النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِرِ / باب (٣)
ومواتاً، وهذا من سعة كلام العرب. قوله: ((التي كتب الله) أي: قدر الله، وفي رواية
الكشميهني: ((التي كتبت))، على صيغة المجهول أي: قدرت. قوله: ((منها))، بضم الميم
وكسرها، من: مات يموت، ومات يمات، والضمير فيه يرجع إلى الموتة. قوله: ((وعمر يكلم
الناس)) الواو فيه للحال. قوله: ((فما يسمع بشر))، يسمع على صيغة المجهول تقديره: ما
يسمع بشر يتلو شيئاً إلاَّ هذه الآية.
ذكر ما يستفاد منه: فيه استحباب تسجية الميت. وفيه: جواز تقبيل الميت لفعل أبي
بكر، رضي الله تعالى عنه، وكأن أبا بكر في تقبيله النبي عَّه لم يفعله إلاَّ قدوة به، عليه
الصلاة والسلام، لما روى الترمذي مصححاً: ((أن رسول الله عَّ لل دخل على عثمان بن
مظعون وهو ميت فأكب عليه وقبله ثم بكى حتى رأيت الدموع تسيل على وجنتيه وفي
(التمهيد) لما توفي عثمان كشف النبي عَّ الثوب عن وجهه وبكى بكاء طويلاً وقبل بين
عينيه، فلما رفع على السرير قال: طوبى لك يا عثمان، لم تلبسك الدنيا ولم تلبسها)). وفيه:
جواز البكاء على الميت من غير نوح. وفيه: أن الصدِّيق أعلم من عمر، وهذه إحدى المسائل
التي ظهر فيها ثاقب علمه، وفضل معرفته، ورجاحة رأيه، وبارع فهمه، وحسن إسراعه بالقرآن،
وثبات نفسه، وكذلك مكانته عند الإمرة لا يساويه فيها أحد إلاَّ يرى أنه حين تشهد بدأ
بالكلام مال إليه الناس وتركوا عمر ولم يكن ذلك إلاَّ لعظيم منزلته في النفوس على عمر
وسمو محله عندهم، وقد أقر بذلك عمر حين مات الصديق، فقال: والله ما أحب أن ألقى الله
بمثل عمل أحد إلاَّ بمثل عمل أبي بكر، ولوددت أني شعرة في صدره، وذكر الطبري عن ابن
عباس قال: إني والله لأمشي مع عمر في خلافته وبيده الدرة وهو يحدث نفسه ويضرب قدمه
بدرته ما معه غيري، إذ قال لي: يا ابن عباس، هل تدري ما حملني على مقالتي التي قلت
حين مات رسول الله عَّه؟ قلت: لا أدري والله يا أمير المؤمنين. قال: فإنه ما حملني على
ذلك إلاَّ قوله عز وجل: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً﴾ إلى قوله: ﴿شهيداً﴾ [البقرة: ١٤٣].
فوالله إن كنت لأظن أن رسول الله عَّه سيبقى في أمته حتى يشهد عليها بأجزاء أعمالها.
وفيه: حجة مالك في قوله في الصحابة: مخطىء ومصيب في التأويل. وفيه: غيبة الصدّيق
عن وفاته، عَّهِ، لأنه كان في ذلك اليوم بالسنح، وكان متزوجاً هناك. وفيه: الدخول على
الميت بغير استئذان، ويجوز أن يكون عند عائشة غيرها فصار كالمحفل لا يحتاج الداخل
إلى إذن، وروي أنه استأذن فلما دخل أذن للناس. وفيه: قول أبي بكر لعمر: إجلس، فأبى إنما
ذلك لما دخل عمر من الدهشة والحزن، وقد قالت أم سلمة: ما صدقت بموت النبي عَ له
حتى سمعت وقع الكرازين. قال الهروي: هي الفئوس، وقيل: تريد وقع المساحي تحثو
التراب عليه، عَّةٍ، ويحتمل أن عمر، رضي الله تعالى عنه، ظن أن أجله، عَ ◌ّهِ، لم يأت وأن
الله تعالى منَّ على العباد بطول حياته، ويحتمل أن يكون أنسي قوله تعالى: ﴿إِنك ميت﴾
[الزمر: ٣٠]. وقوله: ﴿وما محمد إلاَّ رسول﴾ إلى: ﴿أفإن مات﴾ [آل عمران: ١٤٤]. وكان
يقول مع ذلك: ذهب محمد لميعاد ربه، كما ذهب موسى لمناجاة ربه، وكان في ذلك ردعاً

٢٢
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٣)
للمنافقين واليهود حين اجتمع الناس. وأما أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، فرأى إظهار الأمر
تجلداً، ولما تلا الآية كانت تعزياً وتصبراً. وفيه: جواز التفدية بالآباء والأمهات. وفيه: ترك
تقليد المفضول عند وجود الفاضل.
٦ /١٢٤٣ - حدّثنا يَحْتَّى بنُ بُكَيْرٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قال
أخبرني خارِجَةُ بنُ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ أَنَّ أَمَّ العَلاَءِ امْرَأَةٌ مِنَ الأنْصَارِ بَايَعَتِ النبيُّ عَلَّهِ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ
اقْتُسِمَ المُهَاجِرُونَ قُرْعَةً فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بنُ مَظْعُونٍ فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُؤُفِّيَ
فِيهِ فَلَمَّا تُؤُفِّيَ وَغُسَّلَ وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ دَخَلَ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ فَقُلْتُ رَحِمَةُ اللهِ عليْكَ أَبًا
السَّائِبِ فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لقَدْ أَكْرَمَكَ الله فقال النبي ◌َِّ ومَا يُدْرِيكِ أنَّ الله أَكْرَمَهُ فَقُلْتُ
بِأبِي أَنْتَ يا رسولَ اللهِ فَمَنْ يُكْرِمُهُ الله؟ فقال أمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ اليَقِينُ وَالله إِنِّي لأَرْجُو لَهُ
الخَيْرَ واللهِ ما أذرِي وَأَنَا رسولُ الله ما يفْعَلُ بِي قالَتْ فَواللهِ لاَ أُزْكِي أحداً بَعْدَهُ أَبَداً.
[الحديث ١٢٤٣ - أطرافه في: ٢٦٨٧، ٣٩٢٩، ٧٠٠٣، ٧٠٠٤، ٧٠١٨].
مطابقته للترجمة في قوله: ((دخل رسول الله عَ ليه)) يعني على عثمان بعد أن غسل
وكفن، وهذه المطابقة أظهر من مطابقة الحديث السابق للترجمة.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: يحيى بن عبد الله بن بكير أبو زكريا المخزومي.
الثاني: الليث بن منعد. الثالث: عقيل، بضم العين: ابن خالد. الرابع: محمد بن مسلم بن
شهاب الزهري. الخامس: خارجة - اسم فاعل من الخروج - ابن زيد بن ثابت الأنصاري
أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، مات سنة مائة. السادس: أم العلاء بنت الحارث ابن ثابت بن
خارجة الأنصارية.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين والإخبار بصيغة
الإفراد في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن شيخه
مذكور باسم جده وأنه وشيخه مصريان وعقيلي أيلي وابن شهاب وخارجة مدنيان. وفيه:
رواية التابعي عن التابعي عن الصحابية. وفيه: أم العلاء ذكر في (تهذيب الكمال) ويقال: إن
أم العلاء زوجة زيد بن ثابت وأم أبيه خارجة. وقال الكرماني: قال الترمذي: هي أم خارجة،
ثم قال: ولا يخفى أن ذكر خارجة مبهمة لا يخلو عن غرض أو أغراض.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الشهادات، وفي
التفسير عن أبي اليمان، وفي الهجرة عن موسى بن إسماعيل، وفي التفسير أيضاً عن عبدان،
وفي التعبير والجنائز أيضاً عن سعيد بن عقيل، وأخرجه النسائي في الرؤيا عن سويد بن نصر
عن عبد الله بن المبارك به.
ذكر معناه: قوله: ((أم العلاء))، منصوب بأن وخبره. قوله: ((أخبرته)) قوله: ((امرأة من
الأنصار)) عطف بيان ويجوز أن يرفع على أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي: هي امرأة من
الأنصار. قوله: ((بايعت النبي عَّل))، جملة في محل الرفع أو النصب على أنها صفة لامرأة

