النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٧٢) ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن شيخه دمشقي نزل تنيس، والليث مصري وابن شهاب وشيخه مدنيان. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي. وفيه: عن عبد الرحمن بن كعب عن جابر، كذا يقول الليث عن ابن شهاب. وقال النسائي: ما أعلم أحداً تابع الليث من ثقات أصحاب الزهري على هذا الإسناد، واختلف على الزهري فيه، ثم ساقه من طريق عبد الله بن المبارك عن معمر عن ابن شهاب عن عبد الله بن ثعلبة، فذكر الحديث مختصراً، وكذا أخرجه أحمد من طريق محمد بن إسحاق، والطبراني من طريق عبد الرحمن بن إسحاق وعمرو بن الحارث، وكلهم عن ابن شهاب عن عبد الله ابن ثعلبة، ورواه عبد الرزاق عن عمرو فزاد فيه جابراً، وهو مما يقوي اختيار البخاري، فإن ابن شهاب صاحب حديث، فيحمل على أن الحديث عنده عن شيخين خصوصاً أن في رواية عبد الرحمن بن كعب ما ليس في رواية عبد الله بن ثعلبة. قال الذهبي: عبد الله بن ثعلبة له رؤية ورواية، ورواه البيهقي من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد العزيز الأنصاري: حدثنا الزهري ((حدثنا عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه: أن رسول الله، عَُّلِّ، قال يوم أحد: من رأى مقتل حمزة؟ فقال رجل: أنا، فخرج حتى وقف على حمزة فرآه وقد شق بطنه ومثل به، فكره رسول الله، عَّه، أن ينظر إليه، ثم وقف بين ظهري القتلى، فقال: أنا شهيد على هؤلاء، لفوهم في دمائهم فإنه ليس جريح يجرح إلاّ جاء يوم القيامة يدمي، لونه لون الدم وريحه ريح المسك، وقال: قدموا أكثر القوم قرآنا فاجعلوه في اللحد)). قال البيهقي: في هذا زيادات ليست في رواية الليث، وفي رواية الليث زيادة ليست في هذه الرواية، فيحتمل أن تكون روايته عن جابر وعن أبيه صحيحتان وإن كانتا مختلفتين، فالليث ابن سعد إمام حافظ، فروايته أولى. ولما ذكر ابن أبي حاتم هذا الحديث في (كتاب العلل) قال: قال أبي يروي هذا عن الزهري عن ابن كعب عن الزهري مرفوعاً، وعبد الرحمن ابن عبد العزيز هذا شيخ مدني مضطرب الحديث، وروى الحاكم من حديث أسامة بن زيد أن ابن شهاب حدثه أن أنساً حدثه: أن شهداء أحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم ولم يصل عليهم، وهو صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. وفي (العلل) للترمذي: قال محمد: حديث أسامة عن الزهري عن أنس غير محفوظ، غلط فيه أسامة. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الجنائز عن سعيد بن سليمان، وأبي الوليد، وفي المغازي عن قتيبة وفي الجنائز أيضاً عن عبدان ومحمد بن مقاتل، وأخرجه أبو داود في الجنائز عن قتيبة ويزيد بن خالد وعن سليمان بن داود. وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة به، وقال: حسن صحيح. وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة به. وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد بن رمح عن الليث به. ذكر معناه: قوله: ((من قتلى أحد))، القتلى جمع: قتيل، كالجرحى جمع جريح. قوله: ((في ثوب واحد))، ظاهره تكفين الاثنين في ثوب واحد. وقال المظهري في (شرح ٢٢٢ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٧٢) المصابيح): معنى ثوب واحد قبر واحد، إذ لا يجوز تجريدهما بحيث تتلاقى بشرتاهما. قوله: ((أيهم))، أي: أي القتلى؟ هذه رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: أيهما، أي: أي الرجلين. قوله: ((أخذاً) على التمييز. قوله: ((أنا شهيد على هؤلاء))، أي: أشهد لهم بأنهم بذلوا أرواحهم الله تعالى. قوله: ((ولم يغسلوا)) على صيغة المجهول، وفي رواية للبخاري ستأتي بلفظ: ((ولم يصل عليهم ولم يغسلهم))، كلاهما بصيغة المعلوم أي: لم يفعل ذلك النبي عَّ لِه بنفسه ولا بأمره. ذکر ما يستفاد منه: وهو على وجوه: الأول: قال ابن التين: فيه: جواز الجمع جمع الرجلين في ثوب واحد، وقال أشهب: لا يفعل ذلك إلاَّ لضرورة، وكذا الدفن، وعن العلامة ابن تيمية، معنى الحديث أنه كان يقسم الثوب الواحد بين الجماعة فيكفن كل واحد ببعضه للضرورة، وإن لم يستر إلاَّ بعض بدنه، يدل عليه تمام الحديث: أنه كان يسأل عن أكثرهم قرآناً فيقدمه في اللحد، فلو أنهم في ثوب واحد جملة لسأل عن أفضلهم قبل ذلك كيلا يؤدي إلى نقض التكفين وإعادته. وقال ابن العربي: فيه دليل على أن التكليف قد ارتفع بالموت، وإلاّ فلا يجوز أن يلصق الرجل بالرجل إلاَّ عند انقطاع التكليف أو للضرورة. الثاني: فيه التفضيل بقراءة القرآن، فإذا استووا في القراءة قدم أكبرهم لأن للسن فضيلة. الثالث فيه: جواز دفن الاثنين والثلاثة في قبر، وبه أخذ غير واحد من أهل العلم، وكرهه الحسن البصري، ولا بأس أن يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق، غير أن الشافعي وأحمد قالا ذلك في موضع الضرورات، وحجتهم حديث جابر. وقال أشهب: إذا دفن اثنان في قبر لم يجعل بينهما حاجز من التراب، وذلك لأنه لا معنى له إلاَّ التضييق. وقال ابن أبي حاتم، ذكر أبي حديثاً رواه ابن وهب عن ابن جريج عن قتادة ((عن أنس: أن رسول الله عَ ليه جمع يوم أحد النفر في القبر الواحد، فكان يقدم في القبر إلى القبلة أقرأهم، ثم ذا السن يلي أقرأهم). قال: أبو يحيى هذا: هو ابن صبيح، وفي (سنن الكجي): حدثنا أيوب عن حميد بن هلال عن أبي الدهماء ((عن ابن عباس، قال: شكوا إلى النبي عَّلَّه القرح يوم أحد، فقال: أحفروا واجعلوا في القبر الإثنين والثلاثة وقدموا أكثرهم قرآناً). وقال القدوري في شرحه، والسرخسي في (المبسوط): إن وقعت الحاجة إلى الزيادة فلا بأس أن يدفن الإثنان والثلاثة في قبر واحد، وفي المرغيناني: أو خمسة، وهو إجماع، وفي (البدائع): ويقدم أفضلهما، ويجعل بين كل اثنين حاجز من التراب فيكون في حكم قبرين، ويقدم الرجل في اللحد، وفي صلاة الجنازة تقدم المرأة على الرجل إلى القبلة، ويكون الرجل إلى الرجل أقرب والمرأة عنه أبعد. الرابع: فيه دفن الشهيد بدمه، وروى النسائي من حديث معمر عن الزهري عن عبد الله : ٢٢٣ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٧٢) ابن ثعلبة، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((زملوهم بدمائهم)). الخامس فيه: أن الشهيد لا يغسل، وهذا لا خلاف فيه إلاَّ ما روي عن سعيد بن المسيب والحسن ابن أبي الحسن من: أنه يغسل. قالا: ما مات ميت إلاَّ أجنب، رواه ابن أبي شيبة عنهما بسند صحيح، وعن الحسن بسند صحيح: ((أن النبي عَّهِ أمر بحمزة، رضي الله تعالى عنه، فغسل)) وحكي عن الشعبي وغيره أن حنظلة بن الراهب غسلته الملائكة. وأجيب: بأنه كان جنباً. وقال السهيلي: في ترك غسل الشهداء تحقيق حياتهم وتصديق قوله تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا﴾ [آل عمران: ١٦٩]. الآية، ولأن الدم أثر عبادة فلا يزال، كما قالوا في السواك للصائم. السادس: فيه أن الشهيد لا يصلى عليه، وهذا باب فيه خلاف، وقد ذكرناه في أول الباب. وقال أصحابنا: الشهيد يصلى عليه بلا غسل، واحتجوا في ذلك بحديث عقبة الآتي عن قريب، وبما رواه ابن ماجه من حديث أبي بكر ابن عياش عن يزيد بن أبي زياد عن مقسم (عن ابن عباس، قال: أتى بهم النبي عَّ يوم أحد فجعل يصلي على عشرة عشرة وحمزة، وهو كما هو يرفعون وهو كما هو موضوع))، ورواه الطحاوي عن إبراهيم بن أبي داود عن محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن يزيد بن أبي زياد عن مقسم ((عن ابن عباس: أن رسول الله، عَّةٍ، كان يوضع بين يديه يوم أحد عشرة فيصلي عليهم وعلى حمزة، ثم توضع العشرة وحمزة موضوع، ثم توضع عشرة فيصلي عليهم وعلى حمزة معهم)). وأخرجه البزار في (مسنده) بأتم منه: حدثنا العباس، رحمه الله تعالى، ابن عبد الله البغدادي حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس - حدثنا أبو بكر بن عياش حدثنا يزيد بن أبي زياد عن مقسم ((عن ابن عباس، قال: لما قتل حمزة يوم أحد أقبلت صفية تسأل: ما صنع؟ فلقيت علياً والزبير، رضي الله تعالى عنهما، فقالت: يا علي ويا زبير! ما فعل حمزة؟ فأوهماها أنهما لا يدريان، قال: فضحك النبي، عَِّ: وقال: إني أخاف على عقلها، فوضع يده على صدرها فاسترجعت وبكت، ثم قام عليه، وقال: لولا جزع النساء لتركته حتى يحشر من بطون السباع وحواصل الطيور، ثم أتى بالقتلى فجعل يصلي عليهم فيوضع سبعة وحمزة فيكبر عليهم سبع تكبيرات، ثم يرفعون ويترك حمزة مكانه فيكبر عليهم سبع تكبيرات حتى فرغ منهم». وأخرجه الحاكم في (مستدركه) والطبراني في (معجمه) والبيهقي في (سننه) ولفظهم: ((أمر رسول الله، عَِّ، بحمزة يوم أحد فهيىء للقبلة ثم كبر عليه سبعاً، ثم جمع إليه الشهداء حتى صلى عليه سبعين صلاة)). زاد الطبراني: ((ثم وقف عليهم حتى واراهم)). وسكت الحاكم عنه. فإن قلت: قال الذهبي: يزيد بن أبي زياد لا يحتج به، وقال البيهقي: هكذا رواه يزيد ابن أبي زياد، وحديث جابر: أنه لم يصل عليهم، أصح. وقال ابن الجوزي في (التحقيق): ويزيد بن زياد منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث. قلت: قال صاحب (التنقيح): الذي قالوه إنما هو في يزيد بن زياد، وأما راوي هذا الحديث فهو الكوفي، ولا يقال فيه: ابن ١ ٢٢٤ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٧٢) زياد، وإنما هو: ابن أبي زياد، وهو ممن يكتب حديثه على لينه، وقد روى له مسلم مقروناً بغيره، وروى له أصحاب السنن، وقال أبو داود: لا أعلم أحداً ترك حديثه. وابن الجوزي جعلهما في كتابه الذي في الضعفاء واحداً، وهو وهم وغلط، ومما يؤيد حديث يزيد بن أبي زياد هذا ما رواه هشام في السيرة عن إبن إسحاق: حدثني من لا أتهم عن مقسم مولى ابن عباس ((عن ابن عباس، قال: أمر رسول الله، عَليهِ، بحمزة فسجي ببردة ثم صلى عليه وكبر سبع تكبيرات، ثم أتي بالقتلى فوضعوا إلى حمزة فصلى عليهم وعليه معهم، حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة)). فإن قلت: قال السهيلي في (الروض الأنف): قول ابن إسحاق في هذا الحديث: حدثني من لا أتهم، إن كان هو الحسن بن عمارة كما قاله بعضهم فهو ضعيف بإجماع أهل الحديث، وإن كان غيره فهو مجهول. قلت: نحن ما نجزم أنه الحسن بن عمارة، ولئن سلمنا أنه هو فنحن ما نحتج به، وإنما نستشهد به، ويكفي في الاستشهاد قول ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم به، ولو كان متهماً عنده لما حدث عنه. وروى الطحاوي من حديث عبد الله بن الزبير، رضي الله تعالى عنهما: ((أن رسول الله عَّللم أمر يوم أحد بحمزة فسجي ببردة ثم صلى عليه، فكبر تسع تكبيرات، ثم أتى بالقتلى يصفون ويصلي عليهم وعليه معهم)). وأخرجه ابن شاهين أيضاً في كتابه من حديث ابن إسحاق عن يحيى بن عبادة ((عن عبد الله بن الزبير، قال: صلى النبي عَّلِ على حمزة فكبر سبعاً). وقال البغوي: حفظي أنه قال: عن عبد الله بن الزبير، وروى الطحاوي أيضاً من حديث أبي مالك الغفاري، قال: كان قتلى أحد يؤتى بتسعة وعاشرهم حمزة فيصلي عليهم رسول الله عَ ليه، ثم يحملون. ثم يؤتى بتسعة فيصلي عليهم وحمزة مكانه، حتى صلى عليهم رسول الله، عَّله)). ورواه أيضاً الدارقطني ((عن أبي مالك، قال: كان يجاء بقتلى أحد تسعة وحمزة عاشرهم فيصلي عليهم فيرفعون التسعة ويدعون حمزة، رضي الله تعالى عنه)). وأخرجه البيهقي أيضاً، ولفظه قال: ((صلى النبي، عَّله، على قتلى أحد عشرة عشرة، في كل عشرة منهم حمزة، حتى صلى عليه سبعين صلاة)). وقال الذهبي في (مختصر السنن): كذا قال: ولعله سبع صلوات إذ شهداء أحد سبعون أو نحوها. وأخرجه أبو داود أيضاً في المراسيل، وأبو مالك اسمه غزوان الكوفي، وثقه ابن معين، وذكره ابن حبان في التابعين الثقات. ولنا معاشر الحنفية أن نرجح مذهبنا بأمور. الأول: أن حديث عقبة الآتي ذكره مثبت وكذا غيره من الصلاة على الشهيد، وحديث جابر نافٍ والمثبت أولى. الثاني: أن جابراً كان مشغولاً بقتل أبيه وعمه، على ما يجيء، فذهب إلى المدينة ليدبر حملهم، فلما سمع المنادي بأن القتلى تدفن في مصارعهم سارع لدفنهم، فدل على أنه لم يكن حاضراً حين الصلاة، على أن في (الإكليل): حديثاً عن ابن عقيل ((عن جابر أن النبي صَ لّه صلى على حمزة، ثم جيء بالشهداء فوضعوا إلى جنبه فصلى عليهم)). فالشافعية يحتجون برواية ابن عقيل ويوجبون بها التسليم من الصلاة. الثالث: ما روى أصحابنا أكثر مما رواه أصحاب ٢٢٥ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٧٢) الشافعي. الرابع: الصلاة على الموتى أصل في الدين وفرض كفاية فلا تسقط من غير فعل أحد بالتعارض، بخلاف غسله، إذ النص في سقوطه لا معارض له. الخامس: لو كانت الصلاة عليهم غير مشروعة لبينها النبي عَّل كما نبه على الغسل. السادس: نتنزل ونقول كما قاله الطحاوي: لم يصلُ عٍَّ وصلى غيره. السابع: يجوز أنه: لم يصل عليهم في ذلك اليوم، لما حصل له من الجراحة وشبهها، ولا سيما من ألمه على حمزة وغيره، وصلى عليهم في يوم غيره لأنه لا تغير بهم كما جاء في صلاته عليهم بعد ثمان سنين. الثامن: قد روي أنه قد صلى على غيرهم. التاسع: ليس لهم أن يقولوا: يحمل قول عقبة: صلى عليهم، بمعنى استغفر، لقوله: صلاته على الميت. العاشر: أن ما ذهب إليه أصحابنا أحوط في الدين، وفيه تحصيل الأجر. وقد قال، عَّله: ((من صلى على ميت فله قيراط))، فلم يفصل ميتاً من ميت، فإن قالوا: الصلاة لا تصح على الميت بلا غسل، فلما لم يغسل الشهيد لم تصح الصلاة، قلنا: ينبغي أن لا يدفن أيضاً بلا غسل، فلما دفن الشهيد بلا غسل دل أنه في حكم المغسولين فيصلى عليه. فإن قالوا: الشهداء أحياء والصلاة إنما شرعت على الموتى؟ قلنا: فعلى هذا ينبغي أن لا يقسم ميراثهم ولا تتزوج نساؤهم وشبه ذلك، وإنما هم أحياء في حكم الآخرة لا في حكم الدنيا، والصلاة عليهم من أحكام الدنيا، كذا قاله في (المبسوط)، فإن قالوا: ترك الصلاة عليهم لاستغنائهم مع التخفيف على من بقي من المسلمين، قلنا: لا يستغنى أحد عن الخير، والصلاة خير موضوع، ولو استغنى أحد من هذه الأمة لاستغنى أبو بكر وعمر، رضي الله تعالى عنهما، وكذلك الصغار، ومن هو في مثل حالهم. والتعليل بالتخفيف لا وجه له، لأنهم يسعون في تجهيزهم وحفر قبورهم، ونحو ذلك، فالصلاة أخف من هذا كله، فإن قالوا: إنكم لا ترون الصلاة على القبر بعد ثلاثة أيام، قلنا: ليس كذلك، بل تجوز الصلاة على القبر ما لم يتفسخ، والشهداء لا يتفسخون ولا يحصل لهم تغير. فالصلاة عليهم لا تمتنع أي وقت كان. ١٠١/ ١٣٤٤ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال حدَّثنا الليْثُ قال حدَّثني يَزِيدُ بن أبي حَبِيبٍ عن أبِي الخَيْرِ عنْ عُقْبَةَ بنِ عامِرٍ أنَّ النبيَّ عَ لِّ خَرَجَ يَوْماً فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صلاتَهُ عَلَى المَيِّتِ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى المِنْبَرِ فقال إِنِّي فَرَطْ لَكُمْ وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ وَإِنِّي وَاللهِ لأَنْظُرٍ إِلَى حَوْضِي الآنَ وَإِنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأرْضَ أوْ مَفَاتِيحَ الأرْضِ وَإِنِّي وَالله ما أخافُ عَلَيْكُمْ أنْ تُشْرِكُواْ بَعْدِي وَلْكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا. [الحديث ١٣٤٤ - أطرافه في: ٣٥٩٦، ٤٠٤٢، ٤٠٨٥، ٦٤٢٦، ٦٥٩٠]. مطابقته للترجمة من حيث إنها تحتمل مشروعية الصلاة على الشهيد من جهة عمومها. ذكر رجاله: وهم خمسة تقدموا، وأبو الخير اسمه مرثد بن عبد الله اليزني، وعقبة، بضم العين وسكون القاف ابن عامر الجهني. عمدة القاري / ج٨ / ١٥٣ ٢٢٦ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٧٢) ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة فى موضعين. وفيه: أن رواته كلهم مصريون وهو معدود من أصح الأسانيد. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي. وفيه: أحدهم مذكور بالكنية. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في علامات النبوة عن سعيد بن شرحبيل، وفي المغازي عن محمد بن عبد الرحيم وعن قتيبة وفي ذكر الحوض عن عمرو بن خالد. وأخرجه مسلم في فضائل النبي، عَّله، عن قتيبة به وعن أبي موسى. وأخرجه أبو داود في الجنائز عن قتيبة به مختصراً وعن الحسن بن علي. وأخرجه النسائي فيه أيضاً عن قتيبة به. ذكر معناه: قوله: ((فصلى على أهل أحد))، وهم الذين استشهدوا فيه، وكانت أحد في شوال سنة ثلاث. قوله: ((صلاته على الميت)) أي: مثل صلاته على الميت، وهذا يرد قول من قال: إن الصلاة في الأحاديث التي وردت محمولة على الدعاء، وممن قال به ابن حبان والبيهقي والنووي، حتى قال النووي: المراد من الصلاة هنا الدعاء، وأما كونه مثل الذي على الميت فمعناه أنه دعا لهم بمثل الدعاء الذي كانت عادته أن يدعو به للموتى. قلت: هذا عدول عن المعنى الذي يتضمنه هذا اللفظ، لأجل تمشية مذهبه في ذلك، وهذا ليس بإنصاف. وقال الطحاوي: معنى صلاته عَّ لا يخلو من ثلاثة معان: إما أن يكون ناسخاً لما تقدم من ترك الصلاة عليهم، أو يكون من سننهم أن لا يصلي عليهم إلاَّ بعد هذه المدة، أو تكون الصلاة عليهم جائزة، بخلاف غيرهم، فإنها واجبة، وأيها كان فقد تثبت بصلاته عليهم الصلاة على الشهداء. وقال بعضهم: غالب ما ذكره بصدد المنع لأن صلاته عليهم تحتمل أموراً. منها: أن تكون من خصائصه. ومنها: أن يكون المعنى: الدعاء، ثم هي واقعة عين لا عموم فيها، فكيف ينتهض الاحتجاج بها لدفع حكم قد تقرر؟ ولم يقل أحد من العلماء بالاحتمال الثاني الذي ذكره؟ انتهى. قلت: كل ما ذكر هذا القائل ممنوع، لأن قوله: منها أن تكون من خصائصه، وإثبات الخصوصية بالاحتمال لا يصح، لأن الاحتمال الناشىء من غير دليل لا يعتبر ولا يعمل به، وقوله: ومنها أن يكون المعنى الدعاء، يرده لفظ الحديث ويبطله، وقوله: وهي واقعة عين لا عموم فيها، كلام غير موجه لأن هذا الكلام لا دخل له في هذا المقام، وقوله: لدفع حكم تقرر، لا ينتهض دليلاً له لدفع خصمه لأنه لا يعلم ما هذا الحكم المقرر. وقوله: ولم يقل : أحد من العلماء بالاحتمال الثاني، كلام واه لأنه ما ادعى أن أحداً من العلماء قال به حتى : ينكر عليه، وإنما ذكره بطريق الاستنباط من لفظ الحديث. قوله: ((ثم انصرف إلى المنبر))، ولفظ مسلم: «ثم صعد المنبر، كالمودع للاحياء والأموات، فقال: إني فرطكم على الحوض، وإن عرضه كما بين أيلة إلى الجحفة ... )) وفي آخره: ((قال عقبة: فكانت آخر ما رأيت رسول الله عَِّ على المنبر)). قوله: ((إني فرط لكم))، بفتح الفاء والراء، وهو الذي يتقدم الواردة ليصلح لهم الحياض والدلاء، ونحوهما، ومعنى: ((فرطكم)) سابقكم إليه كالمهيىء له. قوله: ٢٢٧ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٧٣) ((وأنا شهيد عليكم)) أي: أشهد لكم. قوله: ((مفاتيح الأرض)) جمع: مفتاح، ويروى: ((مفاتح الأرض))، بدون الياء فهو جمع مفتح على وزن مفعل بكسر الميم، قوله: ((لأنظر إلى حوضي)) هو على ظاهره، وكأنه كشف له عنه في تلك الحالة. قوله: ((ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي)) معناه: على مجموعكم، لأن ذلك قد وقع من البعض، والعياذ بالله تعالى. قوله: ((أن تنافسوا))، من المنافسة، وهي الرغبة في الشيء والانفراد به، وهو من الشيء النفيس الجيد في نوعه، ونافست الشيء منافسة ونفاساً: إذا رغبت فيه. ذكر ما يستفاد منه: قال الخطابي: فيه أنه عَّلَّمِ قد صلى على أهل أحد بعد مدة، فدل على أن الشهيد يصلى عليه كما يصلى على من مات حتف أنفه، وإليه ذهب أبو حنيفة، وأول الخبر في ترك الصلاة عليهم يوم أحد على معنى اشتغاله عنهم وقلة فراغه لذلك، وكان يوماً صعباً على المسلمين، فعذروا بترك الصلاة عليهم. وفيه: أن الحوض مخلوق موجود اليوم وأنه حقيقي. وفيه: معجزة للنبي عَّ حيث نظر إليه في الدنيا وأخبر عنه. وفيه: معجزة أخرى أنه أعطى مفاتيح خزائن الأرض وملكتها أمته بعده. وفيه: أن أمته لا يخاف عليهم من الشرك، وإنما يخاف عليهم من التنافس، ويقع منه التحاسد والتباخل. وفيه: جواز الحلف من غير استحلاف لتفخيم الشيء وتوكيده. ٧٣ - بابُ دَفْنِ الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلاثَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ أي: هذا باب في بيان جواز دفن الرجلين الميتين والثلاثة من الرجال في قبر واحد، قيل: لو قال: باب دفن الشخصين والثلاثة، لكان أحسن ليتناول النساء. قلت: النساء تبع للرجال في الأحكام، إلاّ إذا خصصت بشيء منها . . ١٠٢/ ١٣٤٥ - حدّثنا سَعِيدُ بنُ سُلَيْمَانَ قال حدَّثنا اللَّيْثُ قال حدَّثنا ابنُ شِهَابٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ كَغْبٍ أَنَّ جابِرَ بنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله تعالى عنهما أخبره أنَّ النبيَّ عَّهِ كانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أَحَدٍ. [أنظر الحديث ١٣٤٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في دفن الرجلين في قبر واحد ظاهرة، وليس في حديث الباب لفظ: الثلاثة، وإنما ذكره على عادته بالإشارة إلى ما ورد من لفظ الثلاثة، ولكنه لما لم يكن على شرطه لم يورده، وهو ما رواه الكجي في (سننه) عن ابن عباس، وقد ذكرناه في الباب السابق، وروى أبو داود من حديث أنس: ((أن رسول الله عَّه مر على حمزة، رضي الله تعالى عنه، وقد مثل به .. )) الحديث، وفيه: ((فكان الرجل والرجلان والثلاثة يكفنون في الثوب الواحد)) زاد قتيبة: ((ثم يدفنون في قبر واحد)). وأخرجه الترمذي وقال: غريب، وقيل: ذكر الثلاثة بالقياس وفيه نظر لأنه لو كان بالقياس لكان يقول: باب دفن الرجلين وأكثر في قبر واحد. ذكر رجاله: وهم خمسة: سعيد بن سليمان الملقب بسعدويه البزار، مر في: باب الماء الذي يغسل به الشعر، في كتاب الوضوء. والليث بن سعد، وابن شهاب محمد بن ٢٢٨ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٧٤) مسلم الزهري، وعبد الرحمن بن كعب مر في أول الباب السابق. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: أن شيخه واسطي سكن بغداد، والليث مصري وابن شهاب وعبد الرحمن مدنيان، وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: قد ذكرناه في أول الباب السابق، وذكرنا أيضاً ما يتعلق بحكم الحديث. ٧٤ - بابُ مَنْ لَمْ يَرَ غَسْلَ الشُّهَدَاءِ أي: هذا باب في بيان قول من لم ير غسل الشهداء، فكأنه أشار بذلك إلى رد ما روى عن سعيد بن المسيب أنه قال: يغسل الشهيد، لأن كل ميت يجنب فيجب غسله، وبه قال الحسن البصري، وقد ذكرناه عن قريب. ١٣٤٦/١٠٣ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ قال حدَّثنا لَيْثُ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ كَعْبٍ عنْ جَابِرٍ. قال قال النبيُّ عَّلِ ادْفِتُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ يَعْنِي يَوْمَ أَحَدٍ وَلَمْ يُغَسِّلَهُمْ. [أنظر الحديث ١٣٤٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وقد مر هذا الحديث في: باب الصلاة على الشهداء، أعاده هنا لأجل هذا التبويب، ووقع الكلام هناك فيما يتعلق بهذا الباب. وأبو الوليد: هو هشام بن عبد الملك الطيالسي، والليث هو ابن سعد، وابن شهاب محمد بن مسلم الزهري. ٧٥ - بابُ مَنْ يُقَدِّمُ فِي اللَّحْدِ أي: هذا باب في بيان من يقدم من الموتى إذا وضعوا في اللحد، وحديث الباب بين ذلك هو أن يقدم منهم من كان أكثر أخذاً بالقرآن، وذلك كما في الإمامة في الصلاة، ثم أشار البخاري إلى تفسير اللحد بقوله: وَسُمِّيَ اللَّخْدَ لِأَنَّهُ فِي ناحِيَّةٍ أي: سمي اللحد لحداً لأنه لا شق يعمل في جانب