبزار من حديث سمرة مرفوعاً: ((أولاد المشركين خدم أهل الجنة)).
الخامس: أنهم يمتحنون في الآخرة بأن ترفع لهم نار، فمن دخلها كانت عليه برداً
وسلاماً، ومن أبى عذب. وقال البزار: حدثنا محمد بن عمر بن هتاخ الكوفي حدثنا عبيد الله
ابن موسى حدثنا فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد عن النبي عَّ لِ أحسبه قال: «یؤتى
بالهالك في الفترة والمعتوه والمولود، فيقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب ولا رسول،
ويقول المعتوه: أي رب، لم تجعل لي عقلاً أعقل به خيراً ولا شراً، ويقول المولود: لم أدرك
العمل. قال: فترفع لهم نار، فيقال لهم: رِدُوها، أو قال: أدخلوها فيدخلها من كان في علم
الله سعيداً أو أدرك العمل، قال: ويمسك عنها من كان في علم الله شقياً، أي: لو أدرك العمل
فيقول: تبارك وتعالى: إياي عصيتم فكيف برسلي بالغيب)). قال البزار: لا نعلمه يروى عن أبي
سعيد إلاَّ من حديث فضيل، ورواه الطبراني من حديث معاذ بن جبل، رضي الله تعالى عنه،
وقيل: قد صحت مسألة الامتحان في حق المجنون ومن مات في الفترة من طرق صحيحة
وروى البزار من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله عَ له: ((يؤتى بأربعة يوم القيامة:

٣٠٨
٢٣ - كِتَابُ الَنَائِرِ / باب (٩٢)
بالمولود والمعتوه ومن مات في الفترة وبالشيخ الفاني، كلهم يتكلم بحجته، فيقول الله تعالى
لعنق من جهنم، أحسبه قال: إبرزي، فيقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلاً من
أنفسهم، وإني رسول نفسي إليكم ادخلوا هذه. فيقول من كتب عليه الشقاء: يا رب أتدخلناها
ومنها كنا نفرق، ومن كتب له السعادة فيمضي فيقتحم فيها مسرعاً. قال: فيقول الله: قد
عصيتموني وأنتم لرسلي أشد تكذيباً ومعصية. قال: فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار)). وروى
أيضاً من حديث الأسود بن سريع عن النبي، عَّ له، قال: ((يعرض على الله الأصم الذي لا يسمع
شيئاً والأحمق والهرم ورجل مات في الفترة: فيقول الأصم: رب جاء الإسلام وما أسمع شيئاً،
ويقول الأحمق: رب جاء الإسلام وما أعقل شيئاً، ويقول الذي مات في الفترة: رب ما أتاني لك
من رسول، قال: فيأخذ مواثيقهم، فيرسل إليهم تبارك وتعالى: ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد
بيده لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً. وحكى البيهقي في كتاب الاعتقاد أن مسألة
الامتحان في حق المجنون ومن مات في الفترة هو المذهب الصحيح، واعترض بأن الآخرة
ليست بدار تكليف فلا عمل فيها ولا ابتلاء. وأجيب: بأن ذلك بعد أن يقع الاستقرار في
الجنة أو النار، وأما في عرصات يوم القيامة فلا مانع من ذلك، وقد قال تعالى: ﴿يوم يكشف
عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون﴾ [القلم: ٤٢]. وفي الصحيحين: ((أن الناس
يؤمرون بالسجود فيصير ظهر المنافق طبقاً فلا يستطيع أن يسجد)).
السادس: أنهم في الجنة، قال النووي: هو المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه
المحققون، لقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ [الإسراء: ١٥]. وإذا كان لا
يعذب العاقل لكونه لم تبلغه الدعوة، فلأن لا يعذب غير العاقل من باب الأولى. وقال النووي
أيضاً: في أطفال المشركين ثلاثة مذاهب، قال الأكثرون: هم في النار تبعاً لآبائهم، وتوقف
طائفة منهم، والثالث - هو الصحيح - أنهم من أهل الجنة، لحديث إبراهيم، عليه الصلاة
والسلام، حين رآه في الجنة وحوله أولاد الناس. والجواب عن حديث: ((والله أعلم بما كانوا
عاملين)) أنه ليس فيه تصريح بأنهم في النار، وقال القاضي البيضاوي: الثواب والعقاب ليسا
بالأعمال وإلاَّ لزم أن تكون الذراري لا في الجنة ولا في النار، بل الموجب لهما هو اللطف
الرباني والخذلان الإلهي المقدر لهم في الأزل، فالواجب فيهم التوقف، فمنهم من سبق
القضاء بأنه سعيد حتى لو عاش عمل بعمل أهل الجنة، ومنهم بالعكس.
١٣٨٤/١٣٨ - حدّثنا أبو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ. قال أخبرني عَطَاءُ بنُ
يَزِيدَ اللَّبِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ أبا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ يَقُولُ سُئِلَ النبيُّ عَ لّهِ عِنْ ذَرَارِيِّ المُشْرِكِينَ
فقال: اللَّه أَعْلَمُ بِمَا كانُوا عامِلِينَ. [الحديث ١٣٨٤ - طرفاه في: ٦٥٩٨، ٦٦٠٠].
مطابقته للترجمة من حيث الوجه الذي ذكرناه في وجه مطابقة الحديث السابق للترجمة.
ذكر رجاله: وهم خمسة ذكروا غير مرة، وأبو اليمان الحكم بن نافع الحمصي
وشعيب بن أبي حمزة الحمصي والزهري هو محمد بن مسلم المدني.

٣٠٩
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٩٣)
وأخرجه البخاري أيضاً في القدر عن يحيى بن بكير. وأخرجه مسلم في القدر عن أبي
الطاهر وعن محمد بن حميد وعن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وعن سلمة بن شعيب.
وأخرجه النسائي في الجنائز عن إسحاق بن إبراهيم.
١٣٨٥/١٣٩ - حدّثنا آدَمُ قال حدَّثنا ابنُ أَبِي ذِئْبٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عِنْ أَبِي سَلَمَّةً بنِ
عَبْدِ الرَّحْمنِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ. قال قال النبيُّ عَِّ كُلّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى
الفِطْرَةِ فَأْبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أُوْ يُنَصِّرَانِهِ أُوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَثَلِ البَهِيمَةِ تُنْتِجُ الْتَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيها
جَدْعَاءَ. [أنظر الحديث ١٣٢٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن قوله: ((كل مولود يولد على الفطرة)) يشعر بأن أولاد
المشركين في الجنة، لأن قوله في الترجمة: باب ما قيل، يتناول ذلك، ولكن لا يدل على
ذلك صريحاً، إذ لو دل صريحاً ما كان مطابقاً للترجمة. والذي يدل صريحاً قد ذكرناه، وقد
مر الكلام في هذا الحديث مبسوطاً في: باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟ فإنه
أخرجه هناك من طريقين: الأول: عن أبي اليمان عن شعيب عن ابن شهاب. والثاني: عن
عبدان عن عبد الله عن يونس عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة،
وههنا أخرجه عن آدم بن أبي إياس عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب عن محمد بن
مسلم الزهري، ونذكر هنا ما فاتنا هناك.
