النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (٢)
السابع: إنها هي المحافظة على وقتها. قاله ابن أبي حاتم في (كتاب التفسير): حدثنا
أبو سعيد الأشج حدثنا المحاربي وابن فضيل عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق أنه
قال ذلك.
الثامن: إنها مواقيتها وشرطها وأركانها وتلاوة القرآن فيها والتبكير والركوع والسجود
والتشهد والصلاة على النبي عَُّلّه، فمن فعل ذلك فقد أتمها وحافظ عليها، قاله مقاتل بن
حبان، قال ابن أبي حاتم: أنبأنا به محمد بن الفضل حدثنا محمد بن علي بن شقيق أخبرنا
محمد بن مزاحم عن بكر بن معروف عنه، وذكر أبو الليث السمرقندي في تفسيره عن ابن
عباس نحوه.
التاسع: إنها الجمعة خاصة، حكاه الماوردي وغيره لما اختصت به دون غيرها، وقال
ابن سيده في (المحكم): لأنها أفضل الصلوات، ومن قال خلاف هذا فقد أخطأ إلاَّ أن يقوله
برواية يسندها إلى سيدنا رسول الله عَ لَّه.
العاشر: إنها الجمعة يوم الجمعة، وفي سائر الأيام الظهر، حكاه أبو جعفر محمد بن
مقسم في تفسيره.
الحادي عشر: إنها صلاتان الصبح والعشاء، وعزاه ابن مقسم في (تفسيره) لأبي
الدرداء لقوله عٍَّ: ((لو يعلمون ما في العتمة والصبح؟)) الحديث.
الثاني عشر: إنها العصر والصبح، وهو قول أبي بكر المالكي الأبهري.
الثالث عشر: إنها الجماعة في جميع الصلوات حكاه الماوردي.
الرابع عشر: إنها الوتر.
الخامس عشر: إنها صلاة الضحى.
السادس عشر: إنها صلاة العيدين.
السابع عشر: إنها صلاة عيد الفطر.
الثامن عشر: إنها صلاة الخوف.
التاسع عشر: إنها صلاة عيد الأضحى.
العشرون: إنها المتوسطة بين الطول والقصر، وأصحها العصر الأحاديث الصحيحة
التي ذكرناها، والباقي بعضها ضعيف وبعضها مردود.
وقد أمرنا بالسكوت، وفي مسلم، ونهينا عن الكلام. قال ابن العربي: وهذا بظاهره
يعطي أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وقد اختلف الأصوليون فيه، قال: وليس كذلك، فإن
الأمر إذا اقتضى فعلاً فالنهي عن تركه لا يعطيه الأمر بذاته، وإنما يقتضيه أن الامتثال لا يتأتى
إلاَّ بترك الضد، وقال شيخنا زين الدين: الأمر بالسكوت منافٍ لعدم السكوت بالذات، وهو
المسمى بالنقيض، فلا نزاع في دلالة الأمر عليه لأنه جزؤه، وأما الكلام فهو ضده، وهو محل
عمدة القاري / ج٧ / م٢٦

٤٠٢
٢١ - كتابُ العَمل في الصَّلاةِ / باب (٢)
النزاع بيننا وبين المعتزلة، فأكثر أصحابنا على أن الأمر بالشيء يدل على النهي عن ضده،
وذهب جمهور المعتزلة وكثير من أصحابنا لجمهور المعتزلة فليس بجيد، ودلالته عليه
بالالتزام، فإن دلالة الالتزام دلالته على خارج عنه.
قلت: ذهب بعض الشافعية والقاضي أبو بكر أولاً إلى أن الأمر بالشيء عين النهي عن
ضده. وقال القاضي آخراً، وكثير من الشافعية، وبعض المعتزلة إلى أن الأمر بالشيء يستلزم
النهي عن ضده لأنه عينه إذ اللازم غير الملزوم. وذهب إمام الحرمين والغزالي وباقي المعتزلة
إلى أنه: لا حكم لكل واحد منهما في ضده أصلاً بل هو مسكوت عنه. وقال أبو بكر
الجصاص، وهو مذهب عامة العلماء من أصحابنا وأصحاب الشافعي وأهل الحديث: إن الأمر
بالشيء نهي عن ضده، إذا كان له ضد واحد، كالأمر بالإيمان نهي عن الكفر، وإن كان له
أضداد، كالأمر بالقيام له أضداد من القعود والركوع والسجود والاضطجاع يكون الأمر به نهياً
عن جميع أضداده كلها. وقال بعضهم: يكون نهياً عن واحد منها غير معين، وفصل بعضهم
بين الأمر للإيجاب، فقال: أمر الإيجاب يكون نهياً عن ضد المأمور به، وعن أضداده لكونه
مانعاً من فعل الواجب، وأمر الندب لا يكون كذلك، فكانت أضداد المندوب غير منهي عنها
لا نهي تحريم ولا نهي تنزيه، ومن لم يفصل جعل أمر الندب نهياً عن ضده فهي ندب حتى
يكون الامتناع عن ضد المندوب مندوباً كما يكون فعله، وأما النهي عن الشيء فأمر بضده إن
كان له ضد واحد باتفاقهم، كالنهي عن الكفر أمر بالإيمان، وإن كان له أضداد، فعند بعض
أصحابنا وبعض أصحاب الحديث يكون أمراً بالأضداد كلها، كما في جانب الأمر. وعند
عامة أصحابنا وعامة أصحاب الحديث يكون أمراً بواحد من الأضداد غير معين، وذهب
بعضهم إلى أنه يوجب حرمة ضده، وقال بعضهم: يدل على حرمة ضده، وقال بعض الفقهاء:
يدل على كراهة ضده، وقال بعضهم: يوجب كراهة ضدة، ومختار القاضي الإمام أبي زيد
وشمس الأئمة وفخر الإسلام ومن تابعهم أنه: يقتضي كراهة ضده، والنهي عن الشيء ينبغي
أن يكون ضده في معنى سنة مؤكدة، فافهم.
فإن قلت: فإذا كان قوله: أمرنا بالسكوت، دالاً على النهي عن الكلام، فما فائدة ذكر
النهي عن الكلام في قوله: ((فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام؟)) قلت: التصريح أبلغ من دلالة
الالتزام فاقتضى التصريح به نفي الخلاف المعروف فيه. فإن قلت: الألف واللام في قوله:
(أمرنا بالسكوت)) لماذا؟ قلت: للعهد لا للعموم، وهي راجعة إلى قوله: ((يكلم الرجل صاحبه
إلى جنبه)) أي: فأمرنا بالسكوت عما كانوا يفعلونه من ذلك، وكذلك الألف واللام في قوله:
((ونهينا عن الكلام)). أي: عن مخاطبة الآدميين، بدليل حديث معاوية بن الحكم. أخرجه
مسلم وأبو داود والنسائي من رواية عطاء بن يسار عنه قال: ((بينا أنا أصلي مع رسول الله عَ ليه
إذا عطس رجل من القوم فقلت له: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم .. )) الحديث. وفيه أنه
عَّ اللّه قال: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير
وقراءة القرآن)).

٤٠٣
٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (٣)
٣ - بابُ ما يَجُوزُ مِنَ التَّسْبِيخ وَالْحَمْدِ فِي الصَّلاَةِ لِلرِّجَالِ
أي: هذا باب في بيان ما يجوز من قول: سبحان الله، وقول: الحمد لله في، أثناء
الصلاة للرجال إذا نابهم شيء فيها نحو ما إذا رأى المصلي أن إمامه يفعل شيئاً في غير
محله، يقول: سبحان الله ليسمع الإمام ذلك ويرجع إلى الصواب، وإنما قيد ذلك بالرجال لأن
النساء إذا نابهن شيء في الصلاة يصفقن لقوله عَظ ◌ّة: ((التسبيح للرجال والتصفيق للنساء))،
على ما يأتي بعد باب مفرداً، ويدخل في هذا ما إذا فتح على إمامه لا تفسد صلاته.
١٢٠١/٢٢٤ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةً قال حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ أبي حازِمٍ عَنْ
أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ رضي الله تعالى عنهُ قال خَرَجَ النبيُّ عَ لِ يُضْلِحُ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بِنِ عَوْفٍ
وَحَانَتِ الصَّلاَّةُ فَجَاءَ بِلاَّلٌ أبا بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهما فقال ◌ُبِسَ النبيُّ عَّ ◌ُلِّ فَتَؤُمُ النَّاسَ
قالَ نَعَمْ إِنْ شِئْتُمْ فَأَقَامَ بِلاَّلُ الصَّلاَةَ فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله تعالى عنه فَصَلَّى فجَاءَ النبيُّ
عَّهِ يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ يَشُقُّهَا شَقّاً حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ الأوَّلِ فَأَخَذَ النَّاسُ بالتَّصْفِيحِ قَالَ
سَهْلٌ هَلْ تَدْرُونَ ما النَّصْفِيحُ هُوَ التَّصْفِيقُ وكانَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهُ لاَ يَلْتَفِثُّ فِي
صَلاَتِهِ فَلَمَّا أَكْثَرُوا النَّفَتَ فَإِذَا النبيُّ عَ لَّهِ فِي الصَّفِّ فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ
فَحَمِدَ الله ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرَى وَرَاءَهُ وَتَقَدَّمَ النبيُّ عَلَّهِ فَصَلَّى. [أنظر الحديث ٦٨٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إنه ذكر هذا الحديث بتمامه في: باب من دخل ليؤم الناس
فجاء الإمام الأول، وفيه: ((من نابه شيء في الصلاة فليسبح فإنه إذا سبح التفت إليه، وإنما
التصفيق للنساء))، وذكر هذه الترجمة ههنا على هذا الوجه اكتفاء بما ذكر هناك، لأن الحديث
واحد، على أنه ذكره في سبعة مواضع مترجماً في كل موضع بما يناسبه، وقد ذكرناه هناك
مستقصىّ.
والشراح ههنا على قسمين: منهم: من لم يتعرض قط لوجه هذه الترجمة، ولا لوجه
مناسبتها للحديث، منهم: صاحب (التلويح) و(التوضيح). ومنهم: من ذكر شيئاً لا يساوي
سماعه، منهم: الكرماني، فإنه قال: فإن قلت: ذكر في الترجمة لفظ التسبيح، والحديث لا
يدل عليه؟ قلت: علم من الحمد بالقياس عليه إلى آخره، ولم يذكر شيئاً تحته طائل.
ومنهم: من قال: أراد إلحاق التسبيح بالحمد لجامع الذكر، لأن الذي في الحديث الذي
ساقه ذكر التحميد دون التسبيح واعترضه بعضهم، وقال: بل الحديث مشتمل عليهما لكنه
ساقه هنا مختصراً، وقد تقدم في: باب من دخل ليؤم الناس، في أبواب الإمامة. انتهى. قلت:
هؤلاء كأنهم فهموا أن المراد من الترجمة جواز التسبيح والحمد في الصلاة مطلقاً، وليس
كذلك، فإن مراده الإتيان بلفظ التسبيح لمن نابه شيء، وهو في الصلاة بدليل قيده للرجال،
فإنه ترجم ههنا بقوله: باب ما يجوز إلى آخره، وفيه قيد بقوله: للرجال، ثم ترجم للنساء بباب
آخر وهو قوله: باب التصفيق للنساء، ولو كان مراده من الترجمة الإطلاق في ذلك لما قيده
بقوله: للرجال، فإن التسبيح والحمد ونحوهما لأمر نابه في الصلاة يجوز للرجال والنساء ما
لم يقع جواً بالشيء آخر.

