النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٥٠)
الأحاديث في تعليل القيام لها، فتراها أحسن وأوجه من الذي ذكره بعضهم في هذا الموضع.
١٣١٣ _ وقال أبُو حمْزَةُ عن الأَعْمَشِ عنْ عَمْرٍو عنِ ابنِ أبي لَيْلَى. قال كنْتُ مَعَ
قَيْسٍ وسَهْلٍ رضي الله تعالى عنهما فقَالاً كُنَّا مَعَ النبيِّ عَ له
أبو حمزة، بالحاء المهملة: واسمه محمد بن ميمون السكري، مر في: باب نقض
اليدين من الغسل، والأعمش هو سليمان، وعمرو - بالواو - هو عمرو بن مرة المذكور، وهذا
تعليق وصله أبو نعيم في (المستخرج) من طريق عبدان عن أبي حمزة ولفظه نحو حديث
شعبة إلاَّ أنه قال في روايته: ((فمرت عليهما جنازة فقاما))، ولم يقل فيه: بالقادسية، وأراد
البخاري بهذا التعليق بيان سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى لهذا الحديث من سهل وقيس،
وقال الكرماني: وأراد بهذا التقوية حيث قال بلفظ: كنا، بخلاف الطريق الأول فإنه يحتمل
الإرسال.
وقال زَكَرِيَّاءُ عنِ الشَّعْبِيِّ عنِ ابنِ أبِي لَيْلَى كَانَ أَبُو مَسْعُودٍ وقَيْسٌ يَقُومَانِ لِلْجَنَازَةِ
زكريا هو: ابن أبي زائدة، من الزيادة، والشعبي هو: عامر بن شراحيل، وهذا تعليق
وصله سعيد بن منصور عن سفيان بن عيينة عن زكريا، وأبو مسعود اسمه: عقبة بن عمرو
الأنصاري الخزرجي البدري، ولم يشهد بدراً، وإنما قيل له البدري لأنه من ماء بدر، سكن
الكوفة، مر في: باب ما جاء أن الأعمال بالنية، وقيس هو المذكور ابن سعد، وغرضه من
ذكر أبي مسعود هو الإشارة إلى أنه كان يقوم للجنازة مثل قيس.
٥٠ - بابُ حَمْلِ الرِّجَالِ الجَنَازَةَ دُونَ النِّسَاءِ
أي: هذا باب في بيان حمل الرجال الجنازة دون حمل النساء إياها، لأنه ورد في
حديث أخرجه أبو يعلى ((عن أنس، رضي الله تعالى عنه، قال: خرجنا مع رسول الله عَّ ◌ُله في
جنازة، فرأى نسوة فقال: أتحملنه؟ قلن: لا. قال: أتدفنه؟ قلن: لا. قال: فارجعن مأزورات غير
مأجورات)). لأن الرجال أقوى لذلك والنساء ضعيفات ومظنة للانكشاف غالباً، خصوصاً إذا
باشرن الحمل، ولأنهن إذا حملنها مع وجود الرجال لوقع اختلاطهن بالرجال، وهو محل الفتنة
ومظنة الفساد. فإن قلت: إذا لم يوجد رجال؟ قلت: الضرورات مستثناة في الشرع.
٧١/ ١٣١٤ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ اللهِ قال حدثنا الليْثُ عنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ عنْ
أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ الله عَِّ قال إذَا وُضِعَتِ
الجِنَازَةُ وَاخْتَمَلَهَا الرِّجالُ عَلَى أَغْناقِهِمْ فإنْ كانَتْ صالِحَةً قالَتْ قَدِّمُونِي وَإِنْ كانَتْ غَيْرَ
صالِحَةٍ قَالَتْ يا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيءٍ إِلاَّ الإِنْسَانَ وَلَوْ سَمِعَهُ
لَصَعِقَ. [الحديث ١٣١٤ - طرفاه في: ١٣١٦، ١٣٨٠].
مطابقته للترجمة في قوله: ((واحتملها الرجال)) فإن قلت: هذا إخبار، فكيف يكون
عمدة القاري / ج٨ / ١١٢

١٦٢
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٥١)
حجة في منع النساء؟ قلت: كلام الشارع مهما أمكن يحمل على التشريع لا مجرد الإخبار
عن الواقع.
ورجاله تقدموا غير مرة، واسم أبي سعيد: كيسان، واسم أبي سعيد الخدري: سعد بن
مالك، والحديث أخرجه النسائي أيضاً عن قتيبة.
ذكر معناه: قوله: ((إذا وضعت الجنازة))، أي: الميت على النعش، وقد ذكرنا أن هذا
اللفظ يطلق على الميت وعلى السرير الذي يحمل عليه الميت، ويحتمل أن يراد بها النعش،
ولفظ: احتملها، يؤكده ويكون إسناد القول إليه مجازاً. قوله: ((يا ويلها))، معناه: يا حزني
احضر فهذا أوانك، وكان القياس أن يقال: يا ويلي، لكنه أضيف إلى الغائب حملاً على
المعنى، كأنه لما أبصر نفسه غير صالحة نفر عنها وجعلها كأنها غيره، وكره أن يضيف الويل
إلى نفسه. قوله: ((لصعق)) الصعق: أن يغشى على الإنسان من صوت شديد يسمعه، وربما
مات منه، وقال ابن بطال: ((قدموني)) أي: إلى العمل الصالح الذي عملته، يعني إلى ثوابه.
وفي لفظ: ((يسمع))، دلالة أن القول ههنا حقيقة لا مجاز، وأنه تعالى يحدث النطق في
الميت إذا شاء. وقال: يا ويلها، لأنها تعلم أنها لم تقدم خيراً، وأنها تقدم على ما يسوؤها
فتكره القدوم عليها، والضمير في قوله: ((لو سمعه)) راجع إلى دعائه بالويل على نفسها، أي:
تصيح بصوت منكر لو سمعه الإنسان لأغشي عليه.
٥١ - بابُ السُّرْعَةِ بِالْجِنَازَةِ
أي: هذا باب في بيان الإسراع بالجنازة بعد الحمل.
وقال أنَسّ رضي الله تعالى عنهُ أنْتُمْ مُشَيِّعُونَ فَامْشُوا بَيْنَ يَدَيْهَا وَخَلْفَهَا وَعَنْ يَمِينِهَا وعَنْ
شِمَالِهَا
مطابقته للترجمة من حيث إن السرعة بالجنازة لا تكون غالباً إلاَّ في وجهات مختلفة،
ولا تكون في جهة معينة لتفاوت الناس في المشي، وتحصل المشقة من بعضهم على بعض
في تعيين جهة، فإذا كان كذلك تكون السرعة من جوانبها الأربع، وهذا التعليق ذكره ابن
أبي شيبة عن أبي بكر بن عياش عن حميد عن أنس في الجنازة: أنتم مشيعون لها تمشون
أمامها وخلفها وعن يمينها وعن شمالها. وأخرجه عبد الرزاق عن أبي جعفر الرازي عن حميد
به. قوله: ((فامشوا)) بصيغة الجمع، رواية الكشميهني، وفي رواية الأكثرين: ((فامش))، بالإفراد
والأول أنسب.
وقال غَيْرُهُ: قَرِيباً مِنْهَا
أي: قال غير أنس: امشٍ قريباً من الجنازة، والمقصود أن يكون قريباً من الجنازة من
أي جهة كان، لاحتمال أن يحتاج حاملوها إلى المعاونة، فإن بعد منها لم يكن مشيعاً، فإن
كانت المتابعة بعده لكثرة الجماعة حصل له فضل المتابعة، وقال بعضهم: والغير المذكور

١٦٣
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٥١)
أظنه عبد الرحمن بن قرط، بضم القاف وسكون الراء بعدها طاء مهملة. قال سعيد بن منصور:
حدثنا مسكين بن ميمون حدثني عروة بن رويم، قال: ((شهد عبد الرحمن بن قرط جنازة فرأى
ناساً تقدموا، وآخرين استأخروا، فأمر بالجنازة فوضعت، ثم رماهم بالحجارة حتى اجتمعوا
إليه، ثم أمر بها فحملت، ثم قال: بين يديها وخلفها وعن يسارها وعن يمينها)). انتهى. قلت:
هذا تخمين وحسبان، ولئن سلمنا إنه هو ذاك الغير، فلا نسلم أن هذا مناسب لما ذكره الغير،
بل هو بعينه مثل ما قاله أنس، ولا يخفى ذلك على المتأمل، وعبد الرحمن المذكور صحابي
ذكر البخاري وغيره أنه كان من أهل الصفة، وكان والياً على حمص في زمن عمر، رضي
الله تعالى عنه.
٧٢/ ١٣١٥ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ قال حدَّثنا سُفْيَانُ قال حَفِظْنَاهُ عن الزهْرِيِّ عنْ
سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَّ له قال: أَسْرِعُوا بِالجِنَازَةِ
فإنْ تَكُ صالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ وَإِنْ تَكُ سِوَى ذُلِكَ فَشَرٌ تَضَعُونَهُ عنْ رِقَابِكُمْ.
مطابقته للترجمة ظاهرة، ورجاله قد ذكروا غير مرة، وعلي بن عبد الله هو ابن
المديني، وسفيان هو ابن عيينة، والزهري هو محمد بن مسلم.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب.
وأخرجه أبو داود عن مسدد يبلغ به. وأخرجه الترمذي عن أحمد بن منيع، وأخرجه النسائي
عن قتيبة. وأخرجه ابن ماجه عن ابن أبي شيبة وهشام بن عمار، كلهم عن سفيان به.
ذكر معناه: قوله: ((حفظناه))، ويروى: ((حفظته)). قوله: ((عن الزهري))، هو رواية
المستملي بكلمة: عن، وفي رواية غيره: من، بدل: عن. قوله: ((أسرعوا))، أمر من الإسراع
وليس المراد بالإسراع شدة الإسراع، بل المراد المتوسط بين شدة السعي وبين المشي
المعتاد، بدليل قوله في حديث أبي بكرة: ((وإنا لنكاد أن نرمل))، ومقاربة الرمل ليس بالسعي
الشديد، قاله شيخنا زين الدين. قلت: في رواية أبي داود ((عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه:
أنه كان في جنازة عثمان بن أبي العاص، وكنا نمشي مشياً خفيفاً. فلحقنا أبو بكرة، فرفع
صوته فقال: لقد رأيتنا ونحن مع رسول الله عَ لِّ نرمل رملاً)). قوله: ((نرمل))، من رمل رملاً
ورملاناً: إذا أسرع في المشي، وهز منكبه. قلت: مراده الإسراع المتوسط، ويدل عليه ما رواه
ابن أبي شيبة، في (مصنفه) من حديث عبد الله بن عمرو: ((إن أباه أوصاه قال: إذا أنت
حملتني على السرير فامشٍ مشياً بين المشيين، وكن خلف الجنازة، فإن مقدمها للملائكة
وخلفها لبني آدم)). قوله: ((بالجنازة)) أي: يحملها إلى قبرها. وقيل: المراد الإسراع بتجهيزها
وتعجيل الدفن بعد تيقن موته، لحديث حصين بن وحوح ((إن طلحة بن البراء مرض، فأتاه
النبي عَُّلِّ يعوده، فقال: إني لا أرى طلحة إلاَّ وقد حدث به الموت، فآذونني به وعجلوا فإنه
لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله)). رواه أبو داود. قلت: حصين، بضم الحاء
وفتح الصاد المهملتين، وابن وحوح بواوين مفتوحتين، وحائين مهملتين أولاهما ساكنة، وهو