٢٣
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٣)
على الوجهين. قوله: ((أنه)) الضمير فيه للشأن. قوله: ((اقتسم المهاجرون قرعة)) اقتسم على
صيغة المجهول. و: المهاجرون، مفعول ناب عن الفاعل، و: قرعة، منصوب بنزع الخافض
أي: بقرعة، والمعنى: اقتسم الأنصار المهاجرين بالقرعة في نزولهم عليهم وسكناهم في
منازلهم، لأن المهاجرين لما دخلوا المدينة لم يكن معهم شيء من أموالهم فدخلوها فقراء،
وكان بنو مظعون ثلاثة: عثمان وعبد الله وقدامة بدريون أخوال ابن عمر. قوله: ((فطار لنا
عثمان)) يعني: وقع في القرعة في سهم الأنصار الذين أم العلاء منهم، ويروى: ((فصار لنا))،
فإن ثبتت هذه الرواية فمعناها صحيح. قوله: ((وجعه))، نصب على المصدر. قوله: «أبا
السائب))، بالسين المهملة وفي آخره باء موحدة، منادى حذف حرف ندائه، والتقدير: يا أبا
السائب، وهو كنية عثمان بن مظعون، ولفظ البخاري في كتاب الشهادات في: باب القرعة
في المشكلات: أن عثمان بن مظعون طار له سهمه في السكنى حين أقرعت الأنصار سكنى
المهاجرين. قالت: أم العلاء: فسكن عندنا عثمان بن مظعون، فاشتكى فمرضناه حتى إذا
توفي وجعلناه في ثيابه دخل علينا رسول الله، عَّ له، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب.
وفي كتاب الهجرة والتعبير: ((قالت أم العلاء: فأحزنني ذلك فنمت، فأوريت له عيناً تجري،
فجئت رسول الله عَِّ فأخبرته فقال: ذاك عمله يجري له)). قوله: ((فشهادتي عليك))، جملة
من المبتدأ والخبر، ومثل هذا التركيب يستعمل عرفاً ويراد به معنى القسم، كأنها قالت: أقسم
بالله لقد أكرمك الله.
قال الكرماني: ((شهادتي)) مبتدأ، ((وعليك)) صلته، والقسم مقدر، والجملة القسمية
خبر المبتدأ، وتقديره: شهادتي عليك قولي والله لقد أكرمك الله. ثم قال: فإن قلت: هذه
الشهادة له لا عليه؟ قلت: المقصود منها معنى الاستعلاء فقط بدون ملاحظة المضرة
والمنفعة. قوله: ((وما يدريك؟) بكسر الكاف أي: من أين علمت أن الله أكرمه؟ أي: عثمان؟
قوله: ((بأبي أنت)) أي: مفدى أنت بأبي، وقد ذكرناه عن قريب: قوله: ((فمن يكرمه الله)) أي:
هو مؤمن خالص مطيع فإذا لم يكن هو من المكرمين من عند الله فمن يكرمه؟ قوله: ((أما هو))
أي: عثمان وكلمة: أما، تقتضي القسيم، وقسميهما هنا مقدر تقديره: وأما غيره فخاتمة أمره
غير معلومة، أهو مما يرجى له الخير عند اليقين أي الموت أم لا؟ قوله: ((والله ما أدري وأنا
رسول الله ما يفعل بي)) كلمة: ما، موصولة أو استفهامية. قال الداودي: ما يفعل بي وهم،
والصواب: ما يفعل به، أي: بعثمان، لأنه لا يعلم من ذلك إلا ما يوحى إليه. وقيل: قوله: ((ما
يفعل بي))، يحتمل أن يكون قبل إعلامه بالغفران له، أو يكون المعنى: ما يفعل بي في أمر
الدنيا مما يصيبهم فيها. فإن قلت: عثمان هذا أسلم بعد ثلاثة عشر رجلا، وهاجر الهجرتين،
وشهد بدراً، وهو أول من مات من المهاجرين بالمدينة، وقد أخبر النبي عٍَّ بأن أهل بدر
غفر الله لهم. قلت: قد قيل: بأن ذلك قبل أن يخبر أن أهل بدر من أهل الجنة. فإن قلت:
هذا أيضاً يعارض قوله عّ لّه في حديث جابر، رضي الله تعالى عنه: ((ما زالت الملائكة تظله
بأجنحتها حتى رفعتموه)). قلت: لا تعارض في ذلك، لأنه عَّمِ لا ينطق عن الهوى، فأنكر
:

٢٤
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٣)
على أم العلاء قطعها على عثمان إذ لم تعلم هي من أمره شيئاً. وفي حديث جابر، قال: ما
عمله إلاَّ بطريق الوحي إذ لا يقطع على مثل هذا إلاَّ بوحي، حاصله أن ما قاله النبي عَّة.
إخبار من لا ينطق عن الهوى، وذلك كلام أم العلاء وليسا بالسواء.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: دليل على أنه لا يجزم لأحد بالجنة إلاَّ ما نص عليه
الشارع: كالعشرة المبشرة وأمثالهم سيما والإخلاص أمر قلبي لا اطلاع لنا عليه. وفيه:
مواساة الفقراء الذين ليس لهم مال ولا منزل ببذل المال وإباحة المنزل. وفيه: إباحة الدخول
على الميت بعد التكفين. وفيه: جواز القرعة. وفيه: الدعاء للميت.
حدَّثْنَا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ مِثْلَهُ
سعيد هذا هو سعيد بن كثير بن عفير، بضم العين المهملة وفتح الفاء وسكون الياء
آخر الحروف بعدها راء: أبو عثمان المصري، يروي عن الليث بن سعد عن عقيل عن
الزهري بمثله، أي: مثل الحديث المذكور، وأخرج من هذا الطريق في التعبير على ما يأتي،
إن شاء الله تعالى.
وقالَ نافِعُ بنُ يَزِيدَ عنْ عُقَيْلٍ ما يُفْعَلُ بِهِ
أشار بهذا التعليق إلى أن المحفوظ في رواية الليث ما يفعل به، وقد مر أنه الصواب
دون ما يفعل بي، وأكتفي بهذا القدر إشارة إلى أن باقي الحديث لم يختلف فيه، ونافع بن
يزيد أبو يزيد مولى شرحبيل بن حسنة القرشي المصري، مات سنة ثمان وستين ومائة، ووصل
الإسماعيلي هذا التعليق عن القاسم بن زكريا: حدثنا الحسن بن عبد العزيز الجروي حدثنا
عبد الله بن يحيى المغافري حدثنا نافع بن يزيد عن عقيل به.
وَتَابَعَهُ شُعَيْبٌ وَعَمْرُو بِنُ دِينَارٍ وَمَعْمَرٌ
ذكر البخاري متابعة شعيب في كتاب الشهادات، قال: حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب
عن الزهري، قال: حدثني خارجة بن زيد الأنصاري، رضي الله تعالى عنه، الحديث، ومتابعة
عمرو بن دينار وصلها ابن أبي عمر في (مسنده) عن ابن عيينة عنه، ومتابعة معمر بن راشد
ذكرها البخاري في التعبير في: باب العين الجارية: حدثنا عبدان أخبرنا عبد الله أخبرنا معمر
عن الزهري عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أم العلاء .. إلى آخره.
١٢٤٤/٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ
المُنْكَدِرِ قال سَمِعْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهما قال لَمَّا قُتِلَ أبي جَعَلْتُ
أكْثِفُ الثَّوْبَ عنْ وَجْهِهِ أبْكِي وَيَنْهَوْنِي عَنْهُ والنبيُّ عَ لَّهِ لاَ يَنْهَانِي فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فَاطِمةُ
تَبْكِي فقالَ النبيُّ عَّ ◌َلِ تَبْكِينَ أَوْ لاَ تَبْكِينَ ما زَالَتِ المَلائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ.
[الحديث ١٢٤٤ - أطرافه في: ١٢٩٣، ٢٨١٦٠، ٤٠٨٠].

:
:
:
٢٥
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٣)
مطابقته للترجمة في قوله: ((جعلت أكشف الثوب عن وجهه))، والثوب أعم من أن
یکون الثوب الذي سجوه به أو من الكفن.
ورجاله قد ذكروا غير مرة، وغندر، بضم الغين المعجمة: محمد بن جعفر البصري.
وأخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن أبي الوليد. وأخرجه مسلم في الفضائل عن
محمد بن المثنى. وأخرجه النسائي في الجنائز عن عمرو بن يزيد وفي المناقب عن أبي
کریب.
ذكر معناه: قوله: ((لما قتل أبي))، وكان قتل أبيه عبد الله يوم أحد، وكان المشركون
مثلوا به، جدعوا أنفه وأذنيه، وكانت غزوة أحد في سنة ثلاث من الهجرة في شوال. قوله:
((أبكي)) جملة وقعت حالاً. قوله: ((وينهوني)، وفي رواية الكشميهني: ((وينهونني)) على
الأصل. قوله: ((عمتي فاطمة))، عمة جابر هي شقيقة أبيه عبد الله بن عمرو. قوله: ((تبكين أو
لا تبكين))، كلمة: أو، ليست هي للشك من الراوي، بل هي من كلام الرسول عَ لّه للتسوية
بين البكاء وعدمه، أي: فوالله إن الملائكة تظله سواء تبكين أم لا. وفي (التلويح) في موضع
آخر: ((لِمَ تبكي)) قال القرطبي: كذا صحت الرواية بِلِمَ، التي للاستفهام وفي مسلم: ((تبكي))
بغير نون لأنه استفهام لمخاطب عن فعل غائبة. قال القرطبي: ولو خاطبها بالاستفهام خطاب
الحاضرة قال: لِمَ تبكين، بالنون. وفي رواية: ((تبكيه أو لا تبكيه)). وهو إخبار عن غائبة، ولو
كان خطاب الحاضرة لقال: تبكينه أو لا تبكينه، بنون فعل الواحدة الحاضرة، ثم معنى هذا:
أن عبد الله مكرم عند الملائكة، عليهم الصلاة والسلام. قوله: ((تبكين .. )) إلى آخره، يعزيها
بذلك ويخبرها بما صار إليه من الفضل. قوله: ((حتى رفعتموه))، أي: من مغسله، لأنه نسب
الفعل إلى أصله قاله الداودي، وإظلاله بأجنحتها لاجتماعهم عليه وتزاحمهم على المبادرة
بصعود روحه، رضي الله تعالى عنه، وتبشيره بما أعد الله له من الكرامة، أو أنهم أظلوه من
الحر لئلا يتغير أو لأنه من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلاّ ظله، وروى بقي بن
مخلد ((عن جابر: لقيني رسول الله عَّلِ فقال: ألا أبشرك أن الله أحيى أباك وكلمة كفاحاً
وما كلم أحداً قط إلاَّ من وراء حجاب؟)).
وفيه: فضيلة عظيمة لم تسمع لغيره من الشهداء في دار الدنيا. وفيه: جواز البكاء على
الميت كما مضى، ونهي أهل الميت بعضهم بعضاً عن البكاء للرفق بالباكي.
تابَعَهُ ابنُ جُرَيْجَ قال أخبرني ابنُ المُنْكَدِرِ سَمِعَ جابِراً رضي الله تعالى عنه
يعني: تابع شعبة عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ذكر هذه المتابعة لينفي ما وقع
في نسخة ابن ماهان في (صحيح مسلم) عن عبد الكريم عن محمد بن علي بن حسين عن
جابر جعل بدل محمد بن المنكدر، فبين البخاري أن الصواب: ابن المنكدر، كما رواه
شعبة، وشده برواية ابن جريج، ووصل مسلم هذه المتابعة: حدثنا عبد بن حميد حدثنا روح
ابن عبادة حدثنا ابن جريج عن محمد بن المنكدر عن جابر.