القبر، يقال: لحد القبر يلحد لحداً أو لحده: عمل له لحداً، وكذلك، لحد الميت يلحده لحداً وألحده وألحد له، وقيل: لحده: دفنه، وألحده عمل له لحداً. ولحد إلى الشيء يلحد، وألحد والتحد: مال، ولحد في الدين يلحد وألحد: مال وعدل، وقيل: لحد جار ومال، وألحد مارى وجادل. وأصل الإلحاد: الميل والعدول عن الشيء، ومنه قيل للمائل عن الدين: ملحد، ومنه قيل: لحد القبر لأنه يميل عن وسط القبر إلى جانبه. وفي (الجمهرة)؛ كل مائل لاحد وملحد، ولا يقال له ذلك حتى يميل عن حق إلى باطل. وفي (الجامع) للقزاز: والملحد اللحد، والجمع ملاحد، وقال الفراء: لحد وألحد: اعترض والألف أجود، ويقال: لحدت للميت وألحدت أجود، وقال ٢٢٩ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٧٥) ابن سيده: اللحد، واللحد الذي يكون في جانب القبر، وقيل: الذي يحفر في عرضه، والجمع ألحاد ولحود. وَكُلُّ جَائِرٍ مُلْحِدٌ من الإلحاد من باب الإفعال، بكسر الهمزة، وقد قلنا: إن الملحد هو المماري والمجادل، والجائر يسمى اللاحد، وذكر البخاري ذلك بحاصل المعنى. مُلْتَحَداً مَعدِلاً أشار به إلى المذكور في القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿ولن أجد من دونه ملتحداً﴾ [الجن: ٢٢]. أي: ملتجأ يعدل إليه عن الله، لأن قدرة الله محيطة بجميع خلقه، كذا فسره الطبري، والملتحد من باب الافتعال على وزن مفتعل من اللحد، من لحد إلى الشيء والتحد إذا مال، كما ذكرناه آنفاً. وَلَوْ كَانَ مُسْتَقِيماً كانَ ضَرِيحاً أي: ولو كان القبر أو الشق مستقيماً غير مائل إلى ناحية لكان ضريحاً، لأن الضريح شق في الأرض على الاستواء، وقال ابن الأثير: الضارح هو الذي يعمل الضريح، وهو قول إبراهيم النخعي وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، ولو شقوا لمسلم يكون تركاً للسنة أللهم إلاَّ إذا كانت الأرض رخوة لا تحتمل اللحد، فإن الشق حينئذ متعين. وقال فخر الإسلام في (الجامع الصغير): وإن تعذر اللحد فلا بأس بتابوت يتخذ للميت، لكن السنة أن يفرش فيه التراب. وقال صاحب (المبسوط) و(المحيط) و(البدائع) وغيرهم عن الشافعي: أن الشق أفضل عنده، وهكذا نقله القرافي في (الذخيرة) عنه، وقال النووي في (شرح المهذب): أجمع العلماء على أن اللحد والشق جائزان، لكن إن كانت الأرض صلبة لا ينهار ترابها، فاللحد أفضل، وإن كانت رخوة ينهار، فالشق أفضل. قلت: فيه نظر من وجهين: الأول: أن الأرض إذا كانت رخوة يتعين الشق فلا يقال أفضل. والثاني: أنه يصادم الحديث الذي رواه الأئمة الأربعة عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، قال: قال النبي عَّه: ((اللحد لنا والشق لغيرنا))، ومعنى ((اللحد لنا)) أي: لأجل أموات المسلمين، والشق لأجل أموات الكفار، وقال شيخنا زين الدين: المراد بقوله: ((لغيرنا)) أهل الكتاب كما ورد مصرحاً به في بعض طرق حديث جرير في (مسند الإمام أحمد): ((والشق لأهل الكتاب)) فالنبي عَ لّم جعل اللحد للمسلمين والشق لأهل الكتاب، فكيف يكونان سواء؟ على أنه روى عن جماعة من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، عن النبي ◌َ له في اللحد أحاديث. منها: حديث عائشة وابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، رواهما ابن أبي شيبة في (مصنفه) عن وكيع عن العمري عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، وعن العمري عن نافع ((عن ابن عمر أن النبي عَّلَّهِ أوصى أن يلحد له)). وروى ابن ماجه ((عن ٢٣٠ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٧٥) عائشة، قالت: لما مات رسول الله عَّلِ اختلفوا في اللحد والشق حتى تكلموا في ذلك وارتفعت أصواتهم، فقال عمر، رضي الله تعالى عنه: لا تصخبوا عند رسول الله عَ ◌ّه حياً ولا ميتاً، أو كلمة نحوها، فأرسلوا إلى الشقاق واللاحد جميعاً، فجاء اللاحد يلحد لرسول الله عَّهِ ثم دفن)). وفي (طبقات ابن سعد) من رواية حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه ((عن عائشة، قالت: كان بالمدينة حفاران ... )) وفي رواية ((قباران أحدهما يلحد والآخر يشق ... )) الحديث. ومنها: حديث سعد، رواه مسلم والنسائي وابن ماجه من رواية عامر بن سعد بن أبي وقاص: أن سعد بن وقاص قال في مرضه الذي هلك فيه: ألحدوا لي لحداً وانصبوا علي اللبن نصباً، كما فعل برسول الله عَّ له. ومنها: حديث أنس رواه ابن ماجه عنه قال: ((لما توفي النبي عَ لّم كان بالمدينة رجل يلحد والآخر يضرح، فقالوا نستخير ربنا ونبعث إليهما فأيهما سبق تركناه، فأرسل إليهما فسبق صاحب اللحد فلحدوا للنبي، عَ له)). ومنها: حديث المغيرة رواه ابن أبي شيبة في (مصنفه) قال: حدثنا أبو أسامة عن المجالد عن عامر قال: قال المغيرة بن شعبة: لحد بالنبي، عَّ له. ومنها: حديث بريدة رواه البيهقي ((عن ابن بردة عن أبيه قال: أدخل النبي عَّله من قبل القبلة، وألحد له لحداً، ونصب عليه اللبن نصباً)). وفي سنده أبو بردة عن علقمة، قال البيهقي وأبو بردة: هذا هو عمرو بن بريد التميمي الكوفي وهو ضعيف. قلت: لكون هذا الحديث حجة عليه بادر إلى تضعيفه. ومنها: حديث أبي طلحة رواه ابن سعد في (الطبقات) قال: ((اختلفوا في الشق واللحد للنبي، عَ لٍّ فقال المهاجرون: شقوا كما يحفر أهل مكة، وقالت الأنصار: إلحدوا كما يحفر بأرضنا، فلما اختلفوا في ذلك قالوا: اللهم خر لنبيك، إبعثوا إلى أبي عبيدة وإلى أبي طلحة فأيهما جاء قبل الآخر فليعمل عمله. قال: فجاء اختياره عَّ لِ اللحد على الشق لكونه أستر للميت، واختيار للشق للأنصار فإنه عَ لَّه قال لهم: ((المحيا محياكم والممات مماتكم))، فأراد إعلامهم بأنه إنما يموت عندهم ولا يريد الرجوع إلى بلده مكة، فوافقهم أيضاً في صفة الدفن، واختار الله له ذلك. وفيه حديث رواه السلفي عن أبي بن كعب يرفعه: ((اللحد لآدم وغسل بالماء وتراً. وقالت الملائكة، هذه سنة ولده من بعده)). ١٠٤/ ١٣٤٧ - حدَّثنا ابنُ مُقَاتِلٍ قال أخبرنا عَبْدُ اللهِ قال أخبرنا اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ قال حدَّثني ابنُ شِهَابٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ كَعْبِ بنِ مالِكِ عن جَابِرٍ بنِ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهما أنَّ رسولَ الله عَ لَّهِ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجْلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أَحَدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذَاً لِلْقُرآنِ فإذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ في اللَّخدِ. وقال أنا شَهِيدٌ عَلَى هُؤْلاَءِ وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ. [أنظر الحديث ١٣٤٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة من حيث إن فيه أن النبي عَّهِ قدم في اللحد من قتلى أحد من كان أكثر أخذاً للقرآن. : ٢٣١ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِرِ / باب (٧٥) ورجاله قد ذكروا غير مرة، وابن مقاتل هو: محمد بن مقاتل المروزي وهو من أفراده، وعبد الله: هو ابن المبارك المروزي. والحديث مر عن قريب، أخرجه في: باب الصلاة على الشهيد، عن عبد الله بن يوسف عن الليث، إلى آخره نحوه، وأخرجه في: باب دفن الرجلين والثلاثة في قبر واحد، عن سعيد بن سليمان عن الليث إلى آخره، وأخرجه أيضاً مختصراً في: باب من لم ير غسل الشهيد، عن أبي الوليد عن الليث إلى آخره، وقد تكلمنا فيه بما فيه الكفاية. ... / ١٣٤٨ _ واخبَرَنَا الأوْزَاعِيُّ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهُما قال كانَ رسولُ الله عَُّلِّ يَقُولُ لِقَتْلَى أُحُدٍ أيُّ هُؤُلاَءٍ أَكْثَرَ أَخْذَاً لِلْقُرْآنِ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى رَجُلٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ قَبْلَ صاحِهِ. [أنظر الحديث ١٣٤٣ وأطرافه]. أي: قال عبد الله وأخبرنا عبد الرحمن الأوزاعي، وهذا طريق منقطع لأن ابن شهاب لم يسمع من جابر، لأن جابراً توفي في سنة ثمان وثمانين، وفي (الكاشف): سنة ثمان وسبعين، ومولد الزهري سنة ثمان وخمسين، قاله الواقدي، وقال أبو زرعة الدمشقي: مولده سنة خمسين. قلت: لقيه إياه ممكن، ولكن سماعه منه لم يثبت، وأما طريق ابن شهاب الأول فمتصل. وقال جابِرٌ فَكُفْنَ أَبِي وَعَمِّي فِي غَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ ذكر في (التلويح) أن قوله: ((عمي)) يتبادر الذهن إليه أنه عم جابر، وليس كذلك، لأنه عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام، وعبد الله أبو جابر هو ابن عمرو بن حرام فهو ابن عمه وزوج أخته هند بنت عمرو، فسماه: عماً تعظيماً له، وتكريماً، ذكره أبو عمر وغيره. وقال الكرماني: قوله: عمي، قيل: هذا تصحيف أو وهم لأن المدفون مع أبيه هو: عمرو بن الجموح الأنصاري الخزرجي السلمي، ويحتمل أن يجاب عنه أنه أطلق العم عليه مجازاً، كما هو عادتهم فيه، لا سيما وكان بينهما قرابة. وقال النووي: إن عبد الله وعمراً كانا صهرين، والنمرة، بفتح النون وكسر الميم: بردة من صوف أو غيره مخططة. وقال القزاز: هي دراعة فيها لونان سواد وبياض، ويقال للسحابة إذا كانت كذلك: نمرة. وقال الكرماني: النمرة بردة من صوف تلبسها الأعراب، وهي بكسر الميم وسكونها، ويجوز كسر النون مع سكون الميم. فإن قلت: ذكر الواقدي في (المغازي) وابن سعد: أنهما كفنا في ثوبين. قلت: إذا ثبت ذلك حمل على أن النمرة شقت بينهما نصفين. وقال سُلَيْمَانُ بنُ كَثِيرِ حدَّثني الزُّهْرِيُّ قال حدَّثني منْ سَمِعَ جابِراً رضي الله تعالى عنهُ سليمان بن كثير - ضد قليل - العبدي أبو محمد، قال النسائي: ليس به بأس إلاَّ في الزهري. وقال يحيى بن معين، ضعيف، وقال الكرماني: واعلم أن الفرق بين هذه الطرق أن الليث ذكر عبد الرحمن واسطة بين الزهري وجابر، والأوزاعي لم يذكر الواسطة بينهما، ٢٣٢ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٧٦) وسليمان ذكر واسطة مجهولاً، فاعلم ذلك. وقال الدارقطني: اضطرب فيه الزهري، ومنع بعضهم الاضطراب بقوله: لأن الحاصل من الاختلاف فيه على الثقات أن الزهري حمله عن شيخين، وأما إبهام سليمان لشيخ الزهري وصدق الأوزاعي له فلا يؤثر ذلك في رواية من سماه لأن الحجة لمن ضبط. وزاد: إذا كان ثقة لا سيما إذا كان حافظاً. قلت: الاختلاف على الثقات والإبهام مما يورث الاضطراب، ولا يندفع ذلك بما ذكره. ٧٦ - بابُ الإِذْخِرِ وَالْحَشِيشِ فِي القَبْرِ أي: هذا باب في بيان استعمال الإذخر والحشيش في الفرج التي تتخلل بين اللبنات في القبر. فإن قلت: ليس في حديث الباب ذكر الحشيش فلم ذكره؟ قلت: نبه به على إلحاقه بالإذخر، لأن المراد باستعمال الإذخر هو ما ذكرناه لا التطيب، فيكون الحشيش في معناه، كما أن المسك وما جانسه من الطيب في الحنوط داخل في معنى إباحة الكافور للميت، ثم الإذخر، بكسر الهمزة وكسر الخاء المعجمة وفي آخره راء، وهو نبت معلوم وله أصل مندفن وقضبان دقاق ذفر الريح، وهو مثل الأسل، أسل الكولان، إلا أنه أعرض وأصغر كعوباً وله ثمرة كأنها مكاميع القصب إلاَّ أنها أرق وأصغر. وقال أبو زياد: الإذخر: يشبه في نباته الغرز، والغرز نباته نبات الأسل الذي يعمل منه الحصر، والإذخر أدق منه وله كعوب كثيرة وهو يطحن فيدخل في الطيب. وقال أبو النصر: هو من الذكور، وإنما الذكور من البقل، وليس الإذخر من البقل، وله أروكة فينبت فيها فهو بالحلبة أشبه. وقال أبو عمر: هو من الحلبة، وقلما ينبت الإذخر منفرداً، وهو ينبت في السهول والحزون وإذا جف الإذخر ابيضَّ. وفي (شرح ألفاظ المنصوري): الإذخر خشب يجلب من الحجاز، وبالمغرب صنف منه. قيل: هذا أصح ما قيل في الإذخر، ويدل عليه قول ابن عباس: لبيوتهم وقبورهم، فإن البيوت ما تسقف إلا بالخشب ولا يجعل على اللحود إلاّ الخشب. قلت: قد ذكرنا أنه تنسد به الفرج التي تتخلل بين اللبنات بدليل قوله: والحشيش، فإن الحشيش لا يسقف به، لأنه غير متماسك لا رطباً ولا يابساً. ١٣٤٩/١٠٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ حَوْشَبٍ قال حدَّثنا عَبْدُ الوَهَّابِ قالِ حدَّثنا خالِدٌ عنْ عِكْرَمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُمَا عَنِ النبيِّ عَ لَّهِ. قال حَرَّمَ الله عَزَّ وَجَلَّ مَكَّةَ فَلَمْ تَحِلَّ لَأَحَدَ قَبْلِيَّ وَلاَ لِأَحَدٍ بَعْدِي أَحِلَّتْ لِ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ لاَ يخْتَلَى خَلاَهَا وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلاَ يْتَفَّرُ صَيْدُهَا وَلاَ تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلاَّ لِمُعَرِّفٍ فِقال العَبَّاسُ رضي الله تعالى عنهُ إلَّ الإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا فقال إلاَّ الإذْخِرَ. [الحديث ١٣٤٩ - أطرافه في: ١٥٨٧، ١٨٣٣، ١٨٣٤، ٢٠٩٠، ٢٤٣٣، ٢٧٨٣، ٢٨٢٥، ٣٠٧٧، ٣١٨٩، ٤٣١٣]. مطابقته للترجمة في قوله: ((إلاَّ الإذخر ... )) إلى آخره. : ذكر رجاله: وهم خمسة كلهم ذكروا، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وخالد هو الحذاء. ٢٣٣ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٧٦) وأخرجه البخاري أيضاً في الحج عن أبي موسى عن عبد الوهاب، وفي البيوع عن إسحاق عن خالد، وفي اللقطة قال: قال خالد: عن عكرمة عن ابن عباس ... إلى آخره. ذكر معناه: قوله: ((حرم الله مكة)) أي: جعلها حراماً، وقد فسره بقوله: ((فلم تحل لأحد قبلي ولا لأحد بعدي))، ولفظه في الحج: عن طاوس عن عباس قال: قال رسول الله، عَّه، يوم فتح مكة: ((إن هذا البلد حرمه الله .. )) الحديث، وفي غزوة الفتح: ((إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام بحرام الله تعالى إلى يوم القيامة))، ولفظ مسلم: ((إن هذا البلد حرمه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض فهي حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة)). وأخرجه البزار عن ابن عباس أيضاً، رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله، عَّ له: ((إن مكة حرام حرمها الله تعالى يوم خلق السموات والأرض والشمس والقمر)). وأخرجه الطحاوي أيضاً عن مجاهد عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله عَّه: (إن الله عز وجل، حرم مكة يوم خلق السموات والأرض والشمس والقمر، ووضعها بين هذين الأخشبين .. )) الحديث. وقال البزار: وهذا الحديث قد رُوي عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، من غير وجه، وعن غير ابن عباس بألفاظ مختلفة ومعانيها قريبة. قوله: ((الأخشبين)) أي: الجبلين المطيفين بمكة، وهما أبو قبيس والأحمر، وهو جبل مشرف وجهه على قعيقعان، والأخشب: كل جبل خشن غليظ. وفي الحديث: ((لا تزول مكة حتى يزول أخشباها)). قوله: ((ساعة من نهار))، لم يرد بها الساعة من الإثني عشر ساعة، والمراد بها: القليل من الوقت والزمان، وإنه كان بعض النهار ولم يكن يوماً تاماً، ودليله: ((وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس). وقيل: أراد به ساعة الفتح أبيحت له إراقة الدم فيها، دون الصيد، وقطع الشجر ونحوهما. قوله: ((لا يختلى خلاها)) أي: لا يقطع كلاؤها، والخلا، بفتح الخاء المعجمة مقصوراً: الرطب من الكلأ، كما أن الحشيش اسم اليابس منه، والواحدة خلاة، ولامه: ياء، لقولهم: خليت البقل: قطعته. وفي (المخصص): تقول: خليت الخلا خلياً: جززته. وفي (المحكم): وقيل: الخلا، كل بقلة قطعتها، وقد يجمع الخلا على أخلاء، حكاه أبو حنيفة وأخلت الأرض: كثر خلاها، واختلاه: جزه. وقال اللحياني: نزعه. وقال القاضي: ومعنى: لا يختلى خلاها؛ لا يحصد كلاها، مقصور ومده بعض الرواة، وهو خطأ. والاختلاء: القطع، فعل مشتق من الخلا. والمخلا