١٦٤
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٥١)
أنصاري له صحبة. قيل: إنه مات بالعذيب، روى له أبو داود، وروى الطبراني بإسناد حسن
من حديث ابن عمر: سمعت رسول الله عَّ له، يقول: ((إذا مات أحدكم فلا تحبسوه، وأسرعوا
به إلى قبره)). وقال القرطبي: الأول: أظهر، وقال النووي الثاني: باطل مردود، بقوله في
الحديث: ((تضعونه عن رقابكم))، ورد عليه بأن الحمل على الرقاب قد يعبر به عن المعاني،
كما تقول: حمل فلان على رقبته ذنوباً، فيكون المعنى: استريحوا من نظر من لا خير فيه،
ويدل عليه أن الكل لا يحملونه. قلت: ويؤيده حديث أبي داود والطبراني المذكور. قوله:
((فإن تك))، أصله: فإن تكن، حذفت النون للتخفيف، والضمير الذي فيه يرجع إلى الجنازة
التي هي عبارة عن الميت. قوله: ((صالحة))، نصب على الخبرية. قوله: ((فخير))، مرفوع على
أنه خبر مبتدأ محذوف أي: فهو ((وخير، تقدمونها إليه)) يوم القيامة، أو: هو، مبتدأ أي: فئمة
خير تقدمون الجنازة إليه، يعني حاله في القبر حسن طيب فأسرعوا بها حتى تصل إلى تلك
الحالة قريباً. قوله: ((إليه)) الضمير فيه يرجع إلى الخير باعتبار الثواب. وقال ابن مالك: روي:
(تقدمونه إليها)) أي: تقدمون الميت إليها أي: إلى الخير، وأنث الضمير على تأويل الخير
بالرحمة أو الحسنى، قوله: ((فشر)) إعرابه مثل إعراب: ((فخير)). قوله: ((تضعونه)) أي: إنها بعيدة
من الرحمة فلا مصلحة لكم في مصاحبتها.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: الأمر بالإسراع ونقل ابن قدامة أن الأمر فيه للاستحباب بلا
خلاف بين العلماء. وقال ابن حزم: وجوبه، وفي (شرح المهذب): جاء عن بعض السلف
كراهة الإسراع بالجنازة، ولعله يكون محمولاً على الإسراع المفرط الذي يخاف منه انفجار
الميت، وخروج شيء منه. وقال بعضهم: والمراد بالإسراع شدة المشي، وعلى ذلك حمله
بعض السلف، وهو قول الحنفية. وقال صاحب (الهداية): ويمشون بها مسرعين دون الخبب.
وفي (المبسوط): ليس فيه شيء موقت، غير أن العجلة أحب إلى أبي حنيفة. قلت: قوله:
وهو قول الحنفية، غير صحيح، ولم يقل أحد منهم بشدة المشي، وعذا صاحب (الهداية)
الذي لا يذكر إلاَّ ما هو العمدة عند أبي حنيفة، يقول: ويمشون بها مسرعين دون الخبب،
وقوله: دون الخبب، يدل على أن المراد من الإسراع: الإسراع المتوسط لا شدة الإسراع
التي هي الخبب، وهو العدو. وكذلك المراد من قول صاحب (المبسوط): العجلة أحب هي
العجلة المتوسطة لا الشديدة، والعجب من هذا القائل يقول شدة المشي قول الحنفية، ثم
يذكر عن كتابين معتبرين في المذهب ما يدل على نفي شدة المشي، لأن قوله: دون
الخبب، هو شدة المشي وقال البيهقي في (المعرفة) قال الشافعي: الإسراع بالجنازة هو فوق
سجية المشي المعتاد، ويكره الإسراع الشديد.
فإن قلت: روى البخاري ومسلم من رواية عطاء قال: حضرنا مع ابن عباس، رضي الله
تعالى عنه، جنازة ميمونة، رضي الله تعالى عنها، بسرف، فقال ابن عباس: هذه ميمونة إذا
رفعتم نعشها فلا تزعزعوه ولا تزلزلوه وارفقوا. وروى ابن أبي شيبة في (مصنفه) عن محمد بن
فضيل عن بنت أبي بردة ((عن أبي موسى، قال: مر على النبي، عَّهِ، بجنازة وهي تمحض

١٦٥
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٥٢)
كما يمحض الزق، فقال: عليكم بالقصد في جنائزكم)) وهذا يدل على استحباب الرفق
بالجنازة وترك الإسراع، قلت: أما ابن عباس فإنه أراد الرفق في كيفية الحمل لا في كيفية
المشي بها، وأما حديث أبي موسى فإنه منقطع بين بنت أبي بردة وبين أبي موسى، ومع ذلك
فهو ظاهر في أنه كان يفرط في الإسراع بها، ولعله خشي انفجارها أو خروج شيء منه، وكذا
الحكم عند ذلك في كل موضع. وفيه: استحباب المبادرة إلى دفن الميت، لكن بعد تحقق
موته، فإن من المرضى من يخفى موته ولا يظهر إلاّ بعد مضي زمان، كالمسبوت ونحوه،
وعن ابن بزيزة: ينبغي أن لا يسرع بتجهيزهم حتى يمضي يوم وليلة ليتحقق موتهم. وفيه:
مجانبة صحبة أهل البطالة وصحبة غير الصالحين.
٥٢ - بابُ قَوْلِ المَيِّتِ وَهْوَ عَلَى الجِنَازَةِ قَدِّمُونِي
أي: هذا باب في بيان قول الميت وهو على النعش: قدموني، وهذا القول إذا كان
صالحاً.
١٣١٦/٧٣ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال حدَّثنا اللَّيْثُ قال حدَّثنا سَعِيدٌ عنْ أَبِيهِ
أنَّهُ سَمِعَ أبَا سَعِيدِ الخُذْرِيَّ رضي الله تعالى عنهُ. قال كانَ النبيُّ عَّلَهِ يَقُولُ إذَا وُضِعَتِ
الجِنَازَةُ فاخْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ فإنْ كانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ قَدِّمُونِي وَإِنْ كانَتْ غَيْرَ
صالِحَةٍ قَالَتْ لِأهْلِهَا يا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيءٍ إلَّ الإنْسَانَ ولَوْ
سَمِعَ الإنْسَانُ لَصَعِقَ. [انظر الحديث ١٣١٤ وطرفه].
مطابقته للترجمة في قول الجنازة ((قدموني)). ورجاله مضوا غير مرة، وسعيد المقبري
يروي عن أبيه كيسان عن أبي سعيد الخدري سعد بن مالك، رضي الله تعالى عنه. والحديث
مر في الباب الذي قبل الباب السابق، وقد مر الكلام فيه مستوفى.
قوله: ((إذا وضعت الجنازة)) فيه احتمالان. الأول: أن يكون المراد من الجنازة نفس
الميت، وبوضعه جعله على السرير. والثاني: أن يكون المراد النعش، ووضعها على الأعناق،
والظاهر هو الأول، ويؤيده رواية عبد الرحمن ابن مولى أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، قال:
أوصى أبو هريرة، رضي الله تعالى عنه، إذا أنا مت فلا تضربوا علي فسطاطاً ولا تتبعوني بنار،
وأسرعوا بي، فإني سمعت رسول الله، عَّه، يقول: ((إن المؤمن إذا وضع على سريره قال:
قدموني قدموني، فإن الكافر إذا وضع على سريره قال: يا ويله أين تذهبون به)). رواه أبو داود
الطيالسي عن ابن أبي ذئب عن سعيد عن عبد الرحمن إلى آخره. وقال ابن بطال: إنما يقول
ذلك الروح، ورد عليه بأنه لا مانع أن يرد الله الروح إلى الجسد في تلك الحال ليكون ذلك
زيادة في بشرى المؤمن وبؤساً للكافر. وأجيب: بأن دعوى إعادة الروح إلى الجسد قبل الدفن
يحتاج إلى دليل، والله عز وجل قادر على أن يحدث نطقاً في الميت إذا شاء. وقال ابن
بزيزة: في قوله: ((يسمع صوتها كل شيء)). هو بلسان المقال لا بلسان الحال، وكذا قال في
قوله: ((لصعق)) أنه مختص بالميت الذي هو غير صالح، وأما الصالح فمن شأنه اللطف والرفق