٢٦
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٤)
وأخرج مسلم هذا الحديث من خمسة طرق. الأول: من طريق سفيان بن عيينة عن
محمد بن المنكدر ((عن جابر يقول: لما كان يوم أحد جيء بأبي مسجى، وقد مثل به))
الحديث. الثاني: من طريق شعبة عن محمد بن المنكدر عن جابر. الثالث: من طريق ابن
جريج عن محمد بن المنكدر عن جابر. الرابع: من طريق معمر عن محمد بن المنكدر.
الخامس: من طريق محمد بن علي بن الحسين عن جابر، وهذا في نسخة ابن ماهان.
٤ - بابٌّ الرَّجُلُ يَنْعَى إِلَى أَهْلِ المَيِّتِ بِنَفْسِهِ
أي: هذا باب يذكر فيه الرجل ينعى إلى أهل الميت، فقوله: باب، منون خبر مبتدأ
محذوف كما قدرنا. وقوله: الرجل، مرفوع على أنه مبتدأ. وقوله: ((ينعى))، خبره ومعنى: ينعى
إلى أهل الميت، يظهر خبر موته إليهم، يقال: نعاه ينعاه نعياً ونعياناً، وهو من باب: فعل يفعل،
بفتح العين فيهما، وفي (المحكم): النعي الدعاء بموت الميت والإشعار به. وفي (الصحاح):
النعي خبر الموت، وكذلك النعي على فعيل وفي (الواعي): النعي على فعيل هو نداء الناعي،
والنعي: أيضاً هو الرجل الذي ينعى، والنعي: الرجل الميت، والنعي الفعل، والضمير في:
بنفسه، يرجع إلى الميت أي: بنفس الميت، وهذه الترجمة بهذه الصفة هي المشهورة في
أكثر الروايات، وفي رواية الكشميهني بحذف الباء في: بنفسه، أي: ينعي نفس الميت إلى
أهله، وفي رواية الأصيلي سقط ذكر الأهل، وليس لها وجه. وقال المهلب: الصواب أن
يقول: باب الرجل ينعى إلى الناس الميت بنفسه، وإليه مال ابن بطال، فقال: في الترجمة
خلل، ومقصود البخاري: باب الرجل ينعى إلى الناس الميت بنفسه، ويكون الميت نصباً
مفعول: ينعى، وقال الكرماني: لا خلل فيه لجواز حذف المفعول عند القرينة، وقال بعضهم
نصرة للبخاري: التعبير بالأهل لا خلل فيه، لأن مراده به ما هو أعم من القرابة أو أخوة الدين،
وهو أولى من التعبير بالناس لأنه يخرج من ليس له به أهلية كالكفار. قلت: فيه نظر، لأن
الأهل لا يستعمل في أخوة الدين، وقد تكلم جماعة في هذا الموضع بما لا طائل تحته،
وفيما ذكرناه كفاية فافهم.
٩/ ١٢٤٥ - حدّثنا إِسْمَاعِيلُ قال حدَّثني مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عن سَعِيدِ بنِ
المُسَيِّبِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ الله عَ لَّهِ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي اليَوْمِ
الَّذِي ماتَ فِيهِ خَرَجَ إلَى المُصَلَّى فصَفَّ بِهِمْ وكَبَّرَ أَرْبَعاً. [الحديث ١٢٤٥ - أطرافه في:
١٣١٨، ١٣٢٧، ١٣٢٨، ١٣٣٣، ٣٨٨٠، ٣٨٨١].
مطابقته للترجمة من حيث النظر إلى مجرد النعي، وقال الكرماني: فإن قلت: من كان
في المدينة أهلاً للنجاشي حتى تصح الترجمة؟ قلت: المؤمنون أهله من حيث أخوة الإسلام.
قلت: قد ذكرنا أن الأهل لا يستعمل في أخوة الدين أللهم إلاَّ إذا ارتكب المجاز فيه، ورجال
هذا الحديث قد تكرروا جداً وإسماعيل هو ابن أويس عبد الله الأصبحي المدني ابن أخت
مالك بن أنس، وابن شهاب وهو محمد بن مسلم الزهري.

٢٧
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٤)
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الجنائز عن مسدد
عن يزيد بن زريع. وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن منيع مختصراً على التكبير. وأخرجه
النسائي فيه عن محمد بن رافع، وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر ابن أبي شيبة. وأخرجه
مسلم في الجنائز عن يحيى بن يحيى. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي وأخرجه النسائي فيه
عن قتيبة وعن سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك، ستتهم عن مالك.
ذكر معناه: قوله: ((نعى النجاشي)) أي: أخبر بموته، والنجاشي، بفتح النون وكسرها:
كلمة للحبش تسمى بها ملوكها، والمتأخرون يلقبونه الأبجري. قال ابن قتيبة: هو بالنبطية،
ذكره ابن سيده. وفي (الجامع) للقزاز: هو بكسر النون، يجوز أن يكون من نجش أوقد كأنه
يطريه، ويوقد فيه، قاله قطرب. وفي (الفصيح): النجاشي، بالفتح، وفي (العلم المشهور)
لأبي الخطاب مشدد الياء، قالوا: والصواب تخفيفها، وفي (المثنى) لابن عديس: النجاشي،
بالفتح والكسر: المستخرج للشيء. وفي (سيرة ابن إسحاق). اسمه: أصحمة، ومعناه، عطية.
وقال أبو الفرج: أصحمة بن أبجري، بفتح الهمزة وسكون الصاد وفتح الحاء المهملتين، قال:
وقع في (مسند ابن أبي شيبة) في هذا الحديث تسميته: صحمة، بفتح الصاد وإسكان الحاء.
قال: هكذا قال لنا يزيد بن هارون، وإنما هو صمحة، بتقديم الميم على الحاء. قال: وهذان
شاذان. وفي (التلويح): أخبرني غير واحد من نبلاء الحبشة أنهم لا ينطقون بالحاء على
صرافتها، وإنما يقولون في اسم الملك: أصمخة، بتقديم الميم على الخاء المعجمة. وذكر
السهيلي أن اسم أبيه: يجري، بغير همزة، وذكر مقاتل بن سليمان في كتابه (نوادر التفسير):
إسمه مكحول بن صصه، وفي كتاب (الطبقات) لابن سعد: لما رجع رسول الله عَ لّه من
الحديبية سنة ست أرسل النجاشي سنة سبع في المحرم عمرو بن أمية الضمري، فأخذ كتاب
النبي عَّ فوضعه على عينيه، ونزل عن سريره فجلس على الأرض تواضعاً، ثم أسلم، وكتب
إلى النبي ◌َّ بذلك، وأنه أسلم على يدي جعفر بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، وتوفي
في رجب سنة تسع منصرفة من تبوك.
فإن قلت: وقع في (صحيح مسلم): كتب عَّه إلى النجاشي، وهو غير النجاشي
الذي صلى عليه؟ قلت: قيل: كأنه وهم من بعض الرواة، أو أنه عبر ببعض ملوك الحبشة عن
الملك الكبير، أو يحمل على أنه لما توفي قام مقامه آخر فكتب إليه. قوله: ((خرج إلى
المصلى))، ذكر السهيلي من حديث سلمة بن الأكوع أنه عَ ◌ّه صلى عليه بالبقيع.
ذكر ما يستنبط منه من الأحكام: وهو على وجوه:
الأول: فيه إباحة النعي، وهو أن ينادى في الناس أن فلاناً مات ليشهدوا جنازته، وقال
بعض أهل العلم: لا بأس أن يعلم الرجل قرابته وإخواته، وعن إبراهيم: لا بأس أن يعلم قرابته.
وقال شيخنا زين الدين: إعلام أهل الميت وقرابته وأصدقائه استحسنه المحققون والأكثرون
من أصحابنا وغيرهم، وذكر صاحب (الحاوي) من أصحابنا وجهين في استحباب الإنذار
بالميت وإشاعة موته بالنداء والإعلام، فاستحب ذلك بعضهم للغريب والقريب لما فيه من

٢٨
٢٣ - كِتَابُ الجَنّائِزِ / باب (٤)
كثرة المصلين عليه والداعين له، وقال بعضهم: يستحب ذلك للغريب ولا يستحب لغيره.
وقال النووي: والمختار استحبابه مطلقاً إذا كان مجرد إعلام. وفي (التوضيح): وقال صاحب
البيان) من أصحابنا: يكره نعي الميت، وهو أن ينادى عليه في الناس أن فلاناً قد مات
ليشهدوا جنازته، وفي وجه حكاه الصيدلاني: لا يكره. وفي (حلية الروياني) من أصحابنا:
الاختيار أن ينادى به ليكثر المصلون. وقال ابن الصباغ: قال أصحابنا: يكره النداء عليه، ولا
بأس أن يعلم أصدقاءه، وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: لا بأس به، ونقله العبدري عن مالك
أيضاً، ونقل ابن التين عن مالك كراهة الإنذار بالجنائز على أبواب المساجد والأسواق لأنه
من النعي. قال علقمة بن قيس: الإنذار بالجنائز من النعي وهو من أمر الجاهلية. وقال
البيهقي: وروي النهي أيضاً عن ابن عمر وأبي سعيد وسعيد بن المسيب وعلقمة وإبراهيم
النخعي والربيع بن خيثم. قلت: وأبي وائل وأبي ميسرة وعلي بن الحسين وسويد بن غفلة
ومطرف بن عبد الله ونصر بن عمران أبي جمرة، وروى الترمذي من حديث حذيفة أنه قال:
إذا مت فلا تؤذنوا بي أحداً فإني أخاف أن يكون نعياً، وإني سمعت رسول الله عَّله، ينهى
عن النعي، وقال: هذا حديث حسن، وروى أيضاً من حديث عبد الله عن النبي، عَظ له، قال:
((إياكم والنعي، فإن النعي من أمر الجاهلية)). وقال: حديث غريب. والمجوزون احتجوا
بحديث الباب، وربما ورد في الصحيح أن النبي، عَّةٍ، نعى للناس زيداً وجعفراً. وفي
الصحيح أيضاً قول فاطمة، رضي الله تعالى عنها، حين توفي النبي، عَ لِّ، وأبتاه، من ربه ما
أدناه، وأبتاه إلى جبريل ننعاه، وفي الصحيح أيضاً في قصة الرجل الذي مات ودفن ليلاً فقال
النبي عَّ له: ((أفلا كنتم آذنتموني؟) فهذه الأحاديث دالة على جواز النعي.
وقال النووي: إن النعي المنهي عنه إنما هو نعي الجاهلية، قال: وكانت عادتهم إذا
مات منهم شريف بعثوا راكباً إلى القبائل يقول: نعا يا فلان، أو: يا نعاء العرب، أي: هلكت
العرب بهلاك فلان. ويكون مع النعي ضجيج وبكاء، وأما إعلام أهل الميت وأصدقائه وقرابته
فمستحب على ما ذكرناه آنفاً. واعترض بأن حديث النجاشي لم يكن نعياً، إنما كان مجرد
إخبار بموته، فسمي نعياً لشبهه به في كونه إعلاماً، وكذا القول في جعفر بن أبي طالب
وأصحابه، ورد بأن الأصل الحقيقة على أن حديث النجاشي أصح من حديث حذيفة وعبد
الله. فإن قلت: قال ابن بطال: إنما نعي النبي، عَّ له، النجاشي وأصحابه يرد ذلك، وحمل
بعضهم النهي على نعي الجاهلية المشتمل على ذكر المفاخر وشبهها.
الوجه الثاني: فيه دليل على أنه لا يصلى على الجنازة في المسجد، لأن النبي عنّ.
أخبر بموته في المسجد ثم خرج بالمسلمين إلى المصلى، وهو مذهب أبي حنيفة، أنه لا
يصلى على ميت في مسجد جماعة، وبه قال مالك وابن أبي ذئب، وعند الشافعي وأحمد
وإسحاق وأبي ثور: لا بأس بها إذا لم يخف تلويثه، واحتجوا بما روي ((أن سعد بن أبي
وقاص، رضي الله تعالى عنه، لما توفي أمرت عائشة، رضي الله تعالى عنها، بإدخال جنازته
المسجد حتى صلى عليها أزواج النبي عَ لّه، ثم قالت: هل عاب الناس علينا ما فعلنا؟ فقيل