٤٠٤
٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (٣)
وأما قوله في الترجمة: والحمد، فللتنبيه على أن الذي ينوبه شيء وهو في الصلاة إذا
حمد الله عوض سبحان الله فإنه يجوز: لأن الغرض من ذلك التنبيه على عروض أمر، لا
مجرد التسبيح والحمد، لأن مجرد التسبيح والحمد ونحوهما لا يضر صلاة المصلي إذا لم
يقع جواباً. وقال صاحب (التوضيح): وفيه - يعني: في هذا الحديث - أن التسبيح جائز
للرجال والنساء عندما ينزل بهم من حاجة، ألا يرى أن الناس أكثروا بالتصفيق لأبي بكر
ليتأخر للنبي عَّله؟ وبهذا قال مالك والشافعي: إن من سبح في صلاته لشيء ينوبه، أو أشار
إلى إنسان فإنه هو الذي خالف، فإن مذهب أبي حنيفة أنه إذا سبح أو حمد جواباً لإنسان
فإنه يقطع، لأنه يكون كلاماً، وأما إذا وقع شيء من ذلك لغير جواب فلا يضر ذلك، لأن
الصلاة هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، كما ثبت ذلك في الصحيح. ثم إنهم فهموا أن
حمد أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، وهو في الصلاة إنما كان لأمر نابه وهو في الصلاة،
وليس كذلك، فإنه حمد الله على ما أمر به رسول الله عَ ه، وقد صرح به في الحديث في:
باب من دخل ليؤم الناس، حيث قال: فلما أكثر الناس التصفيق فرأى رسول الله عَ لَّه فأشار
إليه رسول الله عَّل أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر يديه، فحمد الله على ما أمره رسول الله
عَّ الله، من ذلك، على أن ابن الجوزي ادعى أنه أشار بالشكر والحمد بيده ولم يتكلم.
ثم إن البخاري روى حديث هذا الباب عن عبد الله بن مسلمة، بفتح الميم واللام:
ابن قعنب التيمي الحارثي، وقد تقدم غير مرة عن عبد العزيز بن أبي حازم، واسم: أبي حازم،
بالزاي: سلمة بن دينار المديني عن أبيه سلمة عن سهل بن سعد الساعدي الأنصاري.
وأخرجه هناك: عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن أبي حازم بن دينار عن سهل بن سعد،
وقد تكلمنا هناك على ما يتعلق به من الأنواع، فلنذكر هنا ما هو المهم، وإن وقع فيه بعض
التكرار، فإنه لا يضر لبعد المسافة.
قوله: ((يصلح))، حال منتظرة. قوله: ((وحانت الصلاة))، أي: حضرت وحلت. قوله:
((حبس النبي عَّةٍ))، أي: تأخر هناك لأجل الصلح. قوله: ((يمشي)) حال أيضاً، وكذلك قوله:
((يشقها)) أي: حال يشق الصفوف. قوله: ((فقال سهل))، وهو سهل بن سعد المذكور. قوله:
((هو التصفيق)) تفسير لقوله: ((ما التصفيح؟)) واحتج به بعضهم على أن: التصفيح والتصفيق
بمعنى واحد، وبه صرح الخطابي والجوهري وأبو علي القالي وآخرون، حتى ادعى ابن حزم
نفي الخلاف في ذلك، وليس كذلك، فإن القاضي عياض حكى أنه بالحاء: الضرب بظاهر
إحدى اليدين على الأخرى، وبالقاف: بباطنها على باطن الأخرى، وقيل: بالحاء الضرب
بإصبعين للإنذار والتنبيه، وبالقاف بجميعها للهو واللعب. وأغرب الداودي فزعم أن الصحابة
ضربوا بأكفهم على أفخاذهم. قال القاضي عياض: كأنه أخذه من حديث معاوية بن الحكم
الذي أخرجه مسلم ففيه: ((وجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم».

٤٠٥
٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (٤)
٤ - بابُ مَنْ سَمَّى قَوْماً أو سَلَّمَ فِي الصَّلاَةِ عَلَى غَيْرِهِ مُوَاجَهَةً وَهْوَ لاَ يَعْلَمُ
أي: هذا باب في بيان حكم من سمى قوماً بذكر أسمائهم أو سلم في صلاته على
غيره مواجهة، بفتح الجيم، وهي: نصب على المصدرية، والحال أنه لا يعلم، أي: المسلّم
عليه لا يعلم، يعني: لا يسمع السلام، وليس في رواية الأكثرين لفظ: مواجهة، وإنما هو وقع
في رواية أبي ذر، وقيل: في رواية أبي ذر عن الحموي على غير بالتنوين بلا هاء الضمير،
وقال الكرماني: وفي بعض النسخ على غير مواجهه، بلفظ اسم الفاعل المضاف إلى الضمير،
وإضافة الغير إليه، فإن قلت: لم يبين في الترجمة حكم الباب ما هو أجواز أو بطلان؟ قلت:
كأن ترك ذلك لاشتباه الأمر فيه، ولكن قيل: الظاهر الجواز، وإن شيئاً في ذلك لا يبطل
الصلاة لأنه عَّلِّ لم يأمرهم بالإعادة فيه، إنما علمهم ما يستقبلون. قلت: وفيه نظر، لأن هذا
منسوخ، وقد كان ذلك مقرراً عندهم ثم منعهم النبي عَّ لِ عن ذلك وأمرهم بما يقولون، فنسخ
هذا أو ذاك.
١٢٠٢/٢٢٥ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عِيسى قال حدَّثنا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ عَبْدُ العَزِيزِ بنُ
عَبْدِ الصَّمَدِ قال حدَّثنا حُصَيْنُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ عن أبِي وَائِلٍ عِنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ رضي
الله تعالى عنه. قال كُنَّا نَقُولُ التحيَّةُ فِي الصَّلَاَةِ وَنُسَمِّي وَيُسَلِّمُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَسَمِعَهُ
رسولُ اللهِ عَِّ فقالَ قُولُوا التَّحِيَّاتُ اللهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النبيُّ
وَرَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُهُ السَّلاَمُ عَلَيْنَا وعَلى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أنْ لاَ إلهَ إلاَّ الله وأَشْهَدْ
أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذُلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كلِّ عَبْدٍ لِهِ صالِحٍ فِي
السَّمَاءِ والأرْضِ. [أنظر الحديث ٨٣١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((كنا نقول: التحية في الصلاة ونسمي ويسلم بعضنا
على بعض)) وللترجمة جزآن أحدهما: قوله: من سمى قوما وقد مر في: باب ما يتخير من
الدعاء بعد التشهد، في حديث عبد الله بن مسعود أيضاً قال: ((كنا إذا كنا مع النبي عَُّلّه في
الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان .. )) الحديث، وفي رواية عنه:
((قلنا: السلام على جبرائيل وميكائيل)) والجزء الآخر: هو قوله: ((أو سلم في الصلاة .. )) إلى
آخره، وهو المراد من قوله: ((ويسلم بعضنا على بعض)).
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عمرو بن عيسى أبو عثمان الضبعي، بضم الضاد
المعجمة: الأودي، بفتح الهمزة وفتح الدال. الثاني: عبد العزيز بن عبد الصمد العمي، بفتح
العين المهملة وتشديد الميم. الثالث: حصين بضم الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة: ابن
عبد الرحمن، مر في: باب الأذان بعد ذهاب الوقت. الرابع: أبو وائل واسمه شقيق بن سلمة.
الخامس: عبد الله بن مسعود.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضعين. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن شيخه من أفراده وهو بصري، وكذلك عبد
:

٤٠٦
٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (٥)
العزيز بصري وحصين وأبو وائل كوفیان. وفيه: عبد العزيز مذكور أولاً بالكنية ثم بين باسمه،
وهو مذكور أيضاً بنسبته إلى عم قبيلة من بني تميم، وفيهم كثرة ومن الرواة: زيد العمي وهو
لقب له لأنه كلما كان يسأل عن شيء قال: حتى أسأل عمي.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه ابن ماجه أيضاً في الصلاة عن محمد بن يحيى
الذهلي عن عبد الرزاق وعن محمد بن معمر عن قبيصة عن عقبة، كلاهما عن سفيان الثوري
عن حصين به، وقد مر الكلام فيه مستوفىّ في: باب التشهد في الأخيرة، وفي: باب ما
يتخير من الدعاء بعد التشهد.
قوله: ((التحية))، بالرفع على الابتداء. وقوله: ((في الصلاة)) خبره، ويروى: التحية،
بالنصب على أنه مفعول. قلنا. فإن قلت: مقول القول لا بد أن يكون جملة؟ قلت: قد يقع
مفرداً إذا كان عبارة عن الجملة كما في قولك: قلت قصة، وقلت خبراً، وكذلك ههنا:
التحية، بالنصب عبارة عن قولهم: السلام على فلان. قوله: ((إذا فعلتم ذلك)) أي: إذا
قلتموها. قوله: ((صالح))، بالجر صفة عبد، ولفظة (الله)) معترضة بينهما.
٥ - بابُ التَّصْفِيقِ لِلِّسَاءِ
يجوز في باب الإضافة إلى التصفيق، ويجوز فيه التنوين بقطعه عن الإضافة فالتقدير
في الأول: هذا باب في بيانٍ أن التصفيق للنساء، وفي الثاني: هذا باب يذكر فيه التصفيق
للنساء، وقد مر تفسیره عن قريب.
١٢٠٣/٢٢٦ - حدثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ قال حدَّثنا سُفْيَانُ قال حدَّثنا الزُّهْرِيُّ عنْ
أبِي سَلَمَةَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النَّبِيِّ عَ لّه قال التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ
والتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ.
مطابقته للترجمة ظاهرة لأنها عين الحديث وجزء منه.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: علي بن عبد الله بن المديني. الثاني: سفيان بن
عيينة. الثالث: محمد بن مسلم الزهري. الرابع: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.
الخامس: أبو هريرة، رضي الله تعالى عنه.
والحديث أخرجه مسلم في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن
حرب، وأخرجه أبو داود فيه عن قتيبة. وأخرجه النسائي عن قتيبة ومحمد بن المثنى. وأخرجه
ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة وهشام بن عمار كلهم عن سفيان بن عيينة. وفي
(التوضيح): وقد قام الإجماع على أن سنة الرجل إذا نابه شيء في الصلاة التسبيح، وإنما
اختلفوا في النساء، فذهبت طائفة إلى أنها تصفيق. وهو ظاهر الحديث، وبه قال إسحاق
والشافعي وأبو ثور، وهو رواية عن مالك حكاها ابن شعبان عنه، وهو مذهب النخعي
والأوزاعي، وذهب آخرون إلى أنها تسبيح، وهو قول مالك، وتأول أصحابه قوله: ((إنما
التصفيق للنساء)»، إنه من شأنهن في غير الصلاة، فهو على وجه الذم فلا تفعله المرأة ولا

٤٠٧
٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (٦)
الرجل في الصلاة ويرده ما ورد في حديث حماد بن زيد عن أبي حازم في: باب الأحكام،
بصيغة الأمر: ((فليسبح الرجال وليصفق النساء)). وإنما كره لها التسبيح لأن صوتها فتنة، ولهذا
منعت من الأذان والإمامة والجهر بالقراءة في الصلاة.
١٢٠٤/٢٢٧ - حدّثنا يَحْتَى قال أخبرنا وَكِيعٌ عنْ سُفْيَانَ عنْ أَبِي حازِمٍ عِنْ سَهْلِ
ابن سَعْدٍ رضي الله تعالى عنهُ قال قال النبيُّ عَّهِ التَّسْبِيحُ لِلرّجَالِ والتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ. [أنظر
الحديث ٦٨٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة لأنها جزء من الحديث، ويحيى هو ابن جعفر البلخي. وقال
الكرماني: يحيى إما يحيى بن موسى الختي، بفتح الخاء المعجمة وتشديد التاء المثناة من
فوق، وإما يحيى بن جعفر البلخي. قال الكلاباذي: إنهما يرويان عن وكيع في الجامع،
وسفيان هو الثوري، وأبو حازم، بالزاي: سلمة بن دينار.
وقد مر الكلام في الحديث، وفي بعض النسخ يوجد هنا عقيب هذا الباب: باب من
صفق جاهلاً من الرجال في صلاته لم تفسد صلاته. قال: وفيه سهل بن سعد عن النبي عَ له.
وليس هذا بموجود في كثير من النسخ، ولهذا أنكر بذلك بعض الشراح، ومعناه على تقدير
وجوده: أن التصفيق وظيفة النساء، فمن صفق من الرجال جاهلاً بذلك فليس عليه إعادة
صلاته، لأنه عَّلّه لم يأمر من صفق بالإعادة، وذلك لكونه عملاً يسيراً، وبه لا تفسد الصلاة
على ما عرف.
٦ - بابُ منْ رَجَعَ القَهْقَرَى فِي صَلاَتِهِ أَوْ تَقَدَّمَ بِأمْرٍ يَنْزِلُ بِهِ
أي: هذا باب في بيان المصلي الذي رجع القهقرى في صلاته، وقال ابن الأثير:
القهقرى هو المشي إلى خلف من غير أن يعيد وجهه إلى جهة مشيه، قيل: إنه من باب
القهر، وقال الجوهري: القهقرى الرجوع إلى الخلف، فإذا قلت: رجعت القهقرى فكأنك
قلت: رجعت الرجوع الذي يعرف بهذا الإسم، لأن القهقرى ضرب من الرجوع. قلت: فعلى
هذا انتصابه على المصدرية من غير لفظه. قوله: ((أو تقدم)) أي: تقدم المصلي إلى قدام
لأجل أمر ينزل به.
رَوَاهُ سَهْلُ بنُ سَغدٍ عنِ النبيِّ
أي: روى كل واحد من رجوع المصلي القهقرى في صلاته وتقدمه لأمر ينزل به:
سهل بن سعد، وروى ذلك البخاري عن سهل في: باب الصلاة في المنبر والسطوح، في
أوائل كتاب الصلاة، فقال: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان، قال: أخبرنا أبو
حازم، قالوا: سألوا سهل بن سعد: من أي شيء المنبر؟ ... الحديث وفيه: ((فقام عليه رسول
الله عَ له أي: على المنبر إلى أن قال: فاستقبل القبلة وكبر، وقام الناس خلفه، فقرأ وركع،
وركع الناس خلفه، ثم رفع رأسه ثم رجع القهقرى: فسجد على الأرض، ثم عاد إلى المنبر،
قم قرأ ثم ركع ثم رفع رأسه ثم رجع القهقرى حتى سجد بالأرض، فهذا شأنه)). وقال

٤٠٨
٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (٦)
بعضهم: يشير بذلك - يعني: بقوله - رواه سهل بن سعد عن النبي عَّه، إلى حديثه الماضي
قريباً، ففيه: ((فرفع أبو بكر يده فحمد الله ثم رجع القهقرى)). وأما قوله: ((أو تقدم))، فهو مأخوذ
من الحديث أيضاً، وذلك أن النبي عَّ وقف في الصف الأول خلف أبي بكر على إرادة
الائتمام به، فامتنع أبو بكر من ذلك، فتقدم النبي عَّه ورجع أبو بكر من موقف الإمام إلى
موقف المأموم. انتهى.
قلت: الذي قاله يرده الضمير المنصوب في: ((رواه)) يفهم ذلك من له أدنى ذوق من
أحوال تركيب الكلام، ولذلك أعدنا الضمير فيه إلى ما قدرناه، وصاحب (التلويح) أيضاً ذهل
في هذا وقال بعد قوله: ((رواه سهل))، هذا الحديث تقدم مسنداً في: باب ما يجوز من
التسبيح في الصلاة، ثم قال: وفي قوله: (رواه سهل)) عن النبي عَّم فيه نظر، وذلك إنه إنما
شاهد الفعل وهو التقدم من سيدنا رسول الله عَّ له والتأخر من أبي بكر، رضي الله تعالى عنه،
ثم قال القائل المذكور: ويحتمل أن يكون المراد بحديث سهل ما تقدم في الجمعة من
صلاته عَّ لله على المنبر ونزوله القهقرى حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد إلى مقامه. قلت:
قوله: يحتمل، غير سديد لأن البخاري ما أراد إلاَّ هذا الحديث، وهو المناسب لما ذكره، ولا
يقال في مثل هذا بالاحتمال.
١٢٠٥/٢٢٨ - حدّثنا بِشْرُ بنُ محَمَّدٍ قال أخبرنا عَبْدُ اللهِ. قال یونُسُ. قال
الزُّهْرِيُّ أخبرني أنَسُ بنُ مالِكِ أنَّ المُسْلِمِينَ بَيْنَمَا هُمْ فِي الفَجْرِ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ وَأَبُو بَكْرٍ رضي
الله تعالى عنهُ يُصَلِّي بِهِمْ فَفَاجأهُمْ النبيُّ عَ لِّ وقَدْ كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةٍ عَائِشَةَ رضي الله
تعالى عنها فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ صُفُوفٌ فَتَبَسَّمَ يَضْحَكُ فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهُ
عَلَى عَقِبَيْهِ وَظَنَّ أنَّ رسولَ اللهِ عََّّهِ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الصَّلاةِ وَهَمَّ المُسْلِمُونَ أَنْ يَفْتَئِنُوا
فِي صَلاَئِهِمْ فَرَحاً بِالنَّبِيِّ عََّّهِ حِينَ رَأْوْهُ فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ أتُوا ثُمَّ دَخَلَ الحُجْرَةَ وَأَرْخَى السّتْرَ
وَتُؤُفِّيَ ذُلِكَ الْيَوْمَ. [أنظر الحديث ٦٨٠ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة في التقدم يستأنس من قوله: ((ففجأهم النبي ◌َِّ))، وهذا يدل
على أنه عَّهِ اتصل بالصف، فلولا ذلك لما نكص أبو بكر على عقبيه، ومطابقته في التأخر
في قوله: ((فنكص أبو بكر على عقبيه))، والحديث مر في: باب أهل العلم والفضل أحق
بالإمامة، فإنه أخرجه هناك عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري عن أنس وعن أبي معمر
عن عبد الوارث عن عبد العزيز عن أنس، وذكرنا هناك جميع ما يتعلق به.
وبشر، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة وبالراء: ابن محمد المروزي، قد
مر في: باب بدء الوحي، وعبد الله هو ابن المبارك، وقد تکرر ذکره، ویونس هو ابن يزيد،
والزهري هو محمد بن مسلم.
قوله: ((قال يونس: قال الزهري)): أي: قال: قال يونس: قال الزهري: وهي تحذف
خطأ في الاصطلاح لا نطقاً. قوله: ((بينما هم)) أي: الصحابة ((في صلاة الفجر)) والحديث