١٦٦
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِرِ / باب (٥٣)
في كلامه، فلا يناسب الصعق من سماع كلامه. قوله: ((وإن كانت غير ذلك))، وفي رواية
الكشميهني: ((وإن كانت غير صالحة))، واستدل بالحديث المذكور على أن كلام الميت
يسمعه كل حيوان غير الإنسان، وقال ابن بطال: المعنى يسمعها من له عقل كالملائكة
والجن لأن المتكلم روح إنما يسمع الروح من هو مثله، ورد بأنه لا مانع من إنطاق الله تعالى
الجسد بغير روح، وهو على كل شيء قدير.
٥٣ - بابُ مَنْ صَفَّ صَفَّيْنِ أوْ ثَلاثَةً عَلَى الجَنَازَةِ خَلْفَ الإِمَامِ
أي: هذا باب في بيان من صف الناس صفين أو ثلاثة صفوف على الجنازة خلف
الإمام، واعترض على هذه الترجمة من وجهين: الأول: أن في حديث الباب قول جابر: كنت
في الصف الثاني والثالث، لا يلزم منه أن يكون منتهى الصفوف، والثاني: ليس فيه ما يدل
على كون الصفوف خلف الإمام. وأجيب: عن الأول: بأن في حديث مسلم عن جابر: فقمنا
فصففنا صفين، فدل هذا أن قوله: والثالث، شك هل كان هناك صف ثالث أم لا. وعن
الثاني: بأن البخاري روى في هجرة الحبشة عن قتادة بهذا الإسناد بزيادة: ((فصفنا وراءه))
وسيأتي في حديث أبي هريرة بلفظ: فصفوا خلفه، والأحاديث يفسر بعضها بعضاً، ولا سيما
إذا كان المخرج واحداً والأصل متحداً.
٧٤/ ١٣١٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ عنْ أَبِي عَوَانَةَ عنْ قَتَادَةَ عنْ عَطَاءٍ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله
رضي الله تعالى عنهما أنَّ رسولَ اللهِ عَ لَّهِ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ فَكُنْتُ في الصَّفِّ الثَّانِي أَوِ
الثَّالِثِ. [الحديث ١٣١٧ - أطرافه في: ١٣٢٠، ١٣٣٤، ٣٨٧٧، ٣٨٧٨، ٣٨٧٩].
:
وجه المطابقة بين الترجمة والحديث قد ذكرناه آنفاً، وأبو عوانة الوضاح بن عبد الله
اليشكري.
والحديث أخرجه البخاري، رضي الله تعالى عنه، أيضاً في هجرة الحبشة عن عبد
الأعلى عن يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به.
قوله: ((النجاشي)) ملك الحبشة بتخفيف الياء، قال صاحب (المغرب): سماعاً من
الثقات، وهو اختيار الفارابي، وعن صاحب (التكملة) بالتشديد وعن الهروي كلتا اللغتين، وأما
تشديد الجيم فخطأ.
ومما يستفاد منه: استحباب صف أو صفين وراء الإمام في الصلاة على الميت.
٥٤ - بابُ الصُّفُوفِ عَلَى الجِنَازَةِ
أي: هذا باب في بيان الصفوف في الصلاة على الجنازة.
٧٥/ ١٣١٨ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعِ قال حدَّثنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ
عن سَعِيدٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ. قال نَعى النبيُّ عَّهِ إِلَى أَصْحَابِهِ النَّجَاشِيَّ ثُمَّ

١٦٧
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٥٤)
تَقَدَّمَ فَصَفُوا خَلْفَهُ فَكَبَّرِ أَرْبَعاً. [أنظر الحديث ١٢٤٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فصفوا خلفه))، لأنه يدل على الصفوف، إذ الغالب أن
الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، مع كثرة الملازمة للرسول عَ لٍ لا يسعون صفاً أو صفين.
فإن قلت: الحديث لا يدل على الجنازة؟ قلت: المراد من الجنازة الميت، سواء كان مدفوناً
أو غير مدفون. فإن قلت: أحاديث الباب ليس فيها صلاة على جنازة، وإنما فيها الصلاة على
الغائب أو على من في القبر. قلت: الاصطفاف إذا شرع والجنازة غائبة ففي الحاضرة أولى.
ويزيد - من الزيادة - وزريع، بضم الزاي وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف،
ومعمر، بفتح الميمين: ابن راشد، والزهري: محمد بن مسلم، وسعيد ابن المسيب.
وأخرجه الترمذي أيضاً في الجنائز عن أحمد بن منيع. وأخرجه النسائي فيه عن محمد
ابن رافع، وأخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة. وقال ابن بطال: أومأ المصنف إلى
الرد على عطاء حيث ذهب إلى أنه لا يشرع فيها تسوية الصفوف، كما رواه عبد الرزاق عن
ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أحق على الناس أن يسووا صفوفهم على الجنائز كما يسوونها
في الصلاة؟ قال: لا، إنما يكبّرون ويستغفرون. وقال الطبري: ينبغي لأهل الميت إذا لم يخشوا
عليه التغير أن ينتظروا به اجتماع قوم حتى يقوم منهم ثلاثة صفوف لهذا الحديث. قلت:
لأجل ذلك ذكر البخاري: باب الصفوف، بصيغة الجمع، وجعل الصفوف ثلاثاً مستحب لما
رواه أبو داود وغيره من حديث مالك بن هبيرة مرفوعاً: ((من صلى عليه ثلاث صفوف فقد
أوجب)). ورواه الترمذي وحسنه، وصححه الحاكم، وفي رواية: ((إلاّ غفر له)). وروى الترمذي
من حديث عائشة عن النبي عَ ل قال: ((لا يموت أحد من المسلمين فيصلي عليه أمة من
المسلمين يبلغوا أن يكونوا مائة يشفعوا له إلاَّ شفعوا فيه)). ورواه أيضاً مسلم والنسائي.
وروى ابن ماجه بسند صحيح عن أبي هريرة عن النبي صَ لّه قال: ((من صلى عليه مائة من
المسلمین غفر له)).
وروى النسائي من حديث أبي المليح: حدثني عبد الله عن إحدى أمهات المؤمنين
وهي ميمونة زوج النبي عَّ له قالت: أخبرني النبي عَّ له قال: ((ما من ميت يصلي عليه أمة من
الناس إلاَّ شفعوا فيه، فسألت أبا المليح عن الأمة قال: أربعون)). وروى مسلم وأبو داود وابن
ماجه من رواية شريك بن عبد الله عن كريب، قال: مات ابن لابن عباس بقديد أو بعسفان،
فقال: يا كريب انظر ما اجتمعوا له من الناس؟ فخرجت فإذا الناس قد اجتمعوا له، فأخبرته
فقال: أتقول وهم أربعون؟ قلت: نعم، قال: أخرجوه، فإني سمعت رسول الله عَ لّه يقول: ((ما
من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلاَّ شفعهم الله
فيه)). فإن قلت: كيف الجمع بين هذه الأحاديث؟ قلت: قال القاضي عياض: إن هذه
الأحاديث خرجت أجوبة لسائلين سألوا عن ذلك، فأجاب كل واحد عن سؤاله، وقال النووي:
يحتمل أن يكون النبي عَّلله أخبر بقبول شفاعة مائة فأخبر به. ثم بقبول شفاعة أربعين، ثم
ثلاثة صفوف. وإن قل عددهم فأخبر به. ويحتمل أن يقال: هذا مفهوم عدد ولا يحتج به
:

١٦٨
٢٣ - كِتّابُ الجَنَائِزِ / باب (٥٤)
جماهير الأصوليين، فلا يلزم من الإخبار عن قبول شفاعة مائة منع قبول ما دون ذلك، وكذا
في الأربعين مع ثلاثة صفوف.
قوله: ((فكبر أربعاً))، يدل على أن تكبيرات الجنازة أربع، وبه احتج جماهير العلماء
منهم: محمد بن الحنفية وعطاء بن أبي رباح ومحمد بن سيرين والنخعي وسويد بن غفلة
والثوري وأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد. ويحكى ذلك عن: عمر بن الخطاب وابنه عبد
الله وزيد بن ثابت وجابر وابن أبي أوفى والحسن بن علي والبراء بن عازب وأبي هريرة وعقبة
ابن عامر، رضي الله تعالى عنهم، وذهب قوم إلى أن التكبير على الجنائز خمس، من: عبد
الرحمن بن أبي ليلى وعيسى مولى حذيفة وأصحاب معاذ بن جبل وأبو يوسف من أصحاب
أبي حنيفة وهو مذهب الشيعة والظاهرية. وقال الحازمي: وممن رأى التكبير على الجنائز
خمساً ابن مسعود وزيد بن أرقم وحذيفة بن اليمان. وقالت فرقة: يكبر سبعاً، روي ذلك عن
زر بن حبيش، وقالت فرقة: یکبر ثلاثاً، روي ذلك عن أنس وجابر بن زيد، وحکاه ابن المنذر
عن ابن عباس، وقال ابن أبي شيبة في (مصنفه): حدثنا ابن فضيل عن يزيد عن عبد الله بن
الحارث قال: ((صلى رسول الله عَ ليه على حمزة فكبر عليه تسعاً، ثم جيء بأخرى فكبر
عليها سبعاً ثم جيء بأخرى فكبر عليها خمساً، حتى فرغ منهن، غير أنهن وتراً)). وقال ابن
قدامة: لا يختلف المذهب أنه لا تجوز الزيادة على سبع تكبيرات، ولا النقص من أربع،
والأولی أربع لا یزاد عليها.
واختلفت الرواية فيما بين ذلك، فظاهر كلام الخرقي أن الإمام إذا كبر خمساً تابعه
المأموم ولا يتابعه في زيادة عليها، ورواه الأثرم عن أحمد، وروى حرب عن أحمد: إذا كبر
خمساً لا يكبر معه ولا يسلم إلاَّ مع الإمام، وممن لا يرى متابعة الإمام في زيادة على أربع:
الثوري ومالك وأبو حنيفة والشافعي: واختاره ابن عقيل: واحتج الذين ذهبوا إلى أن التكبير
على الجنازة خمس بحديث زيد بن أرقم، أخرجه مسلم من حديث عبد الرحمن بن أبي
ليلى قال: كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعاً، وأنه كبر على جنازة خمساً، فسألته،
فقال: كان رسول الله عَّلَلم يكبرها. وأخرجه الأربعة أيضاً. والطحاوي، وبحديث حذيفة بن
اليمان أخرجه الطحاوي: حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا عيسى بن إبراهيم قال: حدثنا عبد
العزيز بن مسلم عن يحيى بن عبد الله التميمي، قال: صليت مع عيسى مولى حذيفة بن
اليمان على جنازة فكبر عليها خمساً، ثم التفت إلينا فقال: ما وهمت ولا نسيت، ولكني
كبرت كما كبر مولاي وولي نعمتي، يعني حذيفة بن اليمان، صلى على جنازة فكبر عليها
خمساً، ثم التفت إلينا فقال: ما وهمت ولا نسيت ولكني كبرت كما كبر رسول الله، عَ لَّهِ،
وبحديث عمرو بن عوف، أخرجه ابن ماجه من رواية كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن
رسول الله عَِّ كبر خمساً، واسم جده عمرو بن عوف المزني.
:
والجواب عن الأحاديث التي فيها التكبير على الجنازة بأكثر من أربع: أنها منسوخة،
وقال الطحاوي بإسناده عن إبراهيم، قال: قبض رسول الله عٍَّ والناس مختلفون في التكبير