قوله: ((كل مولود)) أي: من بني آدم، وصرح به جعفر بن ربيعة عن الأعرج عن أبي
هريرة بلفظ: ((كل بني آدم يولد على الفطرة)). قيل: ظاهره العموم في جميع المولودين، يدل
عليه ما في رواية مسلم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة، بلفظ: ((ليس من مولود يولد إلاَّ
على هذه الفطرة حتى يعبر عنه لسانه)). وفي رواية له: ((ما من مولود يولد إلاّ وهو على الملة))،
وقيل: إنه لا يقتضي العموم، وإنما المراد أن كل من ولد على الفطرة، وكان له أبوان على غير
الإسلام نقلاه إلى دينهما، فتقدير الخبر على هذا: كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهوديان
مثلاً، فإنهما يهودانه ثم يصير عند بلوغه إلى ما يحكم به عليه. قوله: ((فأبواه)) أي: فأبوا
المولود، قال الطيبي: الفاء إما للتعقيب أو للسببية أو جزاء شرط مقدر أي: إذا تقرر ذلك فمن
تغير كان بسبب أبويه إما بتعليمهما إياه أو ترغيبهما فيه، أو كونه تبعاً لهما في الدين، يقتضي أن
يكون حكمه حكمهما فيه، وخص الأبوان بالذكر للغالب. قوله: ((تنتج)) البهيمة أي: تلدها.
٩٣ - بابٌ
أي: هذا باب وهو بمنزلة قوله: ((فصل))، ويذكر هذا هكذا لتعلقه في الحكم بما
قبله، ثم إنه وقع هكذا عند الرواة كلهم إلاَّ أبا ذر.
١٤٠ / ١٣٨٦ - حدَّثنا مُوسى بنُ إسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حَازِمٍ قال حدَّثنا أَبُو
رَجاءٍ عنْ سَمُرَةَ بنِ جُنْدَبٍ. قال كانَ النبيُّ عَُّلِّّ إِذَا صَلَّى صَلاَةٌ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فقال منْ

٣١٠
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٩٣)
رَأى مِنْكُمْ اللَّيلَةَ رُؤْيَا قال فإنْ رَأى أحَدٌ قَصَّها فَيَقُولُ ما شاءَ الله فسألَنا يَوماً فقال هَلْ رَأَى
أحدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا قُلْنَا لاَ قَال لَكِنِّي رَأيْتُ اللَّلَة رَبُجَلَيْنِ أَتْيَانِي فَأُخذَا بِيَدِي فأخْرِجَانِي إلى
الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ فإذا رَجُلٌ جالِسٌ وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَديدٍ قال بَعْضُ أصْحَابِنَا عنْ
مُوسى أَنَّهُ يُدْخِلُ ذُلِكَ الكَلُّوبَ فِي شِدْقِهِ حَتَّى يَثْلُغَ قَفَاهُ ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الآخَرِ مِثْلَ ذُلِكَ
ويَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هذا فيَعُودُ فِيَصْنَعُ مِثْلَهُ قُلْتُ ما لهذا قالاَ انْطَلِقْ فانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ
مُضْطَجِعٍ عَلى قَفَاهُ ورَجُلٌ قَائِمٌ عَلى رَأْسِهِ بِفِهْرٍ أوْ صَخْرَةٍ فَيَشْدَخُ بِهِ رَأْسَهُ فإذَا ضَرَبَهُ تَدَهْدَةَ
الحَجَرُ فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ فَلاَ يَرْجِعُ إِلَى لهذا حَتَّى يَلَْئِمَ رَأْسُهُ وعَادَ رأسُهُ كَمَا هُوَ فَعَادَ إِلَيْهِ
فَضَرَبَهُ قُلْتُ مَنْ لهذا قالاَ انْطَلِقْ فانْطَلَقْنَا إِلَى ثَقْبٍ مِثلِ التَّنُورِ أَعْلاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ يَتَوَقَّدُ
تَحْتَهُ ناراً فإذَا اقْتَرَبَ ارْتَفعُوا حتَّى كاد أنْ يَخْرُجوا فإذا خمَدتْ رجَعُوا فِيها وَفيها رِجالٌ
وَنِساءٌ عُرَاةٌ فَقُلْتُ مَنْ لهَذَا قالاَ انْطَلِقْ فانْطَلَقْنَا حتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهْرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى
وسَطِ النَّهْرِ وقال يَزِيدُ ووَهْبُ بنُ جَرِيرِ بنِ حازِمٍ وعلَى شَطِّ النَّهْرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ
فأقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهرِ فإذا أرادَ أنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجلُ بِحَرٍ فِي فيهِ فرَدَّهُ حِيْثُ كانَ
فجَعلَ كلَّما جاءَ لِيخْرُجَ رمَى فِي فيهِ بِحِجَرٍ فَيَرْجِعُ كَما كانَ فقُلتُ ما لهذا قالا انْطَلِقْ
فانْطَلَقْنا حتَّى انْتَهِينَا إلى رَوضَةٍ خَضْراءَ فِيها شجرَةٌ عَظيمَةٌ وَفِي أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ وَإذا
رجلٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّجرَةِ بَيْنَ يدَيْهِ نارٌ يُوقِدُها فصَعِدًا بي فِي الشَّجرةِ وأدخلانِي دَاراً لَمْ أَرَ
قطُّ أحْسَنُ مِنْهَا فِيهَا رِجالٌ شُيُوعُ وشَبَابٌ ونِسَاءٌ وصِبْيَانٌ ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا فصعِدًا بي
الشَّجَرةَ فأدخلانِي دَاراً هيّ أحْسَنُ وأَفْضَلُ فِيها شيوخٌ وشبَابٌ قُلتُ طوَّقْتُمَانِي اللَّيْلَةَ فأخيِراني
عَمَّا رَأيْتُ قَالاَ نَعَمْ أمَّا الَّذِي رَأيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّبٌ يُحَدِّثُ بِالكَذْبَةِ فَتُحْمَلُ عنهُ حَتَّى تَبْلُغَ
الآفاقَ فَيُصْنَعُ بِهِ ما رَأَيْتَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَالَّذِي رَأيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللهِ القُرْآنَ
فِنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ ولَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالثَّهَارِ يُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَالَّذِي رَأيْتُهُ فِي النَّقْبِ فَهُمُ
الزُّنَاةُ والَّذِي رَأيْتَهُ في النَّهْرِ آكِلُوا الرِّبا والشّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ عليه السَّلامُ
والصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فأوْلادُ النَّاسِ والَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مالِكٌ حَازِنُ النَّارِ وَالدَّارُ الأولَى الَّتِي دَخَلْتَ
دَارُ عامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ وأمَّا لهذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ وأنا جِبْرِيلُ ولهذا مِيكائِيلُ فارْفَعْ رَأْسَكَ
فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ قالاَ ذَاكَ مَنْزِلُكَ قُلْتُ دَعَانِي أُدْخُلْ مَنْزِلِي قالاَ إِنَّهُ بَقِيَ
لَكَ عُمُرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَ أَتَّيْتَ مَنْزِلَكَ. [أنظر الحديث ٨٤٥ وأطرافه].