٤٠٩
٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (٧)
الذي فيه: ((مروا أبا بكر)) كانت صلاة العشاء، والذي فيه: ((خرج يهادي بين اثنين)) كانت
صلاة الظهر. قوله: ((وأبو بكر))، الواو فيه للحال. قوله: ((ففجأهم)) بفتح الجيم وكسرها، أي:
فاجأهم. وقال ابن التين: كذا وقع في الأصل بالألف، وحقه أن يكتب بالياء لأن عينه
مكسورة كوطئهم. قلت: إذا كسرت عينه يقال: فجئهم، وإذا فتحت يقال: فجأهم. قوله:
((كشف ستر حجرة عائشة))، كذا هو في أصل الحافظ الدمياطي بخطه، وكذا في
الإسماعيلي وأبي نعيم. وقال الشيخ قطب الدين: في سماعنا إسقاط لفظ حجرة. قوله:
((فنكص))، بالصاد وبالسين المهملتين أي: رجع بحيث لم يستدبر القبلة، وهو الرجوع إلى
الوراء. قوله: ((فرحاً)) نصب على التعليل، ويجوز أن يكون حالاً على تأويل: فرحين. قوله:
((أن أتموا)) أن: مصدرية أي: إشارة بالإتمام.
٧ - بابٌ إِذَا دَعَتِ الأمُّ وَلَدَهَا في الصَّلاَةِ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا دعت الأم ولدها وهو في الصلاة، وجواب: إذا محذوف
تقديره: هل تجب إجابتها أم لا؟ وإذا وجبت هل تبطل الصلاة أو لا؟ وفي المسألتين خلاف،
فلذلك لم يذكر الجواب.
١٢٠٦/٢٢٩ _ وقال اللَّيْثُ حدَّثني جَعْفَرْ عنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ هُرْمُزَ قال قال أَبُو
هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال رسولُ اللهِ عَّلِ نَادَتِ امْرَأَةٌ ابْنَهَا وَهْوَ فِي صَوْمَعَةٍ قَالَتْ يَا
◌ُجُرَيْجُ قال اللَّهُمَّ أُمِّي وصَلاَتِي قَالَتْ يا جُرَيْجُ قال اللَّهُمَّ أُمِّي وصَلاَتِي قَالَتْ يا جُرَيْجُ قال
اللَّهُمَّ أُمِّي وصَلاَّتِي قَالَتْ اللَّهُمَّ لاَ يَمُوتُ بُجرَيْجٌ حَتَّى يَنْظُرَ فِي وَجْهِ المَيَّامِيسِ وكانَتْ تَأْوِي
إِلَى صَوْمَعَتِهِ رَاعِيَةٌ تَرْعَى الغَنَمَ فَوَلَدَتْ فَقِيلَ لَهَا مِمَّنْ لهذَا الوَلَدُ قالَتْ مِنْ مُجرَيْجِ نَزَلَ مِنْ
صَوْمَعَتِهِ قال جُرَيْجٌ أَيْنَ هَذِهِ الَّتِي تَزْعَمُ أنَّ وَلَدَهَا لِي قال يا بابُوسُ مَنْ أَبُوكَ قال رَاعِي الغَنَمِ.
[الحديث ١٢٠٦ - أطرافه في: ٢٤٨٢، ٣٤٣٦، ٣٤٦٦].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: الليث بن سعد. الثاني: جعفر بن ربيعة بن شرحبيل
ابن حسنة القرشي. الثالث: عبد الرحمن بن هرمز الأعرج. الرابع: أبو هريرة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: العنعنة في
موضع واحد. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن الليث وشيخه مصريان، وعبد الرحمن
مدني.
وهذا تعليق من البخاري لأنه لم يدرك الليث، ووصله الإسماعيلي: أخبرنا أبو بكر
المروزي حدثنا عاصم بن علي حدثنا الليث عن جعفر بن ربيعة ... الحديث مطولاً، وفيه:
((لا أماتك الله حتى تنظر في وجهك زواني المدينة، فعرف أن ذلك يصيبه، فلما مروا به على
بيت الزواني خرجن يضحكن، فتبسم، فقالوا: لم يضحك حتى مر بالزواني)). ووصله أبو نعيم
أيضاً: حدثنا أبو بكر بن خلاد حدثنا أحمد بن إبراهيم بن ملحان حدثنا يحيى بن بكير، قال:

٤١٠
٢١ - كتابُ العَمل في الصَّلاةِ / باب (٧)
حدثنا الليث عن جعفر، وأسنده البخاري أيضاً في: باب: ﴿واذكر في الكتاب مريم اذ انتبذت
من أهلها﴾ [مريم: ١٩]. حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا جرير بن حازم عن محمد بن سيرين
عن أبي هريرة عن النبي معَّله، قال: ((لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى، وكان في بني
إسرائيل رجل يقال له جريج كان يصلي فجاءته أمه فدعته فقال: أجيبها أو أصلي؟ فقالت:
اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات، وكان جريج في صومعته، فتعرضت له امرأة وكلمته
فأبى، فأتت راعياً فأمكنته من نفسها فولدت غلاماً فقيل لها: ممن؟ فقالت: من جريج، فأتوه
فكسروا صومعته وأنزلوه وسبوه، فتوضأ وصلى، ثم أتى الغلام فقال: من أبوك؟ قال: الراعي،
قالوا: نبني صومعتك من ذهب، قال: لا إلا من طين .. )) الحديث.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في: باب بر الوالدين ودعاء الوالدة على الولد،
حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا سليمان بن المغيرة حدثنا حميد بن هلال عن أبي رافع عن أبي
هريرة، رضي الله تعالى عنه، عن النبي، عَّةٍ، أنه قال: (( كان جريج يتعبد في صومعته فجاءت
أمه فقالت: يا جريج أنا أمك كلمني، فصادفته يصلي فقال: اللهم أمي وصلاتي؟ فاختار
صلاته، فرجعت ثم عادت في الثانية فقالت: يا جريج أنا أمك فكلمني؟ فقال: أللهم أمي
وصلاتي فاختار صلاته، فقالت: اللهم إن هذا جريج وهو ابني، وإني كلمته فأبى أن يكلمني،
اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات. قال: ولو دعت عليه أن يفتن لفتن، وكان راعي
ضأن يأوي إلى ديره، قال: فخرجت امرأة من القرية فوقع عليها الراعي، فحملت فولدت
غلاماً، فقيل لها: ما هذا؟ قالت: من صاحب هذا الدير. قال فجاؤوا بفؤوسهم ومساحيهم
فنادوه فصادفوه، وهو يصلي، فلم يكلمهم، قال: فأخذوا يهدمون ديره، فلما رأى ذلك نزل
إليهم فقالوا له: سل هذه؟ فتبسم، ثم مسح رأس الصبي، فقال: من أبوك؟ قال: أبي راعي
الضأن. فلما سمعوا ذلك منه قالوا له: نبني ما هدمناه من ديرك بالذهب والفضة. قال: لا،
ولكن أعيدوه تراباً كما كان)).
وأخرجه أيضاً من طريق جرير بن حازم عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي
عَّله قال: ((لم يتكلم في المهد .. )) الحديث، وفيه: ((وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها، فقالت
إن شئتم لأفتننه لكم، فتعرضت له فلم يلتفت إليها، فأتت راعياً كان يأوي إلى صومعته
فأمكنته من نفسها فوقع عليها فحملت فلما ولدت، قالت: هو من جريج، فأتوه فاستنزلوه
وهدموا صومعته وجعلوا يضربونه، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه البغي فولدت منك.
فقال: أين الصبي؟ فجاؤوا به، فقال: دعوني حتى أصلي، فصلى، فلما انصرف أتى الصبي
فطعن في بطنه، وقال: يا غلام من أبوك؟ قال: فلان الراعي. قال: فأقبلوا على جريج يقبلونه
ويتمسحون به، وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب، قال: لا، أعيدوها من طين كما كانت،
ففعلوا .. )) الحديث. وأخرجه الإسماعيلي وأبو نعيم كما ذكرنا، وذكر الفقيه أبو الليث
السمرقندي في كتابه (تنبيه الغافلين): كان جريج راهباً في بني إسرائيل يعبد الله في صومعته،
فجاءته أمه يوماً وهو قائم في الصلاة، فنادته: يا جريج فلم يجبها لاشتغاله بصلاته، فقالت:

٤١١
٢١ - كتابُ العَملِ فِي الصَّلاةِ / باب (٧)
ابتلاك الله بالمومسات، يعني الزواني، وكانت امرأة في تلك البلدة خرجت لحاجتها فأخذها
راعي الغنم فواقعها عند صومعة جريج، فحملت منه، وكان أهل تلك البلدة يعظمون أمر الزنا،
فظهر أمر تلك المرأة في البلد، فلما وضعت حملها أخبر الملك أن امرأة قد ولدت من الزنا،
فدعاها فقال: من أين لك هذا الولد؟ قالت: من جريج الراهب، قد واقعني. فبعث الملك
أعوانه إليه وهو في الصلاة، فنادوه فلم يجبهم حتى جاؤوا إليه بالمرور وهدموا صومعته
وجعلوا في عنقه حبلاً، وجاؤوا به إلى الملك، فقال له الملك: إنك قد جعلت نفسك عابداً
ثم تهتك حريم الناس وتتعاطى ما لا يحل لك؟ قال: أي شيء فعلت؟ قال: إنك قد زنيت
بامرأة كذا. فقال: لم أفعل، فلم يصدقوه، وحلف على ذلك ولم يصدقوه، فقال: ردوني إلى
أمي فردوه إلى أمه فقال لها يا أماه إنك قد دعوت الله علي فاستجاب الله دعاءك، فادعي الله
أن يكشف عني بدعائك. فقال أمه: اللهم إن كان جريج إنما أخذته بدعوتي فاكشف عنه.
فرجع جريج إلى الملك، فقال: أين هذه المرأة وأين الصبي؟ فجاؤوا بالمرأة والصبي،
فسألوها، فقالت: بلى هذا الذي فعل بي، فوضع جريج يده على رأس الصبي وقال: بحق
الذي خلقك أن تخبرني من أبوك؟ فتكلم الصبي بإذن الله تعالى، وقال: إن أبي فلان الراعي،
فلما سمعت المرأة بذلك، اعترفت، وقالت: كنت كاذبة، وإنما فعل بي فلان الراعي، وفي
رواية: أن المرأة كانت حاملاً لم تضع بعد، فقال لها: أين أصبتك؟ قالت: تحت شجرة،
وكانت الشجرة بجنب صومعته، قال جريج: أخرجوا إلى تلك الشجرة، ثم قال يا شجرة!
أسألك بالذي خلقك أن تخبريني من زنا بهذه المرأة، فقال كل غصن منها: راعي الغنم، ثم
طعت بإصبعه في بطنها، وقال: يا غلام من أبوك؟ فنادى من بطنها: أبي راعي الضأن، فاعتذر
الملك إلى جريج الراهب، وقال: إيذن لي أبني صومعتك بالذهب؟ قال: لا. قال: بالفضة؟
قال: لا، ولكنه بالطين كما كانت، فبنوه بالطين. وفي كتاب (البر والصلة) لعبد الله بن
المبارك من حديث الحسن أن اسمه كان جريا، وأنهم لما أحاطوا به قال: بالله إما أنظرتموني
ليالي أدعو الله، عز وجل، فأنظروه ليالي، الله أعلم كم هي، فأتاه آت في منامه فقال له: إذا
اجتمع الناس فاطعن في بطن المرأة، وقل: أيتها السخلة من أنت ومن أبوك؟ فإنه سيقول:
راعي الغنم، فلما أصبح طعن في بطن المرأة وقال: أيتها السخلة من أبوك؟ قالت: راعي
الغنم. قال الحسن: ذكر لي أن مولوداً لم يتكلم في بطن أمه إلاَّ هذا، وعيسى، عليه الصلاة
والسلام.
ذكر معناه: قوله: ((وهو في صومعته)) الواو فيه للحال، والصومعة على وزن: فوعلة،
من صمعت إذا دققت لأنها دقيقة الرأس. قوله: ((جريج))، بضم الجيم وفتح الراء وسكون
الياء آخر الحروف، وفي آخره جيم أيضاً. قوله: ((أللهم: أمي وصلاتي؟)) أي: اجتمع إجابة
أمي وإتمام صلاتي فوفقني لأفضلهما. قوله: ((لا يموت جريج)) نفي في معنى الدعاء. قوله:
((حتى ينظر)) بضم الياء على صيغة المجهول. قوله: ((المياميس))، جمع مومسة، وهي
الفاجرة المتجاهرة به، وفي (التلويح): المياميس والزواني والفاجرات، الواحدة مومسة،
:

٤١٢
٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (٧)
والجمع مومسات، ومياميس. وقال ابن الجوزي: إثبات الياء فيه غلط والصواب حذفها.
قلت: ليس بغلط لأن الغرب يشبعون الكسرة فتصير في صورة الياء. وقال ابن قرقول: وبالياء
رويناه، وكذا ذكره أصحاب العربية، ورواه السماك: المياميس، بضم الميم. وقال القزاز: قد
يقال للخدم: مومسات. قوله: ((يا بابوس)) كلمة: يا، حرف نداء و: بابوس، بفتح الباء
الموحدة وبعد الألف باء أخرى مضمومة وبعد الواو الساكنة سين مهملة، قال القزاز: هو
الصغير، ووزنه: فاعول، فاؤه وعينه من جنس واحد، وهو قليل، وقيل: هو اسم أعجمي،
وقيل: هو عربي، وقال الداودي: هو اسم ذلك الولد بعينه. وقال ابن بطال: هو الرضيع، وقال
الكرماني: لو صحت الرواية بكسر السين وتنوينها يكون كنية له، ومعناه: يا أبا شدة.
ذكر ما يستفاد منه: فيه دلالة على أن الكلام لم يكن ممنوعاً في الصلاة في
شريعتهم، فلما لم يجب أمه والحال أن الكلام مباح له، استجيبت دعوة أمه فيه، وقد كان
الكلام مباحاً أيضاً في شريعتنا أولاً حتى نزلت: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨]. فأما
الآن فلا يجوز للمصلي إذا دعت أمه أو غيرها أن يقطع صلاته لقوله عَّهِ: ((لا طاعة
لمخلوق في معصية الخالق))، وحق الله عز وجل الذي شرع فيه آكد من حق الأبوين حتى
يفرغ منه، لكن العلماء يستحبون أن يخفف صلاته ويجيب أبويه، وقال صاحب (التوضيح):
وصرح أصحابنا فقالوا: من خصائص النبي عَّ له أنه لو دعا إنساناً وهو في الصلاة وجب عليه
الإجابة ولا تبطل صلاته، وحكى الروياني في (البحر) ثلاثة أوجه في إجابة أحد الوالدين.
أحدهما: لا تجب الإجابة. ثانيها: تجب وتبطل. ثالثها: تجب ولا تبطل، والظاهر عدم
الوجوب إن كانت الصلاة فرضاً وقد ضاق الوقت، وقال عبد الملك بن حبيب: كانت صلاته
نافلة، وأجابة أمه أفضل من النافلة، وكان الصواب إجابتها لأن الاستمرار في صلاة النفل
تطوع، وإجابة أمه وبرها واجب، وكان يمكنه أن يخففها ويجيبها. قيل: لعله خشي أن تدعوه
إلى مفارقة صومعته والعود إلى الدنيا وتعلقاتها وفي الوجوب في حق الأم حديث مرسل رواه
ابن أبي شيبة عن حفص بن غياث عن ابن أبي ذئب عن محمد بن المنكدر عن النبي معَ له.
قال: ((إذا دعتك أمك في الصلاة فأجبها، وإذا دعاك أبوك فلا تجبه)) وقال مكحول: رواه
الأوزاعي عنه. وقال العوام: سألت مجاهداً عن الرجل تدعوه أمه أو أبوه في الصلاة؟ قال:
يجيبهما، وعن مالك: إذا منعته أمه عن شهود العشاء في جماعة لم يطعها، وإن منعته عن
الجهاد أطاعها، والفرق ظاهر، لأن الأمن غالب في الأول دون الثاني، وفي كتاب (البر
والصلة): عن الحسن في الرجل تقول له أمه: أفطر، قال: يفطر وليس عليه قضاء وله أجر
الصوم، وإذا قالت أمه له: لا تخرج إلى الصلاة فليس لها في هذا طاعة، لأن هذا فرض.
وقالوا: إن مرسل ابن المنكدر الفقهاء على خلافه، ولم يعلم به قائل غير مكحول، ويحتمل
أن يكون معناه: إذا دعدته أمه فليجبها، يعني: بالتسبيح، وبما أبيح للمصلي الإجابة به، وقال
ابن حبيب: من أتاه أبوه ليكلمه وهو في نافلة فليخفف ويسلم ويتكلم.
وفيه: الاحتجاج لمن يقول: إن الزنا يحرم كما يحرم وطء الحلال. وقال القرطبي:

٤١٣
٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (٧)
وهو رواية ابن القاسم عن مالك في (المدونة)، وفي (الموطأ) عكسه: لا يحرم الزنا حلالاً.
قال: ويستدل به أيضاً على أن المخلوقة من ماء الزاني لا تحل للزاني، أم أمها، وهو
المشهور. وقال ابن الماجشون: إنها تحل، ووجه التمسك على المسألتين أن النبي عَّ.
حكى عن ابن جريج أنه نسب الزنا للزاني وصدق الله نسبته بما خرق له من العادة، فكانت
تلك النسبة صحيحة، فيلزم على هذا أن تجري بينهما أحكام الأبوة والبنوة من التوارث
والولايات وغير ذلك، وقد اتفق المسلمون على أن لا توارث بينهما، فلم تصح تلك النسبة.
والمراد من ذلك تبيين هذا الصغير من ماء من كان؟ وسماه أباً مجازاً أو يكون في شرعهم
أنه يلحقه، وفيه دلالة على صحة وقوع الكرامات من الأولياء، وهو قول جمهور أهل السنة
والعلماء، خلافاً للمعتزلة. وقد نسب لبعض العلماء إنكارها، والذي نظنه بهم أنهم ما أنكروا
أصلها لتجويز العقل لها، ولما وقع في الكتاب والسنة وأخبار صالحي هذه الأمة ما يدل على
وقوعها، وإنما محل الإنكار ادعاء وقوعها ممن ليس موصوفاً بشروطها ولا هو أهل لها.
وفيه: أن كرامة الولي قد تقع باختياره وطلبه، وهو الصحيح عند جماعة المتكلمين
كما في حديث جريج. ومنهم من قال: لا تقع باختياره وطلبه.
وفيه: أن الكرامة قد تقع بخوارق العادات على جميع أنواعها، ومنعه بعضهم وادعى
أنها تختص بمثل إجابة دعاء ونحوه، قال بعض العلماء: هذا غلط من قائله وإنكار للحس.
وفيه: دلالة على أن من أخذ بالشدة في أمور العبادات كان أفضل إذا علم من نفسه
قوة على ذلك، لأن جريجاً دعا الله في التزام الخشوع له في صلاته، وفضله على الاستجابه
لأمه، فعاقبه الله تعالى على ترك الاستجابة لها بما ابتلاه الله به من دعوة أمه عليه، ثم أراه
فضل ما آثره من مناجاة ربه والتزام الخشوع له أن جعل له آية معجزة في كلام الطفل،
فخلصه بها من محنة دعوة أمه عليه.
وفيه: أن من ابتلي بشيئين يسأل الله تعالى أن يلقي في قلبه الأفضل ويحمله على أولى
الأمرين، فإن جريجاً لما ابتلي بشيئين وهو قوله: ((اللهم أمي وصلاتي))، فاختار التزام مراعاة
حق الله تعالى على حق أمه، وقال ابن بطال: قد يمكن أن يكون جريج نبياً لأنه كان في زمن
تمكن النبوة فيه، وروى الليث بن سعد عن يزيد بن حوشب عن أبيه قال: سمعت رسول الله،
عَلَّهِ، يقول: ((لو كان جريج الراهب فقيهاً عالماً لعلم أن إجابة أمه خير من عبادة ربه)). قال
صاحب (التوضيح): وحوشب هذا هو ابن طخمة، بالميم: الحميري. قلت: قال الذهبي في
(تجريد الصحابة) حوشب بن طخنة، وقيل: طخمة، يعني، بالميم: الحميري الألهاني، يعرف
بذي ظليم، أسلم على عهد النبي عَ لِّ وعداده في أهل اليمن، وكان مطاعاً في قومه، كتب
إليه النبي عَّهِ في قتل الأسود العنسي، وفي (تاريخ دمشق): كان على رجالة حمص يوم
صفين، ثم قال: حوشب له صحبة وله حديث، ففي مسند الشاميين في (مسند أحمد): ولعله
الأول، ثم قال: حوشب بن يزيد الفهري مجهول، روى عنه ابنه يزيد في ذكر جريج الراهب.