١٦٩
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٥٤)
على الجنازة، لا تشاء أن تسمع رجلاً يقول: سمعت رسول الله عَّ لم يكبر سبعاً، وآخر يقول:
سمعت رسول الله عٍَّ يكبر خمساً، وآخر يقول: سمعت رسول الله، عَّه يكبر أربعاً ألا
سمعته، فاختلفوا في ذلك، فكانوا على ذلك حتى قبض أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، فلما
ولي عمر، رضي الله تعالى عنه، ورأى اختلاف الناس في ذلك شق عليه جداً، فأرسل إلى
رجال من أصحاب رسول الله عَّ فقال: إنكم معاشر أصحاب رسول الله عَ لِّ، متى
تختلفون على الناس يختلفون من بعدكم، ومتى تجتمعون على أمر يجتمع الناس عليه،
فانظروا أمراً تجتمعون عليه، فكأنما أيقظهم، فقالوا: نعم ما رأيت يا أمير المؤمنين فأشر علينا،
فقال عمر، رضي الله تعالى عنه: بل أشيروا علي، فإنما أنا بشر مثلكم، فتراجعوا الأمر بينهم
فأجمعوا أمرهم على أن يجعلوا التكبير على الجنائز مثل التكبير في الأضحى، والفطر أربع
تكبيرات، فأجمع أمرهم على ذلك، فهذا عمر، رضي الله تعالى عنه، قد رد الأمر في ذلك
إلى أربع تكبيرات بمشورة أصحاب رسول الله عَّ له بذلك، وهم حضروا من فعل رسول الله.
ما رواه حذيفة وزيد بن أرقم، فكانوا ما فعلوا، فمن ذلك عندهم هو أولى مما قد كانوا فذلك
نسخ لما كانوا قد عملوا لأنهم مأمونون على ما قد فعلوا، كما كانوا مأمونين على ما قد
رووا.
فإن قلت: كيف ثبت النسخ بالإجماع؟ لأن الإجماع لا يكون إلاَّ بعد النبي عَ لَّه،
وأوان النسخ حياة النبي عَّم للاتفاق على أن لا نسخ بعده؟ قلت: قد جوز ذلك بعض
مشايخنا بطرق أن الإجماع يوجب علم اليقين كالنص، فيجوز أن يثبت النص به، والإجماع
في كونه حجة أقوى من الخبر المشهور، فإذا كان النسخ يجوز بالخبر المشهور فجوازه
بالإجماع أولى، على أن ذلك الإجماع منهم إنما كان على ما استقر عليه آخر أمر النبي عَ له.
الذي قد رفع كل ما كان قبله مما يخالفه، فصار الإجماع مظهراً لما قد كان في حياة النبي
عَّ اللّه فافهم. حتى قال بعضهم: إن حديث النجاشي هو الناسخ لأنه مخرج في الصحيح من
رواية أبي هريرة، قالوا: وأبو هريرة متأخر الإسلام، وموت النجاشي كان بعد إسلام أبي هريرة،
رضي الله تعالى عنه، ومما يؤكد هذا ما رواه قاسم بن أصبغ من حديث أبي بكر بن سليمان
بن أبي حثمة عن أبيه، ((قال: كان النبي، عَّهِ، يكبر على الجنائز أربعاً وخمساً وستاً وسبعاً
وثمانياً، حتى مات النجاشي فخرج إلى المصلى فصف الناس من ورائه فكبر عليه أربعاً، ثم
ثبت النبي معَّهِ على أربع حتى توفاه الله تعالى)).
وفيه: معجزة عظيمة للنبي، عَّهِ، حيث أعلم الصحابة بموت النجاشي في اليوم الذي
مات فيه مع بعد عظيم ما بين أرض الحبشة والمدينة. وفيه: حجة للحنفية والمالكية في منع
الصلاة على الميت في المسجد، لأنه عَّ خرج بهم إلى المصلى نصف بهم، وصلى
عليه، ولو ساغ أن يصلى عليه في المسجد لما خرج بهم إلى المصلى. وقال النووي: لا
حجة فيه، لأن الممتنع عند الحنفية إدخال الميت المسجد لا مجرد الصلاة عليه، حتى لو
كان الميت خارج المسجد جازت الصلاة عليه لمن هو داخله. وقال ابن بزيزة وغيره:

١٧٠
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٥٤)
استدل به بعض المالكية، وهو باطل، لأنه ليس فيه صيغة نهي لاحتمال أن يكون خرج بهم
إلى المصلى لأمر غير المعنى المذكور، وقد ثبت أنه عَِّ صلى على سهيل بن بيضاء في
المسجد، فكيف يترك هذا الصريح لأمر محتمل؟ بل الظاهر أنه إنما خرج بالمسلمين إلى
المصلى لقصد تكثير الجمع الذين يصلون عليه، ولإشاعة كونه مات على الإسلام، فقد كان
بعض الناس لم يدر بكونه أسلم. فقد روى ابن أبي حاتم في التفسير من طريق ثابت
والدارقطني في الأفراد، والبزار من طريق حميد، كلاهما عن أنس، رضي الله تعالى عنه، أن
النبي عَّةِ لما صلى على النجاشي، قال بعض أصحابه: صلى على علج من الحبشة،
فنزلت: ﴿وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم﴾ [آل عمران: ١٩٩]. الآية.
وفي الأوسط للطبراني من حديث أبي سعيد، رضي الله تعالى عنه: أن الذي طعن
بذلك فيه كان منافقاً قلت: قول النووي: لا حجة فيه غير صحيح لأن تعليله بقوله: لأن
الممتنع .. إلى آخره، يرد قوله ويبطل ما قاله لأنه عَّه لم يفعل مجرد الصلاة على النجاشي
في المسجد، مع كونه غائباً، فدل على المنع وإن لم يكن الميت في المسجد، وقوله: حتى
لو كان الميت ... إلى آخره، على تعليل من يعلل منع الصلاة على الميت في المسجد
لخوف التلوث من الميت، وأما بالنظر إلى مطلق حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه:
((من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له))، فالمنع مطلق. وقول ابن بزيزة ليس فيه
صيغة النهي ... إلى آخره مردود أيضاً، لأن إثبات منع شيء غير مقتصر على الصيغة، وتعليله
بالاحتمال غير مفيد لدعواه، وأما صلاته عَّ لّه على سهيل فلا ننكرها، غير أن حديث أبي
هريرة الذي رواه أبو داود عنه أنه قال: قال رسول الله عَّ له ((من صلى على جنازة في
المسجد فلا شيء له))، وأخرجه ابن ماجه أيضاً ولفظه: ((فليس له شيء)) وقال الخطيب:
المحفوظ، ((فلا شيء له)) ويروى: ((فلا شيء عليه))، وروي ((فلا أجر له))، قد نسخ حديث
عائشة، رضي الله تعالى عنها، بيانه أن حديث عائشة إخبار عن فعل رسول الله عَ لّه في حال
الإباحة التي لم يتقدمها نهي، وحديث أبي هريرة إخبار عن نهي رسول الله عَّ الذي قد
تقدمته الإباحة، فصار حديث أبي هريرة ناسخاً، ويؤيده إنكار الصحابة على عائشة، رضي الله
تعالى عنها، لأنهم قد كانوا علموا في ذلك خلاف ما علمت، ولولا ذلك ما أنكروا ذلك
عليها.
فإن قلت: ما صورة الإنكار في ذلك؟ قلت: في رواية مسلم: ((عن عائشة: لما توفي
سعد بن أبي وقاص قالت: ادخلوا به المسجد حتى أصلي عليه، فأنكر ذلك عليها ... ))
الحديث، وفي رواية له: ((إن الناس عابوا ذلك، وقالوا: ما كانت الجنائز يدخل بها
المسجد .. ) الحديث. فإن قلت: لِمَ لا يجعل الموجب للإباحة متأخراً؟ قلت: يلزم من ذلك
إثبات نسخين: نسخ الإباحة الثابتة في الابتداء بالنص الموجب للحظر، ثم نسخ الحظر
بالنص الموجب للإباحة. فإن قلت: من أي قبيل يكون هذا النسخ؟ قلت: من قبيل النسخ
" بدلالة التاريخ، وهو أن يكون أحد النصين موجباً للحظر ثم نسخ موجباً للإباحة، ففي مثل