مطابقته لترجمة الباب في قوله: ((والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم عليه الصلاة
والسلام والصبيان حوله أولاد الناس». وهذا صريح في كون أولاد الناس كلهم في الجنة،
ويدخل فيه أولاد المشركين، ويؤيده روايته في التعبير بلفظ: ((وأما الولدان الذين حوله فكل
مولود مات على الفطرة، فقال بعض المسلمين: وأولاد المشركين؟ فقال: وأولاد المشركين)).
ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: موسى بن إسماعيل أبو سلمة المنقري الذي يقال له:
التبوذكي. الثاني: جرير، بفتح الجيم: ابن حازم، بالحاء المهملة والزاي. الثالث: أبو رجاء،
بتخفيف الجيم وبالمد: واسمه عمران بن تميم، ويقال: ابن ملحان العطاردي. الرابع: سمرة

٣١١
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٩٣)
ابن جندب.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضع واحد. وفيه: أنه من رباعيات البخاري. وفيه: أن شيخه بصري وشيخ شيخه كذلك
وأبو رجاء مخضرم أدرك زمان النبي عَ ليه بعد فتح مكة ولم ير النبي، عَّه، ونزل البصرة.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في البيوع وفي الجهاد
وفي بدء الخلق وفي صلاة الليل وفي الأدب: عن موسى بن إسماعيل وفي الصلاة وفي
أحاديث الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، وفي التفسير وفي التعبير: عن مؤمل بن هشام،
والذي أخرجه في الصلاة في: باب عقد الشيطان على قافية الرأس، أخرجه عن مؤمل بن
هشام عن إسماعيل بن علية عن عوف عن أبي رجاء عن سمرة بن جندب مختصراً جداً،
وذكرنا هناك من أخرجه غيره.
ذكر معناه: قوله: ((فسألنا))، بفتح اللام جملة من الفعل والفاعل والمفعول. قوله:
((يوماً)) نصب على الظرف. قوله: ((رؤيا))، على وزن: فعلى، بالضم، يقال: رأى في منامه رؤيا
- على: فعلى - بلا تنوين، وجمعه، رأىّ بالتنوين، مثال: رعى، والمشهور عند أهل اللغة أن
الرؤيا في النوم، والرؤية في اليقظة. وقد قيل: إن الرؤيا أيضاً تكون في اليقظة، وعليه تفسير
الجمهور في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلاَّ فتنة للناس﴾
[الإسراء: ٦٠]. أن الرؤيا ههنا في اليقظة، وتكتب بالألف كراهة اجتماع الياءين. قوله: ((فإذا
رجل)) كلمة: إذا، للمفاجأة. قوله: ((كلوب))، بفتح الكاف وضم اللام المشددة، وهو:
الحديدة التي ينشل بها اللحم عن القدر، وكذلك الكلاب، وكذا وقع في رواية الطبراني.
قوله: ((من حديد))، كلمة: من، للبيان كما في قولك: خاتم من فضة. قوله: ((قال بعض
أصحابنا عن موسى))، وهو موسى بن إسماعيل شيخ البخاري المذكور في أول الحديث،
وهذا البعض مبهم، ولكن لا يضر لما عرف من عادة البخاري أنه لا يروي إلاَّ عن العدل
الذي بشرطه، فلا بأس بجهل اسمه. وقال الكرماني: فإن قلت: لِمَ ما صرح باسمه حتى لا
يلزم التدليس؟ قلت: لعله نسي اسمه أو لغرض آخر.
فإن قلت: ما المقدار الذي هو مقول بعض الأصحاب؟ قلت: كلوب من حديد. فإن
قلت: فعلى رواية غيره لا يتم الكلام إذا لم يذكر ما بيده؟ قلت: محذوف كأنه قال: بيده
شيء فسره بعض الأصحاب بأنه كلوب. قوله: ((أنه)) أي: أن ذلك الرجل الذي في يده
الكلوب. قوله: ((يدخل))، بضم الياء من الإدخال. قوله: ((الكلوب)) منصوب به. قوله: ((في
شدقه)) بكسر الشين: جانب الفم. قوله: ((حتى يثلغ قفاه))، من ثلغ يثلغ بفتح اللام فيهما
ثلغاً، ومادته ثاء مثلثة ولام وغين معجمة، والثلغ: الشدخ. وقيل: هو ضربك الشيء الرطب
بالشيء اليابس حتى يتشدخ. قوله: ((مثل ذلك)) أي: مثل ما فعل بشدقه الأول. قوله: ((ورجل
قائم))، جملة حالية. قوله: ((بفهر)، بكسر الفاء وسكون الهاء وفي آخره راء: وهو الحجر ملء
الكف. وقيل: هو الحجر مطلقاً. قوله: ((فيشدخ))، من الشدخ، وهو: كسر الشيء الأجوف.
:

٣١٢
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٩٣)
تقول: شدخت رأسه فانشدخ، ومادته: شين معجمة ودال مهملة وخاء معجمة. قوله: ((تدهده
الحجر)) أي: تدحرج وهو على وزن: تفعلل، من مزيد الرباعي ورباعيه: دهده، على وزن:
فعلل. يقال: دهدهت الحجر إذا دحرجته. ويقال: أيضاً: «هيدته. وقال الجوهري: قد تبدل
من الهاء ياء، فيقال: تدهدى الحجر وغيره تدهدياً، ودهديته أنا أدهديه دهدأة ودهداء: إذا
دحرجته. قوله: ((إلى ثقب))، بفتح الثاء المثلثة ويروى بالنون وفي (المطالع): وعند الأصيلي:
نقب، بالنون وفتح القاف وهو بمعنى: ثقب، بالثاء المثلثة. قوله: ((مثل التنور))، بفتح التاء
المثناة من فوق وتشديد النون المضمومة وفي آخره راء، وهذه اللفظة من الغرائب حيث توافق
فيها جميع اللغات، وهو الذي يخبز فيه.
قوله: ((يتوقد تحته ناراً)، الضمير في يتوقد يرجع إلى الثقب، و: ناراً، منصوب على
التمييز كما يقال: مررت بامرأة يتضوع من أردانها طيباً، أي: يتضوع طيبها من أردانها.
ويروى: نار، بالرفع على أنه فاعل: يتوقد. قوله: ((فإذا اقترب ارتفعوا))، من القرب، كذا في
رواية أبي ذر والأصيلي، والضمير في اقترب يرجع إلى الوقود أو الحر الدال عليه. قوله:
((يتوقد))، وفي رواية القابسي وابن السكن وعبدوس: ((فإذا فترت))، بالفاء والتاء المثناة من فوق
أي: فإذا أخمدت، وأصله من الفترة وهو الانكسار والضعف، وقد فتر الحر وغيره يفتر فتوراً،
وفتره الله تفتيراً. وقال ابن التين: بالقاف، قترت، ومعناه: ارتفعت من القترة وهو الغبار، وقال
الجوهري: قتر اللحم يقتر بالكسر إذا ارتفع قتارها، وقتر اللحم بالكسر لغة فيه حكاها أبو
عمرو. وقال: والقتار ريح الشواء، وقال ابن التين: وأما فترت بالفاء فما علمت له وجهاً لأن
بعده: فإذا خمدت رجعوا، ومعنى: خمدت وفترت واحد، وعند النسفي: إذا أوقدت ارتفعوا.