٢٩
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٤)
لها: نعم، فقالت: ما أسرع ما نسوا، ما صلى رسول الله عَّله على جنازة سهيل بن البيضاء
إلاَّ في المسجد)). رواه مسلم، واحتج أصحابنا من حديث ابن أبي ذئب عن صالح مولى
التومة عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَّ له: ((من صلى على ميت في المسجد فلا
شيء له)). رواه أبو داود بهذا اللفظ، ورواه ابن ماجه ولفظه: ((فليس له شيء))، وقال الخطيب
المحفوظ: ((فلا شيء له، وروي ((فلا شيء عليه))، وروي: ((فلا أجر له)). وقال ابن عبد البر:
رواية: فلا أجر له، خطأ فاحش، والصحيح: فلا شيء له، ورواه ابن أبي شيبة في (مصنفه)
بلفظ: ((فلا صلاة له)). فإن قلت: روى ابن عدي في (الكامل) هذا الحديث وعده من
منكرات صالح، ثم أسند إلى شعبة أنه كان لا يروي عنه وينهى عنه، وإلى مالك: لا تأخذوا
منه شيئاً فإنه ليس بثقة، وإلى النسائي أنه قال فيه: ضعيف، وقال ابن حبان في (كتاب
الضعفاء): اختلط بأخره ولم يتميز حديثه من قديمه فاستحق الترك، ثم ذكر له هذا الحديث،
وقال: إنه باطل، وكيف يقول رسول الله عٍَّ، وقد صلى على سهيل بن البيضاء في
المسجد. وقال البيهقي: صالح مختلف في عدالته، كان مالك يجرحه، وقال النووي: أجيب
عن هذا بأجوبة. أحدها: أنه ضعيف لا يصح الاحتجاج به، قال أحمد بن حنبل: هذا حديث
ضعيف تفرد به صالح مولى التومة وهو ضعيف. الثاني: أن الذي في النسخ المشهورة
المسموعة من سنن أبي داود: فلا شيء عليه، فلا حجة فيه. الثالث: أن اللام فيه بمعنى:
على، كقوله تعالى: ﴿وإن أسأتم فلها﴾ [الإسراء: ٧]. أي: فعليها، جمعاً بين الأحاديث.
قلت: الجواب عما قالوه من وجوه:
الأول: أن أبا داود روى بهذا الحديث وسكت عنه، فهذا دليل رضاه، وأنه صحيح
عنده. الثاني: أن يحيى بن معين الذي هو فيصل في هذا الباب قال: صالح ثقة إلاَّ أنه اختلط
قبل موته، فمن سمع منه قبل ذلك فهو ثبت حجة، وممن سمع منه قبل الاختلاط: ابن أبي
ذئب هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب. الثالث: قال ابن عبد
البر: منهم من يقبل عن صالح ما رواه عنه ابن أبي ذئب خاصة. الرابع: أن غالب ما ذكر فيه
تحامل، من ذلك قول النووي: إن الذي في النسخ المشهورة المسموعة من سنن أبي داود:
فلا شيء عليه، فإنه يرده قول الخطيب المحفوظ: ((فلا شيء له)) وقول السروجي؛ وفي
الأسرار ((فلا صلاة له)) وفي المرغيناني: ((فلا أجر له)) ولم يذكر ذلك في كتب الحديث يرده
ما ذكرناه من رواية ابن أبي شيبة في (مصنفه): ((فلا صلاة له)). وقال الخطيب: ((فلا أجر له))
فلعدم اطلاعه في هذا الموضع جازف فيه، ومن تحاملهم جعل: اللام، بمعنى: على، بالتحكم
من غير دليل ولا داع إلى ذلك، ولا سيما أن المجاز عندهم ضروري لا يصار إليه إلاَّ عند
الضرورة، فلا ضررة ههنا. وأقوى ما يرد كلامه هذا رواية ابن أبي شيبة: ((فلا صلاة له))، فلا
يمكن له أن يقول: اللام، بمعنى: على، لفساد المعنى. الخامس: أن قول ابن حبان: هذا
باطل، جرأة منه على تبطيل الصواب، فكيف يقول هذا القول وقد رواه أبو داود وسكت عنه؟
فأقل الأمر أنه عنده حسن لأنه رضي به، وحاشاه من أن يرضى بالباطل. السادس: ما قاله

٣٠
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٤)
الجهبذ النقاد الإمام أبو جعفر الطحاوي، رحمه الله، ملخصاً، وهي أن الروايات لما اختلفت
عن رسول الله عَّ في هذا الباب يحتاج إلى الكشف ليعلم المتأخر منها، فيجعل ناسخاً لما
تقدم، فحديث عائشة إخبار عن فعل رسول الله عَّ لهم في حال الإباحة التي لم يتقدمها شيء،
وحديث أبي هريرة إخبار عن نهي رسول الله عَّ له الذي تقدمه الإباحة، فصار ناسخاً لحديث
عائشة، وإنكار الصحابة عليها مما يؤكد ذلك.
:
فإن قلت: من أي قبيل يكون هذا النسخ؟ قلت: من قبيل النسخ بدلالة التاريخ، وهو
أن يكون أحد النصين موجباً للحظر والآخر موجباً للإباحة، ففي مثل هذا يتعين المصير إلى
النص الموجب للحظر، لأن الأصل في الأشياء الإباحة، والحظر طارىء عليها، فيكون
متأخراً. فإن قلت: فلم لا يجعل بالعكس؟ قلت: لئلا يلزم النسخ مرتين، وهذا ظاهر. فإن
قلت: ليس بين الحديثين منافاة فلا تعارض فلا يحتاج إلى التوفيق؟ قلت: ظهر لك صحة
حديث أبي هريرة؟ قلت: لا يلزم من ترك مسلم تخريجه عدم صحته، لأنه لم يلتزم بإخراج
كل ما صح عن النبي عَِّ، وكذلك البخاري، ولئن سلمنا ذلك وأن حديث أبي هريرة لا
يخلو من كلام، فكذلك حديث عائشة لا يخلو عن كلام، لأن جماعة من الحفاظ مثل
الدارقطني وغيره عابوا على مسلم تخريجه إياه مسنداً، لأن الصحيح أنه مرسل كما رواه
مالك والماجشون عن أبي النضر عن عائشة مرسلاً، والمرسل ليس بحجة عندهم. وقد أول
بعض أصحابنا حديث عائشة بأنه عَّهِ إنما صلى في المسجد بعذر مطر. وقيل: بعذر
الاعتكاف، وعلى كل: تقدير الصلاة على الجنازة خارج المسجد أولى وأفضل، بل أوجب،
للخروج عن الخلاف، لا سيما في باب العبادات. ولأن المسجد بني لأداء الصلوات
المكتوبات فيكون غيرها في خارج المسجد أولى وأفضل. فإن قلت: قالوا: خروج النبي،
عَ للهِ، من المسجد إلى المصلى كان لكثرة المصلين وللإعلام. قلت: نحن أيضاً نقول
صلاته في المسجد كان للمطر أو للاعتكاف كما ذكرنا.
الوجه الثالث فيه: دليل على أن سنة هذه الصلاة الصف كسائر الصلوات، وروى
الترمذي من حديث مالك بن هبيرة، قال: قال رسول الله عَّ: ((من صلى عليه ثلاثة
صفوف فقد أوجب))، معناه: وجبت له الجنة، أو وجبت له المغفرة، وروى النسائي من رواية
الحكم بن فروخ، قال: صلى بنا أبو المليح على جنازة فظننا أنه كبر، فأقبل علينا بوجهه
فقال: أقيموا صفوفكم ولتحسن شفاعتكم، وقال أبو المليح: حدثني عبد الله عن إحدى
أمهات المؤمنين، وهي ميمونة زوج النبي معَّ له، قالت: أخبرني النبي عَ لّه، قال: ما من ميت
يصلي عليه أمة من الناس إلاَّ شفعوا فيه، فسألت أبا المليح عن الأمة، قال: أربعون.
الوجه الرابع: فيه: حجة لمن جوز الصلاة على الغائب، ومنهم الشافعي وأحمد. قال
النووي: فإن كان الميت في البلد فالمذهب أنه لا يجوز أن يصلى عليه حتى يحضر عنده،
وقيل: يجوز، وفي الرافعي: ينبغي أن لا يكون بين الإمام والميت أكثر من مائتي ذراع، أو
ثلثمائة تقريباً.

