النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ ٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (١١) عن شعبة، فقال في آخره: ((فإذا هو أبو برزة الأسلمي))، وفي رواية عمرو بن مرزوق عند الإسماعيلي: ((فجاء أبو برزة)، وفي رواية حماد في (الأدب): ((فجاء أبو برزة الأسلمي على فرس فصلى وخلاها فانطلقت فاتبعها)). ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الأزرق بن قيس: ((أن أبا برزة الأسلمي مشى إلى دابته وهو في الصلاة)) الحديث، وبيَّن مهدي بن ميمون في روايته أن تلك الصلاة كانت صلاة العصر، وفي رواية عمرو بن مرزوق: ((فمضت الدابة في قبلته فانطلق أبو برزة حتى أخذها ثم رجع القهقرى. قوله: ((افعل بهذا الشيخ؟)) دعا عليه، وفي رواية الطيالسي: ((فإذا شيخ يصلي قد عمد إلى عنان دابته، فجعله في يده، فنكصت الدابة فنكص معها ومعنا رجل من الخوارج فجعل يسبه)). وفي رواية مهدي قال: ((ألا ترى إلى هذا الحمار؟)) وفي رواية حماد: ((أنظروا إلى هذا الشيخ ترك صلاته من أجل فرس)). قوله: ((أو ثماني)) بغير ألف ولا تنوين، وفي رواية الكشميهني: ((أو ثماني))، وقال ابن مالك: الأصل ثماني غزوات، فخذف المضاف وأبقى المضاف إليه على حاله، وقد رواه عمرو بن مرزوق بلفظ: ((سبع غزوات)) بغير شك. قوله: ((وشهدت تيسيره)) أي: تسهيله على الناس، وغالب النسخ على هذا. قال الكرماني: وفي بعض الروايات: كل سيره أي سفره، وفي بعضها: ((شهدت سيره))، بكسر السين وفتح الياء آخر الحروف: جمع السيرة، وحكى ابن التين عن الداودي أنه وقع عنده: ((وشهدت تستر))، بضم التاء المثناة من فوق وسكون السين: اسم مدينة بخوزستان من بلاد العجم، ومعناه: شهدت فتحها، وكانت فتحت في أيام عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، في سنة سبع عشرة من الهجرة. قوله: ((وإني أن كنت أن أرجع))، نقل بعضهم عن السهيلي أنه قال: ((إني)) وما بعدها اسم مبتدأ. ((وأن أرجع)) اسم مبدل في الأسم الأول. ((وأحب)) خبر عن الثاني، وخبر كان محذوف أي: إني إن كنت راجعاً أحب إلي. قلت: ما أظن أن السهيلي أعرب بهذا الإعراب، فكيف يقول: إني وما بعدها اسم وهي جملة؟ فإن قيل: أراد أنه جملة إسمية مؤكدة بأن، يقال له المبتدأ اسم مفرد، والجملة لا تقع مبتدأ، وكذلك قوله: ((وأن أرجع)) ليس باسم فكيف يقول: اسم مبدل؟ وهذا تصرف من لم يمس شيئاً من علم النحو، والذي يقال: إن الياء في: إني، اسم: إن، وكلمة: إن، في: إن كنت، شرطية، واسم: كان، هو الضمير المرفوع فيه وكلمة: أن، بالفتح مصدرية تقدر لام العلة فيما قبلها، والتقدير: وإن كنت لأن أرجع. وقوله: ((أحب)) خبر كان، وهذه الجملة الشرطية سدت مسد خبر: إن في ((إني))، وذلك لأن رجوعه إلى دابته وانطلاقه إليها وهو في الصلاة أحب إليه من أن يدعها، أي: يتركها، ترجع إلى مألفها، بفتح اللام، أي: معلفها، فيشق عليه، وكان منزله بعيداً إذا صلاها وتركها لم يكن يأتي إلى أهله إلى الليل لبعد المسافة، وقد صرح بذلك في رواية حماد، فقال: ((إن منزلي متراخٍ)) أي: متباعد، ((فلو صليت وتركتها)) أي: الفرس، ((لم آت أهلي إلى الليل، لبعد المكان)). ذكر ما يستفاد منه: قال ابن بطال: لا خلاف بين الفقهاء أن من أفلتت دابته وهو في ٤٢٢ ٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (١١) الصلاة إنه يقطع الصلاة ويتبعها، وقال مالك: من خشي على دابته الهلاك أو على صبي رآه في الموت فليقطع صلاته، وروى ابن القاسم عنه: في مسافر أفلتت دابته، وخاف عليها أو على صبي أو أعمى أن يقع في بئر أو نار، أو ذكر متاعاً يخاف أن يتلف، فذلك عذر يبيخ له أن يستخلف ولا تفسد على من خلفه شيئاً، ولا يجوز أن يفعل هذا أبو برزة دون أن يشاهده من النبي عَّهِ. وقال ابن التين: والصواب أنه إذا كان له شيء له قدر يخشى فواته يقطع، وإن كان يسيراً فعادته على صلاته أولى من صيانة قدر يسير من ماله، هذا حكم الفذ، والمأموم، فأما الإمام ففي كتاب ابن سحنون: إذا صلى ركعة ثم انفلتت دابته وخاف عليها أو على صبي أو أعمى أن يقعا في البئر، أو ذكر متاعاً له يخاف تلفه، فذلك عذر يبيح له أن يستخلف ولا يفسد على من خلفه شيئاً، وعلى قول أشهب: إن لم يعد واحد منهم بنى قياساً على قوله: إذا خرج لغسل دم رآه في ثوبه، وأحب إلي أن يستأنف وإن بنى أجزأه. قلت: ذكر محمد، رحمه الله تعالى في (السير الكبير) حديث الأزرق بن قيس: أنه رأى أبا برزة يصلي آخذاً بعنان فرسه حتى صلى ركعتين، ثم انسل قياد فرسه من يده فمضى الفرس إلى القبلة فتبعه أبو برزة حتى أخذ بقياده، ثم رجع ناكصاً على عقبيه حتى صلى الركعتين الباقيتين. قال محمد، رحمه الله: وبهذا نأخذ الصلاة تجزي مع ما صنع لا يفسدها الذي صنع، لأنه رجع على عقبيه ولم يستدبر القبلة بوجهه، حتى لو جعلها خلف ظهره فسدت صلاته، ثم ليس في هذا الحديث فصل بين المشي القليل والكثير، فهذا يبين لك أن المشي في الصلاة مستقبل القبلة لا يوجب فساد الصلاة، وإن كثر، وبعض مشايخنا أولوا هذا الحديث واختلفوا فيما بينهم في التأويل، فمنهم من قال: تأويله أنه لم يجاوز موضع سجوده، فأما إذا جاوز ذلك فإن صلاته تفسد، لأن موضع سجوده في الفضاء مصلاه، وكذلك موضع الصفوف في المسجد، وخطاه في مصلاه عفو، ومنهم من قال: تأويله أن مشيه لم يكن متلاصقاً بل مشى خطوة فسكن، ثم مشى خطوة، وذلك قليل، وأنه لا يوجب فساد الصلاة. أما إذا كان المشي متلاصقاً تفسد، وإن لم يستدبر القبلة، لأنه عمل كثير. ومن المشايخ من أخذ بظاهر الحديث ولم يقل بالفساد، قل المشي أو كثر، استحساناً، والقياس أن تفسد صلاته إذا كثر المشي، إلا أنا تركنا القياس بحديث أبي برزة، رضي الله تعالى عنه، وأنه خص بحالة العذر، ففي غير حالة العذر يعمل بقضية القياس. ١٢١٢/٢٣٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلِ قال أخبرنا عَبْدُ الله قال أخبرنا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ. قال قالَتْ عائِشَةُ حَسَفَتِ الشَّمْسُ فقامَ النبيُّ عََّلَّهِ فَقَرَأْ سُورَةً طَوِيلَةٌ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ اسْتَفْتَحَ بِسُورَةٍ أُخْرَى ثُمَّ رَكَعَ حَتَّى قَضَاهَا وسَجَدَ ثُمَّ فَعَلَ ذُلِكَ فِي الثَّانِيَةِ ثُمَّ قَالَ إِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ فَإِذَا رَأيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُوا حَتَّى يُفْرَجَ عَنْكُمْ لَقَدْ رَأيْتُ فِي مَقامِي هذ كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُهُ حَتَّى لَقَدْ رَأيْتُ أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفاً مِنَ الجَنَّةِ حِينَ وَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أَتَقَدَّمُ وَلَقَدْ رَأيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضاً حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأْخَّرْتُ وَرَأيْتُ فِيهَا عَمْرَو بنَ لَحيّ وَهْوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ. [انظر الحديث ١٠٤٤ وأطرافه]. ٤٢٣ ٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (١١) قال الكرماني: تعلق الحديث بالترجمة هو أن فيه مذمة تسييب السوائب مطلقاً، سواء كان في الصلاة أو لا. قلت: ما أبعد هذا الوجه، أو تعلق الحديث بالترجمة في قوله: ((جعلت أتقدم)) وفي قوله: ((تأخرت))، وذلك لأن في الحديث السابق ذكر انفلات فرس أبي برزة، وأنه تقدم من موضع سجوده ومشى، ثم تأخر ورجع القهقرى، وفي هذا الحيث أيضاً التقدم والتأخر، وهذا المقدار يقنع به. وهذا الحديث قد مر في صلاة الكسوف بوجوه مختلفة. منها: أنه رواه من رواية يونس عن ابن شهاب وهو الزهري عن عروة عن عائشة. ومنها: ما رواه من رواية الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة، وقد ذكرنا هناك ما يتعلق به من الأشياء، ولنذكر ههنا ما يحتاج إليه ههنا. فقوله: ((عبد الله)) هو ابن