مقصورة: حديدة يختلى بها الخلا، والمخلاة وعاء يختلى فيه للدابة، ثم سمي كل ما يعتلف فيه مما يعلق في رأسها مخلاة، والخلاء، بالمد: الموضع الخالي وأيضاً مصدر من خلا يخلو قوله: ((ولا يعضد شجرها)) أي: لا يقطع، يقال: عضد واستعضد بمعنى كما يقال علا واستعلى قال القاضي وقع في رواية ((ولا يعضد شجراؤها)) وهو الشجر وقال الطبري معنى لا يعضد لا يفسد ويقطع من عضد الرجل الرجل إذا أصاب عضده بسوء وفي الموعب عضدت الشجر أعضده عضداً مثل ضربته إذا قطعته وفي المحكم الشيء معضود وعضيد. قوله: ((ولا ينفر))، من التنفير يقال نفر ينفر نفوراً ٢٣٤ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٧٦) ونفاراً إذا فر وذهب. قوله: ((ولا تلتقط لقطتها))، أي لا ترفع ساقطتها. قوله: ((إلا المعرف))، بضم الميم وكسر الراء المشددة وهو الذي يعرفها حتى يجيء صاحبها وفي لفظ للبخاري ((ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها)) وفي لفظ ((ولا يحل لقطتها إلا لمنشد)) والمنشد هو المعرف والناشد هو الطالب يقال نشدت الضالة إذا طلبتها فإذا عرفتها قلت أنشدتها وأصل الإنشاد رفع الصوت ومنه إنشاد الشعر. قوله: ((لصاغتنا))، أصله الصوغة جمع صائغ. ذكر ما يستفاد منه: فيه: أن مكة حرام يحرم فيها أشياء ما يحل في غيرها من بلاد الله تعالى، فإن قلت: الحديث هنا ((حرم الله مكة))، وفي حديث صحيح: ((أن إبراهيم عَ لّه حرم مكة)). قلت: يعني بلغ تحريم الله تعالى لها، فكان التحريم على لسانه، فنسب إليه وحكى الماوردي وغيره الخلاف بين العلماء في ابتداء تحريم مكة، فذهب الأكثرون إلى أنها ما زالت محرمة وأنه خفي تحريمها فأظهره إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، وأشاعه، وذهب آخرون إلى أن ابتداء تحريمها من زمن إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، وأنها كانت قبل ذلك غير محرمة كغيرها من البلاد، وإن معنى: حرمها الله يوم خلق السموات، أنه قدر ذلك في الأزل أنه سيحرمها على لسان إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، وقيل: معناه أن الله سبحانه وتعالى كتب في اللوح المحفوظ يوم خلق السموات والأرض أن إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، سيحرم مكة بأمر الله تعالى. وفيه: ((أحلت لي ساعة من نهار))، احتج به أبو حنيفة أن مكة فتحت عنوة لا صلحاً، لأنه، عليه الصلاة والسلام، فتحها بالقتال. وبه قال الأكثرون، وسيجيء في حديث أبي شريح العدوي فإن أحد ترخص لقتال رسول الله، عَِّ، فيها فقولوا له: إن الله أذن لرسول الله، عٍَّ، ولم يأذن لك، وإنما أذن له ساعة من النهار، وذهب الشافعي وجماعة إلى أنها فتحت صلحاً، وتأولوا الحديث على أنه أبيح له القتال لو احتاج إليه، ولو احتاج إليه لقاتل، ولكنه لم يحتج إليه. وقال ابن دقيق العيد: وهذا التأويل يبعده قوله: لقتال رسول الله عَّه، يعني في حديث أبي شريح فإنه يقتضي وجود قتال ظاهراً. وقال شيخنا زين الدين: وفي المسألة قول ثالث: إن بعضها فتح صلحاً، وبعضها عنوة، لأن المكان الذي دخل منه النبي عَ له لم يقع فيه القتال، وإنما وقع في غير المكان الذي دخل منه. وفيه: لا يجوز اختلاء خلا مكة هذا مما ينبت بنفسه بالإجماع. وأما الذي يزرعه الناس نحو البقول والخضراوات، والفضيل فإنها يجوز قطعها. واختلف في الرعي فيما أنبته الله من خلاها، فمنعه أبو حنيفة ومحمد وأجازه أبو يوسف ومالك والشافعي وأحمد. وقال ابن المنذر: أجمع على تحريم قطع شجر الحرم، وقال الإمام: اختلف الناس في قطع شجر الحرم: هل فيه جزاء أم لا؟ فعند مالك: لا جزاء فيه، وعند أبي حنيفة والشافعي: فيه الجزاء. قلت: هذا فيما لم يغرسه الآدمي من الشجر. وأما ما غرسه الآدمي فلا شيء فيه، وحكى الخطابي أن مذهب الشافعي منع قطع ما غرسه الآدمي من شجر البوادي ونماه وأمه، وغيره مما أنبته الله سواء، واختلف قوله في جزاء الشجر، فعند الشافعي: في الدوحة بقرة، وفيما ... ٢٣٥ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٧٦) دونها شاة. وعند أبي حنيفة: يؤخذ منه قيمة ما قطع يشترى به هدي، فإن لم يبلغ ثمنه تصدق به بنضف صاع لكل مسكين. وقال الشافعي: في الخشب ونحوه قيمتها بالغة ما بلغت. وقال الكوفيون: فيها قيمتها، والمحرم والحلال في ذلك سواء. واختلفوا في أخذ السواك من شجر الحرم: فعن مجاهد وعطاء وعمرو بن دينار أنهم رخصوا في ذلك، وحكى أبو ثور ذلك عن الشافعي، وكان عطاء يرخص في أخذ ورق السنا يستمشي به ولا ينزل من أصله، ورخص فيه عمرو بن دینار. وفيه: دليل على أن الشجر المؤذي كالشوك لا يقطع من الحرم لإطلاق قوله: ((ولا يعضد شجرها))، وهو اختيار أبي سعيد المتولي من الشافعية: وذهب جمهور أصحاب الشافعي إلى أنه لا يحرم قطع الشوك لأنه مؤذٍ، فأشبه الفواسق الخمس، وخصوا الحديث بالقياس. قال النووي: والصحيح ما اختاره المتولي. وفيه: تصريح بتحريم إزعاج صيد مكة ونبه بالتنفير على الإتلاف ونحوه لأنه إذا حرم التنفير فالإتلاف أولى. وفيه: أن واجد لقطة الحرم ليس له غير التعريف أبداً، ولا يملكها بحال ولا يستنفقها، ولا يتصدق بها حتى يظفر بصاحبها، بخلاف لقطة سائر البقاع، وهو أظهر قولي الشافعي، وبه قال أحمد، وعندنا: لقطة الحل والحرم سواء لعموم قوله عَّ له: ((اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة)). من غير فصل، وروى الطحاوي عن معاذة العدوية: أن امرأة قد سألت عائشة، رضي الله تعالى عنها، فقالت: إني قد أصبت ضالة في الحرم، فإني قد عرفتها فلم أجد أحداً يعرفها. فقالت لها عائشة: استنفقي بها. وفيه: جواز استعمال الإذخر في القبور، والصاغة وأهل مكة يستعملون من الإذخر ذريرة ويطيبون بها أكفان الموتى، وقوله عَ لَّه: ((إلاَّ الإذخر)) يجوز أن يكون أوحي إليه تلك الساعة، أو من اجتهاده عَ لَّه. وقال أبُو هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَّهِ لِقُبُورِنِا وَبُيُوتِنَا ذكر البخاري هذا التعليق موصولاً في باب كتاب العلم، قال: حدثنا أبو نعيم الفضل ابن دكين، قال: حدثنا شيبان عن يحيى عن أبي سلمة ((عن أبي هريرة: أن خزاعة قتلوا رجلاً من بني ليث .. )) الحديث، وفيه: ((إلاَّ الإذخر يا رسول الله، فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا، فقال النبي عَِّ: إلاَّ الإذخر)). وقالَ أَبَانُ بنُ صالِحٍ عنِ الحِسَنِ بنِ مُسْلِمٍ عِنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْئَةَ سَمِعْتُ النبيِ عَِّ مِثْلَهُ هذا التعليق وصله ابن ماجه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثنا يونس بن بكير، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبان بن صالح عن الحسن بن مسلم بن يناق ((عن صفية بنت شيبة، قالت: سمعت النبي عَّلِ يخطب عام الفتح، فقال: يا أيها الناس ٢٣٦ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِرِ / باب (٧٧) إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام إلى يوم القيامة، لا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ولا يأخذ لقطتها إلاّ منشد، فقال العباس: إلاّ الإذخر فإنه للبيوت والقبور. فقال رسول الله عَ له: إلاَّ الإذخر)). وقال مُجاهِدٌ عنْ طَاوسٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما لِقَيْنِهِمْ وبُيُوتِهِمْ هذا التعليق قطعة من حديث ابن عباس المذكور من أول الباب، رواه عكرمة عن ابن عباس، وسيأتي موصولاً في كتاب الحج. وقد روي عن ابن عباس هذا الحديث بوجوه، وأخرجه مسلم أيضاً من طريق مجاهد عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله عَ له يوم الفتح، فتح مكة: ((لا هجرة ولكن جهاد ونية .. )) الحديث، وفيه: ((فقال العباس: يا رسول الله إلّ الإذخر، فإنه لقينهم ولبيوتهم، فقال: إلاَّ الإذخر)) القين، بفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره نون: الحداد، والله أعلم. ٧٧ - بابٌ هَلْ يُخْرَجُ المَيْتُ مِنَ القَبْرِ واللَّحْدِ لِعِلَّةٍ أي: هذا باب يذكر فيه: هل يخرج الميت من قبره ولحده بعد دفنه لعلة؟ أي: لأجل سبب من الأسباب؟ وإنما ذكر الترجمة بالاستفهام ولم يذكر جوابه اكتفاء بما في أحاديث الباب الثلاثة: عن جابر رضي الله تعالى عنه، لأن في الحديث الأول إخراج الميت من قبره لعلة، وهي إقماص النبي عَّم عبد الله بن أبي بقميصه الذي على جسده، وفي الحديث الثاني والثالث: إخراجه أيضاً لعلة، وهي تطييب قلب جابر، ففي الأول لمصلحة الميت، وفي الثاني والثالث لمصلحة الحي، ويتفرع على هذين الوجهين جواز إخراج الميت من قبره إذا كانت الأرض مغصوبة أو أظهرت مستحقة أو توزعت بالشفعة، وكذلك نقل الميت من موضع إلى موضع، فذكر في الجوامع، وإن نقل ميلاً أو ميلين فلا بأس به، وقيل: ما دون السفر، وقيل: لا يكره السفر أيضاً. وعن عثمان، رضي الله تعالى عنه، أنه أمر بقبور كانت عند المسجد أن تحول إلى البقيع، وقال: توسعوا في مسجدكم، وقيل: لا بأس في مثله، وقال المازري: ظاهر مذهبنا جواز نقل الميت من بلد إلى بلد، وقد مات سعد بن أبي وقاص، رضي الله تعالى عنه، بالعقيق، ودفن بالمدينة. وكذلك سعيد بن زيد، وفي (الحاوي): قال الشافعي: لا أحب نقله إلاَّ أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس، فاختار أن ينقل إليها لفضل الدفن فيها، وقال البغوي والبندنيجي: يكره نقله، وقال القاضي حسين والدارمي: يحرم نقله: قال النووي: هذا هو الأصح، ولم ير أحد بأساً أن يحول الميت من قبره إلى غيره، وقال: قد نبش معاذ امرأته وحول طلحة. فإن قلت: ما فائدة قوله: واللحد مع تناول القبر إليه؟ قلت: كأنه أشار إلى جواز الإخراج لعلة، سواء كان وحده في القبر، نبه عليه بقوله: من القبر، أو كان معه غيره، نبه عليه بقوله: واللحد، لأن والد جابر، رضي الله تعالى عنهما، كان في اللحد ومعه غيره، فأخرجه جابر وجعله في قبر وحده حيث قال في حديثه: ودفن معه آخر في قبره .. إلى آخره، كما يأتي الآن، وعلل لإخراجه عدم طيب نفسه ٢٣٧ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٧٧) أن يتركه مع الآخر، فاستخرجه بعد ستة أشهر وجعله في قبر على حدة. ١٠٦/ ١٣٥٠ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ قال حدَّثنا سُفْيَانُ قال عَمْرٌّوٍ سَمِعْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله تعالى عنهما. قال أتى رسولُ الله عَلَّهِ عَبْدَ الله بنَ أَبَيّ بَعْدَمَا أَدْخِلَ حُفْرَتَهُ فأمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ فالله أَعْلَمُ وكانَ كَسَا عَبَّاساً قَمِيصاً. قال سُفْيانُ وقال أَبُو هُرَيْرَةَ وكانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ عَلَّهِ قَمِيصَانٍ فقال لَهُ ابْنُ عَبْدِ الله يا رسولَ الله أَلْبِسِ أبِي قَمِيصَكَ الَّذِي يَلِي جِلْدَكَ. قال سُفْيانُ فَيْرَوْنَ أنَّ النبيَّ عَلِ أَلْبَسَ عَبْدَ اللهِ قَمِيصَهُ مُكَافَةٌ لِمَا صَنَعَ. [أنظر الحديث ١٢٧٠ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فأمر به فأخرج)) أي: من قبره بعد أن دفن. ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: علي بن عبد الله المعروف بابن المديني. الثاني: سفيان بن عيينة، كذا نص عليه الحافظ المزي في (الأطراف). الثالث: عمرو بن دينار. الرابع: جابر بن عبد الله، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: سفيان قال عمرو: وكأن ذاك كان في حال المذاكرة. وفيه: السماع. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الجنائز عن مالك بن إسماعيل وفي اللباس عن عبد الله بن عثمان وفي الجهاد عن عبد الله بن محمد الجعفي. وأخرجه مسلم في التوبة عن زهير بن حرب وأبي بكر بن أبي شيبة وأحمد ابن عبدة، وأخرجه النسائي في الجنائز عن الحارث بن مسكين وعبد الجبار بن العلاء وعبد الله بن محمد الزهري، فرقهم. ذكر معناه: قوله: ((عبد الله بن أبي))، بضم الهمزة وفتح الباء الموحدة وتشديد الياء آخر الحروف: ابن سلول، بفتح السين المهملة، وأبي: هو أبو مالك بن الحارث بن عبيد، وسلول امرأة من خزاعة، وهي أم أبي مالك بن الحارث وأم عبد الله ابن أبي خولة بنت المنذر بن حرام من بني النجار، وعبد الله سيد الخزرج في الجاهلية، وكان رأس المنافقين. وقال الواقدي: مرض عبد الله بن أبي في ليال بقين من شوال، ومات في ذي القعدة من سنة تسع من الهجرة، وكان مرضه عشرين ليلة، وكان رسول الله عَ ليه يعوده فيها، فلما كان اليوم الذي توفي دخل عليه عَّه وهو يجود بنفسه، فقال: قد نهيتك عن حب يهود، فقال: قد أبغضهم أسعد بن زرارة فما نفعه؟ ثم قال: يا رسول الله ليس هذا بحين عتاب، هو الموت، فإن مت فاحضر غسلي واعطني قميصك الذي يلي جلدك فكفني فيه، وصلِّ علي واستغفر لي، ففعل ذلك رسول الله عَّ له: قوله: ((حفرته)) أي: قبره، قوله: ((فأمر به)) أي: فأمر رسول الله عَّ له بعبد الله بن أبي فأخرج من قبره. قوله: ((فالله أعلم))، جملة معترضة أي: فالله أعلم بسبب إلباس رسول الله عَّ إياه قميصه. قوله: ((وكان))، أي: عبد الله كسا عباساً قميصاً، وعباس هو ابن عبد المطلب عم رسول الله عَّ له، وإنما كساه مكافأة لما كان كسا العباس . : ٢٣٨ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِرِ / باب (٧٧) قميصه حين قدم المدينة، وذلك أنهم لم يجدوا قميصاً يصلح للعباس إلاَّ قميص عبد الله بن أبي، لأن العباس كان طويلاً جداً، وكذلك عبد الله بن أبي. قال أنس: شهدت رجليه وقد فضلتا السرير من طوله. قوله: ((قال سفيان))، هو: ابن عيينة. وقال أبو هريرة، هكذا هو في كثير من الروايات، ووقع في رواية أبي ذر: قال سفيان: وقال أبو هارون: قيل: هو الصواب، وأبو هريرة تصحيف، وأبو هارون هذا هو موسى بن أبي عيسى ميسرة الحناط، بالحاء المهملة وبالنون: المدني، كذا نص عليه الأكثرون، وقيل: هو إبراهيم بن العلاء الغنوي من شيوخ البصرة، وكلاهما من أتباع التابعين. وقال بعضهم: أبو هارون المذكور جزم المزي بأنه عيسى بن أبي موسى الحناط، قال: وقد أخرجه الحميدي في (مسنده) عن سفيان، فسماه عيسى، ولفظه: حدثنا عيسى بن أبي موسى. قلت: قال صاحب (التلويح): أبو هارون هذا موسى بن أبي عيسى ميسرة الحناط الغفاري أخو عيسى بن أبي عيسى الطحان، وتبعه على ذلك صاحب (التوضيح) وكذا قال الكرماني: أبو هارون هو موسى بن أبي عيسى الحناط. قال الغساني: أتى ذكره في (الجامع) في كتاب الجنائز في: باب هل يخرج الميت من القبر، في قصة ابن سلول، فقط، وعلى كل حال الحديث معضل. قوله: ((قال له ابن عبد الله) أي: قال للنبي، عَّله، ابن عبد الله بن أبي، وهو أيضاً اسمه عبد الله، وكان اسمه: الحباب، فسماه رسول الله عَّ له: عبد الله، فقال: أنت عبد الله، والحباب شيطان، وقد كان أسلم وحسن إسلامه وشهد بدراً مسلماً مع رسول الله عَّه، وكان يصعب عليه صحبة أبيه للمنافقين، وهو الذي جلس على باب المدينة ومنع أباه في غزاة المريسيع من دخولها. قوله: ((ألبس))،، بفتح الهمزة من الإلباس. قوله: ((قال سفيان، فيرون .. )) إلى آخره، متصل عند سفيان أخرجه البخاري في أواخر الجهاد في: باب كسوة الأسارى، قال: حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا ابن عيينة عن عمر وسمع جابر بن عبد الله، قال: لما كان يوم بدر أتي بأسارى وأتي بالعباس ولم يكن عليه ثوب، فنظر النبي عَّ له قميصاً فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه، فكساه النبي عَِّ إياه، فلذلك نزع النبي عَّهِ قميصه الذي ألبسه. قال ابن عيينة: كانت له عند النبي عَُّلِّ يدٌ فأحب أن يكافئه. ذكر ما يستفاد منه: فيه: جواز إخراج الميت من قبره لعلة، وقد ذكرناه مستوفىّ، ومن العلة أن يكون دفن بلا غسل أو لحق الأرض المدفون فيها سيل أو نداوة، قاله