٣١
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٤)
فرع: عندهم: لو صلى على الأموات الذين ماتوا في قرية وغسلوا في البلد الفلاني،
ولا يعرف عددهم، جاز. قاله في (البحر). قال في (التوضيح): وهو صحيح، لكن لا يختص
ببلد، وقال الخطابي: النجاشي رجل مسلم قد آمن برسول الله عَّه وصدقه على ثبوته إلاَّ أنه
كان يكتم إيمانه، والمسلم إذا مات وجب على المسلمين أن يصلوا عليه، إلاَّ أنه كان بين
ظهراني أهل الكفر ولم يكن بحضرته من يقوم بحقه في الصلاة عليه، فلزم رسول الله عَ ليه،
أن يفعل ذلك، إذ هو نبيه ووليه وأحق الناس به، فهذا والله أعلم هو السبب الذي دعاه إلى
الصلاة عليه بظهر الغيب، فعلى هذا إذا مات المسلم ببلد من البلدان وقد قضى حقه من
الصلاة عليه فإنه لا يصلى عليه من كان ببلد آخر غائباً عنه، فإن علم أنه لم يصل عليه لعائق
أو مانع عذر كان السنة أن يصلى عليه ولا يترك ذلك لبعد المسافة، فإذا صلوا عليه استقبلوا
القبلة ولم يتوجهوا إلى بلد الميت إن كان في غير جهة القبلة، وقد ذهب بعض العلماء إلى
كراهة الصلاة على الميت الغائب، وزعموا أن النبي عَ ◌ٍّ كان مخصوصاً بهذا الفعل، إذ كان
في حكم المشاهد للنجاشي لما روي في بعض الأخبار أنه قد سويت له الأرض حتى يبصر
مكانه، وهذا تأويل فاسد، لأن رسول الله، عَ لَّم، إذا فعل شيئاً من أفعال الشريعة كان علينا
اتباعه والأيتساء به، والتخصيص لا يعلم إلاَّ بدليل، ومما يبين ذلك أنه، عَّه، خرج بالناس
إلى الصلاة، فصف بهم وصلوا معه، فعلم أن هذا التأويل فاسد.
قلت: هذا التشنيع كله على الحنفية من غير توجيه ولا تحقيق، فنقول: ما يظهر لك
فيه دفع كلامه، وهو أن النبي، عَ ليه، رفع سريره فرآه، فتكون الصلاة عليه كميت رآه الإمام
ولا يراه المأموم. فإن قلت: هذا يحتاج إلى نقل ببينه، ولا يكتفي فيه بمجرد الاحتمال. قلت:
ورد ما يدل على ذلك، فروى ابن حبان في (صحيحه) من حديث عمران بن حصين: ((أن
النبي، عَ لّه، قال: إن أخاكم النجاشي توفي، فقوموا صلوا عليه، فقام رسول الله، عَ لَّه،
وصفوا خلفه فكبر أربعاً وهم يظنون أن جنازته بين يديه، وجواب آخر: أنه من باب الضرورة،
لأنه مات بأرض لم تقم فيها عليه فريضة الصلاة، فتعين فرض الصلاة عليه لعدم من يصلي
عليه ثمة، ويدل على ذلك أن النبي، عَّله، لم يصل على غائب غيره، وقد مات من الصحابة
خلق كثير وهم غائبون عنه، وسمع بهم فلم يصل عليهم إلاَّ غائباً واحداً ورد أنه طويت له
الأرض حتى حضره وهو: معاوية بن معاوية المزني، روى حديثه الطبراني في (معجمه
الأوسط) وكتاب (مسند الشاميين): حدثنا علي بن سعيد الرازي حدثنا نوح بن عمير بن
حوى السكسكي حدثنا بقية ابن الوليد عن محمد بن زياد الألهاني ((عن أبي أمامة، قال: كنا
مع رسول الله، عَ ◌ّه، بتبوك فنزل عليه جبريل، عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله إن
معاوية بن معاوية المزني مات بالمدينة، أتحب أن تطوى لك الأرض فتصلي عليه؟ قال: نعم،
فضرب بجناحه على الأرض ورفع له سريره فصلى عليه وخلفه صفان من الملائكة، في كل
صف سبعون ألف ملك، ثم رجع، وقال النبي عَّم لجبريل، عليه الصلاة والسلام: بم أدرك
هذا؟ قال: بحبه سورة: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١]، وقراءته إياها جائياً وذاهباً وقائماً

٣٢
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٤)
وقاعداً وعلى كل حال)) انتهى.
فإن قلت: قد صلى على اثنين أيضاً وهما غائبان وهما زيد بن حارثة وجعفر بن أبي
طالب، ورد عنه أنه كشف له عنهما أخرجه الواقدي في كتاب (المغازي) فقال: حدثني
محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة، وحدثني عبد الجبار بن عمارة عن عبد الله بن
أبي بكر، قالا: لما التقى الناس بمؤتة جلس رسول الله عَّ ◌ُّم على المنبر وكشف له ما بينه
وبين الشام، فهو ينظر إلى معتركهم، فقال عَّ ◌ُله: أخذ الراية زيد بن حارثة فمضى حتى
استشهد، وصلى عليه ودعا له: وقال: استغفروا له وقد دخل الجنة وهو يسعى ثم أخذ الراية
جعفر بن أبي طالب فمضى حتى استشهد، فصلى عليه رسول الله عَّم ودعا له، وقال:
استغفروا له وقد دخل الجنة، فهو يطير فيها بجناحيه حيث شاء. قلت: هو مرسل من
الطريقين المذكورين، والمرسل ليس بحجة، على أنهم يقولون: في الواقدي مقال، وقال
صاحب (التوضيح) في معرض التحامل: ومن ادعى أن الأرض طويت له حتى شاهده لا دليل
عليه، وإن كانت القدرة صالحة لذلك.
قلت: كأنه لم يطلع على ما رواه ابن حبان والطبراني، وقد ذكرناه الآن، ووقع في
كلام ابن بطال تخصيص ذلك بالنجاشي، فقال: بدليل إطباق الأمة على ترك العمل بهذا
الحديث، قال: ولم أجد لأحد من العلماء إجازة الصلاة على الغائب إلاَّ ما ذكره ابن زيد عن
عبد العزيز بن أبي سلمة فإنه قال: إذا استؤذن أنه غرق أو قتل أو أكله السباع ولم يوجد منه
شيء صلى عليه، كما فعل بالنجاشي، وبه قال ابن حبيب، وقال ابن عبد البر: أكثر أهل
العلم يقولون: إن ذلك مخصوص به، وأجازه بعضهم إذا كان في يوم الموت أو قريب منه،
وفي (المصنف) عن الحسن إنما دعا له ولم يصل.
الوجه الخامس: في أن التكبير على الجنازة أربعة، وصرح بذلك في الحديث وهو
آخر ما استقر عليه أمره عَّله، وقال ابن أبي ليلى: يكبر خمساً، وإليه ذهب الشيعة. وقيل:
ثلاثاً، قاله بعض المتقدمين، وقيل: أكثره سبع وأقله ثلاث، ذكره القاضي أبو محمد، وقيل:
ست، ذكره ابن المنذر عن علي، رضي الله تعالى عنه، وعن أحمد: لا ينقص من أربع ولا
يزاد على سبع. وقال ابن مسعود: يكبر ما كبر إمامه، وروى مسلم من حديث عبد الرحمن
بن أبي ليلى. قال: كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا خمساً، فسألته، فقال: كان رسول الله
عَّلِ يكبرها، ورواه أيضاً أبو داود والترمذي وابن ماجه والطحاوي، وقال: ذهب قوم إلى أن
التكبير على الجنائز خمس، وأخذوا بهذا الحديث. قلت: أراد بالقوم هؤلاء: عبد الرحمن بن
أبي ليلى، وعيسى مولى حذيفة وأصحاب معاذ بن جبل وأبا يوسف من أصحاب أبي حنيفة،
وإليه ذهبت الظاهرية والشيعة. وفي (المبسوط) وهي رواية عن أبي يوسف، وقال الحازمي:
وممن رأى التكبير على الجنازة خمساً ابن مسعود وزيد بن أرقم وحذيفة بن اليمان. وقال
فرقة: يكبر سبعاً، روي ذلك عن ذر بن حبيش. وقال فرقة: يكبر ثلاثاً روى ذلك عن أنس
وجابر بن زيد، وحكاه ابن المنذر عن ابن عباس، وقال الطحاوي: وخالفهم في ذلك آخرون.
-