المبارك، ويونس هو ابن يزيد، والزهري هو محمد بن مسلم . . قوله: ((حتى قضاها)) أي: الركعة، والقضاء ههنا بمعنى الفراغ والأداء كما في قوله تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة﴾ [الجمعة: ١٠]. أي: أديت. قوله: ((ذلك)) أي: المذكور من القيامين والركوعين في الركعة الثانية،. قوله: ((إنهما)) قال الكرماني: أي الخسوف والكسوف. قلت: ليسا بمذكورين، غير أن قولها: ((خسفت الشمس)) يدل على الكسوف، والظاهر أن الضمير يرجع إلى الشمس والقمر، كما جاء صريحاً: ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى))، والشمس مذكورة، والقمر لما كان كالشمس في ذلك كان كالمذكور. قوله: ((فإذا رأيتم ذلك)) أي: الخسوف الذي دل عليه قولها: ((خسفت))، والخسوف يستعمل فيهما جميعاً، كما مر في: باب الكسوف. قوله: ((وعدته))، بضم الواو على صيغة المجهول، ويروى: ((وعدت))، بلا ضمير في آخره، وعلى الوجهين: هي جملة في محل الخفض لأنها صفة لقوله: ((شيء)» وفي رواية ابن وهب عن يونس في رواية مسلم: ((وعدتم)). قوله: ((حتى لقد رأيته)) كذا في رواية المستملي بالضمير المنصوب بعد رأيت، وفي رواية الأكثرين بلا ضمير، وفي رواية مسلم: ((لقد رأيتني)). قوله: ((أريد))، جملة حالية وكلمة: أن، في ((أن آخذ)) مصدرية، وفي رواية جابر: ((حتى تناولت منها قطفاً فقصرت يدي عنه)). قوله: ((قطفاً))، بكسر القاف، وهو العنقود من العنب، ويفسر ذلك حديث ابن عباس في الكسوف، وقد تقدم. قوله: ((جعلت)) أي: طفقت. قال الكرماني: فإن قلت: لم قال هنا بلفظ: ((جعلت)) ولم يقل في التأخر به، بل قال: ((تأخرت))؟ قلت: لأن التقدم كاد أن يقع بخلاف التأخر، فإنه قد وقع، واعترض عليه بعضهم بقوله: وقد وقع التصريح بوقوع التقدم والتأخر جميعاً في حديث جابر عند مسلم، ولفظه: (لقد جيء بالنار وذلكم حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من لفحها))، وفي: (ثم جيء بالجنة وذلكم حين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي)). قلت: لا يرد عليه ما قاله، لأن: جعلت، في قوله ههنا بمعنى طفقت، كما ذكرنا، وبنى السؤال والجواب عليه، وجعل، الذي بمعنى: طفق، من أفعال المقاربة من القسم الذي وضع للدلالة على المشروع في الخبر، وقد ٤٢٤ ٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (١٢) علم أن أفعال المقاربة على ثلاثة أنواع: أحدها: هذا، والثاني: ما وضع للدلالة على قرب الخبر، وهو ثلاثة: كاد وكرب وأوشك. والثالث: ما وضع للدلالة على رجائه، نحو: عسى. وأيضاً لا يلزم أن يكون حديث عائشة مثل حديث جابر من كل الوجوه، وإن كان الأصل متحداً. قوله: ((يحطم) بكسر الطاء المهملة، قوله: ((عمرو بن لحي)) بضم اللام وفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف، وسيجيء في قصة خزاعة أنه عَّم قال: ((رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبة في النار))، وكان أول من سيب السوائب، والسوائب جمع سائبة، وهي التي كانوا يسيبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها شيء فإن قلت: السوائب هي المسيبة، فكيف يقال سيب السوائب؟ قلت: معناه سيب النوق التي تسمى بالسوائب، وقال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة﴾ [المائدة: ١٠٣]. كان يقول الرجل إذا قدمت من سفري أو برئت من مرضي فناقتي سائبة. أي: لا تركب ولا تطرد عن ماء ولا عن مرعى. ١٢ - باب ما يَجُوزُ مِنَ البُزَاقِ وَالنَّفْخِ فِي الصَّلاَةِ أي: هذا باب في بيان ما يجوز من البزاق أي: من رمي البزاق، وجاء فيه: الزاي والصاد، وكلاهما لغة. قوله: ((والنفخ)) أي: ما يجوز من النفخ. وقال بعضهم: أشار المصنف إلى أن بعض ذلك يجوز وبعضه لا يجوز، فيحتمل أنه يرى التفرقة بين ما إذا حصل من كل منهما كلام مفهم أم لا؟ قلت: لا نسلم أن الترجمة تدل على ما ذكره، وإنما تدل ظاهراً على أن كل واحد من البصاق والنفخ جائز في الصلاة مطلقاً، وذكره بعد ذلك ما روي عن عبد الله بن عمر، ويدل على جواز النفخ، وما رواه عن ابن عمر يدل على جواز البصاق، لأن كلاً منهما صريح فيما يدل عليه من غير قيد، والآن نذكر مذاهب العلماء فيه، إن شاء الله تعالى. ويُذْكَرُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو نَفَخَ النبيُّ عَ له في سجودِهِ فِي كُشُوفٍ مطابقته للترجمة ظاهرة، وفيه ما يدل على ما ذكرنا لأنه ذكره مطلقاً، واعترض أبو عبد الملك بأن البخاري ذكر النفخ ولم يذكر فيه حديثاً. قلت: هذا عجيب منه، فكأنه لم يطلع على ما ذكر عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو تعليق أسنده أبو داود من حديث عطاء بن السائب عن أبيه ((عبد الله بن عمرو قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله عَ لَّهِ .. )) الحديث، وفيه: ((ثم نفخ في آخر سجوده، فقال: أف أف .. )) إلى آخره. وأخرجه الترمذي والنسائي والحاكم في (المستدرك) وقال: صحيح، وإنما ذكره البخاري بصيغة التمريض لأنه من رواية عطاء بن السائب عن أبيه لأنه مختلف فيه في الاحتجاج به، وقد اختلط في آخر عمره، ولكن أورده ابن خزيمة من رواية سفيان الثوري عنه، وهو ممن سمع منه قبل اختلاطه، وأبوه وثقه العجلي وابن حبان، وليس هو من شرط البخاري، وقد فسر النفخ في الحديث بقوله: ((فقال: أف أف))، بتسكين الفاء، وأف: لا تكون كلاماً حتى تشدد الفاء فتكون على ٤٢٥ ٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (١٢) ثلاثة أحرف من التأفيف، وهو قولك: أف، لكذا، فأما: أف، والفاء فيه خفيفة فليس بكلام، والنافخ لا يخرج الفاء مشددة، ولا يكاد يخرجها فاء صادقة من مخرجها، ولكنه يفشها من غير إطباق الشفة على الشفة، وما كان كذلك لا يكون كلاماً، وبهذا استدل أبو يوسف على أن المصلي إذا قال في صلاته: أف، أو: آه، أو: أخ، لا تفسد صلاته. وقال أبو حنيفة ومحمد: تفسد لأنه من كلام الناس، وأجابا بأن هذا كان ثم نسخ. وذكر ابن بطال أن العلماء اختلفوا في النفخ في الصلاة، فكرهه طائفة ولم يوجبوا على من نفخ إعادة، روي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس والنخعي وهو رواية عن ابن زياد، وعن مالك أنه قال: أكره النفخ في الصلاة، ولا يقطعها كما يقطع الكلام، وهو قول أبي يوسف وأشهب وأحمد وإسحاق. وقالت طائفة: هو بمنزلة الكلام يقطع الصلاة، روي ذلك عن سعيد بن جبير، وهو قول مالك في (المدونة). وفيه قول ثالث، وهو: أن النفخ إن كان يسمع فهو بمنزلة الكلام يقطع الصلاة، وهذا قول الثوري وأبي حنيفة ومحمد. والقول الأول أولى لحديث ابن عمرو، وقال: ويدل على صحة هذا أيضاً اتفاقهم على جواز النفخ والبصاق في الصلاة، وليس في النفخ من النطق بالفاء والهمزة أكثر مما في البصاق من النطق بالفاء والتاء اللتين فيهما من رمي البصاق، ولما اتفقوا على جواز الصلاة في البصاق، جاز النفخ فيها إذ لا فرق بينهما في أن كل واحد منهما بحروف، ولذلك ذكر البخاري حديث البصاق في هذا الباب ليستدل على جواز النفخ، لأنه لم يسند حديث ابن عمرو، واعتمد على الاستدلال من حديث النخامة والبصاق، وهو استدلال حسن. قلت: يعكر عليه ما رواه ابن أبي شيبة في (مصنفه) بإسناد جيد أنه قال: ((النفخ في الصلاة كلام)). وروي عنه أيضاً بإسناد صحيح أنه قال: ((النفخ في الصلاة يقطع الصلاة)). وروى البيهقي بإسناد صحيح إلى ابن عباس أنه كان يخشى أن يكون كلاماً، يعني: النفخ في الصلاة، وقال شيخنا زين الدين، رحمه الله: وفرق أصحابنا في النفخ بين أن يبين منه حرفان أم لا؟ فإن بان منه حرفان وهو عامد عالم بتحريمه بطلت صلاته، وإلاَّ فلا. وحكاه ابن المنذر عن مالك وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل، وقال أبو يوسف: لا تبطل إلاَّ أن يريد به التأفيف، وهو قول: أف، وقال ابن المنذر: ثم رجع أبو يوسف فقال: لا تبطل صلاته مطلقاً. وحكى ابن العربي وغيره، عن مالك خلافاً، وأنه قال في (المختصر): النفخ كلام لقوله تعالى: ﴿ولا تقل لهما أف﴾ [الإسراء: ٢٣]. وقال في (المجموعة): لا يقطع الصلاة. وقال الأبهري من المالكية: ليس له حروف هجاء فلا يقطع الصلاة. وقال شيخنا: وما حكيناه عن أصحابنا هو الذي جزم به النووي في (الروضة) وفي (شرح المهذب)، ثم إنه حكى الخلاف فيه في (المنهاج) تبعاً للمحرر، فقال فيه: والأصح أن التنحنح والضحك والبكاء والأنين والنفخ، إن ظهر به حرفان، بطلت وإلاَّ فلا. ١٢١٣/٢٣٦ - حدّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قال حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ أَيُّوبَ عنْ نافِعِ عَنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما أنَّ النبيَّ عَّهِ رَأى نُخَامَّةً فِي قِبْلَةِ المَسْجِدِ فَتَغَيَّظَ عَلَى أَهْلِ ٤٢٦ ٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (١٢) المَسْجِدِ وقال إنَّ الله قبَلَ أحَدِكُمْ فَإِذَا كَانَ فِي صَلاَتِهِ فَلاَ يَتْزُقَنَّ أوْ قالَ لا يَتَنَخَّعَنَّ ثُمَّ نَزَلَ فَحَتَّهَا بِيَدِهِ. وقال ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما إذَا بَزَقَ أحَدُكُمْ فَلْيَبْزُقْ عَلَى يَسَارِهِ. [أنظر الحديث ٤٠٦ وطرفيه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وقد مر هذا الحديث في: باب حك البزاق باليد من المسجد، فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن نافع إلى آخره ولفظه هناك: ((رأى بصاقاً في جدار القبلة فحكه، ثم أقبل على الناس فقال: إذا كان أحدكم يصلي فلا ببصل قبل وجهه، فإن الله قبل وجهه إذا صلى)). وقد مر الكلام فيه مستوفىّ هناك. قوله: ((قبل أحدكم))، بكسر القاف وفتح الباء الموحدة: أي مقابل. قوله: ((أو لا يتخعن)) وفي رواية الإسماعيلي: ((لا يبزق بين يديه)). وقال الكرماني: وفي بعض الرواية: ((ولا يتنخمن))، من النخامة، بضم النون، وهو ما يخرج من الصدر، قوله: ((فحتها))، بفتح الحاء المهملة وتشديد التاء المثناة من فوق. ويروى: ((فحكها))، بالكاف ومعناهما واحد. قوله: ((وقال ابن عمر .. )) إلى آخره موقوف. قوله: ((عن يساره)) كذا رواية الكشميهني بلفظ: عن، وفي رواية غيره: ((على يساره)). بلفظ: على، ووقع في رواية الإسماعيلي من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل عن حماد بن زيد بلفظ: ((لا يبزقن أحدكم بين يديه، ولكن ليبزق خلفه أو عن شماله أو تحت قدمه)). وهذا الموقوف عن ابن عمر قد روي عن أنس مرفوعاً. ١٢١٤/٢٣٧ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قال حدثنا غُنْدَرٌ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال سَمِعْتُ قَتَادَةَ عنْ أنَسٍ رضي الله تعالى عنهُ عِنِ النبيِّ عَِّ قال إذا كانَ فِي الصَّلاَةِ فإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ فَلاَ يَتْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلاَ عنْ يَمِينِهِ وَلْكِنْ عَنْ شِمَالِهِ تَخْتَ قَدَمِهِ اليُسرى. [أنظر الحديث ٢٤١ وأطرافه]. مطابقته للترجمة أكثر وضوحاً من مطابقة الحديث السابق لها، لأن فيه إباحة البزاق في الصلاة عن شماله تحت قدمه اليسرى، وفي ذاك عن ابن عمر موقوفاً، وهذا الحديث أيضاً قد مر في: باب ليبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى، رواه عن آدم عن شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك، قال: قال النبي عَّهِ: ((إن المؤمن إذا كان في الصلاة فإنما يناجي ربه، فلا يبزقن بين يديه ولا عن يمينه، ولكن عن يساره أو تحت قدمه)). ورواه أيضاً عن قتيبة عن إسماعيل بن جعفر عن حميد ((عن أنس: أن النبي عَ لّهِ رأى نخامة في القبلة فشق ذلك عليه .. )) الحديث. وقد مر الكلام في أحاديث أنس هناك مستوفىّ بجميع ما يتعلق بها. ومحمد شيخ البخاري في هذا الحديث هو محمد بن بشار العبدي البصري، وقد مر غير مرة، وغندر، بضم الغين المعجمة: هو محمد بن جعفر البصري، يكنى أبا عبد الله، وقد مر غير مرة. قوله: ((إذا كان)) أي: المؤمن ((في الصلاة)) كما ورد في الحديث الآخر لأنس، هكذا كما ذكرناه الآن. قوله: ((فإنه)) أي: فإن المصلي لدلالة القرينة عليه. ٤٢٧ ٢١ - كتابُ العَملِ فِي الصَّلاةِ / باب (١٣) ١٣ - بابُ مَنْ صَفَّقَ جاهِلاً مِنَ الرِّجَالِ فِي صَلاَتِهِ لَمْ تَفْسُدْ صَلاَتُهُ أي: هذا باب في بيان حكم من صفق حال كونه جاهلاً بنفي كون التصفيق للرجال وأنه للنساء. قوله: ((من الرجال)) بيان لقوله: ((من)) فإن كلمة: من، للعقلاء تشمل الذكور والإناث، وأراد بهذه الترجمة أن الرجل إذا صفق في الصلاة عند حدوث نائبة لا تفسد صلاته إذا كان جاهلاً، وقيد بذلك لأنه إذا صفق عامداً تفسد صلاته بقضية القيد المذكور، والدليل على عدم الفساد في حالة الجهل أنه عَِّ لم يأمرهم بالإعادة في حديث سهل، رضي الله تعالى عنه. فِيهِ سَهْلُ بنُ سَغدٍ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَ لغم قد مر حديث سهل في: باب التصفيق للنساء، أخرجه: عن يحيى عن وكيع عن سفيان عن أبي حازم عن سهل بن سعد، قال: قال عَّ: ((التسبيح للرجال والتصفيق للنساء)). وسيأتي حديث سهل بن سعد أيضاً في: باب الإشارة في الصلاة، قبل كتاب الجنائز، وقد مر الكلام فيه في: باب التصفيق للنساء. ١٤ - بابٌ إِذَا قِيلَ لِلْمُصَلِّي تَقَدَّمْ أوِ انْتَظِرْ فانتَظَرَ فَلاَ بَأْسَ أي: هذا باب يذكر فيه إذا قيل للمصلي: تقدم، أي: قبل رفيقك أو انتظر أي: أو قيل له: انتظر أي: تأخر عنه، هكذا فسره ابن بطال، وكأنه أخذ ذلك من حديث الباب، وفيه: فقيل للنساء: ((لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوساً))، فمقتضاه تقدم الرجال على النساء وتأخرهن عنهم، واعترض الإسماعيلي على البخاري هنا بقوله: ظن، أي: البخاري أن المخاطبة للنساء وقعت بذلك وهن في الصلاة، وليس كما ظن، بل هو شيء قيل لهن وهن داخل الصلاة أو خارجها، والذي يظهر أن النبي عٍَّ وصاهن بنفسه أو بغيره بالانتظار المذكور قبل أن يدخلن فيها على علم. انتهى. قلت: الاعتراض المذكور والجواب عنه كلاهما واهيان، أما الاعتراض فليس بوارد، لأن نفيه ظن البخاري بذلك غير صحيح، لأن ظاهر متن الحديث يقتضي ما نسبه إلى البخاري من الظن، بل هو أمر ظاهر وليس بظن. لأن قوله عَّ لّهِ: ((فقيل للنساء،)) إلى آخره، بفاء العطف على ما قبله يقتضي أن هذا القول قيل لهن والناس يصلون مع النبي عَ ◌ّهِ، فالظاهر أنهن كن مع الناس في الصلاة، وإن كان يحتمل أن يكون هذا القول لهن عند شروعهن في الصلاة مع الناس، ولا يلتفت إلى الاحتمال إذا كان غير ناشىء عن دليل. وأما الجواب فكذلك هو غير سديد، لأن قوله: والذي يظهر ... إلى آخره، غير ظاهر لا من الترجمة ولا من حديث الباب. أما الترجمة فلا شيء فيها من الدلالة على ذلك، وأما متن الحديث فليس فيه إلاَّ لفظ: قيل، بصيغة المجهول، فمن أين ظهر أنه عَّم هو الذي وصاهن به بنفسه أو بغيره؟ ولا فيه شيء يدل على أن ذلك كان قبل دخولهن في الصلاة بل الذي يظهر من ذلك ما ذكرناه بقضية تركيب متن الحديث، فافهم، فإنه بحث دقيق. ٤٢٨ ٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (١٥) ١٢١٥/٢٣٨ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ قال أخبرنا سُفْيَانُ عنْ أَبِي حازِمٍ عنْ سَهْلٍ ابن سَعْدٍ رضي الله تعالى عنه. قال كانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ مَعَ النبيِّ عَلَه وَهُم عاقِدُوا أَزْرِهِمْ عَلَى رِقَابِهِمْ مِنَ الصِّغَرِ فَقِيلَ لِلنَّسَاءِ لاَ تَرْفَعْنَ رُؤُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ مُجلُوساً. [أنظر الحديث ٣٦٢ وطرفه]. مطابقته للترجمة على ما قيل: إن النساء قيل لهن ذلك، إما في الصلاة أو قبلها، فإن كان فيها فقد أفاد المسألتين خطاب المصلي وتربصه بما لا يضر، وإن كان قبلها أفاد جواز الانتظار. والحديث أخرجه في: باب إذا كان الثوب ضيقاً. وقال: حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن سفيان، قال: حدثنا أبو حازم عن سهل بن سعد .. إلى آخره. نحوه. قوله: ((على رقابهم)) وهناك: عن أعتقاقهم)). قوله: ((من الصغر)) أي: من صغر الثياب، وهذا في أول الإسلام حين القلة، ثم جاء الفتوح. وهناك في موضع من الصغر كهيئة الصبيان، وتقدم قطعة منه أيضاً في: باب عقد الإزار على القفا، معلقاً، وقد مر الكلام فيه هناك مستوفىّ. وفي (التوضيح). وفيه تقدم الرجال بالسجود على النساء لأنهن إذا لم يرفعن رؤوسهن حتى يستوي الرجال جلوساً فقد تقدموهن بذلك وصرن منتظرات لهم، وفيه جواز وقوع فعل المأموم بعد الإمام بمدة، ويصح ائتمامه كمن زوحم ولم يقدر على الركوع والسجود حتى قام الناس. هذا مبني على مذهب إمامه، وعندنا إذا لم يشارك المأموم الإمام في ركن من أركان الصلاة، ولو في جزء منه، لا تصح صلاته، قال: وفيه جواز سبق المأمومين بعضهم لبعض في الأفعال، ولا يضر ذلك. قلت: نعم لا يضر ذلك، ولكن من أين فهم هذا من الحديث. قال وفيه: إنصات المصلي لمخبر يخبره. وفيه: جواز الفتح على المصلي وإن كان الفاتح في غير صلاته، قلت: هذا عندنا على أربعة أقسام بحسب القسمة العقلية، الأول: أن لا يكون المستفتح ولا الفاتح في الصلاة، وهذا ليس مما نحن فيه والثاني: أن يكون كلاهما في الصلاة، ثم لا يخلو إما أن تكون الصلاة متحدة بأن يكون المستفتح إماماً والفاتح مأموماً، أو لا يكون، ففي الأول الذي هو القسم الثالث: لا تفسد صلاة كل منهما. وفي الثاني الذي هو القسم الرابع: تفسد صلاة كل واحد منهما، لأنه تعليم وتعلم. وقال بعضهم: ويستفاد منه جواز انتظار الإمام في الركوع لمن يدرك الركعة، وفي التشهد لإدراك الصلاة. قلت: مذهبنا في هذا على التفصيل، وهو أن الإمام إذا كان يعلم الجائي ليس له أن ينتظره إلاَّ إذا خاف من شرّه، وإن كان لا يعلم فلا بأس بالانتظار ليدر كه. ١٥ - باب لاَ يَرُدُّ السَّلاَمَ فِي الصَّلاَةِ : أي: هذا باب يذكر فيه أن المصلي لا يرد السلام على المسلم في الصلاة لأنه خطاب آدمي. ٤٢٩ ٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (١٥) ١٢١٦/٢٣٩ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ أبِي شَيْبَةَ قال حدثنا ابنُ فُضَيْلٍ عنِ الأعْمَشِ عِنْ إِبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ عنْ عَبْدِ اللهِ. قال كُنْتُ أُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّعَ لَّهِ وَهْوَ فِي الصَّلاَةِ فَيَرُدُّ عَلَيَّ فَلَمَّا رَجَعْنَا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدّ عَلَيَّ. وقال إنَّ فِي الصَّلاَةِ شُغْلاً. [أنظر الحديث ١١٩٩ وطرفه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فلم يرد علي)) وقد مضى الحديث في: باب ما ينهى عنه من الكلام. وأخرجه عن ابن نمير عن ابن فضيل عن الأعمش. وقد مضى هناك ما يتعلق به من الأشياء. وعبد الله هو ابن محمد بن أبي شيبة الكوفي الحافظ أخو عثمان بن أبي شيبة، مات في المحرم سنة خمس وثلاثين ومائتين، وابن فضيل، بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة: مر في كتاب الإيمان، والأعمش هو سليمان، وإبراهيم هو النخعي، وعلقمة بن قيس النخعي، وعبد الله هو ابن مسعود. وحكى ابن بطال: الإجماع أنه لا يرد السلام نطقاً، واختلفوا: هل يرد إشارة؟ فكرهه طائفة، روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، ورخص فيه طائفة، روي ذلك عن سعيد بن المسيب وقتادة والحسن وعن مالك روايتان، في رواية أجازه، وفي أخرى كرهه. وعند طائفة: إذا فرغ من الصلاة يرد واختلفوا أيضاً في السلام على المصلي، فكره ذلك قوم. روي ذلك ((عن جابر، رضي الله تعالى عنه، قال: لو دخلت على قوم وهم يصلون ما سلمت عليهم)). وقال أبو مجلز: السلام على المصلي عجز، وكرهه عطاء والشعبي، رواه ابن وهيب عن مالك، وبه قال إسحاق. ورخصت فيه طائفة، روي ذلك عن ابن عمر، وهو قول مالك في (المدونة) وقال: لا يكره السلام عليه في فريضة ولا نافلة، وفعله أحمد، رحمه الله تعالى. ١٢١٧/٢٤٠ - حدّثنا أبُو مَعْمعرٍ قال حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قال حدَّثنا كَثِيرُ بنُّ شِنْظِيرٍ عنْ عَطَاءِ بنِ أبِي رَبَاحِ عنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله تعالى عنهما قال بَعَثَنِي رسولُ اللهِ عَ لَّهِ فِي حَاجَةٍ لَهُ فَانْطَلَقْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ وَقَدْ قَضَيْتُهَا فَأَتَيْتُ النبيَّ عَِّ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ ◌َرُدَّ عَلَيَّ فَوَقَعَ فِي قَلْبِي ما اللّه أَعْلَمُ بِهِ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي لَعَلَّ رسولَ اللهِ عَلَّهِ وَجَدَ عَلَيَّ أَنِّي أَبْطَأْتُ عَليهِ ثُمَّ سَلَّمْتُ عَليهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ فَوَقَعَ فِي قَلْبِي أَشَدُّ مِنَ المَرَّةِ الأولَى ثُمَّ سَلَّمْتُ عليه فَرَدَّ عَلَيَّ فقالَ إََّا مَنَعَنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ أَنِّي كُنْتُ أَصَلِّي وكانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ مُتَوَجّهاً إلَى غَيْرِ القِبْلَةِ. مطابقته للترجمة ظاهرة. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أبو معمر، بفتح الميمين: عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج واسمه ميسرة التميمي المقعد. الثاني: عبد الوارث بن سعيد التنوري. الثالث: كثير - ضد قليل - ابن شنظير، بكسر الشين المعجمة وسكون النون وكسر الظاء المعجمة وسكون ٤٣٠ ٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (١٦) الياء آخر الحروف وفي آخره راء. الرابع: عطاء بن أبي رباح. الخامس: جابر بن عبد الله الأنصاري. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رواته بصريون. وفيه: شنظير، وهو علم والد كثير، ومعناه في اللغة: السيء الخلق، ولقب كثير: أبو قرة. ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الصلاة عن أبي كامل عن حماد وعن محمد بن حاتم عن معلى بن منصور. ذكر معناه: قوله: ((في حاجة)) بين مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر أن ذلك كان في غزوة بني المصطلق. قوله: ((فلم يرد علي)) وفي رواية مسلم المذكورة: ((فقال لي بيده، هكذا). وفي رواية له أخرى: ((فأشار إلي)) فإذا كان كذلك يحمل قول جابر في ورواية البخاري: ((فلم يرد علي)) أي: باللفظ، وكأن جابراً لم يعرف أولاً أن المراد بالإشارة الرد عليه، فلذلك قال: ((فوقع في قلبي ما الله أعلم به)) أي: من الحزن، وكأنه أبهم ذلك إشعاراً بأنه لا يدخل من شدته تحت العبارة. قوله: ((ما الله أعلم به)) كلمة: ما، فاعل لقوله: ((وقع))، ولفظة: ((الله)) مبتدأ وخبره قوله: ((أعلم به)). قوله: ((وجد علي))، بفتح الواو والجيم معناه: غضب، يقال: وجد عليه يجد وجداً وموجدة، ووجد ضالته يجدها وجداناً إذا رآها ولقيها، ووجد يجد جدة أي استغنى غنى، لا فقر بعده، ووجدت بفلانة وجداً: إذا أحببتها حباً شديداً. قوله: ((أني أبطأت)) وفي رواية الكشميهني: ((أن أبطأت))، بنون خفيفة. قوله: ((فرد علي)) أي: بعد أن فرغ من صلاته. قوله: ((ما منعني أن أرد عليك)) أي: السلام ((إلاَّ أني كنت أصلي)) قوله: ((وكان على راحلته متوجهاً إلى غير القبلة))، وفي رواية مسلم: ((فرجعت وهو يصلي على راحلته ووجهه على غير القبلة)). ومما يستفاد منه: إثبات الكلام النفساني، وأن الكبير إذا وقع منه ما يوجب حزناً يظهر سببه ليندفع ذلك، وجواز صلاة النفل على الراحلة إلى غير القبلة. وفيه: كراهة السلام على المصلي، وقد مر الكلام فيه عن قريب. ١٦ - بابُ رَفْعِ الأَيْدِي فِي الصَّلاَةِ لِأَمْرٍ نَزَلَ بِهِ أي: هذا باب في بيان حكم رفع الأيدي في الصلاة لأجل أمر نزل به. ١٢١٨/٢٤١ - حدّثنا قُتَيْبَةُ قال حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ عنْ أَبِي حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ رضي الله تعالى عنهُ قال بَلَغَ رسولَ الله عَّهِ أَنَّ بَنِي عَمْرِو بِنِ عَوْفٍ بِقُبَاءٍ كانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ فَخَرَجَ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فِي أَنَاسٍ مِنْ أصْحَابِهِ فَخُبِسَ رِسولُ اللهِ عَ لَّهِ وَحَانَتِ الصَّلاَةُ فَجاءَ بِلالٌ إلَى أَبِي بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهما فقال يا أبا بَكْرٍ إِنَّ رسولَ الله عَ لَّهِ قَدْ حُبِسَ وَقَدْ حَانَتِ الصَّلاَةُ فَهَلْ لَكَ أنْ تَؤُمَّ النَّاسَ قال نَعَمْ إِنْ شِئْتَ فَأَقَامَ بِلاَلُ الصَّلاةَ وَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهُ فَكَبَّرَ لِلنَّاسِ وجاءَ رسولُ اللهِ عَلَّهِ يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ يَشُقُّهَا شَقَّاً حَتَّى ٤٣١ ٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (١٧) قامَ فِي الصَّفِّ فَأَخَذَ النَّاسُ فِي التَّصْفِيحِ. قال سَهْلٌ التَّصْفِيخُ هُوَ النَّصْفِيقُ. قال وكانَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهُ لاَ يَلْتَفِتُ فِي صَلاَتِهِ فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَفَتَ فَإِذَا رسولُ اللهِ عَ لَه فَأَشَارَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ أنْ يُصَلِّي فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهُ يَدَهُ فَحَمِدَ الله ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرَى وَرَاءَةُ حَتَّى قامَ فِي الصَّفِّ وَتَقَدَّمَ رسولُ اللهِ عَِّ فَصَلَّى لِلنَّاسِ فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عِلَى النَّاسِ فقال يا أيُّهَا النَّاسُ ما لَكُمْ حِينَ نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلاَةِ أَخَذْتُمْ بِالتَّصْفِيحِ إِنَّا التَّصْفِيخُ لِلنِّسَاءِ مِنْ تَابَهُ شَيءٌ فِي صَلاتِهِ فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ اللهِ ثُمَّ الْتَفَتَّ إلَى أَبِي بَكْرٍ رَضي الله تعالى عنه فقالٍ يا أبا بَكْرٍ ما مَنَعَكَ أنْ تُصَلِّيَ لِلنَّاسِ حِينَ أَشَرْتُ إِلَيْكَ قال أَبُو بَكّرٍ ما كانَ يَنْبَغِي لابنِ أَبِي قُحَافَةً أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رسولِ اللهِ عَُّله. [أنظر الحديث ٦٨٤ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فرفع أبو بكر يديه))، وقد مضى هذا الحديث في: باب من دخل ليؤم الناس فجاء الإمام الأول، ورواه هناك: عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن أبي حازم بن دينار عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله عَِّ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم إلى آخره، وعبد العزيز هناك هو ابن أبي حازم، وقد مر الكلام فيه هناك مستقصى. قوله: ((إن شئتم))، هذه رواية الحموي، وفي رواية غيره: ((إن شئت)). قوله: ((في الصف))، هذه رواية الكشميهني وفي رواية غيره: ((من الصف)). قوله: ((فرفع أبو بکر یدیہ))، هذه رواية الكشميهني وفي رواية غيره: ((يده)) بالإفراد. قوله: ((من نابه شيء)) أي: من نزل به أمر من الأمور. قوله: ((حيث أشرت إليك))، وفي رواية الكشميهني ((حين أشرت إليك)). ١٧ - بابُ الخَضْرِ فِي الصَّلاةِ أي: هذا باب في بيان حكم الخصر في الصلاة، والخصر، بفتح الخاء المعجمة وسكون الصاد المهملة: وهو أن يضع يده على خاصرته في الصلاة. ١٢١٩/٢٤٢ - حدّثنا أبو النُّعْمَانِ قال حدَّثنا حَمَّادُ عنْ أَيُّوبَ عنْ مُحَمَّدٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ. قال نُهِيَ عنِ الخَصْرِ فِي الصَّلاَةِ. وقال هِشَامٌ وَأَبُو هِلاَلِ عنِ ابنِ سِيرِينَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ عَّهِ. [الحديث ١٢١٩ - طرفه في: ١٢٢٠]. ١٢٢٠/٢٤٣ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيّ قال حدثنا يَخْیَی قال حدَّثنا مِشَامٌ قال حدَّثنا محَمَّدٌ عِنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ. قال نُهِيَ أنْ يُصَلِّيَ الرجُلُ مُخْتَصِراً. [أنظر الحديث ١٢١٩]. مطابقة هذا الحديث بطرقه للترجمة ظاهرة. والكلام فيه على أنواع. الأول في رجاله: وهم تسعة: الأول: أبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي الملقب بعارم. الثاني: حماد بن زيد. الثالث: أيوب بن أبي تميمة السختياني. الرابع: محمد بن سيرين. الخامس: هشام بن حسان أبو عبد الله القردسي، بضم القاف، مات سنة سبع وأربعين ٤٣٢ ٢١ - كتابُ العَمل في الصَّلاةِ / باب (١٧) ومائة. السادس: أبو هلال محمد بن سليم الراسبي، بالراء وبالسين المهملة وبالباء الموحدة، مات سنة سبع وستين ومائة. السابع: عمرو بن علي الصيرفي الفلاس. الثامن: يحيى بن سعيد القطان. التاسع: أبو هريرة. النوع الثاني في لطائف إسناده: هذه الطرق: فيها: التحديث بصيغة الجمع في خمسة مواضع. وفيها: العنعنة في سبعة مواضع. وفيها: القول في ستة مواضع. وفيها: أن رواتها بصريون. وفيها: أبو هلال وقد أدخله البخاري في الضعفاء واستشهد به ههنا، وروى له في (كتاب القراءة خلف الإمام) وغيره، وفيها: أن الطريق الأول مسند ولكنه موقوف ظاهراً ولكن في الحقيقة مرفوع، لأن قوله: نهي، وإن كان بضم النون على صيغة المجهول، لكن الناهي هو النبي عَّه كما في الطريق الثاني، وهو رواية هشام، وقد وصلها البخاري، لكن وقع في رواية أبي ذر عن الحموي والمستملي: نهى، بفتح النون على البناء للفاعل، ولكنه لم يسمه، وقد رواه مسلم والترمذي من طريق أبي أسامة عن هشام بلفظ: ((نهى النبي عَّه. أن يصلي الرجل مختصراً». النوع الثالث فيمن أخرجه غيره: رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة وأبي خالد الأحمر، وعن الحكم بن موسى عن ابن المبارك، ورواه أبو داود عن يعقوب بن كعب عن محمد بن سلمة الحراني، ورواه الترمذي عن أبي كريب عن أبي أسامة عن هشام ابن حسان، ورواه النسائي عن سويد بن نصر عن ابن المبارك وعن إسحاق بن إبراهيم عن جرير بن عبد الحميد. النوع الرابع في اختلاف ألفاظه: ففي أحدى روايتي البخاري: نهى عن الخصر، وفي · الأخرى: مختصراً، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني: مخصراً، بتشديد الصاد. وفي رواية النسائي: متخصراً، بزيادة التاء المثناة من فوق، وفي رواية أبي داود: ((نهى عن الاختصار))، وفي رواية البيهقي: ((نهي عن التخصر)). النوع الخامس في معناه: وقد ذكرنا أن الخصر وضع اليد على الخاصرة، وقوله: (مختصراً) من الاختصار، وقد فسره الترمذي بقوله: والاختصار هو أن يضع الرجل يده على خاصرته في الصلاة، وكأنه أراد نفس الاختصار المنهي عنه، وإلا فحقيقة الاختصار لا تتقيد بكونها في الصلاة، وفسره أبو داود عقيب حديث أبي هريرة، فقال: يعني أن يضع يده على خاصرته، وما فسره به الترمذي فسره به محمد بن سیرین راوي الحديث فيما رواه ابن أبي شيبة في (مصنفه) عن أبي أسامة عن هشام عن محمد، وهو أن يضع يده على خاصرته وهو يصلي، وكذا فسره هشام فيما رواه البيهقي في (سننه) عنه، وحكى الخطابي وغيره قولاً آخر في تفسير الاختصار: وهو أن يمسك بيديه مخصرة، أي: عصاً يتوكأ عليها. وأنكره ابن العربي. وعن الهروي في (الغريبين) وابن الأثير في (النهاية): وهو أن يختصر السورة فيقرأ من آخرها آية أو آيتين. وحكى الهروي أيضاً: وهو أن يحذف في الصلاة فلا يمد قيامها وركوعها وسجودها. وقيل: يختصر الآيات التي فيها السجدة في الصلاة فيسجد فيها، والقول الأول ٤٣٣ ٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (١٧) هو الأصح، ويؤيده ما رواه أبو داود: حدثنا هناد بن السري عن وكيع عن سعيد بن زياد عن زياد بن صبيح الحنفي قال: ((صليت إلى جنب ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، فوضعت