الماوردي في أحكامه. وقال ابن المنذر: اختلف العلماء في نبش من دفن ولم يغسل فأكثرهم يجيز إخراجه وغسله، هذا قول مالك والشافعي، إلاَّ أن مالكاً قال: ما لم يتغير، وكذا عندنا: ما لم يتغير بالنتن. وقيل: ينبش ما دام فيه جزء من عظم وغيره، وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا وضع في اللحد ولم يغسل لا ينبغي أن ينبشوه، وبه قال أشهب، وكذلك اختلفوا فيمن دفن بغير صلاة، قال ابن المنذر: فعندنا لا ينبش بل يصلى على القبر، أللهم إلاَّ أن لا يهال عليه التراب فإنه يخرج ويصلى عليه، نص عليه الشافعي لعلة المشقة، وأنه لا يسمى نبشاً، وقيل: ترفع لبنته وهو في لحده مما يقابل وجهه لينظر بعضه فيصلى عليه، وقال ابن القاسم: يخرج ما ٢٣٩ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٧٧) لم يتغير، وهو قول سحنون. وقال أشهب: إن ذكروا ذلك قبل أن يهال عليه التراب أخرج وصلي عليه، وإن أهالوا فليترك، وإن لم يصل عليه. وعن مالك: إذا نسيت الصلاة على الميت حتى فرغ من دفنه لا أرى أن ينبشوه لذلك، ولا يصلى على قبره، ولكن يدعون له، وروى سعد بن منصور عن شريح بن عبيد: أن رجالاً قبروا صاحباً لهم لم يغسلوه ولم يجدوا له كفناً، فوجدوا معاذ بن جبل فأخبروه فأمرهم أن يخرجوه ثم غسل وكفن وحنط وصلى عليه، وفيه: ونفث عليه من ريقه. احتج به على من يرى نجاسة الريق والنخامة، وهو قول يروى عن سلمان الفارسي وإبراهيم النخعي، والعلماء كلهم على خلافه، والسنن وردت برده، فمعاذ الله من صحة خلافه والشارع علمنا النظافة والطهارة، وبه طهرنا الله من الأدناس، فريقه، عَّ له، يتبرك به ويستشفى. وفيه: أن الشهداء لا تأكل الأرض لحومهم، وقيل: أربعة لا تعدو عليهم الأرض ولا هوامها الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، والعلماء والشهداء والمؤذنون، وقيل: ذلك لأهل أحد كرامة لهم. ١٣٥١/١٠٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال أخبرنا بِشْرّ بنُ المُفَضَّلِ قال حدَّثنا حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ عِنْ عَطَاءٍ عنْ جابِرٍ رضي الله تعالى عنهُ. قال لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِي أبي مِنَ اللَّيْلِ فقال ما أُرَانِي إلاَّ مَقْتُولاً فِي أوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابَ النبيِّ عَلَّهِ وَإِنِّي لاَ أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ غَيْرَ نَفْسِ رسولِ اللهِ عَّهِ فَإِنَّ عَلَيَّ دَيْناً فَاقْضِ وَاسْتَوْصِ بِأُخَوَاتِكَ خَيْراً فأصْبَحْنَا فَكَانَ أوَّلَ قَتِيلٍ وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ فِي قَبْرٍ ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ الآخَرِ فاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةٍ أَشْهُرٍ فإذَا هُوَ كَيَوْمَ وَضَعْتُهُ هُنَّةٌ غَيْرَ أَذُنِهِ. [الحديث ١٣٥١ - طرفه في: ١٣٥٢]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فاستخرجته))، ورجاله قد ذكروا غير مرة، و: بشر، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة، والمفضل، بضم الميم وتشديد الضاد المعجمة، وعطاء هو ابن أبي رباح. وقال الجياني: كذا روي هذا الإسناد عن البخاري إلاَّ أبا علي بن السكن وحده، فإنه قال في روايته: شعبة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن جابر. وأخرجه أبو نعيم من طريق أبي الأشعث عن بشر بن المفضل، فقال: سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن جابر. وقال بعده: ليس أبو نضرة من شرط البخاري. قال: وروايته عن حسين عن عطاء عزيزة جداً. وأخرجه أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن سعيد بن يزيد أبي سلمة عن أبي نضرة عن جابر، قال: دفن مع أبي رجل فكان في نفسي من ذلك حاجة. فأخرجته بعد ستة أشهر، فما أنكرت منه شيئاً إلاّ شعيرات كن في لحيته مما يلي الأرض، وأبو نضرة: المنذر بن مالك العوفي. وأخرجه أيضاً ابن سعد والحاكم والطبراني من طريق سعيد عن أبي نضرة عن جابر، رضي الله تعالى عنه. ذكر معناه: قوله: ((لما حضر أحد))، أي: وقعة أحد، وإسناد الحضور إليه مجازي، وكانت وقعة أحد في سنة ثلاث من الهجرة، خرج النبي عَّ له، إليها عشية الجمعة لأربع عشرة خلت من شوال، وقال مالك: كانت أحد وخيبر في أول النهار. قوله: ((ما أراني))، ٢٤٠ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٧٧) بضم الهمزة أي: ما أظنني، أي: ما أظن نفسي، وذكر الحاكم في (مستدركه) عن الواقدي: أن سبب ظنه ذلك منام رآه أنه رأى مبشر بن عبد الله المنذر، وكان ممن استشهد ببدر، يقول له: أنت قادم علينا في هذه الأيام، فقصها على النبي عَِّ فقال: هذه شهادة، وفي رواية أبي علي بن السكن عن أبي نضرة. ((عن جابر: أن أباه قال له: إني معرض نفسي للقتل .. )) الحديث. وقال ابن التين: إنما قال ذلك بناء على ما كان عزم عليه، وإنما قال من أصحاب النبي عَّ له إشارة إلى ما أخبر به النبي عَّه أن بعض أصحابه سيقتل. قوله: ((فإن علي ديناً)) كانت عليه أوسق تمر ليهودي. قوله: ((فاقض))، من: قضى يقضي أي: أدّ الدين، ويروى: ((فاقضه))، بذكر الضمير الذي هو المفعول. قوله: ((واستوصٍ)) أي: أطلب الوصل بأخواتك خيراً، يقال: وصيت الشيء بكذا إذا وصلته به. قال ابن بطال: أي: إقبل وصيتي بالخير إليهن، وكانت له تسع أخوات باختلاف فيه، فوكد عليه فيهن مع ما كان في جابر من الخير، فوجب لهن: حق القرابة، وحق وصية الأب، وحق اليتيم، وحق الإسلام. وفي (الصحيح): ((لما قال له عَ لَّه: تزوجت بكراً أم ثيباً؟ قال: بل ثيباً، فقال: هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك؟ قال: إن أبي ترك أخوات كرهت أن أضم إليهن خرقاء مثلهن)). فلم ينكر عليه ذلك. قوله: ((أن أتركه))، أن: مصدرية أي: لم تطب نفسي تركه مع الآخر، وهو عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام الأنصاري، وكان صديق والد جابر وزوج أخته هند بنت عمرو، فكان جابر سماه عماً تعظيماً. وقال ابن إسحاق في (المغازي): حدثني أبي عن رجال من بني سلمة أن النبي عَِّ قال حين أصيب عبد الله بن عمرو وعمرو بن الجموح: إجمعوا بينهما، فإنهما كانا متصادقين في الدنيا. وفي (مغازي الواقدي) عن عائشة: أنها رأت هند بنت عمرو تسوق بعيراً لها عليه زوجها عمرو بن الجموح وأخوها عبد الله بن عمرو بن حرام لتدفنها بالمدينة ثم أمر رسول الله عَّ له برد القتلى إلى مضاجعهم، وروى أحمد في (مسنده): بإسناد حسن من حديث أبي قتادة، قال: قتل عمرو بن الجموح وابن أخيه يوم أحد فأمر بهما رسول الله عَّله فجعلا في قبر واحد، وقال أبو عمر في (التمهيد): ليس هو ابن أخيه، وإنما هو ابن عمه، قوله: ((فاستخرجته بعد ستة أشهر)) أي: من يوم دفنته. فإن قلت: وقع في (الموطأ) عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة له: بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاري كانا قد حفر السيل قبرهما، وكانا في قبر واحد، فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما، فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس، وكان بين أحد ويوم حفر عنهما ست وأربعون سنة. انتهى. وهذا يخالف ما ذكره جابر. قلت: أجاب ابن عبد البر بتعدد القصة، ورد عليه بعضهم بقوله: لأن الذي في حديث جابر أنه دفن أباه في قبر واحد بعد ستة أشهر، وفي حديث (الموطأ) أنهما وجدا في قبر واحد بعد ستة وأربعين سنة، فإما أن المراد بكونهما في قبر واحد قرب المجاورة، أو أن السيل غرق أحد القبرين فصارا كقبر واحد. قلت: فيه ما لا يخفى، والأوجه أن يقال: المنقول عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة بلاغ فلا يقاوم المروي عن جابر، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((فإذا هو)) كلمة: إذا،