وقال الطيبي في (شرح المشكاة): فإذا ارتقت من الارتقاء وهو الصعود، ثم قال: كذا في
الحميدي و(جامع الأصول)، ثم قال: وهو الصحيح دراية ورواية.
قوله: ((ارتفعوا)) جواب: إذا، والضمير الذي فيه يرجع إلى الناس، بدلالة سياق الكلام.
قوله: ((حتى كاد أن يخرجوا)) أي: كاد خروجهم، والخبر محذوف أي: حتى كاد خروجهم
يتحقق. قال الطيبي: وفي (نسخ المصابيح) حتى يكادوا يخرجوا، وحقه إثبات النون، أللهم
إلاَّ أن يتمحل ويقدر: أن يخرجوا، تشبيهاً لكاد بعسى، ثم حذف: أن، وترك على حاله، وفي
(التوضيح): وروى بإثبات النون. قوله: قال يزيد ووهب بن جرير عن جرير بن حازم: ((وعلى
شط النهر رجل))، وهذا التعليق من يزيد بن هارون، ووهب ثبت في رواية أبي ذر كما جاء
في التعبير: على شط النهر رجل، أما التعليق عن يزيد فوصله أحمد عنه وساق الحديث
بطوله، وفيه: ((فإذا نهر من دم فيه رجل، وعلى شط النهر رجل)). وأما التعليق عن جرير بن
حازم فوصله أبو عوانة في (صحيحه) من طريقه، وفيه: ((حتى ينتهي إلى نهر من دم ورجل
قائم في وسطه ورجل على شاطىء النهر)). قوله: ((في فيه)) أي: في فمه. قوله: ((فجعل
كلما جاء ليخرج وقع)) خبر: جعل، هنا جملة فعلية مصدرة: بكلما، وحقه أن يكون فعلاً
مضارعاً كما في غيره من أفعال المقاربة، ولكن ترك الأصل شذوذاً كما وقع هنا جملة من

٣١٣
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٩٣)
فعل ماض مقدم عليه. قوله: ((رمى الرجل))، روي بالرفع والنصب، قاله الكرماني، قلت: وجه
الرفع أن: رمي، على صيغة المجهول أسند إليه الرجل، ووجه النصب أن: رمى، على صيغة
المعلوم، والضمير الذي فيه يرجع إلى الرجل القائم على شط النهر. قوله: ((فقلت: ما هذا؟))
قال الكرماني: فإن قلت: لِمَ ذكر في المشدوخ بلفظ: من، وفي أخواته الثلاثة بلفظ: ما؟
قلت: السؤال: بمن، عن الشخص، و: بما، عن حاله وهما متلازمان، فلا تفاوت في الحاصل
منهما. أو لما كان هذا الرجل عبارة عن العالم بالقرآن ذكره بلفظ: من، الذي للعقلاء، إذ
العلم من حيث هو فضيلة وإن لم يكن معه العمل بخلاف غيره، إذ لا فضيلة لهم، وكأنه لا
عقل لهم.
قوله: ((وفي أصلها شيخ وصبيان))، يريد الذين هم في علم الله من أهل السعادة من
أولاد المسلمين، قاله أبو عبد الملك. قوله: ((وأدخلاني)) ويروى: ((فأدخلاني))، بالفاء. قوله:
((طوفتماني)) بالنون ويروى: ((طوفتما بي))، بالباء الموحدة من التطويف، يقال: طوف إذا أكثر
الطواف وهو الدوران، يقال: طاف حول البيت يطوف طوفاً وطوفاناً، وتطوف واستطاف كله
بمعنى. قوله: ((أما الذي رأيته يشق شدقه، فكذاب))، قال الكرماني: قال المالكي: لا بد من
جعل الموصول الذي ههنا للمعين، كالعام، حتى جاز دخول الفاء في خبره أي: المراد هو
وأمثاله قلت: نقل الطيبي عنه مبسوطاً فقال: قال المالكي: في هذا شاهد على أن الحكم قد
يستحق بجزء العلة، وذلك أن المبتدأ لا يجوز دخول الفاء على خبره إلاَّ إذا كان شبيهاً بمن
الشرطية في العموم، واستقبال ما يتم به المعنى نحو الذي يأتيني فمكرم، فلو كان المقصود
بالذي معنا زالت مشابهته بمن وامتنع دخول الفاء على الخبر كما يمتنع دخولها على أخبار
المبتدآت المقصود بها، لتعيين، نحو: زيد مكرم، فمكرم لم يجز، فكذا لا يجوز الذي يأتيني
إذا قصدت به معيناً، لكن الذي يأتيني عند قصد التعيين شبيه في اللفظ بالذي يأتيني عند
قصد العموم، فجاز دخول الفاء حملاً للشبيه على الشبيه، ونظيره قوله تعالى: ﴿وما أصابكم
يوم التقى الجمعان فبإذن الله﴾ [آل عمران: ١٦٦]. فإن مدلول: ما، معين ومدلول: أصابكم،
ماض إلاّ أنه روعي فيه الشبه اللفظي، يشبه هذه الآية بقوله: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما
كسبت أيديكم﴾ [الشورى: ٣٠]. فأجرى: ما، في مصاحبة: الفاء، مجرى واحد، ثم قال
الطيبي: أقول: هذا كلام متين، لكن جواب الملكين تفصيل لتلك الرؤيا المتعددة المبهمة،
فلا بد من ذكر كلمة التفصيل كما في (صحيح البخاري) والحميدي و(المشكاة) أو تقديرها
بالفاء جواب أما والغاء في قوله: ((فأولاد الناس))، جاز دخوله على الخبر لأن الجملة معطوفة
على مدخول، أما، لما حذفت حذف مقتضاها، وكلاهما جائزان.