٤١٤
٢١ - كتابُ العَمل في الصَّلاةِ / باب (٨)
وفيه: عظم بر الوالدين وأن دعاءهما مستجاب، وعن هذا قال العلماء: إن إكرامهما
واجب ولو كانا كافرین، حتى روي عن ابن عباس أن له أن يزور قبر والديه ولو كانا کافرین،
وتجب نفقتهما على الولد مع اختلاف الدين عند أصحابنا. وقال أبو عبد الملك: وهذا من
عجائب بني إسرائيلٍ، يعني: أمر جريج، وهذا من أخبار الآحاد. وفي (صحيح مسلم): ((لم
يتكلم في المهد إلّ ثلاثة: عيسى بن مريم، وصاحب جريج، والصبي الذي قالت أمه، ورأت
رجلاً له شارة: إجعل ابني مثله، فنزع الثدي من فمه وقال: اللهم لا تجعلني مثله)).
فإن قلت: ظاهر هذا يقتضي الحصر، ومع هذا روي عن ابن عباس: شاهد يوسف كان
في المهد، قاله القرطبي، وعن الضحاك: تكلم في المهد أيضاً يحيى بن زكريا عليهما
السلام، وفي حديث صهيب: أنه لما حدد الأخدود تقاعست امرأة عن الأخدود فقال لها
صبيها وهو يرتضع منها: يا أمه إصبري فإنك على الحق. قلت: الجواب عن ذلك بوجهين:
أحدهما: أن الثلاثة المذكورين في الصحيح ليس فيها خلاف، والباقون مختلف فيهم. وقال
ابن عباس وعكرمة: كان صاحب يوسف ذا لحية. وقال مجاهد: الشاهد هو القميص.
والجواب الآخر: أن النبي، عَّه، قال ذلك أولاً ثم أطلعه الله على غيرهم، وقد يقال:
التنصيص على الشيء باسمه العلم لا يقتضي الخصوص، سواء كان المنصوص عليه باسمه
العدد مقروناً أو لم يكن. قلت: الخلاف فيه مشهور.
٨ - بابُ مَسْحِ الحَصَا فِي الصَّلاَةِ
أي: هذا باب في بيان حكم مسح الحصاة في الصلاة، وفي بعض النسخ: مسح
الحصى، ولم يبين في الترجمة حكمه، هل هو مباح أو مكروه أو غير جائز؟ للاختلاف الواقع
فيه.
١٢٠٧/٢٣٠ - حدّثنا أَبُو نُعَيْمِ قال حدَّثنا شَيْبَانُ عنْ يَخْيَى عنْ أَبِي سَلَمَةَ قال
حدَّثْني مُعَيْقِيبٌ أَنَّ النبيَّ عَّه قال فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي الترَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ قال إنْ كُنْتُ
فاعِلاً فَوَاحِدَةً.
قيل: لا مطابقة بين الحديث والترجمة لأن المذكور في الحديث التراب. وفي
الترجمة الحصى. قلت: قال الكرماني: الغالب في التراب الحصى، فيلزم من تسوية التراب
مسح الحصى قلت: فيه نظر لأن الحصى ربما تكون غريقة في التراب عند كونها فيه فلا يقع
عليها المسح، وقيل: ترجم بالحصى وفي الحديث التراب لينبه على إلحاق الحصى بالتراب
في الاقتصار على التسوية مرة. وقيل: أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه بلفظ الحصى،
كما أخرجه مسلم من طريق وكيع عن هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي
سلمة ((عن معيقيب قال: ذكر النبي، عَّةٍ، المسح في المسجد - يعني الحصى - قال: إن
كنت لا بد فاعلاً فواحدة))، وفي لفظ له في الرجل يسوي التراب حيث يسجد، قال: ((إن
كنت فاعلاً فواحدة)) وقيل: لما كان في الحديث: يعني، ولا يدري أهي قول الصحابي أو

٤١٥
٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (٨)
غيره، عدل البخاري إلى ذكر الرواية التي فيها التراب قلت: الأوجه أن يقال: جاء في
الحديث لفظ الحصى ولفظ التراب، فأشار بالترجمة إلى الحصى وبالحديث إلى التراب
ليشمل الإثنين.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أبو نعيم، بضم النون: الفضل بن دكين. الثاني:
شيبان، بفتح الشين المعجمة: ابن عبد الرحمن. الثالث: يحيى بن أبي كثير. الرابع: أبو
سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. الخامس: معيقب، بضم الميم وفتح العين المهملة وسكون
الياء آخر الحروف وكسر القاف بعدها باء موحدة: ابن أبي فاطمة الدوسي، حليف بني عبد
شمس، أسلم قديماً كان على خاتم رسول الله عَّ واستعمله الشيخان على بيت المال،
وأصابه الجذام، فجمع له عمر، رضي الله تعالى عنه، الأطباء فعالجوه فوقف المرض، وهو
الذي سقط من يده خاتم النبي عَّه أيام عثمان، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في
موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: أن شيخه كوفي وشيبان بصري سكن الكوفة ويحيى
يمامي وأبو سلمة مدني. وفيه: أن معيقيباً ليس له في البخاري إلاَّ هذا الحديث فقط، وقال
ابن التين: وليس في الصحابة أحد أجذم غيره.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الصلاة عن أبي موسى عن يحيى القطان
وعن أبي بكر عن وكيع وعن عبيد الله بن عمر القواريري وعن أبي بكر عن الحسن بن
موسى عن شيبان به، وأخرجه أبو داود فيه عن مسلم بن إبراهيم عن هشام، وأخرجه الترمذي
فيه عن الحسن بن الحريث. وأخرجه النسائي فيه عن سويد بن نصر، وأخرجه ابن ماجه فيه
عن دحيم ومحمد بن الصباح.
ذكر معناه: قوله: ((عن أبي سلمة))، وفي رواية الترمذي من طريق الأوزاعي عن يحيىٍ
حدثني أبو سلمة. قوله: ((في الرجل)) أي: في شأن الرجل، وذكر الرجل لأنه الغالب وإلاّ
فالحكم جار في الذكر والأنثى من المكلفين. قوله: ((يسوي التراب))، جملة حالية من
الرجل. قوله: ((حيث يسجد))، يعني في المكان الذي يسجد فيه. قوله: ((قال)) أي: الرسول،
عَِّ. قوله: ((إن كنت فاعلاً) أي: مسوياً للتراب، ولفظ الفعل أعم الأفعال، ولهذا استعمل
لفظ: فاعلون في موضع مؤدون في قوله تعالى: ﴿والذين هم للزكاة فاعلون﴾ [المؤمنون -
٤]. قوله: ((فواحدة))، بالنصب على إضمار الناصب تقديره: فامسح واحدة، ويجوز أن تكون
منصوبة على أنها صفة لمصدر محذوف والتقدير: إن كنت فاعلاً فافعل فعلة واحدة، يعني:
مرة واحدة، وكذا في رواية الترمذي: ((إن كنت فاعلاً فمرة واحدة)). ويجوز رفعها على
الابتداء، وخبره محذوف أي: ففعلة واحدة تكفي ويجوز، أن تكون خبر مبتدأ محذوف أي:
المشروع فعلة واحدة.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: الرخصة بمسح الحصى في الصلاة مرة واحدة، وممن

