النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٥) الثناء في الشر لغة شاذة. فإن قلت: قد عرفت أن الثناء الممدودة لا يستعمل إلاَّ في الخير، وكيف وقد استعمل في الشر في كلام الفصيح؟ قلت: قد قيل هذا على اللغة الشاذة، والأحسن أن يقال: استعمل هذا لأجل المشاكلة والتجانس كما في قوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى: ٤٠]. وأخرج مسلم هذا الحديث من حديث ابن علية عن عبد العزيز بن صهيب ((عن أنس بن مالك، قال: مر بجنازة فأثنى عليها خيراً، فقال نبي الله عَلّةٍ: ((وجبت وجبت وجبت، ومر بجنازة فأثنى عليها شراً، فقال نبي الله عَ لَّهِ: وجبت وجبت وجبت ... )) الحديث، وفي آخره: ((أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض .. )) وأخرج الحاكم من حديث النضر بن أنس: ((كنت قاعداً عند النبي عَّ فمر بجنازة فقال: ما هذه الجنازة؟ قالوا: جنازة فلان الفلاني، كان يحب الله ورسوله ويعمل بطاعة الله ويسعى فيها، فقال: وجبت وجبت وجبت. ومر بجنازة أخرى فقال: ما هذه الجنازة؟ قالوا: جنازة فلان الفلاني، كان يبغض الله ورسوله عَّ له ويعمل بمعصية الله ويسعى فيها، فقال: وجبت وجبت وجبت. قالوا: يا رسول الله، قولك في الجنازة والثناء عليها أثني على الأول خير، وعلى الآخر شر، فقلت فيهما وجبت وجبت وجبت، فقال: نعم يا أبا بكر، إن لله ملائكة ينطق على لسان بني آدم بما في المرء من الخير والشر)). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذا اللفظ، وفي هذا الحديث تفسير ما أبهم من الخير والشر في حديث الباب، وروى الطبراني من حديث كعب بن عجرة: ((أتى النبي عَّه بجنازة فقيل: هذا بئس الرجل، وأثنوا عليه شراً، فقال النبي عَ لِّ: تعلمون ذلك؟ قالوا نعم. قال: وجبت، وقال في التي أثنوا عليها خيراً كذلك)). وروى أبو داود من حديث أبي هريرة، قال: ((مروا على رسول الله عَ لّمه بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال: وجبت، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شراً، فقال: وجبت، ثم قال: إن بعضكم على بعض شهداء)). وروى أبو داود أيضاً عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ له: ((الملائكة، عليهم السلام، شهداء الله في السماء وأنتم شهداء الله في الأرض، إن بعضكم على بعض شهيد)). قوله: ((وجبت)) أي: وجبت الجنة في الأول، ووجبت النار في الثاني، والمراد بالوجوب الثبوت، أو هو في صحة الوقوع كالشيء الواجب، وحاصل المعنى أن ثناءهم عليه بالخير يدل على أن أفعاله كانت خيراً فوجبت له الجنة، وثناءهم عليه بالشر يدل على أن أفعاله كانت شراً فوجبت له النار، وذلك لأن المؤمنين شهداء بعضهم على بعض، لما صرح في الحديث، والتكرير فيه في رواية مسلم وغيره لتأكيد الكلام وتحقيقه لئلا يشكوا فيه، وقال الداودي: معنى هذا الحديث عند الفقهاء إذا أثنى عليه أهل الفضل والصدق، لأن الفسقة قد يثنون على الفسقة فلا يدخلون في معنى هذا الحديث، والمراد، والله أعلم، إذا كان الثناء بالشر ممن ليس له بعدو، لأنه قد يكون للرجل الصالح العدو، وإذا مات عدوه فذكر عن ذلك الرجل الصالح شراً فلا يدخل الميت في معنى هذا الحديث، لأن شهادته كانت لا تجوز عليه في الدنيا، وإن كان عدلاً للعداوة والبشر غير معصومين. ٢٨٢ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٥) فإن قيل: كيف يجوز ذكر شر الموتى، مع ورود الحديث الصحيح عن زيد بن أرقم في النهي عن سب الموتى وذكرهم إلّ بخير. وأجيب: بأن النهي عن سب الأموات غير المنافق والكافر والمجاهر بالفسق أو بالبدعة، فإن هؤلاء لا يحرم، وذكرهم بالشر للحذر من طريقهم، ومن الاقتداء بهم، وقيل: لا بد أن يكون ثناؤهم مطابقاً لأفعاله. وقال القرطبي: يحتمل أن يكون النهي عن سب الموتى متأخراً عن هذا الحديث، فيكون ناسخاً، وقيل: حديث أنس المذكور يجري مجرى الغيبة في الأحياء، فإن كان الرجل أغلب أحواله الخير، وقد يكون منه الغلبة فالاغتياب له محرم، وإن كان فاسقاً معلناً فلا غيبة فيه، فكذلك الميت، فليس ذلك مما ينهى عنه من سب الأموات، وقال بعضهم: الثناء على عمومه لكل مسلم مات، فإذا ألهم الله الناس، أو معظمهم، الثناء عليه كان ذلك دليلاً أنه من أهل الجنة، سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا، لأنه، وإن لم تكن أفعاله مقتضية فلا تتحتم عليه العقوبة، بل هو في المشيئة، فإذا ألهم الله الناس الثناء عليه استدللنا بذلك أن الله تعالى قد شاء المغفرة له، وبهذا تظهر فائدة الثناء فى قوله: ((وجبت))، وقيل: هذا خاص بالإثنين المذكورين لغيب أطلع الله نبيه عَ لّه عليه، ورد بأن كلمة: من، تستدعي العموم والتخصيص بلا مخصص، لا يجوز. قوله: ((أنتم شهداء الله في الأرض)). الخطاب للصحابة، رضي الله تعالى عنهم، ولمن كان على صفتهم من الإيمان، وحكى ابن التين أن ذلك مخصوص بالصحابة لأنهم كانوا ينطقون بالحكمة بخلاف من بعدهم، ثم قال: والصواب أن ذلك يختص بالثقات والمتقين. وقال النووي: الظاهر أن الذي أثنوا عليه شراً كان من المنافقين. قلت: ويستأنس لما قاله بما رواه أحمد من حديث أبي قتادة بإسناد صحيح أنه عَّهِ لم يصلٌ على الذي أثنوا عليه شراً، وصلى على الآخر. وقال البيهقي: فيه: دلالة على جواز ذكر المرء بما يعلمه إذا وقعت الحاجة إليه، نحو سؤال القاضي المزكي ونحوه. ١٣٦٨/١٢٢ - حدَّثنا عَفَّنُ بنُ مُسْلِم قال حدَّثنا دَاوُدُ بنُ أبي الفُرَاتِ عنْ عَبْدِ اللَّهِ ابن بُرَيْدَةَ عنْ أبِي الأَسْوَدِ قال قَدِمْتُ المَدِينَةَ وقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ فَجَلَسْتُ إلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ فَمَرَّ بِهِمْ جَنَازَةٌ فَأَثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْراً فقال عُمَرُ رضي الله تعالى عنهُ وَجَبَتْ ثُمَّ مُّ بِأُخْرَى فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ فَأَثْنِيَ عَلَى صاحِبِهَا خَيْراً فقال عُمَرُ رضي الله تعالى عنهُ وَجَبَتْ ثُمَّ مُوَّ بِالثَّلِئَةِ فَأَثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَّاً فقال وَجَبَتْ فقال أَبُو الأُسْوَدِ فَقُلْتُ وما وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ قال قُلْتُ كَمَا قَالَ النبيُّ عَّهِ أَيْمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرِ أَدْخَلَهُ اللَّه الجَنَّةَ فَقُلْنَا وثَلاثَةٌ قال وثَلاثَةٌ فَقُلْنَا واثْنَان قالَ واثْنَانِ ثُمَّ لَمْ تَسْألُهُ عنِ الوَاحِدِ. [الحديث ١٣٦٨ - طرفه في: ٢٦٤٣]. مطابقته للترجمة ظاهرة قوله: ((حدثنا))، كذا وقع لأكثر الرواة، وذكر أصحاب الأطراف ٢٨٣ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٥) أنه أخرجه قائلاً: قال عفان، وبذلك جزم البيهقي، وقال صاحب (التلويح): كذا ذكره البخاري معلقاً عن شيخه، فقال: وقال عفان، وقاله أيضاً أبو العباس الطرقي، وخلف في كتاب (الأطراف): والذي في نسخة سماعنا: حدثنا عفان، وعلى تقدير صحة الأول فقد وصله الإسماعيلي في (صحيحه) فقال: حدثنا أبو القاسم البغوي، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عفان إلى آخره. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عفان، بتشديد الفاء: ابن مسلم، بكسر اللام الخفيفة: الصفار. الثاني: داود بن أبي الفرات، بلفظ النهر المشهور، واسم أبي الفرات: عمرو، وهو كندي ولهم شيخ آخر يقال له: داود بن أبي الفرات، واسم أبيه: بكر، واسم جده: أبو الفرات، وهو أشجعي من أهل المدينة أقدم من الكندي. الثالث: عبد الله بن بريدة، بضم الباء الموحدة، مر في أواخر كتاب الحيض. الرابع: أبو الأسود ظالم بن عمرو بن سفيان من سادات التابعين، ولي البصرة وهو أول من تكلم في النحو بعد علي، رضي الله تعالى عنه، مات سنة سبع وستين، وهو المشهور بالدؤلي، وفيه اختلافات: فقيل، بضمِ الدال وسكون الواو وبالضم والهمزة المفتوحة، قال الأخفش: هو بالضم وكسر الهمزة، إلاَّ أنهم فتحوا الهمزة في النسبة استثقالاً للكسرتين، وياء النسبة، وربما قالوا: بضم الدال وفتح الواو المقلوبة عن الهمزة، وقال ابن الكلبي: بكسر الدال وقلب الهمزة ياء. الخامس: عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: عفان بن مسلم الصفار مذكور في بعض النسخ بالصفار وفي بعضها بدونه. وفيه: رواية عبد الله بن بريدة معنعنة عن أبي الأسود، وذكر الدارقطني في كتاب (التتبع) عن علي بن المديني أن ابن بريدة إنما يروي عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود، ولم يقل في هذا الحديث: سمعت أبا الأسود، قيل: إن ابن بريدة ولد في عهد عمر، رضي الله تعالى عنه، فقد أدرك أبا الأسود بلا ريب، لكن البخاري، رضي الله تعالى عنه، لا يكتفي بالمعاصرة فلعله أخرجه شاهداً، واكتفى للأصل بحديث أنس الذي قبله. وفيه: قال الكرماني: ورجال الإسناد كلهم بصريون. قلت: داود مروزي، ولكنه تحول إلى البصرة، وهو من أفراد البخاري. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الشهادات عن موسى ابن إسماعيل عن داود بن أبي الفرات، وأخرجه الترمذي في الجنائز، وقال: حدثنا يحيى بن موسى وهارون بن عبد الله البزار، قالا: حدثنا أبو داود الطيالسي حدثنا داود بن أبي الفرات حدثنا عبد الله بن بريدة ((عن أبي الأسود الدؤلي، قال: قدمت المدينة فجلست إلى عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، فمروا بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال عمر: وجبت، فقلت لعمر: ما وجبت؟ قال: أقول كما قال رسول الله عَّ له، قال: ما من مسلم يشهد له ثلاثة إلاَّ وجبت له الجنة. قلنا: وإثنان؟ قال: وإثنان، قال: ولم نسأل رسول الله عَ لَّه عن الواحد)). قال ٢٨٤ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٥) أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه النسائي وفي لفظه: ((أربعة)) مثل لفظ البخاري. ذكر معناه: قوله: ((قدمت المدينة) أي: مدينة النبي عَ لآه. قوله: ((وقد وقع مرض))، جملة حالية، وزاد البخاري في الشهادات عن موسى بن إسماعيل عن داود بن أبي الفرات: ((وهم يموتون موتاً ذريعاً)، وهو بالذال المعجمة، أي: سريعاً. قوله: ((فجلست إلى عمر))، يحتمل أن يكون إلى ههنا على بابه بمعنى الانتهاء والغاية، والمعنى انتهى جلوسي إلى عمر، رضي الله تعالى عنه، والأوجه أن يكون إلى ههنا بمعنى: عند، أي: جلست عند عمر كما قال في قول الشاعر: أم لا سبيل إلى الشباب وذكره أشهى إلى من الرحيق السلسل قوله: ((فأثنى على صاحبها خيراً) بنصب: خيراً، في أكثر الأصول، وكذا شراً. ويروى: ((خير وشر))، بالرفع فيهما، وأثني على صيغة المجهول. فوجه النصب ما قاله ابن بطال: إنه أقام الجار والمجرور مقام المفعول الأول، وخيراً مقام المفعول الثاني. وقال ابن مالك: خيراً، صفة لمصدر محذوف وأقيمت مقامه فنصب لأن: أثنى، مسند إلى الجار والمجرور، والتفاوت بين الإسناد إلى المصدر والإسناد إلى الجار والمجرور قليل. وقال النووي: هو منصوب بإسقاط الجار أي: فأثنى عليها بخير، ووجه الرفع ظاهر، وهو أن: أُثنى، مسند إليه، وقال ابن التين: الصواب بالرفع، وفي نصبه بعد في اللسان. قوله: ((وجبت)) أي: الجنة، كما ذكرنا. قوله: ((قال أبو الأسود)) وهو الراوي المذكور، وهو بالإسناد المذكور. قوله: ((وما وجبت؟)) استفهام عن معنى الوجوب فيهما مع اختلاف الثناء بالخير والشر. قوله: ((أيما مسلم ... )) إلى آخره، مقول قول النبي، عَّله، قوله: ((شهد له أربعة)) أي: أربعة من المسلمين، وفي رواية الترمذي: ثلاثة، كما ذكرنا. فإن قلت: ما الحكمة فى اختلاف هذا العدد حيث جاء أربعة وثلاثة واثنان؟ قلت: لاختلاف المعاني، لأن الثناء قد يكون بالسماع الفاشي على الألسنة فاستحب في ذلك التواتر والكثرة، والشهادة لا تكون إلاَّ بالمعرفة بأحوال المشهود له، فيأتي في ذلك أربعة شهداء، لأن ذلك أعلى ما يكون من الشهادة، ألا يرى أن الله تعالى جعل في الزنى أربعة شهداء، فإن قصروا يأتي فيه ثلاثة، فإن قصروا فيه يأتي فيه شاهدان؟ لأن ذلك أقل ما يجزي في الشهادة على سائر الحقوق رحمةً من الله تعالى لعباده المؤمنين، وتجاوزاً عنهم حيث أجرى أمورهم في الآخرة على نمط أمورهم في الحياة الدنيا، ولهذا لم يسألوا النبي، عَّله، عن الواحد، حيث قال: ((ثم لم نسأله عن الواحد)) أي: ثم لم نسأل النبي عَّلِ عن ثناء الشخص الواحد: هل يكتفى به؟ وذلك أن هذا المقام مقام عظيم فلا يكتفى فيه بأقل من النصاب. فإن قلت: هل يختص الثناء الذي ينفع الميت بالرجال أم يشترك فيه الرجال والنساء، فإذا قلنا: يشتركون فيه، فهل يكتفي في ذلك بامرأتين؟ أو لا بد من رجل وامرأتين أو أربع ٢٨٥ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٥) نسوة؟ قلت: الظاهر الاكتفاء باثنين مسلمين، وإنه لا يحتاج إلى قيام امرأتين مقام رجل واحد، وروى الطبراني في معجمه الكبير من رواية إسحاق بن إبراهيم بن قسطاس عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله عَ لَّه يوماً لأصحابه: ((ما تقولون في رجل قتل في سبيل الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال الجنة، إن شاء الله تعالى، قال: فما تقولون في رجل مات فقام رجلان ذوا عدل فقالا: لا نعلم إلاَّ خيراً؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: الجنة إن شاء الله تعالى، قال: فما تقولون في رجل مات فقام رجلان ذوا عدل، فقالا: لا نعلم خيراً، فقالوا: النار، قال رسول الله عَ لّهِ: مذنب، والله غفور رحيم)). فقد يقال: لا يكتفى بشهادة النساء، ألا يُرى أن النبي عَّلَّه لم يكتف بشهادة المرأة التي أثنت على عثمان بن مظعون بقولها: شهادتي عليك أبا السائب، فقال لها: وما يدريك؟ وقد يجاب عنه: بأنه إنما أنكر عليها القطع بأن الله أكرمه، وذلك مغيب عنها، بخلاف الشهادة للميت بأفعاله الجميلة التي كان متلبساً بها في الحياة الدنيا، والحديث الذي فيه قضية عثمان بن مظعون رواه الحاكم من حديث حارثة بن زيد: أن أم العلاء امرأة من الأنصار قد بايعت رسول الله عَّم أخبرته أنهم اقتسموا للمهاجرين قرعة، فطار لنا عثمان بن مظعون فأنزلناه في أبياتنا، فوجع وجعه الذي مات فيه، فلما توفي وغسل وكفن في أثوابه دخل رسول الله عَ ليه فقلت: يا عثمان بن مظعون، رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك، لقد أكرمك الله تعالى، فقال رسول الله عَّ له: وما يدريك أن الله أكرمه؟ فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فمن؟ فقال رسول الله، عَّ له: أما هو فقد جاءه اليقين فوالله إني لأرجو له الخير والله ما أدري وأنا رسول الله ماذا يفعل بي قالت فوالله ما أزكي بعده أحداً). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. فإن قلت: هل يختص الثناء الذي ينفع الميت بكونه ممن خالطه وعرف حاله أم هو على عمومه؟ قلت: الظاهر الأول بدليل قوله، عَّةٍ، في حديث أنس الذي رواه أبو يعلى الموصلي في (مسنده) بإسناد صحيح، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة من أهل أبيات من جيرانه الأدنين أنهم لا يعلمون إلاّ خيراً، إلاَّ قال الله تعالى: قد قبلت علمكم وغفرت له ما لا تعلمون)). فإن قلت: هل ينفع الثناء على الميت بالخير وإن خالف الواقع أم لا بد أن يكون الثناء عليه مطابقاً للواقع؟ قلت: قال شيخنا زين الدين، رحمه الله: فيه قولان للعلماء أصحهما أن ذلك ينفعه، وإن لم يطابق الواقع لأنه لو كان لا ينفعه إلاَّ بالموافقة لم يكن للثناء فائدة، ويؤيد هذا ما رواه ابن عدي في (الكامل) من رواية فرات بن السائب عن ميمون بن مهران عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، عن النبي عَّم قال: ((إن العبد سيرزق الثناء والستر والحب من الناس حتى تقول الحفظة: ربنا إنك تعلم ونعلم غير ما يقولون، فيقول: أشهدكم أني قد غفرت له ما لا يعلمون، وقبلت شهادتهم على ما يقولون)). فإن قلت: الحديث المذكور الذي رواه أبو يعلى يدل على أن المراد الثناء المطابق بدليل قوله: ((قد قبلت علمكم))، والعلم لا يخالف الواقع. قلت: المراد بالعلم: الشهادة، كما في الحديث المذكور الذي رواه أبو ٢٨٦ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٦) يعلى عن ابن عمر، وكذلك في (مسند أحمد) في هذا الحديث عن أبي هريرة: ((قد قبلت شهادتهم))، ومعنى قوله: ((غفرت له ما لا يعلمون))، أي: من الذنوب التي لم يطلعوا عليها. فإن قلت: هل تشترط في هذه الشهادة العدالة كسائر الشهادات؟ أم تكفي في ذلك شهادة المسلمين وإن لم يكونوا بوصف العدالة المشترطة في الشهادة؟ قلت: يدل على الأول حديث كعب بن عجرة الذي ذكرناه آنفاً، لأنه قال فيه: ((فقام رجلان ذوا عدل))، وعلى الثاني يدل ظاهر حديث الباب، ومع هذا الأصل في الشهادة العدالة. ذكر ما يستفاد منه: فيه: فضيلة هذه الأمة. وفيه: إعمال الحكم بالظاهر. وفيه: جواز ذكر المرء بما فيه من خير أو شر للحاجة، ولا يكون ذلك من الغيبة، وذكر الغزالي والنووي إباحة العلماء الغيبة في ستة مواضع، فهل تباح في حق الميت أيضاً؟ وإن ما جاز غيبة الحي به جازت غيبة الميت به، أم يختص جواز الغيبة في هذه المواضع المستثناة بالأحياء، ينبغي أن ينظر في السبب المبيح للغيبة إن كان قد انقطع بالموت كالمصاهرة والمعاملة، فهذا لا يذكر في حق الميت، لأنه قد انقطع ذلك بموته، وإن لم ينقطع ذلك بموته كجرح الرواة وكونه يؤخذ عنه اعتقاد أو نحوه فلا بأس بذكره به ليحذر ويتجنب. وفيه: جواز الشهادة قبل الاستشهاد. وفيه: اعتبار مفهوم الموافقة لأنه سأل عن الثلاثة ولم يسأل عما فوق الأربعة كالخمسة مثلاً. وفيه: أن مفهوم العدد ليس دليلاً قطعياً، بل هو في مقام الاحتمال. ٨٦ - بابُ ما جاءَ في عَذَابِ القَبْرِ وقولهُ تعالى: ﴿وَلَوْ تَرِى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتٍ المَوْتِ وَالمَلائِكَةُ باسِطُوا أيِدِيهِمْ أخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ الِيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣]. الهُونُ هُوَ الهَوَانُ وَالْهَوْنُ الرَّفْقُ. وقولُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿سَنُعَذْبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثْمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠١]. وَقُولُهُ تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلٍ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذَابِ النَّارُ يُغْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوَّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥ - ٤٦]. أي: هذا باب في بيان ما جاء من الأخبار في حقية عذاب القبر، وأشار بهذه الترجمة إلى مجرد وجود عذاب القبر دون التعرض أنه يقع على الروح وحده أو عليه وعلى البدن. وفي هذا الباب خلاف مشهور بين أهل السنة والمعتزلة، وقد بسطنا الكلام فيه في: باب الميت يسمع خفق النعال، ثم إن البخاري ذكر هذه الآيات الكريمة الثلاث تنبيهاً على ثبوت ذكر عذاب القبر في القرآن، ورداً على من ادعى عدم ذكره في القرآن، وأن ذكره ورد في أخبار الآحاد الآية الأولى هو قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿ولو ترى إذ الظالمون﴾ [الأنعام: ٩٣]. أشار إليها بقوله، و: قوله تعالى، بالجر عطفاً على قوله: عذاب القبر. قوله: ﴿ولو ترى﴾ [الأنعام: ٩٣]. خطاب للنبي، عَّه، وجواب: لو، محذوف أي: لرأيت أمراً عجيباً عظيماً وكلمة إذ ظرف مضاف إلى جملة إسمية، وهي قوله: ﴿الظالمون في غمرات ٢٨٧ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٦) الموت﴾ [الأنعام: ٩٣]. وقال الزمخشري: يريد الظالمين الذين ذكرهم من اليهود والمتنبئة فتكون اللام للعهد، ويجوز أن تكون للجنس فيدخل فيه هؤلاء لاشتماله، وقال غيره: المراد من الظالمين هؤلاء قوم كانوا أسلموا بمكة أخرجهم الكفار إلى قتال بدر، فلما أبصروا أصحاب رسول الله عَ ليه رجعوا عن الإيمان، وقيل: هم الذين قالوا: ﴿ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ [الأنعام: ٩١]. قوله: ﴿في غمرات الموت﴾ [الأنعام: ٩٣]. أي: في شدائده وسكراته وكرباته وهو جمع غمرة، وأصل الغمرة ما يغمر من الماء فاستعيرت للشدة الغالبة. قوله: ﴿باسطوا أيديهم﴾ [الأنعام: ٩٣]. قال الزمخشري: يبسطون إليهم، يقول: هاتوا أرواحكم أخرجوها إلينا من أجسادكم، وهذه عبارة عن العنف في السياق والإلحاح والتشديد في الإزهاق من غير تنفيس، وإمهال. وقال الضحاك وأبو صالح: باسطوا أيديهم بالعذاب، وروى الطبراني وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، في قوله تعالى: ﴿ولو ترى إذ الظالمون﴾ [الأنعام: ٩٣]. الآية، قال: هذا عند الموت، والبسط: الضرب، يضربون وجوههم وأدبارهم. فإن قلت: الترجمة في عذاب القبر، وهذا قبل الدفن؟ قلت: هذا من جملة العذاب الواقع قبل يوم القيامة وإضافة العذاب إلى القبر لكثرة وقوعه على الموتى في القبور، وإلاَّ فالكافر، ومن شاء الله تعذيبه من العصاة يعذب بعد موته، ولو لم يدفن، ولكن هذا محجوب عن الخلق إلاَّ من شاء الله تعالى لحكمة اقتضت ذلك. قوله: ﴿أخرجوا أنفسكم﴾ [الأنعام: ٩٣]. أي: تقول الملائكة أخرجوا أنفسكم، وذلك لأن الكافر إذا احتضر بشرته الملائكة بالعذاب والنكال والسلاسل والجحيم وغضب الرحمن الرحيم، فتفرق روحه في جسده ويعصي ويأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم قائلين لهم: أخرجوا أنفسكم. وقيل: معناه أخرجوا أنفسكم من العذاب إن قدرتم تقريعاً لهم وتوبيخاً. واختلف في النفس والروح فقال القاضي أبو بكر وأصحابه: إنهما إسمان لشيء واحد. وقال ابن حبيب: الروح هو النفس الجاري يدخل ويخرج لا حياة للنفس إلاَّ به. والنفس يألم ويلذ، والروح لا يألم ولا يلذ، وعن ابن القاسم عن عبد الرحمن بن خلف: بلغني أن الروح له جسد ويدان ورجلان ورأس وعينان يسل من الجسد سلاً، وعن ابن القاسم: الروح مثل الماء الجاري. قوله: ﴿اليوم تجزون عذاب الهون﴾ [الأنعام: ٩٣]. أي: اليوم تهانون غاية الإهانة بما كنتم تكفرون على الله وتستكبرون عن اتباع آياته والانقياد لرسله. وقال الزمخشري: اليوم تجزون، يجوز أن يريدوا وقت الإماتة، وما يعذبون به من شدة النزع، وأن يريدوا الوقت الممتد المتطاول الذي يلحقهم فيه العذاب في البرزخ والقيامة، وفسر البخاري الهون بقوله: هو الهوان، وهو الهوان الشديد وإضافة العذاب إليه كقولك: رجل سوء يريد العراقة في الهون والتمكن فيه. قوله: ((والهون الرفق)) أي: الهون، بفتح الهاء معناه الرفق ما قال في قوله: ﴿الذين يمشون على الأرض هوناً﴾ [الفرقان: ٦٣]. أي برفق وسكينة. الآية الثانية هي قوله: ﴿سنعذبهم مرتين﴾ [التوبة: ١٠١]. أشار إليها بقوله: وقوله، عز ٢٨٨ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٦) وجل، بالجر أيضاً عطفاً على ما قبله، وهذه الآية في سورة البراءة، وقبلها قوله تعالى: ﴿وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين﴾ [التوبة: ١٠١]. وقال مجاهد: مرتين القتل والسبي، وعنه: العذاب بالجوع وعذاب القبر، وقيل: الفضيحة وعذاب القبر، وروى الطبراني وابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك عن ابن عباس، قال: ((خطب رسول الله عَّه يوم الجمعة، فقال: اخرج يا فلان فإنك منافق، واخرج يا فلان، فإنك منافق، فأخرج من المسجد ناساً منهم فضحهم، فجاء عمر، رضي الله تعالى عنه، وهم يخرجون من المسجد فاختبأ منهم حياءً أنه لم يشهد الجمعة، وظن أن الناس قد انصرفوا، واختبأوا هم عن عمر ظنوا أنه قد علم بأمرهم، فجاء عمر فدخل المسجد فإذا الناس لم يصلوا، فقال له رجل من المسلمين: أبشر يا عمر، فقد فضح الله المنافقين. فقال ابن عباس: فهذا العذاب الأول حين أخرجهم من المسجد، والعذاب الثاني عذاب القبر، وكذا قال الثوري عن السدي عن أبي مالك نحو هذا. الآية الثالثة هي قوله تعالى: ﴿وحاق بآل فرعون﴾ [غافر، ٤٥]. إلى قوله: ﴿أشد العذاب﴾ [غافر، ٤٥]. وهي في سورة المؤمن التي تسمى بسورة غافر أيضاً، ومعنى: ﴿حاق بآل فرعون﴾ [غافر: ٤٥]. يعني: نزل بهم سوء العذاب، يعني شدة العذاب. وقال الزمخشري: وحاق بآل فرعون ما هموا به من تعذيب المسلمين، ورجع عليهم كيدهم، يقال: حاق به الشيء يحيق، أي: أحاطه به، ومنه قوله تعالى: ﴿ولا يحيق المكر السيء إلاَّ بأهله﴾ [فاطر: ٤٣]. وحاق بهم العذاب أي: أحاط بهم، ونزل قوله: ﴿النار يعرضون﴾ [غافر: ٤٦]. بدل من قوله: ﴿سوء العذاب﴾ [غافر: ٤٥]. أو خبر مبتدأ محذوف كأن قائلاً يقول: ما سوء العذاب؟ فقيل: هو النار، أو مبتدأ وخبره: ﴿يعرضون عليها﴾ [غافر: ٤٦]. وعرضهم عليها إحراقهم بها، يقال: عرض الأسارى على السيف إذا قتلهم به، وقرىء: النار، بالنصب وتقديره: يدخلون النار يعرضون عليها، ويجوز أن ينتصب على الاختصاص. وقال ابن عباس: يعرضون يعني: أرواحهم على النار غدواً وعشياً، يعني: في هذين الوقتين. وهكذا قال مجاهد، وقتادة، وقال مقاتل: تعرض روح كل كافر على منازلهم من النار كل يوم مرتين، وقال أبو الليث السمرقندي: الآية تدل على عذاب القبر، لأنه ذكر دخولهم النار يوم القيامة، وذلك أنه يعرض عليهم النار قبل ذلك غدواً وعشياً. وقال ابن مسعود: إن أرواح آل فرعون في أجواف طير سود تعرض على النار مرتين، يقال لهم: هذه داركم. وقال مجاهد: غدواً وعشياً من أيام الدنيا، وقال الفراء: ليس في القيامة غدو ولا عشي، لكن مقدار ذلك، ويرد عليه قوله: ﴿النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة﴾ [غافر: ٤٦]. فدل على أن الأول بمنزلة عذاب القبر، وحديث البراء مفسر للآية، قوله: ﴿ويوم تقوم الساعة﴾ [غافر: ٤٥]. يعني: يقال لهم يوم القيامة: أدخلوا آل فرعون. قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمر: وادخلوا، بضم الهمزة، وهكذا قرأ عاصم في رواية أبي بكر. وقرأ الباقون بفتح الهمزة، فمن قرأ بالضم فمعناه: أدخلوا يا آل فرعون أشد العذاب، فصار الآل نصباً بالنداء، ومن قرأ: أدخلوا، بفتح الهمزة، فمعناه ٢٨٩ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٦) يقال للخزنة: أدخلوا آل فرعون، يعني قوم فرعون أشد العذاب، يعني أشد العقاب، وصار الآل نصباً لوقوع الفعل عليه. ١٣٦٩/١٢٣ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْنَدٍ عنْ سَعْدِ ابن عُبَيْدَةَ عِنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رضي الله تعالى عنهُما عنِ النبي عَِّ. قال إذَا أُفْعِدَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ أُتِيَ ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لا إله إلاَّ الله وأنَّ مُحَمَّداً رسولُ الله فَذَلِكَ قولُهُ ﴿يُثَبِتُ الله الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. [الحديث ١٣٦٩ - طرفه في: ٤٦٩٩]. مطابقته للترجمة من حيث إن أصل الحديث في عذاب القبر، كما صرح به في الرواية الثانية عن محمد بن بشار. وفيها: وزاد ﴿يثبت الله الذين آمنوا﴾ [إبراهيم: ٢٧]. نزلت في عذاب القبر. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: حفص بن عمر بن الحارث الحوضي النمري الأزدي. الثاني: شعبة بن الحجاج. الثالث: علقمة، بفتح العين المهملة وسكون اللام: ابن مرثد، بفتح الميم وسكون الراء وفتح الثاء المثلثة. الرابع: سعد بن عبيدة، بضم العين المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف، مر في آخر الوضوء. الخامس: البراء، بتخفيف الراء: ابن عازب، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: أن شيخه من أفراده وهو بصري وشعبة واسطي وعلقمة وسعد كوفيان. وفيه: شعبة عن علقمة معنعن، وفي التفسير صرح بالإخبار عنه، وكذلك صرح أيضاً بالسماع بين علقمة وسعد. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الجنائز: عن بندار عن غندر، وفي التفسير: عن أبي الوليد. وأخرجه مسلم في صفة النار عن بندار به، وأخرجه أبو داود في السنة عن أبي الوليد به، وأخرجه الترمذي في التفسير عن محمود بن غيلان، وقال: حسن صحيح. وأخرجه النسائي في الجنائز وفي التفسير. وأخرجه ابن ماجه في الزهد جمیعاً عن بندار به. ذكر معناه: قوله: ((أتي))، بضم الهمزة أي حال كونه مأتياً إليه، والآتي الملكان: منكر ونكير. قوله: ((ثم شهد))، كذا هو في رواية الأكثرين، وفي رواية الحموي والمستملي: ((ثم تشهد»، وفي رواية الإسماعيلي عن أبي خليفة عن حفص بن عمر شيخ البخاري: ((إن المؤمن إذا شهد أن لا إله إلاَّ الله وعرف محمداً في قبره فذلك قوله: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ [إبراهيم: ٢٧]. وأخرجه ابن مردويه من هذا الوجه وغيره بلفظ: ((إن النبي عَبٍّ ذكر عذاب القبر، فقال: إن المسلم إذا شهد أن لا إله إلاَّ الله وعرف أن محمداً رسول الله ... )) الحديث. قوله: ((فذلك قوله))، يعني: قول المؤمن لا إله إلاَّ الله، هو قوله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ [إبراهيم: ٢٧). والقول الثابت هو كلمة التوحيد لأنها عمدة القاري / ج٨ / م١٩ ٢٩٠ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٦) راسخة في قلب المؤمن. وقال عبد الرزاق: عن معمر عن ابن طاووسٍ عن أبيه، ﴿ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا﴾ [إبراهيم: ٢٧]. لا إله إلاّ الله، وفي الآخرة قال: المسألة في القبر)). وقال قتادة: أما الحياة الدنيا فيثبتهم بالخير والعمل الصالح، وفي الآخرة في القبر، وكذا روي عن غير واحد من السلف، وذكر ابن كثير في (تفسيره) عن حماد بن سلمة أنه قال: عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَ له: (﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾)) [إبراهيم: ٢٧]. قال: ذلك إذا قيل له في القبر: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد جاء بالبينات من عند الله، فآمنت به وصدقت. فيقال: صدقت، على هذا عشت وعليه مت وعليه تبعث)). وقال أيضاً قال سفيان الثوري عن أبي خيثمة عن البراء في قوله: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا﴾ [إبراهيم: ٢٧]. قال: عذاب القبر. ١٣٦٩/١٢٣م - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنِ بَشَّارٍ قال حدَّثنا غُنْدَرٌ قال حدَّثنا شُعْبَةُ بِهذا وَزَادَ ﴿يُثَبَّتُ اللهِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم: ٢٧]. نَزَلَتْ فِي عَذَابِ القَبْرِ. هذا طريق آخر للبخاري في الحديث المذكور، أخرجه عن محمد بن بشار عن غندر هو محمد بن جعفر، وقد مر غير مرة، وفيه زيادة أشار إليها بقوله: وزاد .. إلى آخره، وبهذه الزيادة أخرجه مسلم: حدثنا محمد بن بشار بن عثمان العبدي حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة ((عن البراء بن عازب عن النبي عَّ له قال: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ [إبراهيم: ٢٧]. قال: نزلت في عذاب القبر)). ١٢٤/ ١٣٧٠ _ حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ قال حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبرَاهِيمَ قال حدَّثَنِي أبي عنْ صَالِحِ قال حدَّثني نافِعٌ أنَّ ابنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما أخبرهُ قال اطَّلَعَ النبيُّ عَ ◌ّهِ عَلَى أَهْلِ القَلِيبِ فقال ﴿وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّا﴾ [الأعراف: ٤٤]. فَقِيلَ لَهُ أَتَدْعُو أَمْوَاتاً فقال ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لاَ يُجِيبُونَ. [الحديث ١٣٧٠ - طرفاه في: ٣٩٨٠، ٤٠٢٦ ]. مطابقته للترجمة من حيث إن النبي عَّ شاهد أهل القليب، قليب بدر، وهم يعذبون فلذلك قال: ﴿وجدتم ما وعد ربكم حقاً﴾ [الأعراف: ٤٤]. يعني: من العذاب في القبر قبل يوم القيامة. ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: علي بن عبد الله المعروف بابن المديني. الثاني: يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري. الثالث: أبوه إبراهيم بن سعد. الرابع: صالح بن كيسان أبو محمد. الخامس: نافع مولى ابن عمر. السادس: عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنهم. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في ٢٩١ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٦) موضعين. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في موضع. وفيه: أن رواته مدنيون. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي فإن صالحاً رأى عبد الله بن عمر، قاله الواقدي، وقال: مات بعد الأربعين والمائة. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في المغازي: حدثني عثمان حدثنا عبدة عن هشام عن أبيه عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، قال: ((وقف النبي عَِّ على قليب بدر، فقال: هل ﴿وجدتم ما وعد ربكم حقاً ... ﴾ [الأعراف: ٤٤]. الحديث. وأخرجه مسلم في الجنائز عن أبي كريب وأبي بكر بن أبي شيبة وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن آدم. ذكر معناه: قوله: ((إطلع)) أي: شاهد أهل القليب، وحضر عندهم وهم: أبو جهل بن هشام وأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة واطلع عليه وهم مقتولون فقال ما قال، ثم أمرهم فسحبوا فألقوا في قليب بدر، والقليب، بفتح القاف وكسر اللام وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره باء موحدة: وهو البئر قبل أن يطوى، يذكر ويؤنث، وقال أبو عبيد: هي البئر العادية القديمة وجمع القلة: أقلبة، والكثير: قلب، بضمتين والمراد به ههنا: قليب بدر، وبينه في الحديث بقوله: ((قليب بدر)) بالجر لأنه بدل عن قوله: ((أهل القليب)). قوله: ((وهم ((وجدتم ما وعد ربكم حقا﴾ صَلى الله. يعذبون)) جملة حالية، ولما رآهم وهم يعذبون قال عليه. [الأعراف: ٤٤]. قوله: ((فقيل له)) أي: للنبي عَّهِ، والقائل هو عمر، رضي الله تعالى عنه، وصرح به في رواية مسلم في رواية أنس، رضي الله تعالى عنه، ((أن رسول الله عَّ له ترك قتلى بدر ثلاثاً، ثم أتاهم فقام عليهم فناداهم، فقال: يا أبا جهل ابن هشام يا أمية بن خلف يا عتبة ابن ربيعة يا شيبة بن ربيعة أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً، فسمع عمر، رضي الله تعالى عنه، قول النبي عَّ ◌ُلِّ فقال: يا رسول الله كيف يسمعوا وأنى يجيبوا وقد جيفوا؟ فقال عَّةٍ: ((والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم. ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا ثم أمر بهم فسحبوا فألقوا في قليب بدر)). قوله: ((ولكن لا يجيبون))، أي لا يقدرون على الجواب فعلم أن في القبر حياة فيصلح العذاب فيه. ١٣٧١/١٢٥ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ هِشَام بنِ عُرِوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ إَّمَا قال النبيُّ عَُّلّهِ إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ الآنَ أنَّ ما كُنْتُ أَقُولُ حَقٌّ وقَدْ قال الله تعالى ﴿إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ المَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] [الحديث ١٣٧١ - طرفاه في: ٣٩٧٩، ٣٩٨١]. مطابقته للترجمة في قوله: ((إنهم يعلمون الآن أن ما كنت أقول حق))، والذي كان يقوله هو من عذاب القبر وغيره. فإن قلت: ما وجه ذكر حديث ابن عمر وحديث عائشة وهما متعارضان في ترجمة عذاب القبر؟ قلت: لما ثبت من سماع أهل القليب كلامه وتوبيخه لهم دل إدراكهم كلامه بحاسة السمع على جواز إدراكهم ألم العذاب ببقية الحواس ٢٩٢ ٢٣ - كِتَابُ الجَنّائِزِ / باب (٨٦) فحسن ذكرهما في هذه الترجمة ثم التوفيق بين الخبرين أن حديث ابن عمر محمول على أن مخاطبة أهل القليب كانت وقت المساءلة ووقتها وقت إعادة الروح إلى الجسد وقد ثبت في الأحاديث الأخرى أن الكافر المسؤول يعذب، وأن حديث عائشة محمول على غير وقت المساءلة، فبهذا يتفق الخبران. ذكر رجاله: وهم قد ذكروا، وعبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم الكوفي وسفيان هو ابن عيينة. وفي سنده التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع. ذكر معناه: قوله: ((إنما قال النبي عَّله))، جاء بلفظ: إنما، وهي للحصر، قال الكرماني: وكان حديث ((ما أنتم بأسمع منهم)) لم يثبت عندها، ومذهبها أن أهل القبور يعلمون ما سمعوا قبل الموت ولا يسمعون بعد الموت. انتهى. قلت: هذا من عائشة يدل على أنها ردت رواية ابن عمر المذكورة، ولكن الجمهور خالفوها في ذلك وقبلوا حديث ابن عمر، رضي الله تعالى عنه، لموافقة من رواه غيره عليه. وقال السهيلي: عائشة لم تحضر قول النبي عَ ظله، فغيرها ممن حضر أحفظ للفظ النبي عَ له: وقد قالوا: يا رسول الله أتخاطب قوماً قد جيفوا؟ فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، قال: وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحال عالمين، جاز أن يكونوا سامعين أيا ما كان روسهم، كما هو قول الجمهور، أو يأذن الروح على رأي من يوجه السؤال إلى الروح من غير رجوع الجسد. قال: وأما الآية فإنها كقوله تعالى: ﴿أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي﴾ [الزخرف: ٤٠]. أي: إن الله هو الذي يسمع ويهدي. وقال ابن التين: لا معارضة بين حديث ابن عمر والآية، لأن الموتى لا يسمعون، لا شك، لكن إذا أراد الله إسماع ما ليس من شأنه السماع لم يمتنع، كقوله تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة ... ﴾ [الأحزاب: ٧٢]. الآية. وقوله: ﴿فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً﴾ [فصلت: ١١]. الآية وإن النار اشتكت إلى ربها، ويكون معنى قوله: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ [النمل: ٨٠]. مثل قوله: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ [القصص: ٥٦]. ثم قوله تعالى: ﴿إِنك لا تسمع الموتى﴾ [النمل: ٨٠]. في سورة النمل، وقبله: ﴿فتوكل على الله إنك على الحق المبين إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين﴾ [النمل: ٧٩ و٨٠]. قال أبو الليث السمرقندي، رحمه الله: هذا مثل ضربه للكفار، فكما أنك لا تسمع الموتى فكذلك لا تفقه كفار مكة ولا تسمع الصم الدعاء، قرأ ابن كثير: ولا يسمع الصم، بفتح الياء وبضم الصم، على أنه فاعل: لا يسمع، والباقون: ولا تسمع، بالخطاب ونصب: الصم، على المفعولية، والصم جمع: الأصم. قوله: ﴿إِذا ولوا مدبرين﴾ [النمل: ٨٠]. تأكيد لحال الأصم، لأنه إذا تباعد عن الداعي بأن تولى عنه مدبراً كان أبعد عن إدراك صوته. ١٢٦/ ١٣٧٢ - حدَّثنا عَبْدَانُ قال أخبرني أبي عنْ شُعْبَةَ قال سَمِعْتُ الأَشْعَثَ عنْ ٢٩٣ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِرِ / باب (٨٦) أبِيهِ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عَائِشَة رضي الله تعالى عنها أنَّ يهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا فَذَكَرَتْ عَذَابَ القَبْرِ فقالَتْ لَهَا أعَاذَكِ الله مِنْ عَذَابِ القَبْرِ فَسَألَتْ عَائِشَةُ رسولَ الله عَ لِّ عِنْ عَذَابِ القَبْرِ فقال نَعَمْ عَذَابُ القَبْرِ قالَتْ عَائِشَةُ رضي الله تعالى عنها فَمَا رَأيْتُ رسولَ اللهِ عَ لَّهِ بَعْدُ صَلَى صَلاَةً إِلاَّ تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. [انظر الحديث ١٠٤ وطرفيه]. مطابقته للترجمة ظاهرة لا تخفى. ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: عبدان، لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة، وقد مر غير مرة. الثاني: أبوه عثمان بن جبلة بن أبي رواد، واسمه ثابت. الثالث: شعبة بن الحجاج. الرابع: الأشعث، بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح العين المهملة وفي آخره ثاء مثلثة، الخامس: أبوه أبو الشعثاء بالمد، واسمه: سليم بن الأسود المحاربي. السادس: مسروق بن الأجدع بالدال. السابع: أم المؤمنين عائشة. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد كذلك. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: السماع، وفي رواية أبي داود الطيالسي عن شعبة عن أشعث: سمعت أبي. وفيه: رواية الابن عن الأب في موضعين. وفيه: شيخه مذكور بلقبه وأنه مروزي أصله من البصرة، وأبوه بصري وشعبة واسطي والثلاثة البقية كوفيون. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابية، فإن أبا الشعثاء روى عن حذيفة وأبي هريرة. ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الصلاة عن هناد عن أبي الأحوص، وأخرجه النسائي فيه عن ابن بشار عن غندر، ولم يذكر قصة اليهودية. ذكر معناه: قوله: ((قال: نعم عذاب القبر حق))، كذا هو في رواية الحموي والمستملي، وفي رواية الأكثرين: ((عذاب القبر)) فقط بدون لفظ حق، وقال بعضهم: رواية المستملي ليست بجيدة لأن المصنف قال عقيب هذا الطريق: زاد غندر ((عذاب القبر حق))، فبين أن لفظة: حق، ليست في رواية عبدان عن أبيه عن شعبة، وأنها ثابتة في رواية غندر يعني عن شعبة وهو كذلك، وقد أخرج طريق غندر النسائي والإسماعيلي كذلك. قلت: قوله: ((زاد غندر: عذاب القبر حق)) ليس بموجود في كثير من النسخ، ولئن سلمنا وجود هذا فلا نسلم أنه يستلزم حذف الخبر، مع أن الأصل ذكر الخبر، وكيف ينفي الجودة من رواية المستملي مع كونها على الأصل؟ فماذا يلزم من المحذور إذا ذكر الخبر في الروايات كلها. قوله: ((بعد))، مبني على الضم، أي: بعد ذلك. قوله: ((إلاَّ تعوذ)) أي: إلاَّ صلاة تعوذ فيها، وقد تقدم في: باب التعوذ من عذاب القبر، في الكسوف من طريق عمرة ((عن عائشة أن يهودية جاءت تسألها، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر؟ فسألت عائشة رسول الله، عَّ ◌ُله، أيعذب الناس في قبورهم؟ فقال رسول الله عَّ له عائذاً بالله من ذلك، ثم ركب ذات غداة مركباً فخسفت الشمس ... )) الحديث ووقع عند البخاري أيضاً من رواية أبي وائل عن ٢٩٤ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٦) مسروق، في الدعوات ((دخل عجوزان من عجز يهود المدينة، فقالتا: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم))، والتوفيق بين الروايتين من حيث إن إحداهما تكلمت وأقرتها الأخرى، على ذلك، فنسب القول إليهما مجازاً. فإن قلت: روى مسلم من طريق ابن شهاب عن عروة ((عن عائشة، قالت: دخلت على امرأة من اليهود وهي تقول: هل شعرت أنكم تفتنون في القبور؟ قالت: فارتاع رسول الله عَ لّه، وقال: إنما تفتن يهود، قالت عائشة: فلبثنا ليالي، ثم قال رسول الله عَّةٍ: هل شعرت أنه أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور؟ قالت عائشة: فسمعت رسول الله عَّ لم يستعيذ من عذاب القبر))، فهذه الرواية مخالفة للرواية الأولى. قلت: قال الطحاوي: هما قضيتان سمع اليهودية فقال: إنما تفتن اليهود، ثم أعلم بذلك ولم يعلم عائشة، فجاءت اليهودية مرة أخرى فذكرت لعائشة ذلك فأنكرت عليها مستندة إلى الإنكار الأول، فأعلمها النبي عَ لَّهِ بأن الوحي نزل بإثباته. وقال الكرماني، رحمه الله؛ يحتمل أنه كان يتعوذ قبل ذلك سراً. ولما رأى استغرابها حيث سمعت من اليهودية أعلن ليترسخ ذلك في عقائد أمته ويكونوا على حذر من فتنته. قلت: كأنه لم يطلع على رواية ابن شهاب المذكورة من (صحيح مسلم) فلذلك ذكر ما ذكره بالاحتمال، ووقع صريحاً بأنه عَّه، لم يكن عنده علم بعذاب القبر لهذه الأمة، وهو ما رواه أحمد في (مسنده) بإسناد صحيح على شرط البخاري: عن سعيد بن عمرو بن سعيد الأموي ((عن عائشة، رضي الله تعالى عنها: أن يهودية كانت تخدمها فلا تصنع عائشة إليها شيئاً من المعروف إلاَّ قالت لها اليهودية: وقاك الله تعالى عذاب القبر، قالت: فقلت: يا رسول الله! هل للقبر عذاب؟ قال: كذبت يهود، لا عذاب دون يوم القيامة، ثم مكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار وهو ينادي بأعلى صوته: أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر، فإن عذاب القبر حق)). وفي هذا كله أنه عَ لّ إنما علم بحكم عذاب القبر إذ هو بالمدينة في آخر الأمر. فإن قلت: الآية، أعني قوله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا﴾ [إبراهيم: ٢٧]. مكية، وكذلك قوله تعالى: ﴿النار يعرضون عليها غدواً وعشياً﴾ [غافر: ٤٦]. قلت: أجيب بأن عذاب القبر يؤخذ من الآية الأولى بطريق المفهوم في حق من لم يتصف بالإيمان، وكذا بالمنطوق وفي الآية الثانية في حق آل فرعون، والتحق بهم من كان له حكمهم من الكفار، فالذي أنكره النبي ◌َّهِ إنما هو وقوع عذاب القبر على الموحدين، ثم أعلم عَّ ل أن ذلك قد يقع على من شاء الله منهم، فجزم به وحذر منه وبالغ في الاستعاذة منه، تعليماً لأمته، وإرشاداً، فزال التعارض، والله أعلم. ذكر ما يستفاد منه: فيه: أن عذاب القبر حق وأنه ليس بخاص بهذه الأمة. وفيه: جواز التحدث عن أهل الكتاب إذا وافق قول الرسول، عَ له. وفيه: التوقف عن خبرهم حتى يعرف أصدق هو أم كذب. وفيه: استحباب التعوذ من عذاب القبر عقيب الصلاة لأنه وقت إجابة الدعوة. وفيه: جواز دخول اليهودية عند المسلمات. وفي حديث أحمد، جواز استخدام أهل الذمة. ٢٩٥ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٦) ١٢٧/ ١٣٧٣ - حدَّثنا يَخْتَى بنُ سُلَيْمَانَ قال حدَّثنا ابنُ وَهَبٍ قال أخبرني يُونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ قال أخبرني عُزْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّهُ سَمِعَ أسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهما تَقُولُ قامَ رَسُولُ اللهِ عَلَِّ خَطِيباً فَذَكَرَ فِتْنَةَ القَبْرِ الَّتِي يَفْتَتِنُ فِيهَا المَرْءُ فَلَمَّا ذَكَرَ ذُلِكَ ضََّ المُسْلِمُونَ ضََّةٌ زَادَ غُنْدَرٌّ عَذَابُ القَبْرِ. [أنظر الحديث ٨٦ وأطرافه]. مطابقته للترجمة من حيث إن فتنة القبر أعم من المساءلة وغيرها من العذاب، بل عين المساءلة عذاب في حق الكفار، ولهذا أخرج النسائي أيضاً هذا الحديث في: باب التعوذ من عذاب القبر، قال: أخبرنا سليمان بن داود عن ابن وهب، قال: أخبرني يونس، قال ابن شهاب: أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع أسماء بنت أبي بكر تقول: ((قام رسول الله عَ ليه فذكر فتنة القبر التى يفتتن المرء فيها في قبره، فلما ذكر ذلك ضج المسلمون ضجة حالت بيني وبين أن أفهم رسول الله عَّه، فلما سكتت ضجتهم قلت لرجل قريب عني: أي بارك الله فيك، ماذا قال رسول الله عَّم في آخر قوله؟ قال: قد أوحي إلي إنكم تفتنون في القبور قريباً من فتنة الدجال)). وأخرجه البخاري كما تراه مختصراً عن يحيى بن سليمان أبي سعيد الجعفي الكوفي نزيل مصر عن عبد الله بن وهب المصري عن يونس بن يزيد الأيلي عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني عن عروة بن الزبير بن العوام إلى آخره. قوله: ((خطيباً))، نصب على الحال. قوله: ((التي تفتتن)) صفة للفتنة، يعني ذكر الفتنة بتفاصيلها : كما يجري على المرء في قبره، ومن ثمة ضج المسلمون وصاحوا وجزعوا، والتنوين في ضجة، للتعظيم. قوله: ((زاد غندر: عذاب القبر))، غندر، بضم الغين: وهو محمد بن جعفر، وقد مر غير مرة. قيل: وقع: زاد غندر، في بعض النسخ عقيب حديث أسماء وهو غلط. قلت: دعوى الغلط بلا دليل غلط، فإن كان دليله أن غندراً إنما رواه عن شعبة، وحديث أسماء ليس فيه عن شعبة، فنقول: هذا ليس بشيء لأن رواية غندر عن شعبة لا تستلزم نفي روايته عن غيره في حديث أسماء، فافهم. ١٣٧٤/١٢٨ - حدّثنا عَيَّاشُ بنُ الوَلِيدِ قال حدَّثنا عَبْدُ الأَعْلَى قال حدثنا سَعِيدٌ عنْ قَتَادَةَ عنْ أَنَسِ بنِ مالِكِ رضي الله تعالى عنهُ أنَّهُ حدَّثَهُمْ أنَّ رسولَ الله عَ لَّهِ قال: إنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ أَتَاهُ مَلَكَانٍ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولانِ ما كُنْتُ تَقُولُ فِي لهذا الرَّجُلَ لِمُحَمَّدٍ عََّلِ فَأمَّا المُؤْمِنُ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أنَّهُ عَبْدُ الله ورَسُولُهُ فَيُقَالُ لَهُ انْظُرْ إلَى مَفْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللّه بِهِ مَفْعَداً مِنَ الجنَّةِ فَيَراهُمَا جَمِيعاً. قال قَتَادَةُ وذُكِرَ لَنَا أنَّهُ يُفْسَحُ في قَبْرِهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى حَدِيثٍ أَنَسٍ قال وَأَمَّا المُنَافِقُ وَالكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ ما كُنْتَ تَقُولُ فِي هذا الرَّجُلِ فَيَقُولُ لاَ أدْرِي كُنْتُ أَقُولُ ما يَقُولُهُ النَّاسُ فَيُقَالُ لاَ دَرَيْتَ وَلاَ تَلَيْتَ وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ النَّقَلَيْنِ. [أنظر الحديث ١٣٣٨]. مطابقته للترجمة في قوله: ((ويضرب بمطارق من حديد))، إلى آخره، وقد مضى ٢٩٦ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٦) الحديث في: باب الميت يسمع خفق النعال، فإنه أخرجه هناك بهذا الإسناد بعينه: عن عياش عن عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة .. إلى آخره، وأخرجه هنا أيضاً عن عياش، بتشديد الياء آخر الحروف وبالشين المعجمة، عن عبد الأعلى كذلك عن سعيد بن أبي عروبة كذلك إلى آخره، وقد مضى الكلام فيه هناك مستوفىّ. ذكر معناه: نذكر هنا ما لم نذكره هناك لزيادة فائدة. قوله: ((ليسمع قرع نعالهم)) زاد مسلم: ((إذا انصرفوا))، قوله: ((فيقعدانه))، زاد في حديث البراء: ((فتعاد روحه في جسده)). قوله: ((لمحمد)) بيان من الراوي أي: لأجل محمد، وفي رواية أبي داود: ((ما كنت تقول في هذا الرجل؟)) وفي رواية أحمد من حديث عائشة: ((ما هذا الرجل الذي كان فيكم؟)) قوله: ((أنظر إلى مقعدك من النار))، وفي رواية أبي داود: ((فيقال له: هذا بيتك كان في النار، ولكن الله عز وجل عصمك ورحمك فأبدلك به بيتاً في الجنة، فيقول لهم: دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي فيقال له: أسكت)). وفي حديث أبي سعيد عن أحمد: ((كان هذا منزلك لو كفرت بربك)). وفي رواية ابن ماجه من حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، بإسناد صحيح: ((فيقال له: هل رأيت الله؟ فيقول: ما ينبغي لأحد أن يرى الله، فيفرج الله له فرجة قبل النار فينظر إليها فيحطم بعضها بعضاً. فيقال له: أنظر إلى ما وقاك الله)). قوله: ((وذكر لنا))، بلفظ المجهول، قوله: ((يفسح له في قبره)) كلمة في، زائدة، إذ الأصل: يفسح له في قبره، وفي رواية مسلم من طريق شيبان عن قتادة: ((سبعون ذراعاً، ويملأ خضراً إلى يوم يبعثُون))، وفي رواية ابن حبان: ((سبعين ذراعاً في سبعين ذراعاً)، وله من وجه آخر: عن أبي هريرة: ((ويرحب له في قبره سبعون ذراعاً وينور له كالقمر ليلة البدر)). وفي حديث طويل للبراء: ((فينادي منادٍ من السماء أن: صدق عبدي فافرشوه من الجنة، وافتحوا له باباً في الجنة، وألبسوه من الجنة. قال: فيأتيه من ريحها وطيبها، ويفسح له مد بصره)). وزاد ابن حبان من وجه آخر عن أبي هريرة: «فيزداد غبطة وسروراً فيعاد الجلد إلى ما بدا منه، ويجعل روحه في نسم طائر يعلق في شجر الجنة)). قوله: ((وأما المنافق والكافر))، كذا بواو العطف في هذه الطريق، وتقدم في: باب الميت يسمع خفق النعال: وأما الكافر أو المنافق بالشك، وفي حديث أبي داود: ((وأن الكافر إذا وضع))، وعند أحمد في حديث أبي سعيد: ((وإن كان كافراً أو منافقاً)) بالشك، وله في حديث أسماء: ((فإن كان فاجراً أو كافراً». وفي الصحيحين من حديثها: ((وأما المنافق أو المرتاب))، وفي رواية عبد الرزاق عن جابر، وعند الترمذي عن أبي هريرة: ((وأما المنافق))، وفي حديث عائشة عند أحمد وأبي هريرة عند ابن ماجه: ((وأما الرجل السوء)، وللطبراني من حديث أبي هريرة ((وإن كان من أهل الشك)). قوله: ((كنت أقول ما يقول الناس))، وفي حديث أسماء: ((سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته))، وكذا في أكثر الأحاديث. قوله: (ولا تليت)) أي: ولا تلوت، أي: لا فهمت ولا قرأت القرآن، وقد مر الكلام فيه مستقصىّ. قوله: ((بمطارق حديد)) جمع مطرقة، وكذا في: باب خفق النعال، بالإفراد. والمطارق: مضاف إلى حديد مثل: خاتم فضة، ويروى: ((بمطارق من ٢٩٧ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِرِ / باب (٨٦) حديد))، وقال الكرماني: وجه الجمع للإيذان بأن كل جزء من أجزاء تلك المطرقة مطرقة برأسها مبالغة. قوله: ((يسمعها من يليه)) قال المهلب: المراد الملائكة الذين يلون فتنته. قلت: لا وجه لتخصيصه بالملائكة، فقد ثبت أن البهائم تسمعه، وفي حديث البراء: ((يسمعها من بين المشرق والمغرب))، وفي حديث أبي سعيد، رضي الله تعالى عنه، عند أحمد، رحمه الله تعالى ((يسمعه خلق الله كلهم غير الثقلين))، ويدخل في هذا، وفي حديث البراء، رضي الله تعالى عنه: الحيوان والجماد، لكن يمكن أن يخص منه الجماد لما في حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، عند البزار، رحمه الله تعالى: ((يسمعه كل دابة إلاّ الثقلين)). ذكر ما يستفاد منه: فيه: إثبات عذاب القبر، وأنه واقع على الكفار ومن شاء الله من المؤمنين. فإن قلت: المساءلة عامة على جميع الأمم أم على أمة محمد، عَ لَه؟ فذهب الحكيم الترمذي إلى أنها تختص بهذه الأمة، وقال: كانت الأمم قبل هذه الأمة تأتيهم الرسل، فإن أطاعوا فذاك، وإن أبوا اعتزلوهم وعوجلوا بالعذاب، فلما أرسل الله محمداً، محمد بلّ، رحمة للعالمين أمسك عنهم العذاب، وقبل الإسلام ممن أظهره سواء أسر الكفر أو لا، فلما ماتوا قيض الله لهم فتاني القبر ليستخرج سرهم بالسؤال، وليميز الله الخبيث من الطيب، ويثبت الذين آمنوا ويضل الظالمين. انتهى. ويؤيده حديث زيد بن ثابت، رضي الله تعالى عنه، مرفوعاً: ((إن هذه الأمة تبتلى في قبورها ... )) الحديث أخرجه مسلم ويؤيده أيضاً قول الملكين: ما تقول في هذا الرجل محمد؟ وحديث عائشة أيضاً عند أحمد بلفظ: ((وأما فتنة القبر في يفتنون وعني يسألون» وذهب ابن القيم إلى عموم المساءلة، وقال: ليس في الأحاديث ما ينفي المساءلة عمن تقدم من الأمم، وإنما أخبر النبي عَّ لله أمته بكيفية امتحانهم في القبور، لا أنه نفى ذلك عن غيرهم، قال: والذي يظهر أن كل نبي مع أمته كذلك، فيعذب كفارهم في قبورهم بعد سؤالهم وإقامة الحجة عليهم، كما يعذبون في الآخرة بعد السؤال وإقامة الحجة. وحكى في مساءلة الأطفال احتمالاً. قلت: ذكر أصحابنا أنهم يسألون وقطعوا بذلك، وقال ابن القيم: السؤال للكافر والمسلم قال الله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين﴾ [إبراهيم: ٢٧]. وفي حديث أنس في البخاري: ((وأما المنافق والكافر))، بواو العطف، وفي حديث أبي سعيد: ((فإن كان مؤمناً)) فذكره، وفيه: ((وإن كان كافراً)). وقال ابن عبد البر: الآثار تدل على أن الفتنة لمن كان منسوباً إلى أهل القبلة، وأما الكافر الجاحد فلا يسأل، ورد بأنه نفي بلا دليل، بل في الكتاب العزيز الدلالة على أن الكافر يسأل عن دينه، قال تعالى: ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين﴾ [الأعراف: ٦]. وقال تعالى: ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين﴾ [الحجر: ٩٢]. قلت: لقائل أن يقول: المراد من هذا السؤال يحتمل أن يكون في الآخرة. وفيه: ذم التقليد في الاعتقادات لمعاقبة من قال: كنت أسمع الناس يقولون شيئاً فقلته. وفيه: أن الميت يحيى في قبره للمساءلة، خلافاً لمن رده، وقد مر الكلام فيه مستقصىّ. ٢٩٨ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٧) ٨٧ - بابُ التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ أي: هذا باب في بيان التعوذ من عذاب القبر، وكيفية التعوذ، وإلاَّ فأحاديث هذا الباب داخلة في الحقيقة في الباب الذي قبله. ١٣٧٥/١٢٩ _ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قال حدَّثنا يَحْيَى قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال حدَّثني عَوْنُ بِنُ أَبِي ◌ُحَيْفَةَ عنْ أَبِيهِ عنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ عنْ أَبِي أَيُّوبَ رضي الله تعالى عنهم. قال خَرَجَ النبيُّ عَ له وَقَدْ وَجَبَتِ الشَّمْسُ فَسَمِعَ صَوْتاً فقالَ يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا. قيل: لا مطابقة بين هذا الحديث والترجمة، لأن الحديث في بيان ثبوت عذاب القبر، والترجمة في التعوذ منه، حتى قال بعضهم: إنما أدخله في هذا الباب بعض من نسخ الكتاب ولم يميز. قلت: قال الكرماني: العادة قاضية بأن كل من سمع مثل ذلك الصوت يتعوذ من مثله، أو تركه اختصاراً. ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: محمد بن المثنى بن عبيد، يعرف بالزمن العنبري. الثاني: يحيى بن سعيد القطان. الثالث: شعبة بن الحجاج. الرابع: عون بن أبي جحيفة، بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الفاء، وقد مر في: باب الصلاة في الثوب الأحمر. الخامس: أبوه أبو جحيفة الصحابي واسمه: وهب بن عبد الله السوائي. السادس: البراء بن عازب. السابع: أبو أيوب الأنصاري، واسمه: خالد بن زيد. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن شيخه بصري ويحيى كوفي وشعبة واسطي وعون كوفي والثلاثة الباقية صحابيون يروي بعضهم عن بعض. ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في صفة أهل النار عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع، وعن عبيد الله بن معاذ عن أبيه، وعن أبي موسى وبندار ثلاثتهم عن يحيى. وأخرجه النسائي في الجنائز عن أبي قدامة عن يحيى. ذكر معناه: قوله: ((خرج النبي عَّلَّ)) أي: من المدينة إلى خارجها. قوله: ((وقد وجبت الشمس))، جملة حالية، وقد علم أن الجملة الفعلية الماضية إذا وقعت حالاً فلا بد من لفظة: قد، صريحة أو مقدرة. ومعنى: وجبت: سقطت، والمراد أنها غربت. قوله: ((فسمع صوتاً))، يحتمل أن يكون صوت ملائكة العذاب، أو صوت اليهود المعذبين، أو صوت وقع العذاب، وقد وقع عند الطبراني: أنه صوت اليهود، رواه من طريق عبد الجبار بن العباس عن عون بهذا السند، ولفظه: ((خرجت مع النبي عَّم حين غربت الشمس ومعي كوز من ماء، فانطلق لحاجته حتى جاء فوضأته فقال: ألم تسمع ما أسمع؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: أسمع أصوات اليهود يعذبون في قبورهم)). وقال الكرماني: صوت الميت من العذاب يسمعه غير الثقلين، فكيف سمع ذلك؟ ثم أجاب بقوله: هو في الضجة المخصوصة وهذا غيرها، أو سماع رسول الله عَّ على سبيل المعجزة. قوله: ((يهود تعذب))، وارتفاع يهود على الابتداء ٢٩٩ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِرِ / باب (٨٧) وخبره تعذب وهو علم للقبيلة، وقد يدخل فيه الألف واللام، وقال الجوهري: أرادوا باليهود الهوديين، ولكنهم حذفوا ياء الإضافة كما قالوا: زنجي وزنج، وإنما عرف على هذا الحد فجمع على قياس شعيرة وشعير، ثم عرف الجمع بالألف واللام، ولولا ذلك لم يجز دخول الألف واللام عليه، لأنه معرفة مؤنث، فجرى في كلامهم مجرى القبيلة، ولم يجعل كالحي، وقال بعضهم: يهود خبر مبتدأ أي: هذه يهود. قلت: كأنه ظن أنه نكرة فلذلك قال: هو خبر مبتدأ، وقد قلنا: إنه علم وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث، وهودهم اليهود. وقال النَّضْرُ أخبرنا شُعْبَةُ قال حدَّثنا عَوْنٌ قال سَمِعْتُ أبي سَمِعْتُ البَرَاءَ عنْ أَبِي أَيُّوبَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَليه النضر، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة: ابن شميل مر في: باب حمل العنزة في الاستنجاء، وساق البخاري هذا الطريق تنبيهاً على أنه متصل بالسماع، والطريق الأول بالعنعنة، وهو من المتابعة المعلقة ليحيى بن سعيد، ووصله الإسماعيلي، قال: حدثنا مكي حدثنا زاج حدثنا النضر حدثنا شعبة إلى آخره. ١٣٧٦/١٣٠ - حدّثنا مُعَلَّى قال حدثنا وُهَيْبٌ عَنْ مُوسى بنِ عُقْبَةً قال حَدَّثَتْنِي ابْنَةٌ خالِدِ بنِ سَعِيدِ بنِ العَاصِي أَنَّهَا سَمِعَتِ النبيَّ عَ لَّهِ وَهْوَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. [الحديث ١٣٧٦ - طرفه في: ٦٣٦٤]. مطابقته للترجمة ظاهرة. ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: معلى، بضم الميم وفتح اللام المشددة: ابن أسد، مر في: باب المرأة تحيض بعد الإفاضة. الثاني: وهيب، بالتصغير، ابن خالد. الثالث: موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي. الرابع: ابنة خالد بن سعيد بن العاص واسمها: أمة، بفتح الهمزة وتخفيف الميم: أم خالد الأموية ولدت بالحبشة، تزوجها الزبير فولدت له خالداً وعمراً. قال الذهبي: لها صحبة، روى عنها موسى بن إبراهيم ابنا عقبة وكريب بن سليمان. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في موضع. وفيه: السماع. وفيه: القول في موضع. وفيه: أن شيخه ووهيباً بصريان وموسى مدني. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الدعوات عن الحميدي عن سفيان بن عيينة، وأخرجه النسائي في النعوت عن علي بن حجر عن إسماعيل ابن جعفر، ووقع في الطبراني من وجه آخر عن موسى بن عقبة بلفظ: ((استجيروا بالله من عذاب القبر))، ثم إن النبي عٍَّ إذا استعاذ من عذاب القبر، والحال أنه معصوم مطهر مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فينبغي لك يا من لا عصمة لك ولا طهارة لك عن الذنوب أن تستعيذ بالله من عذاب القبر مع امتثال الأوامر والاجتناب عن المعاصي حتى ينجيك الله من ٣٠٠ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٨) النار ومن عذاب القبر، واستعاذته عَّ ه إرشاد لأمته ليقتدوا به فيما فعله وفيما أمره حتى يتخلصوا من شدائد الدنيا والآخرة. ١٣١/ ١٣٧٧ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قال حدَّثنا هشَامٌ قال حدثنا يَخْيَى عنْ أبِي سَلَمَّة عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ. قال كانَ رسولُ اللهِ عَ لّهِ يَدْعُو اللَّهُمَّ إِنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا والمَمَاتِ ومِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَالِ. مطابقته للترجمة ظاهرة. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: مسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي القصاب. الثاني: هشام الدستوائي. الثالث: يحيى بن أبي كثير. الرابع: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. الخامس: أبو هريرة. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: أن شيخه وشيخ شيخه بصريان ويحيى يمامي وأبو سلمة مدني. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي، ويحيى رأى أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه. والحديث أخرجه مسلم في الصلاة: عن محمد بن المثنى عن ابن أبي عدي عن هشام، وقد مر الكلام فيه في: باب الدعاء قبل السلام، فإنه أخرج حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، هناك: ((أن النبي عَ لِّ كان يدعو في الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات .. )) الحديث. قوله: ((كان رسول الله عَ ل يدعو: اللهم)) وفي رواية الكشميهني: ((كان يدعو ويقول: اللهم)) إلى آخره. قوله: ((ومن عذاب النار)) تعميم بعد تخصيص، كما أن: ((ومن فتنة المسيح الدجال)) تخصيص بعد تعميم، والمحيا والممات مصدران ميميان، ويجوز أن يكونا اسمي زمان. قال الكرماني: فإن قلت: رسول الله عَ لّه أمن عن فتنة الدجال ونحوها، فما الفائدة فيه؟ قلت: نفس الدعاء عبادة، كقوله: اللهم اغفر لي، مع كونه مغفوراً له، أو لتعليم الأمة والإرشاد لهم. 1 ٨٨ - بابُ عَذَابِ القَبْرِ مِنَ الغِيبَةِ وَالبَوْلِ أي: هذا باب في بيان عذاب القبر الحاصل من أجل الغيبة، وكلمة: من، للتعليل، و: الغيبة، بكسر الغين المعجمة: أن تذكر الإنسان في غيبته بسوء وإن كان فيه، فإذا ذكرته بما ليس فيه فهو بهت وبهتان، والغيب والغيبة، بفتح الغين: كل ما غاب عن العيون سواء كان محصلاً في القلوب أو غير محصل، تقول: غاب عنه غيباً وغيبة. قوله: ((والبول))، عطف على ما قبله، والتقدير: وبيان عذاب القبر من أجل البول أي: من أجل عدم استنزاهه منه، كما ورد قوله عَّ ◌ُله: ((استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه)) فإن قلت: عذاب القبر غير مقتصر على الغيبة والبول، فما وجه الاقتصار عليهما؟ قلت: تخصيصهما بالذكر لعظم أمرهما لا لنفى الحكم عما عداهما.