٣٣
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِرِ / باب (٤)
قلت: أراد بهم محمد بن الحنفية وعطاء بن أبي رباح وابن سيرين والنخعي وسويد بن
غفلة والثوري وأبا حنيفة ومالكاً والشافعي وأحمد وأبا مجلز لاحق بن حميد، ويحكى ذلك
عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وزيد بن ثابت وجابر وابن أبي أوفى والحسن بن علي
والبراء بن عازب، وأبي هريرة وعقبة بن عامر، رضي الله تعالى عنهم، ولم يذكر التسليم هنا
في حديث النجاشي. وذكر في حديث سعيد بن المسيب رواية ابن حبيب عن مطرف عن
مالك، واستغربه ابن عبد البر، قال: إلا أنه لا خلاف علمته بين العلماء من الصحابة والتابعين
فمن بعدهم من الفقهاء في السلام، وإنما اختلفوا: هل هي واحدة أو اثنتان؟ فالجمهور على
تسليمة واحدة، وهو أحد قولي الشافعي، وقالت طائفة: تسليمتان، وهو قول أبي حنيفة
والشافعي، وهو قول الشعبي، ورواية عن إبراهيم، وممن روي عنه واحدة: عمر وابنه عبد الله
وعلي وابن عباس وأبو هريرة وجابر وأنس وابن أبي أوفى وواثلة وسعيد بن جبير وعطاء وجابر
ابن زيد وابن سيرين والحسن ومكحول وإبراهيم في رواية. وقال الحاكم: صحت الرواية في
الواحدة عن علي وابن عمر وابن عباس وجابر وأبي هريرة وابن أبي أوفى أنهم كانوا يسلمون
تسليمة واحدة، وقال ابن التين: وسأل أشهب مالكاً: أتكره السلام في صلاة الجنائز؟ قال: لا،
وقد كان ابن عمر يسلم. قال: فاستناد مالك إلى فعل ابن عمر دليل على أنه عَ ◌ّه لم يسلم
في صلاته على النجاشي ولا على غيره.
١٢٤٦/١٠ - حدّثنا أَبُو مَعْمَرٍ قال حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قال حدَّثنا أَيُّوبُ عنْ حُمَيْدِ بنِ
هِلاَلٍ عنْ أَنَسٍ بنِ مالِكِ رضي الله تعالى عنه قال قال النبيُّ عَّهِ أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ ثُمّ
أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأَصِيبَ ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بنُ رَوَاحَةَ فَأَصِيبَ وَإِنَّ عَيْنَيْ رسولِ اللهِعَلّ
لَتَذْرِفَانِ ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفْتِحَ لَهُ. [الحديث ١٢٤٦ - أطرافه في:
٢٧٩٨، ٣٠٦٣، ٣٦٣٠، ٣٧٥٧، ٦٢٤٢].
مطابقته للترجمة من حيث إن قوله عَّهِ ((أخذ الراية زيد .. )) إلى آخره نعي منه إليهم،
لأنه أخبر بموتهم. غاية ما في الباب أنه صرح بالنعي في الحديث السابق وههنا ذكره
بالمعنى، وصرح بالنعي في علامات النبوة حيث قال: (إن النبي عَّهِ نعى زيداً وجعفراً .. ))
الحدیث.
ورجاله قد ذكروا غير مرة، ومعمر، بفتح الميمين: عبد الله بن عمرو المقعد، وعبد
الوارث ابن سعيد وأيوب هو السختياني.
وأخرج البخاري هذا الحديث أيضاً في الجهاد عن يوسف بن يعقوب ويعقوب بن
إبراهيم فرقهما، وفي علامات النبوة: عن سليمان بن حرب وفي فضل خالد وفي المغازي عن
أحمد بن واقد. وأخرجه النسائي في الجنائز عن إسحاق بن إبراهيم.
ذكر معناه: قوله: ((أخذ الراية زيد))، وقصته في غزوة مؤتة، وهي موضع في أرض
البلقاء من أطراف الشام، وذلك أنه عَِّ أرسل سرية في جمادى الأولى من سنة ثمان،
عمدة القاري / ج٨ / ٣٢

٣٤
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٥)
واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن
أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس، فخرجوا وهم ثلاثة آلاف فتلاقوا مع الكفار
فاقتتلوا فقتل زيد بن حارثة ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب فقاتل بها حتى قتل، ثم أخذها
عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل، ثم أخذها خالد بن الوليد، رضي الله تعالى عنه، ففتح
الله على يديه. وعن أنس أن رسول الله عَ لَّه نعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس قبل أن
يأتيهم خبر، ولما أخبر رسول الله عَّ بخبرهم حتى قال: ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله
حتى فتح الله عليهم، وفي رواية للبخاري عن ابن عمر: فالتمسنا جعفر بن أبي طالب
فوجدناه في القتلى، ووجدنا في جسده بضعاً وسبعين من طعنة ورمية، وعن خالد: لقد
انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف فما بقي في يديّ إلاَّ صفيحة يمانية، رواه البخاري،
وزيد هو ابن حارثة بن شراحيل بن كعب الكلبي القضاعي مولى رسول الله عَ طله، أعتقه
رسول الله عَّ له وتبناه، ولم يذكر الله تعالى أحداً من الصحابة في القرآن باسمه الخاص إلاَّ
زيداً، قال الله تعالى: ﴿فلما قضى زيد منها وطرا﴾ [الأحزاب: ٣٧]. وجعفر بن أبي طالب
الهاشمي الطيار ذو الجناحين، وهو صاحب الهجرتين، الجواد ابن الجواد، وكان أمير
المهاجرين إلى الحبشة. وعبد الله بن رواحة، بفتح الراء وتخفيف الواو وبالحاء المهملة:
الخزرجي المدني، أحد النقباء ليلة العقبة. قوله: ((لتذرفان)) اللام للتأكيد، وتذرفان، بالذال
المعجمة من: ذرفت عينه إذا سال منها الدمع. قوله: ((من غير إمرة)) بكسر الهمزة وسكون
الميم وفتح الراء.
ذكر ما يستفاد منه فيه: دليل النبوة لأنه أخبر بإصابتهم في المدينة وهم بمؤتة، وكان
كما قال ◌َّله. وفيه: جواز البكاء على الميت. وفيه: أن الرحمة التي تكون في القلب
محمودة. وفيه: جواز تولي أمر القوم من غير تولية إذا خاف ضياعه وحصول الفساد بتركه،
وقال الخطابي: لما نظر خالد بعد موتهم وهو في ثغر مخوف وبإزاء عدو عددهم جم
وبأسهم شديد خاف ضياع الأمر وهلاك من معه من المسلمين، فتصدى للإمارة عليهم وأخذ
الراية من غير تأمير وقاتل إلى أن فتح الله على المسلمين، فرضي رسول الله عَ لغيره فعله، إذ
وافق الحق، وإن لم يكن من رسول الله عَ طِّ إذن ولا من القوم الذين معه بيعة وتأمير، فصار
هذا أصلاً في الضرورات إذا وقعت من معاظم أمر الدين في أنها لا تراعى فيها شرائط
أحكامها عند عدم الضرورة، وكذا في حقوق آحاد أعيان الناس، مثل أن يموت رجل بفلاة
وقد خلف تركة، فإن على من شهده حفظ ماله وإيصاله إلى أهله وإن لم يوص المتوفي
بذلك فإن النصيحة واجبة للمسلمين. وفيه: أيضاً جواز دخول الخطر في الوكالات وتعليقها
بالشرائط.
٥ - بابُ الإذنِ بِالجَنَازَةِ
أي: هذا باب في بيان الإذن، بكسر الهمزة، والمراد العلم بها، ويروى: باب الأذان

٣٥
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٥)
أي: الإعلام بها. وقيل: باب الآذان، بمد الهمزة وكسر الذال على وزن الفاعل، وهو الذي
يؤذن بالجنازة أي: يعلم بها بأنها تهيأت، والفرق بين هذه الترجمة والترجمة التي قبلها أن
الأولى إعلام وليس له علم بالميت، وهذه إعلام من أعلم بنهي أمره.
وقالَ أبُو رافِعٍ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال قال النبيُّ عَِّ ألا آذَنْتُمُونِي
مطابقته للترجمة ظاهرة، وأبو رافع الصائغ اسمه: نفيع، بضم النون، وهو طرف حديث
أخرجه في: باب كنس المسجد والتقاط الخرق، حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد
بن زيد عن ثابت عن أبي رافع ((عن أبي هريرة: أن رجلاً أسود، أو امرأة سوداء، كان يقم
المسجد فمات، فسأل النبي عَّ عنه فقالوا: مات، فقال: أفلا كنتم آذنتموني به؟ دلوني
على قبره - أو على قبرها - فأتى قبره فصلى عليه)). وقد مر الكلام فيه هناك مستوفى.
١١/ ١٢٤٧ - حدّثنا مُحَمَّدٌ قال أخبرنا أبو مُعَاوِيَةَ عنْ أبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِي عنِ
الشَّغْبِيَّ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال ماتَ إِنْسَانٌ كانَ رسولُ اللهِ عَ لِ يَعُودُهُ
فَمَاتَ بِاللَّيْلِ فَدَقَنُوهُ لَيْلاً فَلَمَّا أَصْبَحَ أخْبَرُوهُ فقالِ ما منَعَكُمْ أَنْ تُعْلِمُونِي قَالُوا كانَ اللَّيْلُ
فَكَرِهْنَا وكانَتْ ظُلْمَةٌ أَنَّ نَشُقَّ عَلَيْكَ فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَليهِ. [أنظر الحديث ٨٥٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ما منعكم أن تعلموني؟)).
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: محمد بن سلام أو ابن المثنى لأن كلاً منهما روى
عن أبي معاوية، ولكن جزم أبو علي بن السكن في روايته عن الفربري أنه محمد بن سلام.
الثاني: أبو معاوية محمد بن خازم، بالخاء المعجمة والزاي: الضرير. الثالث: أبو إسحاق بن
أبي سليمان فيروز الشيباني، بفتح الشين المعجمة. الرابع: عامر بن شراحيل الشعبي.
الخامس: عبد الله بن عباس، رضي الله تعالى عنهما.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الإفراد في موضع. وفيه: الإخبار بصيغة
الجمع في موضع. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن شيخه
من أفراده، وهو البيكندي البخاري، وبقية الرواة كوفيون. وفيه: ذكر شيخه بلا نسبة وإثنان
بالكنية وواحد بالنسبة إلى شعب بطن من همدان.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري في الصلاة عن محمد بن
المثنى عن غندر، وفي الجنائز عن مسلم بن إبراهيم وسليمان بن حرب وحجاج بن منهال،
فرقهم أربعتهم عن شعبة، وفيه عن موسى بن إسماعيل عن عبد الواحد وعن عثمان بن أبي
شيبة عن جرير وعن محمد وعن أبي معاوية هنا وعن يعقوب بن إبراهيم عن يحيى بن أبي
بكير عن زائدة، خمستهم عن أبي إسحاق الشيباني عنه به. وأخرجه مسلم في الجنائز عن
محمد بن المثنى عن الحسن بن الربيع وأبي كامل الجحدري وعن إسحاق بن إبراهيم وعن
عبيد الله بن معاذ وعن الحسن بن الربيع ومحمد بن عبد الله بن نمير وعن يحيى بن يحيى
وعن محمد بن حاتم وعن إسحاق بن إبراهيم وهارون بن عبد الله وعن أبي غسان، وأخرجه
:

٣٦
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِ / باب (٥)
أبو داود فيه عن محمد بن العلاء، وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن منيع. وأخرجه النسائي
فيه عن يعقوب بن إبراهيم وعن إسماعيل بن مسعود وأخرجه ابن ماجه فيه عن علي بن
محمد.
ذكر اختلاف الألفاظ فيه: وفي لفظ للبخاري: ((فقال: متى دفن؟ فقالوا: البارحة)).
وفي لفظ مسلم: ((انتهى رسول الله عَ لٍ إلى قبر رطب)). وقال البيهقي: روى هريم بن سفيان
عن الشعبي ((فقال: بعد موته بثلاث ليال))، وروي عن إسماعيل بن زكرياء عن الشيباني،
((فقال: صلى على قبره بعد ما دفن بليلتين))، ورواه بشر بن آدم عن أبي عاصم عن سفيان عن
الشيباني: ((صلى على قبر بعد شهر)). وقال الدارقطني: تفرد بهذا بشر بن آدم وخالفه عن أبي
عاصم وهو العباس بن محمد، فقال: ((صلى على قبر بعدما دفن))، وروى الترمذي بإسناده عن
سعيد بن المسيب: ((أن أم سعد ماتت والنبي، عَّهِ، غائب، فلما قدم صلى عليها وقد مضى
لذلك شهر)). وقال الترمذي: قال أحمد وإسحاق: ((أكثر ما سمعنا عن ابن المسيب أن النبي
◌َّ التِّ صلى على قبر أم سعد بن عبادة بعد شهر)). فإن قلت: قد وردت الصلاة على القبر بعد
سنة فيما رواه البيهقي في سننه من رواية أبي معبد بن معبد بن أبي قتادة أن البراء بن معرور
كان أول من استقبل القبلة وكان أحد السبعين النقباء فقدم المدينة قبل أن يهاجر رسول الله
عَ لِّ فجعل يصلي نحو القبلة، فلما حضرته الوفاة أوصى بثلث ماله لرسول الله عَ ليه، يضعه
حيث يشاء، وقال: وجهوني إلى القبلة في قبري، فقدم النبي، عَّهم، بعد سنة فصلى عليه هو
وأصحابه، ورد ثلث ميراثه على ولده. قلت: قال البيهقي بعد روايته: كذا وجدت في كتابي،
والصواب: بعد شهر.
ذكر معناه: قوله: ((مات إنسان كان رسول الله عٍَّ يعوده)) قيل: الإنسان هذا هو:
طلحة بن البراء بن عمير البلوي، حليف الأنصار، وروى الطبراني من طريق عروة بن سعيد
الأنصاري عن أبيه ((عن حصين بن وحوح الأنصاري: أن طلحة بن البراء مرض فأتاه النبي
عَّهِ يعوده، فقال: إني لا أرى طلحة إلاَّ قد حدث فيه الموت، فآذنوني به وعجلوا، فلم يبلغ
النبي ◌َ ◌ّله بني سالم بن عوف حتى توفي، وكان قال لأهله لما دخل الليل: إذا مت
فادفنوني ولا تدعو رسول الله عَّ له فإني أخاف عليه يهود أن يصاب بسببي، فأخبر النبي معَ ◌ّه
حين أصبح، فجاء حتى وقف على قبره فصف الناس معه ثم رفع يديه فقال: اللهم إلى طلحة
يضحك إليك وتضحك إليه)). وأخرجه أبو داود مختصراً من حديث الحصين بن وحوح: ((أن
طلحة بن البراء مرض فأتاه النبي ◌َّمِ يعوده فقال: إني لا أرى طلحة إلاَّ قد حدث به
الموت، فآذنوني به وعجلوا فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله .. )) وقال
صاحب (التوضيح): إن هذا الإنسان هو الميت المذكور في حديث أبي هريرة الذي يقم
المسجد. قيل: وهم، لأن الصحيح في حديث أبي هريرة أنها امرأة يقال لها: أم محجن.
قوله: ((فلما أصبح)) أي: دخل رسول الله، عَِّ، في الصباح. قوله: ((وكان الليل)) برفع
الليل، وكان تامة، وكذا كان في: ((كانت ظلمة)). قوله: ((أن نشق))، كلمة أن مصدرية أي:

٣٧
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِرِ / باب (٥)
كرهنا المشقة عليه. وقوله: ((وكانت ظلمة))، جملة معترضة.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: عيادة المريض، وقد مر الكلام فيه مستقصىّ، وفيه: جواز
دفن الميت بالليل، وروى الترمذي من حديث عطاء ((عن عباس: أن النبي عَِّ دخل قبراً
ليلاً فأسرج له بسراج، فأخذ من قبل القبلة وقال: رحمك الله إن كنت لأواهاً تلاءً للقرآن،
وكبر عليه أربعاً))، ثم قال الترمذي: ورخص أكثر أهل العلم في الدفن بالليل، وروى ابن أبي
شيبة في (المصنف) بإسناده ((عن أبي ذر، قال: كان رجل يطوف بالبيت يقول: أوه أوه. قال
أبو ذر: فخرجت ليلة فإذا النبي، عَّه، في المقابر يدفن ذلك الرجل ومعه مصباح)). وفيه:
الإذن بالجنازة والإعلام به، وقد مر بيانه مع الخلاف فيه. وفيه: تعجيل الجنازة، فإنهم ظنوا
أن ذلك آكد من إيذانه. وفيه: جواز الصلاة على القبر وفيه خلاف، وقال الترمذي: العمل
على هذا، أي: الصلاة على القبر عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي عَّهِ وغيرهم، وهو
قول الشافعي وأحمد وإسحاق. وقال بعض أهل العلم: لا يصلى على القبر، وهو قول مالك
ابن أنس، وقال عبد الله بن المبارك: إذا دفن الميت ولم يصل عليه صلي على القبر. وقال
أحمد وإسحاق: يصلى على القبر إلى شهر، وقال ابن التين: جمهور أصحاب مالك على
الجواز خلافاً لأشهب وسحنون فإنهما قالا: إن نسي أن يصلي على الميت فلا يصلي على
قبره وليدع له.
وقال ابن قاسم وسائر أصحابنا: يصلى على القبر إذا فاتت الصلاة على الميت، فإذا لم
تفت وكان قد صلي عليه فلا يصلي عليه، وقال ابن وهب عن مالك: ذلك جائز، وبه قال
الشافعي وعبد الله بن وهب وابن عبد الحكم وأحمد وإسحاق وداود وسائر أصحاب
الحديث، وكرهها النخعي والحسن، وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي والحسن بن
حي والليث بن سعد، قال ابن القاسم: قلت لمالك: فالحديث الذي جاء في الصلاة عليه؟
قال: قد جاء وليس عليه العمل، وقال صاحب (الهداية): وإن دفن الميت ولم يصل عليه
صلي على قبره، ولا يخرج منه ويصلى عليه ما لم يعلم أنه تفرق، هكذا في (المبسوط)؛
وإذا شك في ذلك نص الأصحاب على أنه لا يصلى عليه، وبه قال الشافعي وأحمد، وهو
قول عمر وأبي موسى وعائشة وابن سيرين والأوزاعي، وهل يشترط في جواز الصلاة على قبره
كونه مدفوناً بعد الغسل؟ فالصحيح أنه يشترط، وروى ابن سماعة عن محمد: أنه لا يشترط،
وفي (المحيط): لو صلى عليه من لا ولاية له عليه يصلي على قبره، ويصلي عليه قبل أن
يتفسخ، والمعتبر في ذلك أكبر الرأي، أي: غالب الظن، فإن كان غالب الظن أنه تفسخ لا
يصلي عليه، وإن كان غالب الظن أنه لم يتفسخ يصلي عليه، وإذا شك لا يصلي عليه.
وروي عن أبي يوسف: يصلى عليه إلى ثلاثة أيام وبعدها لا يصلي عليه، والشافعية
ستة أوجه. أولها: إلى ثلاثة أيام. ثانيها: إلى شهر، كقول أحمد. ثالثها: ما لم يبل جسده.
رابعها: يصلي عليه من كان من أهل الصلاة عليه يوم موته. خامسها: يصلي عليه من كان
من أهل فرض الصلاة عليه يوم موته. سادسها: يصلي عليه أبداً، فعلى هذا تجوز الصلاة

٣٨
٢٣ - کِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٦)
على قبور الصحابة ومن قبلهم اليوم، واتفقوا على تضعيفه، وممن صرح به: الماوردي
والمحاملي والفوراني والبغوي وإمام الحرمين والغزالي. فإن قلت: في البخاري عن عقبة بن
عامر، رضي الله تعالى عنه، أنه عَّهِ صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين. قلت: أجاب
السرخسي في (المبسوط) وغيره: أن ذلك محمول على الدعاء، ولكنه غير سديد، لأن
الطحاوي روى عن عقبة بن عامر أنه عَ ليه خرج يوماً فصلى على قتلى أحد صلاته على
الميت، والجواب السديد: أن أجسادهم لم تبل.
٦ - بابُ فَضْلٍ منْ ماتَ لَهُ وَلَدٌ فاخْتَسَبَ
أي: هذا باب في بيان فضل من مات له ولد فاحتسب، أي: صبر راضياً بقضاء الله
تعالى راجياً لرحمته وغفرانه، والاحتساب من الحسب، كالاعتداد من العدد، وإنما قيل لمن
ينوي بعمله وجه الله: احتسبه، لأن له حينئذ أن يعتد بعمله، فجعل في حال مباشرة الفعل
كأنه معتد به، والاحتساب في الأعمال الصالحة، وعند المكروهات هو البدار إلى طلب
الأجر وتحصيله بالتسليم والصبر أو باستعمال أنواع البر والقيام بها على الوجه المرسوم فيها
طلباً للثواب المرجو منها، وإنما ذكر لفظ الولد ليتناول الذكر والأنثى والواحد فما فوقه. فإن
قلت: أحاديث الباب ثلاثة، وفيها التقييد بثلاثة واثنين؟ قلت: في بعض طرق الحديث الوارد
فيه ذكر الواحد كما ستقف عليه فيما نذكره الآن، لأنه روي في هذا الباب عن جماعة من
الصحابة وهم أبو هريرة وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وأبو سعيد الخدري ومعاذ بن
جبل وعتبة بن عبد وجابر بن عبد الله ومطرف بن الشخير وأنس بن مالك وأبو ذر وعبادة بن
الصامت وأبو ثعلبة وعقبة بن عامر وقرة بن أياس المزني وعلي بن أبي طالب وأبو أمامة وأبو
موسى والحارث بن وقيش وجابر بن سمرة وعمرو بن عبسة ومعاوية بن حيدة وعبد الرحمن
بن بشير وزهير بن علقمة وعثمان بن أبي العاص وعبد الله بن الزبير وابن النضر السلمي
وسفينة وحوشب بن طخمة والحسجاس بن بكر وعبد الله بن عمر والزبير بن العوام وبريدة
وأبو سلمة راعي رسول الله عَ لّه وأبو برزة الأسلمي وعائشة أم المؤمنين وحبيبة بنت سهل
وأم سليم وأم مبشر ورجل لم يسم رضي الله تعالى عنهم.
فحديث أبي هريرة عند البخاري ومسلم والنسائي. وحديث عبد الله بن مسعود عند
الترمذي عن ابنه أبي عبيدة عنه، قال: قال رسول الله عَّ: ((من قدم ثلاثة لم يبلغوا الحنث
كانوا له حصناً حصيناً. قال أبو ذر: قدمت اثنين؟ قال: وإثنين. قال أبي بن كعب سيد
القراء: قدمت واحداً؟ قال: وواحداً، ولكن إنما ذلك عند الصدمة الأولى)). قال أبو عيسى:
هذا حديث حسن غريب، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه. وحديث عبد الله بن عباس عند
الترمذي أيضاً من حديث سماك بن الوليد الحنفي يحدث أنه سمع ابن عباس يحدث أنه
سمع رسول الله، عَّ له، يقول: ((من كان له فرطان من أمتي أدخله الله بهما الجنة، فقالت
عائشة: فمن كان له فرط من أمتك؟ فقال: ومن كان له فرط يا موفقة. قالت: فمن لم يكن