قوله: ((فنام عنه)) أي: أعرض عنه. و: عن، ههنا كما في قوله تعالى: ﴿الذين هم عن
صلاتهم ساهون﴾ [الماعون: ٥]. قوله: ((دار الشهداء)) قال الكرماني: فإن قلت: لِمَّ اكتفى
في هذه الدار بذكر الشيوخ والشباب ولم يذكر النساء والصبيان؟ قلت: لأن الغالب أن
الشهيد لا يكون إلاَّ شيخاً أو شاباً لا امرأةً أو صبياً. فإن قلت: مناسبة التعبير للرؤيا ظاهرة إِلاَّ

٣١٤
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٩٤)
في الزناة، فما هي؟ قلت: من جهة أن العري فضيحة كالزنا ثم إن الزاني يطلب الخلوة
كالتنور ولا شك أنه خائف حذر وقت الزنا، كأنه تحت النار، فإن قلت: درجة إبراهيم عليه
الصلاة والسلام رفيعة فوق درجات الشهداء، فما وجه كونه تحت الشجرة، وهو خليل الله
وأبو الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؟ قلت: فيه إشارة إلى أنه الأصل في الملة وأن كل من
بعده من الموحدين فهو تابع له وبممره يصعدون شجرة الإسلام ويدخلون الجنة. قوله:
((دعاني)) أي: اتركاني، وهو خطاب للملكين.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: الاهتمام بأمر الرؤيا واستحباب السؤال عنها وذكرها بعد
الصلاة. وفيه: التحذير عن الكذب والرواية بغير الحق. وفيه: التحذير عن ترك قراءة القرآن
والعمل به. وفيه: التغليظ على الزناة. ووجه الضبط في هذه الأمور أن الحال لا يخلو من
الثواب والعقاب فالعذاب إما على ما يتعلق بالقول أو بالفعل، والأول: إما على وجود قول لا
ينبغي أو على عدم قول ينبغي، الثاني: إما على بدني وهو الزنا ونحوه، أو مالي وهو الربا أو
نحوه، والثواب إما لرسول الله، عَّه، ودرجته فوق الكل مثل السحابة، وإما للأمة وهي ثلاث
درجات: الأدنى للصبيان والأوسط للعامة والأعلى للشهداء. وفيه: فضل تعبير الرؤيا. وفيه: أن
من قدم خيراً وجده غداً في القيامة لقوله: ((أتيت منزلك)). وفيه: استحباب إقبال الإمام بعد
سلامه على أصحابه. وفيه: مبادرة المعبر إلى تأويلها أول النهار قبل أن يتشعب ذهنه باشتغاله
في معاشه في الدنيا، ولأن عهد الرائي قريب ولم يطرأ عليه ما يشوشها، ولأنه قد يكون فيها
ما يستحب تعجيله: كالحث على خير والتحذير عن معصية. وفيه: إباحة الكلام في العلم.
وفيه: أن استدبار القبلة في جلوسه للعلم أو غيره جائز.
٩٤ - بابُ مَوْتٍ يَوْمِ الاثْنَيْنِ
أي: هذا باب في بيان فضل الموت يوم الاثنين. فإن قلت: ليس لأحد اختيار في
تعيين وقت الموت، فما وجه هذا؟ قلت: له مدخل في التسبب في حصوله بأن يرغب إلى
الله لقصد التبرك، فإن أجيب فخير حصل وإلاَّ يثاب على اعتقاده.
١٤١/ ١٣٨٧ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ قال حدَّثنا وُهَيْبٌ عنْ هِشَامٍ عنْ أَبِيهِ عنْ عَائِشَةَ
رضي الله تعالى عنها قالَتْ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهُ فقال فِي كَمْ كَفَّنْتُمُ
النبيَّ عَّهِ قَالَتْ فِي ثَلاَثَةٍ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلاَ عِمَامَةٌ وقال لَهَا فِي
أيِّ يَوْمٍ تُؤُفِّيَ رسولُ الله عَ لَّهِ قَالَتْ يَوْمَ الاثْنَيْنِ قال فأيُّ يَوْمٍ لهذا قالَتْ يَوْمُ الاثْنَيْنِ قال أرْجُو
فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ فَتَظَرَ إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كانَ يُمَرَّضُ فِيهِ بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ فقال اغْسِلُوا
ثَوْبِي لهذا وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ فِكَفِّئُونِي فِيهَا قُلْتُ إِنَّ لهذا خَلَقٌ. قال إنَّ الحَيَّ أحَقُّ بِالجَدِيدِ
مِنَ المَيِّتِ أَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثَّلاَثَاءِ وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ. [انظر
الحديث ١٢٦٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن النبي عَّ ةٍ كانت وفاته يوم الاثنين، فمن مات يوم
.

٣١٥
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٩٤)
الاثنين يرجى له الخير لموافقة يوم وفاته يوم وفاة النبي عَّةٍ، فظهرت له مزية على غيره من
الأيام بهذا الاعتبار، فإن قلت: روى الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو، قال رسول الله
عَّهِ: (ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلاَّ وقاه الله تعالى فتنة القبر)). قلت:
هذا حديث انفرد بإخراجه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب، وليس إسناده بمتصل لأن ربيعة
ابن سيف يرويه عن ابن عمر، ولا يعرف له سماع منه، فلذلك لم يذكره البخاري، فاقتصر
على ما وافق شرطه.
ورجاله قد ذكروا غير مرة، ووهيب ـ بالتصغير - هو ابن خالد البصري.
ذكر معناه: قوله: ((دخلت على أبي بكر، رضي الله تعالى عنه)) تعني أباها. قوله:
((في كم كفنتم النبي عَّله؟)) أي: في كم ثوباً كفنتم، و: كم، الاستفهامية وإن كان لها
صدر الكلام، ولكن الجار كالجزء له فلا يتصدر عليه. فإن قلت: كان أبو بكر، رضي الله
تعالى عنه، أقرب الناس إلى النبي عَّ وأعلمهم بحاله وأموره، فما وجه هذا السؤال؟ قلت:
هذا السؤال من أبي بكر عن كفن النبي عَّهِ وعن اليوم الذي مات فيه، والجواب عن
عائشة، رضي الله تعالى عنها، كانا في مرض موته، وكان قصده من ذلك موافقته للنبي عَ له
حتى في التكفين، وكان يرجو أيضاً أن تكون وفاته في اليوم الذي مات فيه النبي عَّةٍ،
وذلك لشدة اتباعه إياه في حياته، فأراد اتباعه في مماته، وحصل قصده في التكفين، لأن
عائشة لما قالت: كفن رسول الله عَّ له في ثلاثة أثواب بيض سحولية، أشار أبو بكر أن يكون
كفنه أيضاً في ثلاثة أثواب، حيث قال: اغسلوا ثوبي هذا، وأشار به إلى ثوبه الذي كان يمرض
فيه، وزيدوا عليه ثوبين ليصير ثلاثة أثواب، مثل كفن النبي عّلّه، وأما وفاته فقد تأخرت عن
وقت وفاة النبي ◌َّ له، لأن النبي عَّ توفي يوم الاثنين، وتوفي أبو بكر ليلة الثلاثاء بين
المغرب والعشاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وذلك كان
لحمكة في التأخير، وهي أنه إنما تأخر عن يوم الاثنين لكونه قام بالأمر بعد النبي عَِّ، فناسب
أن تكون وفاته متأخرة عن الوقت الذي قبض فيه، عليه الصلاة والسلام، وقيل: إنما سأل أبو
بكر، رضي الله تعالى عنه، عن ذلك بصيغة الاستفهام توطئة لعائشة للصبر على فقده، لأنه لم
تكن خرجت من قلبها الحرقة، لموت النبي عَّه، ولو كان ذكر ابتداءً من أمر موته لدخل
عليها غم عظيم من ذلك، وتجديد حزن، لأنه كان يكون حينئذ غم على غم وحزن على
حزن، ولم يقصد أبو بكر ذلك، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون السؤال عن قدر الكفن على
حقيقته لأنه لم يحضر ذلك لاشتغاله بأمر البيعة. انتهى.