١٧١
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٥٤)
هذا يتعين المصير إلى النص الموجب للحظر، وإلى الأخذ به، وذلك لأن الأصل في الأشياء
الإباحة، والحظر طارىء عليها فيكون متأخراً. فإن قلت: ليس بين الحديثين مساواة، لأن
حديث عائشة أخرجه مسلم، وحديث أبي هريرة قد ضعفوه بصالح مولى التومة، فلا يحتاج
إلى هذا التوفيق. وقال ابن عدي: هذا من منكرات صالح، والأئمة طعنوا فيه بسببه، وقالوا:
إنه ضعيف، وقال ابن حبان في (كتاب الضعفاء): اختلط صالح بآخر عمره ولم يتميز حديث
حديثه من قديمه، ثم ذكر له هذا الحديث، وقال: إنه باطل، وكيف يقول الرسول ذلك وقد
صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد.
وقال النووي: أجيب عن هذا بأجوبة. أحدها: أنه ضعيف لا يصح الاحتجاج به، وقال
أحمد: هذا حديث ضعيف تفرد به صالح مولى التومة وهو ضعيف. والثاني: أن الذي في
النسخ المشهورة المسموعة في (سنن أبي داود): فلا شيء عليه، فلا صحة فيه. والثالث: أن
اللام فيه بمعنى: على كقوله تعالى: ﴿وإن أسأتم فلها﴾ [الإسراء: ٧]. أي: فعليها. وقال
البيهقي: كان مالك يخرجه. قلت: رجال هذا ثقات يحتج بهم لا نزاع فيهم، وأما صالح فإن
العجلي قال: صالح ثقة، وعن ابن معين أنه قال: صالح ثقة حجة، قيل له: إن مالكاً ترك
السماع منه. قال: إنما أدركه مالك بعدما كبر وخرف، ومن سمع منه قبل أن يختلط فهو
ثبت. وقال ابن عدي: لا بأس به إذا سمعوا منه قديماً مثل ابن أبي ذئب وابن جريج وزياد بن
سعد وغيرهم. انتهى. فعن هذا علم أنه لا خلاف في عدالته وابن أبي ذئب سمع منه هذا
الحديث قديماً قبل اختلاطه، فصار الحديث حجة. وقول ابن حبان: إنه باطل، كلام باطل
لأن مثل أبي داود أخرج هذا الحديث وسكت عنه، فأقل الأمر فيه أن يكون حسناً عنده، لأنه
رضي به. وأخرجه ابن أبي شيبة أيضاً، وكيف يجوز له الحكم ببطلان هذا الحديث؟ فإن
كان تشنيعه بسبب اختلاط صالح، فقد ذكرنا أنه كان قبل الاختلاط ممن أثنى عليه بالثقة،
وأن من أخذ منه قبله لا يرد ما أخذه منه، وأن ابن أبي ذئب أخذ عنه قبله، وإلاّ فلا يظهر منه
إلاَّ التعصب المحض. والعجب منه أنه يقول: وكيف يقول رسول الله عَ ◌ّم ذلك وقد صلى
على سهيل؟ فكأنه نسي باب النسخ، ومثل هذا كثير قد فعله رسول الله عَّ له ثم تركه، وبهذا
يرد أيضاً ما قاله النووي، فإنه أيضاً مال إلى ما قال ابن حبان وقوله: إن اللام، بمعنى: على،
عدول عن الحقيقة من غير ضرورة، ولا سيما على أصلهم، فإن المجاز ضروري لا يصار إليه
إلاَّ عند الضرورة، ولا ضرورة ههنا، ويرد عليه في ذلك أيضاً رواية ابن أبي شيبة: فلا صلاة
له، فإنه لا يمكن أن يقول: إن: اللام، هنا بمعنى: على، لفساد المعنى. وأما قول البيهقي: كان
مالك يخرجه، فإن مراده فيما أخذ عنه بعد الاختلاط.
وأما حديث مسلم في ذلك فإن أصله في (موطأ) مالك فإنه أخرجه فيه عن أبي النضر
عن عائشة قال أبو عمر: هكذا هذا الحديث عند جمهور الرواة منقطعاً إلاَّ أن أبا النضر لم
يسمع من عائشة شيئاً، وقال ابن وضاح: ولا أدركها، وإنما يروي عن أبي سلمة عنها. قال:
وكذلك أسنده مسلم، وعمد عليه الدارقطني، قال: ولا يصح إلاّ مرسلاً عن أبي النضر عن

١٧٢
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٥٤)
عائشة، لأنه قد خالف في ذلك رجلان حافظان: مالك والماجشون رواية عن أبي النضر عن
عائشة، رضي الله تعالى عنها.
واستدل بهذا الحديث الشافعي وغيره في مشروعية الصلاة على الغائب، قالوا: وهو
سنة في حق من كان غائباً عن بلد الميت إذا كان في بلد وفاته قد أسقطوا فرض الصلاة
عليه. قال شيخنا زين الدين: وإليه ذهب الشافعي. أما من لم يحصل فرض الصلاة عليه في
بلد وفاته، كالمسلم يموت في بلد المشركين وليس فيه مسلم، فإنه يجب على أهل الإسلام
الصلاة عليه كما في قصة النجاشي، وقال الخطابي: النجاشي رجل مسلم قد آمن برسول
الله عَّةٍ وصدقه على نبوته إلاَّ أنه كان يكتم إيمانه، والمسلم إذا مات يجب على المسلمين
أن يصلوا عليه، إلاّ أنه كان بين ظهراني أهل الكفر، ولم يكن بحضرته من يقوم بحقه في
الصلاة عليه، فلزم رسول الله عَّلهم أن يفعل ذلك إذ هو نبيه ووليه وأحق الناس به، فهذا -
والله أعلم - هو السبب الذي دعاه إلى الصلاة عليه بظهر الغيب فإذا صلوا عليه استقبلوا القبلة
ولم يتوجهوا إلى بلد الميت إن كان فى غير جهة القبلة.
وقال الخطابي: وقد ذهب بعض العلماء إلى كراهة الصلاة على الميت الغائب،
وزعموا أن النبي عَ لّم كان مخصوصاً بهذا الفعل، إذ كان في حكم المشاهد للنبي عَ لّه لما
روي في بعض الأخبار أنه قد سويت له الأرض حتى يبصر مكانه، وهذا تأويل فاسد، لأن
رسول الله عَّ له إذا فعل شيئاً من أفعال الشريعة كان علينا المتابعة والاتساء به، والتخصيص لا
يعلم إلاَّ بدليل، ومما يبين ذلك أن النبي عَّ لم خرج بالناس إلى الصلاة فصف بهم وصلوا
معه، فعلم أن هذا التأويل فاسد. قلت: هذا التشيع كله على الحنفية من غير توجيه ولا
تحقيق، فنقول، ما يظهر لك فيه دفع كلامه، وهو أن النبي عَ لّم رفع له سريره فرآه، فتكون
الصلاة عليه كميت رآه الإمام ولا يراه المأموم. فإن قلت: هذا يحتاج إلى نقل بينة ولا
يكتفي فيه بمجرد الاحتمال. قلت: ورد ما يدل على ذلك، فروى ابن حبان في (صحيحه) من
حديث عمران بن الحصين أن النبي عَّ لّه قال: ((إن أخاكم النجاشي توفي فقوموا صلوا
عليه، فقام رسول الله عَ ليه وصفوا خلفه، فكبر أربعاً وهم لا يظنون إلاّ أن جنازته بين يديه)).
أخرجه من طريق الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي المهلب عنه، ولأبي
عوانة من طريق أبان وغيره عن يحيى: ((فصلينا خلفه ونحن لا نرى إلاّ الجنازة قدامنا)). وذكر
الواحدي في (أسبابه) عن ابن عباس، قال: كشف للنبي عَّه عن سرير النجاشي حتى رآه
وصلى عليه، ويدل على ذلك أن النبي ◌َُّلِّ لم يصل على غائب غيره، وقد مات من
الصحابة خلق كثير وهم غائبون عنه وسمع بهم فلم يصل عليهم إلاَّ غائباً واحداً، ورد أنه
طويت له الأرض حتى حضره وهو معاوية بن معاوية المزني، روى حديث الطبراني في
(معجمه الأوسط) وكتاب (مسند الشاميين) من حديث أبي أمامة، قال: ((كنا مع رسول الله
عَ لَّه بتبوك فنزل جبريل، عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله إن معاوية بن معاوية
المزني مات بالمدينة، أتحب أن تطوى لك الأرض فتصلي عليه؟ قال: نعم، فضرب بجناحه