يدي على خاصرتي، فلما صلى قال: هذا الصلب في الصلاة، وكان رسول الله عَّلم ينهى عنه)). قوله: ((هذا الصلب)) أي: شبه، الصلب، لأن المصلوب يمد باعه على الجذع، وهيئة الصلب في الصلاة أن يضع يديه على خاصرته ويجافي بين عضديه في القيام. النوع السادس في الحكمة في النهي عن الخصر: فقيل: لأن إبليس أهبط مختصراً، رواه ابن أبي شيبة من طريق حميد بن هلال. موقوفاً. قيل: لأن اليهود تكثر من فعله، فنهى عنه كراهة للتشبه بهم. أخرجه البخاري في ذكر بني إسرائيل من رواية أبي الفتح عن مسروق ((عن عائشة، رضي الله تعالى عنها: أنها كانت تكره أن يضع يده على خاصرته، تقول: إن اليهود تفعله)). زاد ابن أبي شيبة في (مصنفه) عن مجاهد، قال: ((وضع اليدين على الحقو استراحة أهل النار)). وروى ابن أبي شيبة أيضاً من رواية خالد بن معدان ((عن عائشة، رضي الله تعالى عنها: أنها رأت رجلاً واضعاً يده على خاصرته، فقالت: هكذا أهل النار في النار)). وهذا منقطع، وقد جاء ذلك من حديث مرفوع رواه البيهقي من رواية عيسى بن يونس عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله، عَّهِ، قال: ((الاختصار في الصلاة راحة أهل النار)). وظاهر هذا الإسناد الصحة، إلاَّ أن الطبراني رواه في (الأوسط) فأدخل بين عيسى بن يونس وبين هشام عبد الله بن الأزور. وقال: لم يروه عن هشام إلاَّ عبد الله بن الأزور ضعفه الأزدي. والله أعلم. وقيل: لأنه من فعل المختالين والمتكبرين، قاله المهلب بن أبي صفرة. وقيل: لأنه شكل من أشكال أهل المصائب يضعون أيديهم على الخواصر، إذا قاموا في المآئم، قاله الخطابي. النوع السابع في حكم الخصر في الصلاة: اختلفوا فيه، فكرهه ابن عمر وابن عباس وعائشة وإبراهيم النخعي ومجاهد وأبو مجلز وآخرون، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي والأوزاعي، وذهب أهل الظاهر إلى تحريم الاختصار في الصلاة عملاً بظاهر الحدیث. أسئلة وأجوبة: منها ما قيل: إن حديث أم قيس بنت محصن عند أبي داود من رواية هلال بن يساف قال فيه: ((فدفعنا إلى وابصة بن معبد فإذا هو معتمد على عصاً في صلاته، فقلنا، بعد أن سلمنا، فقال: حدثتني أم قيس بنت محصن أن رسول الله عَ لّ لما أسن وحمل اللحم اتخذ عموداً في مصلاه يعتمد عليه)). انتهى، يعارض قول من يفسر الاختصار المنهي عنه بإمساك المصلي مخصرة يتوكأ عليها. وأجيب: بأن هذا الحديث لا يصح، فلا يقاوم الحديث المتفق عليه، والحديث، وإن كان أبو داود سكت عنه، فإنه رواه عن عبد السلام بن عبد الرحمن بن صخر الوابصي عن أبيه، وعبد الرحمن بن صخر هذا لم يروه عنه سوى ولده عبد السلام، قاله الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في (الإمام) وقال المزي في (التهذيب): إن عبد السلام لم يدرك أباه، وجواب آخر: هو أن يكون النهي في حق من فعله بغير عذر بل عمدة القاري / ج٧ / م٢٨ ٤٣٤ ٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (١٨) للاستراحة، وحديث أم قيس محمول على من فعل ذلك لعذر من كبر السن والمرض ونحوهما، وهكذا قال أصحابنا، واستدلوا به على أن الضعيف والشيخ الكبير إذا كان قادراً على القيام متكئاً على شيء يصلي قائماً متكئاً ولا يقعد، وروى أبو بكر بن أبي شيبة في (مصنفه): حدثنا مروان بن معاوية ((عن عبد الرحمن بن عراك ابن مالك عن أبيه قال: ((أدركت الناس في شهر رمضان يربط لهم الحبال يتمسكون بها من طول القيام))، وحدثنا وكيع عن عكرمة بن عمار، رضي الله تعالى عنه ((عن عاصم بن سميح، قال: رأيت أبا سعيد الخدري، رضي الله تعالى عنه، يصلي متكئاً على عصا)). وحدثنا وكيع ((عن أبان بن عبد الله البجلي، قال: رأيت أبا بكر بن أبي موسى يصلي متكئاً على عصا)). ومنها ما قيل: إن صاحب (الإكمال) ذكر في حديث آخر: ((المختصرون يوم القيامة على وجوههم النور، ثم قال: هم الذين يصلون بالليل ويضعون أيديهم على خواصرهم من التعب)). وقيل: يأتون يوم القيامة معهم أعمال يتكئون عليها، مأخوذة من المخصرة، وهي العصا؟ وأجاب عنه شيخنا زين الدين، رحمه الله: هذا الحديث لا أعلم له أصلاً، وهو مخالف للأحاديث الصحيحة في النهي عن ذلك، وعلى تقدير وروده يكون المراد أن يكون بأيديهم مخاصر يختصرون، ويجوز أن تكون أعمالهم تجسد لهم كما ورد في بعض الأعمال، وفي حديث عبد الله بن أنيس: ((إن أقل الناس يومئذ المتخصرون))، أي: يوم القيامة، رواه أحمد في (مسنده) والطبراني في (الكبير) في قصة قتله لخالد بن سفيان الهذلي، وفي رواية الطبراني: خالد بن نبيح من بني هذيل، وأنه عَُّلِّ، أعطاه عصاً، فقال: أمسك هذه عندك يا عبد الله بن أنيس، وفيه: أنه سأله: لم أعطيتني هذه؟ قال: آية بيني وبينك يوم القيامة وأن أقل الناس المتخصرون يومئذ، وفيه: إنها دفنت معه. ومنها ما قيل: إنه ليس لأهل النار المخلدين فيها راحة، وكيف يذكر في حديث أبي هريرة عن النبي، عَّله، أنه قال: ((الاختصار في الصلاة راحة أهل النار)) وأجيب: بأن أهل النار في النار على هذه الحالة، ولا مانع من ذلك أنهم يختصرون لقصد الراحة، ولا راحة لهم في ذلك. ١٨ - بابٌ تَفَكَّرِ الرَّجُلِ الشَّيْءَ فِي الصَّلاَةِ أي: هذا باب في بيان تفكر الرجل الشيء، والتفكر مصدر مضاف إلى فاعله، وقوله: الشيء، مفعوله، وفي بعض النسخ: شيئاً وهو أيضاً مفعول. وقيد الرجل وقع اتفاقياً لأن المكلفين كلهم فيه سواء، قال المهلب: التفكر أمر غالب لا يمكن الاحتراز عنه في الصلاة، ولا في غيرها لما جعل الله للشيطان من السبيل على الإنسان، ولكن إن كان في أمر أخروي ديني فهو أخف مما يكون في أمر دنياوي. وقال عُمَرُ رضي الله تعالى عنهُ إِنِّي لأُجَهْزُ جَيْشِي وَأَنَا فِي الصَّلاَةِ مطابقته للترجمة ظاهرة، لأن قول عمر هذا يدل على أنه يتفكر حال جيشه في ٤٣٥ ٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (١٨) الصلاة، وهذا أمر أخروي، وهذا تعليق رواه ابن أبي شيبة عن حفص عن عاصم عن أبي عثمان النهدي عنه بلفظ: ((إني لأجهز جيوشي وأنا في الصلاة)). وقال ابن التين: إنما هذا فيما يقل فيه التفكر، كأن يقول: أجهز فلاناً، أقدم فلاناً، أخرج من العدد كذا وكذا، فيأتي على ما يريد في أقل شيء من المفكرة. فأما إذا تابع الفكر وأكثر حتى لا يدري كم صلى فهذا لاه في صلاته، فيجب عليه الإعادة. انتهى. قيل: هذا الإطلاق ليس على وجهه، وقد جاء عن عمر، رضي الله تعالى عنه، ما يأباه، فروى ابن أبي شيبة من طريق عروة بن الزبير، قال: قال عمر: ((إني لأحسب جزية البحرين وأنا في الصلاة)). وروى صالح بن أحمد بن حنبل في كتاب (المسائل) عن أبيه، من طريق همام ابن الحارث: ((أن عمر صلى المغرب فلم يقرأ، فلما انصرف قالوا: يا أمير المؤمنين إنك لم تقرأ! فقال: إني حدثت نفسي وأنا في الصلاة بعير جهزتها من المدينة حتى دخلت الشام، ثم أعادوا وأعاد القراءة)). ومن طريق عياض الأشعري قال: صلى عمر المغرب فلم يقرأ، فقال له أبو موسى: إنك لم تقرأ، فأقبل على عبد الرحمن بن عوف فقال: صدق، فعاد فلما فرغ قال: لا صلاة ليست فيها قراءة، إنما شغلني عير جهزتها إلى الشام فجعلت أتفكر فيها، فهذا يدل على أنه إنما أعاد لتركه القراءة، لا لكونه مستغرقاً في الفكر، ويؤيده ما رواه الطحاوي من طريق ضمضم بن حوس ((عن عبد الله بن حنظلة الراهب: أن عمر صلى المغرب فلم يقرأ في الركعة الأولى، فلما كان الثانية قرأ بفاتحة الكتاب مرتين، فلما فرغ وسلم سجد سجدتي السهو)). ١٢٢١/٢٤٤ - حدّثنا إسْحَاقُ بنُ مَنْصُور قال حدَّثنا رَوْحٌ قال حدَّثنا عُمَر هُوَ ابنُ سَعِيدٍ. قال أخبرني ابنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عنْ عُقْبَةَ بنِ الحَارِثِ رضي الله تعالى عنه. قال صَلَّيْتُ مَعَ النبيِّ عَّهِ العَصْرَ فَلَمَّا سَلَّمَ قامَ سَرِيعاً فَدَخَلَ عَلى بَعْضٍ نِسَائِهِ ثُمَّ خَرَجَّ ورَأى ما فِي وُجُوهِ القَوْمِ مِنْ تَعَجُبِهِمْ لِسُرْعَتِهِ فقال ذَكَرْتُ وَأَنَا فِي الصَّلاَّةِ تِبْراً عِنْدَنَا فَكَرِهْتُ أَنْ يُحْسِي أُوْ يَبِيتَ عِنْدَنَا فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ. [انظر الحديث ٨٥١ وطرفيه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((ذكرت وأنا في الصلاة تبراً عندنا)). وذلك لأنه مَ له تفكر في أمر ذاك التبر، وهو في الصلاة ومع هذا لم يعد الصلاة، وهذا الحديث قد مضى في: باب من صلى بالناس، فذكر حاجة فتخطاهم، رواه عن محمد بن عبيد عن عيسى بن يونس عن عمر بن سعيد .. إلى آخره، وقد ذكرنا هناك ما يتعلق به من الأشياء مستوفىّ. وروح، بفتح الراء: ابن عبادة، مر في: باب اتباع الجنائز، من كتاب الإيمان، وعمر بن سعيد هو ابن أبي حسين المكي، وابن أبي مليكة هو عبد الله بن أبي مليكة - مصغر الملكة - وعقبة، بضم العين المهملة وسكون القاف، ابن الحارث، مر في: باب الرحلة في المسألة النازلة، وفي الباب المذكور. ١٢٢٢/٢٤٥ - حدثنا يَحْتِى بنُ بُكَثِرِ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ جَعْفَرِ عنِ الأعْرَجِ قال قال أبُو هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قال رسولُ الله عَ لّ إذَا أُذُنَ بِالصَّلاَةِ أَذْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ التَّأَذِينَ فَإِذَا سَكَتَ المُؤْذِّنُ أقْبَلَ فَإِذَا تُوِّبَ أَذْبَرَ فَإِذَا سَكَتَ أَقْبَلَ فَلاَ : ٤٣٦ ٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (١٨) يَزَالُ بِالمَزْءِ يَقُولُ لَهُ اذْكُزْ ما لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى لاَ يَدْرِي كَمْ صَلَّى، قال أبُو سَلَمَةَ بنُّ عَبْدِ الرَّحْمنِ إِذَا فَعَلَ ذُلِكَ أحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهْوَ قَاعِدٌ وسَمِعَهُ أَبُو سَلَمَةً مِنْ أبِي هَرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنةٌ. [انظر الحديث ٦٠٨ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فلا يزال بالمرء يقول له: اذكر ما لم يكن يذكر حتى لا يدري كم صلى)، وهذا يتفكر أشياء حتى لا يعلم كم ركعة صلاها، وهذا لا يقدح في صحة الصلاة ما لم يترك شيئاً من أركانها، وهذا الحديث مضى في: باب فضل التأذين، رواه عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة إلى آخره، وليس فيه: قال أبو سلمة إلى آخره. وجعفر هو ابن ربيعة المصري، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز. قوله: ((قال أبو سلمة)) إلى آخره تعليق، وطرف من حديث أخرجه في الباب السادس من الأبواب التي عقيب الحديث المذكور، وفي الباب السابع أيضاً على ما يجيء إن شاء الله تعالى، ولا يظن ظان أن هذه الزيادة من رواية جعفر بن ربيعة المذكور في سند الحديث المذكور، ولكن من رواية يحيى بن كثير عن أبي سلمة، ورواية الزهري عنه عن أبي هريرة مرفوعاً، وستقف عليه في البابين المذكورين إن شاء الله تعالى. ١٢٢٣/٢٤٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُّ المُثَنَّى قال حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ عُمَرَ قال أخبرني ابنُ أبي ذِئْبٍ عنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ قال قال أبُو هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ يَقُولُ النَّاسُ أكثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَلَقِيتُ رَجُلاً بِمَا قَرَأَ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ البَارِحَةَ فِي العَتَمَةِ فقال لاَ أُدْرِي فَقُلْتُ أَلَمْ تَشْهَدْهَا قال بَلَى قُلْتُ لَكِنْ أَنَا أدْرِي قَرَأَ سُورَةَ كَذَا وكَذَا. مطابقته للترجمة من حيث إن ذلك الرجل كان متفكراً في الصلاة بفكر دنيوي حتى لم يضبط ما قرأه رسول الله عَّلِ فيها، ويجوز أن يكون من حيث إن أبا هريرة كان متفكراً بأمر الصلاة حتى ضبط ما قرأه رسول الله عَ لَّه. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: محمد بن المثنى بن عبيد أبو موسى المعروف بالزَّمِن. الثاني: عثمان بن عمر بن فارس العبدي. الثالث: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب. الرابع: سعيد بن أبي سعيد المقبري، وقد تكرر ذكره. الخامس: أبو هريرة. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين والإخبار بصيغة الجمع في موضع. وفيه: العنعنة في موضع. وفيه: القول في أربعة مواضع. وفيه: أن شيخه وشيخ شيخه بصريان وابن أبي ذئب وسعيد مدنيان. وفيه: قال أبو هريرة، وفي رواية الإسماعيلي: عن أبي هريرة. وفيه: أن هذا الحديث من أفراده. ذكر معناه: قوله: ((يقول الناس: أكثر أبو هريرة)) أي: من الرواية عن النبي عَ ◌ّهِ، وروى البيهقي في (المدخل) من طريق أبي مصعب: عن محمد بن إبراهيم بن دينار عن ابن أبي ذئب بلفظ: إن الناس قالوا: قد أكثر أبو هريرة من الحديث عن رسول الله عَ ◌ّه، وإني ٤٣٧ ٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (١٨) كنت ألزمه لشبع بطني، فلقيت رجلاً فقلت له: بأي سورة؟)) فذكر الحديث، وعند الإسماعيلي من طريق ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب في أول هذا الحديث: ((حفظت من رسول الله، عَّه، وعاءين .. )) الحديث. وفيه: ((إن الناس قالوا: أكثر أبو هريرة ... )) فذكره، وتقدم في العلم من طريق الأعرج عن أبي هريرة: ((أن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، والله لولا آيتان في كتاب الله ما حدثت .. )) وسيأتي في أوائل البيوع من طريق سعيد ابن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة، قال: ((إنكم تقولون: إن أبا هريرة أكثر .. )) الحديث. قوله: ((ب)))، بكسر الباء الموحدة بغير ألف لأبي ذر، وهو المعروف، وفي رواية الأكثرين: ((بما))، بإثبات الألف، وهو قليل. قوله: ((البارحة))، نصب على الظرف، وهي الليلة الماضية. قوله: ((في العتمة))، وهي العشاء الآخرة قوله: ((ألم تشهد؟)) بهمزة الاستفهام، ويروى ((لم تشهد؟)) بدون الهمزة. ومما يستفاد منه: إتقان أبي هريرة وشدة ضبطه، وفيه: إكثار أبي هريرة وهو ليس بعيب، إذا لم يخش منه قلة الضبط، ومن الناس من لا يكثر ولا يضبط، مثل هذا الرجل لم يحفظ ما قرأه رسول الله عٍَّ في العتمة. وفيه: ما يدل على أنه قد يجوز أن ينفي الشيء عمن لم يحكمه، لأن أبا هريرة قال للرجل: ((ألم تشهدها)) يريد شهوداً تاماً. فقال الرجل: بلى شهدتها، كما يقال للصانع، إذا لم يحسن صنعته: ما صنعت شيئاً، يريدون الإتقان، وللمتكلم: ما قلت شيئاً إذا لم يعلم ما يقول. ٤٣٨ ٢٢ - کتاب السهو / باب (١) بسم الله الرحمن الرحيم ٢٢ - كتاب السهو ١ - بابُ ما جاءَ فِي السَّهْوِ إِذَا قامَ مِنْ رَكْعَتَيِ الفَرِيضَةِ أي: هذا باب في بيان ما جاء في أمر السهو الواقع في الصلاة إذا قام المصلي من ركعتي الفريضة، ولم يجلس عقيبهما، وهذا بيانه إذا وقع وحكمه في حديث الباب، والسهو الغفلة عن الشيء وذهاب القلب إلى غيره، وقال بعضهم: وفرق بعضهم بين السهو والنسيان وليس بشيء. قلت: هذا الذي قاله ليس بشيء، بل بينهما فرق دقيق، وهو أن السهو أن ينعدم له شعور، والنسيان له فيه شعور، ثم اعلم أن لفظة: باب، ساقطة في رواية أبي ذر، وفي رواية الكشميهني والأصيلي وأبي الوقت: ((من ركعتي الفرض)). ١٢٢٥/٢٤٧ - حدَّثْنَا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ يَحْيِى بنُّ سَعِيدٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ الأَعْرَجِ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ بُحَيْنَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّهُ قال إنَّ رسولَ الله عَّهِ قامَ مِنَ اثْنَتَيْنِ مِنَ الظهْرِ لَمْ يَجْلِسْ بَيْنَهُمَا فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ بَعْدَ ذُلِكَ. [أنظر الحديث ٨٢٩ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((قام من اثنتين من الظهر))، وهو معنى قوله في الترجمة: إذا قام من ركعتي