قلت: ما أبعد هذا عن منهج الصواب، لأنا قد ذكرنا أن السؤال والجواب إنما كانا في
مرض موت أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، لأجل الموافقة والاتباع، وأين كان وقت اشتغاله
بأمر البيعة من هذا الوقت الذي كان فيه مريضاً مرض الموت، ومن البعيد أن لا يحضر أبو
بكر، رضي الله تعالى عنه، تكفين النبي عَّ له مع كونه أقرب الناس إليه في كل شيء، ومع
هذا كانت البيعة في اليوم الذي توفي فيه رسول الله عَّه وهو يوم الاثنين، والتكفين كان

٣١٦
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٩٤)
وقت دفنه ليلة الأربعاء. قاله ابن إسحاق. فإن قلت: قال الواقدي: كانت البيعة يوم الاثنين
قلت: كانت يوم الاثنين يوم السقيفة، وكانت البيعة العامة يوم الثلاثاء، قاله الزهري وغيره.
قوله: ((بيض))، بكسر الباء الموحدة جمع: أبيض. قوله: ((سحولية))، بفتح السين المهملة:
نسبة إلى سحول، قرية باليمن، وقد مر الكلام فيه مستوفىّ في: باب الثياب البيض للكفن،
قوله: ((وقال لها)) أي: قال أبو بكر لعائشة، رضي الله تعالى عنها، في أي يوم توفي فيه رسول
الله عٍَّ؟ قال بعضهم: وأما تعيين اليوم فنسيانه أيضاً يحتمل، لأنه عَ لَّه دفن ليلة الأربعاء،
فيمكن أن يحصل التردد: هل مات يوم الاثنين أو الثلاثاء؟ انتهى.
قلت: هذا أبعد من الأول، لأنه كيف يخفى عليه ذلك وقد بويع له في ذلك اليوم
بيعة السقيفة؟ وأيضاً كان ذلك اليوم يوم اختلاف الصحابة فيه في موته، فمن قائل، قال:
مات رسول الله عَّةٍ، ومن قائل قال: لم يمت ومنهم عمر، رضي الله تعالى عنه، حتى خطب
أبو بكر إلى جانب المنبر، وبين لهم وفاة النبي عَّه، فأزال الجدال وأزاح الإشكال. وكيف
يخفى عليه مثل ذلك اليوم مع قرب العهد، وإنما كان وجه سؤاله ليعلمها أنه كان يتمنى أن
تكون وفاته يوم الاثنين، ولم يكن سؤاله عن حقيقة ذلك، وإنما قالت عائشة، رضي الله تعالى
عنها، يوم الاثنين تطبيباً لقلبه، لما قال أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، في أي يوم توفي رسول
الله عَّهِ؟ ويوم الاثنين منصوب على الظرفية. قوله: ((قال فأي يوم هذا؟)) أي: قال أبو بكر،
رضي الله تعالى عنه، أي يوم هذا؟ وأشار به إلى اليوم الذي كان مريضاً فيه، وكان آخر أيامه،
ولم يكن موته فيه لما ذكرنا قوله: ((قلت يوم الاثنين))، برفع اليوم لأنه خبر مبتدأ محذوف
تقديره: هذا اليوم يوم الاثنين.
قوله: ((أرجو فيما بيني وبين الليل))، وفي رواية المستملي: ((وبين الليلة)) ومعناه:
أرجو من الله تعالى أن يكون موتي فيما بين الوقت الذي أنا فيه وبين الليل الذي يأتي، يعني
يكون يوم الاذثنين ليكون موته في يوم موت النبي معَّ له، ومع هذا توفي ليلة الثلاثاء بين
المغرب والعشاء الآخرة لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، كما
ذكرنا آنفاً. وقيل: توفي أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، يوم الجمعة، وقيل: ليلة الجمعة
والأول أصح، ولا خلاف أنه، عَّه، مات يوم الاثنين قبل أن ينشب النهار، ومرض الإثنين
وعشرين ليلة من صفر، وبدأ وجعه عند وليدة له يقال لها ريحانة كانت من سبي اليهود
وكان أول يوم مرض يوم السبت، وتوفي يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول لتمام
عشر سنين من مقدمه عَّ المدينة، واختلفوا في سبب موت أبي بكر، رضي الله تعالى عنه،
فقال سيف بن عمر، إسناده عن ابن عمر، قال: كان سبب مرض أبي بكر وفاة رسول الله
عَ لَّهِ، كمد فما زال جسمه يذوب حتى مات. وقيل: سم، فقال ابن سعد بإسناده عن ابن
شهاب: إن أبا بكر والحارث بن كلدة يأكلان خزيرة أهديت لأبي بكر، فقال له الحارث:
ارفع يدك يا خليفة رسول الله، والله إن فيها السم سنة وأنا وأنت نموت في يوم واحد عند
انتهاء السنة، فماتا عند انقضائها، ولم يزالا عليلين حتى ماتا. والخزيرة أن يقطع اللحم ويذر

٣١٧
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِرِ / باب (٩٤)
عليه الدقيق. وقال الطبري: الذي سمته امرأة من اليهود في أرز، وقيل: إن اليهود سمته في
حسو. وقيل: اغتسل في يوم بارد فحم خمسة عشر يوماً وتوفي، حكاه الواقدي عن عائشة.
وقيل: علق به سل قبل وفاة رسول الله عَّلِ فلم يزل به حتى قتله، حكاه عكرمة عن ابن
عباس، رضي الله تعالى عنهما. قوله: ((ثم نظر))، أي: أبو بكر، إلى ثوب عليه أي ثوب كائن
على بدنه، قوله: ((كان يمرض فيه)) على صيغة المجهول من التمريض، من مرضت فلاناً
بالتشديد إذا أقمت عليه بالتعهد والمداواة، قوله: ((به ردع))، أي: بهذا الثوب الذي عليه ردع،
بفتح الراء وسكون الدال المهملة وفي آخره عين مهملة: وهو اللطخ والأثر، وكلمة: من، في
قوله: ((من زعفران))، للبيان. قوله: ((وزيدوا عليه)) أي: على هذا الثوب. قوله: ((فيهما)) أي:
في المزيد والزيد عليه، وقال ابن بطال: إن كانت الرواية: فيها، فالضمير عائد إلى الأثواب
الثلاثة، وإن كانت: فيهما، يعني بالتثنية، فكأنهما جعلهما جنسين: الثوب الذي كان يمرض
فيه جنساً، والثوبين الآخرين جنسياً، فذكرهما بلفظ التثنية. وفي رواية أبي ذر: فيها بإفراد
الضمير.