١٧٣
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِرِ / باب (٥٤)
على الأرض ورفع له سريره، فصلى عليه وخلفه صفان من الملائكة في كل صف سبعون
ألف ملك ثم رجع».
١٣١٩/٧٦ - حدّثنا مُسْلِمٌ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال حدَّثنا الشَّيْبَانِيُ عنِ الشَّغْبِيِّ قال
أخبرَنِي مَنْ شَهِدَ النبيَّ عَ لَّهِ أَتَى عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَصَفَّهُمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعاً قُلْتُ مَنْ حَدَّثَكَ قال ابنُ
عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما. [أنظر الحديث ٨٥٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فصفهم))، ومسلم هو ابن إبراهيم، والشيباني، بفتح الشين
المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة: هو سليمان، واسمه فيروز أبو
إسحاق الكوفي، والشعبي: هو عامر بن شراحيل الكوفي.
ومن لطائف إسناده: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والإخبار بصيغة الإفراد
في موضع. وفيه: العنعنة في موضع. وفيه: إبهام الصحابي الذي روى الحديث ثم تبيينه بأنه
عبد الله بن عباس، رضي الله تعالى عنهما، وقد مضى هذا الحديث في: باب وضوء الصبيان
متى يجب عليهم، فإنه أخرجه هناك: عن محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة .. إلى آخره،
نحوه مع اختلاف في المتن، وقد ذكرنا هناك جميع ما يتعلق به من كل الوجوه.
قوله: ((حدثنا الشيباني عن الشعبي)) وهناك: ((سمعت سليمان الشيباني سمعت
الشعبي)). قوله: ((من شهد النبي عٍَّ)) وهناك: ((من مر على النبي عَّ على قبر منبوذ)).
قوله: ((فصفهم))، وهناك: ((فأمهم وصفوا)). قوله: ((قلت من حدثك؟)). وهناك: ((فقلت: يا أبا
عمرو من حدثك؟). قوله: ((قبر منبوذ)) بالإضافة، والصفة: قبر لقيط لأنه رمي به، أو قبر منتبذ
عن القبور أي معتزل بعيد عنها.
١٣٢٠/٧٧ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسى قال أخبرنا هِشَامُ بنُ يُوسُفَ أَنَّ ابنَ مجرَيْجِ
أَخْبَرَهُمْ قال أخبرني عَطَاءٍ أنَّهُ سَمِعَ جابِرَ بنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله تعالى عنهما يقُولُ قال النبيُّ
◌َِّ قَدْ تُؤْفِّيَ اليَوْمَ رَجُلٌ صالِحٌ منَ الحَبَشِ فَهَلُمَّ فَصَلُّوا عَلَيْهِ قال فَصَفَفْنَا فَصَلَّى النبيُّ
مَ لِ عَلَيْهِ وَنَحْنُ صُفُوفٌ قال أَبُو الزُّبَيْرِ عنْ جَابِرِ كُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي. [أنظر الحديث
١٣١٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فصففنا))، وفي قوله: ((ونحن صفوف)) أيضاً على رواية
المستملي، فإن قوله: ((ونحن صفوف)) في الحديث على رواية المستملي وليس ذلك في
رواية غيره.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: إبراهيم بن موسى بن يزيد الفراء أبو إسحاق، يعرف
بالصغير. الثاني: هشام بن يوسف أبو عبد الرحمن الصنعاني. الثالث: عبد الملك بن عبد
العزيز ابن جريج. الرابع: عطاء بن أبي رباح. الخامس: جابر بن عبد الله، رضي الله تعالى
عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع. وفيه: الإخبار بصيغة

١٧٤
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٥٥)
الجمع في موضع، وبصيغة الإفراد في موضعين. وفيه: السماع. وفيه: القول في ثلاثة مواضع.
وفيه: أن شيخه رازي وأن هشاماً من أفراده وأنه يماني وقاضيها وابن جريج وعطاء مكيان.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في هجرة الحبشة عن
أبي الربيع. وأخرجه مسلم في الجنائز أيضاً عن محمد بن حاتم، وأخرجه النسائي في الصلاة
عن محمد بن عبيد الكوفي.
ذكر معناه: قوله: ((من الحبش))، وهو الصنف المخصوص من السودان. وقال
الجوهري: الحبش والحبشة، جنس من السودان، والجمع: الحبشان، مثل: حمل وحملان.
قوله: ((فهلم))، بفتح الميم أي: تعال، ويستوي فيه الواحد والجمع في لغة الحجاز وأهل
نجد يصرفونها، فيقولون: ((هلما هلموا هلمی هلما هلممن)). قوله: ((ونحن صفوف))، والواو
فيه للحال، وهذه رواية المستملي: كما ذكرنا آنفاً، قال بعضهم: وبه يصح مقصود الترجمة.
قلت: المقصود يحصل من قوله: ((فصففنا)) لأن قوله: ((ونحن صفوف)) ليس في غير رواية
المستملي، فإذا لم نعتبر فيها. قوله: ((فصففنا)) لا تبقى المطابقة. قوله: ((قال أبو الزبير))،
بضم الزاي وفتح الباء الموحدة: وهو محمد بن مسلم بن تدرس، بفتح التاء المثناة من فوق
وسكون الدال وضم الراء وفي آخره سين مهملة، مر في: باب من شكا إمامه، وهذا وصله
النسائي من طريق شعبة عن أبي الزبير بلفظ: ((كنت في الصف الثاني يوم صلى النبي عَّ.
على النجاشي)).
٥٥ - بابُ صُفُوفِ الصِّبْيَانِ مَعَ الرِّجَالِ عَلَى الجَنَائِزِ
أي: هذا باب في بيان صفوف الصبيان مع الرجال عند إرادة الصلاة في الجنائز، وفي
رواية الكشميهني: على الجنائز.
١٣٢١/٧٨ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قال حدثنا الشَّيْبَانِي
عنْ عَامِرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أنَّ رسولَ الله عَ لَّهِ مَرَّ بِقَبْرِ قَدْ دُفِنَ لَيْلاً فقال
مَتَى دُفِنَ هُذا قَالُوا الْبَارِحَةَ قَال أَفَلاَ آذَنْتُمُونِيٍ قَالُوا دَفَنَّهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ
فقامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ قال ابنُ عَبَّاسٍ وَأَنَا فِيهِمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ. [أنظر الحديث ٨٥٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، كان في وقت ما
صلى معهم صغيراً، لأنه كان في زمن النبي عَّهِ دون البلوغ، لأنه شهد حجة الوداع وقد
قارب الاحتلام، فيطابق الحديث الترجمة من هذه الحيثية. والحديث مضى في الباب
السابق، غير أنه ههنا أتم من ذاك، وموسى بن إسماعيل أبو سلمة المنقري البصري الذي يقال
له: التبوذكي، وقد تكرر ذكره، وعبد الواحد هو ابن زياد العبدي البصري، والشيباني هو
سليمان، وقد مضى في الباب السابق، وعامر هو الشعبي وقد مضى هناك بنسبته.
قوله: ((دفن))، على صيغة المجهول، ونسبة الدفن إلى القبر مجاز، لأن المدفون هو
صاحب القبر وهو من قبيل ذكر المحل وإرادة الحال. قوله: ((ليلاً)) نصب على الظرفية.

.:
١٧٥
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٥٥)
قوله: ((فقالوا: البارحة)) أي: دفن البارحة. قال الجوهري: البارحة أقرب ليلة مضت، تقول: ما
لقيته البارحة، ولقيته البارحة الأولى، وهو من: برح، أي: زال. قوله: ((أفلا آذنتموني؟)) أي:
أفلا أعلمتموني؟
ذكر ما يستفاد منه من الأحكام: الأول: فيه جواز الدفن بالليل، وروى الترمذي من
طريق عطاء ((عن ابن عباس أن النبي عَّلّ دخل قبراً ليلاً فأسرج له بسراج، فأخذ من القبلة
وقال: رحمك الله إن كنت لأواهاً تلاء للقرآن، وكبر عليه أربعاً) قال: حديث ابن عباس
حديث حسن، وقال: وقد رخص أكثر أهل العلم في الدفن بالليل، وروى أبو داود من حديث
جابر بن عبد الله، قال: ((رأى ناس ناراً في المقبرة، فأتوها فإذا رسول الله عَّ له في القبر، وإذا
هو يقول: ناولوني صاحبكم، فإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر)). ورواه الحاكم
وصححه، وقال النووي: وسنده على شرط الشيخين، وروى ابن أبي شيبة في (مصنفه):
حدثنا وكيع عن شعبة عن أبي يونس الباهلي، قال: سمعت شيخاً بمكة كان أصله رومياً
يحدث عن أبي ذر قال: كان رجل يطوف بالبيت يقول: أوه أوه. قال أبو ذر: فخرجت ذات
ليلة فإذا النبي عَّ في المقابر يدفن ذلك الرجل ومعه مصباح. فإن قلت: روى مسلم من
حديث جابر بن عبد الله، رضي الله تعالى عنهما: يحدث عن النبي عَّهِ: ((خطب يوماً فذكر
رجلاً من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل وقبر ليلا، فزجر النبي عَّم أن يقبر الرجل
بالليل حتى يصلي عليه إلاَّ أن يضطر إنسان في ذلك، فقال النبي عَّةِ ((إذا كفن أحدكم
أخاه فليحسن كفنه))، ورواه أبو داود والنسائي أيضاً. قلت: يحتمل أن يكون نهى عن ذلك
أولاً ثم رخصه، وقال النووي: المنهي عنه الدفن قبل الصلاة.
قلت: الدفن قبل الصلاة منهيٌّ عنه مطلقاً، سواء كان بالليل أو بالنهار، والظاهر أنه نهى
عن الدفن بالليل، ولو كان بعد الصلاة ويؤيد ذلك ما رواه ابن ماجه في (سننه) من حديث
أبي الزبير: عن جابر، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله عَلَّه: ((لا تدفنوا موتاكم
بالليل إلاَّ أن تضطروا))، ولكن يشكل على هذا أن الخلفاء الأربعة دفنوا ليلاً، وفي حديث
عائشة، رضي الله تعالى عنها: ودفن، أي: النبي عَّهِ، قبل أن يصبح. وفي (المغازي)
الواقدي: عن عمرة عن عائشة قالت: ما علمنا بدفن النبي عَّ له حتى سمعنا صوت المساحي
في السحر ليلة الثلاثاء. وفي رواية أحمد ودفن ليلة الأربعاء.
الثاني من الأحكام: فيه الصلاة على الغائب، وقد مر الكلام فيه مستوفىّ.
الثالث: فيه الصلاة على الجنازة بالصفوف، وأن لها تأثيراً، وكان مالك بن هبيرة
الصحابي، رضي الله تعالى عنه، يصف من يحضر الصلاة على الجنازة ثلاثة صفوف، سواء
قلوا أو كثروا، ولكن الكلام فيما إذا تعددت الصفوف والعدد قليل، أو كان الصف واحداً.
والعدد كثيراً أيهما أفضل؟ وعندي: الصفوف أفضل، والله أعلم.
الرابع: فيه تدريب الصبيان على شرائع الإسلام وحضورهم مع الجماعات ليستأنسوا