٤١٦
٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (٩)
رخص به فيها أبو ذر وأبو هريرة وحذيفة، وكان ابن مسعود وابن عمر يفعلانه في الصلاة، وبه
قال من التابعين: إبراهيم النخعي وأبو صالح، وحكى الخطابي في (المعالم) كراهته عن كثير
من العلماء، وممن كرهه من الصحابة: عمر بن الخطاب وجابر، ومن التابعين: الحسن
البصري وجمهور العلماء بعدهم، وحكى النووي في (شرح مسلم) اتفاق العلماء على كراهته
لأنه ينافي التواضع، ولأنه يشغل المصلي. قلت: في حكايته الاتفاق نظر، فإن مالكاً لم ير به
بأساً، وكان يفعله في الصلاة. وفي (التلويح) روي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يمسحون
الحصى لموضع سجودهم مرة واحدة، وكرهوا ما زاد عليها، وذهب أهل الظاهر إلى تحريم
ما زاد على المرة الواحدة. وقال ابن حزم، فرض عليه أن لا يمسح الحصى وما يسجد عليه
إلاَّ مرة واحدة، وتركها أفضل، لكن يسوي موضع سجوده قبل دخوله في الصلاة، وأخرج
الترمذي عن أبي ذر عن النبي عَّهِ قال: ((إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى، فإن
الرحمة تواجهه)) يدل على أن النهي حكمته أن لا يشتغل خاطره بشيء يلهيه عن الرحمة
المواجهة له فيفوته حظه، وفي معنى مسح الحصى: مسح الجبهة من التراب والطين،
والحصى في الصلاة، ورواه ابن أبي شيبة في (مصنفه) عن أبي الدرداء، قال: ((ما أحب أن
لي حمر النعم وأني مسحت مكان جبيني من الحصى إلاَّ أن يغلبني فأمسح مسحة)). وفي
حديث أبي سعيد الخدري المتفق عليه: ((أن النبي عَِّ انصرف عن الصلاة وعلى جبهته أثر
الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين)). قال القاضي عياض: وكره السلف مسح الجبهة
في الصلاة، وقبل الانصراف يعني من المسجد مما يتعلق بها من تراب ونحوه، وحكى ابن
عبد البر عن سعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري: أنهم كانوا يكرهون أن يمسح الرجل
جبهته قبل أن ينصرف، ويقولون: هو من الجفاء. وقال ابن مسعود: أربع من الجفاء: أن
تصلي إلى غير سترة، أو تمسح جبهتك قبل أن تنصرف، أو تبول قائماً، أو تسمع المنادي ثم
لا تجيبه.
۔
٩ - بابُ بَسْطِ الثَّوْبِ فِي الصَّلاَةِ لِلسُّجُودِ
أي: هذا باب في بيان بسط المصلي ثوبه في الصلاة ليسجد عليه، ولم يبين حكمه
طلباً للعموم بأن يفعل ذلك وهو في الصلاة أو يفعله قبل أن يدخل فيها؟
١٢٠٨/٢٣١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا بِشْرٌ قال حدَّثنا غالبٌ عنْ بَكْرِ بنِ عَبْدِ
اللهِ عنْ أنَسٍ بنِ مالِكٍ رضي الله تعالى عنه قال كُنَّا نُصَلِّي معَ النَّبِيِّ عَلَّهِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ
فإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أحَدُنَا أنْ يُمَكِّنَ وَجْهَهُ مِنَ الأرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ. [أنظر الحديث
٣٨٥ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، والحديث قد مر بشرحه في: باب السجود على الثوب في
شدة الحر، في أوائل كتاب الصلاة، فإنه أخرجه هناك: عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك
عن بشر بن المفضل عن غالب القطان إلى آخره، وبشر بكسر الباء الموحدة وسكون الشين

٤١٧
٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (١٠)
المعجمة.
١٠ - بابُ ما يَجُوزُ مِنَ العَمَلِ فِي الصَّلاَةِ
أي: هذا باب في بيان ما يجوز فعله في الصلاة.
١٢٠٩/٢٣٢ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قال حدَّثنا مالِكٌ عنْ أَبِي النَّضْرِ عنْ
أبِي سَلَمَةَ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ كُنْتُ أَمُدُّ رِجْلِي فِي قِبْلَةِ النبيِّ عَ له وَهْوَ
يُصَلِّي فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَرَفَعْتُهَا فَإِذَا قامَ مَدَدْتُهَا. [أنظر الحديث ٣٨٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إنه يدل على أن العمل اليسير في الصلاة لا يفسدها، وقد
مر الحديث في: باب الصلاة على الفراش، في أوائل كتاب الصلاة، فإنه أخرجه هناك: عن
إسماعيل عن مالك عن أبي النضر .. إلى آخره، وأبو النضر، بفتح النون وسكون الضاد
المعجمة: اسمه سالم.
١٢١٠/٢٣٣ - حدّثنا مَحمُودُ قال حدَّثنا شَبَابَةُ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ مُحَمَّدٍ بنِ
زِيَادٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النَّبِيِّ عَلَِّ أَنَّهُ صَلَّى صَلاَةً قال إنَّ الشَّيْطَانَ
عَرَضَ لِي فَشَدَّ عَلَيَّ لِيَقْطَعَ الصَّلاَةَ عَلَيَّ فَأَمْكَنَنِي اللَه مِنْهُ فَذَعَتُّهُ وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُوْثِقَهُ
إلَى سَارِيَةٍ حَتَّى تُصْبِحُوا فَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ فَذَّكَرْتُ قَوْلَ سُلَيْمَانَ عليهِ السَّلاَمُ رَبِّ هَبْ لِي
مُلْكاً لاَ يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِنْ بَغْدِي فَرَدَّهُ اللّه خاسِئاً ثُمَّ قال النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ فَذَعَّتُهُ بالذال أيْ
خَتَقْتُهُ وفَدََّتَهُ مِنْ قَوْلِ اللهِ تعالى ﴿يَوْمَ يُدَعُونَ﴾ [الطور: ١٣] أيْ يُدْفَعُونَ والصَّوَابُ فَدَعَتُّهُ إلاّ
أنَّهُ كَذَا قال بِتَشْدِيدِ العَيْنِ وَالتَّاءِ. [أنظر الحديث ٤٦١ وأطرافه].
مطابقة للترجمة في قوله: ((فدعته)) لأن معناه: دفعته. في قول على ما نذكره عن
قريب، وكان ذلك عملاً يسيراً، وقد مر الحديث في: باب الأسير أو الغريم يربط في
المسجد، فإنه أخرجه هناك عن إسحاق بن إبراهيم عن روح ومحمد بن جعفر عن شعبة عن
محمد بن زياد .. إلى آخره، وشبابة، بفتح الشين المعجمة وتخفيف الباء الموحدة وبعد
الألف باء أخرى مفتوحة، وفي آخره هاء: ابن سوار الفزاري، مر في آخر كتاب الحيض،
ولفظه هناك: ((أن عفريتاً من الجن تفلت علي)).
ذكر معناه: قوله: ((فشد علي))، أي: حمل، يقال: شد في الحرب يشد، بالكسر
وضبطه بعضهم بالمعجمة أعني: الذال وأظن أنه غلط. قوله: ((يقطع الصلاة))، جملة وقعت
حالاً، وهذه رواية الحموي والمستملي وفي رواية غيرهما: ((ليقطع)) بلام التعليل. قوله:
((فذعته))، الفاء للعطف، و: ذعته، فعل ماض للمتكلم وجد من الذعت بالذال المعجمة والعين
الهمدة والتاء المثناة من فوق، وهو: الخنق،، ويروى: ((فدعته))، من الدع بالدال والعين
المهملتين، وهو الدفع. ومنه قوله تعالى: ﴿يوم يدُون إلى نار جهنم﴾ [الطور: ١٣] أي:
يدفعون، وعلى هذا أصل: دعت دععت، وأدغم العين في التاء،، ويقال: معنى ذعته،
بالمعجمة مرغته في التراب. قوله: ((ولقد هممت)) أي: قصدت. قوله: ((أن أوثقه)) كلمة:
عمدة القاري / ج٧ / م٢٧
:

٤١٨
٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (١٠)
أن، مصدرية أي: قصدت أن أربطه. قوله: ((إلى سارية)) أي: أسطوانة. قوله: ((فتنظروا))، وفي
رواية الحموي والمستملي: ((أو تنظروا إليه)) بكلمة الشك. قوله: ((خاسئاً) نصب على الحال
أي: مطروداً متحيراً.
وههنا أسئلة: الأول: في أي صورة عرض له الشيطان؟ قلت: روى عبد الرزاق أنه كان
في صورة هر، وهذا معنى قوله: ((فأمكنني الله منه))، أي: صوره لي في صورة هر مشخصاً
يمكنه أخذه. الثاني: قيل: مجرد هذا القدر يعني ربطه إلى سارية لا يوجب عدم اختصاص
الملك لسليمان، عليه الصلاة والسلام، إذ المراد: بملك لا ينبغي لأحد من بعده، مجموع ما
كان له من تسخير الرياح والطير والوحش ونحوه؟ وأجيب: بأنه أراد الاحتراز عن الشريك في
جنس ذلك الملك. الثالث: ثبت أن الشيطان يفر من ظل عمر، رضي الله تعالى عنه، وأنه
يسلك فجاً غير فجه، ففراره عنه عَُّلَّه بالطريق الأولى؟ وأجيب: بأن المراد من فراره من ظل
عمر ليس حقيقة الفرار، بل بيان قوة عمر وصلابته على قهر الشيطان، وهنا صريح أنه عند الله.
قهره وطرده غاية الإمكان، وفي بعض النسخ عقيب الحديث عن النضر بن شميل: ((فذعته))،
بالذال أي: خنقته، وفدعته من قول الله عز وجل ﴿يوم يدعُون﴾ [الطور: ١٣]. أي: يدفعون،
والصواب: ((فدعته)) أي: بالمهملة، إلاَّ أنه كذا قال بتشديد العين والتاء.
ومما يستفاد منه: أن العمل اليسير لا يفسد الصلاة، وأخذوا من ذلك جواز أخذ
البرغوث والقملة ودفع المار بين يديه والإشارة والالتفات الخفيف والمشي وقتل الحية
والعقرب ونحو ذلك، وهذا كله إذا لم يقصد المصلي بذلك العبث في صلاته ولا التهاون
بها، وممن أجاز أخذ القملة وقتلها في الصلاة الكوفيون والأوزاعي. وقال أبو يوسف: قد أساء
وصلاته تامة، وكره الليث قتلها في المسجد، ولو قتلها لم يكن عليه شيء. وقال مالك: لا
يقتلها في المسجد ولا يطرحها فيه، ولا يدفنها في الصلاة. وقال الطحاوي: لو حك بدنه
لم يكره، كذلك أخذ القملة وطرحها، ورخص في قتل العقرب في الصلاة ابن عمر والحسن
والأوزاعي، واختلف قول مالك فيه، فمرة كرهه ومرة أجازه، وقال: لا بأس بقتلها إذا آذته،
وكذا الحية والطير يرميه بحجر يتناوله من الأرض، فإن لم يطل ذلك لم تبطل صلاته. وأجاز
قتل الحية والعقرب في الصلاة الكوفيون والشافعي وأحمد وإسحاق. وكره قتل العقرب في
الصلاة إبراهيم النخعي، وسئل مالك عمن يمسك عنان فرسه في الصلاة ولا يتمكن من وضع
يديه بالأرض؟ قال: أرجو أن يكون خفيفاً ولا يبعد ذلك،وروى علي بن زياد عن مالك في
المصلي يخاف على صبي يقرب من نار، فذهب إليه، فقال: إن انحرف عن القبلة ابتدأ، وإن
لم ينحرف بنى، وسئل أحمد عن رجل أمامه سترة فسقطت فأخذها وركزها. قال: أرجو أن
لا يكون به بأس، فذكر له عن ابن المبارك أنه أمر رجلاً صنع ذلك بالإعادة. قال: لا آمره
بالإعادة، وأرجو أن يكون خفيفاً. وأجاز مالك والشافعي حمل الصبي في الصلاة المكتوبة،
وهو قول أبي ثور. قلت: عندنا يكره حمل الصبي في الصلاة وإن كان بعذر لا يكره.