٣٩
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٦)
له فرط من أمتك؟ قال أنا فرط أمتي لن يصابوا بمثلي)). وقال: هذا حديث حسن غريب.
وحديث أبي سعيد عند البخاري ومسلم والنسائي من رواية ذكروان عنه على ما يجيء، إن
شاء الله تعالى. وحديث معاذ عند ابن أبي شيبة في (مصنفه) عن النبي عَّ له أنه قال: ((أوجب
ذو الثلاثة. قالوا: وذو الإثنين يا رسول الله؟ قال: وذو الإثنين .. )) ورواه أحمد والطبراني أيضاً،
وروى ابن ماجه عنه عن النبي عّ لّه قال: ((والذي نفسي بيده إن السقط ليجر أمه بسروره
إلى الجنة إذا احتسبته)). والسرور بفتحتين هو ما تقطعه القابلة من السرة. وحديث عتبة بن
عبد عند ابن ماجه عن محمود بن لبيد عنه، قال: سمعت رسول الله عَّم يقول: ((ما من
مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلاَّ تلقوه من أبواب الجنة الثمانية، من أيها
شاء دخل)). وحديث جابر بن عبد الله عند البيهقي، قال: سمعت رسول الله عَ لّه، يقول ((من
مات له ثلاثة من الولد فاحتسبهم عند الله دخل الجنة، قال: قلت: يا رسول الله وإثنان؟ قال:
واثنان. قال محمود: فقلت لجابر، والله إني لأراكم لو قلتم واحداً لقال واحداً. قال: أنا والله
أظن ذلك.)) ورواه أحمد أيضاً. وحديث مطرف بن الشخير عند مسدد في (مسنده) قال: قال
رسول الله، عَّ له، للأنصار: ما الرقوب فيكم؟ قالوا: الذي لا ولد له. قال رسول الله، عَّ له،
ليس ذاكم بالرقوب، والرقوب الذي يقدم على ربه ولم يقدم أحداً من ولده))، الحديث عند
البخاري والنسائي. وحديث أبي ذر عند النسائي من رواية الحسن ((عن صعصعة بن معاوية،
قال: لقيت أبا ذر، قلت: حدثني. قال: نعم، قال رسول الله عَّ ◌ُله: ما من مسلمين يموت
بينهما ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحنث إلاَّ غفر الله لهما بفضل رحمته إياهم)). وحديث عبادة بن
الصامت عند أبي داود الطيالسي: أن رسول الله عَ لِّ قال: ((والنفساء يجرها ولدها يوم القيامة
بسرره إلى الجنة)). وحديث أبي ثعلبة الأشجعي عند أحمد في (مسنده) والطبراني في
(معجمه الكبير) من رواية ابن جريج عن أبي الزبير عن عمر بن نبهان عنه، قال: قلت: يا
رسول الله، مات لي ولدان في الإسلام، فقال: من مات له ولدان في الإسلام أدخله الجنة
بفضل رحمته إياهما)).
وحديث عقبة بن عامر عند الطبراني في (الكبير) من حديث أبي غثانة المغافري أنه
سمع عقبة بن عامر يقول: قال رسول الله، عَّ له: ((من أثكل ثلاثة من صلبه فاحتسبهم على
الله عز وجل وجبت له الجنة))، ورواه أحمد أيضاً. وحديث قرة بن إياس عند النسائي من
حديث معاوية بن قرة عن أبيه ((أن رجلاً أتى النبي، عَّلَّهِ، ومعه ابن له، فقال: أحبك الله كما
أحبه، فمات ففقده فسأل عنه فقال: ما يسرك أن لا تأتي باباً من أبواب الجنة إلاَّ وجدته عنده
يسعى يفتح لك؟)) وحديث علي عند الدارقطني في العلل عنه عن النبي، عَّ له، ((من مات له
ثلاثة من الولد))، وروى ابن أبي شيبة في (مصنفه) عنه قال: قال رسول الله، عَ له: ((إن السقط
ليراغم ربه إن أدخل أبويه النار حتى يقال له: أيها السقط المراغم ربه إرجع فإني قد أدخلت
أبويك الجنة. قال: فيجرهما بسرره حتى يدخلهما الجنة)). ورواه أبو يعلى أيضاً. وحديث
أبي أمامة عند ابن أبي شيبة في (مصنفه) عنه، قال: قال رسول الله، عَّ له: ((ما من مؤمنين

٤٠
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٦)
يموت لهما ثلاثة من الأولاد لم يبلغوا الحلم إلاَّ أدخلهما الله الجنة بفضل رحمته
إياهم). وحديث أبي موسى عند البخاري في الجنائز. وحديث الحارث بن وقيش، ويقال
أقيش، عند ابن أبي شيبة في (مصنفه): أن رسول الله عَّ للم قال: ((ما من مسلمين يموت لهما
أربعة أفراط إلاَّ أدخلهما الله الجنة، قالوا: يا رسول الله، وثلاثة؟ قال: وثلاثة. قالوا: وإثنان؟
قال: وإثنان)). وحديث جابر بن سمرة عند الطبراني في (الكبير) أنه قال: قال رسول الله،
عَّاتٍ: ((من دفن ثلاثة من الولد فصبر عليهم واحتسبهم وجبت له الجنة، فقالت أم أيمن: أو
اثنين؟ فقال: ومن دفن اثنين فصبر عليهما واحتسبهما وجبت له الجنة؟ فقالت أم أيمن أو
واحداً؟ قالت: فسكت أو أمسك، فقال: سمعت أم أيمن من دفن واحداً فصبر واحتسب
كانت له الجنة)). وحديث عمرو بن عبسة عند الطبراني أيضاً في (الكبير) من رواية الوضين،
الحديث، وفيه: سمعت رسول الله، عَّ له، يقول: ((ما من مؤمن ولا مؤمنة يقدم الله له ثلاثة
أولاد من صلبه لم يبلغوا الحنث إلاَّ أدخله الله الجنة بفضل رحمته هو وإياهم).
وحديث معاوية بن حيدة عند ابن حبان في الضعفاء عنه عن النبي، عَّةِ، قال: ((سوداء
ولود خير من حسناء لا تلد، إني مكاثر بكم الأمم، حتى إن السقط ليظل مجنطياً على باب
الجنة، فيقال: أدخل فيقول: أنا وأبوي، فيقال أنت وأبويك)). وحديث عبد الرحمن بن بشير
عند الطبراني في (الكبير) قال: قال رسول الله عَّ له: ((من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا
الحنث لن يلج النار إلاَّ عابر سبيل)) يعني الجواز على الصراط. وحديث زهير بن علقمة عند
الطبراني في (الكبير) قال: ((جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله عَّله في ابن لها مات،
فكان القوم عنفوها فقالت: يا رسول الله مات لي ابنان، فقال النبي، عَ له: لقد احتظرت من
النار احتظاراً شديداً) ورواه البزار أيضاً، رحمه الله تعالى. وحديث عثمان بن أبي العاص عند
الطبراني أيضاً قال: قال رسول الله عَّ له: ((قد استجن جنة حصينة من النار رجل سلف بين
يديه ثلاثة من صلبه في الإسلام))، وحديث عبد الله بن الزبير عند الدارقطني في (العلل) عن
النبي عَّ له قال: ((من مات له ثلاثة من الولد .. )) الحديث. وحديث ابن النضر السلمي عند
مالك في (الموطأ) أن رسول الله عَ ليه قال: ((لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد
فيحتسبهم إلاَّ كانوا له جنة من النار، فقالت امرأة عند رسول الله عَّله: أو اثنان؟ قال: أو
اثنان)). قال ابن عبد البر: ابن النضر هذا مجهول في الصحابة والتابعين، واختلف الرواة
(للموطأ) فبعضهم يقول: عن ابن النضر، وهو الأكثر، وبعضهم يقول: عن أبي النضر، ولا
يعرف إلاَّ بهذا الحديث.
وحديث سفينة عند ابن إسحاق بن إبراهيم البغدادي في كتاب (رواية الأكابر عن
الأصاغر) قال: قال رسول الله، عَ لِ: ((بخ بخ، خمس ما أثقلهن في الميزان: سبحان الله
والحمد لله ولا إله إلاَّ الله والله أكبر، وفرط صالح يفرطه)). وحديث حوشب بن طخمة
الحميري عند ابن منده في كتاب (الصحابة)، وابن قانع أيضاً في (معجم الصحابة) عن
النبي، عَّ له، أنه قال: ((من مات له ولد فصبر واحتسب قيل له: ادخل الجنة بفضل ما أخذنا