١٧٦
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٥٦)
إليها، وتكون لهم عادة إذا لزمتهم وإذا ندبوا إلى صلاة الجنازة ليتدربوا إليها، وهي فرض
كفاية، ففرض العين أحرى.
الخامس: فيه الإعلام للناس بموت أحد من المسلمين لينهضوا إلى الصلاة عليه.
السادس: فيه جواز الصلاة على قبر الميت، قال أصحابنا: إذا دفن الميت ولم يصل عليه
صلى على قبره ما لم يعلم أنه تفرق، كذا في (المبسوط) وهذا يشير إلى أنه إذا شك في
تفرقه وتفسخه يصلي عليه، وقد نص الأصحاب على أنه لا يصلى عليه مع الشك في ذلك،
ذكره في (المفيد) و(المزيد) وبقولنا قال الشافعي وأحمد، وهو قول عمر وأبي موسى وعائشة
وابن سيرين والأوزاعي ثم هل يشترط في جواز الصلاة على قبره كونه مدفوناً بعد الغسل؟
فالصحيح: أنه يشترط. وروى ابن سماعة عن محمد أنه لا يشترط. وقال صاحب (الهداية):
ويصلى عليه قبل أن يتفسخ، والمعتبر في ذلك أكبر الرأي، أي: غالب، فإن كان غالب الظن
أنه تفسخ لا يصلى عليه، وإن كان غالب الظن أنه لم يتفسخ يصلى عليه، وإذا شك لا
يصلى عليه. وعن أبي يوسف: يصلي عليه إلى ثلاثة أيام، وبعدها لا يصلى عليه لأن
الصحابة كانوا يصلون على النبي ◌َّهِ إلى ثلاثة أيام.
والشافعية ستة أوجه: إلى ثلاثة أيام، إلى شهر كقول أحمد، ما لم يبل جسده. يصلي
عليه من كان من أهل الصلاة عليه يوم موته. يصلي من كان من أهل فرض الصلاة عليه يوم
موته. يصلي عليه أبداً. فعلى هذا تجوز الصلاة على قبور الصحابة ومن قبلهم اليوم، واتفقوا
على تضعيفه، وممن صرح به الماوردي والمحاملي والفواراني والبغوي وإمام الحرمين
والغزالي. وقال إسحق يصلي القادم من السفر إلى شهر، والحاضر إلى ثلاثة أيام. وقال
سحنون من المالكية: لا يصلى على القبر، سداً للذريعة في الصلاة على القبور. وقال
أصحابنا: لما اختلفت الأحوال في ذلك فوض الأمر إلى رأي المبتلي به. فإن قلت: روى
البخاري عن عقبة بن عامر أنه عٍَّ صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين؟ قلت: حمل ذلك
على الدعاء، قاله بعض أصحابنا: وفيه نظر، لأن الطحاويي روى عن عقبة أنه عّلّه خرج يوماً
فصلى على قتلى أحد صلاته على الميت. قلت: الجواب السديد أن أجسادهم لم تبل.
٥٦ - بابُ سُنَّةِ الصَّلاَةِ عَلَى الجَنَازَةِ
أي: هذا باب فى بيان سنة الصلاة على الجنازة، والمراد من السنة ما شرعه النبي
عَ ◌ّ في صلاة الجنازة من الشرائط، والأركان. ومن الشرائط أنها لا تجوز بغير الطهارة، ولا
تجوز عرياناً، ولا تجوز بغير استقبال القبلة. ومن الأركان: التكبيرات. وقال الكرماني: غرض
البخاري بيان جواز إطلاق الصلاة على صلاة الجنازة، وكونها مشروعة، وإن لم تكن ذات
الركوع والسجود فاستدل عليه تارة بإطلاق اسم الصلاة عليه، والآمر بها. وتارة بإثبات ما هو
من خصائص الصلاة، نحو: عدم التكلم فيها، وكونها مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم وعدم
صحتها إلاَّ بالطهارة، وعدم أدائها عند الوقت المكروه، وبرفع اليد وإثبات الأحقية بالإمامة،

١٧٧
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٥٦)
ولوجوب طلب الماء له والدخول فيها بالتكبير، ويكون استفتاحها بالتكبير، وبقوله تعالى:
﴿ولا تصل على أحد منهم مات﴾ [التوبة: ٨٤]. فإنه أطلق الصلاة عليه، حيث نهى عن
فعلها، وبكونها ذات صفوف وإمام، وحاصله أن الصلاة لفظ مشترك بين ذات الأركان
المخصوصة من الركوع ونحوه، وبين صلاة الجنازة، وهو حقيقة شرعية فيهما. انتهى. قلت:
في قوله: وحاصله ... إلى آخره، فيه نظر، لأن الصلاة في اللغة والدعاء والاتباع، وقد
استعملت في الشرع فيما لم يجد فيه الدعاء والاتباع: كصلاة الأخرس المنفردة، وصلاة من
لا يقدر على القراءة وحده، ثم إن الشارع استعملها في غير معناها اللغوي، وغلب استعمالها
فيها بحيث يتبادر الذهن إلى المعنى الذي استعملها الشارع فيه عند الإطلاق، وهي مجاز
هجرت حقيقته بالشرع فصارت حقيقة شرعية، وليست بمشتركة بين الصلاة المعهودة في
الشرع وبين صلاة الجنازة، فلا تكون حقيقة شرعية فيهما، ولا يفهم من كلام البخاري الذي
نقله عنه الكرماني أن إطلاق لفظ الصلاة على صلاة الجنازة بطريق الحقيقة لا بطريق
الاشتراك بين الصلاة المعهودة وصلاة الجنازة.
وقال النبيُّ عَ لَّهِ مَنْ صَلَّى عَلَى الجَنَازَةِ
هذا استدل به البخاري على جواز إطلاق الصلاة على صلاة الجنازة، فإنه عَ لَّه قال:
من صلى على الجنازة ... فأطلق بلفظ ((صلى على الجنازة))، ولم يقل: من دعا للجنازة،
ونحو ذلك، وهذا طرف من حديث أبي هريرة أخرجه موصولاً في: باب من انتظر حتى
تدفن، ولكن لفظة: ((من شهد الجنازة حتى يصلي فله قيراط ... )) الحديث، ولفظ مسلم: ((من
صلى على جنازة ولم يتبعها فله قيراط، وإن تبعها فله قيراطان)).
وقال صَلُّوا عَلَى صاحِبِكُمْ
هذا استدل به على ما ذهب إليه من إطلاق الصلاة على صلاة الجنازة بالأمر بالصلاة
عليها حيث قال: ((صلوا))، وهو طرف من حديث سلمة بن الأكوع، أخرجه موصولاً في
أوائل الحوالة مطولاً، وأوله: ((كنا جلوساً عند النبي عَّه إذا أتي بجنازة، فقال: صلوا
عليها ... )) الحديث، وفيه: قال: ((هل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير! قال: صلوا على
صاحبكم)). الحدیث.
وقال صلُّوا عَلَى النَّجَاشِيِّ
هذا أيضاً بطريق الأمر، وقد تقدم هذا في: باب الصفوف على الجنازة، ولكن لفظه
هنا، فصلوا عليه.
سَمَّاهَا صَلاَةً لَيْسَ فِيهَا رُكُوٌ وَلاَ سُجُودٌ
أي: سمى النبي عَّ قلم الهيئة الخاصة التي يدعى فيها للميت: صلاة، والحال أنه ليس
عمدة القاري / ج٨ / م١٢

١٧٨
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٥٦)
فيها ركوع ولا سجود، ولكن التسمية ليست بطريق الحقيقة، ولا بطريق الاشتراك، ولكن
بطريق المجاز.
وَلاَ يُتَكَلَّمُ فِيها وَفِيهَا تَكْبِيرٌ وَتَسْلِيمٌ
أي: ولا يتكلم في صلاة الجنازة، وهذا أيضاً من جملة جواز إطلاق الصلاة على
صلاة الجنازة بإثبات ما هو من خصائص الصلاة، وهو عدم التكلم في صلاة الجنازة
كالصلاة. قوله: ((وفيها)) أي: وفي صلاة الجنازة ((تكبير وتسليم)) كما في الصلاة. أما
التكبير فلا خلاف فيه، وأما التسليم فمذهب أبي حنيفة أنه يسلم تسليمتين، واستدل له
بحديث عبد الله بن أبي أوفى أنه يسلم عن يمينه وعن شماله، فلما انصرف قال: ((لا أزيد كم
على ما رأيت رسول الله عَ ليه يصنع أو هكذا يصنع)). رواه البيهقي، وقال الحاكم: حديث
صحيح. وفي (المصنف) بسند جيد عن جابر بن زيد والشعبي وإبراهيم النخعي: أنهم كانوا
يسلمون تسليمتين. وفي (المعرفة): روينا عن أبي عبد الرحمن ((عبد الله بن مسعود أنه قال:
ثلاث كان رسول الله عَ لّ يفعلهن، تركهن الناس: إحداهن: التسليم على الجنازة مثل
التسليمتين في الصلاة، وقال قوم: يسلم تسليمة واحدة ... )) روي ذلك عن علي وابن عباس
وابن عمر وجابر وأبي هريرة وأبي أمامة بن سهل وأنس وجماعة من التابعين، وهو قول مالك
وأحمد وإسحاق.
ثم: هل يسرّ بها أو يجهر؟ فعن جماعة من الصحابة والتابعين إخفاؤها، وعن مالك:
يسمع بها من يليه، وعن أبي يوسف: لا يجهر كل الجهر ولا يسر كل الإسرار ولا يرفع يديه
إلاّ عند تكبيرة الإحرام، لما روى الترمذي عن أبي هريرة، مرفوعاً: ((إذا صلى على جنازة يرفع
يديه في أول تكبيرة)). وزاد الدارقطني: ((ثم لا يعود))، وعن ابن عباس عنده مثله بسند فيه
الحجاج بن نصير. وفي (المبسوط): أن ابن عمر وعلياً، رضي الله تعالى عنهما، قالا: لا ترفع
اليد فيها، إلاَّ عند تكبيرة الإحرام، وحكاه ابن حزم عن ابن مسعود، وابن عمر، ثم قال: لم
يأت بالرفع فيما عدا الأولى نص ولا إجماع. وحكى في (المصنف) عن النخعي والحسن
ابن صالح: أن الرفع في الأولى فقط، وحكى ابن المنذر الإجماع على الرفع في أول تكبيرة،
وبعند الشافعية: يرفع في الجميع، وقال صاحب (التوضيح): وروي مثل قولنا عن ابن عمر
وسالم وعطاء ومكحول والزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق.
وكانَ ابنُ عُمَرَ لاَ يُصَلِّي إلاَّ طاهِراً وَلاَ تُصَلَّى عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ
وَلاَ غُرُوبِهَا وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ
هذا أيضاً مما استدل به البخاري على إطلاق الصلاة على صلاة الجنازة.
هذه ثلاث مسائل.
الأولى: أن عبد الله بن عمر كان لا يصلي على الجنازة إلاّ بطهارة، وقال ابن بطال:

١٧٩
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٥٦)
كان غرض البخاري بهذا الرد على الشعبي، فإنه أجاز الصلاة على الجنازة بغير طهارة، قال:
لأنه دعاء ليس فيها ركوع ولا سجود. قال: والفقهاء مجمعون من السلف والخلف على
خلاف قوله. انتهى. قلت: وقال به أيضاً محمد بن جرير الطبري والشيعة، وقال أبو عمر: قال
ابن علية: الصلاة على الميت استغفار، والاستغفار يجوز بغير وضوء، وأوصل هذا التعليق
مالك في (الموطأ): عن نافع بلفظ: أن ابن عمر كان يقول: لا يصلي الرجل على الجنازة إلاّ
وهو طاهر. وأما إطلاق الطهارة فيتناول الوضوء والتيمم. وقال أبو حنيفة: يجوز التيمم
للجنازة مع وجود الماء إذا خاف فوتها بالوضوء، وكان الولي غيره، وحكاه ابن المنذر أيضاً
عن الزهري، وعطاء وسالم والنخعي وعكرمة وسعد بن إبراهيم ويحيى الأنصاري وربيعة
والليث والأوزاعي والثوري وإسحاق وابن وهب، وهي رواية عن أحمد، وروى ابن عدي عن
ابن عباس (مرفوعاً) ((إذا فجأتك جنازة وأنت على غير وضوء فتيمم)). ورواه ابن أبي شيبة عنه
موقوفاً. وحكاه أيضاً عن الحكم والحسن، وقال مالك والشافعي وأبو ثور: لا يتيمم. وقال
ابن حبيب: الأمر فيه واسع، ونقل ابن التين عن ابن وهب أنه يتيمم إذا خرج طاهراً فأحدث،
وإن خرج معها على غير طهارة لم يتيمم.
المسألة الثانية: أن عبد الله بن عمر ما كان يصلي على الجنازة عند طلوع الشمس
ولا عند غروبها لما روى ابن أبي شيبة في (مصنفه): حدثنا حاتم بن إسماعيل عن أنيس بن
أبي يحيى عن أبيه أن جنازة وضعت، فقام ابن عمر قائماً فقال: أين ولي هذه الجنازة؟ ليصل
عليها قبل أن يطلع قرن الشمس. وحدثنا وكيع عن جعفر بن برقان عن ميمون، قال: كان ابن
عمر يكره الصلاة على الجنازة إذا طلعت الشمس حتى تغيب، وحدثنا أبو الأحوص عن أبي
إسحاق عن أبي بكر، يعني ابن حفص، قال: كان ابن عمر إذا كانت الجنازة صلى العصر ثم
قال: عجلوا بها قبل أن تطفل الشمس. وقال الترمذي: باب ما جاء في كراهة الصلاة على
الجنازة عند طلوع الشمس وعند غروبها، ثم روى حديث عقبة بن عامر الجهني: ((ثلاث
ساعات كان رسول الله عَ لّم ينهانا أن نصلي فيها، ونقبر فيهن موتانا، حين تطلع الشمس:
بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تضيف الشمس للغروب حتى
تغرب)). وأخرجه مسلم وبقية أصحاب السنن أيضاً، ثم قال الترمذي: والعمل على هذا عند
بعض أهل العلم من أصحاب النبي عَّةٍ وغيرهم، يكرهون الصلاة على الجنازة في هذه
الأوقات، وقال ابن المبارك: معنى هذا الحديث أن نقبر فيهن موتانا، يعني: الصلاة على
الجنازة، وهو قول أحمد وإسحاق، وقال الشافعي: لا بأس أن يصلى على الجنازة في
الساعات التي تكره فيها الصلاة.
المسألة الثالثة: هي قوله: ((ويرفع يديه))، أي: ويرفع ابن عمر يديه في صلاة الجنازة،
قال بعضهم: وصله البخاري في كتاب (رفع اليدين) المفرد من طريق عبيد الله بن عمر عن
نافع عن ابن عمر: أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة على الجنازة. قلت: قوله: ((ويرفع
يديه)). مطلق يتناول الرفع في أول التكبيرات ويتناول الرفع في جميعها، وعدم تقييد البخاري
.. ..

١٨٠
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٥٦)
ذلك يدل على أن الذي رواه في كتاب (رفع اليدين) غير مرضي عنده، إذ لو كان رضي به
لكان ذكره في (الصحيح) أو قيد قوله: ((ويرفع يديه)) بلفظ: في التكبيرات كلها، على أنا قد
ذكرنا عن قريب أن ابن حزم حكى عن ابن عمر أنه لم يرفع إلاَّ في الأولى. وقال: لم يأت
فيما عدا الأولى نص ولا إجماع، وذكرنا عن أبي هريرة وابن عباس مثله. فإن قلت: روى
الطبراني في (الأوسط) من حديث نافع عن ابن عمر أنه كان يرفع يديه في الكل؟ قلت:
إسناده ضعيف فلا يحتج به، والله تعالى أعلم.
وقال الحَسَنُ أَدْرَكْتُ النَّاسَ وَأَحَقُّهُمْ عَلَى جَنَائِهِمْ مَنْ رَضُوهُمْ لِفَرَائِضِهِمْ
هذا أيضاً من جملة ما يستدل به البخاري على جواز إطلاق الصلاة على صلاة
الجنازة، فإن الذين أدركهم من الصحابة والتابعين الكبار كانوا يلحقون صلاة الجنازة
بالصلوات، ولهذا ما كان أحق بالصلاة على الجنازة إلاَّ من كان يصلي لهم الفرائض، والواو
في: وأحقهم، للحال وارتفاعه بالابتداء، وخبره هو قوله: من، وهي موصولة، يعني: الذين.
وقوله: رضوهم، صلتها. وقوله: رضوهم بضمير الجمع رواية الحموي والمستملي، وفي رواية
غيرهما: رضوه، بإفراد الضمير. وهذا الباب فيه خلاف بين العلماء. قال ابن بطال: أكثر أهل
العلم قال: الوالي أحق من الولي، روي ذلك عن جماعة، منهم: علقمة والأسود والحسن،
وهو قول أبي حنيفة ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق. وقال أبو يوسف والشافعي: الولي
أحق من الوالي، وقال مطرف وابن عبد الحكم وأصبغ: ليس ذلك إلاَّ إلى من إليه الصلاة من
قاض أو صاحب شرطة أو خليفة الوالي الأكبر، وإنما ذلك إلى الوالي الأكبر الذي يؤدي إليه
الطاعة، وحكى ابن أبي شيبة عن النخعي وأبي بردة وابن أبي ليلى وطلحة وزبيد وسويد بن
غفلة: تقديم إمام الحي، وعن أبي الشعثاء وسالم والقاسم وطاوس ومجاهد وعطاء: أنهم كانوا
يقدمون الإمام على الجنازة، وروى الثوري عن أبي حازم قال: شهدت الحسين بن علي،
رضي الله تعالى عنهما، قدم سعيد بن العاص يوم مات الحسن بن علي، رضي الله تعالى
عنهما. وقال له: تقدم، فلولا السنة ما قدمتك، وسعيد يومئذ أمير المدينة. وقال ابن المنذر:
ليس في هذا الباب أعلى من هذا، لأن شهادة الحسن شهدها عوام الناس من الصحابة
والمهاجرين والأنصار.
وَإِذَا أَحْدَثَ يَوْمَ العِيدِ أَوْ عِنْدَ الجَنَازَةِ يِطْلُبُ المَاءَ وَلاَ يَتَيَمَّمُ
الظاهر أن هذا من بقية كلام الحسن، لأن ابن أبي شيبة روى عن حفص على أشعث
عن الحسن أنه سئل عن الرجل يكون في الجنازة على غير وضوء، قال: لا يتيمم ولا يصلي
إلاَّ على طهر. فإن قلت: روى سعيد بن منصر عن حماد بن زيد عن كثير بن شنظير، قال:
سئل الحسن عن الرجل يكون في الجنازة على غير وضوء، فإن ذهب يتوضأ تفوته. قال:
يتيمم ويصلي. قلت: يحمل هذا على أنه روى عنه روايتان، ويدل ذكر البخاري هذا على أنه
لم يقف عن الحسن إلاّ على ما روى عنه من عدم جواز الصلاة على الجنازة إلاَّ بالوضوء،