قوله: ((قلت: إن هذا خلق)) أي: قالت عائشة: إن هذا الثوب الذي عليه خلق، بفتح
الخاء المعجمة واللام، أي: بال، عتيق، وفي رواية أبي معاوية عند ابن سعد: ((ألا تجعلها
جدداً كلها؟ قال: لا)). ويفهم من هذا أنه كان يرى عدم المغالاة في الأكفان، ويؤيده قوله
بعد ذلك: ((إن الحي أحق بالجديد، إنما هو للمهلة))، بضم الميم وهو: القيح والصديد،
ويحتمل أن يراد بالمهلة معناها المشهور، أي: الجديد لمن يرى المهلة في بقائه، ويروى:
المهلة، بكسر الميم، وقال ابن الأثير: فإنما هما للمهل والتراب، ويروى: للمهلة، بضم الميم
وكسرها وهو: القيح والصديد الذي يذوب. وقيل: من الجسد، ومنه قيل للنحاس الذائب:
مهل. وقال ابن حبيب: المهلة، بالكسر: الصديد وبفتحها من التمهل وبضمها عكر الزيت
الأسود المظلم، ومنه قوله تعالى: ﴿يوم تكون السماء كالمهل﴾ [المعارج: ٨]. وقال ابن
دريد في هذا الحديث إنها صديد الميت، زعموا أن المهل ضرب من القطران، وروى أبو
داود من حديث علي، رضي الله تعالى عنه: ((لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سريعاً). قوله:
((لا تغالوا))، من المغالاة وهي مجاوزة العدد، والمعنى: لا تبالغوا.
قوله: ((يسلب سريعاً) يعني: يسلب الميت الكفن، والمعنى: يبلى عليه ويقطع ولا
يبقى ولا ينتفع به الميت. فإن قلت: يعارضه حديث جابر، رضي الله تعالى عنه، أخرجه
مسلم عنه قال: قال رسول الله، عَّ ◌ُلّهِ: ((إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه))، ورواه
الترمذي أيضاً، ولفظه: ((إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه)). وفي رواية الحارث بن أسامة
وأحمد بن منيع: ((إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه فإنهم يبعثون في أكفانهم ويتزاورون
في أكفانهم)). وفي رواية أبي نصر عن جابر، رضي الله تعالى عنه، أيضاً قال: قال رسول الله،
عَ ◌ّهِ: ((أحسنوا أكفان موتاكم فإنهم يتباهون ويتزاورون)). قلت: لا تعارض بينهما، لأن
المراد به ليس بالمغالاة في ثمنه ورقته، وإنما المراد به كونه جديداً أبيض، حكاه ابن المبارك

٣١٨
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٩٥)
عن سلام بن أبي مطيع، وروى ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين أنه كان يعجبه الكفن
الصفيق، وروى أيضاً عن جعفر بن ميمون، قال: كانوا يستحبون أن تكون المرأة في غلاظ
الثياب، وروى أيضاً عن الحسن ومحمد أنه: كان يعجبهما أن يكون الكفن كتاناً، وروي
أيضاً عن ابن الحنيفة. قال: ليس للميت من الكفن شيء، وإنما هو تكرمة الحي. وقيل في
الجمع بينهما: يحمل التحسين على الصفة، وتحمل المغالاة على الثمن، وقيل: التحسين
حق الميت فإذا أوصى بتركه اتبع، كما فعل الصديق، رضي الله تعالى عنه، ويحتمل أن يكون
اختار ذلك الثوب بعينه لمعنى فيه من التبرك به، لكونه كان جاهد فيه أو تعبد فيه، ويؤيده ما
رواه ابن سعد من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، قال أبو بكر: كفنوني في
ثوبي اللذين كنت أصلي فيهما. قلت: يحتمل وجهاً آخر وهو أن الثوب الذي اختاره كان
وصل إليه من النبي عَ لَّه، فلذلك اختاره تبركاً به، وحق له هذا الاختيار.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: استحباب التكفين في الثياب البيض. وفيه: استحباب
تثليث الكفن. وفيه: جواز التكفين في الثياب المغسولة. وفيه: إيثار الحي بالجديد. وفيه:
جواز دفن الميت بالليل. وفيه: استحباب طلب الموافقة فيما وقع للأكابر تبركاً بذلك. وفيه:
أخذ المرء العلم عمن دونه. وفيه: فضل أبي بكر وصحة فراسته وثباته عند وفاته، رضي الله
تعالى عنه. وفيه: أن وصية الميت معتبرة في كفنه وغير ذلك من أمره إذا وافق صواباً، فإن
أوصى بسرف، فعن مالك: يكفن بالقصد، فإن لم يوص لم ينقص عن ثلاثة أثواب من جنس
لباسه في حياته، لأن الزيادة عليها والنقص منها خروج به عن عادته، ولا خلاف في جواز
التكفين في خلق الثياب إذا كانت سالمة من القطع وساترة له، وقال أبو عمر: فيه: أن
التكفين في الثوب الجديد والخلق سواء، واعترض عليه باحتمال أن يكون أبو بكر اختاره
لمعنى من المعاني التي ذكرناها آنفاً، وعلى تقدير أن لا يكون كذلك فلا دليل فيه على
المساواة. والله أعلم.
٩٥ - بابُ مَوْتِ الفَجْأَةِ البَغْتَةِ
أي: هذا باب في بيان حال الموت فجأة، ولم يبينه اكتفاء بما في حديث الباب بأنه
غير مكروه، لأنه عَّه لم يظهر منه كراهيته لما أخبره الرجل بأن أمه افتلتت نفسها، والفجاءة،
بضم الفاء وبالمد، وفي (المحكم): فجأة وفجأة يفجؤه فجاء وفجاءة وافتجأه وفاجأه مفاجأة:
هجم عليه من غير أن يشعر به، ولقيته فجأة وضعوه موضع المصدر، وموت الفجأة ما يفجأ
الإنسان من ذلك .. وفي (المنتهى): هو بالضم، والهمزة، وفي (الاصلاح) ليعقوب: فاجأني
وفجأني الرجل. قال أبو زيد: إذا لقيته ولا تشعر به وهو لا يشعر بك أيضاً. وعند ابن التياني:
فجأ الأمر وفاجأ وفجىء، وبه يرد على ابن درستويه في كتاب (تصحيح الفصيح) والعامة
تفتح ماضيه، وقال قطرب: الأصل: فجا، ونحن نتفجى فلاناً أي ننتظره وأتيته فجواء أي:
مفاجأة، وحكى المطرز عن ابن الأعرابي أنه يقال: أتيته فجاة والتقاطاً وعيناً وبدداً، أي: بغير

٣١٩
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٩٥)
تلبث. قوله: ((البغتة)) بالجر على أنه بدل من الفجأة ويجوز أن يرفع على أنه خبر مبتدأ
محذوف أي: هي البغتة، ووقع في رواية الكشميهني: بغتة، بدون الألف واللام، وقال ابن
الأثير: يقال بغته يبغته بغتاً، أي: فاجأه. وقال الجوهري: البغت أن يفجأك الشيء، تقول: بغتة
أي: فجأة ولقيته بغتة أي فجاءة، والمباغتة المفاجأة.