٤١٩
٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (١١)
١١ - بابٌ إِذَا انْفَلَتَتِ الدَّابَّةُ فِي الصَّلاَةِ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا انفلتت الدابة في حال الصلاة. الانفلات والإفلات
والتفلت: التخلص من الشيء فجأة من غير تمكث،، وجواب إذا محذوف تقديره: إذا انفلتت
الدابة وهو في الصلاة ماذا يصنع؟
وقال قَتَادَةُ إنْ أُخِذَ ثَوَيُّهُ يَتْبَعُ السَّارِقُ وَيَدَعُ الصَّلاَةَ
مطابقة هذا الأثر للترجمة من حيث إن دابة المصلي إذا انفلتت له أن يتبعها على ما
يجيء، فكذلك إذا أخذ السارق ثوبه وهو في الصلاة له أن يتبعه ويقطع صلاته، فمن هذه
الحيثية تؤخذ المطابقة، والأثر معلق، ووصله عبد الرزاق عن معمر عن قتادة بمعناه، وزاد:
((فيرى صبياً على بئر فيتخوف أن يسقط فيها؟ قال: ينصرف له)) قوله: ((ويدع))، أي: يترك
الصلاة.
٢٣٣م/١٢١١ - حدّثنا آدَمُ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال حدَّثنا الأزْرَقُ بنُ قَيْسٍ قال كُنَّا
بِالأَهْوَازِ نُقَاتِلُ الحَرُورِيَّةَ فَبَيْنَا أَنَا عَلَى جُرُفِ نَهْرٍ إِذَا رَجُلٌ يُصَلِّي وَإِذَا لِجَامُ دَائِّتِهِ بِيَدِهِ
فَجَعَلَتِ الدَّابَّةُ تُنَازِعُهُ وجَعَلَ يَتْبَعُهَا. قال شُعْبَةُ هُوَ أَبُو بَرْزَةَ الأسْلَمِيُّ فَجعَلَ رَجُلٌ مِنَ الخَوَارِجِ
يَقُولُ اللَّهُمَّ افْعَلْ بِهِذَا الشَّيْخِ فَلَمَّا انْصَرَفَ الشَّيْخُ قال إِنِّي سَمِعْتُ قَوْلَكُمْ وَإِنِّي غَزَوْتُ مَعَ
رَسُولِ اللهِ عَّه ◌ِتَّ غَزَوَاتٍ أَوْ سَبْعَ غَزَوَاتٍ أوْ ثَمَانَ وِشَهِدْتُ تَيْسِيرَهُ وَإِنِّي كُنْتُ أَنْ أُرَاجِعَ
مَعَ دَابَّتِي أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أدعَهَا تَرْجِعُ إلَى مأَلَفِهَا فَيَشُقُّ عَلَيُّ. [الحديث ١٢١١ - طرفه
في: ٦١٢٧].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فجعلت الدابة تنازعه وجعل يتبعها)).
ذكر رجاله فيه: خمس أنفس: آدم بن أبي إياس، وشعبة بن الحجاج، والأزرق، بفتح
الهمزة وسكون الزاي: ابن قيس الحارثي البصري، وهو من أفراد البخاري، ورجلان أحدهما:
هو أبو برزة الأسلمي، فسره شعبة بقوله: هو أبو برزة الأسلمي واسمه: نضلة بن عبيد، أسلم
قديماً ونزل البصرة وروي أنه مات بنيسابور، وروي أنه مات في مفازة بين سجستان وهراة.
وقال خليفة بن خياط: وافى خراسان ومات بها بعد سنة أربع وستين، وقال غيره: مات في
آخر خلافة معاوية أو في أيام يزيد بن معاوية، والآخر مجهول، وهو قوله: ((فجعل رجل من
الخوارج)).
وإسناد هذا كله بالتحديث بصيغة الجمع، وتفرد به البخاري عن الجماعة.
ذكر معناه: قوله: ((بالأهواز)) بفتح الهمزة وسكون الهاء وبالزاي، قاله الكرماني: هي
أرض خوزستان. وقال صاحب (العين): الأهواز سبع كور بين البصرة وفارس، لكل كورة منها
اسم، ويجمعها الأهواز، ولا تنفرد واحدة منها بهوز. وفي (المحكم): ليس للأهواز واحد من
لفظه: وقال ابن خردابة: هي بلاد واسعة متصلة بالجبل، وأصبهان. وقال البكري: بلد يجمع
سبع كور: كورة الأهواز وجندي وسابور والسوس وسرق ونهر بين ونهر تيري. وقال ابن
أ

٤٢٠
٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (١١)
السمعاني: يقال لها الآن: سوق الأهواز. وقال بعضهم: الأهواز بلدة معروفة بين البصرة
وفارس، فتحت أيام عمر، رضي الله تعالى عنه. قلت: قوله: بلدة، ليس كذلك، بل هي: بلاد
كما ذكرنا. قوله: ((الحرورية)) بفتح الحاء المهملة وضم الراء الأولى المخففة: نسبة إلى
حروراء اسم قرية يمد ويقصر، وقال الرشاطي: حروراء، قرية من قرى الكوفة، والحرورية صنف
من الخوارج ينسبون إلى حروراء اجتمعوا بها فقال لهم على ما نسميكم؟ ثم قال: أنتم
الحرورية لاجتماعكم بحروراء، والنسب إلى مثل حروراء أن يقال: حروراوي، وكذلك ما
كان في آخره ألف التأنيث الممدودة، ولكنه حذفت الزوائد تخفيفاً، فقيل: الحروري، وكان
الذي يقاتل الحرورية إذ ذاك المهلب بن أبي صفرة، كما في رواية عمرو بن مرزوق عن شعبة
عند الإسماعيلي.
وذكر محمد بن قدامة الجوهري في كتابه (أخبار الخوارج): أن ذلك كان في خمس
وستين من الهجرة، وكان الخوارج قد حاصروا أهل البصرة مع نافع بن الأزرق حتى قتل،
وقتل من أمراء البصرة جماعة إلى أن ولي عبد الله بن الزبير بن الحارث بن عبد الله بن أبي
ربيعة المخزومي على البصرة، وولي المهلب بن أبي صفرة على قتال الخوارج، وفي
(الكامل) لأبي العباس المبرد: أن الخوارج تجمعت بالأهواز مع نافع بن الأزرق سنة أربع
وستين، فلما قتل نافع وابن عبيس رئيس المسلمين من جهة ابن الزبير، ثم خرج إليهم حارثة
ابن بدر، ثم أرسل إليهم ابن الزبير عثمان بن عبيد الله، ثم توفي القياع فبعث إليهم المهلب
ابن أبي صفرة، وكل من هؤلاء الأمراء يمكثون معهم في القتال حيناً، فلعل ذلك انتهى إلى
سنة خمس، وهو يعكر على من قال: إن أبا برزة توفي سنة ستين، وأكثر ما قيل سنة أربع.
قوله: ((فبينا)) أصله: بين، أشبعت فتحة النون فصارت ألفاً، يقال: بينا وبينما، وهما ظرفا زمان
بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملة من مبتدأ وخبر، وفعل وفاعل، ويحتاجان إلى جواب يتم
به المعنى، والجواب هنا هو قوله: ((إذا رجل يصلي)) والأفصح في جوابهما ألاّ يكون فيه: إذ
وإذا، تقول: بينا زيد جالس دخل عليه عمرو، وإذ دخل عليه عمرو، وإذا دخل عليه عمرو.
قوله: ((أنا)) مبتدأ وخبره قوله: ((على جرف نهر))، جرف بضم الجيم والراء وبسكونها أيضاً،
وفي آخره فاء، وهو المكان الذي أكله السيل، وفي رواية الكشميهني: ((على حرف نهر)
بفتح الحاء المهملة وسكون الراء أي: على جانبه، ووقع في رواية حماد بن زيد عن الأزرق
في الأدب: ((كنا على شاطىء نهر قد نضب عنه الماء)) أي: زال، وفي رواية مهدي بن
ميمون عن الأزرق عن محمد بن قدامة: «كنت في ظل قصر مهران الأهواز على شط
دجيل))، وبين هذا تفسير النهر في رواية البخاري، والدجيل، بضم الدال وفتح الجيم وسكون
الياء آخر الحروف وفي آخره لام: وهو نهر ينشق من دجلة، نهر بغداد. قوله: ((إذا رجل))
كلمة: إذا، في الموضعين للمفاجأة، وفي رواية الحموي والكشميهني ((إذا جاء رجل))، قوله:
((قال شعبة)) هو أبو برزة الأسلمي، أي: الرجل المصلي، والذي يقتضيه المقام أن الأزرق بن
قيس الذي يروي عنه شعبة لم يسم الرجل شعبة، ولكن رواه أبو داود الطيالسي في (مسنده)