الفريضة .. . : ذكر رجاله: وهم خمسة ذكروا غير مرة، وعبد الرحمن هو ابن هرمز الأعرج، ووقع كذا عبد الرحمن الأعرج في رواية كريمة، وفي رواية غيرها: عن الأعرج، ولم يقع اسمه. وبحينة، بضم الباء الموحدة وفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح النون وفي آخره هاء: وهو اسم أم عبد الله، وقيل: اسم أم أبيه فينبغي أن يكتب: ابن بحينة، بألف، وقد تقدم هذا الحديث في: باب من لم ير التشهد الأول واجباً. وقد ذكرنا هناك أن هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع، وأخرجه بقية الجماعة. ذكر معناه وما يتعلق به من الأحكام: قوله: ((قام من اثنتين)) أي: من ركعتين من صلاة الظهر، وفي (مسند السراج) من حديث ابن إسحاق عن الزهري: ((الظهر أو العصر))، ومن حديث أبي معاوية عن يحيى مثله، ومن حديث سفيان عن الزهري: أي إحدى صلاتي العشي. قوله: ((لم يجلس بينهما)) أي: بين هاتين الثنتين اللتين هما الركعتان الأوليان وبين الركعتين الأخريين. قوله: ((فلما قضى صلاته)) أي: لما فرغ منها. قوله: ((بعد ذلك)) أي: بعد أن سجد سجدتين، وهما سجدتا السهو. واحتج قوم بظاهر هذا الحديث أن سجود السهو قبل السلام مطلقاً في الزيادة والنقصان، وهو الصحيح من مذهب الشافعي، وروي ذلك عن أبي هريرة والزهري ومكحول وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصاري والسائب القاري والأوزاعي والليث بن سعد، وزعم أبو ٤٣٩ ٢٢ - كتاب السهو / باب (١) الخطاب أنها رواية عن أحمد بن حنبل، ولهم أحاديث أخرى في ذلك. منها: ما رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن عوف، قال: سمعت النبي عَّهِ يقول: ((إذا سها أحدكم في صلاته ... )) الحديث، وفيه: ((فليسجد سجدتين قبل أن يسلم)). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. ومنها: ما رواه مسلم من حديث أبي سعيد، قال رسول الله عَّ له: ((إذا شك أحدكم في صلاته .. )) الحديث، وفيه: ((فليسجد سجدتين من قبل أن يسلم)). ومنها: ما رواه النسائي من طريق ابن عجلان أن معاوية سها فسجد سجدتين، وهو جالس بعد أن أتم الصلاة، وقال: سمعت رسول الله عَّله يقول: ((من نسي شيئاً من صلاته فليسجد مثل هاتين السجدتين)). ومنها: ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة المخرج عند الستة، وفيه زيادة: ((فليسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم ليسلم)). ومنها: ما رواه الدارقطني من حديث ابن عباس، قال رسول الله عَ ليهٍ: ((إذا شك أحدكم في صلاته .. )) الحديث، وفيه: فإذا فرغ فلم ببق إلاَّ التسليم فليسجد سجدتين وهو جالس ثم ليسلم)). ومنها: ما رواه أبو داود من حديث أبي عبيدة عن أبيه عن ابن مسعود عن رسول الله عَ لّه قال: ((إذا كنت في صلاة فشككت في ثلاث أو أربع))، وفيه: ((وتشهدت ثم سجدت سجدتين وأنت جالس قبل أن تسلم، ثم تشهدت أيضاً، ثم تسلم)). وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري إلى أن السجود يكون بعد السلام في الزيادة والنقص، وهو مروي عن علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وعمار وابن عباس وابن الزبير وأنس بن مالك والنخعي وابن أبي ليلى والحسن البصري، واحتجوا بحديث ذي اليدين المخرج في (الصحيحين) وقد مر فيما مضى، وفيه: ((فأتم رسول الله معد له ما بقي من الصلاة ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم)). واحتجوا أيضاً بأحاديث أخرى. ومنها: ما رواه الترمذي من حديث الشعبي قال: ((صلى بنا المغيرة بن شعبة فنهض في الركعتين فسبح به القوم وسبح بهم، فلما صلى بقية صلاته سلم ثم سجد سجدتي السهو وهو جالس، ثم حدثهم أن رسول الله عَّ فعل بهم مثل الذي فعل)). ومنها: ما رواه مسلم من حديث عمران بن حصين: ((أن رسول الله عٍَّ صلى العصر فسلم في ثلاث ركعات، فقام رجل يقال له الخرباق قد ذكر له صنيعه، فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم، فصلى ركعة ثم سلم ثم سجد سجدتين ثم سلم)). ومنها: ما رواه الطبراني من حديث محمد بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس قال: ((صليت خلف أنس بن مالك صلاة، فسها فيها فسجد بعد السلام، ثم التفت إلينا وقال: أما إني لم أصنع إلاَّ كما رأيت رسول الله عَ له يصنع)). ومنها: ما رواه ابن سعد في (الطبقات) ((عن عطاء بن أبي رباح، قال: صليت مع عبد الله بن الزبير المغرب فسلم في الركعتين، ثم قام يسبح به القوم، فصلى بهم الركعة ثم سلم ثم سجد سجدتين، قال: فأتيت ابن عباس من فوري فأخبرته، فقال: لله أبوك ما ماط عن سنة رسول الله عَّالله)). ومنها: ما رواه ابن خزيمة في (صحيحه) من حديث عبد الله بن جعفر أن رسول الله عَّ لِ قال: ((من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعدما يسلم)). ومنها: ما رواه أبو داود ٤٤٠ ٢٢ - كتاب السهو / باب (١) وابن ماجه وأحمد في (مسنده) وعبد الرزاق في (مصنفه) والطبراني في (معجمه) من حديث ثوبان عن النبي عَّ أنه قال: ((لكل سهو سجدتان بعدما يسلم)) وبما رواه الطحاوي من حديث قتادة ((عن أنس في الرجل يهم في صلاته لا يدري أزاد أم نقص، قال: يسجد سجدتين بعد السلام)). فإن قلت: قال البيهقي في (المعرفة): روي عن الزهري أنه ادعى نسخ السجود بعد السلام، وأسنده الشافعي عنه ثم أكده بحديث معاوية أنه معَّ سجدهما قبل السلام، رواه النسائي في (سننه): قال: وصحبة معاوية متأخرة. قلت: قول الزهري منقطع وهو غير حجة عندهم، وقال الطرطوشي: هذا لا يصح عن الزهري وفي إسناده أيضاً مطرف بنِ مازن. قال يحيى: كذاب، وقال النسائي: غير ثقة. وقال ابن حبان: لا تجوز الرواية عنه إلاّ للاعتبار. فإن قلت: قالوا: المراد بالسلام في الأحاديث التي جاءت بالسجود بعد السلام، هو: السلام على النبي عٍَّ في التشهد أو يكون تأخيرها على سبيل السهو؟ قلت: هذا بعيد جداً مع أنه معارض بمثله، وهو أن يقال: حديثهم قبل السلام يكون على سبيل السهو، ويحمل حديثهم على السلام المعهود الذي يخرج به عن الصلاة، وهو سلام التحلل، ويبطل أيضاً حملهم على السلام الذي في التشهد أن سجود السهو لا يكون إلاَّ بعد التسليمتين اتفاقاً. وأما الجواب عن أحاديثهم فنقول: أما حديث الباب، وهو حديث ابن بحينة، فهو يخبر عن فعله عَّلّه، وفي أحاديثنا ما يخبر عن قوله، فالعمل بقوله أولى، على أنه قد تعارض فعلاه، لأن في أحاديثهم أنه عَّلِّ سجد للسهو قبل السلام، وفي أحاديثنا سجد بعد السلام، ففي مثل هذا المصير إلى قوله أولى، وقد يقال: إن سجوده بعد السلام، إنما كان لبيان الجواز قبل السلام لا لبيان المسنون، وقال بعض الشافعية: وللشافعي قول آخر: إنه يتخير إن شاء قبل السلام، وإن شاء بعده، والخلاف عندنا في الإجزاء. وقيل: في الأفضل، وادعى الماوردي اتفاق الفقهاء، يعني جميع العلماء عليه، وقال صاحب (الذخيرة) للحنفية: لو سجد قبل السلام جاز عندنا. قال القدوري: هذا في رواية الأصول. قال: وروي عنهم أنه لا يجوز لأنه أداه قبل وقته، ووجه رواية الأصول أنه فعل حصل في مجتهد فيه فلا يحكم بفساده، وهذا لو أمرناه بالإعادة يتكرر عليه السجود، ولم يقل به أحد من العلماء، وذكر صاحب (الهداية) أن هذا الخلاف في الأولوية، وذكر ابن عبد البر: كلهم يقولون: لو سجد قبل السلام فيما يجب السجود بعده، أو بعده فيما يجب فعله، لا يضر، وهو موافق لنقل الماوردي المذكور آنفاً. وقال الحازمي: طرق الإنصاف أن نقول: أما حديث الزهري الذي فيه دلالة على النسخ ففيه انقطاع، فلا يقع معارضاً للأحاديث الثابتة. وأما بقية الأحاديث في السجود قبل السلام وبعده قولاً وفعلاً فهي، وإن كانت ثابتة صحيحة، ففيها نوع تعارض، غير أن تقديم بعضها على بعض غير معلوم رواية صحيحة موصولة، والأشبه حمل الأحاديث على التوسع وجواز الأمرين انتهى. وأما حديث أبي سعيد فإن مسلماً أخرجه منفرداً به، ورواه مالك مرسلاً، فإن قلت: قال الدارقطني: القول لمن وصله. قلت: قال البيهقي: الأصل الإرسال.