١٤٢ / ١٣٨٨ - حدّثنا سَعيدُ بنُ أَبِي مَرْيَمَ قال حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قال أخبرني
هِشَامٌ عنْ أَبِيهِ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنهَا أنَّ رَبجلاً قال لِلنبيِّ عَلِ إِنَّ أُمِّي امْتُلِتَثْ
نَفْسُهَا وأظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْها قالَ نَعَمْ. [الحديث
١٣٨٨ - طرفه في: ٢٧٦٠].
مطابقته للترجمة من حيث إنه عَِّ لما أجاب بقوله: ((نعم)) لذلك القائل الذي في
الحديث دل على أن موت الفجأة غير مكروه، وقد ورد في حديث عن عائشة وابن مسعود،
أخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه): ((موت الفجأة راحة للمؤمن وأسف على الفاجرة)). فإن
قلت: روى أبو داود من حديث عبيد بن خالد السلمي، رجل من أصحاب النبي عَلَّهِ، قال:
موت الفجأة أخذة آسف، والآسف على فاعل من الصفات المشبهة، والآسف بفتحتين اسم،
والمعنى: أخذة غضبان في الوجه الأول، وأخذة غضب في الوجه الثاني، ومعناه: أنه فعل ما
أوجب الغضب عليه والانتقام منه بأن أماته بغتة من غير استعداد ولا حضور لذلك، وروى
أحمد من حديث أبي هريرة: ((أن النبي عَّه مر بجدار مائل فأسرع، وقال: أكره موت
الفوات)). قلت: الجمع بينهما بأن الأول: محمول على من استعد وتأهب، والثاني: محمول
على من فرط وقال ابن بطال: وكان ذلك، والله أعلم، لما في موت الفجأة من خوف
حرمان الوصية وترك الاستعداد للمعاد بالتوبة وغيرها من الأعمال الصالحة. وروى ابن أبي
الدنيا في كتاب (الموت): من حديث أنس نحو حديث عبيد بن خالد، وزاد فيه: ((المحروم
من حرم وصيته)).
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: سعيد بن أبي مريم هو سعيد بن محمد بن الحكم
ابن أبي مريم. الثاني: محمد بن أبي جعفر بن أبي كثير. الثالث: هشام بن عروة. الرابع:
أبوه عروة بن الزبير، رضي الله تعالى عنه. الخامس: عائشة، رضي الله تعالى عنها.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: الإخبار بصيغة
الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضع. وفيه: أن شيخه مصري
وبقية الرواة مدنيون، وفيه: رواية الإبن عن الأب.
ذكر معناه: قوله: ((أن رجلاً)) هو سعد بن عبادة، قال أبو عمر: واسم أمه عمرة. قوله:
((افتلتت نفسها))، بضم التاء المثناة من فوق وكسر اللام على صيغة المجهول، ومعناه: ماتت
فجأة، يقال: افتلت فلان على صيغة المجهول، وافتلتت نفسه أيضاً، و: نفسها، نصب على
التمييز أو مفعول ثانٍ بمعنى: سلبت، ويروى برفع النفس، وهو ظاهر. وسيأتي في البخاري من

٣٢٠
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٩٦)
حديث ابن عباس أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله عٍَّ في نذر كان على أمه توفيت
قبل أن تقضيه، فقال: إقضه عنها، ولأبي داود: ((إن امرأة قالت: يا رسول الله إن أمي افتلتت
نفسها .. )) الحديث، وفي رواية مسلم: ((إن أمي ماتت وعليها صوم))، والنسائي عن ابن عباس،
((عن سعد بن عبادة أنه قال: قلت: يا رسول الله، إن أمي ماتت فأي الصدقة أفضل؟ قال:
الماء)). وفي حديث مسلم عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه: ((إن رجلاً قال: يا رسول الله،
إن أبي مات وترك مالاً ولم يوص، فهل يكفي ذلك عنه أن أتصدق؟ قال: نعم)) فالقضية إذن
متعددة.
ويستفاد منه: أن الصدقة عن الميت تجوز، وأنه ينتفع بها، وروى أحمد عن عبد الله بن
عمرو أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة، وأن هشام بن العاص نحر عنه
خمسين، وأن عمراً سأل رسول الله عَ لّه عن ذلك، فقال: أما أبوك فلو أقر بالتوحيد فصمت
وتصدقت عنه نفعه ذلك، وعند ابن ماكولا، من حديث إبراهيم بن حبان عن أبيه عن جده ((عن
أنس، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: سألت رسول الله عَّ له فقلت: إنا لندعو لموتانا ونتصدق عنهم
ونحج، فهل يصل ذلك إليهم؟ فقال: إنه ليصل إليهم ويفرحون به كما يفرح أحدكم بالهدية)).
٩٦ _ بابُ مَا جاءَ فِي قَبْرِ النبيِّ عَّهِ وَأَبِي بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهما
٥
أي: هذا باب في بيان ما جاء في صفة قبر النبي عَّهِ، وصفة قبر أبي بكر الصديق
وعمر الفاروق من كون قبرهم في بيت عائشة، رضي الله تعالى عنها. وكونه مسنماً أو غير
مسنم، وكونه بارزاً أو غير بارز، ومن كون أبي بكر وعمر معه عَ ليه، وفيه فضيلة عظيمة لهما
فيما لا يشاركهما فيها أحد، وذلك أنهما كانا وزيريه في حال حياته، وصارا ضجيعيه بعد
مماته، وهذه فضيلة عظيمة خصهما الله تعالى بها، وكرامة حياهما بها لم تحصل لأحد: ألا
ترى وصية عائشة، رضي الله تعالى عنها، إلى ابن الزبير، رضي الله تعالى عنهما: أن لا يدفنها
معهم خشية أن تزكى بذلك، وهذا من تواضعها وإقرارها بالحق لأهله، وإيثارها به على
نفسها، ورأت عمر، رضي الله تعالى عنه، أهلاً وأيضاً لقرب طينتهما من طينته، ففي حديث
أبي سعيد، رضي الله تعالى عنه: ((مر رسول الله عَّ ◌ُله في جنازة عند قبر، فقال: من هذا؟
فقيل: فلان الحبشي، فقال عَّ له: لا إله إلاَّ الله، سيق من أرضه وسمائه إلى تربته التي منها
خلق)). قال الحاكم: صحيح الإسناد، وإنما استأذنها عمر في ذلك ورغب إليها فيه لأن
الموضع كان بيتها، ولها فيه حق، ولها أن تؤثر به نفسها لذلك، فآثرت به عمر، رضي الله
تعالى عنه. وقد كانت عائشة، رضي الله تعالى عنها، رأت رؤيا دلتها على ما فعلت حين رأت
ثلاثة أقمار سقطن في حجرتها، فقصتها على والدها لما توفي رسول الله عَّه ودفن في
بيتها، فقال لها أبو بكر: هذا أول أقمارك وهو خيرها.
وَقَوْلُ الله ﴿فأقبره﴾
قول الله: مبتدأ وخبره قوله: فأقبره، بالتأويل، يعني قول الله مقول فيه فأقبره يشير به إلى